Verse. 2172 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَاضْرِبْ لَہُمْ مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِاَحَدِہِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ اَعْنَابٍ وَّحَفَفْنٰہُمَا بِنَخْلٍ وَّجَعَلْنَا بَيْنَہُمَا زَرْعًا۝۳۲ۭ
Waidrib lahum mathalan rajulayni jaAAalna liahadihima jannatayni min aAAnabin wahafafnahuma binakhlin wajaAAalna baynahuma zarAAan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واضرب» اجعل «لهم» للكفار مع المؤمنين «مثلاً رجلين» بدل وهو وما بعده تفسير للمثل «جعلنا لأحدهما» الكافر «جنتين» بستانين «من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا» يقتات به.

32

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنياً والغني فقيراً، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية فقال: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ } أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: { أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ } تفسير : [الصافات: 51] ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذ كل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضاً فقال المؤمن اللهم إني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال المؤمن اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين ثم اشترى أخوه خدماً وضياعاً بألف فقال المؤمن: اللهم إني اشتريت منك الولدان بألف فتصدق به ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ }، فاعلم أن الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات: الصفة الأولى: كونها جنة وسمى البستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية، والصفة الثانية: قوله: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } أي وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين نظيره قوله تعالى: { أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } تفسير : [الزمر: 75] أي واقفين حول العرش محيطين به، والحفاف جانب الشيء والأحفة جمع فمعنى قول القائل حف به القوم أي صاروا في أحفته وهي جوانبه قال الشاعر: شعر : له لحظات في حفافي سريره إذا كرها فيها عقاب ونائل تفسير : قال صاحب «الكشاف»: حفوه إذا طافوا به، وحففته بهم أي جعلتهم حافين حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقوله: غشيته وغشيته به، قال: وهذه الصفة مما يؤثرها الدهاقين في كرومهم وهي أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسن في المنظر. الصفة الثالثة: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } والمقصود منه أمور. أحدها: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه. وثانيها: أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف متباعدة الأكناف ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض. وثالثها: أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت منافعها دارة متواصلة. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ أَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } كلا اسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان، وكلتا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان. وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك، ورأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك. وجاءني كلتا أختيك، ورأيت كلتا أختيك، ومررت بكلتا أختيك، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف، وفي الجر والنصب بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً. وقوله: {أَتَتْ أُكُلَهَا } حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أتتا على المعنى لجاز، وقوله: {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } أي لم تنقص والظلم النقصان، يقول الرجل: ظلمني حقي أي نقصني. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً } أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين. وفي قراءة يعقوب وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و {خِلَـٰلَهُمَا } أي وسطهما وبينهما. ومنه قوله تعالى: { أية : ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } تفسير : [التوبة: 47]. ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم. الصفة السادسة: قوله تعالى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ثمرة، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة: أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: الثمر المال والولد، وأنشد للحارث بن كلدة: شعر : ولقد رأيت معاشرا قد أثمروا مالاً وولداتفسير : وقال النابغه: شعر : مهلاً فداء لك الأقوام كلهم ما أثمروه أمن مال ومن ولد تفسير : وقوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر. وعن مجاهد الذهب والفضة: أي كان مع الجنتين أشياء من النقود، ولما ذكر الله تعالى هذه الصفات قال بعده: {فَقَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم: حار إذا رجع، قال تعالى: { أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بَلَىٰ } تفسير : [الانشقاق: 14، 15]، فذكر تعالى أن عند هذه المحاورة قال الكافر: {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } والنفر عشيرة الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه، وحاصل الكلام أن الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } وأراه إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال، فإن قيل: لم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلنا: المراد أنه ليس له جنة ولا نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحداً منهما، ثم قال تعالى: {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام، والمراد التنبيه على أنه لما اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعاً تلك النعم في غير موضعها، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال: {وَمَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } فجمع بين هذين، فالأول قطعه بأن تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبداً مع أنها متغيرة متبدلة. فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟ قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده، ثم قال: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً } أي مرجعاً وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى: {وَلَئِن رُّجّعْتُ إِلَىٰ رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } وقوله: { أية : لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } تفسير : [مريم:77] والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقاً له، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء. والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية، قرأ نافع وابن كثير خيراً منهما، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين، والباقون منها، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله: {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } وفيه بحثان: البحث الأول: أن الإنسان الأول قال: {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } وهذا الثاني كفره حيث قال: {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } وهذا يدل على أن الشاك في حصول البعث كافر. البحث الثاني: هذا الاستدلال يحتمل وجهين: الأول: يرجع إلى الطريقة المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله: {خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } إشارة إلى خلق الإنسان في الابتداء. الوجه الثاني: أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثاً، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس، ويدل على هذا الوجه قوله: {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن: {لَكُنَّا هُوَ ٱللَّهُ رَبّي } وفيه بحثان: البحث الأول: قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ومثله: شعر : وتقلينني لكن إياك لا أقلى تفسير : أي لكن أنا لا أقليك وهو في قوله: {هُوَ ٱللَّهُ رَبّى } ضمير الشأن وقوله: {ٱللَّهُ رَبّى } جملة من المبتدأ والخبر واقعة في معرض الخبر لقوله: هو فإن قيل قوله: {لَكُنَّا } استدراك لماذا؟ قلنا لقوله: {أَكَفَرْتَ } كأنه قال لأخيه: أكفرت بالله لكني مؤمن موحد كما تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر. والبحث الثاني: قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرمي ونافع في رواية: {لَكُنَّا هُوَ ٱللَّهُ رَبّى } في الوصل بالألف. وفي قراءة الباقين: {لَّكِنَّ هُوَ ٱللَّهُ رَبّى } بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن: {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } ذكر القفال فيه وجوهاً: أحدها: إني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى وأصبر إذا ابتلي ولا أتكبر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة المال والأعوان من نفسي وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العز والغنى. وثانيها: لعل ذلك الكافر مع كونه منكراً للبعث كان عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء. وثالثها: أن هذا الكافر لما عجز الله عن البعث والحشر فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } فأمره أن يقول هذين الكلامين الأول قوله: {مَا شَاء ٱللَّهُ } وفيه وجهان: الأول: أن تكون (ما) شرطية ويكون الجزاء محذوفاً والتقدير أي شيء شاء الله كان. والثاني: أن تكون ما موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ما شاء الله، واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل ما لم يرده لم يقع وهذا يدل على أنه ما أراد الله الإيمان من الكافر وهو صريح في إبطال قول المعتزلة أجاب الكعبي عنه بأن تأويل قولهم: ما شاء مما تولى فعله لا مما هو فعل العباد كما قالوا: لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه، واعلم أن الذي ذكر الكعبي ليس جواباً عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة لظاهر النص وقياس الإرادة على الأمر، باطل لأن هذا النص دال على أنه لا يوجد إلا ما أراده الله وليس في النصوص ما يدل على أنه لا يدخل في الوجود إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال: هلا إذا دخلت بستانك قلت ما شاء الله كقول الإنسان هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان ما شاء الله، ومثله قوله: { أية : سَيَقُولُونَ ثَلَـٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } تفسير : [الكهف:22] وهم ثلاثة وقوله: { أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ } تفسير : [البقرة: 58] أي قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد من هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم يلزم أن يقال كل ما شاء الله وقع لأن هذا الحكم غير عام في الكل بل مختص بالأشياء المشاهدة في البستان وهذا التأويل الذي ذكره القفال أحسن بكثير مما ذكره الجبائي والكعبي، وأقول: إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والظلم الشديد فلا يصح أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقع بمشيئة الله. اللهم إلا أن نقول المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص من غير دليل. والكلام الثاني: الذي أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله: {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله وإقداره. والمقصود إنه قال المؤمن للكافر: هلا قلت عند دخول جنتك الأمر ما شاء الله والكائن ما قدره الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها بمشيئة الله وفضله فإن أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها، وهلا قلت لا قوة إلا بالله إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله ثم إن المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلاً وأقل مفعولاً ثانياً ومن قرأ بالرفع جعل قوله: {أَنَاْ } مبتدأ وقوله {أَقُلْ } خبر والجملة مفعولاً ثانياً لترن واعلم أن ذكر الولد ههنا يدل على أن المراد بالنفر المذكور في قوله: {وَأَعَزُّ نَفَراً } الأعوان والأولاد كأنه يقول له: إن كنت تراني: {أَقُلْ مَالاً وَوَلَدًا } وأنصاراً في الدنيا الفانية: {فعسَىٰ رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ } إما في الدنيا، وإما في الآخرة. ويرسل على جنتك: {حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَاء } أي عذاباً وتخريباً والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب أي مقداراً قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها. قال الزجاج: عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كسبت يداك وقيل حسباناً أي مرامي الواحد منها حسبانة وهي الصواعق: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } أي فتصبح جنتك أرضاً ملساء لا نبات فيها والصعيد وجه الأرض، زلقاً أي تصير بحيث تزلق الرجل عليها زلقاً ثم قال: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } أي يغوص ويسفل في الأرض: {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } أي فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه. قال أهل اللغة في قوله: {مَاؤُهَا غَوْرًا } أي غائراً وهو نعت على لفظ المصدر كما يقال: فلان زور وصوم للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أي نوائح ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله: { أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } تفسير : [يوسف: 66] ومثله قولهم: أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم. ثم قال تعالى: {فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } وهو كناية عن الندم والحسرة فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى، وقد يمسح إحداهما على الأخرى، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق في الجنة التي وعظه أخوه فيها وعذله: {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } أي ساقطة على عروشها فيمكن أن يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهي سقطت على الجدران. وحاصل الكلام أن هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلاكها، ثم قال تعالى: {وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } والمعنى أن المؤمن لما قال: {لَكُنَّا هُوَ ٱللَّهُ رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } فهذا الكافر تذكر كلامه وقال: {يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } فإن قيل هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى: { أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } تفسير : [الزخرف: 33] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل » تفسير : وأيضاً فلما قال: {يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد فوجب أن يصير مؤمناً فلم قال بعده: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } والجواب عن السؤال الأول: أنه لما عظمت حسرته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضاً