Verse. 2170 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ اِنَّا لَا نُضِيْعُ اَجْرَ مَنْ اَحْسَنَ عَمَلًا۝۳۰ۚ
Inna allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati inna la nudeeAAu ajra man ahsana AAamalan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً» الجملة خبر إن الذين وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم أي نثيبهم بما تضمنه.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان لأن العطف يوجب المغايرة. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } ظاهره يقتضي أنه يستوجب المؤمن بحسن عمله على الله أجراً، وعند أصحابنا ذلك الاستيجاب حصل بحكم الوعد وعند المعتزلة لذات الفعل وهو باطل لأن نعم الله كثيرة وهي موجبة للشكر والعبودية فلا يصير الشكر والعبودية موجبين لثواب آخر لأن أداء الواجب لا يوجب شيئاً آخر. المسألة الثالثة: نظير قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } الخ قول الشاعر: شعر : إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : كرر أن تأكيداً للأعمال والجزاء عليها. المسألة الرابعة: أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معاً ولك أن تجعل أولئك كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم واعلم أنه تعالى لما أثبت الأجر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه: أولها: صفة مكانهم وهو قوله: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } والعدن في اللغة عبارة عن الإقامة فيجوز أن يكون المعنى أولئك لهم جنات إقامة كما يقال هذه دار إقامة، ويجوز أن يكون العدن إسماً لموضع معين من الجنة وهو وسطها وأشرف أماكنها وقد استقصينا فيه فيما تقدم وقوله: {جَنَّـٰتُ } لفظ جمع فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى: { أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 46] ويمكن أن يكون المراد أن نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة وذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجري من تحتها وذلك لأن أفضل المساكن في الدنيا البساتين التي يجري فيها الأنهار. وثانيها: إن لباس أهل الدنيا إما لباس التحلي، وإما لباس التستر، أما لباس التحلي فقال تعالى في صفته: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } والمعنى أنه يحليهم الله تعالى ذلك أو تحليهم الملائكة وقال بعضهم على كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى: { أية : وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } تفسير : [الإنسان: 21] وسوار من لؤلؤ لقوله تعالى: { أية : وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } تفسير : [الحج: 23]، وأما لباس التستر فقوله: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَاسْتَبْرَقٍ } والمراد من سندس الآخرة واستبرق الآخرة والأول هو الديباج الرقيق وهو الخز والثاني هو الديباج الصفيق وقيل أصله فارسي معرب وهو استبره، أي غليظ، فإن قيل: ما السبب في أنه تعالى قال في الحلي: {يُحَلَّوْنَ } على فعل ما لم يسم فاعله وقال في السندس والاستبرق ويلبسون فأضاف اللبس إليهم، قلنا: يحتمل أن يكون اللبس إشارة إلى ما استوجبوه بعملهم وأن يكون الحلي إشارة إلى ما تفضل الله عليهم ابتداء من زوائد الكرم. وثالثها: كيفية جلوسهم فقال في صفتها متكئين فيها على الأرائك. قالوا: الأرائك جمع أريكة وهي سرير في حجلة، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة. ولما وصف الله تعالى هذه الأقسام قال: {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً } والمراد أن يكون هذا في مقابلة ما تقدم ذكره من قوله: {وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا }.

