١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
31
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُوْلَٰ ئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } إقامة {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } قيل «من» زائدة، وقيل للتبعيض، وهي جمع «أَسْوِرة» كـ(أحمرة): جمع (سوار) {مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ } ما رقّ من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ } ما غلظ منه وفي آية الرحمن {أية : بطائنها من إستبرق } تفسير : [54:55] {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلاْرَائِكِ } جمع (أريكة) وهي السرير في الحجلة، وهي بيت يزيّن بالثياب والستور للعروس {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ } الجزاء الجنة {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {سُندُسٍ} ما لطف من الديباج، أو رق منه واحده سندسة، {وَإِسْتَبْرَقٍ} الديباج المنسوج بالذهب، أو ما غلظ منه، فارسي معرب أصله استبرة وهو الشديد {الأَرَآئِكِ} الحجال، أو الفرش في الحجال، أو السرير في الحجال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} [الآية: 31]. قال ابن عطاء: على أرائك الأنس فى رياض القدس وصفتها: إنها لذات منقضية تعقب حسرات دائمة وسرور حاضر يورث حزنًا مؤبدًا والعالم بها هو المعرض عنها والجاهل لحقيقتها هو المتخبط فيها.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} ان الله سبحانه === الذين عملهم الصالح ترك ما دونه وهو بكرمه ورحمته يجازيهم به قربته ومشاهدته ويدخلهم قباب انسه ورياض قدسه والباسه اياهم انوار جماله وجلاله فيكونون مزينين بحلى كرامته ولباس رافته مستندين به اليه بنعت رؤية الرضوان الاكبر والحظ الا وفر نعم الثواب وصلته ونعم حسن المرتفق مرتفقهم مجالس اوصاله ورؤية الكمال والجلا والجمال قال ابن عطا على ارائك الانس فى رياض القدس فى حجاب القرب وميادين الرحمة مستشرفون على بساتين الوصلة مشاهدون مليكهم فى كل حال قال الاستاد يلبسون حلل الوصلة ويتوجون بتاج القربة ويحلون بحلى المباسطة يتّكئون على رائك الروح يشمون رياحين الانس ويقيمون فى حجال الزلفة يسقون شراب المحبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {اولئك} المنعوتون بالنعت الجليل {لهم جنات عدن}. قال الامام العدن فى اللغة الاقامة فيجوز ان يكون المعنى اولئك لهم جنات اقامة كما يقال هذه دار اقامة ويجوز ان يكون العدن اسما لموضع معين من الجنة وهو وسطها واشرف مكان وقوله جنات لفظ جمع فيمكن ان يكون المراد ما قاله تعالى {أية : ولمن خاف مقام ربه جنتان}تفسير : ثم قال {أية : ومن دونهما جنتان}تفسير : ويمكن ان يكون نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة {تجرى من تحتهم الانهار} الاربعة من الخمر واللبن والعسل والماء العذب وذلك لان افضل البساتين فى الدنيا البساتين التى تجرى فيها الانهار {يحلون فيها} اى فى تلك الجنات من حليت المرأة اذا لبست الحلى وهى ما تتحلى به من ذهب وفضة وغير ذلك من الجوهر والتحلية [بيرايه بركردن]. قال الكاشفى [بيرايه بسته شوند دران بوستانها] {من اساور} من ابتدائيه واساور جمع اسورة وهى جمع سوار بالفارسية [دستوان] {من ذهب} من بيانه صفة لاساور وتنكيرها لتعظيم حسنها وتبعيده من الاحالة به. قال فى بحر العلوم وتنكير اساور للتكثير والتعظيم. عن سعيد بن جبير يحلى كل واحد منهم ثلاثة اساور واحد من ذهب وواحد من فضة وواحد من لؤلؤ وياقوت فهم يسورون بالاجناس الثلاثة على المعاقبة او على الجمع كما تفعله نساء الدنيا ويجمعن بين انواع الحلى. قال بعض الكبار اى يتزينون بانواع الحلى من حقائق التوحيد الذاتى ومعانى التجليات العينية الاحدية فالذهبيات هى الذاتيات والفضيات هى الصفات النوريات كما قال {أية : وحلوا اساور من فضة}تفسير : {ويلبسون ثيابا خضرا}[جامهاى سبز] وذلك لان الخضرة احسن الالوان واكثرها طراوة وأحبها الى الله تعالى {من سندس واستبرق} ما رق من الديباج وما غلظ منه والديباج الثوب الذى سداه ولحمته ابريسم واستبرق ليس باستفعل من البرق كما زعمه بعض الناس بل معرب استبره جمع بين النوعين للدلالة على ان لبسهما مما تشتهى الانفس وتلذ الاعين. اعلم ان لباس اهل الدنيا اما لباس التحلى واما لباس الستر فاما لباس التحلى فقال تعالى فى صفته {يحلون} الآية واما لباس الستر فقال تعالى فى صفته {ويلبسون} الآية. فان قيل ما السبب فى انه تعالى قال فى الحلى يحلون على فعل ما لم يسم فاعله والمحلى هو الله او الملائكة وقال فى السندس والاستبرق ويلبسون باسناد اللبس اليهم. فقلنا يحتمل ان يكون اللبس اشارة الى ما استوجبوه بعلمهم بمقتضى الوعد الالهى وان يكون الحلى اشارة الى ما تفضل الله به عليهم تفضلا زائدا على مقدار الوعد وايضا فيه ايذان بكرامتهم وبيان ان غيرهم يفعل بهم ذلك ويزينهم به بخلاف اللبس فانه يتعاطاه بنفسه شريفا وحقيرا يقول الفقير لا شك ان لباس الستر يلبسه المرء بنفسه ولو كان سلطانا فلذا اسند اليه واما لباس الزينة فغيره بزينه به عادة كما يشاهد فى السلاطين والعرائس ولذا اسند الى غيره على سبيل التعظيم والكرامة {متكئين فيها على الارائك} جمع اريكه وهى السرير فى الحجال ولا يسمى السرير وحده اريكة. والحجال جمع حجلة وهى بيت يرين بالثياب للعروس وخص الاتكاء لانه هيئة المتنعمين والملوك على اسرتهم. قال ابن عطاء متكئين على ارائك الانس فى رياض القدس وميادين الرحمة فهم على بساتين الوصلة شاهدون عليكم فى كل حال {نعم الثواب} ذلك اشارة الى جنات عدن ونعيمها والثواب جزاء الطاعة {وحسنت} اى الارائك {مرتفقا} اى متكأ ومنزلا للاستراحة. اعلم انه لا كلام فى حسن الجنة وصفة نعيمها وانما الكلام فى الاستعداد لها فالصالحات من الاعمال من الاسباب المعدة لها وهى ما كانت لوجه الله تعالى من الصوم والصلاة وسائر وجوه الخيرات: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : قيامت كه بازار مينو نهند منازل باعمال نيكو نهند كسى را كه حسن عمل بيشتر بدركاه حق منزلت بيشتر بضاعت بجند انكه آرى برى اكر مفلسى شر مسار برى كه بازار جندانكه آكنده تر تهى دست را دل براكنده ثر تفسير : قال فى التأويلات النجمية ان لاهل الايمان والاعمال جزاء يناسب صلاحية اعمالهم وحسنها فمنها اعمال تصلح للسير بها الى الجنات وغرفها وهى الطاعات والعبادات البدنية بالنية الصالحة على وفق الشرع والمتابعة ومنها اعمال تصلح للسير الى الله تعالى وهى الطاعات القلبية من الصدق فى طلب الحق والاخلاص فى التوحيد وترك الدنيا والاعراض عما سوى الله والاقبال على الله بالكلية والتمسك بذيل ارادة الشيخ الكامل الواصل المكمل الصالح ليسلكه ولا يغتبر بالامانى فان من زرع الشعير لا يحصد حنطة ـ حكى ـ ان رجلا ببلخ امر عبده ان يزرع حنطة فزرع شعيرا فرآه وقت حصاده وسأله وقال زرعت شعيرا على ظن ان ينبت حنطة فقال يا احمق هل رأيت احدا زرع شعيرا فحصد حنطة فقال العبد فكيف تعصى الله انت وترجو رحمته شعر : هركسى آن درود عاقبت كار كه كشت تفسير : أما علمت ان الدنيا مزرعة الآخرة: قال حضرة جلال الدين الرومى قدس سره شعر : جمله دانند اين اكرتو نكروى هرجه مى كاريش روزى بدروى تفسير : فتاب الرجل واعتق غلامه فمن ايقظه الله عن سنة الغفلة عرف الله وكان فى تحصيل مرضاته ومرتبة العارف فوق مرتبة العابد والكرامات الكونية لا قدر لها. وقد ثبت فضل ابى بكر الصديق رضى الله عنه على سائر الصحابة رضى الله عنهم حتى قيل فى شأنه ان الله يتجلى لاهل الجنة عامة ولابى بكر خاصة مع انه لم ينقل عنه شئ من الخوارق وذلك التجلى انما هو بكرامته العلمية التى اعطاها الله اياه واحسن التحقيق بحقائقها ولاهلها جنة عاجلة قلبية فى الدنيا.
