Verse. 2169 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۣ فَمَنْ شَاۗءَ فَلْيُؤْمِنْ وَّمَنْ شَاۗءَ فَلْيَكْفُرْ۝۰ۙ اِنَّاۗ اَعْتَدْنَا لِلظّٰلِمِيْنَ نَارًا۝۰ۙ اَحَاطَ بِہِمْ سُرَادِقُہَا۝۰ۭ وَاِنْ يَّسْتَغِيْثُوْا يُغَاثُوْا بِمَاۗءٍ كَالْمُہْلِ يَشْوِي الْوُجُوْہَ۝۰ۭ بِئْسَ الشَّرَابُ۝۰ۭ وَسَاۗءَتْ مُرْتَفَقًا۝۲۹
Waquli alhaqqu min rabbikum faman shaa falyumin waman shaa falyakfur inna aAAtadna lilththalimeena naran ahata bihim suradiquha wain yastagheethoo yughathoo bimain kaalmuhli yashwee alwujooha bisa alshsharabu wasaat murtafaqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقل» له ولأصحابه هذا القرآن «الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» تهديد لهم «إنا أعتدنا للظالمين» أي الكافرين «نارا أحاط بهم سرادقها» ما أحاط بها «وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل» كعكر الزيت «يشوي الوجوه» من حره إذا قرب إليها «بئس الشراب» هو «وساءت» أي النار «مرتفقا» تمييز منقول عن الفاعل أي قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة «وحسنت مرتفقا» وإلا فأي ارتفاق في النار.

29

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير النظم وجوه. الأول: أنه تعالى لما أمر رسوله بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا إن طردت الفقراء آمنا بك، قال بعده: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ } أي قل لهؤلاء إن هذا الدين الحق إنما أتى من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح والحسن والخمول والشهرة. الوجه الثاني: في تقرير النظم يمكن أن يكون المراد أن الحق ما جاء من عند الله، والحق الذي جاءني من عنده أن أصبر نفسي مع هؤلاء الفقراء ولا أطردهم ولا ألتفت إلى الرؤساء وأهل الدنيا. والوجه الثالث: في تقرير النظم أن يكون المراد هو أن الحق الذي جاء من عند الله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الله تعالى لم يأذن في طرد من آمن وعمل صالحاً لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من الكفار، فإن قيل: أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهم على المهم فطرد أولئك الفقراء لا يوجب إلا سقوط حرمتهم وهذا ضرر قليل. أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر، وهذا ضرر عظيم، قلنا: أما عدم طردهم فإنه يوجب بقاء الكفار على الكفر فمسلم إلا أن من ترك الإيمان لأجل الحذر من مجالسة الفقراء فإيمانه ليس بإيمان بل هو نفاق قبيح، فوجب على العاقل أن لا يلتفت إلى إيمان من هذا حاله وصفته. المسألة الثانية: قالت المعتزلة قوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } صريح في أن الأمر في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية مفوض إلى العبد واختياره. فمن أنكر ذلك فقد خالف صريح القرآن، ولقد سألني بعضهم عن هذه الآية فقلت: هذه الآية من أقوى الدلائل على صحة قولنا وذلك لأن الآية صريحة في أن حصول الإيمان وحصول الكفر موقوف على حصول مشيئة الإيمان وحصول مشيئة الكفر وصريح العقل أيضاً يدل له، فإن العقل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وبدون الاختيار له. إذا عرفت هذا فنقول حصول ذلك القصد والاختيار إن كان بقصد آخر يتقدمه واختيار آخر يتقدمه لزمه أن يكون كل قصد واختيار مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال. فوجب انتهاء تلك القصود وتلك الاختيارت إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في العبد على سبيل الضرورة عند حصول ذلك القصد الضروري والاختيار الضروري يوجب الفعل، فالإنسان شاء أو لم يشأ إن لم تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة الخالية عن المعارض لم يترتب الفعل، وإذا حصلت تلك المشيئة الجازمة شاء أو لم يشأ يجب ترتب الفعل عليه، فلا حصول المشيئة مترتب على حصول الفعل، ولا حصول الفعل مترتب على المشيئة. فالإنسان مضطر في صورة مختار، ولقد قرر الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله هذا المعنى في باب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فقال: فإن قلت إني أجد في نفسي وجداناً ضرورياً أني إن شئت الفعل قدرت على الفعل وإن شئت الترك قدرت على الترك فالفعل والترك بي لا بغيري. وأجاب عنه، وقال: هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة، وإن لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل. بل العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا بسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة، وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار في هذا المقام فحصول المشيئة في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضاً أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من الله تعالى. المسألة الثالثة: قوله: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } فيه فوائد: الفائدة الأولى: الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعي محال. الفائدة الثانية: أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة ثم نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست بتخيير. الفائدة الثالثة: أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين، بل نفع الإيمان يعود عليهم، وضرر الكفر يعود عليهم، كما قال تعالى: { أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7]، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة، وبذكر الوعد على الإيمان والعمل الصالح. أما الوعيد فقوله تعالى: {إِنَّا اعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يقول اعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه. فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام ناراً وهي الجحيم، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين: الصفة الأولى: قوله: {وَأَحَاطَ * بِهِمْ سُرَادِقُهَا } والسرادق هو الحجزة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئاً شبيهاً بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة بهم من كل الجوانب. وقال بعضهم: المراد من هذا السرادق الدخان الذي وصفه الله في قوله: { أية : ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ ظِلّ ذِى ثَلَـٰثِ شُعَبٍ } تفسير : [المرسلات: 30] وقالوا: هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشاهم هذا الدخان ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط. والصفة الثانية: لهذه النار قوله: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } قيل في حديث مرفوع إنه دردي الزيت وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل بيت المال وأخرج نفاثة كانت فيه وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال: هذا هو المهل، قال أبو عبيدة والأخفش كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل، وقيل: إنه الصديد والقيح، وقيل إنه ضرب من القطران. ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى: { أية : تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ } تفسير : [الغاشية: 4، 5] ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء. قال تعالى حكاية عنهم: { أية : أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء } تفسير : [الأعراف: 50] وقال في آية أخرى: { أية : سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ } تفسير : [إبراهيم: 50] فإذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص وقوله تعالى: {يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } وارد على سبيل الاستهزاء كقوله: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : ثم قال تعالى: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } أي أن الماء الذي هو كالمهل بئس الشراب لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغاً عظيماً ثم قال تعالى: {وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا } قال قائلون: ساءت النار منزلاً ومجتمعاً للرفقة لأن أهل النار يجتمعون رفقاء كأهل الجنة. قال تعالى في صفة أهل الجنة: { أية : وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69] وأما رفقاء النار فهم الكفار والشياطين والمعنى بئس الرفقاء هؤلاء وبئس موضع الترافق النار كما أنه نعم الرفقاء أهل الجنة ونعم موضع الرفقاء الجنة. وقال آخرون مرتفقاً أي متكأ، وسمي المرفق مرفقاً لأنه يتكأ عليه، فالإتكاء إنما يكون للاستراحة، والمرتفق موضع الاستراحة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} «الحقّ» رفع على خبر الابتداء المضمر؛ أي قل هو الحق. وقيل: هو رفع على الابتداء، وخبره في قوله «من ربكم». ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس! من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر، ليس إليّ من ذلك شيء، فالله يؤتي الحق من يشاء وإن كان ضعيفاً، ويحرمه من يشاء وإن كان قويّاً غنيّاً، ولست بطارد المؤمنين لهواكم؛ فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا. وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم فقد أعدّ لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي أعددنا. {لِلظَّالِمِينَ} أي للكافرين الجاحدين. {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قال الجوهري: السُّرادق واحد السُّرادقات التي تمدّ فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. قال رؤبة:شعر : يا حَكَمُ بنَ المنذر بن الجارُودْ سُرادِقُ المجد عليك مَمْدُودْ تفسير : يقال: بيت مُسردَق. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفِيَلة:شعر : هو المْدخِل النعمانَ بيتاً سماؤه صُدورُ الفيولِ بعد بَيتٍ مَسَرْدَقِ تفسير : وقال ابن الأعرابي: «سرادقها» سورها. وعن ابن عباس: حائط من نار. الكلبي: عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة. القتبيّ: السرادق الحجزة التي تكون حول الفسطاط. وقاله ابن عزيز. وقيل: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة «والمرسلات» حيث يقول: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} تفسير : [المرسلات: 30] وقوله: {أية : وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} تفسير : [الواقعة: 43] قاله قتادة. وقيل: إنه البحر المحيط بالدنيا. وروى يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البحر هو جهنم ـ ثم تلا ـ ناراً أحاط بهم سُرَادقها ـ ثم قال: والله لا أدخلها أبداً ما دمت حياً ولا يصيبني منها قطرة» تفسير : ذكره الماورديّ. وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لسرادق النار أربع جدر كُثُف كل جدار مسيرة أربعين سنة»تفسير : . وخرجه أبو عيسى الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. قلت: وهذا يدل على أن السرادق ما يعلو الكفار من دخان أو نار، وجُدُره ما وُصف. قوله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} قال ٱبن عباس: المُهْل ماء غليظ مثل دُرْدِيّ الزيت. مجاهد: القَيْح والدّم. الضحاك: ماء أسود، وإن جهنم لسوداء، وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سُود. وقال أبو عبيدة: هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورَصاص ونُحاس وقَزْدير، فتموج بالغليان، فذلك المهل. ونحوه عن ٱبن مسعود. قال سعيد بن جُبير: هو الذي قد ٱنتهى حَره. وقال: المهل ضرب من القَطِران؛ يقال: مَهلت البعير فهو ممهول. وقيل: هو السم. والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وفي الترمذي حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله «كالمهل» قال: كعَكَر الزيت فإذا قرّبه إلى وجهه سقطت فَروْة وجهه» تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رِشْدِين بن سعد ورِشْدين قد تُكُلِّم فيه من قبل حفظه. وخرج عن أبي أمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : ويُسْقَى مِن ماءٍ صَدِيدٍ يتجرعه} تفسير : [إبراهيم: 16-17] قال: «حديث : يقرّب إلى فيه فيَكرهه فإذا أدْنِيَ منه شوَى وجهه ووقعت فَروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبرهتفسير : . يقول الله تعالى {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 15] يقول {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}» قال: حديث غريب. قلت: وهذا يدل على صحة تلك الأقوال، وأنها مرادة، والله أعلم. وكذلك نص عليها أهل اللغة. في الصحاح «المهل» النحاس المُذاب. ٱبن الأعرابي: المهل المذاب من الرصاص. وقال أبو عمرو: المهل درديّ الزيت. والمهل أيضاً القيح والصديد. وفي حديث أبي بكر: ٱدفنوني في ثَوْبَيّ هذين فإنهما للمهل والتراب. و {مُرْتَفَقاً} قال مجاهد: معناه مجتمعاً؛ كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. ٱبن عباس: منزلاً. عطاء: مقرا. وقيل مهادا. وقال القتَبيّ: مجلسا. والمعنى متقارب؛ وأصله من المتّكأ، يقال منه: ٱرتفقت أي ٱتكأت على المرفق. قال الشاعر:شعر : قالت له وٱرتفقتْ ألاَ فتًى يسوق بالقوم غَزالاتِ الضُّحا تفسير : ويقال: ارتفق الرجل إذا نام على مِرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذُؤيب الهُذَليّ:شعر : نام الخَليّ وبِتُّ الليل مُرْتَفِقا كأنّ عَيْنِيَ فيها الصّاب مَذبُوحُ تفسير : الصاب: عصارة شجر مرّ.