القرطبي

تفسير : لما ذكر ما أعدّ للكافرين من الهوان ذكر أيضاً ما للمؤمنين من الثواب. وفي الكلام إضمار؛ أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملاً، فأما من أحسن عملاً من غير المؤمنين فعمله مُحْبطَ. و «عملا» نصب على التمييز، وإن شئت بإيقاع «أحسن» عليه. وقيل: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} كلام معترض، والخبر قوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} و {جَنَّاتُ عَدْنٍ} سُرَّةُ الجنة، أي وسطها وسائر الجنات مُحْدِقَة بها. وذكرت بلفظ الجمع لسَعتها؛ لأن كل بُقعة منها تصلح أن تكون جنة. وقيل: العَدْن الإقامة، يقال: عَدَن بالمكان إذا أقام به. وعَدَنْت البلد توطنْته. وعَدَنَتِ الإبلُ بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه؛ ومنه «جناتُ عَدْن» أي جنات إقامة. ومنه سُمِّيَ المَعْدِن (بكسر الدال)؛ لأن الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء. ومركز كلّ شيء مَعدِنه. والعادن: الناقة المقيمة في المرعى. وعَدَن بلد؛ قاله الجوهري. {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} تقدّم في غير موضع. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} وهو جمع سِوار. قال سعيد بن جُبَير: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورِق، وواحد من لؤلؤ. قلت: هذا منصوص في القرآن، قال هنا {أية : من ذهب} تفسير : [الحج: 23] وقال في الحج وفاطر {أية : مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً} تفسير : [فاطر: 33] وفي الإنسان {أية : مِن فِضَّةٍ} تفسير : [الإنسان: 21]. وقال أبو هريرة: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : تبلغ الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» تفسير : خرّجه مسلم. وحكى الفرّاء: «يَحْلَون» بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام خفيفة؛ يقال: حَلِيت المرأة تَحْلَى فهي حالية إذا لبست الحَلْي. وحَلِيَ الشي بعيني يَحْلَى؛ ذكره النحاس. والسِّوار سِوار المرأة، والجمع أسورة، وجمع الجمع أساورة. وقرىء {أية : فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} تفسير : [الزخرف: 53] وقد يكون الجمع أساور. وقال الله تعالى {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ}، قاله الجوهري. وقال عُزيز: أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سِوار وسُوار، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب، فإن كان من فضة فهو قُلْب وجمعه قِلَبَة؛ فإن كان من قَرْن أو عاج فهي مَسَكة وجمعه مَسَك. قال النحاس: وحكى قُطْرب في واحد الأساور إسوار، وقُطْرب صاحب شذوذ، قد تركه يعقوب وغيره فلم يذكره. قلت: قد جاء في الصحاح وقال أبو عمرو بن العلاء: واحدها إسوار. وقال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتِّيجان جعل الله تعالى ذلك لأهل الجنة. قوله تعالى: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} السُّنْدُس: الرقيق النحيف، واحده سندسة؛ قاله الكسائي. والإستبرق: ما ثخُن منه ـ عن عكرمة ـ وهو الحرير. قال الشاعر:شعر : تراهنّ يلبسن المشاعر مَرّة وإستبرقُ الديباج طَوْراً لباسُهَا تفسير : فالإستبرق الدِيباج. ابن بحر: المنسوج بالذهب. القُتَبِيّ: فارسي معرب. الجوهري: وتصغيره أُبَيْرِق. وقيل: هو استفعل من البريق. والصحيح أنه وفاق بين اللغتين؛ إذ ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، على ما تقدّم، والله أعلم. وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر؛ لأن البياض يبدّد النظر ويؤلم، والسواد يذَم، والخضرة بين البياض والسواد، وذلك يجمع الشعاع. والله أعلم. روى النسائيّ حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب الجنة، أخَلْقٌ يُخلَق أم نسيج ينسج؟ فضحك بعض القوم. فقال لهم: «ممّ تضحكون من جاهل يسأل عالماً» فجلس يسيراً أو قليلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل عن ثياب الجنة؟ فقال: ها هو ذا يا رسول الله؛ قال لا بل تشّقق عنها ثمر الجنة» تفسير : قالها ثلاثاً. وقال أبو هريرة: دار المؤمن درّة مجوّفة في وسطها شجرة تنبت الحُلَل ويأخذ بأصبعه أو قال بأصبعيه سبعين حُلّة منظمة بالدرّ والمَرْجان. ذكره يحيـى بن سلام في تفسيره وابن المبارك في رقائقه. وقد ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة. وذُكر في الحديث أنه يكون على كل واحد منهم الحلة لها وجهان لكل وجه لون، يتكلمان بصوت يستحسنه سامعه، يقول أحد الوجهين للآخر: أنا أكرم على وَلِيّ الله منك، أنا ألِي جسده وأنت لا تلِي. ويقول الآخر: أنا أكرم على ولِيّ الله منك، أنا أبصر وجهه وأنت لا تبصر. قوله تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} «الأرائك» جمع أَرِيكة، وهي السرر في الحجال. وقيل الفرش في الحجِال؛ قاله الزجاج. ابن عباس: هي الأسرّة من ذهب، وهي مكلّلة بالدُّر والياقوت عليها الحجِال، الأريكة ما بين صنعاء إلى أيْلة وما بين عدن إلى الجابية. وأصل متكئين مُوْتَكئين، وكذلك أتكأ أصله أوتكأ، وأصل التُّكَأة وُكَأة؛ ومنه التوكّأ للتحامل على الشيء، فقلبت الواو تاء وأدغمت. ورجل وُكَأة كثير الاتّكاء. {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} يعني الجنات، عكس «وساءت مرتفقا». وقد تقدّم. ولو كان «نِعْمَتْ» لجاز لأنه ٱسم للجنة. وعلى هذا «وحسنت مرتفقا». وروى البَرَاء بن عازِب: أن أعرابيًّا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والنبيّ صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العَضْباء فقال: إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ فأعْلِم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم» تفسير : ذكره الماورديّ، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن، قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عليّ بن سهل قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا يحيـى بن الضُّرَيْس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازِب قال: قام أعرابي...؛ فذكره. وأسنده السُّهَيْلِي في كتاب الأعلام. وقد روَيْنا جميع ذلك بالإجازة، والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } خبر إن الأولى وهي الثانية بما في حيزها، والراجع محذوف تقديره من أحسن عملاً منهم أو مستغنى عنه بعموم من أحسن عملاً كما هو مستغنى عنه في قولك: نعم الرجل زيد، أو واقع موقعه الظاهر فإن من أحسن عملاً لا يحسن اطلاقه على الحقيقة إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} وما بينهما اعتراض وعلى الأول استئناف لبيان الأجر أو خبر ثان. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } من الأولى للابتداء والثانية للبيان صفة لـ {أَسَاوِرَ }، وتنكيره لتعظيم حسنها من الإِحاطة به وهو جمع أسورة أو أسوار في جمع سوار. {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا } لأن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة. {مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } مما رقّ من الديباج وما غلظ منه جمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ } على السرر كما هو هيئة المتنعمين. {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ } الجنة ونعيمها. {وَحَسُنَتْ} الأَرَائك {مُرْتَفَقتً} متكأ. {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً } للكافر والمؤمن. {رَّجُلَيْنِ } حال رجلين مقدرين أو موجودين هما أخوان من بني إسرائيل كافر اسمه قطروس ومؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعاً وعقاراً وصرفها المؤمن في وجوه الخير، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى. وقيل الممثل بهما أخوان من بني مخزوم كافر وهو الأسود بن عبد الأشد ومؤمن وهو أبو سلمة عبد الله زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} بستانين. {مّنْ أَعْنَـٰبٍ} من كروم والجملة بتمامها بيان للتمثيل أو صفة للرجلين. {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } وجعلنا النخل محيطة بهما مؤزراً بها كرومهما، يقال حفه القوم إذا أطافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقولك: غشيته به. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا } وسطهما. {زَرْعًا } ليكون كل منهما جامعاً للأقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والترتيب الأنيق. {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ اتَتْ أُكُلَهَا } ثمرها، وإفراد الضمير لإِفراد {كِلْتَا } وقرىء «كل الجنتين آتى أكله». {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ } ولم تنقص من أكلها. {شَيْئاً } يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالباً. {وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً } ليدوم شربهما فإنه الأصل ويزيد بهاؤهما، وعن يعقوب «وَفَجرنَا» بالتخفيف. {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله إذا كثره. وقرأ عاصم بفتح الثاء والميم، وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم والباقون بضمهما وكذلك في قوله {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } {فَقَالَ لَصَـٰحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } يراجعه في الكلام من حار إذا رجع. {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } حَشَماً وأعواناً. وقيل أولاداً ذكوراً لأنهم الذين ينفرون معه. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها، وإفراد الجنة لأن المراد ما هو جنته وما متع به من الدنيا تنبيهاً على أن لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التي وعد المتقون، أو لاتصال كل واحد من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة. {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } ضار لها بعجبه وكفره {قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ} أن تفنى. {هَـٰذِهِ } الجنة. {أَبَدًا } لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بمهلته. {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } كائنة. {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى } بالبعث كما زعمت. {لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا} من جنته، وقرأ الحجازيان والشامي «منهما» أي من الجنتين. {مُنْقَلَباً} مرجعاً وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما تلقاه. {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } لأنه أصل مادتك أو مادة أصلك. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } فإنها مادتك القريبة. {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} ثم عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال. جعل كفره بالبعث كفراً بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى، ولذلك رتب الإِنكار على خلقه إياه من التراب فإن من قدر على بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم {جنات عدن}، والعدن: الإقامة. {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} أي من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون: {أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} تفسير : [الزخرف: 51] الآية، {يُحَلَّوْنَ} أي من الحلية {فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} وقال في المكان الآخر: {أية : وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} تفسير : [الحج: 23] وفصله ههنا، فقال: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} فالسندس ثياب رفاع رقاق؛ كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق، فغليظ الديباج، وفيه بريق. وقوله: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} الاتكاء قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس، وهو أشبه بالمراد ههنا، ومنه الحديث الصحيح: «حديث : أما أنا فلا آكل متكئاً»تفسير : ، فيه القولان، والأرائك جمع أريكة، وهي السرير تحت الحجلة، والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناه، والله أعلم. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} قال: هي الحجال، قال معمر: وقال غيره: السرر في الحجال. وقوله: {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} أي نعمت الجنة ثواباً على أعمالهم وحسنت مرتفقاً، أي حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً، كما قال في النار: {بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا} وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: {أية : إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 66]، ثم ذكر صفات المؤمنين، فقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً خَـٰلِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تفسير : [الفرقان: 76].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } الجملة خبر «إن الذين» وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر، والمعنىأجرهم، أي نثيبهم بما تضمنه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجْر من أحسن عملاً} روى البراء بن عازب أن أعرابياً قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: إني رجل متعلم فأخبرني عن هذه الآية {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية فقال رسول الله صلى عليه وسلم "حديث : يا أعرابي ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك، هم هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم ". تفسير : قوله عز وجل: {... ويلبسون ثياباً خُضْراً مِن سندس وإستبرق} أما السندس: ففيه قولان: أحدهما: أنه من ألطف من الديباج، قاله الكلبي. الثاني: ما رَقَّ من الديباج، واحده سندسة، قاله ابن قتيبة. وفي الاستبرق قولان: أحدهما: أنه ما غلظ من الديباج، قاله ابن قتيبة، وهو فارسي معرب، أصله استبره وهو الشديد، وقد قال المرقش: شعر : تراهُنَّ يَلبْسنَ المشاعِرَ مرة وإسْتَبْرَقَ الديباج طوراً لباسُها تفسير : الثاني: أنه الحرير المنسوج بالذهب، قاله ابن بحر. {متكئين فيها على الأرائك} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الحجال، قاله الزجاج. الثاني: أنها الفُرُش في الحجال. الثالث: أنها السرر في الحجال، وقد قال الشاعر: شعر : خدوداً جفت في السير حتى كأنما يباشرْن بالمعزاء مَسَّ الأرائكِ

ابن عطية

تفسير : قوله عز وجل: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} اعتراض مؤكد للمعنى، مذكر بأفضال الله، منبه على حسن جزائه بين قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وقوله {أولئك}، فقوله تعالى: {أولئك لهم جنات عدن} ابتداء وخبر جملة، هي خبر {إن} الأولى، ونحو هذا من الاعتراض قول الشاعر: [البسيط] شعر : إن الخليفة إن الله ألبسه سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : قال الزجاج: ويجوز أن يكون خبر {إن} في قوله {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} لأن المحسنين هم المؤمنون فكأن المعنى: لا يضيع أجرهم. قال القاضي أبو محمد: ومذهب سيبويه أن الخبر في قوله {لا نضيع} على حذف العائد تقديره، {من أحسن عملاً} منهم، و"العدن": الإقامة، ومنه المعدن، لأن حجره مقيم فيه ثابت، وقوله {من تحتهم} يريد من تحت غرفهم، ومبانيهم، وقرأ الجمهور "من أساور" وروى أبان عن عاصم "أسورة" من غير ألف، وبزيادة هاء. وواحد الأساور إسوار، حذفت الياء من الجمع لأن الباب أساوير، وهي ما كان من الحلي في الذراع. وقيل {أساور} جمع إسورة، وإسورة جمع سوار، وإنما الإسوار بالفارسية القائد ونحوه ويقال في حلي الذراع أسوار، ذكره أبو عبيدة معمر ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : والله لولا صبية صغار كأنما وجوهم أقمار تضمهم من العتيك دار أخاف أن يصيبهم إقتار أو لاضم ليس له أسوار لما رآني ملك جبار ببــــابــه ما وضح النهار تفسير : أنشده أبو بكر بن الأنباري حاشية في كتاب أبي عبيدة، و"السندس": رقيق الديباج، و"الاستبرق" ما غلظ منه، وقال بعض الناس هي لفظة أعجمية عربت، وأصلها استبره، وقال بعضهم بل هو الفعل العربي، سمي به فهو استبرق من الريق فغير حين سمي به بقطع الألف، ويقوي هذا القول أن ابن محيصن قرأ "من سندس وإستبرق" فجاء موصول الهمزة حيث وقع ولا يجزمه، بل بفتح القاف، ذكره الأهوازي، وذكره أبو الفتح، وقال هذا سهو أو كالسهو و {الأرائك} جمع أريكة هي السرير في المجال، والضمير في قوله {وحسنت} للجنات وحكى النقاش عن أبي عمران الجوني أنه قال: "الاستبرق" الحرير المنسوج بالذهب، وحكى مكي والزهراوي وغيرهما حديثاً مضمنه حديث : أن قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: أعلم قومك أنها نزلت في هؤلاء الأربعة، وهم حضور .

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} قال أعرابي للرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: أخبرني عن هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ}، فقال: ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة الذين هم وقوف أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ـ رضي الله تعالى عنهم أجمعين ـ فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم.