الطوسي
تفسير : قرأ عاصم وأبو جعفر وروح {وكان له ثمر}. {وأحيط بثمره} بفتح الثاء والميم فيهما، وافقهم رويس في الاولى. وقرأ أبو عمرو - بضم الثاء وسكون الميم - فيهما. الباقون بضمهما فيهما. قال أبو علي: الثمر ما يجتنى من ذي الثمر وجمعه ثمرات مثل رحبة ورحبات: ورقبة ورقبات، ويجوز في جمع {ثمرة} ضربان: احدهما - على ثمر، كبقرة وبقر والاخر - على التكسير، فتقول ثمار كرقبة ورقاب، فيشبه المخلوقات بالمصنوعات وشبه كل واحد منهما بالآخر. ويجوز فى القياس أن يكسر (ثمار) الذي هو جمع ثمرة على ثمر، ككتاب وكتب، ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة وبدن وخشبة وخشب، ويجوز أن يكون ثمر واحداً كعنق وطنب، فعلى جميع هذه الوجوه يجوز اسكان العين منه. ومثله في قوله {وأحيط بثمره}. وقال بعض أهل اللغة: الثمر المال، والثمر المأكول. وجاء في التفسير (إن الثمر النخل والشجر) ولم يرد به الثمر. فالثمر - على ما روي عن جماعة من السلف - الاصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة بدلالة قوله {فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها} أي في الجنة والنفقة انما تكون على ذوات الثمر في الأكثر، فكأن الآية التي أرسلت عليها اصطلمت الاصول وإجتاحتها، كما قال تعالى فى صفة الجنة الاخرى {أية : فأصبحت كالصريم} تفسير : أي كالليل في سواده لاحتراقها بعد أن كانت كالنهار فى بياضها. وحكي عن أبي عمرو، إن الثمرة والثمر أنواع المال من الذهب والفضة وغيرهما يقال: فلان مثمر أي كثير المال، ذهب اليه مجاهد وغيره. اخبر الله تعالى في الآية الاولى عما للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين أخبر عنهم بأنه لا يضيع عملهم الحسن، وما قد أعدّ لهم، فقال {لهم جنات عدن} والجنات جمع جنة، وهي البستان الذي فيها الشجر. ومعنى {عدن} أي موضع اقامة، وانما سمي بذلك، لانهم يبقون فيها ببقاء الله دائماً وأبداً، والعدن الاقامة. وقيل: هو اسم من اسماء الجنة - في قول الحسن - ويقال عدن بالمكان يعدن عدناً اذا أقام فيه، فسمى الجنة عدناً من اقامة الخلق فيها. ثم وصف هذه الجنة، فقال {تجري من تحتهم الأنهار} وقيل في معنا ذلك قولان: احدهما - إن انهار الجنة في اخاديد من الارض، فلذلك قال من تحتهم. الثاني - انهم على غرف فيها فالانهار تجري من تحتهم، كما قال تعالى {أية : وهم في الغرفات آمنون}. تفسير : وقوله {يحلون فيها من أساور من ذهب} أي يجعل لهم فيها حلياً من زينة من أساور، وهو جمع اسوار على حذف الزيادة، لأن مع الزيادة أساوير، فى قول قطرب. وقيل هو جمع اسورة، واسورة جمع سوار، يقال بكسر السين وضمها - في قول الزجاج - والسوار زينة تلبس في الزند من اليد. وقيل هو من زينة الملوك يسور في اليد ويتوج على الرأس. {ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق} فالسندس ما رقّ من الديباج واحده سندسة وهي الرقيقة من الديباج، على أحسن ما يكون وأفخره، فلذلك شوّق الله اليه. والاستبرق الغليظ من الديباج. وقيل هو الحرير قال المرقش: شعر : تراهن يلبسن المشاعر مرّة واستبرق الديباج طوراً لباسها تفسير : وقوله تعالى {متكئين} نصب على الحال {فيها} يعنى فى الجنة {على الأرائك} جمع أريكة، وهي السرير قال الشاعر: شعر : خدوداً جفت فى السير حتى كأنما يباشرن بالمعزاء مس الارائك تفسير : وقال الاعشى: شعر : بين الرواق وجانب من سيرها منها وبين أريكة الانضاد تفسير : أي السرير في الحجلة. وقال الزجاج: الارائك الفرش في الحجال. ثم قال تعالى إن ذلك {نعم الثواب} والجزاء على الطاعات {وحسنت مرتفقاً} يعني حسنت الجنة مرتفقاً، فلذلك أنث الفعل، ومعنى {مرتفقاً} اي مجلساً، وهو نصب على التمييز. ثم قال {واضرب لهم مثلاً رجلين} أي اضرب رجلين لهم مثلا {جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل} أي جعلنا النخل مطيفاً بهما يقال حفه القوم يريد إذا طافوا به {وجعلنا بينهما زرعاً} اعلام بأن عمارتهما كاملة متصلة لا يفصل بينمها إلا عمارة. واعلمنا أنهما كاملتان في تأدية كل حملها من غلتها، فقال {كلتا الجنتين آتت أكلها} أي طعمها وما يؤكل منها {ولم تظلم منه شيئاً} أي لم تنقص بل أخرجت ثمرها على الكمال والتمام، قال الشاعر: شعر : يظلمني مالي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه تفسير : أي ينقصني مالي. وقال الحسن: معناه لم ينقص {وفجرنا خلالهما نهراً} أي شققنا نهراً بينهما، وفائدتهما أنهما يشربان من نهر واحد. {وكان له ثمر} وقرئ {ثمر} قال مجاهد هو ذهب، وفضة. وقال ابن عباس وقتادة: هو صنوف الأموال، يقال: ثمار وثمر مثل حمار وحمر، ويجوز أن يكون جمع ثمر، مثل خشب وخشب، وانما قال {كلتا الجنتين آتت} على لفظ كلتا، لانه بمنزلة (كل) في مخرج التوحيد. ولو قال آتتا، على الجنتين كان جائزاً قال الشاعر في التوحيد: شعر : وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي فلا العيش اهواه ولا الموت أروح تفسير : ويجوز كلاهما في الحديث قال الشاعر: شعر : كلا عقبيه قد تشعث رأسها من الضرب في جنبي ثقال مباشر تفسير : والالف واللام في كلتا ليست ألف التثنية، ولذلك يجوز أن تقول الاثنتان قام، ويجوز ان يقال كل الجنة آتت. ولا يجوز كل المرأة قامت، لان بعض الامرأة ليس بامراة وبعض الجنة جنة، فكأنه قال كل جنة من جملة ما آتت. وقوله {فقال لصاحبه وهو يحاوره} أي يقول احد الرجلين لصاحبه يعنى صاحبي الجنتين اللتين ضرب بهما المثل، يقول لصاحبه الآخر {وهو يحاوره} أي يراجعه الكلام {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} أي أجمع مالا وأعز عشيرة واكثر انصاراً، وقد فسرناه فيما مضى وإنما قال {وفجرنا خلالهما نهراً} والنهر يتفجر من موضع واحد لان النهر يمتد حتى يصير التفجر كانه فيه كله، فالتخفيف والتثقيل فيه جائزان ومنه {أية : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : يخفف ويثقل على ما مضى القول فيه.