في كل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت الدنيا بالكلية بقي الحرمان عن الدنيا والدين عليه. فلهذا السبب عظمت حسرته والجواب عن السؤال الثاني: أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو كان موحداً غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في التوحيد والرد عن الشرك لأجل طلب الدنيا فلهذا السبب ما صار توحيده مقبولاً عند الله ثم قال تعالى: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: (ولم يكن له فئة) بالياء لأن قوله: {فِئَةٌ } جمع فإذا تقدم على الكناية جاز التذكير، ولأنه رعاية للمعنى. والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهي الفئة. البحث الثاني: المراد من قوله: {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } هو أنه ما حصلت له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أي هو الله تعالى وحده القادر على نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى: {هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبَىٰ }. المسألة الأولى: اختلف القراء في ثلاثة مواضع من هذه الآية. أولها: في لفظ الولاية ففي قراءة حمزة والكسائي بكسر الواو وفي قراءة الباقين بالفتح وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: كسر الواو لحن قال صاحب "الكشاف": الولاية بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك. وثانيها: قرأ أبو عمرو والكسائي قوله: الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق لله وقرأ الباقون بالجر صفة لله. وثالثها: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي وابن عامر عقباً بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف. المسألة الثانية: {هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ } فيه وجوه. الأول: أنه تعالى لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقال: {هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقّ } أي في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام تكون الولاية لله يوالي أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذي يريد الله إظهار كرامة أوليائه وإذلال أعدائه (فيهما). والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويلتجيء إليه كل محتاج مضطر يعني أن قوله: {يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } كلمة ألجيء إليها ذلك الكافر فقالها جزعاً مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها. والوجه الثالث: المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله في قوله: {فعسَىٰ رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَاء } ويعضده قوله: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبَىٰ } أي لأوليائه. والوجه الرابع: أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا } أي في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه: {وَخَيْرٌ عُقْبَىٰ } أي هو خير عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرىء عقبى بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهو متّصل بقوله {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ}. واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما؛ فقال الكلبي: نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زوجُ أمِّ سلمة قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم. والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد، وهما الأخوان المذكوران في سورة «الصافات» في قوله {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} تفسير : [الصافات: 51]، وَرِث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار، فأنفق أحدُهما مالَه في سبيل الله وطلب من أخيه شيئاً فقال ما قال...؛ ذكره الثعلبِيّ والقُشَيرِيّ. وقيل: نزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم وأهل مكة. وقيل: هو مَثَل لجميع مَن آمن بالله وجميع مَن كفر. وقيل: هو مَثَل لعُيَيْنة بن حِصْن وأصحابه مع سلمان وصُهيب وأصحابه؛ شبّههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا؛ في قول ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه تمليخا. والآخر كافر واسمه قرطوش. وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة الصافات. وكذا ذكر محمد بن الحسن المقرىء قال: اسم الخَيِّر منهما تمليخا، والآخر قرطوش، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد منهما ثلاثةُ آلاف دينار، فاشترى المؤمن منهما عبيداً بألف وأعتقهم، وبالألف الثانية ثياباً فكسا العُراة، وبالألف الثالثة طعاماً فأطعم الجُوّع، وبنى أيضاً مساجد، وفعل خيراً. وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات يسار، واشترى دواب وبقراً فاستنتجها فنمَت له نماء مُفْرِطاً، وٱتّجر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غِنًى؛ وأدركت الأوّلَ الحاجةُ، فأراد أن يستخدم نفسه في جنة يخدمها فقال: لو ذهبت لشريكي وصاحبي فسألته أن يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي، فجاءه فلم يَكدَ يصل إليه من غِلَظ الحجاب، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له: ألم أكن قاسمتك المال نصفين! فما صنعتَ بمالك؟ قال: اشتريت به من الله تعالى ما هو خير منه وأبقى. فقال: أئنك لمن المصدّقين، ما أظن الساعة قائمةٰ وما أراك إلا سفيهاً، وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان، أو ما ترى ما صنعتُ أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال، وذلك أني كَسَبْت وسفهت أنت، أخرج عني. ثم كان من قصة هذا الغنيّ ما ذكره الله تعالى في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلاً بما أرسل عليها من السماء من الحُسْبان. وقد ذكر الثعلبيّ هذه القصة بلفظ آخر، والمعنى متقارب. قال عطاء: كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينار. وقيل: ورِثاه من أبيهما وكانا أخوين فٱقتسماها، فٱشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلاناً قد اشترى أرضا بألف دينار وإني ٱشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدقَ بها، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار فقال: اللهم إن فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني أشتري منك داراً في الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار، ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهم إن فلاناً تزوج ٱمرأة بألف دينار وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار. ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني أشتري منك خَدَماً ومتاعاً من الجنة بألف دينار، فتصدَّق بألف دينار. ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لعلّ صاحبي ينالُنِي معروفه فأتاه فقال: ما فعل مالُك؟ فأخبره قصته فقال: وإنك لمن المصدّقين بهذا الحديث! والله لا أعطيك شيئا ثم قال له: أنت تعبد إلٰه السماء، وأنا لا أعبد إلا صنماً؛ فقال صاحبه: والله لأعظَنّه، فوعظه وذكّره وخوّفه. فقال: سِرْ بنا نصطد السمك، فمن صاد أكثر فهو على حق؛ فقال له: يا أخي! إن الدنيا أحقر عند الله من أن يجعلها ثواباً لمحسن أو عقاباً لكافر. قال: فأكرهه على الخروج معه، فٱبتلاهما الله، فجعل الكافرُ يرمي شبكته ويسمِّي بٱسم صنمه، فتطلع متدفّقة سمكاً. وجعل المؤمن يرمي شبكته ويسمي باسم الله فلا يطلُع له فيها شيء؛ فقال له: كيف ترىٰ أنا أكثر منك في الدنيا نصيباً ومنزلة ونَفَراً، كذلك أكون أفضلَ منك في الآخرة إن كان ما تقول بزعمك حقًّا. قال: فضَجّ المَلَك الموَكَّل بهما، فأمر الله تعالى جبريلَ أن يأخذه فيذهب به إلى الجِنان فيرِيَه منازل المؤمن فيها، فلما رأى ما أعد الله له قال: وعزّتك لا يضرّه ما ناله من الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا؛ وأراه منازل الكافر في جهنم فقال: وعزّتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا. ثم إن الله تعالى تَوفّى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون، فقال: {أية : إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يقول أئنّك لمِن المصَدِّقين}تفسير : [الصافات: 51-52] » الآية؛ فنادى منادٍ: يأهل الجنة! هل أنتم مطَّلِعون فٱطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم؛ فنزلت {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً}. بيّن الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة، وبين حالهما في الآخرة في سورة «الصافات» في قوله «إني كان لي قرين. يقول أئنك لمِن المصدقِين ـ إلى قوله ـ لمثل هذا فليعمل العاملون». قال ابن عطية: وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تِنّيس كانت هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة، وإياها عنى بهذه الآية. وقد قيل: إن هذا مَثَل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال متقدمة، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة، وجعله زجراً وإنذاراً؛ ذكره الماوردي. وسياق الآية يدلّ على خلاف هذا، والله أعلم. قوله تعالى: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أطفناهما من جوانبهما بنخل. والحِفاف الجانب، وجمعه أحِفّة؛ ويقال: حَفَّ القوم بفلان يَحُفُّون حَفًّا، أي طافوا به؛ ومنه {أية : حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الزمر: 75]. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} أي جعلنا حول الأعناب النخل، ووسط الأعناب الزرع {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ} أي كلّ واحدة من الجنتين {آتَتْ أُكُلَهَا} تامّا، ولذلك لم يقل آتتا. وٱختُلف في لفظ «كِلْتا وكِلاَ» هل هو مفرد أو مثنّى؛ فقال أهل البصرة: هو مفرد؛ لأن كِلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير «كُلٍّ» في المجموع، وهو اسم مفرد غير مثنى؛ فإذا ولِيَ اسما ظاهراً كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة، تقول: رأيت كِلا الرجلين وجاءني كِلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين؛ فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب، تقول: رأيت كِلَيْهِما ومررت بكليهما، كما تقول عليهما. وقال الفراء: هو مثنًّى، وهو مأخوذ من كُلٍّ فخفّفت اللام وزيدت الألف للتثنية. وكذلك كلتا للمؤنث، ولا يكونان إلا مضافين ولا يتكلم بواحد، ولو تكلم به لقيل: كِلْ وكِلْت وكِلان وكِلْتان. واحتج بقول الشاعر:شعر : في كِلْتِ رجْليها سُلاَمى واحدَهْ كِلتاهما مَقْرونةٌ بزائدهْ تفسير : أراد في إحدى رجليها فأفرد. وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة؛ لأنه لو كان مثنى لوجب أن تكون ألفه في النصب والجر ياءً مع الاسم الظاهر، ولأن معنى «كِلا» مخالف لمعنى «كل» لأن «كُلاًّ» للإحاطة و «كِلاَ» يدل على شيء مخصوص، وأما هذا الشاعر فإنما حذف الألف للضرورة وقدّر أنها زائدة، وما يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة، فثبت أنه اسم مفرد كَمِعَى، إلا أنه وُضع ليدل على التثنية، كما أن قولهم «نحن» اسم مفرد يدل على اثنين فما فوقهما، يدل على ذلك قول جرير:شعر : كِلاَ يَوْمَيْ أُمامةَ يومُ صَدٍّ وإن لم نأتها إلا لِمامَا تفسير : فأخبر عن «كلا» بيوم مفرد، كما أفرد الخبر بقوله «آتت» ولو كان مثنى لقال آتتا، ويوما. واختلف أيضاً في ألف «كلتا»؛ فقال سيبويه: ألف «كلتا» للتأنيث والتاء بدل من لام الفعل وهي واو والأصل كِلْوا، وإنما أبدلت تاء لأن في التاء علَم التأنيث، والألف «في كلتا» قد تصير ياء مع المضمر فتخرج عن علم التأنيث، فصار في إبدال الواو تاء تأكيدٌ للتأنيث. وقال أبو عمر الجَرْمِيّ: التاء ملحقة والألف لام الفعل، وتقديرها عنده: فِعْتَلٌ، ولو كان الأمر على ما زعم لقالوا في النسبة إليها كِلْتَوِيّ، فلما قالوا كِلَوِيّ وأسقطوا التاء دلّ على أنهم أجروها مُجْرى التاء في أخت إذا نسبت إليها قلت أَخَوِيّ؛ ذكره الجوهري. قال أبو جعفر النحاس: وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى، وأن تقول: كلتا الجنتين آتتا أكلهما؛ لأن المعنى المختار كلتاهما آتتا. وأجاز الفراء: كلتا الجنتين آتى أكله، قال: لأن المعنى كل الجنتين. قال: وفي قراءة عبد الله «كلّ الجنتين آتى أكله». والمعنى على هذا عند الفراء: كل شيء من الجنتين آتى أكله. والأُكُل (بضم الهمزة) ثمر النخل والشجر. وكل ما يؤكل فهو أكُل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ} تفسير : [الرعد: 35] وقد تقدم. {وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً} أي لم تنقص. قوله تعالى: {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين بنهر. {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قرأ أبو جعفر وشَيْبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق «ثَمَر» بفتح الثاء والميم، وكذلك قوله {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} جمع ثمرة. قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر والثمرات، وجمع الثمر ثمار؛ مثل جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار ثُمُر؛ مثل كتاب وكتب، وجمع الثمر أثمار؛ مثل أعناق وعنق. والثمر أيضاً المال المُثَمَّر؛ يخفف ويثقّل. وقرأ أبو عمرو «وكان له ثُمْر» بضم الثاء وإسكان الميم، وفسره بأنواع المال. الباقون بضمها في الحرفين. قال ابن عباس: ذهب وفضة وأموال. وقد مضى في «الأنعام» نحو هذا مبيَّناً. وذكر النحاس: حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمران بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال حدثنا شعيب بن إسحاق قال أخبرنا هارون قال حدثني أبان عن ثعلب عن الأعمش أن الحجاج قال: لو سمعت أحداً يقرأ «وكان له ثُمُر» لقطعت لسانه؛ فقلت للأعمش: أتأخذ بذلك؟ فقال: لاٰ ولاَ نِعْمَةَ عينٍ. فكان يقرأ «ثُمُر» ويأخذه من جمع الثمر. قال النحاس: فالتقدير على هذا القول أنه جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثمار على ثمر؛ وهو حسن في العربية إلا أن القول الأول أشبه والله أعلم؛ لأن قوله {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} يدل على أن له ثمراً. قوله تعالى: {فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي يراجعه في الكلام ويجاوبه. والمحاورة المجاوبة، والتحاورُ التجاوب. ويقال: كلمته فما أحار إليّ جواباً، وما رجع إليّ حَويراً ولا حَوِيرة ولا مَحُورة ولا حِوَاراً؛ أي ما ردّ جواباً. {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} النفر: الرهط وهو ما دون العشرة. وأراد هاهنا الأتباع والخدم والولد، حسبما تقدّم بيانه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلاً برجلين جعل الله لأحدهما جنتين، أي بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخيل المحدّقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزورع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} أي أخرجت ثمرها، {وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئًا} أي ولم تنقص منه شيئاً، {وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً} أي والأنهار متفرقة فيهما ههنا وههنا، {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} قيل: المراد به المال، روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقيل: الثمار، وهو أظهر ههنا، ويؤيده القراءة الأخرى: {وكانَ لَهُ ثُمْرٌ} بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب. وقرأ آخرون: ثمر بفتح الثاء والميم، فقال: أي صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يحاوره، أي يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي أكثر خدماً وحشماً وولداً قال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة النفر. وقوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} أي بكفره وتمرّده وتكبّره وتجبّره، وإنكاره المعاد، {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} وذلك اغتراراً منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار، والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظنّ أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} أي كائنة {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله، ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى} تفسير : [فصلت: 50] وقال: {أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77] أي في الدار الآخرة، تألى على الله عز وجل. وكان سبب نزولها في العاص بن وائل؛ كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱضْرِبْ } اجعل {لَهُمْ } للكفار مع المؤمنين {مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ } بدل وهو وما بعده تفسير للمثل {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا } الكافر {جَنَّتَيْنِ } بستانين {مِنْ أَعْنَٰبٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } يقتات به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ } هذا المثل ضربه الله سبحانه لمن يتعزّز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل بقوله: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ }. وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدّران أو محققان؟ فقال بالأوّل: بعض المفسرين. وقال بالآخر: بعض آخر. واختلفوا في تعيينهما، فقيل: هما أخوان من بني إسرائيل، وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكة: أحدهما مؤمن، والآخر كافر، وقيل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله: {أية : قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّى كَانَ لِى قَرِينٌ } تفسير : [الصافات: 51]. وانتصاب {مثلاً} و{رجلين} على أنهما مفعولا {اضرب}، قيل: والأوّل هو الثاني والثاني هو الأوّل {جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } هو الكافر، و {مّنْ أَعْنَـٰبٍ } بيان لما في الجنتين أي: من كروم متنوعة {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } الحفّ: الإحاطة، ومنه {أية : حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ } تفسير : [الزمر: 75] ويقال: حف القوم بفلان يحفون حفاً أي: أطافوا به، فمعنى الآية: وجعلنا النخل مطيفاً بالجنتين من جميع جوانبهما {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } أي: بين الجنتين، وهو وسطهما، ليكون كل واحد منهما جامعاً للأقوات والفواكه. ثم أخبر سبحانه عن الجنتين بأن كل واحدة منهما كانت تؤدّي حملها وما فيها، فقال: {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا } أخبر عن {كلتا} بـ {آتت}، لأن لفظه مفرد، فراعى جانب اللفظ. وقد ذهب البصريون إلى أن كلتا وكلا اسم مفرد غير مثنى. وقال الفراء: هو مثنى. وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية. وقال سيبويه: ألف كلتا للتأنيث، والتاء بدل من لام الفعل، وهي واو، والأصل كلوا. وقال أبو عمرو: التاء ملحقة، وأكلهما هو: ثمرهما، وفيه دلالة على أنه قد صار صالحاً للأكل. وقرأ عبد الله بن مسعود (كل الجنتين آتى أكله). {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } أي: لم تنقص من أكلها شيئاً، يقال: ظلمه حقه، أي: نقصه، ووصف الجنتين بهذه الصفة للإشعار بأنهما على خلاف ما يعتاد في سائر البساتين فإنها في الغالب تكثر في عام، وتقلّ في عام {وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً } أي: أجرينا وشققنا وسط الجنتين نهراً ليسقيهما دائماً من غير انقطاع، وقرىء {فجرنا} بالتشديد للمبالغة، وبالتخفيف على الأصل. {وَكَانَ لَهُ } أي: لصاحب الجنتين {ثَمَرٌ } قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق {ثمر} بفح الثاء والميم. وكذلك قرؤوا في قوله: {أُحِيطَ بِثَمَرِهِ } وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم فيهما. وقرأ الباقون بضمهما جميعاً في الموضعين. قال الجوهري: الثمرة واحدة الثمر، وجمع الثمر: ثمار، مثل: جبل وجبال. قال الفراء: وجمع الثمار: ثمر، مثل: كتاب وكتب، وجمع الثمر: أثمار، مثل: عنق وأعناق، وقيل: الثمر: جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وقيل: هو الذهب والفضة خالصة {فَقَالَ لَصَـٰحِبِهِ } أي: قال صاحب الجنتين الكافر لصاحبه المؤمن {وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ } أي: والكافر يحاور المؤمن، والمعنى: يراجعه الكلام ويجاوبه، والمحاورة: المراجعة، والتحاور التجاوب {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } النفر: الرهط، وهو ما دون العشرة، وأراد ها هنا الأتباع والخدم والأولاد. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } أي: دخل الكافر جنة نفسه. قال المفسرون: أخذ بيد أخيه المسلم، فأدخله جنته يطوف به فيها، ويريه عجائبها، وإفراد الجنة هنا يحتمل أن وجهه: كونه لم يدخل أخاه إلا واحدة منهما، أو لكونهما لما اتصلا كانا كواحدة، أو لأنه أدخله في واحدة، ثم واحدة أو لعدم تعلق الغرض بذكرهما. وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف: أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، وجملة: {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } في محل نصب على الحال أي: وذلك الكافر ظالم لنفسه بكفره وعجبه {قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً } أي: قال الكافر لفرط غفلته وطول أمله: ما أظن أن تفنى هذه الجنة التي تشاهدها. {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته. قال الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى لأجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً } اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: أنه إن يردّ إلى ربه فرضاً وتقديراً كما زعم صاحبه، واللام في {لأجِدَنَّ } جواب القسم، والشرط أي: لأجدنّ يومئذٍ خيراً من هذه الجنة. في مصاحف مكة والمدينة والشام (خيراً منهما) وفي مصاحف أهل البصرة والكوفة {خيراً منها} على الإفراد، و {مُنْقَلَباً } منتصب على التمييز أي: مرجعاً وعاقبة، قال هذا قياساً للغائب على الحاضر، وأنه لما كان غنياً في الدنيا، سيكون غنياً في الأخرى، اغتراراً منه بما صار فيه من الغنى الذي هو استدراج له من الله. {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ } أي: قال للكافر صاحبه المؤمن حال محاورته له منكراً عليه ما قاله {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } بقولك {مَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } وقال خلقك: من تراب أي: جعل أصل خلقك من تراب حيث خلق أباك آدم منه، وهو أصلك، وأصل البشر فلكل فرد حظ من ذلك، وقيل: يحتمل أنه كان كافراً بالله فأنكر عليه ما هو عليه من الكفر، ولم يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } وهي المادّة القريبة {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } أي: صيرك إنساناً ذكراً، وعدّل أعضاءك وكملك، وفي هذا تلويخ بالدليل على البعث، وأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة، وانتصاب {رجلاً} على الحال أو التمييز. {لَكنا هُوَ ٱللَّهُ رَبّى } كذا قرأ الجمهور بإثبات الألف بعد لكنّ المشددة. وأصله: لكن أنا، حذفت الهمزة وألقيت حركتها على النون الساكنة قبلها فصار لكننا، ثم استثقلوا اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت الثانية، وضمير هو للشأن، والجملة بعده خبره والمجموع خبر أنا، والراجع ياء الضمير، وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية: إثبات ألف أنا في الوصل ضعيف. قال النحاس: مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل: لكن أنا، وذكر نحو ما قدّمنا. وروي عن الكسائي أن الأصل: لكن الله هو ربي أنا. قال الزجاج: إثبات الألف في لكنا في الإدراج جيد لأنها قد حذفت الألف من أنا، فجاءوا بها عوضاً، قال: وفي قراءة أبيّ (لٰكن أنا هو الله ربي) وقرأ ابن عامر والمثنى عن نافع، وورش عن يعقوب {لٰكنا} في حال الوصل والوقف معاً بإثبات الألف، ومثله قول الشاعر:شعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني فإني قد تذربت السناما تفسير : ومنه قول الأعشى:شعر : فكيف أنا وألحان القوافي وبعد الشيب كفى ذاك عارا تفسير : ولا خلاف في إثباتها في الوقف، وقرأ أبو عبد الرحمٰن السلمي وأبو العالية، وروي عن الكسائي (لٰكن هو الله ربي) ثم نفى عن نفسه الشرك بالله، فقال: {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } وفيه إشارة إلى أن أخاه كان مشركاً، ثم أقبل عليه يلومه فقال: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء ٱللَّهُ } لولا للتحضيض، أي: هلاّ قلت عندما دخلتها هذا القول. قال الفراء والزجاج: "ما" في موضع رفع على معنى الأمر ما شاء الله، أي: هلاّ قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ويجوز أن تكون "ما" مبتدأ والخبر مقدّر، أي: ما شاء الله كائن، ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجواب محذوف، أي: أيّ شيء شاء الله كان {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } أي: هلا قلت: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، تحضيضاً له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها، وعلى الاعتراف بالعجز، وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوّته وقدرته. قال الزجاج: لا يقوى أحد على ما في يده من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون إلا ما شاء الله. ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمور إلى الله سبحانه أجابه على افتخاره بالمال والنفر فقال: {إن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } المفعول الأوّل: ياء الضمير، و"أنا": ضمير فصل، و{أقلّ}: المفعول الثاني للرؤية إن كانت علمية، وإن جعلت بصرية كان انتصاب أقلّ على الحال، ويجوز أن يكون {أنا} تأكيد لياء الضمير، وانتصاب {مالاً} و{ولداً} على التمييز. {فعسَىٰ رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ } هذا جواب الشرط، أي: إن ترني أفقر منك، فأنا أرجو أن يرزقني الله سبحانه جنة خيراً من جنتك في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا } أي: ويرسل على جنتك حسباناً، والحسبان مصدر، بمعنى: الحساب كالغفران، أي: مقداراً قدّره الله عليها، ووقع في حسابه سبحانه، وهو الحكم بتخريبها. قال الزجاج: الحسبان من الحساب أي: يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ما كسبت يداك. وقال الأخفش: حسباناً: أي مرامي {مّنَ ٱلسَّمَاء } واحدها حسبانه، وكذا قال أبو عبيدة والقتيبي. وقال ابن الأعرابي: الحسبانة: السحابة، والحسبانة: الوسادة، والحسبانة: الصاعقة، وقال النضر بن شميل: الحسبان: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تنزع في قوس، ثم يرمي بعشرين منها دفعة، والمعنى: يرسل عليها مرامي من عذابه: إما برد، وإما حجارة أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب. ومنه قول أبي زياد الكلابي:شعر : أصاب الأرض حسبان تفسير : أي: جراد {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } أي: فتصبح جنة الكافر بعد إرسال الله سبحانه عليها حسباناً صعيداً، أي: أرضاً لا نبات بها وقد تقدّم تحقيقه {زلقاً} أي: تزلّ فيها الأقدام لملاستها، يقال: مكان زلق بالتحريك أي: دحض، وهو في الأصل مصدر قولك زلقت رجله تزلق زلقاً وأزلقها غيره، والمزلقة: الموضع الذي لا يثبت عليه قدم، وكذا الزلاقة، وصف الصعيد بالمصدر مبالغة، أو أريد به المفعول، وجملة: {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } معطوفة على الجملة التي قبلها، والغور: الغائر. وصف الماء بالمصدر مبالغة، والمعنى: أنها تصير عادمة للماء بعد أن كانت واجدة له، وكان خلالها ذلك النهر يسقيها دائماً، ويجيء الغور بمعنى: الغروب، ومنه قول أبي ذوئيب:شعر : هل الدهر إلا ليلة ونهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها تفسير : {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } أي: لن تستطيع طلب الماء الغائر فضلاً عن وجوده وردّه ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل، وقيل: المعنى: فلن تستطيع طلب غيره عوضاً عنه. ثم أخبر سبحانه عن وقوع ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } قد قدّمنا اختلاف القراء في هذا الحرف وتفسيره، وأصل الإحاطة من إحاطة العدوّ بالشخص كما تقدّم في قوله: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } تفسير : [يوسف: 66]، وهي عبارة عن إهلاكه وإفنائه، وهو معطوف على مقدّر كأنه قيل: فوقع ما توقعه المؤمن وأحيط بثمره {فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } أي: يضرب إحدى يديه على الأخرى وهو كناية عن الندم، كأنه قيل: فأصبح يندم {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } أي: في عمارتها وإصلاحها من الأموال، وقيل: المعنى يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق، لأن الملك قد يعبر عنه باليد من قولهم: في يده مال، وهو بعيد جداً، وجملة {وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } في محل نصب على الحال، أي: والحال أن تلك الجنة ساقطة على دعائمهم التي تعمد بها الكروم أو ساقط بعض تلك الجنة على بعض، مأخوذ من خوت النجوم تخوى: إذا سقطت ولم تمطر في نوئها، ومنه قوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَة بِمَا ظَلَمُواْ } تفسير : [النمل: 52] قيل: وتخصيص ماله عروش بالذكر دون النخل والزرع لأنه الأصل، وأيضاً إهلاكها مغن عن ذكر إهلاك الباقي، وجملة: {وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } معطوفة على {يقلب كفيه}، أو حال من ضميره، أي: وهو يقول تمنى عند مشاهدته لهلاك جنته بأنه لم يشرك بالله حتى تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول منه على حقيقته، لا لما فاته من الغرض الدنيوي، بل لقصد التوبة من الشرك والندم على ما فرط منه. {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ } {فئة} اسم كان و{له} خبرها، و{ينصرونه} صفةً لفئة، أي: فئة ناصرة، ويجوز أن تكون {ينصرونه} الخبر، ورجح الأوّل سيبويه، ورجح الثاني المبرّد، واحتج بقوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 4] والمعنى: أنه لم تكن له فرقة وجماعة يلتجىء إليها وينتصر بها، ولا نفعه النفر الذين افتخر بهم فيما سبق {وَمَا كَانَ } في نفسه {مُنْتَصِراً } أي: ممتنعاً بقوته عن إهلاك الله لجنته، وانتقامه منه. {هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقّ } قرأ أبو عمرو والكسائي "الحق" بالرفع نعتاً للولاية، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وعاصم وحمزة {الحق} بالجرّ نعته لله سبحانه. قال الزجاج: ويجوز النصب على المصدر والتوكيد كما تقول هذا لك حقاً. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: "الولاية" بكسر الواو، وقرأ الباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى، والمعنى: هنالك، أي: في ذلك المقام، النصرة لله وحده لا يقدر عليها غيره، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي: الولاية لله الحق هنالك {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي: هو سبحانه خير ثواباً لأوليائه في الدنيا والآخرة {وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي: عاقبة، قرأ الأعمش وعاصم وحمزة {عقباً} بسكون القاف، وقرأ الباقون بضمها، وهما بمعنى واحد، أي: هو خير عاقبة لمن رجاه وآمن به، يقال: هذا عاقبة أمر فلان، وعقباه: أي أخراه. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } قال: الجنة: هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر، فلذلك كانا جنتين، ولذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي عليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيـى بن أبي عمرو الشيباني قال: نهر أبي قرطس نهر الجنتين. قال ابن أبي حاتم: وهو نهر مشهور بالرملة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } قال: لم تنقص، كل شجر الجنة أطعم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } يقول: مال. وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، قال: قرأها ابن عباس "وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ" بالضم، وقال: هي أنواع المال. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } قال: ذهب وفضة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } يقول: كفور لنعمة ربه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهنّ عند الكرب: «حديث : الله الله ربي لا أشرك به شيئاً»تفسير : . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن يحيـى بن سليم الطائفي عمن ذكره قال: «طلب موسى من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه، فقال: يا رب إني أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتها الآن، فأوحى الله إليه: يا موسى، أما علمت أن قولك ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج». وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوّة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته، وقرأ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ }»تفسير : ، وفي إسناده عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس. قال أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح حديثه. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن أنس نحوه موقوفاً. وأخرج البيهقي في الشعب عنه نحوه مرفوعاً. وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال لي نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت: نعم، قال: أن تقول: لا قوّة إلا بالله»تفسير : . وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوّة إلاّ بالله»تفسير : ، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } قال: مثل الجرز. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَاء } قال: عذاباً {فتصبح صعيداً زلقاً} أي: قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } أي: ذاهباً قد غار في الأرض {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } قال: يصفق {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } متلهفاً على ما فاته.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين} الجنة: البستان، فإذا جمع العنب والنخل وكان تحتها زرع فهي أجمل الجنان وأجداها نفعاً، لثمر أعاليها وزرع أسافلها، وهو معنى قوله {وجعلنا بينهما رزعاً}. {كلتا الجَنتين آتت أكلُها} أي ثمرها وزرعها، وسماه أكُلاً لأنه مأكول. {ولم تظلم منه شيئاً} أي استكمل جميع ثمارها وزرعها. {وفجرنا خِلالهما نهراً} يعني أن فيهما أنهاراً من الماء، فيكون ثمرها وزرعها بدوام الماء فيهما أو في وأروى، وهذه غاية الصفات فيما يجدي ويغل. وفي ضرب المثل في هاتين الجنتين قولان: أحدهما: ما حكاه مقاتل بن سليمان أنه إخبار الله تعالى عن أخوين كانا في بني إسرائيل ورثا عن أبيهما مالاً جزيلاً، قال ابن عباس ثمانية آلاف دينار. فأخذ أحدهما حقه وهو مؤمن فتقرب به إلى الله تعالى، وأخذ الآخر حقه منه وهو كافر فتملك به ضياعاً منها هاتان الجنتان، ولم يتقرب إلى الله تعالى بشيء منه، فكان من حاله ما ذكره الله من بعد، فجعله الله تعالى مثلاً لهذه الأمة. والقول الثاني: أنه مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة، وليس بخبر عن حال متقدمة، ليزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، وجعله زجراً وإنذاراً. قوله عز وجل: {وكان له ثمرٌ} قرأ عاصم بفتح الثاء والميم، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ الباقون ثُمُر بضم الثاء والميم. وفي اختلاف هاتين القراءتين بالضم والفتح قولان: أحدهما: معناهما واحد، فعلى هذا فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه الذهب والفضة، قاله قتادة، لأنها أموال مثمرة. الثاني:أنه المال الكثير من صنوف الأموال، قاله ابن عباس لأن تثميره أكثر الثالث: أنه الأصل الذي له نماء، قاله ابن زيد، لأن في النماء تثميراً. والقول الثاني: أن معناهما بالضم وبالفتح مختلف، فعلى هذا في الفرق. بينهما، أربعة أوجه: أحدها: أنه بالفتح جمع ثمرة، وبالضم جمع ثمار. الثاني: أنه بالفتح ثمار النخيل خاصة، وبالضم جميع الأموال، قاله ابن بحر. الثالث: أنه بالفتح ما كان ثماره من أصله، وبالضم ما كان ثماره من غيره. الرابع: أن الثمر بالضم الأصل، وبالفتح الفرع، قاله ابن زيد. وفي هذا الثمر المذكور قولان: أحدهما: أنه ثمر الجنتين المتقدم ذكرهما، وهو قول الجمهور. الثاني: أنه ثمر ملكه من غير جنتيه، وأصله كان لغيره كما يملك الناس ثماراً لا يملكون أصولها، قاله ابن عباس، ليجتمع في ملكه ثمار أمواله وثمار غير أمواله فيكون أعم مِلكا. {فقال لصاحبه} يعني لأخيه المسلم الذي صرف ماله في القُرب طلباً للثواب في الآخرة، وصرف هذا الكافر ماله فيما استبقاه للدنيا والمكاثرة. {وهو يحاوره} أي يناظره، وفيما يحاوره فيه وجهان: أحدهما: في الإيمان والكفر. الثاني: في طلب الدنيا وطلب الآخرة، فجرى بينهما ما قصة الله تعالى من قولهما.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {لهم} عائد على الطائفة المتجبرة التي أرادت من النبي عليه السلام أن يطرد فقراء المؤمنين {أية : الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} تفسير : [الكهف: 28] وعلى أولئك الداعين أيضاً، فالمثل مضروب للطائفتين، إذ الرجل الكافر صاحب الجنتين هو بإزاء متجبر في قريش أو بني تميم على الخلاف المذكور أولاً، والرجل المؤمن المقر بالربوبية، هو بإزاء بلال وعمار وصهيب وأقرانهم {وحففناهما} بمعنى وجعلنا ذلك لها من كل جهة، تقول حفك الله بخير: أي عمك به من جهاتك، و"الحفاف" الجانب من السرير والفدان ونحوه، وظاهر هذا المثل أنه بأمر وقع وكان موجوداً، وعلى ذلك فسره أكثر أهل هذا التأويل، ويحتمل أن يكون مضروباً بمن هذه صفته وإن لم يقع ذلك في وجود قط، والأول أظهر، وروي في ذلك أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل، ورثا أربعة آلاف دينار فصنع أحدهما بماله ما ذكر واشترى عبيداً وتزوج وأثرى؛ وأنفق الآخر ماله في طاعات الله عز وجل حتى افتقر، والتقيا ففخر الغني ووبخ المؤمن، فجرت بينهما هذه المحاورة، روي أنهما كانا شريكين حدادين، كسبا مالاً كثيراً وصنعا نحو ما روي في أمر الأخوين، فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه، وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد، أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين، فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفق في طاعة الله حتى عيره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة، قال: فغرقها الله في ليلة وإياها عنى بهذه الآية، وفي بسط قصصهما طول فاختصرته واقتصرت على معناه لقلة صحته، ولأن في هذا ما يفي بفهم الآية، وتأمل هذه الهيئة التي ذكر الله، فإن المرء لا يكاد يتخيل أجمل منها في مكاسب الناس: جنتا عنب أحاط بهما نخل، بينهما فسحة، هي مزدرع لجميع الحبوب، والماء الغيل يسقى جميع ذلك من النهر الذي قد جمل هذا المنظر، وعظم النفع، وقرب الكد، وأغنى عن النواضح وغيرها. وقرأ الجمهور "كلتا"، وفي مصحف عبد الله "كلا"، والتاء في "كلتا" منقلبة من واو عند سيبويه وهو بالتاء أو بغير التاء اسم مفرد واقع على الشيء المثنى، وليس باسم مثنى، ومعناه كل واحدة منهما و"الأكل" ثمرها الذي يؤكل منها، قال الفراء: وفي قراءة ابن مسعود "كل الجنتين آتى أكله"، وقوله {ولم تظلم منه شيئاً} أي لم تنقص عن العرف الأتم الذي يشبه فيها، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : تظلمني مالي كذا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه تفسير : وقرأ الجمهور "وفجّرنا" بشد الجيم، وقرأ سلام، ويعقوب وعيسى بن عمر. "وفجَرنا" بفتح الجيم دون شد، وقرأ الجمهور "نهْراً" بفتح الهاء. وقرأ أبو السمال، والفياض بن غزوان، وطلحة بن سليمان: "نهْراً" بسكون الهاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن عباس ومجاهد وجماعة قراء المدينة ومكة "ثُمُر" و"بثُمُره" [الكهف: 42] بضم الثاء والميم، جمع ثمار وقرأ أبو عمرو والأعمش وأبو رجاء بسكون الميم فيهما تخفيفاً، وهي في المعنى كالأولى، ويتجه أن يكون جمع ثمرة كبدنة وبدن، وقرأ عاصم "ثَمَر" وبثمره يفتح الميم والثاء فيهما، وهي قراءة أبي جعفر والحسن وجابر بن زيد والحجاج، واختلف المتأولون في "الثمُر" بضم الثاء والميم، فقال ابن عباس وقتادة: "الثُّمُر" جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، ويستشهد لهذا القول ببيت النابغة الذبياني: [البسيط] شعر : وما أثمّر من مال ومن ولد تفسير : وقال مجاهد يراد بها الذهب والفضة خاصة، وقال ابن زيد "الثمُر" هي الأصول التي فيها الثمر. قال القاضي أبو محمد: كأنها ثمار وثمر ككتاب وكتب، وأما من قرأ بفتح الثاء والميم، فلا إشكال في أن المعنى ما في رؤوس الشجر من الأكل، ولكن فصاحة الكلام تقتضي أن يعبر إيجازاً عن هلاك الثمر والأصول بهلاك الثمر فقط، فخصصها بالذكر إذ هي مقصود المستغل، وإذ هلاك الأصول إنما يسوء منه هلاك الثمر الذي كان يرجى في المستقبل كما يقتضي قوله إن له "ثمراً"، إن له أصولاً كذلك تقتضي الإحاطة المطلقة بالثمر، ان الأصول قد هلكت، وفي مصحف أبي "وآتيناه ثمراً كثيراً" وقرأ أبو رجاء "وكان له ثَمر" بفتح الثاء وسكون الميم، والمحاورة مراجعة القول، وهو من حار يحور. واستدل بعض الناس من قوله {وأعز نفراً} على أنه لم يكن أخاه، وقال المناقض أراد بـ "النفر" العبيد والخول، إذ هم الذين ينفرون في رغائبه، وفي هذا الكلام من الكبر والزهو والاغترار ما بيانه يغني عن القول فيه، وهذه المقالة بإزاء قول عيينة والأقرع للنبي صلى الله عليه وسلم نحن سادات العرب وأهل الوبر والمدر، فنح عنا سلمان وقرناءه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} الآية. وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس]، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس. وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة "الصافات" في قوله تعالى: {أية : إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ}تفسير : [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ. وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به. ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به. ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة]، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً. وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل. قوله: {رَّجُلَيْنِ}: قد تقدم أنَّ "ضرب" مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و "جَعلْنَا" تفسير لـ "مَثَل" فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً لـ "رَجُليْنِ" كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ. قوله: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط] شعر : 3523- يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ تفسير : وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به. والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل. قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر]. قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ. والمقصود منه أمورٌ: الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه. والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض. والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصلة. قوله: {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ}: قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم "كلتا" وهي مبتدأ، و "آتتْ" خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها. وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - "كِلا الجنَّتَيْنِ" بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ "آتتْ" بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ "الجَنَّتينِ" فهو نظير "طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ". وروى الفراء عنه قراءة أخرى: "كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ" أعاد الضمير على اللفظ "أكل". واعلم أنَّ لفظ "كل" اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و "كِلْتَا" اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: "جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ"، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً. فصل ومعنى {ءَاتَتْ أُكُلَهَا} أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين {أُكُلَهَا} ثمرها تامًّا، {وَلَمْ تَظْلِم} لم تنقص، {مِّنْهُ شَيْئاً} والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي. قوله: "وفجَّرنَا" العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12]، والتشديد هناك أظهر لقوله "عُيُوناً". والعامة على فتح هاء "نهر" وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها. قوله: {وَكَانَ لَهُ} أي: لصاحب البستان. قوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}: قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99]، وتقدَّم أنَّ "الثُّمُرَ" بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط] شعر : 3524- مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ تفسير : وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة. "فقال" يعني صاحب البستان "لصاحبه" أي المؤمن. "وهو يُحَاوِرهُ" أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: {أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} تفسير : [الإنشقاق: 14]. وقال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3525- ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ تفسير : ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول. قوله: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}. والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً. وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: {أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً}. قوله: {جَنَّتَهُ}: إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفي بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل] شعر : 3526- فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا سُمِلتْ بِشوْكٍ فهي عُورٌ تَدْمَعُ تفسير : ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في "سُمِلَتْ" وفي "فهي" يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم. وقال الزمخشري: "فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما". فصل قال أبو حيان: "ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ". قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله "ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة" معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول. وقال أبو البقاء: "إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد". قوله: "وهُو ظَالِمٌ" حال من فاعل "دَخلَ"، وقوله "لنَفْسهِ" مفعول "ظَالِمٌ" واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً. قوله: {مَآ أَظُنُّ} فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم. والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في "ظَالِمٌ"، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً. قوله: "أنْ تَبِيدَ" أي: تهلك، قال: [المقتضب] شعر : 3527- فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ لبِما كَانَ يُوهَلُ تفسير : ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل "كَيْنُونة" والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة. قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً}. قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} فجمع بين كفرين. الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً. والثاني: إنكار البعث. فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟. فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50]. وقوله: {أية : لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77]. فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟. فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها. والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج. وقرأ أبو عمرو والكوفيون "مِنْهَا" بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: "جنَّتهُ" وهي في مصاحف العراق، دون ميمٍ، والباقون "مِنْهُما" بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: "جَنَّتيْنِ" و "كِلتَا الجنَّتيْنِ" ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه. قوله: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} أي المسلم. قوله: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ. ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء]، وجب أن يقدر على الإعادة. وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟!. قوله: {مِن نُّطْفَةٍ} النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: "حديث : فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ"تفسير : وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ "نُطفَةٌ" تشبيهاً بذلك. قوله: "رجُلاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد "سوَّاك" إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: "خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا" وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3528- فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ تفسير : والثاني: أنه مفعول ثانٍ لـ "سَوَّاكَ" لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ. قوله: {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي}: قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ. والأصل في هذه الكلمة: "لكن أنّا" فنقل حركة همزة "أنَا" إلى نون "لكِنْ" وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة "أنا" [اعتباطاً]، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف "أنّا" وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة. وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما]، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً. وإعراب ذلك: أن يكون "أنَا" مبتدأ، و "هو" مبتدأ ثانٍ، و "هو" ضمير الشأن، و "اللهُ" مبتدأ ثالث و "ربِّي" خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، و الثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في "ربِّي" ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من "هُوَ" أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل "هو" عائداً على ما تقدَّم من قوله "بالذي خلقك من تراب" لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن. وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون "لكِنَّا" "لكنَّ" واسمها وهو "نا" والأصل: "لكنَّنا" فحذف إحدى النونات؛ نحو: {أية : إنَّا نَحْنُ}تفسير : [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون "ربُّنا" "ولا نُشرِكُ بربِّنا" قال: "ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد" وهو غريبٌ جدًّا. قال الكسائيُّ: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: "لكنَّ الله هُوَ ربِّي". وقرأ أبو عمرو "لكنَّهْ" بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون "أنَا" فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء] شعر : 3529- هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ تفسير : وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون "لكنَّه هو الله" بضمير لحق "لكن" قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً لـ "لكِنْ" وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون "هو" مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر "لكنَّ" ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم "لكنَّ" من هذه الجملة الواقعة خبراً. وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون "لكنَّ" مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع. وقرأ عبد الله "لكنْ أنَا هُوَ" على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه "لكنْ هُو الله" بغير "أنا". وقرىء أيضاً "لكننا". وقال الزمخشريُّ: "وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة" ونحوه - يعني إدغام نون "لكن" في نون "نَا" بعد حذف الهمزة - قول القائل: شعر : 3530- وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي تفسير : الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: "ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم "لكنَّ" [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله: شعر : 3531- فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ تفسير : أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك" قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره. ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر "لكنَّ" وهو: [الطويل] شعر : 3533-.............. ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ تفسير : فأدخل اللام في خبر "لكنَّ" وخرَّجه البصريون على أن الأصل: "ولكن من حُبِّها" في قوله: "ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ"، فأدغم اللام في خبر "لكنَّ"، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة "إنِّي" إلى نون "لكن" بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر "إنَّ"، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ. والاستدراك من قوله "أكَفرْتَ" كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: "زَيْدٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ" لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً. فصل في المقصود بالشرك في الآية معنى {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}. ذكر القفال فيه وجهين: الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال]، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى. الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك. قوله: {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}: "لولا" تحضيضيَّةٌ داخلة على "قلت" و "إذْ دَخلْتَ" منصوب بـ "قُلْتَ" فصل به بين "لوْلاَ" وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ. ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان. {مَا شَآءَ ٱللَّهُ} يجوز في "مَا" وجهان: الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً بـ "شاء" أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم. والثاني: أنها موصولة بمعنى "الذي" وفيها حينئذ وجهان: أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ. والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر، تقديره: الأمر الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول. قوله: "إلاَّ الله" خبر "لا" التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين. فإن قيل: معنى {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله. روى هشامُ بن عروة عن أبيه: "أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله". فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ} على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة. فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية [ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: "مَا شَاءَ الله" ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه. واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك]، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر إلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ. ومثله: {أية : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} تفسير : [الكهف: 22]، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: {أية : وَقُولُواْ حِطَّةٌ} تفسير : [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ. فصل قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل. وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره. ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً}. واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: {وَأَعَزُّ نَفَراً} الأعوان والأولاد. وقوله: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ} يجوز في "أنا" وجهان: أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم. والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و "أقلَّ" مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في "أنَا" أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر. وقرأ عيسى بن عمر "أقلُّ" بالرفع، ويتعيَّن أن يكون "أنا" مبتدأ، و "أقلُّ" خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية. و "مَالاً وولداً" تمييزٌ، وجواب الشرط قوله "فعَسَى ربِّي". قوله: {حُسْبَانًا}: الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: "أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك" وهو حسن. فصل في معنى الحسبان قال الراغب: "قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه" وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: "والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها". وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ. وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار. قوله: {أَوْ يُصْبِحَ}: عطف على "يُرْسلَ" قال أبو حيَّان: و "أوْ يُصْبِحَ" عطفٌ على قوله: "ويُرْسِلَ" لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ]؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً. والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة. والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب في الأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة "غُؤوراً" بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً. فصل في معنى قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} معنى قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام. وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض. {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل. قوله: {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه. ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : [يوسف: 66]. قوله: {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ}: قُرىء "تَقلَّبُ كفَّاهُ"، أي: تتقلَّب كفَّاه، و "أصْبحَ": يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى "صار" وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك. قوله: {عَلَى مَآ أَنفَقَ} يجوز أن يتعلق بـ "يُقلِّبُ" وإنما عدِّي بـ "عَلَى" لأنه ضمِّن معنى "يَندَمُ". وقوله: "فيها"، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل "يُقلِّبُ" أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ. قوله: "ويَقُولُ" يجوز أن يكون معطوفاً على "يُقلِّبُ" ويجوز أن يكون حالاً. فصل في كيفية الإحاطة قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، {فَأَصْبَحَ} صاحبها الكافر {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ}، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً {عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ} ساقطة {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها. ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها. قوله: {وَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}. والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك. فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 33]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ ". تفسير : وأيضاً: فلما قال: {يَٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ}؟. فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين. والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده. قوله: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ}: قرأ الأخوان ["يَكُنْ"] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل. قوله: "يَنْصُرونَهُ" يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة لـ "فئةٍ" إذا جعلنا الخبر الجارَّ. وقال: "يَنْصُرونَهُ" حملاً على معنى "فِئةٍ" لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: {أية : فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ} تفسير : [آل عمران: 13]. وقرأ ابن أبي عبلة: "تَنْصرُهُ" على اللفظ، قال أبو البقاء: "ولو كان "تَنْصرهُ" لكان على اللفظ". قال شهاب الدين: قد قرىء بذلك، كما عرفت. [قال بعضهم]: ومعنى "يَنْصُرونَهُ" يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله {وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا} ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه. قوله: {هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ}: يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله "مُنْتَصِراً" وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه: الأول: أن يكون "هنالك الولايةُ" مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و "لله" متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو بمحذوفٍ على أنه حال من "الوَلاية" وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ. والثاني: أن يكون "هُنالِكَ" منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر "الولاية" وهو "لله" أو بما تعلق به "لله" أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في "لله" عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس "الوَلايَةِ". والثالث: أن يجعل "هُنالِكَ" هو الخبر، و "لله" فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول. ويجوز أن يكون "هُنالِكَ" من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ لـ "مُنْتَصِراً"، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و "هُنالِكَ" إشارة إليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على "هُنالِكَ" تامًّا، والابتداء بقوله "الوَلايَةُ لله" فتكون جملة من مبتدأ وخبر. والظاهر في "هُنالِكَ": أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته. وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ "فعالة" إنما تجيء فيما كان صنعة أو معنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ. فصل في لغات الولاية ومعانيها قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك. وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة. قوله: "الحَقِّ" قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع "الحقُّ" والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه: الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ "هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ". والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك. الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه. والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله "ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ". وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب "الحقَّ" نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك "هذَا قَوْلُ الله الحق" وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل. قوله: "عُقباً" قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضَّم، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب "ثَواباً" و {أَمَلاً} [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرىء "عُقْبَى" بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم. فصل في نظم الآية اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: {هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ} أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم. فقوله: "هُنالِكَ" إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه. وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجىء إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: {يَٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} فكأنه ألجأ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها. وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم]، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم]، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: {فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. ويعضده قوله: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً} أي: لأوليائه، وقيل: "هُنالِكَ" إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وقوله: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً} أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، و التجأ إليه، {وَخَيْرٌ عُقْباً} أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.

البقاعي

تفسير : ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل، وكان قد تقدم قولهم {أية : أو يكون لك جنة من نخيل وعنب}تفسير : [ الإسراء: 91] الآية، وقوله تعالى: { أية : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } تفسير : [الكهف:7] الآية، وقوله تعالى: في حق فقراء المؤمنين الذين تقذروهم { أية : ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} تفسير : [الكهف: 28] الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق، عطف على قوله تعالى{ أية : وقل الحق من ربكم} تفسير : [الكهف: 29] قوله تعالى كاشفاً بضرب المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلاً لأن يفتخر به لأنه إلى زوال: {واضرب لهم} أي لهؤلاء الضعفاء والمتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين، ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم: {مثلاً} لما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا، فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه، بل أداهم إلى الافتقار والتكبر على من زوى ذلك عنه إكراماً له وصيانة عنه {رجلين} فكأنه قيل: فما مثلهما؟ فقيل: {جعلنا} أي بما لنا من العظمة {لأحدهما} وهو المجعول مثلاً لهم {جنتين} أي بساتين يستر ما فيهما من الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا، ومن جملة الأوضاع أن تكون إحداهما من السهل والأخرى في الجبل، ليبعد عموم عاهة لهما لأنها إما من برد أو حر {من أعناب} لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر، وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها {وحففناهما} أي حططناهما بعظمتنا {بنخل} لأنها من أشجار البلاد الحارة، وتصبر على البرد، وربما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات، وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب، وهو مما يؤثره الدهاقين لأنه في غاية البهجة والمنفعة {وجعلنا بينهما} أي أرضي الجنتين {زرعاً *} لبعد شمول الآفة للكل، لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان أثمار الشجر المقدم ومكانه، وذلك هو العمدة في القوت، فكانت الجنتان أرضاً جامعة لخير الفواكه وأفضل الأقوات، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع سعة الأطراف، وتباعد الأكناف، وحسن الهيئات والأوصاف. ولما كان الشجر قد يكون فاسداً من جهة أرضه، نفى ذلك بقوله تعالى؛ جواباً لمن كأنه قال: ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرهما؟: {كلتا} أي كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {ءاتت أكلها} أي ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب، كاملاً غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة، وهو معنى: {ولم تظلم} أي تنقص حساً ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه {منه شيئاً}. ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى: {وفجرنا} أي تفجيراً يناسب عظمتنا {خلالهما نهراً *} أي يمتد فيتشعب فيكون كالأنهار لتدوم طراوة الأرض ويستغني عن المطر عند القحط؛ ثم زاد في ضخامة هذا الرجل فبين أن له غير هاتين الجنتين والزرع بقوله تعالى: {وكان له} أي صاحب الجنتين {ثمر} أي مال مثمر غير ما تقدم كثير، ذو أنواع ليكون متمكناً من العمارة بالأعوان والآلات وجميع ما يريد {فقال} أي هذا الكافر {لصاحبه} أي المسلم المجعول مثلاً لفقراء المؤمنين {وهو} أي صاحب الجنان {يحاوره} أي يراجعه الكلام، من حار يحور - إذا رجع افتخاراً عليه وتقبيحاً لحاله بالنسبة إليه، والمسلم يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا: {أنا أكثر منك مالاً} لما ترى من جناني وثماري {وأعز نفراً *} أي ناساً يقومون معي في المهمات، وينفرون عند الضرورات، لأن ذلك لازم لكثرة المال {ودخل جنته} وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة {وهو} أي والحال أنه {ظالم لنفسه} بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله: {قال} لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة: {ما أظن أن تبيد} أي تهلك هلاكاً ظاهراً مستولياً {هذه أبداً *} ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال: {وما أظن الساعة قائمة} استلذاذاً بما هو فيه وإخلاداً إليه واعتماداً عليه. ولما كان الإنسان مجبولاً على غلبة الرجاء عليه، فإذا حصل له من دواعي الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه، ويثبت أصوله ويقويه، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى لا يتلاشى فكان عدماً، فقال تعالى حاكياً عن هذا الكافر ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسماً: {ولئن رددت} أي ردني راد {إلى ربي} المحسن إلي في هذه الدار، في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك {لأجدن خيراً منها } أي هذه الجنة؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر بالتثنية للجنتين {منقلباً *} أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه، لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي، وهو وصف لي غير منفك في الدارين، وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، فكأنه قيل: إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات، ولم يجوز أن يكون التمويل استدراجاً، فما قال له الآخر؟ فقيل: {قال له صاحبه وهو} أي والحال إن ذلك الصاحب {يحاوره} منكراً عليه: {أكفرت}. ولما كان كفره بإنكار البعث، دل عليه بقوله تعالى: {بالذي خلقك من تراب} بخلق أصلك {ثم من نطفة} متولدة من أغذية أصلها تراب {ثم سواك} بعد أن أولدك وطورك في أطوار النشأة {رجلاً *} حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ خلقهم على هذا الوجه تكذيباً للرسل واستقصاراً للقدرة، ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء، ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك، وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع، ونسبته إلى العبث الذي لا يرضاه عاقل إذ جعلت غاية هذا الخلق البديع في هذا التطوير العظيم الموت الذي لو كان غاية كما زعمت - لفوّت على المطيع الثواب، وعلى العاصي العقاب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب‏} ‏ قال‏:‏ إن الجنة هي البستان، فكان له بستان واحد وجدار واحد، وكان بينهما نهر ولذلك كان جنتين، فلذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي يليها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال‏:‏ نهر أبي فرطس نهر الجنتين‏.‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ وهو نهر مشهور بالرملة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا‏ً} ‏ قال‏:‏ لم تنقص، كل شجر الجنة أطعم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وفجرنا خلالهما نهرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ وسطهما‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان له ثمر‏}‏ يقول‏:‏ مال‏. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ قرأها ابن عباس ‏ {‏وكان له ثمر‏} ‏ بالضم، يعني أنواع المال‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان له ثمر‏}‏ قال‏:‏ ذهب وفضة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن بشير بن عبيد، أنه كان قرأ ‏{‏وكان له ثمر‏} ‏ برفع الثاء، وقال‏:‏ الثمر، المال والولدان والرقيق‏.‏ والثمر‏:‏ الفاكهة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي يزيد المدني، أنه كان يقرؤها ‏ {‏وكان له ثمر‏} ‏ قال‏:‏ الأصل والثمر، الثمرة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ودخل جنته وهو ظالم لنفسه‏} ‏ يقول كفور لنعمة ربه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا‏ً} ‏ يقول‏:‏ تهلك ‏ {‏وما أظن الساعة قائمة ولئن‏} ‏ كانت قائمة ثم ‏ {‏رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً‏} ‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُم} أي للفريقين الكافر والمؤمن {مَثَلاً رَّجُلَيْنِ} مفعولان لاضربْ أولُهما ثانيهما لأنه المحتاجُ إلى التفصيل والبـيان أي اضرب للكافرين والمؤمنين ـ لا من حيث أحوالُهما المستفادةُ مما ذكر آنفاً من أن للأولين في الآخرة كذا بل من حيث عصيانُ الأولين مع تقلبهم في نعم الله تعالى وطاعةِ الآخرين مع مكابدتهم مشاقَّ الفقر مثلاً ـ حالَ رجلين مقدرَين أو محققَين هما أخوان من بني إسرائيلَ أو شريكان: كافرٌ اسمُه قطروس ومؤمنٌ اسمه يهوذا اقتسما ثمانيةَ آلافِ دينار فاشترى الكافرُ بنصيبه ضِياعاً وعَقاراً وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه المبارِّ فآل أمرُهما إلى ما حكاه الله تعالى، وقيل: هما أخوان من بني مخزومٍ كافرٌ هو الأسودُ بن عبد اللَّه بن عبد الأسد زوجُ أم سلمة رضي الله عنها أولاً {جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا} وهو الكافر {جَنَّتَيْنِ} بساتين {مّنْ أَعْنَـٰبٍ} من كروم متنوعة والجملة بتمامها بـيانٌ للتمثيل أو صفةٌ لرجلين {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي جعلنا النخل محيطةً بهما مؤزَّراً بها كرومُهما، يقال: حفّه القومُ إذا طافوا به وحففتُه بهم جعلتُهم حافّين حوله فيزيده الباء مفعولاً آخر كقولك: غشَّيتُه به {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} وسطهما {زَرْعًا} ليكون كلٌّ منهما جامعاً للأقوات والفواكهِ متواصلَ العِمارة على الهيئة الرائقةِ والوضعِ الأنيق. {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ثمرَها وبلغت مبلغاً صالحاً للأكل، وقرىء بسكون الكاف، وقرىء كلُّ الجنتين آتى أكُلَه {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ} لم تنقُص من أُكُلها {شَيْئاً} كما يعهد ذلك في سائر البساتينِ فإن الثمارَ غالباً تكثُر في عام وتقِلُّ في آخر، وكذا بعضُ الأشجارِ يأتي بالثمر في بعض الأعوامِ دون بعض {وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا} فيما بـين كلَ من الجنتين {نَهَراً} على حِدَة ليدوم شربُهما ويزيد بهاؤهما، وقرىء بالتخفيف ولعل تأخير ذكر تفجيرِ النهر عن ذكر إيتاءِ الأكلِ مع أن الترتيب الخارجيَّ على العكس للإيذان باستقلال كلَ من إيتاء الأكل وتفجيرِ النهر في تكميل محاسنِ الجنتين كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عُكس لانفهم أن المجموعَ خَصلةٌ واحدة بعضُها مترتبٌ على بعض فإن إيتاءَ الأكلِ متفرِّعٌ على السقْي عادةً، وفيه إيماءٌ إلى أن إيتاء الأكلِ لا يتوقف على السقى كقوله تعالى: { أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}تفسير : [النور: 35]. {وَكَانَ لَهُ} لصاحب الجنتين {ثَمَرٌ} أنواعٌ من المال غيرُ الجنتين، من ثمر مالَه إذا كثّره، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو جميعُ المال من الذهب والفضة والحيوانِ وغير ذلك، وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضة خاصة {فَقَالَ لَصَـٰحِبِهِ} المؤمن {وَهُوَ} أي القائلُ {يُحَـٰوِرُهُ} أي صاحبَه المؤمنَ وإن جاز العكسُ أي يراجعه في الكلام من حار إذا رجع {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} حشَماً وأعواناً أو أولاداً ذُكوراً لأنهم الذين ينفِرون معه.