البيضاوي

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ } الحق ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى، ويجوز أن يكون الخبر خبر مبتدأ محذوف و {مّن رَّبّكُمْ } حالاً. {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } لا أبالي بإيمان من آمن ولا كفر من كفر، وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئته. {إِنَّا أَعْتَدْنَا } هيأنا. {لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم من النار. وقيل السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقيل سرادقها دخانها وقيل حائط من نار {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من العطش. {يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ } كالجسد المذاب. وقيل كدرديّ الزيت وهو على طريقة قوله: فأعتبوا بالصيلم. {يَشْوِى ٱلْوجُوهَ } إذا قدم ليشرب من فرط حرارته، وهو صفة ثانية لماء أو حال من المهل أو الضمير في الكاف. {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } المهل. {وَسَاءتْ } النار. {مُرْتَفَقًا } متكأ وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد، وهو لمقابلة قوله وحسنت مرتفقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك، {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي أرصدنا {لِلظَّـٰلِمِينَ} وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي سورها. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة» تفسير : وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره، من حديث دراج أبي السمح به. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قال: حائط من نار. قال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : البحر هو جهنم» تفسير : قال: فقيل له كيف ذلك؟ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} ثم قال: «حديث : والله لا أدخلها أبداً، أو ما دمت حياً، لا تصيبني منها قطرة» تفسير : وقوله: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} الآية، قال ابن عباس: المهل: الماء الغليظ مثل دردي الزيت، وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره. وقال آخرون: هو كل شيء أذيب. وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئاً من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد، قال: هذا أشبه شيء بالمهل. وقال الضحاك: ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وأهلها سود، وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} أي من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه، وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ماء كالمهل - قال: - كعكر الزيت، فإذا قربه إليه، سقطت فروة وجهه فيه» تفسير : وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث، عن دراج به، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظه، هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد: عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بسر، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} تفسير : [إبراهيم: 16 - 17]، قال: «حديث : يقرب إليه، فيتكرهه، فإذا قرب منه، شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه، قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ}» تفسير : . وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار، استغاثوا، فأغيثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها، فاجتثت جلود وجوههم، فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم، اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} أي بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} تفسير : [محمد: 15] وقال تعالى: {أية : تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ ءَانِيَةٍ} تفسير : [الغاشية: 5] أي حارة، كما قال تعالى: {أية : وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ} تفسير : [الرحمن:44] {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا} أي: وساءت النار منزلاً ومقيلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق؛ كما قال في الآية الآخرى: {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُلِ } له ولأصحابه هذا القرآن {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآء فَلْيَكْفُرْ } تهديد لهم {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } أي الكافرين {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } ما أحاط بها {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ } كعكر الزيت {يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ } من حرِّه إذا قُرِّبَ إليها {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } هو {وَسَآءَتْ } أي النار {مُرْتَفَقًا } تمييز منقةل عن الفاعل أي قبح مرتفعها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة «وحسنت مرتفقاً» وإلا فأيّ ارتفاق في النار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} هذا وإن كان خارجاً مخرج التخيير فهو على وجه التهديد والوعيد، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لا ينفعون الله بإيمانهم ولا يضرونه بكفرهم. الثاني: فمن شاء الجنة فليؤمن، ومن شاء النار فليكفر، قاله ابن عباس. الثالث: فمن شاء فليعرِّض نفسه للجنة بالإيمان، ومن شاء فليعرض نفسه للنار بالكفر. {إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن سرادقها حائط من النار يطيف بهم، قاله ابن عباس. الثاني: هو دخانها ولهيبها قبل وصولهم إليها، وهو الذي قال الله تعالى فيه {أية : إلى ظلٍّ ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب} تفسير : [المرسلات: 30-31]. قاله قتادة. الثالث: أنه البحر المحيط بالدنيا. روى يعلى بن أمية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : البحر هو جهنم" تفسير : ثم تلا {ناراً أحاط بهم سرادقها} ثم قال "حديث : والله لا أدخلها أبداً ما دمت حياً ولا يصيبني منها قطرة" تفسير : والسرادق فارسي معرب، واصله سرادر. {وإن يستغيثوا يُغَاثوا بماءٍ كالمهل...} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه القيح والدم، قاله مجاهد. الثاني: دردي الزيت، قاله ابن عباس. الثالث: أنه كل شيء أذيب حتى انماع؛ قاله ابن مسعود. الرابع: هو الذي قد انتهى حره، قاله سعيد بن جبير، قال الشاعر: شعر : شاب بالماء منه مهلاً كريهاً ثم علّ المتون بعد النهال تفسير : وجعل ذلك إغاثة لاقترانه بذكر الاستغاثة. {... بئس الشراب وساءت مرتفقاً} في المرتفق أربعة تأويلات: أحدها: معناه مجتمعاً، قاله مجاهد، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. الثاني: منزلاً قاله الكلبي، مأخوذ من الارتفاق. الثالث: أنه من الرفق. الرابع: أنه من المتكأ مضاف إلى المرفق، ومنه قول أبي ذؤيب: شعر : نامَ الخَلِيُّ وَبِتُّ الليْلَ مُرْتَفِقاً كَأَنَّ عَيْنِي فيها الصَّابُ مَذْبُوحُ

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمَن شَآءَ} الله فليؤمن {وَمَن شَآءَ} الله فليكفر، أو تهديد ووعيد أو المعنى لا تنفعون الله بإيمانكم ولا تضرونه بكفركم، أو من شاء أن يعرض نفسه للجنة بالإيمان ومن شاء أن يعرضها للنار بالكفر {سُرَادِقُهَا} حائطها الذي يحيط بها، أو دخانها ولهبها قبل وصوله إليها {أية : ظِلٍّ ذِى ثَلاَثِ شُعَبٍ} تفسير : [المرسلات: 30] أو البحر المحيط بالدنيا مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم سرادق: فارسي معرب أصله سرادر {بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ} القيح والدم، أو كدُري الزيت، أو كل شيء أذيب حتى انماع، أو الذي انتهى حره وسماه إغاثة لاقترانه بالاستغاثة {مُرْتَفَقاً} مجتمعاً من المرافقة، أو منزلاً من الارتفاق أو المتكأ مضاف إلى المرفق، أو من الرفق.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ } المعنى: وقل لهم يا محمَّد هذا القرآن هو الحقُّ، * ت *: وقد ذم اللَّه تعالى الغافلين عَنْ ذكره والمُعْرِضين عن آياته في غيرما آية من كتابه، فيجبُ الحذر مما وقَع فيه أولئك، ولقد أحسن العارفُ في قوله: غَفْلَةُ ساعةٍ عَنْ ربِّكَ مُكَدِّرة لمرآة قلبكَ، فكيف بَغْفلتكَ جميعَ عُمُرك. وقد روى أبو هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: « حديث : مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُروا اللَّهَ فِيه ولَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهمْ، إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ، فإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وإِنْ شَاءَ غَفَر لَهُمْ » تفسير : رواه أبو داود والترمذيُّ والنسائي والحاكم وابنُ حِبَّان في «صحيحهما» وهذا لفظ الترمذيِّ، وقال: حديثٌ حَسَن، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرط مسلم، «والتِّرَةُ» - بكسر التاء المُثَنَّاة من فوقُ وتخفيفِ الراء - النقْصُ، وقيل: التبعة، ولفظ ابن حِبَّان: « حديث : إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنْ دَخَلَوا الجَنَّةَ » تفسير : انتهى من «السلاح». وقوله: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن...} الآية: توعُّد وتهديد، أي: فليختر كلُّ امرىءٍ لنفسه ما يجدُه غداً عند اللَّه عزَّ وجلَّ، وقال الداووديُّ، عن ابن عباس: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } يقول: من شاء اللَّه له الإِيمان، آمن، ومن شاء له الكفر، كفر، هو كقوله: { أية : وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [التكوير:29] وقال غيره: هو كقوله: { أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ } تفسير : [فصلت:40] بمعنى الوعيد، والقولان معاً صحيحان. انتهى و{أَعْتَدْنَا } مأخوذٌ من العَتَاد، وهو الشيءُ المُعَدُّ الحاضر، «والسُّرادق» هو الجدار المحيطُ كالحُجْرة التي تدورُ وتحيطُ بالفسْطَاط، قد تكون من نَوْع الفُسْطَاط أديماً أو ثوباً أو نحوه، وقال الزَّجَّاج: «السُّرَادِق»: كل ما أحاط بشيء، واختلف في سُرَادِقِ النار، فقال ابن عباس: سرادقها حائطٌ من نارٍ، وقالت فرقة: سرادقها دُخَانٌ يحيطُ بالكُفَّار، وهو قوله تعالى: { أية : ٱنطَلِقُواْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَـٰثِ شُعَبٍ } تفسير : [المرسلات:30] وقيل غير هذا، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد الخدريِّ؛ أنه قَالَ "حديث : سُرَادِقُ النَّارِ أربَعَةُ جُدُر كِثَفُ عَرْض كُلِّ جَدارٍ مَسِيرَةُ أرْبَعيِنَ سَنَةً""حديث : و«المهل» قال أبو سعيد عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: هو درديُّ الزيتِ، إِذا انتهى حَرُّه"تفسير : وقال أبو سعيد وغيره: هو كلُّ ما أذيَب من ذهبٍ أو فضة، وقالت فرقةٌ: «المُهْل» هو الصديدُ والدمُ إِذا اختلطا، ومنه قول أبي بكر رضي اللَّه عنه في الكَفَن: إِنما هو للمهلة، يريدُ لما يسيلُ من المَيِّت في قبره، ويقوى هذا بقوله سبحانه: { أية : وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ } تفسير : [ابراهيم:16] و«المُرتفق»: الشيء الذي يطلب رفقه.

البقاعي

تفسير : ولما رغبه في أوليائه، وزهده في أعدائه، ترضية بقدره بعد أن قص الحق من قصة أهل الكهف للمتعنتين، علمه ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم القصة وغيرها فقال تعالى مهدداً ومتوعداً - كما نقل عن علي رضي الله عنه وكذا عن غيره: {وقل} أي لهم ولغيرهم: هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن العوج، الظاهر الإعجاز، الباهر الحجج {الحق} كائناً {من ربكم} المحسن إليكم في أمر أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين، والإعراض عمن سواهم وغير ذلك، لا ما قلتموه في أمرهم، ويجوز أن يكون الحق مبتدأ {فمن شاء} أي منكم ومن غيركم {فليؤمن} بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم، فهو مقبول مرغوب فيه وإن كان فقيراً زريّ الهيئة ولم ينفع إلا نفسه {ومن شاء} منكم ومن غيركم {فليكفر} فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفت إليه وإن كان أغنى الناس وأحسنهم هيئة، وإن تعاظمت هيبته لما اشتد من أذاه، وأفرط من ظلمه، وسنشفي قلوب المؤمنين في الدارين بالانتقام منه، والآية دالة على أن كلاًّ من الكفر والإيمان موقوف على المشيئة بخلق الله تعالى، لأن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن يكون كل قصد مسبوقاً بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال، فوجب أن تنتهي تلك القصود إلى قصد يخلقه الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل، فإلإنسان مضطر في صورة مختار، فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية. ولما هدد السامعين بما حاصله: ليختر كل امرىء لنفسه ما يجده غداً عند الله تعالى، اتبع هذا التهديد تفصيلاً لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد لفاً ونشراً مشوشاً - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له من نون العظمة فقال تعالى: {إنا أَعتدنا} أي هيأنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة جداً، وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير {للظالمين} أي لمن لم يؤمن، ولكنه وصف إشارة إلى تعليق الحكم به {ناراً} جعلناها معدة لهم {أحاط بهم} كلهم {سرادقها} أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار الحظير حول الخيمة من جميع الجوانب. ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى: {وإن يستغيثوا} من حر النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره لهم؛ وشاكل استغاثتهم تهكماً بهم فقال تعالى: {يغاثوا بماء} ليس كالماء الذي قدمنا الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيداً جرزاً، بل {كالمهل} وهو القطران الرقيق وما ذاب في صفر أو حديد والزيت أو درديّه - قاله في القاموس. وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخيناً، وبين وجه الشبه بقوله تعالى: {يشوي الوجوه} أي إذا قرب إلى الفم فكيف بالفم والجوف! ثم وصل بذلك ذمه فقال تعالى: {بئس الشراب} أي هو، فإنه أسود منتن غليظ حار، وعطف عليه ذم النار المعدة لهم فقال تعالى: {وساءت مرتفقاً *} أي منزلاً يعد للارتفاق، فكأنه قيل: فما لمن آمن؟ فقال تعالى: {إن الذين ءامنوا} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر، عطف عليه ما يحقق ذلك فقال تعالى: {وعملوا الصالحات} ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: {إنا لا نضيع} أي بوجه من الوجوه لما يقتضيه عظمتنا {أجر من أحسن عملاً *} مشيراً بإظهار ضميرهم إلى أنهم استحقوا بذلك الوصف بالإحسان، فكأنه قيل: فما لهم؟ فقال مفصلاً لما أجمل من وعدهم: {أولئك} أي العالو الرتبة {لهم جنات عدن} أي إقامة، فكأنه قيل: ما لهم فيها؟ فقيل: {تجري من تحتهم} أي تحت منازلهم {الأنهار} فكأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: {يحلون فيها} وبنى الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية، وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلاً من الله تعالى. ولما كان الله أعظم من كل شيء، فكانت نعمه لا يحصى نوع منها، قال تعالى مبعضاً: {من أساور} جمع أسورة جمع سوار، كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس. ولما كان لمقصودها نظر إلى التفضيل والفعل بالاختيار على الإطلاق، وقع الترغيب في طاعته بما هو أعلى من الفضة فقال مبعضاً أيضاً: {من ذهب} أي ذهب هو في غاية العظمة. ولما كان اللباس جزاء العمل وكان موجوداً عندهم، أسند الفعل إليهم فقال تعالى: {ويلبسون ثياباً خضراً} ثم وصفها بقوله تعالى: {من سندس} وهو ما رقّ من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ منه؛ ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: {متكئين فيها} أي لأنهم في غاية الراحة {على الأرائك} أي الأسرع عليها الحجل، ثم مدح هذا فقال تعالى: {نعم الثواب} أي هو لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى! وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وحسنت} أي الجنة كلها، وميز ذلك بقوله تعالى: {مرتفقاً *}.