الجنابذي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} ممّا رقّ من ثياب الحرير وما غلظ {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} على السّرر، وفسّرت فى الاخبار بالسّرر عليها الحجال {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} دخول الجنّة والتّحلّى بحليّها {وَحَسُنَتْ} الارائك {مُرْتَفَقاً وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً} اى لحال المؤمن والكافر او لحال المخلص والمنافق {رَّجُلَيْنِ} اى حكاية حال رجلين {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} قيل مثّل حال المؤمن فى زهده فى زهرة الحياة الدّنيا وقنوعه بقليل منها وحال الكافر فى جمعه لها وافتخاره بها بحال رجلين كانا جارين وكان لاحدهما بستانان كبيران كما حكى الله وكان الآخر فقيراً فافتخرا لغنىّ على الفقير {مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} اى جعلناهما محاطتين بالنّخل بجعل النّخل حولهما او حولهما واواسطهما ايضاً {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} بين كرومهما ونخلهما {زَرْعاً} فكانتا بحيث يحصل منهما ثماره وادامه وخبزه.
اطفيش
تفسير : {أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنِ} أى إقامة وخلود والجملة خبر ثان لإن الأول أر مستأْنفة لبيان الأجر ويجوز أن تكون هى الخبر فتكون جملة: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا معترضة بين اسم إن وخبرها. {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ} أى فى مواضع تقرب من تحتهم بجانبهم أو تجرى من تحتهم على الحقيقة. {الأنْهارُ} لأن أفضل المنازل ما يجرى فيه الماء. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} يلبسون الحلىّ أى يجعلون لابسين الحلى أى ما يتزين وقد بينه بقوله: {مِنْ أَسَاوِرَ} بإن مِن هذه للبيان يتعلق بمحذوف نعت لمفعول ثان ليحلى محذوف. والأول هو الواو النائبة عن الفاعل أى يحلون فيها أشياء من أساور أى أشياء هى أساور جمع أسورة وأسوره جمع سوار وهو لباس عريض من نحو ذهب وفضة يلبس فى الذراع. {مِنْ ذَهَبٍ} من للابتداء أى أساور مصوغة من ذهب أو للبيان أى أساور هى ذهب أو للتبعيض وعلى كل تتعلق بمحذوف نعت لأساور. ومن أجاز زيادة مِن فى الإثبات أجاز أن تكون مِن الأولى صلة للتأكيد وأساور مفعولا ثانيا. ونكّر أساور للتعظيم وإبهام أمرها فى الحسن. قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : إن الرجل من أهل الجنة لو بدا سواره لغلب على ضوء الشمس تفسير : وذكروا حديث : أنه ما من أحد من أهل الجنة إلا فى يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ تفسير : لقوله تعالى: {يحلون فيها من أساور من ذهب} وقوله عز وجل: {أية : وحلوا أساور من فضة}، تفسير : وقوله سبحانه: {أية : لؤلؤاً ولباسهم فيها حرير}. تفسير : {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً} لأن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة وينفتح لها القلب ما لا ينفتح لغيره. {مِنْ سُنْدُسٍ} الحرير الرقيق. {وَإسْتَبْرَقٍ} الحرير الغليظ جمع لهم فيها بين النوعين تلذيذا لهم بما تشتهيه النفس وتلذه العين وذكر ذلك ترغيبا فى الجنة فيتوصل إليها بالإيمان والأعمال الصالحات. وقيل: السندس: المنسوج المذهب وذكر بعض الكوفيين أن إستبرقا معرب إستبرط بالفارسية. {مُتَّكِئِينَ فِيهَا} أى فى الجنة حال من واو يلبسون وهى مقارنة ويقدر مثله لؤلؤا يحلون فإن ما تلبسهم الملائكة الأساور متكئين والملائكة قاعدون وكذا يلبسون الثياب الخضر وهم متكئون وذلك تشريف عظيم أو حال مقدرة وذلك بأَن يدخلوا الجنة فيتكئوا وبعد ذلك يلبسون الثياب الخضر ويحلون الأساور أو حال مقدرة من الهاء فى لهم. {عَلَى الأَرَائِكِ} جمع أريكة وهو السرير بشرط أن يكون فى بيت مزين بالثياب والستور للعروس. وخص الاتكاء لأنه هيئة الملوك والمستنعمين. وذكر بعضهم أنه يعانق الرجل زوجته قدر عمر الدنيا لا تملة ولا يملها. وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الرجل من أهل الجنة ليتمتع فى تكأة واحدة سبعين عاماًتفسير : . وعن ابن عباس: حديث : إن الرجل من أهل الجنة ليتكئ على أَحد شقيه ينظر إلى زوجته كذا وكذا سنة ثم يتكئ على الشق الآخر وينظر إليها مثل ذلك فى قبة حمراء من ياقوتة حمراء لها ألف باب وله فيها سبع مائة امرأةتفسير : . ثم زاد الله الرحمن الرحيم للجنة طراوة وتعظيما بقوله: {نِعْمَ الثوَابُ} المخصوص بالمدح محذوف أى الجنة ونعيمها. {وَحَسُنَتْ مُرْتفَقاً} منزلا أو متكأً ومر كلام فى ذلك.