القشيري

تفسير : أخبر أنه خَلَقَ رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذَكَرَه، فَشَكَرَ أحدُهما لخالقِه وكَفَرَ الآخرُ برازقه، فأصبح الكافرُ وجنَّتُه أصابتها جائحةٌ، وندم على ما ضَيَّعَه من الشكر، وتوجَّه عليه اللومُ. وفي الإشارة يخلق عَبْدين يُطَيِّبُ لهما الوقت، ويُمَهِّدُ لهما بساط اللطف، ويمكِّن لهما من البَسْط.. فيستقيم أَحَدهُما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحُسْن المنازلة وصدق المعاملة، فتميز له المجاهدةُ ثمراتِ أحسن الأخلاق فيعالجها بحسنِ الاستقامة، ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية، ثم يُخْتَطَفُ عنها بما يُكاشفُ به من حقائق التوحيد، ويصبح مُنْتفًى عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق. والثاني لا يُقَدِّرُ قَدْرَ ما أَهَّلَ له من حُسْن البداية فيرجِعُ إلى مألوفاتِه، فينتكِسُ أمرُه، بانحطاطه إلى ذميم عاداته، فيرتدُّ عن سلوك الطريقة ويتردَّى في ظلْمَهِ الغفلة؛ فيصيرُ وقتُه ليلاً مظلماً، ويتطوحُ في أودية التفرقة، ويُوسَمُ الطرد، ويُسْقى شرابَ الإهانة، وينخرطُ في سلك الهَجْرِ... وذلك جزاءُ مَنْ لم يَرَهُم الحقُّ لو صلته أَهْلاً، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أَصْلاً: شعر : تبدَّلَتْ وتبدلنا يا حسرةً لِمَنْ ابتغى عوضاً لسلمى فلم يَجِدِ

اسماعيل حقي

تفسير : {واضرب لهم مثلا رجلين} مفعولان لاضرب اولهما ثانيهما لانه المحتاج الى التفصيل والبيان اى اضرب يا محمد وبين للكافرين المتقلبين فى نعم الله والمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر مثلا حال من رجلين مقدرين او اخوين من بنى اسرائيل. قال فى الجلالين يريد ابنى ملك كان فى بنى اسرائيل. قال ابو حيان ويظهر فى قوله {فقال لصاحبه} انه ليس اخاه انتهى. يقول الفقير هذا ذهول عن عنوان الكلام اذ التعبير عنهما برجلين يصحح اطلاق الصاحب على الاخ وايضا اخذ الكافر بيد اخيه المسلم وادخاله اياه جنته طائفا به فيما يأتى مما ينادى على صحة ما ادعيناه اذ لا تنافى هذه الصحبة الاخوة وكل منهما من اخص الاوصاف قالوا كان احد الاخوين مؤمنا واسمه يهودا والاخر كافرا واسمه قطروس بضم القاف ورثا من ابيهما ثمانية آلاف دينار فتقاسماها بينهما فاشترى الكافر ارضا بالف دينار وبنى دارا بالف دينار وتزوج امرأة بالف واشترى خدما ومتاعا بالف فقال المؤمن اللهم ان اخى اشترى ارضا بالف دينار وانا اشترى منك ارضا فى الجنة فتصدق به وان اخى بنى دارا بالف دينار وانا اشترى منك دارا فى الجنة فتصدق به وان اخى تزوج امرأة بالف وانا اجعل الفاء صداقا للحور فتصدق به وان اخى اشترى خدما ومتاعا بالف وانا اشترى منك الولدان المخلدين بالف فتصدق به ثم اصابته حاجة فجلس لاخيه على طريقه فمر به فى حشمه فقام اليه فنظر اليه وقال ما شأنك قال اصابتنى حاجة فاتيت لتصيبنى بخير فقال وما فعلت بمالك وقد اقتسمنا مالا واخذت شطره فقص عليه القصص قال انك اذا لمن المتصدقين بهذا اذهب فلا أعطينك شيئا فطرده ووبخه على التصدق بماله {جعلنا لاحدهما} وهو الكافر {جنتين} بستانين {من اعناب} من كروم متنوعة فاطلاق الاعناب عليها مجازا ويجوز ان يكون بتقدير المضاف اى اشجار اعناب {وحففناهما بنخل} اى جعلنا النخل محيطة بالجنتين ملفوفا بها كرومهما وبالفارسية [يعنى درختان خرما كردا كرد در آورديم] يقال حفه القوم اذا طافوا به اى استداروا وحففته بهم اى جعلتهم جافين حوله وهو متعد الى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا مثل غشيته وغشيته به {وجعلنا بينهما} وسطهما يعنى [بيدا كرديم ميان آن دوباغ] {زرعا} ليكون كل منهما جامعا للاقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والترتيب الانيق.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {رجلين}: بدل من "مثلاً"، وجملة {جعلنا...} بتمامها: بيان للتمثيل، أو صفة لرجلين، و {ما شاء الله}: خبر، أي: هذا ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ حُذف الخبر، أي: الذي شاء الله كائن، أو شرطية، والجواب محذوف، أيْ: أيّ شيء شاء الله كان، و {هنالك}: ظرف مقدم، و {الولاية}: مبتدأ، والظرف: إشارة إلى الآخرة، وهذا أحسن. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واضربْ لهم} أي: للفريقين؛ فريق المؤمنين والكافرين المتقدمين، {مَّثَلاً}؛ من حيث عصيان الكافر، مع تقلبه في النعيم، وطاعة المؤمن، مع مكابدته مَشَاقَّ الفقر، وما كان مآلهما، لا من حيث ما ذكر من أن للكافر في الآخرة كذا وللمؤمن كذا، أي: واضرب لهم حالي {رجُلَيْن} مقدرين أو محققين، هما أخوان من بني إسرائيل، أو شريكان: كافر، واسمه قُطروس، ومؤمن، اسمه يهوذا، اقتسما ثمانية آلاف دينار، أو ورثَاها من أبيهما، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعًا وعقارًا، وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه البر. رُوِيَ: أن الكافر اشترى أرضًا بألف دينار، فقال صاحبه المؤمن: اللهم إن فلانًا اشترى أرضًا بألف، وإني أشتري منك أرضًا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه بنى دارًا بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم إن صاحبي بنى دارًا بألف، وإني أشتري منك دارًا في الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه تزوج امرأة بألف دينار، فقال: اللهم، إن فلانًا تزوج بألف دينار، وإني أخطب منك من نساء الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم إن صاحبه اشترى خادمًا ومتاعًا بألف دينار، فقال: اللهم إن فلاناً اشترى خادماً ومتاعاً بألف، وإني أشتري منك خادماً ومتاعاً من الجنة بألف، فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة، فقال: لعل صاحبي يُناولني معروفه، فأتاه، فقال: ما فعل مالك؟ فأخبره قصته، فقال: أو إنك لمن المصدقين بهذا؟ والله لا أعطيك شيئًا، فلما تُوفيا آل أمرهما إلى ما ذكر الله في سورة الصافات بقوله: {أية : قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ}تفسير : [الصافات: 51، 52] الآية. وبيَّن حالهما في الدنيا بقوله: {جعلنا لأحدهما} وهو الكافر، {جنتين}: بساتين {من أعنابٍ}: من كروم متنوعة، {وحفَفناهما بنَخْلٍ} أي: جعلنا النخل محيطة بهما محفوظًا بها كرومهما، {وجعلنا بينهما}: وسطهما {زرعًا}؛ ليكون كل منهما جامعًا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة، على الهيئة الرائقة، والوضع الأنيق. {كلتا الجنتين آتت أُكُلَها}: ثمرها وبلغ مبلغًا صالحًا للأكل، {ولم تَظْلِم منه شيئًا} أي: لم تنقص من أكلها شيئًا في كل سنة، بخلاف سائر البساتين، فإن الثمار غالبًا تكثر في عام وتقل في عام، {وفجَّرْنا خِلالهما}: فيما بين كل من الجنتين {نَهَرًا} على حدةٍ، وقرئ بالسكون. والنهر: الماء الكثير، وكان لكل بستان نهر؛ ليدوم شربها ويدوم بهاؤها. ولعل تأخير تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل، مع أن الترتيب الخارجي العكس؛ للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، كما في قصة البقرة ونحوها، ولو عكس لأوهم أن المجموع خصلة واحدة بعضها مرتب على بعض. {وكان له ثمرٌ} أي: وكان لصاحب الجنتين أنواع من المال غير الجنتين، من ثَمُرَ مالُه: إذا كثر. قال ابن عباس: الثمر: جميع المال؛ من الذهب، والفضة والحيوان، وغير ذلك. وقال مجاهد: هو الذهب والفضة خاصة. {فقال لصاحبه} المؤمن، أخيه أو شريكه، {وهو يُحاوره}: يراجعه في الكلام، من حَار إذا رجع، وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه، فقال: قدمتُه بين يدي، لأقدم عليه، فقال له: {أنا أكثرُ منك مالاً وأعزُ نفرًا}: حَشمًا وأعوانًا وأولادًا ذكورًا؛ لأنهم الذين ينفرون معه. {ودخل جَنَّتَهُ}: بستانه الذي تقدم وصفه، وإنما وحده؛ إما لعدم تعلق الغرض بتعدده، أو لاتصال أحدهما بالآخر، أو لأن الدخول يكون في واحدٍ واحد. فدخله {وهو ظالمٌ لنفسه}؛ ضارُّ لها بعُجْبه وكفره، {قال} حين دخوله: {ما أظنُ أن تَبِيدَ هذه} الجنة، أي: تفنى {أبدًا}؛ لطول أمده وتمادي غفلته، وإنكارًا لفناء الدنيا وقيام الساعة، ولذلك قال: {وما أظنُّ الساعة قائمةً} أي: كائنة فيما سيأتي، {ولئن رُدِدتُ إِلى ربي}؛ بالبعث عند قيامها، كما تقول، {لأجدنَّ} حينئذ {خيرًا