ابو السعود

تفسير : {وَقُلْ} لأولئك الغافلين المتبعين هواهم {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ} أي ما أوحيَ إليَّ الحقُّ لا غيرُ كائناً من ربكم أو الحقُّ المعهودُ من جهة ربكم لا من جهتي حتى يُتصور فيه التبديلُ أو يُمكنَ الترددُ في اتباعه وقوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} إما من تمام القولِ المأمورِ به والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه عليه كما في قوله تعالى: { أية : هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [ص: 39] وقوله تعالى: {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } تفسير : [البقرة: 147] أي عَقيبَ تحقق أن ما أوحي إليَّ حقٌّ لا ريب فيه وأن ذلك الحقَّ من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمنَ كسائر المؤمنين ولا يتعللَ بما لا يكاد يصلُح للتعلل ومن شاء أن يكفرَ به فليفعلْ، وفيه من التهديد وإظهارِ الاستغناءِ عن متابعتهم وعدمِ المبالاةِ بهم وبإيمانهم وجوداً وعدماً ما لا يخفى، وإما تهديدٌ من جهة الله تعالى والفاء لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر لا على مضمون المأمورِ به، والمعنى قل لهم ذلك، وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدِّقَك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفُر به أو يكذِّبَك فيه فليفعل، فقوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا} وعيدٌ شديدٌ وتأكيدٌ للتهديد وتعليلٌ لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يُفْهم من ظاهر التخيـيرِ من عدم المبالاةِ بكفرهم وقلةِ الاهتمامِ بزجرهم عنه، فإن إعدادَ جزائِه من دواعي الإملاءِ والأمهالِ، وعلى الوجه الأول هو تعليلٌ للأمر بما ذكر من التخيـير التهديديِّ أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا {لّلظَّـٰلِمِينَ} أي هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه، والتعبـيرُ عنهم بالظالمين للتنبـيه على أن مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحد ووضعٌ للشيء في غير موضعه {نَارًا} عظيمةً عجيبة {أَحَاطَ بِهِمْ} أي يحيط بهم، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على التحقق {سُرَادِقُهَا} أي فُسطاطُها شُبّه به ما يحيط بهم من النار، وقيل: السرادِقُ الحجرةُ التي تكون حول الفُسطاطِ، وقيل: سرادِقُها دُخانُها، وقيل: حائط من نار {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من العطش {يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ} كالحديد المذاب، وقيل: كدُرْدِيِّ الزيت وهو على طريقة قوله: فاعتُبوا بالصَّيْلم {يَشْوِى ٱلْوجُوهَ} إذا قدم ليُشرَب انشوى الوجهُ لحرارته. عن النبـي عليه الصلاة والسلام: « حديث : هو كعَكَر الزيت فإذا قُرب إليه سقطت فروةُ وجهه » تفسير : {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} ذلك {وَسَاءتْ} النار {مُرْتَفَقًا} متكأً، وأصل الارتفاقِ نصبُ المِرْفقِ تحت الخد وأنى ذلك في النار، وإنما هو بمقابلة قوله تعالى: {حَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الآية: 29]. قال ابن عطاء: أظهر الحق للخلق، سُبل الحق وطرق الحقيقة فمن سألك فيه بالتوفيق، ومعرض عنه بالخذلان وهذا قوله: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} فمن سأله الحق الهداية هداه بطريق الإيمان ومن شاء الله له الإضلال سلك به مسلك الكفر وهو الضلال البعيد.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}. قُلْ يا محمد: ما يأتيكم من ربِّكم فهو حقٌّ، وقوله صِدْقٌ {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}.. هذا غاية التهديد، أي إنْ آمنتم ففوائدُ إيمانكم عليكم مقصورة، وإنْ أَبَيْتُم فَعذَابُ الجحود موقوفٌ عليكم، والحقُّ - سبحانه - عزيز لا يعود إليه بإيمان الكافة -إذا وَحَّدُوا - زَيْنٌ، ولا مِنْ كُفْرِ الجميع - إنْ جحدوا - شَيْنٌ. قوله جلّ ذكره: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}. العقوبة الكبرى لهم أن يشغلهم بالألم حتى لا يتفرغوا عنه إلى الحسرة على ما فاتهم من الحقِّ، ولو علموا ذلك لَعَلَّه كان يرحمهم. والحقُّ - سبحانه - أكرم من أن يعذَبَ أحداً يُتَّهَمُ لأَجْلِه. ويقال لو علموا مَنْ الذي يقول: {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} لعلَه كان لهم تَسَلَ ساعةً، ولكنهم لا يعرفون قَدْرَ مَنْ يقول هذا، وإلا فهذا شِبْهُ مرتبةٍ لهم، والعبارة عن هذا تدق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} ان الله سبحانه علم من كتمان نبيه صلى الله عليه وسلم سر اسرار الازل وماله من عند الله من علومه الغريبة وانبائه العجيبة من العلوم المجهولة ولطائف الحقيقة واحكام صفاته المتشابهة من شفقته على امته وعلم بضعف حملهم اثقال تلك الحقائق فامره الحق ان لا يكتم تلك الاسرار التى اعلام فضائله وفضائل خواص اهل الولاية واسرار الربوبية فى قلوبهم ويفشيها ولا يخاف من ايمان الخلق بها وانكارهم عليها فان العاشق الصادق لا يبالى بهتك الاسرار عند الاغيار ولا يخاف لومة لائم ولا يكون فى قيد ايمان الخلق وانكارهم فان لذة عشقه فى هتك الاسرار اصفى الحلاوة عيشه فى ذلك اشفى الا ترى الى قول القائل شعر : الا سقنى خمرا وقل لى هى الخمر ولا تسقنى سرا اذا امكن الجهر وبح باسم من اهوى ودعنى من الكنى فلا جبر فى اللذات من دونها ستر تفسير : كانه تعالى حث نبيه عليه الصلاة والسّلام على التحديث بنعمه بقوله واما بنعمة ربك فحدث واشارة الظاهر اى بين طريق الرشد عن الغى لمن تابع الرشد فلا يتبعه الا بتوفيق الازل ومن ضل فى الغى فلا يضل الا بسابق === الحق قال ابن عطا اظهر الحق للخلق سبيل الحق وطرق الحقيقة فمن سالك فيه بالتوفيق ومعرض عنه بالخذلان وهذا قوله قل الحق من ربكم فمن شاء الحق له الهداية هداه بطريق الايمان ومن شاء الله له الاضلال سلك به مسلك الكفر وهو الضلال البعيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقل} لاولئك الغافلين المتبعين هواهم {الحق} ما يكون {من ربكم} من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى فانه باطل او هذا الذى اوحى الى هو الحق كائنا من ربكم فقد جاء الحق وانزاحت العلل فلم يبق الا اختياركم لانفسكم ما شئتم مما فيه النجاة والهلاك. وفى التأويلات النجمية {وقل الحق من ربكم} فى التبشير والانذار وبيان السلوك لمسالك ارباب السعادة والاحتراز عن مهالك اصحاب الشقاوة {فمن شاء فليؤمن} من نفوس اهل السعاة {ومن شاء فليكفر} من قلوب اهل الشقاوة. قال فى الارشاد {فمن شاء فليؤمن} كسائر المؤمنين ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعليل {ومن شاء فليكفر} لا ابالى بايمان من آمن وكفر من كفر فلا اطرد المؤمنين المخصلين لهواكم لرجاء ايمانكم بعد ما تبين الحق ووضح الامر وهو تهديد ووعيد لا تخيير اراد ان الله تعالى لا ينفعه ايمانكم ولا يضره كفركم فان شئتم فآمنوا وان شئتم فاكفروا فان كفرتم فاعلموا ان الله يعذبكم وان آمنتم فاعلموا انه يثيبكم كما فى الاسئلة المقحمة قال تعالى {أية : ان تكفروا فان الله غنى عنكم}تفسير : اى عن ايمانكم {أية : ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : وان تعلق به ارادته من بعضهم ولكن لا يرضى رحمة عليهم لاستضرارهم به {أية : وان تشكروا}تفسير : الله فتؤمنوا {أية : يرضه لكم}تفسير : الى الشكر. قال فى بحر العلوم فمن شاء الايمان فليصرف قدرته وارادته الى كسب الايمان وهو ان يصدق بقلبه يجميع ما جاء من عند الله ومن شاء عدمه فليختره فانى لا ابالى بكليهما. وفيه دلالة بينة على ان للعبد فى ايمانه وكفره مشيئة واختيارا فهما فعلان يتحققان بخلق الله وفعل العبد معا وكذا سائر افعاله الاختيارية كالصلاة والصوم مثلا فان كل واحد منهما لا يحصل الا بمجموع ايجاد الله وكسب العبد وهو الحق الواسط بين الجبر والقدرة ولولا ذلك لما ترتب استحقاق العباد على ذلك بقوله {انا اعتدنا} هيأنا {للظالمين} اى لكل ظالم على نفسه بارادة الكفر واختياره على الايمان {نارا} عظيمة عجيبة {احاط بهم} يحيط بهم وايثار صيغة الماضى للدلالة على التحقق {سرادقها} اى فسطاطها وهو الخيمة شبه به ما يحيط بهم من النار. وفى بحر العلوم السرادق ما يدار حول الخيمة من شقق بلا سقف. وعن ابى سعيد قال عليه السلام "حديث : سرادق النار اربعة جدر كثف كل جدار مسيرة اربعين سنة"تفسير : {وان يستغيثوا}[واكر فرياد خواهى كنند ازتشنكى] {يغاثوا} [فرياد رس شوند]{بماء كالمهل} كالحديد المذاب وقيل غير ذلك والتفصيل فى القاموس وعلى اسلوب قوله يعنى فى التهكم فاعتبوا بالصليم اى يجعل المهل لهم مكان الماء الذى طلبوه كما ان الشاعر جعل الصليم لهم اى الداهية مكان العتاب الذى يجرى بين الاحبة {يشوى} [بريان كند وبسوزد] {الوجوه} اذا قدم ليشرب من فرط حرارته وعن النبى عليه السلام "حديث : هو كعكر الزيت"تفسير : اى درديه فى الغلظة والسواد فاذا قرب اليه سقطت فروة وجهه {بئس الشراب} ذلك الماء الموصوف لان المقصود تسكين الحرارة وهذا يبلغ فى الاحراق مبلغا عظيما {وساءت} النار {مرتفقا} تمييز اى متكأ ومنزلا واصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد وأنى ذلك فى النار وانما هو لمقابلة قوله {أية : وحسنت مرتفقا } تفسير : وقال سعدى المفتى الاتكاء على المرفق كما يكون للاستراحة يكون للتحيرو التحزن وانتفاء الاول هنا مسلم دون الثانى فلا تثبت المشاكلة انتهى. يقول الفقير المتكأ بمعنى [تكيه كاه] بالفارسية والاعتماد لا يراد حقيقته وانما يراد المنزل فيجرد عن الاستراحة لكونه جهنم نعوذ بالله منها. فعلى المؤمن الاجتناب عن الظلم والمعاصى والاصرار عليهما على تقدير الذلة فالتدارك بالاستغفار والندامة ولاشتغال بالتوحيد والاذكار والا فالسفر بعيد وحر الناس شديد وماؤها مهل وصديد وقيدها حديد وفى الحديث"حديث : ان ادنى اهل النار عذابا ينعل بنعلين من نار يغلى دماغه من حرارة نعله"تفسير : - روى - عن مالك بن دينار انه قال مررت على صبى وهو يلعب بالتراب يضحك تارة ويبكى اخرى فاردت ان اسلم عليه فمنعتنى نفسى فقلت يا نفس كان النبى صلى الله عليه وسلم يسلم على الصغار والكبار فسلمت فقال وعليك السلام ورحمة الله يا مالك فقلت ومن اين عرفتنى قال الفت روحى بروحك فى عالم الملكوت فعرفنى الحى الذى لا يموت فقلت ما الفرق بين النفس والعقل فقال نفسك التى منعتك عن السلام وعقلك الذى حرضك عليه فقلت لم تلعب بالتراب فقال لانا خلقنا منه ونعود اليه فقلت ولم الضحك والبكاء قال اذا ذكرت عذاب ربى ابكى واذا ذكرت رحمته اضحك فقلت يا ولدى أى ذنب لك حتى تبكى اى لانك لست بمكلف قال لا تقل هذا فانى رأيت امى لم توقد الحطب الكبار الا بالصغار فعليك بالاعتبار:وفى المثنوى. شعر : نى ترا از روى ظاهر طاعتى نى ترا درسر باطن نيتى نى ترا شبها مناجات وقيام نى ترا در روز برهيز وصيام نى ترا حفظ زبان ز آزار كس نى نظر كردن بعبرت بيش وبس بيش جه بود ياد مرك ونزع خويش بس جه باشد مردن ياران زبيش نى ترا برظلم توبه بر خروش اى دغا كندم نماى جو فروش جون ترازوى تو كج بود ودغا راست جون جويى ترازوى جزا جونكه باى جب بدى درغد روكاست نامة جون آيد ترا دردست راست جون جزا سايه است اى قد توخم سايه تو كج فتد در بيش هم تفسير : وعن يزيد الرقاشى انه قال حديث : جاء جبريل الى النبى صلى الله عليه وسلم متغير اللون قال النبى عليه السلام "يا جبريل مالى اراك متغير اللون" فقال يا محمد جئتك الساعة التى امر الله فيها بمنافخ النار فقال صلى الله عليه وسلم "صف لى جهنم" قال يا محمد ان الله لما خلق جهنم جعلها سبع طبقات ان اهون طبقة منها فيها سبعون الف الف جبل من نار وفى كل جبل سبعون الف الف واد من نار وفى كل واد سبعون الف الف بيت من نار وفى كل بيت سبعون الف الف صندوق من نار وفى كل صندوق سبعون الف الف نوع من العذاب تفسير : نعوذ بالله تعالى منه كذا فى مشكاة الانوار وهذا غير محمول على المبالغة بل هو على حقيقته لانه مقابل بنعيم ا لجنان فكل من العذاب والنعيم خارج عن دائرة العقل وليس للعاقل الا التسليم والاحتراز عن موجبات العذاب الاليم {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات} جمعوا بين عمل القلب وعمل الاركان. والصالحات جمع صالحة وهى فى الاصل صفة ثم غلب استعمالها فيما حسنه الشرع من الاعمال فلم تحتج الى موصوف ومثلها الحسنة فيما يتقرب به الى الله تعالى {انا لا نضيع} [الاضاعة كم كردن] {اجر من احسن عملا} الاجر الجزاء على العمل وعملا مفعول احسن والتنوين للتقليل ووضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ان الاجر انما يستحق بالعمل دون العلم اذ به يستحق ارتفاع الدرجات والشرف والرتب كما فى الحديث القدسى "حديث : ادخلوا الجنة بفضلى واقتسموها باعمالكم"تفسير : وعن البراء ابن عازب رضى الله عنه قال قام اعرابى الى النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع والنبى واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال انى رجل متعلم فخبرنى عن قول الله تعالى {ان الذين آمنوا} الآية فقال عليه السلام "حديث : يا اعرابى ما انت منهم ببعيد وما هم عنك ببعيد هم هؤلاء الاربعة الذين هم وقوف معى أبو بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهم فاعلم قومك ان هذه الآية نزلت فى هؤلاء الاربعة"تفسير : ذكره الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الحق}: خبر، أي: هذا الذي أُوحي إليَّ الحقُّ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقل}: يا محمد لأولئك الغافلين المتبعين أهواءهم، أو: لمن جاءك من الناس: هذا الذي جئتكم به من عند ربي هو {الحقُّ من ربكم} أي: من جهة ربكم، لا من جهتي، حتى يتصور فيه التبديل، أو يمكن التردد في اتباعه. {فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفرْ}، وهو تهديد، أي: فمن شاء أن يؤمن فليؤمن كسائر المؤمنين، ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعليل، ومن شاء أن يكفر فليفعل، وفيه مع التهديد الاستغناء عن متابعتهم، وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم. ثم أوعدهم على الكفر، فقال: {إِنا أعْتَدْنا للظالمين} أي: هيأنا للكافرين بالحق، بعد ما جاء من الله سبحانه، والتعبير عنهم بالظالمين؛ للتنبيه على أن اختيارهم الكفر ظلمٌ وتجاوزٌ عن الحد، ووضعٌ للشيء في غير محله، أي: هيأنا لهم {نارًا} عظيمة {أحاط بهم} أي: محيطُ بهم {سُرادِقُها} أي: سورها المحيط بها، والتعبير بالماضي؛ لتحقق وقوعه، والسرادق: ما يحيط بالشيء، كالجدار ونحوه. قيل: هو حائط من نار، وقيل: دخانها. {وإِن يستغيثوا}؛ من العطش {يُغَاثوا بماء كالمهل}: كَمُذَاب الحديد والرصاص في الحرارة. وقيل: كرديء الزيت في اللون، {يشوي الوجوه} إذا قُدم ليشرب؛ بحرارته. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هو كَعَكِرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرّبَ مِن الكافر سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ، فإذَا شَرِبَهُ تقَطَّعَت أَمْعَاؤُه "تفسير : . {بئسَ الشرابُ} ذلك، {وساءت}؛ النار {مُرتفقًا}: مُتَّكًا، وأصل الارتفاق: نصب المِرفق تحت الخد ليتكئ عليه، وأنى ذلك في النار، وإنما هو بمقابلة قوله في المؤمنين: {وحسنت مرتفقًا}. الإشارة: ينبغي للواعظ، أو المُذكر، أو العالم، ألا يحرص على الناس، بل يستغني بالله في أموره كلها، وإنما يُبين الحق من الباطل، ويقول: هذا الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن يشاء فليكفر. هذا إذا كان لعامة الناس، وأما إن كان لخاصتهم؛ كأهل الرئاسة والجاه، فاختلف فيه؛ فقال بعضهم: يسلك هذا المنهاج يُبين الحق ولا يبالي، محتجًا بالآية، قال: نحن أمة محمدية، قال تعالى له: {وقل الحق من ربكم...} الآية، وقال بعضهم: ينبغي أن يلين لهم القول؛ لقوله تعالى: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 44]، وهو الأليق بطريق السياسة، فمن أعرض عن الوعظ، وبقي على ظلمه، فالآية تجر ذيلها عليه. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...}