النسفي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } كلام مستأنف بيان للأجر المبهم، ولك أن تجعل {إنَّا لا نضيع} و{أولئك} خبرين معاً. والمراد من أحسن منهم عملاً كقولك «السمن منوان بدرهم»، أو لأن {من أحسن عملاً} و{الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ينتظمهما معنى واحد فأقام من «أحسن» مقام الضمير {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } «من» للإبتداء، وتنكير أساور ــ وهي جمع أسورة التي هي جمع سوار ــ لإبهام أمرها في الحسن {مّن ذَهَبٍ } «من» للتبيين {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ } ما رَقَّ من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ } ما غلظ منه أي يجمعون بين النوعين {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ } خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك على أسرتهم {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ } الجنة {وَحَسُنَتْ } الجنة والأرائك {مُرْتَفَقًا } متكأ. {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ } ومثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل، أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل: هما المذكوران في«والصافات» في قوله: {أية : قال قائل منهم إني كان لي قرين} تفسير : [الصافات: 51] ورثاً من أبيهما ثمانية آلاف دينار فجعلاها شطرين، فاشترى الكافر أرضاً بألف دينار فقال المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضاً بألف دينار وأنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به، ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به، ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور، ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق، به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله {جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍ } بساتين من كروم {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال حفوه إذا أطافوا به، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيد الباء مفعولاً ثانياً {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه، ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق >

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً} أي لا نترك أعمالهم الصالحة وقيل إن قوله إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً كلام معترض وتقديره إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات {أولئك لهم جنات عدن} أي دار إقامة سميت عدناً لخلود المؤمنين فيها {تجري من تحتهم الأنهار} وذلك لأن أفضل المساكن ما كان يجري فيه الماء {يحلون فيها من أساور من ذهب} قيل يحلى كل إنسان منهم ثلاثة أساور سوار من ذهب لهذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى {أية : وحلوا أساور من فضة}تفسير : [الإِنسان: 21] وسوار من لؤلؤ لقوله {أية : ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير}تفسير : [الحج: 23] {ويلبسون ثياباً خضراً من سندس} هو الديباج الرقيق {وإستبرق} هو الديباج الصفيق الغليظ وقيل السندس المنسوج بالذهب {متكئين} خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك {فيها} أي في الجنة {على الأرائك} جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولما وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأشياء قال {نعم الثواب} أي نعم الجزاء {وحسنت} أي الجنات {مرتفقاً} أي مقراً ومجلساً، والمراد بقوله وحسنت مرتفقاً مقابلة ما تقدم ذكره من قوله سبحانه وتعالى وساءت مرتفقاً. قوله عز وجل {واضرب لهم مثلاً رجلين} قيل نزلت في أخوين من أهل مكة من بين مخزوم وهما أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان مؤمناً وأخوه الأسود بن عبد الأسود وكان كافراً وقيل هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه وسلمان وأصحابه وشبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه قطروس وهما اللذان وصفهما الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات وكانت قصتهما على ما ذكره عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضاً بألف دينار فقال صاحبه اللهم إن فلاناً قد اشترى أرضاً بألف وإني قد اشتريت منك أرضاً في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار فقال اللهم إن فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك خدماً ومتاعاً بألف دينار في الجنة فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في خدمه وحشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه فقال فلان، قال نعم قال ما شأنك قال أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال فما فعلت بمالك وقد قاسمتك مالاً وأخذت شطره، فنص عليه قصته فقال وإنك لمن المصدقين بهذا اذهب فلا أعطيك شيئاً فطرده، فقضي لهما فتوفيا فنزل فيهما قوله {أية : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين}تفسير : [الصافات: 50-51] وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أمواله فنزل فيهما {واضرب لهم مثلاً رجلين} {جعلنا لأحدهما جنتين} أي وجعلنا بساتين {من أعناب وحففناهما} أي أطفناهما من جوانبهما {بنخل وجعلنا بينهما زرعاً} أي بين النخل والأعناب الزرع وقيل بينهما أي بين الجنتين، يعني لم يكن بين الجنتين خراب بغير زرع {كلتا الجنتين آتت} أي أعطت كل واحدة من الجنتين {أكلها} أي ثمرها تماماً {ولم تظلم منه شيئاً} أي ولم تنقص منه شيئاً {وفجرنا خلالهما} شققنا وسطهما {نهراً}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } تقدَّم تفسير نظيره، واللَّه الموفِّق بفضله، و{أَسَاوِرَ } جمع «أسْوَار»، وهي ما كان من الحُلِيِّ في الذراع، وقيل: «أَسَاور» جَمْعُ أَسْوِرَة، وأَسْوِرَة جمع أسْوَارٍ، و«السُّنْدس»: رقيق الدِّيباج «والإستبرق» ما غلظ منه، قيل: إِستبرقٌ من البَرِيقِ، و{ٱلأَرَائِكِ } جمع أريكة، وهي السريرُ في الحجالِ، والضمير في قوله: {وَحَسُنَتْ } للجنَّات، وحكى النَّقَّاش عن أبي عمران الجَوْنيِّ، أنه قالَ: «الإِستبرقُ»: الحريرُ المنسوجُ بالذهب. وقوله سبحانه: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍ...} الآية الضمير في {لَهُم} عائدٌ على الطائفة المتجبِّرة التي أرادَتْ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يطرد فقراء المؤمنين، فالمثل مضروبٌ للطائفتين، إذ الرجل الكافر صاحِبُ الجنتين هو بإزاء متجبِّري قريشٍ، أو بني تميمٍ؛ على الخلاف في ذلك، والرجُلُ المؤمنُ المُقِرُّ بالربوبية هو بإزاء فقراءِ المؤمنين، «وخففنا» بمعنى جعلنا ذلك لَهُمَا منْ كُلِّ جهة، وظاهر هذا المَثَل أنَّه بأمْرٍ وَقَعَ في الوجودِ، وعلى ذلك فَسَّره أكثر المتأوِّلين، فروي في ذلك أنهما كانا أخَويْنِ من بني إسرائيل، ورثا أربعَةَ آلاف دينارٍ، فصنع أحدهما بماله ما ذكر، واشترى عبيداً، وتزوَّج، وأثْرى، وأنفق الآخَرُ ماله في طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ حتى افتقَرَ، والتقيا، فافتخر الغنيُّ، ووبَّخ المؤمن، فجرَتْ بينهما هذه المحاورَةُ، وروي أنهما كانا شريكَيْن حَدَّادَيْنِ كسبا مالاً كثيراً، وصَنَعَا نحو ما رُوِيَ في أمر الأَخَوَيْنِ، فكان من أمرهما ما قَصَّ اللَّه في كتابه. قال السهَيْلِيُّ: وذكر أن هذَيْن الرجلَيْن هما المذكوران في «والصافات» في قوله تعالى:{قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَِقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ} إِلى قوله {فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَاءِ ٱلْجَحِيمِ} وإِلى قوله: { أية : لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ } تفسير : [الصافات:51-61] انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الأية. لما ذكر وعيد المبطلين، أردفه بوعد المحقِّين، وهذه الآية تدل على أنَّ العمل الصالح مغايرٌ للإيمان؛ لأنَّ العطف يوجب المغايرة. قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ}: يجوز أن يكون خبر "إنَّ الَّذينَ" والرابط: إمَّا تكرر الظاهر بمعناه، وهو قول الأخفش، ومثله في الصلة جائزٌ، ويجوز أن يكون الرابط محذوفاً، أي: منهم، ويجوز أن يكون الرابط العموم، ويجوز أن يكون الخبر قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ} ويكون قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} اعتراضاً، قال ابن عطية: ونحوه في الاعتراض قوله: [البسيط] شعر : 3517- إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ الله ألبَسهُ سِربَالَ مُلكٍ بهِ تُزْجَى الخَواتِيمُ تفسير : قال أبو حيَّان: ولا يتعيَّنُ أن يكون "إنَّ الله ألبسَهُ" اعتراضاً؛ لجواز أن يكون خبراً عن "إنَّ الخليفة". قال شهاب الدين: وابن عطيَّة لم يجعل ذلك معيَّناً بل ذكر أحد الجائزين فيه، ويجوز أن تكون الجملتان- أعني قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} وقوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ} - خبرين لـ "إنَّ" عند من يرى جواز تعدد الخبر، وإن لم يكونا في معنى خبر واحد. وقرأ الثقفيُّ "لا نُضيِّعُ" بالتشديد، عدَّاه بالتشديد، كما عدَّاه الجمهور بالهمزة. وقيل: ولك أن تجعل "أولئك" كلاماً مستأنفاً بياناً للأجرِ المبهمِ. فصل قال ابن الخطيب: قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} ظاهره يقتضي أنَّه استوجب المؤمن على الله بحسن عمله أجراً، وعندنا الاستيجاب حصل بحكم الوعد. وعند المعتزلة: بذات الفعل، وهو باطلٌ؛ لأنَّ نعم الله كثيرةٌ، وهي موجبةٌ للشكر والعبوديَّة، فلا يصير الشُّكر والعبودية بموجبٍ لثوابٍ آخر؛ لأنَّ أداء الواجب لا يوجبُ شيئاً آخر. واعلم أنَّه تعالى، لمَّا أثبت الأجر المبهم، أردفه بالتفصيل، فبيَّن أولاً صفة مكانهم، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} والعدنُ في اللغة عبارة عن الإقامة، يقال: عدن بالمكان، إذا أقام به، فيجوز أن يكون المعنى: أولئك لهم جنات إقامة [كما يقال: دار إقامة] ويجوز أن يكون العدن اسماً [الموضع] معيَّن في الجنَّة، وهو وسطها. وقوله: "جنَّاتُ" اسم جمع، فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46] ثم قال: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 62] ويمكن أن يكون المراد نصيب كلِّ واحدٍ من المكلَّفين جنَّة على حدةٍ، ثم ذكر أنَّ من صفات تلك الجنات أنَّ الأنهار تجري من تحتها، وذلك لأنَّ أحسن مساكن الدنيا البساتين التي تجري فيها الأنهار، ثمَّ ذكر ثانياً أنَّ لباسهم فيها ينقسم قسمين: لباسُ التستُّر، ولباس التحلِّي. فأمَّا لباس التحلِّي فقال: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} فقيل: على كلِّ واحد منهم ثلاثة أسورة: سوارٌ من ذهبٍ لهذه الآية، وسوار من فضَّة؛ لقوله: {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} تفسير : [الإنسان: 21]، وسوار من لؤلؤ؛ لقوله {أية : وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} تفسير : [الحج: 23]. وأمَّا لباسُ التستُّر، فلقوله: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}. فالأول: هو الدِّيباجُ الرَّقيق. والثاني: هو الديباجُ الصَّفيق. وقيل: أصله فارسيٌّ معرَّبٌ، وهو "إستبره": أي غليظٌ. قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ}: في "مِنْ" هذه أربعة أوجه: الأوّل: أنها للابتداءِ. والثاني: أنها للتبعيض. والثالث: أنها لبيان الجنس، أي: أشياء من أساور. والرابع: أنها زائدة عند الأخفش؛ ويدلُّ عليه قوله: {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ} تفسير : [الإنسان: 21]. [ذكر هذه الثلاثة الأخيرة أبو البقاء]. وأساور جمع أسورةٍ، [وأسْوِرَة] جمع سِوار، كحِمار وأحْمِرة، فهو جمع الجمع. وقيل: جمع إسوارٍ، وأنشد: [الرجز] شعر : 3518- واللهِ لَوْلاَ صِبْيَةٌ صِغَارُ كَأنَّمَا وجُوهُهمْ أقْمَارُ أخَافُ أنْ يُصِيبَهُمْ إقْتَارُ أو لاطِمٌ ليْسَ لهُ إسْوَارُ لمَّا رَآنِي مَلِكٌ جَبَّارُ بِبَابهِ مَا طَلَعَ النَّهارُ تفسير : وقال أبو عبيدة: هو جمع "إسوارٍ" على حذف الزيادة، وأصله أساوِيرُ. وقرأ أبان، عن عاصم "أسْوِرَة" جمع سوارٍ، وستأتي إن شاء الله تعالى في الزخرف [الزخرف: 30] هاتان القراءتان في المتواتر، وهناك يذكر الفرق إن شاء الله تعالى. والسِّوارُ يجمع في القلَّة على "أسْوِرَةٍ" وفي الكثرة على "سُورٍ" بسكون الواو، وأصلها كقُذلٍ وحُمرٍ، وإنما سكنت؛ لأجل حرف العلَّة، وقد يضمُّ في الضرورة، قال: [السريع] شعر : 3519- عَنْ مُبرِقاتٍ بالبُرِينِ وتَبْــ ــدُو في الأكُفِّ اللامعاتِ سُورْ تفسير : وقال أهل اللغة: السِّوارُ: ما جعل في الذِّراعِ من ذهبٍ، أو فضَّة، أو نحاسٍ، فإن كان من عاج، فهو قلبٌ. قوله: "مِنْ ذهبٍ" يجوز أن تكون للبيان، أو للتبعيض، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ؛ صفة لأساور، فموضعه جرٌّ، وأن تتعلق بنفس "يُحلَّوْنَ" فموضعها نصبٌ. قوله: "ويَلْبَسُونَ" عطف على "يُحلَّوْن" وبني الفعل في التحليةِ للمفعول؛ إيذاناً بكرامتهم، وأنَّ غيرهم يفعل بهم ذلك ويزيِّنهم به، كقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 3520- عَرائِسُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمَةٍ يُحلَّيْنَ يَاقُوتاً وشَذْراً مُفقَّرا تفسير : بخلاف اللِّبس، فإنَّ الإنسان يتعاطاه بنفسه، وقدِّم التَّحلِّي على اللباس؛ لأنه أشهى للنَّفس. وقرأ أبان عن عاصم "ويَلْبِسُونَ" بكسر الباء. قوله: {مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} "مِنْ" لبيانِ الجنس، وهي نعتٌ لثياب. والسُّندسُ: ما رقَّ من الدِّيباج، والإستبرق: ما غلظ منه وعن أبي عمران الجونيِّ قال: السُّندسُ: هو الديباجُ المنسوج بالذَّهب، وهما جمعُ سندسةٍ وإستَبْرقةٍ، وقيل: ليسا جمعين، وهل "إسْتَبْرق" عربيُّ الأصل، مشتقٌّ من البريق، أو معرب أصله إستبره؟ خلاف بين اللغويين. وقيل: الإستبرق اسم للحرير وأنشد للمرقش: [الطويل] شعر : 3521- تَراهُنَّ يَلبَسْنَ المشَاعِر مرَّةً وإسْتَبْرَقُ الدِّيباجِ طَوراً لِباسُهَا تفسير : وهو صالحٌ لما تقدَّم، وقال ابن بحرٍ: "الإستبرقُ: ما نسج بالذَّهب". ووزن سُنْدسٍ: فُعْلُلٌ، ونونه أصليةٌ. وقرأ ابن محيصن "واستبرق" بوصل الهمزة وفتح القافِ غير منونة، فقال ابن جنِّي: "هذا سهوٌ، أو كالسَّهو" قال شهاب الدين: كأنه زعم أنَّه منعه الصَّرف، ولا وجه لمنعه؛ لأنَّ شرط منع الاسم الأعجمي: أن يكون علماً، وهذا اسم جنسٍ، وقد وجَّهها غيره على أنه جعلها فعلاً ماضياً من "البريق" و "استَفْعَلَ" بمعنى "فعل" المجرد؛ نحو: قرَّ، واستقرَّ. وقال الأهوازيُّ في "الإقناعِ": "واسْتَبْرَقَ بالوصل وفتح القاف حيث كان لا يصرفه" وظاهر هذا أنه اسم، وليس بفعلٍ، وليس لمنعه وجه؛ كما تقدَّم عن ابن جنِّي، وصاحب "اللوامح" لمَّا ذكر وصل الهمزة، لم يزد على ذلك، بل نصَّ على بقائه منصرفاً، ولم يذكر فتح القاف أيضاً، وقال ابنُ محيصنٍ: "واسْتَبْرَق" بوصل الهمزة في جميع القرآن، فيجوز أنه حذف الهمزة تخفيفاً؛ على غير قياسٍ، ويجوز أنَّه جعله عربيًّا من بَرِق يبرقُ بريقاً، ووزنه استفعل، فلمَّا سمِّي به، عامله معاملة الفعل في وصل الهمزة، ومعاملة التمكين من الأسماء في الصَّرف والتنوين، وأكثر التفاسير على أنَّه عربية، وليس بمستعربٍ، دخل في كلامهم، فأعربوه. قوله: "مُتَّكئين" حالٌ، والأرائِكُ: جمع أريكةٍ، وهي الأسرَّة، بشرط أن تكون في الحجالِ، فإن لم تكن لم تسمَّ أريكة، وقيل: الأرائكُ: الفرشُ في الحجالِ أيضاً، وقال الراغب: "الأريكةُ: حجلة على سريرٍ، فتسميتها بذلك: إمَّا لكونها في الأرض متَّخذة من أراك، أو من كونها مكاناً للإقامة؛ من قولهم: أَرَكَ بالمكانِ أروكاً، وأصل الأروكِ الإقامة على رعي الأرَاكِ، ثم تجوز به في غيره من الإقامات". وقرأ ابن محيصن "عَلَّرائِكِ" وذلك: أنه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، فالتقى مثلان: لام "على" - فإنَّ ألفها حذفت؛ لالتقاء الساكنين - ولام التعريف، واعتدَّ بحركة النقل، فأدغم اللام في اللام؛ فصار اللفظ كما ترى، ومثله قول الشاعر: [الطويل] شعر : 3522- فَمَا أصْبحَتْ عَلَّرْضِ نفسٌ بَريئةٌ ولا غَيْرُهَا إلاَّ سُليْمَانُ نَالهَا تفسير : يريد "عَلَى الأرض" وقد تقدَّم قراءة قريبة من هذه أوَّل البقرة: "بما أنزِلَّيكَ"، أي: أنزل إليك. قوله: "نعم الثواب" أي: نعم الجزاء. قوله: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: {أية : وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً} تفسير : [الكهف: 29].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المبارك وابن أبي حاتم، عن المقبري قال‏:‏ بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول‏:‏ يا ابن آدم، إذا عملت الحسنة فاله عنها، فإنها عند من لا يضيعها‏.‏ ثم تلا {‏إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا‏ً} ‏ وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينيك‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏ ‏"حديث : ‏لو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره، لطمس ضوءه ضوء الشمس كما يطمس ضوء النجوم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعاً، لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن كعب الأحبار قال‏:‏ ‏"‏إن لله ملكاً - وفي لفظ - ‏:‏ في الجنة ملك، لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ حلى أهل الجنة من يوم خلق إلى أن تقوم الساعة، ولو أن حلياً منها أخرج لرد شعاع الشمس‏.‏ وإن لأهل الجنة أكاليل من در، لو أن إكليلاً منها دلي من السماء الدنيا لذهب بضوء الشمس كما تذهب الشمس بضوء القمر‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن عكرمة قال‏:‏ إن أهل الجنة يحلون أسورة من ذهب ولؤلؤ وفضة، هي أخف عليهم من كل شيء إنما هي نور‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏أساور من ذهب‏} ‏ قال‏:‏ الأساور، المسك‏. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ‏"‏‏. تفسير : وأخرج النسائي والحاكم عن عقبة بن عامر، ‏ ‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول‏: "‏إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوهما في الدنيا" ‏‏‏. تفسير : وأخرج الطيالسي والبخاري في تاريخه والنسائي والبزار وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن عمرو قال‏:‏ قال رجل‏:‏ ‏"حديث : ‏يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة‏.‏‏.‏ أخلقاً تخلق أم نسجاً تنسج‏؟‏ قال‏:‏ بل يشقق عنها ثمر الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه‏. وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبدالله قال‏:‏ في الجنة شجرة تنبت السندس، منه يكون ثياب أهل الجنة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال‏:‏ الاستبرق، الديباج الغليظ، وهو بلغة العجم استبره‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ الاستبرق، الديباج الغليظ‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة قال‏:‏ الاستبرق الغليظ من الديباج‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن سابط قال‏:‏ يبعث الله إلى العبد من أهل الجنة بالكسوة فتعجبه، فيقول‏:‏ لقد رأيت الجنان فما رأيت مثل هذه الكسوة قط‏!‏ فيقول الرسول الذي جاء بالكسوة‏:‏ إن ربك يأمر أن تهيئ لهذا العبد مثل هذه الكسوة ما شاء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال‏:‏ لو أن ثوباً من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا، لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر قال‏:‏ إن الرجل من أهل الجنة يلبس الحلة من حلل أهل الجنة فيضعها بين أصبعيه، فما يرى منها شيء، وإنه يلبسها فيتعفر حتى تغطي قدميه، يكسى في الساعة الواحدة سبعين ثوباً‏.‏‏.‏‏.‏ إن أدناها مثل شقيق النعمان، وإنه يلبس سبعين ثوباً يكاد أن يتوارى، وما يستطيع أحد في الدنيا يلبس سبعة أثواب ما يسعه عنقه‏. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي رافع قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من كفن ميتاً، كساه الله من سندس واستبرق الجنة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحوّل عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت قال‏:‏ بلغنا أن الرجل يتكئ في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة، فإذا أزواج له لم يكن يراهن من قبل ذلك فيقلن‏:‏ قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيباً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الأرائك، السرر في جوف الحجال‏.‏‏.‏‏.‏ عليها الفرش منضود في السماء فرسخ‏. وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة، فإن كان سرير بغير حجلة لم يكن أريكة؛ وإن كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة، فإذا اجتمعا كانت أريكة‏. ‏وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏على الأرائك‏} ‏ قال‏:‏ السرر عليها الحجال‏. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ الأرائك من لؤلؤ وياقوت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في الوقف والابتداء، عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ لم نكن ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي رجاء قال‏:‏ سئل الحسن رضي الله عنه عن الأرائك فقال‏:‏ هي الحجال، أهل اليمن يقولون أريكة فلان‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه، أنه سئل عن الأرائك فقال‏:‏ هي الحجال على السرر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ الأرائك، الحجال فيها السرر‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} في محل التعليلِ للحث على الإيمان المنفهِم من التخيـير، كأنه قيل: وللذين آمنوا، ولعل تغيـيرَ سبكه للإيذان بكمال تنافي مآليْ الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحيَ إليك {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} حسبما بـين في تضاعيفه {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} خبرُ إن الأولى هي الثانيةُ مع ما في حيزها والراجعُ محذوفٌ أي من أحسنَ منهم عملاً أو مستغنًى عنه كما في قولك: نعم الرجلُ زيدٌ أو واقعٌ موقعَه الظاهرَ فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هو الذي آمن وعمِل الصالحات. {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بالنعوت الجليلة {لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} استئنافٌ لبـيان الأجر، أو هو الخبرُ وما بـينهما اعتراضٌ أو هو خبرٌ بعد خبر {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} من الأولى ابتدائيةٌ والثانيةُ صفةٌ لأساور والتنكيرُ للتفخيم وهو جمعُ أَسوِرة أو إسْوار جمع سِوار {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} خُصت الخُضرة بثيابهم لأنها أحسنُ الألوان وأكثرُها طراوة {مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي مما رقّ من الديباج وغلُظ، جمعَ بـين النوعين للدِلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفسُ وتلَذّ الأعين {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ} على السرُر على ما هو شأن المتنعمين {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} ذلك {وَحَسُنَتْ} أي الأرائك {مُرْتَفَقًا} أي متكأ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}[30] قال: حسن العمل الاستقامة عليه بالسنة، وإنما مثل السنة في الدنيا مثل الجنة في الآخرة، ومن دخل الجنة سلم، كذلك من لزم السنة في الدنيا سلم من الآفات. وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: لو أن رجلاً ارتكب جميع الكبائر ثم لم يكن فيه شيء من هذه الأهواء والبدع لرجوت له. ثم قال: من مات على السنة فليبشر ثلاث مرات. وقال سهل: لا يرفع الحجاب عن العبد حتى يدفن نفسه في الثرى. قيل له: كيف يدفن نفسه في الثرى؟ قال: يميتها على السنة، ويدفنها في اتباع السنة، لأن لكل شيء من مقامات العابدين مثل الخوف والرجاء والحب والشوق والزهد والرضا والتوكل غايةً، إلا السنة فإنه ليست لها غاية ونهاية. وسئل عن معنى قوله: "ليست للسنة غاية" متى بن أحمد فقال: لا يكون لأحد مثل خوف النبي صلى الله عليه وسلم أو حبه أو شوقه، أو زهده أو رضاه أو توكله أو أخلاقه، وقد قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم:4]. وسئل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أجيعوا أنفسكم وأعروها"تفسير : ، فقال: أجيعوا أنفسكم إلى العلم وأعروها عن الجهل.