الالوسي
تفسير : ولعل الأولى كون الخبر جملة قوله تعالى: {أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} وجملة {أية : إِنَّا} تفسير : [الكهف: 30] الخ معترضة، ونحو هذا من الاعتراض كما قال ابن عطية وغيره قوله:شعر : إن الخليفة إن الله ألبسه سربال ملك به ترجى الخواتيم تفسير : وأنت تعلم أن الاعتراض فيه غير متعين أيضاً، وعلى الاحتمال السابق يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة لبيان الأجر ويحتمل أن تكون خبراً بعد خبر على مذهب من لا يشترط في تعدد الأخبار كونها في معنى خبر واحد / وهو الحق أي أولئك المنعوتون بالنعوت الجليلة لهم جنات إقامة على أن العدن بمعنى الإقامة والاستقرار يقال عدن بالمكان إذا قام فيه واستقر ومنه المعدن لاستقرار الجواهر فيه. وعن ابن مسعود عدن جنة من الجنان وهي بطنانها. ووجه إضافة الجنان إليها بأنها لسعتها كأن كل ناحية منها جنة {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} وهم في الغرفات آمنون {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} من الأولى للابتداء والثانية للبيان، والجار والمجرور في موضع صفة لأساور، وهذا ما اختاره الزمخشري وغيره. وجوز أبو البقاء في الأولى أن تكون زائدة في المفعول على قول الأخفش، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ} تفسير : [الإنسان: 21] وأن تكون بيانية أي شيئاً أو حلياً من أساور. وجوز غيره فيها أن تكون تبعيضية واقعة موقع المفعول كما جوز هو وغيره ذلك في الثانية، وجوز فيها أيضاً أن تتعلق بيحلون وهو كما ترى. والأساور جمع أسورة جمع سوار بالكسر والضم وهو ما في الذراع من الحلي وهو عربـي، وقال الراغب: معرب دستواره، وقيل جمع أسوار جمع سوار وأصله أساوير فخفف بحذف يائه فهو على القولين جمع الجمع، ولم يجعلوه من أول الأمر جمع سوار لما رأوا أن فعالاً لا يجمع على أفاعل في القياس. وعن عمرو بن العلاء أن الواحد اسوار، وأنشد ابن الأنباري:شعر : والله لولا صبية صغار كأنما وجوههم أقمار تضمهم من العتيك دار أخاف أن يصيبهم إقتار أو لاطم ليس له اسوار لما رآني ملك جبار ببابه ما وضح النهار تفسير : وفي «القاموس» ((السوار ككتاب وغراب القُلْبُ كالأُسوار والجمع أسورة وأساور وأساورة وسُور وسؤور)) وهو موافق لما نقل عن ابن العلاء. ونقل ذلك أيضاً عن قطرب وأبـي عبيدة. ونكرت لتعظيم حسنها من الإحاطة، وقد أخرج ابن مردويه عن سعد عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما تطمس ضوء النجوم» تفسير : وأخرج الطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «البعث» عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعاً لكان ما يحليه الله تعالى به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً» تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: «حديث : إن أهل الجنة يحلون أسورة من ذهب ولؤلؤ وفضة هي أخف عليهم من كل شيء إنما هي نور» تفسير : وأخرج الشيخان عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الضوء» تفسير : وأخرج أبو الشيخ وغيره عن كعب الأحبار قال: «حديث : إن لله تعالى ملكاً ـ وفي رواية ـ في الجنة ملك ـ لو شئت أن أسميه أسميته يصوغ حلى أهل الجنة من يوم خلق إلى أن تقوم الساعة ولو أن حلياً منها أخرج لرد شعاع الشمس» تفسير : والسؤال بأن لبس الرجال الأساور عيب في الدنيا فكيف يحلونها في الآخرة مندفع بأن كونه عيباً إنما هو بين قوم لم يعتادوه لا مطلقاً ولا أظنك في مرية من أن الشيء قد يكون عيباً بين قوم ولا يكون عيباً بين آخرين، وليس فيما نحن فيه أمر عقلي يحكم بكونه عيباً في كل وقت وفي كل مكان وبين كل قوم، وإن التزمت إن فيه ذلك فقد حليت / نفسك بحلية الجهل وخرجت من ربقة العقل. هذا وقرأ أبان عن عاصم {من أسورة} بحذف ألف وزيادة هاء وهو أحد الجموع لسوار كما سمعت. {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} لأن الخضرة أحسن الألوان والنفس تنبسط بها أكثر من غيرها، وروي في أثر أنها تزيد في ضوء البصر، وقيل: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن. والظاهر أن لباسهم غير منحصر فيما ذكر إذ لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وأخرج ابن أبـي حاتم عن سليم بن عامر أن الرجل يكسى في الساعة الواحدة سبعين ثوباً وأن أدناها مثل شقيق النعمان، وقيل يحتمل الانحصار ولهم فيها ما تشتهي الأنفس لا يأباه لجواز أنهم لايشتهون ولا تلذ أعينهم سوى ذلك من الألوان. والتنكير لتعريف أنها لا يكاد يوصف حسنها. وقد أخرج ابن أبـي حاتم عن كعب قال: لو أن ثوباً من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم. وقرأ أبان عن عاصم وابن أبـي حماد عن أبـي بكر {ويلبسون} بكسر الباء. {مِن سُندُسٍ} قال الجواليقي: هو رقيق الديباج بالفارسية فهو معرب، وفي «القاموس» ((هو ضرب من البزيون أو ضرب من رقيق الديباج معرب بلا خلاف، وقال الليث: لم يختلف أهل اللغة والمفسرون في أنه معرب)) وأنت تعلم أن فيه خلاف الشافعي عليه الرحمة. والقول بأنه ليس من أهل اللغة والمفسرين في النفس منه شيء. وقال شيدله: هو رقيق الديباج بالهندية، وواحده على ما نقل عن ثعلب سندسة. وزعم بعضم: أن أصله سندي وكان هذا النوع من الديباج يجلب من السند فأبدلت الياء سيناً كما فعل في سادي فقيل سادس، وهو كلام لا يروج إلا على سندي أو هندي. ويحكى أن جماعة من أهل الهند من بلد يقال له بروج بالجيم الفارسية وكانوا يتكلمون بلغة تسمى سنسكريت جاؤوا إلى الإسكندر الثاني بهدية من جملتها هذا الديباج ولم يكن رآه فقال: ما هذا؟ فقالوا: سندون بالنون في آخره فغيرته الروم إلى سندوس ثم العرب إلى سندس فهو معرب قطعاً من ذلك اللفظ الذي أطلقته أولئك الجماعة عليه، لكن لا جزم من أنه اسم له في الأصل بلغتهم أو اسم للبلدة المجلوب هو منها أطلق عليه كما في أسماء كثير من الأمتعة اليوم والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. {وَإِسْتَبْرَقٍ} أخرج ابن جرير وغيره عن قتادة وعكرمة أنه غليظ الديباج، وقال ابن بحر: هو ديباج منسوج بذهب وفي «القاموس» ((هو الديباج الغليظ أو ديباج يعمل بالذهب أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج أو قدة حمراء كأنه قِطَع الأوتار)) اهـ، والذي عليه الأكثرون من المفسرين واللغويين الأول. وهو كما أخرج ابن أبـي حاتم عن الضحاك معرب استبره وهي كلمة عجمية ومعناها الغليظ، والمشهور أنه يقال للغليظ بالفارسية استبر بلا هاء، وقال ابن قتيبة: هو رومي عرب وأصله استبره فابدلوا الهاء قافاً، ووقع في شعر المرقش قال:شعر : تراهن يلبسن المشاعر مرة واستبرق الديباج طوراً لباسها تفسير : وقال ابن دريد: هو سرياني عرب وذكر من أصله ما ذكروا، وقيل: أصله استفره بحرف بعد التاء بين الفاء والباء الموحدة، وادعى بعضهم أن الإستبرق الديباج الغليظ الحسن في اللغة العربية والفارسية ففيه توافق اللغتين، ونقل عن الأزهري أنه استصوب هذا، ويجمع على أباريق ويصغر كما في «القاموس» وغيره على أبيرق. وقرأ ابن محيصن {وَإِسْتَبْرَقٍ} بوصل الهمزة وفتح القاف حيث وقع جعله كما يقتضيه ظاهر كلام ابن / خالويه فعلاً ماضياً على وزن استفعل من البريق إلا أن استفعل فيه موافق للمجرد الذي هو برق، وظاهر كلام الأهوازي في «الإقناع» أنه وحده قرأ كذلك وجعله اسماً ممنوعاً من الصرف ولم يجعله فعلاً ماضياً. وقال صاحب «اللوامح»: قرأ ابن محيصن {واستبرق} بوصل الهمزة في جميع القرآن مع التنوين فيجوز أنه حذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، ويجوز أنه جعله كلمة عربية من برق الثوب يبرق بريقاً إذا تلألأ بجدته ونضارته فيكون وزنه استفعل من ذلك فلما سمي به عامله معاملة الفعل في وصل الهمزة ومعاملة المتمكن من الأسماء في الصرف والتنوين، وأكثر التفاسير على أنه عربـي وليس بمستعرب انتهى، ولا يخفى أنه مخالف للنقلين السابقين، ويمكن أن يقال: إن لابن محيصن قراءتين فيه الصرف والمنع منه فنقل بعض قراءة وبعض آخر أخرى لكن ذكر ابن جنى أن قراءة فتح القاف سهو أو كالسهو، قال أبو حيان: وإنما قال ذلك لأن جعله اسماً ومنعه من الصرف لا يجوز أنه غير علم فتكون سهواً وقد أمكن جعله فعلاً ماضياً فلا تكون سهواً انتهى. وفي الجمع بين السندس الإستبرق أشعار ما بأن لأولئك القوم في الجنة ما يشتهون، ونكرا لتعظيم شأنهما وكيف لا وهما وراء ما يشاهد من سندس الدنيا واستبرقها بل وما يتخيل من ذلك، وقد أخرج البيهقي عن أبـي الخير مرثد بن عبد الله قال: في الجنة شجرة تنبت السندس منه تكون ثياب أهل الجنة. وأخرج الطيالسي والبخاري في التاريخ والنسائي وغيرهم عن ابن عمر قال: حديث : قال رجل يا رسول الله أخبرنا عن ثياب أهل الجنة أخلقاً تخلق أم نسجاً تنسج؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل يتشقق عنها ثمر الجنةتفسير : ، وظاهره أنها من سندس كانت أو من إستبرق كذلك، وقدمت التحلية على اللباس لأن الحلى في النفس أعظم وإلى القلب أحب وفي القيمة أغلى. وفي العين أحلى، وبني فعله للمفعول إشعاراً بأنهم لا يتعاطون ذلك بأنفسهم وإنما يفعله الخدم كما قال الشاعر:شعر : غرائز في كن وصون ونعمة يحلين ياقوتاً وشذراً مفقراً تفسير : وكذلك سائر الملوك في الدنيا يلبسهم التيجان ونحوها من العلامات المرصعة بالجواهر خدمهم. وأسند اللبس إليهم لأن الإنسان يتعاطى ذلك بنفسه خصوصاً إذا كان فيه ستر العورة، وقيل: بنى الأول للمفعول والثاني للفاعل إشارة إلى أن التحلية تفضل من الله تعالى واللبس استحقاقهم. وتعقب بأن فيه نزغة اعتزالية ويدفع بالعناية. {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ} جمع أريكة وهو كما قال غير واحد وهو السرير في الحجلة فإن لم يكن فيها فلا يسمى أريكة. وأخرج ذلك البيهقي عن ابن عباس، وقال الراغب: ((الأريكة حجلة على سرير وتسميتها بذلك إما لكونها في الأرض متخذة من أراك وهو شجر معروف أو لكونها مكاناً للإقامة من قولهم أرك بالمكان أروكاً، وأصل الأروك الإقامة على رعي الأراك ثم تجوز به في غيره من الإقامات))، وروي تفسيرها بذلك عن عكرمة. وقال الزجاج: الأرائك الفرش في الحجال؛ والظاهر أنها على سائر الأقوال عربية، وحكى ابن الجوزي في «فنون الأفنان» أنها السرر بالحبشية، وأياً ما كان فالكلام على ما قاله بعض المحققين كناية عن تنعمهم وترفههم فإن الاتكاء على الأرائك شأن المتنعمين المترفهين، والآثار ناطقة بأنهم يتكؤون ويتنعمون، فقد أخرج / ابن أبـي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الرجل ليتكىء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول منه ولا يمله يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه» تفسير : وأخرج ابن المنذر وجماعة عن ابن عباس أن على الأرائك فرشاً منضودة في السماء مقدار فرسخ. وقرأ ابن محيصن {علرائك} بنقل حركة الهمزة إلى لام التعريف وإدغام لام {عَلَىٰ} فيها فيحذف ألف {عَلَىٰ} لتوهم سكون لام التعريف، ومثله قول الشاعر:شعر : فما أصبحت علرض نفسي برية تفسير : يريد على الأرض. {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ} ذلك الذي وعدوا به من الجنة ونعيمها {وَحَسُنَتْ} أي الأرائك أو الجنات {مُرْتَفَقًا} متكئاً، وقد تقدم آنفاً الكلام فيه.