الجنابذي

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} يعنى قل للغافلين الّلائمين لك فى مجالسة الفقراء الحقّ ما جاء من قبل ربّكم وهو الصّبر مع الفقراء {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن} اى من شاء فليسلم بى {وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} او قل الولاية هو الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن بالبيعة الخاصّة الولويّة ومن شاء فليكفر فانّه لا اكراه فى الدّين وطريق الولاية فالاختيار فى ذلك اليكم {إِنَّا أَعْتَدْنَا} هيّأنا {لِلظَّالِمِينَ} انفسهم فى الكفر بك او فى ترك الولاية وغصب الخلافة {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} وان كانوا لا يشعرون بها وسيظهر لهم انّها كانت محيطةً بهم {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} كدردىّ الزّيت المغلى او كالنّحاس المذاب {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} لفرط حرارته ونتنه حينما يقرب الى الفم {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} المهل {وَسَآءَتْ} النّار {مُرْتَفَقاً} متّكأً ليّناً يستراح به وهو امّا من باب المشاكلة مع قوله وحسنت مرتفقاً، او من باب استعمال الضّدّ فى الضّد تهكّماً.

الأعقم

تفسير : {وقل} يا محمد لهؤلاء الكفرة هذا الذي تلوته عليكم هو {الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تهديد ليس بإباحة وتخير أي أظهر الحق فمن تبعه نجا ومن خالفه هلك، والمعنى جاء الحق وانزاحت العلل فلم إلا اختاروا لأنفسكم ما شئتم أما طريق النجاة أو طريق الهلاك {إنا أعتدنا} هيّأنا {للظالمين}، قيل: العاصين {ناراً أحاط بهم سرادقها}، قيل: حائط من نار يطبق بهم، وقيل: سرادقها دخانها ولهبها، وقيل: أراد النار تحيط بهم من جوانبهم، قوله تعالى: {وإن يستغيثوا} من شدة العطش وحرّ النار {يغاثوا بماء كالمهل}، قيل: كلما أذيب، وقيل: أراد الرصاص والنحاس والصفر، وقيل: هو القيح والدم، وقيل: ما اسوّد وجهنم سوداء وأهلها سود {يشوي الوجوه} إذا قرب من الوجوه شوت لحومهم وسقطت جلودهم {بئس الشراب} ذلك المذكور {وساءت مرتفقاً} متكأ، وقيل: منزلاً، وقيل: مقراً، وقيل: مجلساً ولما تقدم الوعيد عقبه بذكر الوعد على عادته فقال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني ما أوجب عليهم من الطاعات، {إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} على إحسانه وتوفيقه أجره من غير بخسٍ، ثم بيّن ذلك الأجر فقال سبحانه: {أولئك لهم جنات} أي بساتين {عدن}، قيل: جنات الخلد عن أبي علي لأن العدن هو الإِقامة، وقيل: العدن اسم من أسماء الجنة، وقيل العدن أحد الجنان الأربع {تجري من تحتهم الأنهار} أي من تحت أبنيتها {يحلّون فيها} أي يزينون {فيها من أساور من ذهب} على كل واحد ثلاثة أساور واحد من فضة وواحد من ذهب وواحد من لؤلؤ وياقوت {ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق} قيل: السندس ما رقّ من الديباج، والاستبرق ما غلظ {متكئين فيها على الأرائك}، قيل: على السرر في الحجال، وقيل: على الفرش في الحجال {نعم الثواب} نعم الجزاء {وحسنت مرتفقاً}، قيل: مجلساً ومكاناً، وقيل: مجالسة النبيين والصديقين كقوله: {أية : وحسن أولئك رفيقاً} تفسير : [النساء: 69] حكاه الأصم، ثم ضرب الله مثلاً للفريقين الذين تقدم ذكرهم فقال سبحانه: {واضرب لهم مثلاً} أي لمن تقدم ذكرهم، أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال {رجلين} أخوين من بني إسرائيل وكان أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: {أية : إني كان لي قرين}تفسير : [الصافات: 51]، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاشترى الكافر أرضاً بألف دينار، فقال له المؤمن: اللهم ان أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري أرضاً في الجنة بألف وتصدق به، ثم اشترى أخوه داراً بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق، وتزوج امرأة بألف، فقال: اللهم اني جعلت ألفاً صداق للحور العين، ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف، فقال: اللهم إني أشتري منك الولدان المخلدون بألف فتصدق به، ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمرّ به فتعرض له فطرده ووبّخه على التصدق بماله {وحففناهما بنخل} جعلنا النخل محيطاً بالجنتين {وجعلنا بينهما زرعاً}، قيل: حول الأعناب الزرع ووسطه الزرع، وقيل: بين الجنتين الزرع {كلتا الجنتين} كل واحدة منهما {آتت} أعطت {أكلها} ثمرها {ولم تظلم منه شيئاً} لم تنقص {وفجّرنا} شققنا {خلالهما} وسطهما يعني وسط الجنتين {نهراً} يجري فيه الماء {وكان له ثمر} أي للرجل الكافر ثمر من النخل الذي فيه، وقيل: ذهب وفضة، وقيل: مستوف الأموال {فقال} الكافر {لصاحبه} المؤمن {وهو يحاوره} يخاطبه {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً}، قيل: عشيرة ورهطاً، وقيل: خدماً، وقيل: ولداً {ودخل جنته} يعني الكافر {وهو ظالم لنفسه} بكفره {قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً}، قيل: أراد ما دمت حيَّاً، وقيل: توهم {ومآ أظنُّ الساعة قائمة} آتية {ولئن رددت إلى ربي} أي صرت اليه في المعاد {لأجدن خيراً منها منقلباً} أي منزلاً ومرجعاً، ومتى قيل: كيف صحّ قوله ولئن رددت الى ربي مع أنه كافر؟ قيل: معناه ولئن رددت إلى ربي كما زعمت.

الهواري

تفسير : قال: {وَقُلِ الحَقَّ مِن رَّبِّكُمْ} يعني القرآن { فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} وهذا وعيد هو له شديد، أي: من آمن دخل الجنة، ومن كفر دخل النار. قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} أي: للمشركين والمنافقين {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي: سورها، ولها عمد. فإذا مدّت تلك العمد أطبقت على أهلها، وذلك حين يقول: (أية : اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ) تفسير : [المؤمنون:108]. فإذا قال ذلك أطبقت عليهم؛ وهو قوله: {إِنَّهُا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ} أي: مطبقة (أية : فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) تفسير : [الهمزة: 98]. قوله: { وَإِن يَّسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ}. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه أهديت له سقاية ذهب وفضة. فأمر بخدود فخدّت في الأرض. ثم قذف فيها من جزل الحطب. ثم قذف فيها تلك السقاية، حتى إذا أزبدت وماعت قال لغلامه: ادع من بحضرتنا من أهل الكوفة. فدعا رهطاً. فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شبهاً للمهل أدنى من هذا الذهب وهذه الفضة حين أزبد وماع. وقال بعضهم: المهل كعكر الزيت. وقال مجاهد: المهل: القيح والدم. قوله: { يَشْوِي الوُجُوهَ} أي: يحرق الوجوه إذا أهوى ليشربه. { بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} أي: منزلاً ومأوى. وقال مجاهد: {وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} أي: مجتمعاً. وقوله: وساءت أي: بئس المنزل والمأوى هي جهنم. وهذا وعيد هوله شديد لمن كفر.