السلمي

تفسير : قال جعفر: إن الذين صدقوا الله فى الأرزاق والكفايات وطلبوا الرزق من وجهه الذى أباح الله طلبه فإن الله لا يضيع سعيهم فى طلب مرضاته ويسهل عليهم سبيل التوكل ليستغنوا بذلك عن الطلب والحركة ويخرجهم من ضيق الطلب إلى فسحة التوكل. قال بعضهم: من صدق الإخلاص فى أعماله فأولئك الذين لا نضيع سعيهم وحركتهم. قال الله تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}.

القشيري

تفسير : أهلُ الجنة طابتْ لهم حدائقُها، وأهلُ النار أَحَاط بهم سُرادِقُها. والحقُّ - سبحانه - مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يعودَ إليه من تعذيبِ هؤلاء عائدة ولا من تنعيم هؤلاء فائدةٌ... جَلَّتْ الأحديةُ، وتَقَدَّسَتْ الصمدية! ومَنْ وقَعَتْ عليه غَبَرَةٌ في طريقنا لم تَقَعَ عليه قَتَرَةُ فراقنا، ومَنْ خطا خطوةً إلينا وَجَدَ حظوةً لدينا، ومَنْ نَقَلَ قَدَمَه نحونا غفرنا له ما قَدَّمَه، ومَنْ رَفَعَ إلينا يَدَاً أَجْزَلْنا له رَغَداً، ومَنْ التجأ إلى سُدَّةِ كَرَمِنا آويناه في ظِلِّ نِعَمِنا، ومن شكا فينا غليلاً مَهَّدْنا له - في دار فضلنا - مقيلاً. {أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً}: العملُ أحسنُه ما كان مضبوطاً بشرائط الإخلاص. ويقال: {مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} بأن غاب عن رؤية إحسانه. ويقال مَنْ جَرَّدّ قَصْدَه عن كلِّ حظٍّ ونصيب. ويقال الإحسان في العمل ألا ترى قضاء حاجتك إلا في فَضلِه،إذا أخلصتَ في تَوسِلكَ إليه بفضله، وتوصُّلِكَ إلى ما مَوَّلَكَ من طَوْلِهِ بِتَبرِّيكَ عن حَوْلِكَ وقُوَّتِك استوجبتَ حُسْنَ إقباله، وجزيل نواله. قوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} أولئك هم أصحابُ الجنان، في رَغَدِ العيش وسعادة الجَد وكمال الرِّفد، يلبسون حُلَلَ الوُصلة، ويُتَوَّجُون بتاج القرُبة، ويُحْمَلون على المباسط، ويَتَّكِئون على الأرائك، ويشمون رياحينَ الأُنس، ويقيمون في مجال الزُّلفة، ويُسْقَوْنَ شرابَ المحبة، ويأخَذُون بِيَدِ الزلفة ما يتحفهم الحقُّ به من غير واسطة، ويسقيهم شراباً طهوراً يُطَهِّر قلوبَهم عن محبة كلِّ مخلوقٍ. {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}: نِعْم الثوابُ ثوابُهم، ونعم الربُّ ربُّهم، ونعم الدارُ دارُهم، ونعم الجارُ جارُهم، ونعم الحالُ حالُهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة: {إنّا لا نضيع}: خبر "إن"، والعائد محذوف، أي: أحسن عملاً، أو: وقع الظاهر موقعه؛ فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هو الذي آمن وعمل صالحًا. و {أولئك}: استئناف؛ لبيان الأجر، أو: خبر "إن"، وما بينهما اعتراض، أو خبر بعد خبر. و {من أساور}: ابتدائية، و {من ذهب}: بيانية، و {أساور}: جمع أسورة، أو أسوار جمع سوار، فهو جمع الجمع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الذين آمنوا} أي: اختاروا الإيمان، من قوله: {فمن شاء فليؤمن}، وكأنه في المعنى عطف على قوله: {أعتدنا للظالمين}، أي: والذين آمنوا هيأنا لهم كذا وكذا، ولعل تغيير سبكه: للإيذان بكمال تنافي مآلَيْ الفريقين، أي: إن الذين آمنوا بالحق الذي أُوحي إليك {وعَمِلُوا} الأعمال {الصالحات}، حسبما بيَّن فيما أوحي إليك، {إِنا لا نُضِيعُ أجرَ من أحسن عملاً}، وأتقنه على ما تقتضيه الشريعة. {أولئك}؛ المنعوتون بهذه النعوت الجليلة {لهم جناتُ عدن تجري} من تحت قصورهم {الأنهار}؛ من ماء ولبن وخمر وعسل، {يُحلَّون فيها من أساورَ من ذهب} أي: كل واحد يُحلَّى بسوارين من ذهب. وكانت الأساور عند العرب من زينة الملوك، {ويَلْبَسُون ثيابًا خُضْرًا}، وخصت الخضرة بثيابهم؛ لأنها أحسن الألوان وأكثرها طراوة. وتلك الثياب {من سُنْدُسٍ وإِستبرقٍ}، السندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، جمع النوعين؛ للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، {متكئين فيها على الأرائك} جمع أريكة، وهو السرير في الحجَال، أي: متكئين على الأسرة المُزينة بالستور الرفيعة، كحال العرائس المتنعمين. {نِعْمَ الثوابُ} ذلك، {وحَسُنَتْ مُرتفقًا}: متَّكأ. والآية عامة وإن نزلت في خصوص الصحابة رضي الله عنهم، وأماتنا على منهاجهم. آمين. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا الأعمال التي تقرب إلى حضرة القدوس؛ وهي تحملُ ما يثقل على النفوس، أولئك لهم جنات المعارف، تجري من تحت قلوبهم أنهار العلوم والمواهب، يُحلَّون فيها بمقامات اليقين، ويلبسون ثياب العز والنصر والتمكين، متكئين على سرر الهنا والسرور، قد انقضت عنهم أيام المحن والشرور، جعلنا الله فيهم بمنّه وكرمه. ثمَّ ضرب مثلاً لمن اغتر بدنياه ولمن زهد فيها

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالولاية بالبيعة الخاصّة الولوية او انّ الّذين اسلموا بك بالبيعة العامّة النّبويّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالاتّصال بالولاية {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم وانّهم محسنون.

الهواري

تفسير : ثم أخبر بوعده لمن آمن فقال: { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَرُ}. قد فسّرناه في غير هذا الموضع. قوله: { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الرجل من أهل الجنة لو بدا سواره لغلب على ضوء الشمس . تفسير : ذكروا أنه ليس من أهل الجنة أحد إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وهو قوله: (أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤلُؤاً) تفسير : [الحج:23]، وقوله: (أية : وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ) تفسير : [الإنسان:21]. قوله: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} قال بعضهم: أما لسندس فالخز الذي يقال له الرقيم. وأما الإِستبرق فالديباج الغليظ. وبعض الكوفيين يقول: هي بالفارسية: استبره. قوله: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ} أي: على السرر [في الحجال] ذكر ابن عباس في قوله: (أية : عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ) تفسير : [الواقعة:15] قال: مرمولة بالذهب. وقال الحسن: مرمولة بالدر والياقوت. وقال بعضهم: يعانق الرجل زوجته قدر عمر الدنيا، لا تملّه ولا يملّها. ذكروا عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الرجل من أهل الجنة ليتنعم في تكأة واحدة سبعين عاماً تفسير : ذكروا ابن عباس قال: إن الرجل من أهل الجنة ليتكىء على أحد شقيه فينظر إلى زوجته كذا وكذا سنة. ثم يتكىء على الشق الآخر، فينظر إليها مثل ذلك في قبة حمراء، من ياقوتة حمراء، ولها ألف باب، وله فيها سبعمائة امرأة. قوله: { نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} أي: منزلاً ومَأوى، يعني الجنة.