ابن عاشور
تفسير : الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن ما أجمل من عدم إضاعة أجرهم يستشرف بالسامع إلى ترقب ما يبين هذا الأجر. وافتتاح الجملة باسم الإشارة لما فيه من التنبيه على أن المشار إليهم جديرون لما بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسممِ الإشارة، وهي كونهم آمنوا وعملوا الصالحات. واللام في {لهم جنات عدن} لام الملك. و (من) للابتداء، جعلت جهة تحتهم مَنْشأ لجري الأنهار. وتقدم شبيه هذه الآية في قوله تعالى: { أية : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } تفسير : في سورة براءة (72). و{عدن} تقدم في قوله تعالى: { أية : ومساكن طيبة في جنات عدن } تفسير : في سورة براءة (72). و{من تحتهم}، بمنزلة {من تحتها} لأنّ تحت جناتهم هو تحتٌ لهم. ووجه إيثار إضافة (تحت) إلى ضميرهم دون ضمير الجنات زيادة تقرير المعنى الذي أفادته لام الملك، فاجتمع في هذا الخبر عدة مقرارات لمضمونه، وهي: التأكيد مرتين، وذكرُ اسم الإشارة. ولام الملك، وجر اسم الجهة بــــ (مِن)، وإضافة اسم الجهة إلى ضميرهم، والمقصود من ذلك: التعريض بإغاظة المشركين لتتقرر بشارة المؤمنين أتَمّ تقرر. وجملة {يحلون} في موضع الصفة «لجنات عدن». والتحلية: التزيين، والحلية: الزينة. وأسند الفعل إلى المجهول، لأنهم يجدون أنفسهم محلَّين بتكوين الله تعالى. والأساور: جمع سِوار على غير قياس. وقيل: أصله جمع أسورة الذي هو جمع سِوار. فصيغة جَمع الجمع للإشارة إلى اختلاف أشكال ما يحلون به منها، فإن الحلية تكون مرصعة بأصناف اليواقيت. و (مِن) في قوله: {من أساور} مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش، وسيأتي وجهه في سورة الحج. ويجوز أن تكون للابتداء، وهو متعين عند الذين يمنعون زيادتها في الإثبات. والسِوار: حلي من ذهب أو فضة يُحيط بموضع من الذراع، وهو اسم معرب عن الفارسية عند المحققين وهو في الفارسية (دستوارَه) بهاء في آخره كما في «كتاب الراغب»، وكُتب بدون هاء في «تاج العروس». وأما قوله: {من ذهب} فإن (من) فيه للبيان، وفي الكلام اكتفاء، أي من ذهب وفضة كما اكتفي في آية سورة الإنسان بذكر الفضة عن ذكر الذهب بقوله: { أية : وحلوا أساور من فضة } تفسير : [الإنسان: 21]، ولكل من المعدنين جماله الخاص. واللِباس: ستر البدن بثوب من قميص أو إزار أو رداء، وجميع ذلك للوقاية من الحر والبرد وللتجمل. والثياب: جمع ثوب، وهو الشقة من النسيج. واللون الأخضر أعدل الألوان وأنفعها عند البصر، وكان من شعار الملوك. قال النابغة: شعر : يصونون أجساداً قديماً نعيمُها بخالصة الأردان خُضْرِ المناكب تفسير : والسندس: صنف من الثياب، وهو الديباج الرقيق يلبس مباشراً للجلد ليقيه غلظ الإستبرق. والإستبرق: الديباج الغليظ المنسوج بخيوط الذهب، يلبس فوق الثياب المباشرة للجلد. وكلا اللفظين معرب. فأما لفظ (سندس) فلا خلاف في أنه معرب وإنما اختلفوا في أصله، فقال جماعة: أصله فارسي، وقال المحققون: أصله هندي وهو في اللغة (الهندية) (سَنْدُون) بنون في آخره. كان قوم من وجوه الهند وفدوا على الإسكندر يحملون معهم هدية من هذا الديباج، وأن الروم غيروا اسمه إلى (سندوس)، والعرب نقلوه عنهم فقالوا (سندس) فيكون معرباً عن الرومية وأصله الأصيل هندي. وأما الإستبرق فهو معرب عن الفارسية. وأصله في الفارسية (إستبره) أو (إستبر) بدون هاء أو (إستقره) أو (إستفره). وقال ابن دريد: هو سرياني عُرب وأصله (إستروه). وقال ابن قتيبة: هو رومي عُرب، ولذلك فهمزته همزة قطع عند الجميع، وذكره بعض علماء اللغة في باب الهمزة وهو الأصوب، ويجمع على أبارق قياساً، على أنهم صغروه على أبيرق فعاملوا السينَ والتاء معاملة الزوائد. وفي الإتقان للسيوطي عن ابن النقيب: لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يَتركوا هذا اللفظ ويأتوا بلفظ يقوم مقامه في الفصاحة لعجزوا. وذلك: أن الله تعالى إذا حث عباده على الطاعة بالوعد والوعيد. والوعدُ بما يرغب فيه العقلاء وذلك منحصر في: الأماكن، والمآكل، والمشارب، والملابس، ونحوها مما تتحد فيه الطباع أو تختلف فيه. وأرْفع الملابس في الدنيا الحرير، والحريرُ كلما كان ثوبه أثقل كان أرفع فإذا أريد ذكر هذا فالأحسن أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح، وذلك ليس إلا الإستبرق ولا يوجد في العربية لفظ واحد يدل على ما يدل عليه لفظ استبرق. هذه خلاصة كلامه على تطويل فيه. و (من) في قوله: {من سندس} للبيان. وقدم ذكر الحلي على اللباس هنا لأن ذلك وقَع صفة للجنات ابتداء، وكانت مظاهر الحلي أبهج للجنات، فقدم ذكر الحلي وأخر اللباس لأن اللباس أشد اتصالاً بأصحاب الجنة لا بمظاهر الجنة، وعكس ذلك في سورة الإنسان في قوله: { أية : عاليهم ثياب سندس } تفسير : [الإنسان: 21] لأن الكلام هنالك جرى على صفات أصحاب الجنة. وجملة {متكئين فيها على الأرائك} في موضع الحال من ضمير {يلبسون}. والاتكاء: جِلسة الراحة والترفِ. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وأعتدت لهن متكأً } تفسير : في سورة يوسف عليه السلام (31). والأرائك: جمع أريكة. وهي اسم لمجموع سرير وحَجَلة. والحجلة: قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها. ولذلك يقال للنساء: ربات الحجال. فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فيه أريكة. ويجلس فيها الرجل وينام مع المرأة، وذلك من شعار أهل الترف. وجملة {نعم الثواب} استئناف مدح، ومخصوص فعل المدح محذوف لدلالة ما تقدم عليه. والتقدير: نعم الثواب الجنات الموصوفة. وعطف عليه فعل إنشاء ثانٍ وهو {وحسنت مرتفقاً} لأن (حسن) و (ساء) مستعملان استعمال (نعم) و (بئس) فعملا عملهما. ولذلك كان التقدير: وحسنت الجنات مرتفقاً. وهذا مقابل قوله في حكاية حال أهل النار {وساءت مرتفقاً}. والمرتفق: هنا مستعمل في معناه الحقيقي بخلاف مقابله المتقدم.