اطفيش

تفسير : {وَقُلِ الْحقُّ} مبتدأ {مِنْ رَبِّكُمْ} خبر أى الحق ثابت من الله أو الخبر كون خاص أى آتٍ من ربكم لا ثابت ولا آت من جهة أهوائكم فالحق هو ما جاء عن ربكم لا غير ويجوز كون الحق فاعلا لمحذوف أى جاء الحق من ربكم فيتعلق الجار بجاء المحذوف أو كون الحق خبراً لمحذوف أى القرآن الحق أو ما أوحى إليك هو الحق أو هذا هو الحق فتعلق بمحذوف حال من الخير. {فَمَنْ شَاءَ} الإيمان. {فَلْيُؤْمِنْ} ولا يشترط طرد المؤمنين بل يحسن له أن يوافقهم ويعينهم لأمر الدين والدنيا. {وَمَنْ شَاءَ} الكفر لشرط طرد المؤمنين. {فَلْيَكْفُرْ} فإِنى لا أطردهم لا أبالى بإيمان مؤمن ولا كفر كافر فإن النفع أو الضر عائد إلى صاحبه فالآية تتضمن التهديد وزيادة ولا نسخ فى ذلك. وزعموا عن قتادة والسدى أنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : وما تشاءون إلا أن يشاء الله} تفسير : ولا دليل فى الآية على استقلال العبد بفعله لأنه ولو علق الإيمان والكفر على مشيئة العبد لكن فعله خلق من الله بل مشيئته أيضا خلق من الله والاكتساب من المخلوق. {إنَّا أَعْتَدْنَا} تحقيق هذا الفعل أن همزته للتعدية وفاؤه هو الحرف بعد الهمزة وعينه هو التاء فهو أصل وثلاثيه عتد أى حضر فيقال: أعتدته بمعنى أحضرته وهيّأته فالمعنى إنا أحضرنا وهيأْنا. {لِلظَّالِمِينَ} المشركين والمنافقين {نَاراً} أخروية. {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} فسطاطها شبه ما يحيط بهم من النار وكان عليهم كالجدار بالفسطاط المضروب كبيوت الشعر وغيره فسماه باسم الفسطاط بجامع إحاطة كل بما فى داخله وذلك مقتضى قول ابن عباس. أو شبَّه ما يحيط بهم من حيطان جهنم من حديد أو حجر أو مما شاء الله وعمد ممددة بالفسطاط فسماه باسمه وذلك بعد قوله: {أية : اخسئوا فيها ولا تكلمون}. تفسير : وقيل: السرادق: الحجرة التى تكون حول الفسطاط. وقيل: دخانها وذلك أيضا على التشبيه. روى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار أربعون سنة تفسير : أخرجه الترمذى وذلك كله بعد الحشر ودخول النار ولتحقق وقوع ذلك بعد لا محالة صيره بمنزلة الواقع فقال: أَحاط ولم يقل يحيط أو هو مستعمل بمعنى يحيط. وقيل: المراد بالسرادق دخان يحيط بهم فى الموقف وقيل: عنق من النار يخرج ويحيط بهم فى الموقف فيجرهم إليهم وذلك أيضا مستقبل بمنزلة الواقع عافانا الله بمنة وكرمه. {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا} يطلبوا الغوث بماء لشدة العطش. {يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} أى كدُرْدِىّ الزيت فى الغلظ قاله ابن عباس رضى الله عنهما. {يَشْوِى الْوُجُوهَ} إذا قرب إليها لشدة الحرارة أى يحرق الوجوه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : المهل: عكر الزيت أى دُرْديه. فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه أى جلدة وجهه تفسير : أخرجه الترمذى عن أبى سعيد. وقيل: المهل: المذاب من نحو رصاص ونحاس وفضة. أتى ابن مسعود بفضة وذهب كثيرين فأمر فأذيبا حتى أزيدا وماعا أى صار مائعين كما قال لغلامه. ادع من بحضرتنا من أهل الكوفة فدعا رهطا فقال لهم: أترون هذا؟ قالوا: نعم قال: ما رأينا فى الدنيا شبهاً للمهل أدنى من هذا الذهب وهذه الفضة إذا أذيبا حتى أزبدا وماعا. وقال مجاهد: المهل: القيح والدم وإن قلت: كيف قال: يغاثوا ولا نفع لهم فى ماء كالمهل يشوى الوجوه قلت ذلك تهكم كقوله: شعر : نَقْرِيهمُو لَهذَميّاتٍ نَقُدُّ بها ما كان خاط عليهم كلُّ زَرَّادِ تفسير : فإن القرْى وهو الضيافة لا يكون باللهذميات وهو الأسنّة القاطعة وقوله تعالى: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : على أحد الأوجه فيه وقول بشر بن أبى خازم الأسدى: شعر : غضبتْ تميم أن يقتل عامر يوم النسار فأعتبت بالصيلم تفسير : أى أزيل عتابهم وأرضوا بالسيف أو الداعية والأمر النظم نزّل الداهية أو السيف بالعتاب الجارى بين الأحبة وجملة: يشوى الوجوه نعت ثان لماء والأول هو قوله كالمهل أو حال من ضمير الماء المستتر فى قوله كالمهل من المهل. {بِئْسَ الشَّرَابُ} المخصوص بالذم محذوف أى ذلك الماء أو هو {وَسَاءَتْ} أَى النار. {مُرْتَفَقاً} أى موضع ارتفاق أى نزول فكأنه قيل: ساءت منزلا كما قال ابن عباس وقيل: موضع اجتماع وقيل: المرتفق ما يتكئون عليه أى ساء موضع الاتكاء فيها. وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد والمرفق ما يتكأ عليه وذلك تهكم بهم لأنه لا ارتفاق لأهل النار أو استعارة لمواضعهم فى النار وهو اسم مكان ويجوز أن يكون مصدراً ميميا أو نزولا أو اجتماعا أو اتكاء ويجوز كونه مصدراً ميميماً بمعنى الأصحاب ونصبه على الأوجه كلها نصب تميز الذى هو فاعل فى المعنى وهذه الأوجه كلها ممكنة فى قوله حسنت مرتفقا وعبر هنا بمرتفقا مشاكلة لقوله بعد: {أية : وحسنت مرتفقا}تفسير : إذا فسرناهما بالمتكأ.

الالوسي

تفسير : {وَقُلْ} لأولئك الذين أغفلنا قلوبهم عن الذكر واتبعوا هواهم {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ} خبر مبتدأ محذوف أي هذا الذي أوحى إلي الحق و {مّن رَّبّكُمْ} حال مؤكدة أو خبر بعد خبر والأول أولى. والظاهر أن قوله تعالى: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} من تمام القول المأمور به فالفاء / لترتيب ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد أي عقيب تحقيق أن ذلك حق لا ريب فيه لازم الاتباع من شاء أن يؤمن به ويتبعه فليفعل كسائر المؤمنين ولا يتعلل بما لا يكاد يصلح للتعلل ومن شاء أن يكفر به وينبذه وراء ظهره فليفعل. وفيه من التهديد وإظهار الاستغناء عن متابعتهم التي وعدوها في طرد المؤمنين وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم وجوداً وعدماً ما لا يخفى. وجوز أن يكون {ٱلْحَقّ} مبتدأ خبره {مّن رَّبّكُمْ} واختار الزمخشري هنا الأول. قال في «الكشف»: ووجه إيثار الحذف أن المعنى عليه أتم التئاماً لأنه لما أمره سبحانه بالمداومة على تلاوة هذا الكتاب العظيم الشأن في جملة التالين له حق التلاوة المريدين وجهه تبارك وتعالى غير ملتفت إلى زخارف الدنيا فمن أوتي هذه النعمة العظمى فله بشكرها اشتغال عن كل شاغل ذيله لإزاحة الأعذاء والعلل بقوله سبحانه {وَقُلْ} الخ أي هذا الذي أوحي هو الحق فمن شاء فليدخل في سلك الفائزين بهذه السعادة ومن شاء فليكن في الهالكين انهماكاً في الضلالة، أما لو جعل مبتدأ فالتعريف إن كان للعهد رجع إلى الأول مع فوات المبالغة وإن كان للجنس على معنى جميع الحق من ربكم لا من غيره ويشمل الكاتب شمولاً أولياً لم يطبق المفصل إذ ليس ما سيق له الكلام كونه منه تعالى لا غير بل كونه حقاً لازم الاتباع لا غير اهـ. وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق ويشعر ظاهره بحمل الدعاء على ثاني الأقوال فيه وكون المشار إليه الكتاب مطلقاً لا المتضمن الأمر بصبر النفس مع المؤمنين وترك الطاعة للغافلين كما جوزه ابن عطية. وعلى تقدير أن يكون (الحق) مبتدأ قيل المراد به أنه القرآن كما كان المراد من المشار إليه على تقدير كونه خبراً وهو المروي عن مقاتل، وقال الضحاك: هو التوحيد، وقال الكرماني: الإسلام والقرآن. وقال مكي: المراد به التوفيق والخذلان أي قل التوفيق والخذلان من عند الله تعالى يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن ويضل من يشاء فيخذله فيكفر ليس إليَّ من ذلك شيء وليس بشيء كما لا يخفى. وجوز أن يكون قوله سبحانه {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن} الخ تهديداً من جهته تعالى غير داخل تحت القول المأمور به فالفاء لترتيب ما بعدها من التهديد على نفس الأمر أي قل لهم ذلك وبعد ذلك فمن شاء أن يؤمن به أو أن يصدقك فيه فليفعل ومن شاء أن يكفر به أو أن يكذبك فيه فليفعل، وعلى الوجهين ليس المراد حقيقة الأمر والتخيير وهو ظاهر. وذكر الخفاجي أن الأمر بالكفر غير مراد وهو استعارة للخذلان والتخلية بتشبيه حال من هو كذلك بحال المأمور بالمخالفة؛ ووجه الشبه عدم المبالاة والاعتناء، وهذا كقول كثير: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة. واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد مستقل في أفعاله موجد لها لأنه علق فيها تحقق الإيمان والكفر على محض مشيئته لأن المتبادر من الشرط أنه علة تامة للجزاء فدل على أنه مستقل في إيجادهما ولا فرق بين فعل وفعل فهو الموجد لكل أفعاله. وأجيب بأنا لو فرضنا أن مشيئة العبد مؤثرة وموجدة للأفعال لا يتم المقصود لأن العقل والنقل يدلان على توقفها على مشيئة الله تعالى وإرادته، أما الأول فلأنهم قالوا: لو لم تتوقف على ذلك لزم الدور أو التسلسل، وأما الثاني فلأنه سبحانه يقول: {أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الإنسان: 30] ومع هذا التوقف لا يتم أمر الاستقلال ويثبت أن العبد مضطر في صورة مختار وهو مذهب الأشاعرة. وفي «الإحياء» لحجة الإسلام فإن قلت: إني أجد في نفسي وجداناً ضرورياً أني إن شئت الفعل قدرت عليه وإن شئت الترك قدرت عليه فالفعل والترك بـي لا بغيري قلت: هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك / أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة أو لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل لأن العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا لسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة وإذا شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار فحصول المشيئة في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضاً أمر لازم وهذا يدل على أن الكل من الله تعالى انتهى. وبعضهم يكتفي في إثبات عدم الاستقلال بثبوت توقف مشيئة العبد على مشيئة الله تعالى وتمكينه سبحانه بالنص ولا يذكر حديث لزوم الدور أو التسلسل لما فيه من البحث، وتمام الكلام في ذلك في «كتب الكلام»، وسنذكر ان شاء الله تعالى طرفاً لائقاً منه في الموضع اللائق به. وقال السدى: هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه: {أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30] ولعله أراد أن لا يراد المتبادر منها للآية المذكورة وإلا فهو قول باطل. وحكى ابن عطية عن فرقة أن فاعل {شَاء} في الشرطيتين ضميره تعالى، واحتج له بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الآية: من شاء الله تعالى له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر. والحق أن الفاعل ضمير {مِنْ} والرواية عن الحبر أخرجها ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» فإذا صحت يحتمل أن يكون ذلك القول لبيان أن من شاء الإيمان هو من شاء الله تعالى له الإيمان ومن شاء الكفر هو من شاء الله سبحانه له ذلك لا لبيان مدلول الآية وتحقيق مرجع الضمير، ويؤيد ذلك قوله في آخر الخبر الذي أخرجه الجماعة وهو قوله تعالى: {أية : وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [التكوير: 29] والله تعالى أعلم. وقرأ أبو السمال قعنب {وقل ٱلْحق} بفتح اللام حيث وقع، قال أبو حاتم: وذلك رديء في العربية. وعنه أيضاً ضم اللام حيث وقع كأنه اتباع لحركة القاف، وقرأ أيضاً {ٱلْحق} بالنصب وخرجه صاحب «اللوامح» على تقدير قل القول الحق و {مّن رَّبّكُمْ} قيل حال أي كائناً من ربكم، وقيل: صفة أي الكائن من ربكم وفيه بحث. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي {فليؤمن} و{فليكفر} بكسر لام الأمر فيهما. {إِنَّا أَعْتَدْنَا لّلظَّـٰلِمِينَ} للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه، والتعبير عنهم بالظالمين للتنبيه على أن مشيئة الكفر واختياره تجاوز عن الحد ووضع للشيء في غير موضعه. والجملة تعليل للأمر بما ذكر من التخيير التهديدي، وجعلها من جعل {فَمَن شَاء} الخ تهديداً من قبله تعالى تأكيداً للتهديد وتعليلاً لما يفيده من الزجر عن الكفر. وجوز كونها تعليلاً لما يفهم من ظاهر التخيير من عدم المبالاة بكفرهم وقلة الاهتمام بشأنهم. و {أَعْتَدْنَا} من العتاد وهو في الأصل ادخار الشيء قبل الحاجة إليه، وقيل: أصله أعددنا فأبدل من إحدى الدالين تاء والمعنى واحد أي هيأنا لهم {نَارًا} عظيمة عجيبة {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم من لهبها المنتشر منها في الجهات ثم استعير له استعارة مصرحة والإضافة قرينة والإحاطة ترشيح، وقيل: السرادق الحجزة التي تكون حول الفسطاط تمنع من الوصول إليه، ويطلق على الدخان المرتفع المحيط بالشيء وحمل عليه بعضهم ما في الآية وهو أيضاً مجاز كإطلاقه على اللهب، وكلام «القاموس» يوهم أنه حقيقة، والمروي عن قتادة تفسيره بمجموع الأمرين اللهب والدخان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه حائط من نار، وحكى الكلبـي أنه عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار، وحكى القاضي الماوردي أنه البحر المحيط بالدنيا يكون يوم القيامة ناراً ويحيط بهم، واحتج له بما أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ» وابن أبـي حاتم وصححه والبيهقي في «البعث» وآخرون عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن البحر هو من جهنم ثم تلا (ناراً أحاط بهم سرادقها)» تفسير : . والسرادق قال الراغب / فارسي معرب وليس من كلامهم اسم مفرد ثالثه ألف وبعده حرفان انتهى، وقد أصاب في دعوى التعريب فإن عامة اللغويين على ذلك، وأما قوله: وليس من كلامهم الخ فيكذبه ورود علابط وقرامص وجنادف وحلاحل وكلها بزنة سرادق ومثل ذلك كثير والغفلة مع تلك الكثرة من هذا الفاضل بعيدة فينظر ما مراده. ثم إنه معرب سرايرده أي ستر الديوان، وقيل: سراطاق أي طاق الديوان وهو أقرب لفظاً إلا أن الطاق معرب أيضاً وأصله تااوتاك، وقال أبو حيان وغيره: معرب سرادر وهو الدهليز ووقع في بيت الفرزدق:شعر : تمنيتهم حتى إذا ما لقيتهم تركت لهم قبل الضراب السرادقا تفسير : ويجمع كما قال سيبويه بالألف والتاء وإن كان مذكراً فيقال سرادقات، وفسره في «النهاية» بكل ما أحاط بموضع من حائط أو مضرب أو خباء، وأمر إطلاقه على اللهب أو الدخان أو غيرهما مما ذكر على هذا ظاهر. {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من العطش بقرينة قوله تعالى: {يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلْمُهْلِ} وقيل: مما حل بهم من أنواع العذاب، والمهل على ما أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن جبير ماء غليظ كدردي الزيت، وفيه حديث مرفوع فقد أخرج أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وآخرون عن أبـي سعيد الخدري عن النبـي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {كَٱلْمُهْلِ} قال: كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه، وقال غير واحد: هو ما أذيب من جواهر الأرض، وقيل: ما أذيب من النحاس، وأخرج الطبراني وابن المنذر وابن جرير عن ابن مسعود أنه سئل عنه فدعا بذهب وفضة فأذابه فلما ذاب قال: هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار ولونه لون السماء غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا. وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن مجاهد أنه القيح والدم الأسود، وقيل: هو ضرب من القطران. وقوله سبحانه: {يُغَاثُواْ} الخ خارج مخرج التهكم بهم كقول بشر بن أبـي خازم:شعر : غضبت تميم أن تقتل عامراً يوم النسار فأعتبوا بالصيلم تفسير : {يَشْوِى ٱلْوجُوهَ} ينضجها إذا قدم ليشرب من فرط حرارته حتى أنه يسقط جلودها كما سمعت في الحديث، فالوجوه جمع وجه وهو العضو المعروف، والظاهر أنه المراد لا غير، وقيل: عبر بالوجوه عن جميع أبدانهم والجمل صفة ثانبة لماء والأولى {كَٱلْمُهْلِ} أو حال منه كما في «البحر» لأنه قد وصف أو حال من المهل كما قال أبو البقاء. وظاهر كلام بعضهم جواز كونها في موضع الحال من الضمير المستتر في الكاف لأنها اسم بمعنى مشابه فيستتر الضمير فيها كما يستتر فيه؛ وفيه ما لا يخفى من التكلف لأنها ليس صفة مشتقة حتى يستتر فيها ولم يعهد مشتق على حرف واحد قاله الخفاجي. وذكر أن أبا علي الفارسي منع في «شرح الشواهد» جعل ذؤابتي في قول الشاعر:شعر : رأتني كأفحص القطاة ذؤابتي تفسير : مرفوعاً بالكاف لكونها بمنزلة مثل وقال: إن ذلك ليس بالسهل لأن الكاف ليست على ألفاظ الصفات. وجوز أن تكون في موضع الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، وقيل: يجوز أن يكون مراد ذلك البعض إلا أنه تسامح. {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} ذلك الماء الذي يغاثون به {وَسَآءَتْ} النار {مُرْتَفَقًا} أي متكأ كما قال أبو عبيدة وروي عن السدي. وأصل الارتفاق كما قيل الاتكاء على / مرفق اليد. قال في «الصحاح» يقال: بات فلان مرتفقاً أي متكئاً على مرفق يده، وقيل: نصب المرفق تحت الخد فمرتفقاً اسم مكان ونصبه على التمييز، قال الزمخشري: وهذا لمشاكلة قوله تعالى: {أية : وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} تفسير : [الكهف: 31] وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء إلا أن يكون من قوله:شعر : إني أرقت فبت الليل مرتفقاً كأن عيني فيها الصاب مذبوح تفسير : أي فحينئذ لا يكون من المشاكلة ويكون الكلام على حقيقته بأن يكون لأهل النار ارتفاق فيها أي اتكاء على مرافق أيديهم كما يفعله المتحزن المتحسر. وقد ذكر في «الكشف» أن الاتكاء على الحقيقة كما يكون للتنعم يكون للتحزن. وتعقب بأن ذلك وإن أمكن عقلاً إلا أن الظاهر أن العذاب أشغلهم عنه فلا يتأتى منهم حتى يكون الكلام حقيقة لا مشاكلة. وجوز أن يكون ذلك تهكماً أو كناية عن عدم استراحتهم. وروي عن ابن عباس أن المرتفق المنزل. وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم عن قتادة، وفي معناه قول ابن عطاء: المقر؛ وقول العتبـي: الملجس، وقيل موضع الترافق أي ساءت موضعاً للترافق والتصاحب، وكأنه مراد مجاهد في تفسيره بالمجتمع فإنكار الطبري أن يكون له معنى مكابرة. وقال ابن الأنباري: المعنى ساءت مطلباً للرفق لأن من طلب رفقاً من جهنم عدمه، وجوز بعضهم أن يكون المرتفق مصدراً ميمياً بمعنى الارتفاق والاتكاء.