اطفيش

تفسير : بل ثُنيه على عمله وجملة إن الثانية واسمها وخبرها خبر للأولى والرابط بين اسم الأول وخبرها محذوف تقديره إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم ومن هذه التى قدرتها هى من التبعيضية لأنه قد يؤمن الإنسان ويعمل صالحا ولا يحسن ويجوز أن يكون الرابط العموم على أن المراد يعمل الصالحات عملهن بالإحسان والمراد بعامليها عاملوها من هذه الأمة وبمن أحسن عملا كل من أحسنه منها أو من غيرها فهو أعم. ويجوز أن يكون الرابط من يكون من وضع الظاهر موضع المضمر ويكون من أحسن عملا والذين آمنوا وعملوا الصالحات شيئاً واحداً كأنه قيل: إنا لا نضيع أجره وما ذكرته من أن مَن ظاهر هو الذى أعتقده من أن الأسماء الموصولات وأسماء لإشارة أسماء ظاهرة وقال ابن بابشاذ: لا ظاهرة ولا مضمرة بل قسم آخر وأحسن فعل ماض وعملا مفعول به وإحسانه هو إخلاصه عما يفسده أو ينقصه.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وقوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} خبر، لإن الأولى والرابط من فهو من وضع الظاهر موضع المضمر، على أن المراد بمن أحسن عملا هو الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يمنع هذا تنكير العمل، فإنه للتعظيم اعتبر وضع الظاهر موضعه على وجه التعظيم، وإن أريد بالأول الخصوص، وبالثانى العموم، كان الرابط العموم أو بالعكس فالرابط محذوف أى من أحسن منهم عملا، أو هذه الجملة معترضة، فيكون خبر إن الأولى قوله: {أُولئكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} وإِذا جعلنا الخبر هو إنا لا نضيع كانت هذه مستأنفة أو خبراً ثانيًا لإن الأولى، والعدن الإقامة ومنه المعدن لإقامة الجواهر فيه، العمل الصالح هو إحسان العمل أو إحسان العمل قيد فى العمل الصالح لأن الإنسان قد يعمل صالحًا، ولا يحسنه، وعلى وضع الظاهر موضع المضمر، فالإحسان مراد فى آمنوا وعملوا الصالحات، وعلى غيره يكون الإحسان قيداً مخرجاً لمن لم يتم عمله ولمن رأى به ولمن عمل محبطاً أو يراد الإحسان الذى هو أن تعبد الله كأنك تراه، فتكون لآية فى نوع من المؤمنين. {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ} خبر ثالث، أو مستأنف أو نعت جنات، أى من تحت غرفهم كما قال جل وعلا: "أية : وهم فى الغرفات آمنون"تفسير : [سبأ: 37]. {يُحلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} خبر رابع أو مستأنف، أو تحت جنات، والمفعول الثانىمحذوف منعوت بمن أساور، أى يحلون فيها حليا من أساور، ومن هذه للتبعيض من هذا المحذوف، أو بيان له، ويجوز أن يكون متعديًا لواحد فقط بمعنى يعطون حليًا، فتكون من للابتداء، ومن ذهب نعت لأساور، أو بيان لأساور، أو تبعيض له يتعلق بمحذوف نعت أساور، والمفرد أسورة وأسورة جمع سوار، وقال أبو عبيدة: جمع أسوار بحذف الألف بعد الواو، ولو اعتبرت لقيل أساوير بالياء، أو حذفت من أساوير الياء. قال أبو عمرو بن العلاء: سوار مفرد لا جمع، وجمعه أساور بحذف ألف المفرد، وكذا قال قطرب وأبو عبيدة، وتنكير أساور وذهب للتعظيم، والسوار حلقة تلبس فى اليد أو فى الزند، وكان الملوك يتزينون فى أيديهم، ويتوجون فى رءوسهم فى الدنيا، وتزين بها الأطفال الذكور أيضا فلا عيب فى لبس أهل الجنة لها، بل جعلها الله لهم زينة يحبونها، ولو كانوا لا يحبونها فى الدنيا طبعًا، ولكل واحد من أهل الجنة ثلاثة أسورة، واحدة من ذهب كما فى هذه الآية، والثانية من الفضة لقوله تعالى: "أية : وحلّوا أساور من فضة"تفسير : [الإنسان: 21]. والثالثة من اللؤلؤ لقوله تعالى: "أية : ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير" تفسير : [الحج: 23، فاطر: 33] أو لبعضهم من ذهب، ولبعض من فضة، ولبعض من اللؤلؤ، بحسب أعمالهم، وأكثر التسوير فى الدنيا النساء، ويشترك به النساء والرجال فى الآخرة والأصل دستاور لفظ عجمى تصرفت فيه العرب، فقالوا سورت الجارية، وقالوا: سوار بحذف الف دست، ورائه وهائه وتائه وداله، والصحيح أنه عربى وقيل: معرب دستواره. قال عكرمة: أسورتهم من ذهب وفضة ولؤلؤ، أخف عليهم من كل شئ، إِنما هى نور. وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء" تفسير : وعن كعب الأحبار: "لله تعالى ملك يصوغ حلى أهل الجنة من يوم خلق إلى يوم قيام الساعة لو بدا واحد لأزال ضوء الشمس". {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} لأن للخضرة طراوة زائدة على حسن الزرقة، والسواد والبياض، والحمرة والصفرة ويتقوى بها نور البصر، ولا سواد فى الجنة، والأحبار لا تخلو عن إثباته إلا أنا لا ندرى صحتها، كما يقال: لهارون لحية تضرب إلى سرته فنظن أنها سوداء، وكما يقال: يفرق سواد بلال رضى الله عنه نقطًا فى خدوج نساء الجنة، وإنما بنيت الحلية للمفعل واللباس للفاعل، لأنه لعملهم الصالح الذى تناولوه هم، ولأن المعتاد أن يلى الإنسان لباس نفسه، ولا سيما إذا كان فيه ستر العورة أو مسها، والحلى أعطوه وهو زيادة من الله، والملوك تلبسهم الحلى ونحوه الخدم. {مِنْ سُنْدُسٍ} ما رقّ من الحرير، وأصله فارسى أو هندى قولان، وأصله بالهندية سندون وغيَّرته الروم إلى سندس، والعرب إلى سندس. {وَإِسْتَبْرَقٍ} ما غلظ منه، وقيل: حرير منسوج بالذهب، فارسى معرب، وأصله استبر بلا هاء، أو رومى أصله استبره بالهاء، أو استبره بالباء الفارسية بعد التاء وبالهاء، وقيل: هو عربى من البريق، وهو استفعل كاستخرج، جعلوه اسماً جمع لهم ذلك، لأن لهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وكل قد يشتهى لغرض، وفى قوله تعالى: "أية : ما تشتهيه الأنفس"تفسير : [الزخرف: 71] تلويح بأن فى الجنة غير الخضرة، لأن الحرير أبيض ما لم يصبغ، وفى الجنة خلقه الله أخضر بلا صبغ، "حديث : قيل: يا رسول الله ثياب الجنة منسوجة أم مخلوقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: تنشق عنها ثمار الجنة ". تفسير : وعن أبى الخير مرثد بن عبد الله: فى الجنة شجرة تنبت السندس ثيابًا لأهل الجنة، وعن سليم بن عامر، أن الرجل يكسى فى الساعة الواحدة سبعين ثوبًا، وأن أدناها كشقائق النعمان. وعن كعب: لو أن ثوبًا من الجنة بدا لصعق أهل الدنيا وما حملته أبصارهم. {مُتَّكِئِينَ} حال من واو يلبسون {فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ} السُّرور فى الحجلات بهيئة المتنعمين من الاتكاء، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يمكث الرجل فى متكئِه أربعين سنة ما يمله"تفسير : . وعن ابن عباس: الأرائك فرش منضودة فى السماء، مقدار فرسخ، وأصله من الأراك وهو شجر، أو من الأروكة وهى الإقامة على رعى الأراك، وهو عربى. {نِعْمَ الثَّوَابُ} الجنة وما فيها {وَحَسُنَتْ} أرائكهم {مُرْتَفَقًا} موضع اتكاء، أو هو حال أو اتكاء وهو تمييز، ولو كان معناه من المتكئين لا من السرر، ولم ذكر الله عز وجل جزاء للظالمين أصحاب الأموال المحتقرين للمسلمين الفقراء، الناهين ذكر مثل ذلك بضرب المثل برجل مشرك متعظم بماله على رجل مسلم، ينهاه فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ} للمشركين {مَثَلاً رَجُلَيْنِ} للكافرين والمؤمنين ضعفَاء المؤمنين طالبين لطردهم عن مجلسه مقداراً مفروضاً. والصحيح أنهما كانا رجلين موجودين فقيل: كانا أخوين إِسرائيليين كافر اسمه قرطوس بقاف مضمومة، وقيل: بفاء مضمومة، وقيل: قطفير، ومؤمن اسمه يهوذا ورثا من أيهما ثمانية آلاف أنصاف، فاشترى الكافر بسهمه ضياعاً وعقاراً، وجعل المؤمن سهمه فى وجوه الخير، وقيل: كانا حدادين، جمعا مالا: ويروى أن الكافر اشترى أرضًا بأَلف، فتصدق المؤمن بألف الأرض فى الجنة، وداراً بأَلف، فتصدق المؤمن بألف لدار فى الجنة، وتزوج امرأة بألف فتصدق المؤمن بألف للحور، واشترى خدماً بألف، فتصدق المؤمن بألف لولدان الجنة، وكل ذلك بقول: اللهم، وافتقر وتعرض لأخيه فى طريقه، فمر به مع حشمه، فوبخه على تصدقه، ولم يعطه. وقيل: الرجلان أخوان من بنى مخزوم، بطن من قريش، وقوله تعالى: لصاحبه، لا ينافى الأخوة كافر، وهو الأسود بن عبد الأشد بالشين المعجمة، وبعض ضبطه بالمهملة، ومؤمن وهو أبو سلمة عبد الله، زوج أم سلمة قبل النبى صلى الله عليه وسلم، بفتح سين سَلَمة، ولامه فى أبى سلمة، وفى أم سلمة، وهى من أمهات المؤمنين. {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} مستأنف تفسيراً للمثل أو نعت لرجلين مفيد للتمثيل، والمعنى سنانان من شجر الأعناب على تقدير مضاف، والأعناب شجر العنب مجازاً، أو يقدر مضاف أى من شجر أعناب. {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} جعلنا النخل حافة بهما أى محيطة، والجنة عبارة عن شجرها فبيَّنها بقوله: "من أعناب" ومن للبيان، أو يقدر شجرها من أعناب، والنخل مقوّ لها، فالعنب أشرف من التمر، والتمر أشرف من غيره، والنخل خارج عن الجنتين، لأنهما جنتان بالعنب، والنخل أحاط بهما، ويقال: حفَّه القوم أحاطوا به، وحففته بالقوم حطتهم حافين، فالباء للتعدية إلى مفعول ثان كهمزة التعدية، كأنك قلت: أحففتهم إياه، أى جعلتهم حافينه بنصب محل الهاء على المفعولية، وتعديته بالباء أولى منها بالهمزة، والمراد كل جنة منهما مدور عليها بنخل على حدة. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} بين كل جنة ونخيلها، والأخرى ونخيلها {زَرْعًا} فيحصل من ذلك القوت العظيم والبقول كل وقت بما ناسبه من المحروث، ولا يحتاج مالكهما إلى غيرهما، لأن ذلك بُرّ أو شعير أو نحوهما، وفواكه وعنب ولا يختص الزرع بنحو البُرّ، بل يصدق أيضا بنحو البطيخ والزرع، بمعنى الصدرية أى قبول الحرث، أو مفعول أى ننبت بينهما ما يحرث، أو يقدر أرض زرع.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} في محل التعليل للحث على الإيمان المنفهم من التخيير كأنه قيل وللذين آمنوا، ولعل تغيير السبك للإيذان بكمال تنافي حالي الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي يوحى إليك {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} حسبما بين في تضاعيفه. {أَنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} وقرأ عيسى الثقفي {لا نضيع} بالتضعيف، وعلى القراءتين الجملة خبر إن الثانية وخبر إن الأولى الثانية بما في حيزها والرابط ضمير محذوف تقديره من أحسن عملاً منهم. ولا يرد أنه يقتضي أن منهم من أحسن ومنهم من لم يحسن لأن ذلك على تقدير كون (من) تبعيضية وليس بمتعين لجواز كونها بيانية ولو سلم فلا بأس به فإن الإحسان زيادة الإخلاص الوارد في حديث«حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه»تفسير : لكن يبقى على هذا حكم من لم يحسن بهذا المعنى منهم أو الرابط الاسم الظاهر الذي هو المبتدأ في المعنى على ما ذهب إليه الأخفش من جعله رابطاً فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. واعترض بأنه يأباه تنكير {عملاً} لأنه للتقليل. وأجيب بأنه غير متعين لذلك إذ النكرة قد تعم في الإثبات ومقام المدح شاهد صدق أو الرابط عموم (من) بناء على أن العموم قد يكون رابطاً كما في زيد نعم الرجل على قول وفيه مناقشة ظاهرة.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً مراعى فيه حال السامعين من المؤمنين، فإنهم حين يسمعون ما أعد للمشركين تتشوف نفوسهم إلى معرفة ما أعد للذين آمنوا ونبذوا الشرك فأعلِموا أن عملهم مرعي عند ربهم. وجريا على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب. وافتتاح الجملة بحرف التوكيد (إن) لتحقيق مضمونها. وإعادةُ حرف (إن) في الجملة المخبر بها عن المبتدأ الواقع في الجملة الأولى لمزيد العناية والتحقيق كقوله تعالى في سورة الحج (17) { أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } تفسير : وقوله تعالى: { أية : قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } تفسير : [الجمعة: 8] ومثله قول جرير: شعر : إن الخليفة إن الله سَرْبله سِربال مُلك به تُزجَى الخواتيمُ تفسير : وموقع (إن) الثانية في هذه الآية أبلغ منه في بيت جرير لأن الجملة التي وقعت فيها في هذه الآية لها استقلال بمضمونها من حيث هي مفيدة حكماً يعم ما وقعت خبراً عنه وغيره من كل من يماثل الخبر عنهم في عملهم، فذلك العموم في ذاته حكم جدير بالتأكيد لتحقيق حصوله لأربابه بخلاف بيت جرير. وأما آية سورة الحج فقد اقتضى طولُ الفصل حرف التأكيد حرصاً على إفادة التأكيد. والإضاعة: جعل الشيء ضائعاً. وحقيقة الضيعة: تلف الشيء من مظنة وجوده. وتطلق مجازاً على انعدام الانتفاع بشيء موجود فكأنه قد ضاع وتلف، قال تعالى: { أية : أني لا أضيع عَمَل عامل منكم } تفسير : في سورة آل عمران (195)، وقال: { أية : وما كان الله ليُضِيع إيمانكم } تفسير : في البقرة (143). ويطلق على منع التمكين من شيء والانتفاع به تشبيهاً للممنوع بالضائع في اليأس من التمكن منه كما في هذه الآية، أي أنا لا نَحْرم من أحسن عملاً أجرَ عمله. ومنه قوله تعالى: { أية : إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين } تفسير : [التوبة: 120].