الشنقيطي
تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملاً، فذكر أنه جنات عدن تجري من تحتهم فيها الأنهار، ويحلون فيها أساور الذهب، ويلبسون فيها الثياب الخضر من السندس والاستبرق، في حال كونهم متكئين فيها على الآرائك وهي السرر في الحجال والحجال: جمع حجلة وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة. ثم أثنى على ثوابهم بقوله: {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً}: وهذا الذي بينه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات - جاء مبيناً في مواضع كثيرة جداً من كتاب الله تعالى، وكقوله تعالى في سورة "الإنسان": {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً}تفسير : [الإنسان: 5] - إلى قوله - {أية : وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 22] وكقوله في سورة "الواقعة"، {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [الواقعة: 10-12] إلى قوله {أية : لاًّصْحَابِ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الواقعة: 38] وأمثال ذلك كثيرة في القرآن: وقد بين في سورة "السجدة" أن ما أخفاه الله لهم من قرة أعين لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وذلك في قوله: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة: 17] الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة. {جَنَّاتُ عَدْنٍ} أي إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول, كما قال تعالى: {أية : لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}تفسير : [الكهف: 108] أصله من عدن بالمكان: إذا أقام به. وقد تقدم في سورة "النحل" معنى السندس والاستبرق بما أغنى عن إعادته هنا، والأساور: جمع سوار. وقال بعضهم: جمع أسورة. والثواب: الجزاء مطلقاً على التحقيق. ومنه قول الشاعر: شعر : لكل أخي مدح ثواب علمته وليس المدح الباهلي ثواب تفسير : وقول من قال: إن الثواب في اللغة يختص بجزاء الخير بالخير - غير صواب: بل يطلق الثواب أيضاً على جزاء الشر بالشر. ومنه قوله تعالى: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}تفسير : [المطففين: 36]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}تفسير : [المائدة: 60] الآية. وقوله: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} الضمير في قوله "حسنت" راجع إلى "جنات عدن". والمرتفق قد قدمنا أقوال العلماء فيه. وقوله هنا في الجنة "وحسنت مرتفقاً" يبين معناه قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}تفسير : [الفرقان: 75-76].
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {جَنَّاتُ} {ٱلأَنْهَارُ} {ٱلأَرَآئِكِ} (31) - فَهؤُلاَءِ السُّعَدَاءُ الأَبْرَارُ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِيُقِيمُوا فِيهَا أَبَداً، وَتَجْرِي الأَنْهَارُ وَالمِيَاهُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا حُلِيّاً، هِيَ أَسَاوِرُ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَيَلْبَسُونَ فِيهَا ثِيَاباً مِنَ الحَرِيرِ خَضْرَاءَ اللَّوْنِ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى)، مِنْهَا ثِيَابٌ رَقِيقَةٌ كَالقُمْصَانِ، وَمَا مَاثَلَهَا، (مِنْ سُنْدُسٍ)، وَمِنْهَا ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ، كَالدِّيبَاجِ لَهُ بَرِيقٌ (مَنْ إِسْتَبْرَقٍ)، وَيَجْلِسُونَ عَلَى الأَرَائِكِ وَالأَسِرَّةِ مُسْتَنِدِينَ (مُتَّكِئِينَ)، لِيَرْتَاحُوا فِي جَلْسَتِهِمْ. وَحَسُنَتِ الجَنَّةُ ثَوَاباً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَحَسُنَت مَنْزِلاً وَمَقِيلاً. جَنَّاتُ عَدْنٍ - جَنَّاتُ إِقَامَةٍ وَاسْتِقْرارٍ. سُنْدُسٍ - رَقِيقِ الدِّيبَاجِ. إِسْتَبْرقٍ - غَلِيظِ الدِّيبَاجِ. الأَرَآئِكِ - السُّرُرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات {لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ..} [الكهف: 31]الجنات رأينا منها صورة في الدنيا، وتُطلق إطلاقاً شرعياً وإطلاقاً لغوياً. أما الشرعي: فهو الذي نعرفه من أنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لثواب المؤمنين في الآخرة. أما المعنى اللغوي: فهي المكان الذي فيه زرع وثمار وأشجار تُوارِي مَنْ سار فيها وتستره؛ ومادة الجيم والنون تدور كلها حول الاستتار والاختفاء فالجنون استتار العقل والجن مخلوقات لا ترى والجُنّة بالضم الدرع يستر الجسم عن المهاجم .. الخ. وقلنا: إن الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن شيء غيبيّ يُحدِّثنا بما يوجد في لغتنا من ألفاظ، واللغة التي نتكلم بها، يُوجَد المعنى أولاً ثم يُوجَد اللفظ الدالّ عليه، فإذا عرفنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فإنْ نُطِق اللفظ نفهم معناه. فإذا كانت الأشياء التي يُحدِّثنا الله عنها غيباً كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر " تفسير : إذن: فمن أين نأتي بالألفاظ الدَّالة على هذه المعاني ونحن لم نعرفها؟ لذلك يُعبِّر عنها الحق سبحانه بالشبيه لها في لغتنا، لكن يعطيها الوصف الذي يُميّزها عن جنة الدنيا، كما جاء في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ ..}تفسير : [محمد: 15]. ونحن نعرف النهر، ونعرف الماء، لكن يأتي قوله: {غَيْرِ آسِنٍ} ليميز ماء الآخرة عن ماء الدنيا، وكذلك في: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ..}تفسير : [محمد: 15]. فالخمر في الدنيا معروفة؛ لكنها ليست لذة لشاربها، فشاربها يبتلعها بسرعة؛ لأنه لا يستسيغ لها طعماً أو رائحة، كما تشرب مثلاً كوباً من العصير رشفة رشفة لتلتذ بطعمه وتتمتع به، كما أن خمر الدنيا تغتال العقول على خلاف خمر الآخرة؛ لذلك لما أعطاها اسم الخمر لنعرفها ميَّزها بأنها لذة، وخَمْر الدنيا ليست كذلك؛ لأن لغتنا لا يوجد بها الأشياء التي سيخلقها الله لنا في الجنة، فبها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، والعين إدراكاتها أقلّ من إدراكات الأذن؛ لأن العين تعطيك المشهد الذي رأيته فحسب، أما الأذن فتعطيك المشهد الذي رأيته والذي رآه غيرك، ثم يقول: "ولا خطر على قلب بشر" فوسَّع دائرة ما في الجنة، مما لا نستطيع إدراكه. وكذلك في قوله تعالى: {أية : وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..}تفسير : [محمد: 15]. ونحن نعرف العسل فميَّزه هنا بأنه مُصفّى، ومعروف أن العسل قديماً كانوا يأخذونه من الجبال، وكان يعلَقُ به الحصى والرمل؛ لذلك مُيِّز عسل الجنة بأنه مُصفّى. وكذلك في قوله سبحانه: {أية : سِدْرٍ مَّخْضُودٍ}تفسير : [الواقعة: 28] ونعرف سدر الدنيا، وهو نوع من الشجر له شوك، وليس كذلك سِدْر الجنة؛ لأنه سدر مخضود لا شوك فيه، ولا يُدْمِي يدك كسِدْر الدنيا. وهنا ميَّز الله الجنة في الآخرة عن جنات الدنيا، فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ ..} [الكهف: 31] أي: إقامة دائمة لا تنتهي ولا تزول، وليست كذلك جنات الدنيا، فهَبْ أن واحداً يتمتع في الدنيا بالدُّور والقصور في الحدائق والبساتين التي هي جنة الدنيا، فهل تدوم له؟ إن جنات الدنيا مهما عَظُم نعيمها، إما أنْ تفوتك، وإما أنْ تفوتها. والعَدْن اسم للجَنّة، فهناك فَرْق بين المسكن والمسكن في الجنة، كما ترى حدائق عامة وحدائق خاصة، فالمؤمن في الجنة له مسكن خاص في جنة عدن. ويقول تعالى عن أنهار الجنة:{أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [محمد: 12]، وفي آية أخرى يقول: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [التوبة: 100] ليعطينا صورتين لجريان الماء، ففي قوله: {أية : تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ ..}تفسير : [التوبة: 100] يدلُّ على أن الماء يأتيها من بعيد، وقد تخشى أن يمنعه أحد عنك أنْ يَسُدَّه دونك؛ لذلك يقول لك: اطمئن فالماء يجري {مِن تَحْتِهَا} أي: من الجنة نفسها لا يمنعه أحد عنك. وفي هذه الآية كأنَّ الحق سبحانه وتعالى يعطينا إشارة لطيفة إلى أننا نستطيع أن نجعل لنا مساكن على صفحة الماء، وأن نستغل المسطحات المائية في إقامة المباني عليها، خُذْ مثلاً المسطحات المائية للنيل، أو الريَّاح التوفيقي من القناطر الخيرية حتى دمياط لَوجدْتَ مساحات كبيرة واسعة يمكن بإقامة الأعمدة في الماء، واستخدام هندسة البناء أنْ نقيم المساكن الكافية لسُّكْنى أهل هذه البلاد، وتظل الأرض الزراعية كما هي للخُضْرة وللزرع ولِقُوتِ الناس. ويمكن أن تُطبَّق هذه الطريقة أيضاً في الريف، فيقيم الفلاحون بيوتهم وحظائر مواشيهم بنفس الطريقة على الترع والمصارف المنتشرة في بلادنا، ولا نمس الرقعة الزراعية. لقد هجمتْ الحركة العمرانية على الجيزة والدقي والمهندسين، وكانت في يوم من الأيام أراضي تغل كل الزراعات، وتخدم تموين القاهرة. ولما استقدموا الخبراء الأجانب لتوسيع القاهرة توجهوا إلى الصحراء وأنشأوا مصر الجديدة، ولم يعتد أحد منهم على شبر واحد من الأرض الزراعية، بل جعلوا في تخطيطهم رقعة خضراء لكل منزل. إذن: في الآية لفتة يمكن أنْ تحلَّ لنا أزمة الإسكان، وتحمي لنا الرقعة الزراعية الضيقة. ثم يقول تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ..} [الكهف: 31] وقد يقول قائل: وما هذه الأساور من الذهب التي يتحلَّى بها الرجال؟ هذه من الزخرف والزينة، نراه الآن في طموحات الإنسان في زُخْرفية الحياة، فنرى الشباب يلبسون ما يُسمَّى (بالانسيال) وكذلك أساور الذهب في الآخرة زينة وزخرف، وفي آية أخرى، يقول تعالى: {أية : وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ ..}تفسير : [الإنسان: 21]. ومرة أخرى يقول: {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ}تفسير : [فاطر: 33]. فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن. ونلحظ في قوله تعالى: {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ..}تفسير : [الكهف: 31] أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل {يُحَلَّوْنَ} أي: حلاَّهم غيرهم ولم يقل يتحلون؛ لذلك لما تكلم بعدها عن الملبس، وهو من الضروريات قال: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ..} [الكهف: 31]. فأتى بالفعل مبنياً للمعلوم؛ لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد قُدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ..}تفسير : [يونس: 58]. أي: إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته؛ لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول: "حديث : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". تفسير : ذلك لأنك لو نظرتَ إلى عملك لوجدتَه بعد تكليفك الذي كلفت به في سِنِّ البلوغ، وقد عِشْت طوال هذه المدة ترتع في نِعَم الله ورزقه دون أنْ يُكلِّفك بشيء؛ لذلك مهما قَدَّمْتَ لله تعالى من طاعات، فلن تفَِي بما أنعم به عليك. وما تفعله من طاعات إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك الجنة كان فضلاً من الله عليك، لأنك أخذتَ حقك سابقاً ومُقدَّماً في الدنيا، لكنه قسم هنا فقال: {يَلْبَسُونَ ..} [الكهف: 31] أي: بما عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال: {يُحَلَّوْنَ} كالرجل الذي يُجهِّز ابنته للزواج، فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من الكماليات وزُخْرف الحياة من نجف أو سَجَّاد أو خلافه. واللباس من ضروريات الحياة التي امتنّ الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً ..}تفسير : [الأعراف: 26] والريش: هو الكماليات التي يتخذها الناس للفَخْفخة والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسُّندس: هو الحرير الرقيق، والإستبرق: الحرير الغليظ السميك. وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة {إِسْتَبْرَقٍ} وغيرها من الكلمات غير العربية مثل: القسطاس، وهي كلمات فارسية الأصل، أو كلمة (آمين) التي نتخذها شعاراً في الصلاة وأصلها يمني أو حبشيّ. وقالوا: كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي؟ نقول: هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعةَ نزل، أم جاء القرآن وهي سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات واستعملوها، وأصبحت ألفاظاً عربية دارتْ على الألسنة، وجرتْ مجرى الكلمة العربية. ومن الكلمات التي دخلتْ العربية حديثاً استخدمت ككلمة عربية (بنك)، وربما كانت أخفّ في الاستعمال من كلمة (مصرف)؛ لذلك أقرَّها مَجْمع اللغة العربية وأدخلها العربية. إذن: فهذا القول يمكن أن يُقبَل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئاً أولياً، وأدخلها في اللغة ولم تكُن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، وما داموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جُزْءاً من لغتهم. ثم يقول تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ ..} [الكهف: 31] الاتكاء: أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يُريحه، والأرائك: هي السُّرر التي لها حِلْية مثل الناموسية مثلاً. {نِعْمَ ٱلثَّوَابُ ..} [الكهف: 31] كلام منطقيّ: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 31] أي: أن هذا هو مُقْتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار: {أية : وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً}تفسير : [الكهف: 29]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ} قالَ الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: هي السُّررُ فِي الحِجَالِ. واحدُها أريكَةٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 1679- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}: [الآية: 31]، قال: الاستبرق هو الديباج. 1680- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي في قوله تعالى: {عَلَى ٱلأَرَآئِكِ}: [الآية: 31]، قال، على السُرُرِ في الحجال. 1681- حدثنا عبد الرزاق، قال قتادة: هي الحجال. 1682- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال: أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول زمرة تلج الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، لا يمتخطون، ولا يبصقون، ولا يتغوّطون، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألُوَّة ورشحهم المسك، لكل امرئ منهم زوجتان، يرى مخ ساقها من ورآء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشياً ". تفسير : 1683- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: أهل الجنة ينكحون النساء لا يلدن، ليس فيها مني ولا منية.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):