ابن عاشور

تفسير : بعد أن أمر الله نبيئه صلى الله عليه وسلم بما فيه نقض ما يفتلونه من مقترحاتهم وتعريضٌ بتأييسهم من ذلك أمره أن يصارحهم بأنه لا يعدل عن الحق الذي جاءه من الله، وأنه مبلغه بدون هوادة، وأنه لا يرغب في إيمانهم ببعضه دون بعض، ولا يتنازل إلى مشاطرتهم في رغباتهم بشطر الحق الذي جاء به، وأن إيمانهم وكفرهم موكول إلى أنفسهم، لا يحسبون أنهم بوعد الإيمان يستنزلون النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما أوحى إليه. و{الحق} خبر مبتدأ محذوف معلوم من المقام، أي هذا الحق. والتعبير بــــ {ربكم} للتذكير بوجوب توحيده. والأمر في قوله: {فليؤمن} وقوله: {فليكفر} للتسوية المكنى بها عن الوعد والوعيد. وقدم الإيمان على الكفر لأن إيمانهم مرغوب فيه. وفاعل المشيئة في الموضعين ضمير عائد إلى (من) الموصولة في الموضعين. وفعل «يؤمن، ويكفر» مستعملان للمستقبل، أي من شاء أن يوقع أحد الأمرين ولو بوجه الاستمرار على أحدهما المتلبس به الآن فإن العزم على الاستمرار عليه تجديد لإيقاعه. وجملة {إنا أعتدنا للظالمين ناراً} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما دل عليه الكلام من إيكال الإيمان والكفر إلى أنفسهم وما يفيده من الوعيد كلاهما يثير في النفوس أن يقول قائل: فماذا يلاقي من شاء فاستمر على الكفر، فيجاب بأن الكفر وخيم العاقبة عليهم. والمراد بالظالمين: المشركون قال تعالى: { أية : إن الشرك لظلم عظيم } تفسير : [لقمان: 13]. وتنوين {ناراً} للتهويل والتعظيم. والسرادق ــــ بضم السين ــــ قيل: هو الفسطاط، أي الخيمة. وقيل: السرادق: الحُجزة ــــ بضم الحاء وسكون الزاي ــــ، أي الحاجز الذي يكون محيطاً بالخَيمة يمنع الوصول إليها، فقد يكون من جنس الفسطاط أديماً أو ثوباً وقد يكون غير ذلك كالخندق. وهو كلمة معربة من الفارسية. أصلها (سراطاق) قالوا: ليس في كلام العرب اسم مفرد ثالثه ألف وبعده حرفان. والسرادق: هنا تخييل لاستعارة مكنية بتشبيه النار بالدار، وأثبت لها سُرادق مبالغة في إحاطة دار العذاب بهم، وشأن السرادق يكون في بيوت أهل الترف، فإثباته لدار العذاب استعارة تهكمية. والاستغاثة: طلب الغوث وهو الإنقاذ من شدة وبتخفيف الألم. وشمل {يستغيثوا} الاستغاثة من حر النار يطلبون شيئاً يُبرد عليهم، بأن يصبوا على وجوههم ماء مثلاً، كما في آية الأعراف { أية : ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء } تفسير : [الأعراف: 50]. والاستغاثة من شدة العطش الناشىء عن الحر فيسألون الشراب. وقد أومأ إلى شمول الأمرين ذكر وصفين لهذا الماء بقوله: {يشوي الوجوه بئس الشراب}. والإغاثة: مستعارة للزيادة مما استغيث مِن أجله على سبيل التهكم، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضده. والمُهل ــــ بضم الميم ــــ له معانٍ كثيرة أشبهها هنا أنه دُردي الزيت فإنه يزيدها التهاباً قال تعالى: { أية : يوم تكون السماء كالمهل } تفسير : [المعارج: 8]. والتشبيه في سواد اللوْن وشدة الحرارة فلا يزيدهم إلا حرارة، ولذلك عقب بقوله: {يشوي الوجوه} وهو استئناف ابتدائي. والوجه أشد الأعضاء تألماً من حر النار قال تعالى: { أية : تلفح وجوههم النار } تفسير : [المؤمنون: 104]. وجملة {بئس الشراب} مستأنفة ابتدائية أيضاً لتشنيع ذلك المَاء مشروباً كما شُنع مغتسَلاً. وفي عكسه الماءُ الممدوح في قوله تعالى: { أية : هذا مغتسل بارد وشراب } تفسير : [ص: 42]. والمخصوص بذم {بئس} محذوف دل عليه ما قبله. والتقدير: بئس الشراب ذلك الماء. وجملة {وساءت مرتفقاً} معطوفة على جملة {يشوي الوجوه}، فهي مستأنفة أيضاً لإنشاء ذم تلك النار بما فيها. والمرتفق: محل الارتفاق، وهو اسم مكان مشتق من اسم جامد إذ اشتق من المِرْفَقِ وهو مجمع العضد والذراع. سمي مرفقاً لأن الإنسان يحصل به الرفق إذا أصابه إعياء فيتكىء عليه. فلما سمي به العضو تنوسي اشتقاقه وصار كالجامد، ثم اشتق منه المُرتفق. فالمرتفق هو المُتكأ، وتقدم في سورة يوسف. وشأن المرتفَق أن يكون مكان استراحة، فإطلاق ذلك على النار تهكم، كما أطلق على ما يزاد به عذابهم لفظ الإغاثة، وكما أطلق لى مكانهم السرادق. وفعل (سَاء) يستعمل استعمالَ (بئس) فيَعمَل عمل (بئس)، فقوله: {مرتفقاً} تمييز. والمخصوص بالذم محذوف كما تقدم في قوله: {بئس الشراب}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة - أن يقول للناس: الحق من ربكم. وفي إعرابه وجهان: أحدهما - أن "الحق" مبتدأ، والجار والمجرور خبره، أي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم، المتضمن لدين الإسلام كائن مبدؤه من ربكم جل وعلا. فليس من وحي الشيطان، ولا من افتراء الكهنة، ولا من أساطير الأولين، ولا غير ذلك. بل هو من خالقكم جل وعلا، الذي تلزمكم طاعته وتوحيده، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، فلا حق إلا منه جل وعلا. الوجه الثاني أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي جئتكم به الحق. وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة - ذكره أيضاً في مواضع أخر. كقوله في سورة "البقرة": {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [البقرة: 147]، وقوله في "آل عمران": {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [آل عمران: 60] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}. ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي - التخيير بين الكفر والإيمان - ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف - أنه أتبع ذلك بقوله {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}تفسير : [الكهف: 29] وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى. وقوله في هذه الآية الكريمة {أعتدنا} أصله من الاعتاد، والتاء فيه أصلية وليست مبدلة من دال على الأصح. ومنه العتاد بمعنى العدة للشيء. ومعنى "أعتدنا": أرصدنا وأعددنا. والمراد بالظالمين هنا: الكفار. بدليل قوله قبله {وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} وقد قدمنا كثرة إطلاق الظلم على الكفر في القرآن. كقوله: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]، وقوله: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [البقرة: 254]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [يونس: 106] ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: {أية : وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً}تفسير : [الكهف:33] وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر: شعر : وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم تفسير : فقوله "ظلمت لكم سقائي" أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاءٍ له ظلمه بنحو ذلك: شعر : وصاحب صدق لم تربني شكاته ظلمت وفي ظلمي له عامداً أجر تفسير : وفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالماً؟ قال: نعم، إذا كان عالماً. ومن ذلك أيضاً قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق: أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : إلا الأواري لأياً ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وما زعمه بعضهم من أن "المظلومة" في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد - غير صواب. والصواب هو ما ذ كرنا إن شاء الله تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلاً مات ودفن: شعر : فأصبح في غبراء بعد إشاحة على العيش مردود عليها ظليمها تفسير : وقوله {أَحَاطَ بِهِمْ} أي أحدق بهم من كل جانب. وقوله {سُرَادِقُهَا} أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. والكرسف: القطن، ومنه قول رؤبة أو الكذاب الحرمازي: شعر : يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود تفسير : وبيت مسردق: أي مجعول له سرادق، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبريويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة: شعر : هو المدخل النعمان بيتاً سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردق تفسير : هذا هو أصل معنى السرادق في اللغة. ويطلق أيضاً في اللغة على الحجرة التي حول الفسطاط. وأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة ففيه للعلماء أقوال مرجعها إلى شيء واحد، وهو إحداق النار بهم من كل جانب، فمن العلماء من يقول "سرادقها": أي سورها، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنهم من يقول "سرادقها": سور من نار، وهو مروي عن ابن عباس. ومنهم من يقول "سرادقها": عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة، قاله الكلبي: ومنهم من يقول: هو دخان يحيط بهم. وهو المذكور في "المرسلات" في قوله تعالى: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ}تفسير : [المرسلات: 30-31]، و"الواقعة" في قوله: {أية : وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ}تفسير : [الواقعة: 43-44]. ومنهم من يقول: هو البحر المحيط بالدنيا. وروى يعلى بن أمية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : البحر هو جهنم تفسير : - ثم تلا - ناراً أحاط بهم سرادقها - ثم قال حديث : والله لا أدخلها أبداً ما دمت حياً ولا تصيبني منها قطرة"تفسير : ذكره الماوردي. وروى ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لسرادق النار أربعة جدر كثف، كل جدار مسيرة أربعين سنة"تفسير : وأخرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. انتهى من القرطبي. و هذا الحديث رواه أيضاً الإمام أحمد وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن أبي الدنيا. قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني. وحديث يعلى بن أمية رواه أيضاً ابن جرير في تفسيره. قال الشوكاني: ورواه أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ورواه صاحب الدر المنثور عن البخاري في تاريخه وأحمد وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي. وعلى كل حال، فمعنى الآية الكريمة: أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}تفسير : [الأعراف: 41]، وقال: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}تفسير : [الزمر: 16]، وقال: {أية : لَوْ يَعْلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 39] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك. ويطلق أيضاً على دردي الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دردي الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل السم. فإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}. فالجواب - أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم: شعر : غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار فأعتبوا بالصيلم تفسير : فمعنى قوله "أعتبوا بالصيلم": أي أرضوا بالسيف. يعني ليس لهم منا إرضاء إلا بالسيف. وقول عمرو بن معد يكرب: شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : يعنى لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل - علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم ألبتة. والياء في قوله "يستغيثوا" والألف في قوله "يغاثوا" كلتاهما مبدلة من واو، لأن مادة الاستغاثة من الأجوف الواوي العين، ولكن العين أعلت للساكن الصحيح قبلها، على حد قوله في الخلاصة: شعر : لساكن صح انقل التحريك من ذي لين آت عين فعل كأبن تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} أي يحرقها حتى تسقط فروة الوجه، أعاذنا الله والمسلمين منه! وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية الكريمة أنه قال: "حديث : كالمهل يشوي الوجوه"تفسير : ، هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه. قال ابن حجر رحمه الله في (الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف): أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، واستغربه وقال: لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد، وتعقب قوله بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق وهب عن عمرو بن الحارث. وقوله في هذه الآية الكريمة: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} المخصوص بالذم فيه محذوف، تقديره: بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به. والضمير الفاعل في قوله "ساءت" عائد إلى النار. والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكىء الإنسان معتمداً على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقاً. أي منزلاً، وهو مروي عن ابن عباس. وقيل مقراً، وهو مروي عن عطاء. وقيل مجلساً وهو مروي عن العتبي. وقال مجاهد: مرتفقاً أي مجتمعاً. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار. وحاصل معنى الأقوال - أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}تفسير : [الفرقان: 66]، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق - معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : نام الخلى وبت الليل مرتفقاً كأن عيني فيها الصاب مذبوح تفسير : ويروى "وبت الليل مشتجراً" وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة: شعر : قد بت مرتفقاً للنجم أرقبه حيران ذا حذر لو ينفع الحذر تفسير : وقول الراجز: شعر : قالت له وارتفقت ألا فتى يسوق بالقوم غزالات الضحا تفسير : وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفات هذا الشراب، الذي يسقى به أهل النار - جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [الأنعام: 70]، وقوله تعالى: {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 15]، وقوله تعالى: {أية : تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}تفسير : [الغاشية: 5]، وقوله تعالى: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}تفسير : [الرحمن: 44] والحميم الآتي من الماء المتناهي في الحرارة. وقوله تعالى: {أية : وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ}تفسير : [إبراهيم: 16-17] الآية، وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ}تفسير : [الصافات: 67]، وقوله تعالى: {أية : فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ}تفسير : [الواقعة: 54-55]. وقوله تعالى: {أية : لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً}تفسير : [النبأ: 24-25] الآية، وقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}تفسير : [ص: 57و58] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرقاً من هذا في سورة "يونس".