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من عمل صالحاً وأحسن في عمله أنه جل وعلا لا يضيع أجره، أي جزاء عمله: بل يجازي بعمله الحسن الجزاء الأوفى. وبين هذا المعنى في آيات كثيرة جداً، كقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ}تفسير : [آل عمران: 195]. وقوله تعالى: {أية : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 171] وقوله {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ}تفسير : [الرحمن: 60] الآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جداً. وفي هذا المعنى الكريمة سؤلان معروفان عند العلماء: الأول - أن يقال أين خبر "إن" في قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية؟ فإذا قيل: خبرها جملة {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} توجه السؤال. الثاني - وهو أن يقال: أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم "إن"؟. اعلم أن خبر "إن" في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} قيل هو جملة {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} تفسير : [الكهف: 31] وعليه فقوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} جملة اعتراضية. وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه. وقيل: "إن" الثانية واسمها وخبرها، كل ذلك خبر "إن" الأولى. ونظير الآية من القرآن في الإخبار عن "إن" بـ "إن" وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة "الحج": {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ}تفسير : [الحج: 17] الآية، وقول الشاعر: شعر : إن الخليفة إن الله ألبسه سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : على أظهر الوجهين في خبر "إن" الأولى في البيت. وعلى هذا فالجواب عن السؤال الثاني من وجهين: الأول - أن الضمير الرابط محذوف، تقديره: لا نضيع أجر من أحسن منهم عملاً: كقولهم: السمن منوان بدرهم، أي منوان منه بدرهم، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ}تفسير : [البقرة: 234] الآية. أي يتربص بعدهم. الوجه الثاني - أن من {مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وإذا كان الذين آمنوا، ومن أحسن عملاً ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير. وهذا هو مذهب الأخفش، وهو الصواب. لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 30- أما الذين آمنوا بالله وبدينه الحق الذى يُوحى إليك، وعملوا ما أمرهم به ربهم من الأعمال الصالحة، فإنا لا نضيع أجرهم على ما أحسنوا من الأعمال. 31- هؤلاء لهم جنات يقيمون فيها منعَّمين أبدا، تنساب الأنهار من بين أشجارها وقصورها، يتحلون فيها بمظاهر السعادة فى الدنيا، كالأساور الذهبية، وملابسهم فيها الثياب الخضر من الحرير على اختلاف أنواعه، متكئين فيها على السرر بين الوسائد والستائر، نعم الثواب لهم، وحَسُنت الجنة دار مقام وراحة، يجدون فيها كل ما يطلبون. 32- بيِّن - أيها الرسول - فى شأن الكفار الأغنياء مع المؤمنين الفقراء مثلا وقع فيما سلف بين رجلين: كافر ومؤمن، وللكافر حديقتان من أعناب، وأحطناهما بالنخيل زينة وفائدة، وجعلنا بين الجنتين زرعا نضِراً مثمراً. 33- وقد أثمرت كل واحدة من الجنتين ثمرها ناضجاً موفوراً، ولم تنقص منه شيئاً، وفجَّرنا نهراً ينساب خلالهما. 34- وكان لصاحب الجنتين أموال أخرى مثمرة، فداخله الزهو بتلك النعم، فقال لصاحبه المؤمن فى غرور وهما يتناقشان: أنا أكثر منك مالا وأقوى عشيرة ونصيرا.

القطان

تفسير : جنات عدن: جنات الاقامة والاستقرار. يقال عدنَ بالمكان اذا اقام فيه. الاساور: واحدها سوار، معروفة. من سندس: من حرير الديباج وهو حرير رقيق، فارسيّ معرب. استبرق: حرير ايضا ولكنه غليظ. الأرائك: جمع اريكة، المقعد المنجَّد. بعد ان ذَكر حال اهل النار وما يلاقون فيها من عذاب وشقاء، ثنّى هنا بذِكر السعداء الذين آمنوا بالله وبدينه الحق، وعملوا الصالحات، فانهم عند ربهم في جنات عدن يقيمون فيها منعمين أبدا، تنساب الانهار من تحتهم بين أشجارها وقصورها، ويتحلَّون فيها بمظاهر السعادة، إذ يرفُلون بالحرير من سندس ناعم، واستبرقٍ كثيف، في ايديهم الأساور من الذهب، ومتكئين على أفخر المقاعد بين الوسائد والستائر، نعم الثوابُ لهم، وحسنت الجنة دار اقامة وراحة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (30) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ الأَشْقِيَاءِ، ثَنَّى بِذِكْرِ حَالِ السُّعَدَاءِ، مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَخْلُوقٍ مِنْ عِبَادِهِ آمَنَ بِالحَقِّ الذِي يُوحَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَعَمِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَلاَ يَظْلِمُهُ نَقِيراً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العملَ الصالح؛ لأن الإيمان هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أنْ تُوثّق الأمر أو النهي إلى الله الذي آمنتَ به؛ لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدّة من كتاب الله، منها قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1-3]. ذلك لأن المؤمنين إذا ما أثمر فيهم الإيمانُ العملَ الصالح فإنهم سيتعرضون ولا بُدّ لكثير من المتاعب والمشاق التي تحتاج إلى التواصي بالصبر والتواصي بالحق، ولنا أسوة في هذه المسألة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحمّلوا عِبء الدعوة وصبروا على الأذى في سبيل إيمانهم بالله تعالى. ثم يقول تعالى: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30]. نلاحظ أن {مَنْ} هنا عامة للمؤمن والكافر؛ لذلك لم يَقُل سبحانه: إنَّا لا نضيع أجر مَنْ أحسن الإيمان؛ لأن العامل الذي يُحسِن العمل قد يكون كافراً، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حَقّه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا. فالكافر إن اجتهد وأحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يُحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تُعجَّل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حَظَّ له في الآخرة. ويقول تبارك وتعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]. ويقول تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً}تفسير : [الإسراء: 18]. ويقول تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. فهؤلاء قد استوفوا أجورهم، وأخذوا حظّهم في الدنيا ألواناً من النعيم والمدح والثناء، وخُلِّدتْ ذكراهم، وأقيمت لهم التماثيل والاحتفالات؛ لذلك يأتي في الآخرة فلا يجد إلا الحسرة والندامة حيث فُوجئ بوجود إله لم يكُنْ يؤمن به، والإنسان إنما يطلب أجره مِمَّن عمل من أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا كله في الدنيا، ولم يَبْقَ لهم شيء في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ...}.