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلظَّالِمِينَ} (29) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: إِنَّ هذا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ رَبِّكُمْ هُوَ الحَقُّ الَّذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ بِهِ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، فَقَدْ أَعْدَدْنَا وَأَرْصَدْنَا لِلكَافِرِينَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ، نَاراً لَهَا سُورٌ يُحِيطُ بِمَنْ يَدْخُلُونَهَا (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا). وَإِذا اسْتَغَاثَ أَهْلُ النَّارِ لِيُطْفِئُوا عَطَشَهُمْ يُغَاثُونَ بِمَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةِ، فَإِذا قَرَّبُوهُ إِلَى أَفْوَاهِهِمْ اشْتَوَتْ وُجُوهَهُمْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ، وَبِئْسَ هَذا الشَّرَابُ شَرَاباً، وَسَاءَتِ النَّارُ مَنْزِلاً لِلارْتِفَاقِ، وَالاتِّكَاءِ لِلرَّاحَةِ، وَسَاءَتْ مَقيلاً. سُرَادِقُهَا - فُسْطَاطُهَا أَوْ لَهِيبُهَا أَوْ دُخَانُهَا. كالْمُهْلِ - كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ أَوِ الذَّائِبِ مِنَ المَعَادِنِ. سَآءَتْ مُرْتَفَقاً - سَاءَتِ النَّارُ مَقَرّاً أَوْ مُتَّكَأً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ..} [الكهف: 29] أي: قُلِ الحق جاء من ربكم، واختار كلمة الرب ولم يَقُلْ من الله، لأن الكل معتقد أن الرب هو الذي خلق، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}تفسير : [الزخرف: 87]. وقوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [لقمان: 25]. فمعنى: {مِن رَّبِّكُمْ ..} [الكهف: 29] أي: بإقراركم أنتم، فالذي خلقكم وربّاكم وتعهدكم هو الذي نزَّل لكم هذا الحق و {رَّبِّكُمْ ..} [الكهف: 29] أي: ليس ربي وحدي، بل ربكم وربّ الناس جميعاً. والحق: هو الشيء الثابت، وما دام من الله فلن يُغيِّره أحد؛ لأن الذي يتغير كلامه هو الذي يقضي شيئاً ويجهل شيئاً مُقبلاً، وبعد ذلك يُعدِّل، فالحق من الله لأنه سبحانه لا يَخْفَى عليه شيء ولا يَعْزُب عن علمه شيء، لذلك لا استدراك على حُكْم من أحكامه من أحد من خلقه. فالربوبية عطاء، فربك الذي خلقك وأمدَّك بالنعم، وهو الذي يُربّيك كما يُربِّي الوالد ولده؛ لذلك لم يعترض على الربوبية أحد، أما الألوهية فمطلوبها تكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا، فخاطبهم بالربوبية التي فيها مصلحتهم، ولم يخاطبهم بالألوهية التي تُقيِّد اختياراتهم والإنسان بطبعه لا يميل إلى ما يُقيّد اختياراته؛ لذلك يلجأون إلى عبادة آلهة أخرى؛ لأنها ليس لها مطلوبات. فالذي يعبد الشمس أو الصنم أو غيره: بماذا أمرك معبودك؟ وعَمَّا نهاك؟ فما العبادة إلا طاعة عابد لمعبود، إذن: فلهم أن يقولوا: نِعْمَ هذا الإله، ونِعْمَ هذا الدين؛ لأنه يتركني بحريتي أفعل ما أريد. لذلك؛ نجد الذين يدَّعُون ألوهية، أو يدعون نُبوّة دائماً يميلون إلى تخفيف المناهج؛ لأنهم يعلمون أن المناهج السماوية تصعُب على الناس؛ لأن فيها حَجْراً على حرية حركتهم وحرية اختياراتهم، فلما ادَّعى مسيلمة النبوة رأى الناس تتبرم من الزكاة فأسقطها عنهم، وكذلك لما ادعتّ سجاح النبوة خففتْ الصلاة، وإلا، فكيف سيجمعون الناس من حولهم؟ وما أشبه مُدَّعي الأمس بمدعي اليوم الذين يبيعون الدين بعَرَضٍ من الدنيا، فيُفْتون الناس بتحليل ما حرَّم الله، مثل الاختلاط وغيره من القضايا حتى هان أمر الدين على الناس. والدين وإنْ كان فطرياً في النفس الإنسانية إلا أن الإنسان يميل إلى مَنْ يُخفِّف عنه، وتعجب حين ترى بعض المثقفين وحملة الشهادات يذهبون إلى الدجالين ويُصدِّقونهم، وترى الواحد منهم يُكذِّب نفسه أنه على دين يريحه، ويفعل في ظله ما يريد. إذن: ما دُمْتم مؤمنين بربوبية خلق وربوبية إمداد وإنعام، فعليكم أن تؤمنوا بما جاء من ربكم، كما نقول في المثل: (اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي)، ومع ذلك ورغم فضل الله ونعمه عليهم قُلْ لهم: لا جبرَ في الإيمان {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} [الكهف: 29] لأن منفعة الإيمان عائدة عليكم أنتم. وقد جاء في الحديث القدسي: "حديث : "إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضُرّي فتضروني، ولو أن أوّلكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أتْقَى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً". "ولو أن أولكم وآخركم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كُلٌّ مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمِغْرز إبرة إذا غمسها أحدكم في بحر، وذلك أَنَّي جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أنْ أقولَ له كُنْ فيكون" ". تفسير : إذن: فائدة الإيمان تعود على المؤمن، كما قال تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ..}تفسير : [فصلت: 46] لكني أحب لخَلْقي أن يكونوا دائماً على خير مني، فأنا أعطيهم خير الدنيا، وأحب أيضاً أن أعطيهم خير الآخرة. جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ..}تفسير : [الكهف: 28]. وكان خصوم الإسلام حينما يَرَوْنَ الدعوة تنتشر شيئاً فشيئاً يحاولون إيقافها، لا من جهتهم بالعدوان على مَنْ يؤمن، ولكن من جهته صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه وَفْداً، قالوا: يا محمد إنّا بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، لقد أدخلتَ على قومك ما لم يُدخِلْه أحد قبلك، شتمتَ آلهتنا وسفَّهْتَ أحلامنا وسبَبْت ديننا، فإنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا، وإنْ كنت تريد جاهاً سوَّدناكَ علينا، وجعلناك رئيسنا، وإنْ كنت تريد مُلْكاً ملكْناك. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله ما بي ما تقولون، ولكن ربي أرسلني بالحق إليكم، فإنْ أنتم أطعتُم فبها، وإلاَّ فإنَّ الله ناصري عليكم ". تفسير : وكانت هذه المحاولة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم لعل الأمر حين يكون سِراً يتساهل فيه رسول الله، فلما لم يجدوا بُغْيتهم قالوا: نتوسل إليك بمَنْ يحب، فربما خجل أنْ يقبلَ منا ونحن خصومه، فلنرسل إليه مَنْ يحبه، فذهبوا إلى عمه أبي طالب، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة: "حديث : والله، يا عَمِّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أتركَ هذا الأمر ما تركته، حتى يُظِهره الله، أو أَهْلِك دونه ". تفسير : فلما فشلت هذه المحاولة أيضاً أتَوْهُ من ناحية ثالثة، فقالوا: ننتهي إلى أمر هو وسط بيننا وبينك: دَعْكَ من هؤلاء الفقراء، واصْرِف وجهك عنهم، ولا تربط نفسك بهم، ووجِّه وجهك إلينا، فأنزل الله: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ ..}تفسير : [الكهف: 28]. ثم بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن الإسلام أو الدين الذي أنزله الله لا يأخذ أحكامه من القوم الذين أُنزِل عليهم؛ لأن رسول الله إنما أُرسِلَ ليضع لهم موازين الحق، ويدعو قومه إليها، فكيف يضعون هم هذه الموازين، فيأمرون رسول الله بأنْ يصرف وجهه عن الفقراء ويتوجّه إليهم؟ لذلك قال: {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ..} [الكهف: 29] لأنه بعثني بالحق رسولاً إليكم، وما جئت إلا لهدايتكم، فإنْ كنتم تريدون توجيهي حسْب أهوائكم فقد انقلبتْ المسألة، ودعوتكم لي أن أنصرف عن هؤلاء الذين يدعُون ربهم بالغداة والعشيّ وأتوجه إليكم، فهذا دليل على عدم صِدْق إيمانكم، وأنكم لستم جادِّين في اتباعي؛ لذلك فلا حاجة بي إليكم. ثم يقول تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} [الكهف: 29] أي: ادخلوا على هذا الأساس: أن كل حَقٍّ ينزل من الله، لا أن آخذ الحق منكم، ثم أردّه إليكم، بل الحق الذي أرسلني الله به إليكم، وعلى هذا مَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر. والأمر في هذه الآية سبق أنْ أوضحناه فقلنا: إذا وجدنا أمراً بغير مطلوب فلنفهم أن الأمر استُعمِل في غير موضعه، كما يقول الوالد لولده المهمل: العب كما تريد، فهو لا يقصد أمر ولده باللعب بالطبع، بل يريد تهديده وتأنيبه. وهكذا في: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} [الكهف: 29] وإلا لو أخذتَ الآية على إطلاقها لَكانَ مَنْ آمن مطيعاً للأمر: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن ..} [الكهف: 29] والعاصي أيضاً مطيع للأمر: {وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} [الكهف: 29] فكلاهما - إذن - مطيع، فكيف تُعذِّب واحداً دون الآخر؟ فالأمر هنا ليس على حقيقته، وإنما هو للتسوية والتهديد، أي: سواء عليكم آمنتم أم لم تؤمنوا، فأنتم أحرار في هذه المسألة؛ لأن الإيمان حصيلته عائدة إليكم، فالله سبحانه غنيّ عنكم وعن إيمانكم، وكذلك خَلْق الله الذين آمنوا بمحمد هم أيضاً أغنياء عنكم، فاستغناء الله عنكم مَسْحوب على استغناء الرسول، وسوف ينتصر محمد وينتشر دين الله دونكم. وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة في مكة ويجهر بها في أُذن صناديد الكفر وعُتَاة الجزيرة العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم؛ لأن لهم مكانةً وسيادة بين قبائل العرب. ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأْتِ نصر الإسلام على يد هؤلاء، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل: إنهم أَلِفُوا النصر وأَلِفُوا السيادة على العرب، وقد تعصَّبوا لواحد منهم ليسُودوا به الدنيا كلها، فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية لمحمد. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ..} [الكهف: 29]. والعذاب هنا لمن اختار الكفر، لكن لماذا تُهوّل الآية وتُفخِّم أمر العذاب؟ لأن الإعلام بالعقاب وتهويله وتفظيعه والإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب، بل لينتهوا عن الجريمة، وينأوْا عن أسبابها، إذن: فتفظيع العقاب وتهويله رحمة من الله بالعباد؛ لأن خَوْف العذاب سيمنعهم من الجريمة. ومعنى {أَعْتَدْنَا} أي: أعددنا، فالمسألة منتهية مُسْبقاً، فالجنة والنار مخلوقة فعلاً ومُعدَّة ومُجهّزة، لا أنها ستُعَدُّ في المستقبل، وقد أُعِدَّتْ إعداد قادر حكيم، فأعدَّ الله الجنة لتتسع لكل الخَلْق إنْ آمنوا، وأعدّ النار لتتسع لكل الخلق إنْ كفروا، فإنْ آمن بعض الخلق وكفر البعض، فالذي آمن وَفّر مكانه في النار، والذي كفر وفَّر مكانه في الجنة. لذلك قال تعالى في هذه المسألة: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الزخرف: 72]. إذن: فخَلْق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماماً، ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبداً، بل لكلٍّ مكانه المعدّ المخصّص. وقوله تعالى: {لِلظَّالِمِينَ ..} [الكهف: 29] والظلم أن تأخذ حقاً وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك تأخذ حَقَّ الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم يأتي الظلم فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قَدْر ظُلْمه، إلا أن يكون مشركاً. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتُر عنه، فإنْ ظلم المؤمن ظلماً دون الشرك فإنه يُعذَّب به، ثم يُدخِله الله الجنة، إنْ لم يتُبْ، وإنْ لم يغفر الله له. وقوله تعالى: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ..} [الكهف: 29] السرادق، كما نقول الآن: أقاموا السرادق أي: الخيمة. و معنى سرادق: أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقاً على النار يحيط بهم ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خالٍ من النار؛ لأن رؤيته لمكان خَالٍ من النار قد تُوحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أنْ يؤيسَهم من الخروج. ثم يقول تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29]. الاستغاثة: صَرْخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ذلك الألم، كما قال في آية أخرى: {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ..}تفسير : [إبراهيم: 22] أي: حين تصرخون من العذاب لا أستطيع أنْ أزيل صراخكم، وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي. فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب {يُغَاثُواْ} يتبادر إلى الذِّهْن أنهم يُغَاثُون بشيء من رحمة الله، فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يُخفّف عنهم العذاب .. لا {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ..} [الكهف: 29] أي: فإنْ طلبوا الغَوْث بماء بارد يخفف عنهم ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل. والمهْل هو عُكَارة الزيت المغلي الذي يسمونه الدُّرْدِيّ، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج إلى حرارة أعلى من غَلْي الماء، وهكذا يزدادون حرارةً فوق حرارة النار، ويُعذَّبون من حيث ينتظرون الرحمة. وقوله تعالى هنا: {يُغَاثُواْ} أسلوب تهكميّ؛ لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أنْ تخاطب المخاطب على مقتضى حاله، فتهنئه حال فرحه، وتعزيه حال حزنه بكلام موافق لمقتضى الحال، فإنْ أخرجتَ المقتضى عن الحال الذي يطلبه، فهذا ينافي البلاغة إلا إنْ أردتَ التهكُّمَ أو الاستهزاء. إذن: فقوله تعالى عن الكفار: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ ..} [الكهف: 29] تهكّم بهم، لأن الكلام فيه خرج عن مقتضى الحال، كما يقول الوالد لولده الذي أخفق في الامتحان: مبارك عليك السقوط. ومعنى: {يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ..} [الكهف: 29] أن الماء من شدة حرارته يشوي وجوههم، قبل أن يدخل أجوافهم: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ ..} [الكهف: 29] أي: الذي يغاثون به {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29] المرتفق هو الشيء الذي يضع الإنسان عليه مِرْفقه ليجلس مُستريحاً، لكن بالله هل هناك راحة في جهنم؟ إذن: فهذه أيضاً من التهكّم بهم وتبكيتهم، كما قال تعالى مخاطباً جبابرة الدنيا وأعزّتها وأصحاب العظمة فيها مِمَّنْ عَصَوْا الله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} [الدخان: 49]. والحق سبحانه وتعالى يتكلم في هذه المسألة بأساليب متعددة، منها استخدام كلمة (النُّزُل) وهو ما يُعد لإكرام الضيف، كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ &#1649 ;لَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}تفسير : [الكهف: 107]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}تفسير : [فصلت: 30-32]. فالذي أَعَدَّ هذا النُّزُل وهذه الضيافة هو الغفور الرحيم، والذي يُعِد نُزُلاً لضيفه يُعِدّه على قَدْر غِنَاه وبَسْطة كرمه، فما بالك بنُزل أعدّه الله لأحبابه وأوليائه؟ وذيّل الآية بقوله: {أية : غَفُورٍ رَّحِيمٍ}تفسير : [فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة، أو همَّ بها، وكأن الحق سبحانه يقول: إياك أنْ تذكرَ ما كان منك وأنت في هذا النُّزُل الكريم، فالله غفور لسيئتك، رحيم بك، يقبل توبتك، ويمحو أثر سيئتك. والحديث عن النُّزل هنا في الجنة، فهي محلُّ الإكرام والضيافة، فإن استخدم في النار فهو للتهكُّم والسخرية من أهلها، كما قال تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ}تفسير : [الواقعة: 92-93] فقد استخدم النزل في غير مقتضاه. بعد أن جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} [الكهف: 29] أراد سبحانه أنْ يُبيّن حكم كُلٍّ من الاختيارين: الإيمان، والكفر على طريقة اللَّفِّ والنشر، وهو أسلوب معروف في العربية، وهو أن تذكر عدة أشياء، ثم تُورِد أحكامها حَسْب ترتيبها الأول، أو تذكرها مُشوَّشة دون ترتيب. ومن النوع الأول الذي يأتي فيه اللَّفُّ والنشْر على الترتيب قوله تعالى: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..}تفسير : [القصص: 73] أي: لتسكنوا في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار. فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول، والحكم الثاني للمحكوم عليه الثاني وهكذا، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسان وخالقي تفسير : هذه أربع مُخْبر عنها، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول: شعر : قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسَانُ وَخَالِقِي رَاضٍ وبَاكٍ شَاكِرٌ وغَفُورُ تفسير : فتكون على الترتيب: قلبي راضٍ، وجفني باكٍ، ولساني شاكر، وخالقي غفور. ومرة يأتي اللف والنشر على التشويش ودون ترتيب ثقةً بأن نباهةَ السامع ستردُّ كل شيء إلى أصله كما في الآية التي نحن بصددها، فتلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن قال: {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ..} [الكهف: 29] فبدأ باختيار الإيمان ثم ذكر الكفر، أما في الحكم على كل منهما فقد ذكر حكم الكفر أولاً: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً ..} [الكهف: 29] ثم ذكر بعده حكم المؤمنين: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}تفسير : [الكهف: 30]. وليكُنْ في الاعتبار أن المتكلم رَبٌّ حكيم، ما من حرف من كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلّم عن الإيمان جعله اختياراً خاضعاً لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجّح أن يكونَ الإيمانُ أولاً وأنْ يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم الكفر من باب أنْ "دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة". ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} [الآية: 29]. قال: مثل القيح والدم، أَسود كعكر الزيت. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} [الآية: 29]. يقول: ساءَت مجتمعاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ} [الآية: 43]. قال: يعني عشيرة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} [الآية: 34]. يعني: ذهباً وفضة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} [الآية: 42]. يعني: ذهباً وفضة أَيضاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً}. [الآية: 47]. يقول: لا خمر عليها ولا غياية.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عْتَدْنَا [لِلظَّالِمِينَ]} معناه مِن العُدَّةِ. تفسير : وقوله تعالى: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قالَ الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: السُّرادِقُ: حُجرةٌ تَطيفُ بالفُسْطَاطِ. وهي سُرادقُ مِن نَارٍ. ويقال: لَها أَربعةُ جُدُرٍ كِثافٍ، كُلُّ جدارٍ مَسيرةُ أربعينَ سَنةً. تفسير : وقوله تعالى: {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} وهو الذِي قَدْ انتهَى حَرُّهُ. ويقال كدُرْدِي الزَيتِ سَواداً. والمُهْلُ: كُلُّ شَيْءٍ أَذَبْتَهُ مِنْ نُحاسٍ أَو رَصاصٍ. تفسير : وقوله تعالى: {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} معناه مُتَّكأٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ} [الكهف: 29] في التبشير والإنذار وبيان السلوك لمسالك أرباب السعادة والاحتراز عن مهالك أصحاب الشقاوة. {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن} [الكهف: 29] من قلوب أهل السعادة {وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] من نفوس أهل الشقاوة. وأيضاً، ومن شاء فليؤمن من نفوس أهل السعادة، ومن شاء فليكفر من قلوب أهل الشقاوة {إِنَّا أَعْتَدْنَا} [الكهف: 29] في الأزل {لِلظَّالِمِينَ} [الكهف: 29] وهم الكافرون بما وجب الإيمان به المؤمنون بما وجب الكفر به {نَاراً} [الكهف: 29] وهي نار القهر والغضب {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] وهي سرادق العزة {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} [الكهف: 29] أي: وجوه الأرواح الناضرة المستعدة للنظر إلى ربها؛ أي: يفسد استعدادها للنظر {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} [الكهف: 29] شراب اليأس والقطيعة {وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29] مرتفق البعد والطرد. ثم أخبر عن إحسان أهل الإيمان بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30] يشير إلى أن لأهل الإيمان والأعمال الصالحات جزاء يناسب صلاحية أعمالهم وحسنها، فمنها أعمال تصلح للسير إلى الجنان وغرفها وهي الطاعات القلبية من الصدق في طلب الحق والإخلاص في التوجه له بترك الدنيا، والإعراض عما سوى الله، والإقبال على الله بالكلية، والتمسك بذيل إرادة شيخ كامل فاضل مكمل، ليسلِّكه على طريق المبالغة ظاهراً وباطناً، فلا نضيع أجر عمله إن أحسنه وهو إذ يعبد الله على مشاهدته أو لشهوده {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ} [الكهف: 31] أي: جزاءهم وأجرهم {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} [الكهف: 31] للنفوس درجات الجنان ونعيمها {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 31] للقلوب أعلى مقامات القرب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل للناس يا محمد: هو الحق من ربكم أي: قد تبين الهدى من الضلال، والرشد من الغي، وصفات أهل السعادة، وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بينه الله على لسان رسوله، فإذا بان واتضح، ولم يبق فيه شبهة. { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى {أية : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } تفسير : وليس في قوله: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التام، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين. ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } بالكفر والفسوق والعصيان { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } أي: سورها المحيط بها، فليس لهم منفذ ولا طريق ولا مخلص منها، تصلاهم النار الحامية. { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا } أي: يطلبوا الشراب، ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد. { يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } أي: كالرصاص المذاب، أو كعكر الزيت، من شدة حرارته. { يَشْوِي الْوُجُوهَ } أي: فكيف بالأمعاء والبطون، كما قال تعالى {أية : يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد }. تفسير : { بِئْسَ الشَّرَابُ } الذي يراد ليطفئ العطش، ويدفع بعض العذاب، فيكون زيادة في عذابهم، وشدة عقابهم. { وَسَاءَتْ } النار { مُرْتَفَقًا } وهذا ذم لحالة النار، أنها ساءت المحل، الذي يرتفق به، فإنها ليست فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق، الذي لا يفتر عنهم ساعة، وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير، ونسيهم الرحيم في العذاب، كما نسوه. ثم ذكر الفريق الثاني فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من الواجبات والمستحبات { إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا } وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعا في ذلك شرع الله. فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من الأجر، بحسب عملهم وفضله وإحسانه، وذكر أجرهم بقوله: { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ }. أي: أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح، لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والإستبرق، وهو ما رق منه. متكئين فيها على الأرائك، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة فإنها لا تسمى أريكة حتى تكون كذلك، وفي اتكائهم على الأرائك، ما يدل على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة { نِعْمَ الثَّوَابُ } للعاملين { وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا } يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور، والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأي مرتفق أحسن من دار، أدنى أهلها، يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب، ما قصرت عنه الأماني، ومع ذلك، فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم، أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان. ودلت الآية الكريمة وما أشبهها، على أن الحلية، عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة لأنه أطلقها في قوله { يُحَلَّوْنَ } وكذلك الحرير ونحوه.

همام الصنعاني

تفسير : 1672- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}: [الآية: 29]، قال: ذكر لنا أن ابن مسعود قال: هو الذهب والفضة يسبكان جميعاً. 1673- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن سعيد الجريري، عن كعب قال: هم - والذي نفسي كعب بيده - هم الذين عنوا بهذه الصِّفَة أهل الصلوات الخمس الدائمون عليها في الجماعة. 1676حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {سُرَادِقُهَا}: [الآية: 29]، قال: دخان يحيط بالكافر يوم القيامة وهو الذي قال الله: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ}تفسير : : [المرسلات: 30]. 1677- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لما خُلِقَتِ النار طارت أفئدة الملائكة، فلماخُلِقَ آدم سكنت. 1678- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجان من مارج من نار، وخُلِقَ آدم من ما وصف لكم ".