منها}: من الجنتين {مُنقلبًا} أي: مرجعًا وعاقبة، أي: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني أفضل منه في الآخرة، ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة: اعتقاد أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا؛ لاستحقاقه لذاتِهِ، وكرامته عليه، ولم يَدْرِ أن ذلك استدراج. {قال له صاحبه}؛ أخوه المسلم {وهو يُحاوره أكفرتَ بالذي خلقك} أي: أصلك {من ترابٍ}، فإن خلق آدم عليه السلام من تراب متضمن لخلق أولاده منه؛ إذ لم تكن فطرته مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجًا منطويًا على فطرة سائر أفراد الجنس، انطواءً مجانسًا مُستتْبعًا لجريان آثارها على الكل، فكان خلْقُه عليه السلام من تراب خلقًا للكل منه، {ثم من نطفة} هي مادتك القريبة، {ثم سَوَّاك رجلاً} أي: عدلك وكملك إنسانًا ذكرًا، أو صيرك رجلاً، وفي التعبير بالموصول مع صلته: تلويح بدليل البعث الذي نطق به قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحَجّ: 5]. قال البيضاوي: جعل كفره بالبعث كفرًا بالله؛ لأنه منشأ الشك في كمال قدرة الله، ولذلك رتَّب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن مَنْ قدر على إبداء خلقه منه قدر أن يعيده منه. هـ. ثم قال أخوه المسلم: {لَكِنَّا} أصله: لكن أنا، وقُرئ به، فحُذفت الهمزة، فالتقت النونان فوقع الإدغام، {هو الله ربِّي}، "هو": ضمير الشأن، مبتدأ، خبره: "هو الله ربي"، وتلك الجملة: خبر "أنا"، والعائد منها: الضمير، وقرئ بإثبات "أنا" في الوصل والوقف، وفي الوقف خاصة، ومدار الاستدراك قوله تعالى: {أكفرت}، كأنه قال: أنت كافر، لكني مؤمن موحد، {ولا أُشركُ بربي أحدًا}، وفيه تنبيه على أن كفره كان بالإشراك. قاله أبو السعود. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: والذي يظهر من قوله: {ولولا إذ دخلت...} الآية، ومن قوله: {يا ليتني لم أشرك...} الآية، أنه إشراك بالله في عدم صرف المشيئة إليه، ودعوى الاستقلال بنفسه دونه، وقد قال وهب بن منبه: (قرأت في تسعين كتابًا من كتب الله أن من وَكل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر)، ثم شكه في البعث تكذيب بوعد الله، وهو كفر صراح. هـ. {ولولا إِذْ دخلتَ جنتك}: بستانك، {قلتَ ما شاء الله} أي: هلاَّ قُلتَ عند دخولها: {ما شاء الله} أي: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله يكون، والمراد: تحضيضه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أخفاها، {لا قوة إِلا بالله} أي: لا قوة لي على عمارتها وتدبير أمرها إلا بمعونة الله وإقداره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ رَأَى شَيْئًا فأعْجَبه فَقَالَ: مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بالله، لَمْ يضُرّهُ شَيءٌ"تفسير : . وقال لأبي هريرة: "حديث : أَلاَ أَدُلُك عَلى كَلِمَةٍ مِن كُنُوزِ الْجَنَّة؟ قَال بَلَى يا رسُول الله، قال: لاَ قوةَ إلاَّ بالله، إن قالها العبد قال اللهُ عَزّ وجلّ: أسْلم عبدي واسْتَسْلم"تفسير : . وقال لعبْدِ اللهِ بْنَ قَيْسٍ: "حديث : ألاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَِّةِ؟ قال: بَلَى، يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "لاَ حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ بالله ". تفسير : ثم قال له أخوه المسلم: {إِن ترنِ أنا أقلَّ منك مالاً وولدًا} في الدنيا، وفيه تقوية لمن فسر النفر بالولد، {فعسى ربي أن يُؤتين} في الآخرة أو في الدنيا {خيرًا من جنتك} والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صُنع الله سبحانه أن يقلب ما بي وبك من الفقر والغنى، فيرزقني جنة خيرًا من جنتك، ويسلبك؛ لكفرك نعمته، ويخرب جنتك، {ويُرسلَ عليها حُسْبانًا}: عذابًا {من السماء} يُذهبها، من بَرَدٍ أو صاعقة، وهو جمع: حُسْبَانة، وهي: المرامي من هذه الأنواع المذكورة، وتطلق أيضًا، في اللغة، على سهام تُرمى دفعة واحدة، {فتُصبح صعيدًا زَلقًا} أي: أرضًا ملساء، يزلق عليها؛ الاستئصال ما عليها من النبات والشجر والبناء، {أو يُصبح ماؤُها} أي: النهر الذي خِلالَها {غَوْرًا}: غائرًا ذاهبًا في الأرض، و "زلقًا" و "غورًا": مصدران، عبَّر بهما عن الوصف؛ مبالغةً. {فلن تستطيعَ له طَلَبًا} أي: لن تستطيع أبدًا للماء الغائر طلبًا، بحيث لا يبقى له أثر يطلبه به، فضلاً عن وجدانه ورده. {وأُحِيطَ بثَمَرِه} أي: هلكت أشجاره المثمرة، وأمواله المعهودة، وأصله: من إحاطة العدو، وهو عطف على مُقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما وقع من المحذور، وأهلكت أمواله، رُوي أن الله تعالى أرسل عليها نارًا فأحرقتها وغار ماؤها. {فأصبح يُقلَّب كفَّيه} ظهرًا لبطن، أو يضرب يديه واحدة على أخرى، يصفق بهما، وهو كناية عن الندم، كأنه قال: فأصبح يندم {على ما أنفق فيها} أي: في عمارتها من الأموال. وجعل تخصيص الندم بها دون ما هلك الآن من الجنة؛ لأنه إنما يكون على الأفعال الاختيارية. انظر أبا السعود. {وهي} أي: الجنة {خاويةً}: ساقطة {على عُرُوشها} أي: دعائمها المصنوعة للكروم، فسقطت العروش أولاً ثم سقطت الكروم عليها. وتخصيص حالها بالذكر، دون الزرع والنخل، إِمَّا لأنها العمدة وهما من متمماتها، وإِمَّا لأن ذكر هلاكها مُغْن عن ذكر هلاك الباقي؛ لأنها حيث هلكت، وهي مشتدة بعروشها فهلاك ما عداها أولى، وإِمَا لأن الإنفاق في عمارتها أكثر. {ويقولُ} أي: يقلب وهو يقول: {يا ليتني لم أشركْ بربي أحدًا}، كأنه تذكر موعظة أخيه، وعَلِمَ أنه إنما أُتِيَ من قِبَلِ شِرْكِهِ، فتمنى أنْ لم يكن مشركًا فلم يصبه ما أصابه. {ولم تكن له فئةٌ}: جماعة {ينصرونه}: يقدرون على نصره؛ بدفع الهلاك عن أمواله، {من دون الله}، فإنه القادر على ذلك وحده، {وما كان منتصرًا} أي: وما كان في نفسه ممنوعًا بقوته من انتقامه سبحانه منه. {هنالك}؛ في ذلك المقام، وفي تلك الحال {الولاَيةُ لله الحقّ} أي: النصرة له وحده، لا يقدر عليها أحد غيره، وقُرئ: "الحقِ"؛ بالكسر، صفة لله، وبالرفع، نعت للولاية. ويُحتمل أن يكون: {هنالك} ظرفًا لمنتصرًا، أي: وما كان ممتنعًا من انتقام الله منه في ذلك الوقت، ففيه تنبيه على أن قوله: {يا ليتني لم أشرك}: كان عن اضطرار وجزع مما دهاه، فلذلك لم ينفعه، كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85]. وحينئذ استأنف تعالى الإخبار عن كمال حفظه لأوليائه فقال: {الولايةُ لله الحق} أي: الحفظ والرعاية والنصرة إنما هي من الله لأوليائه في الدنيا والآخرة، لا يخذلهم في حال من الأحوال، بل يتولى سياستهم ونصرهم وهدايتهم، كما هو شأن من اعتز بالله، دون من اعتز بغيره، فقوله: {ولم تكن له فئة}: رد لقوله: {وأعزُّ نفرًا}؛ أي: بل النصرة لله لأوليائه، دون من تولى غيره. والحاصل: أن من تولى الله فعاقبته النصرة، ومن تولى غيره فعاقبتُه الخذلان. والعياذ بالله. ويحتمل أن يكون قد تَم الكلام على القصة، ثم أعاد الكلام إلى ما قبل القصة، فقال: {هنالك} عند ذلك، يعني: يوم القيامة {الولايةُ لله الحق}؛ يتولون الله ويُؤمنون به، ويتبرأون مما كانوا يعبدون، {هو خيرٌ ثوابًا} أي: خير من يرجى ثوابه، {وخيرُ عُقبًا} أي: عاقبة لأوليائه. والعُقب: العاقبة، يقال: عاقبة كذا وعُقْبَاهُ وعقبه، أي: آخره. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ضرب الله مثلاً لمن عكف على هواه، وقصر همته على زخارف دنياه، ولمن توجه بهمته إلى مولاه، وقدَّم دنياه لأخراه، فكان عاقبة الأول: الندم والخسران، وعاقبة الثاني: الهنا والرضوان، أوْ لمن وقف مع علمه واعتمد عليه، ولمن تبرأ من حوله وقوته في طلب الوصول إليه. قال في لطائف المنن: لا تدخل جنة علمك وعملك، وما أعطيت من نور وفتح فتقول كما قال من خذِل، فأخبر الله عنه بقوله: {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا...} الآية. ولكن ادخلها كما بيّن لك، وقل كما رَضي لك: {ولولا إِذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله}، وافهم ههنا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ بالله كَنْزٌ من كُنُوزِ الجنة"تفسير : . وفي رواية أخرى: "كنز من كنوز تحت العرش". فالترجمة: ظاهر الكنز، والمكنوز فيها: صدق التبري من الحول والقوة، والرجوع إلى حول الله وقوته. ثمَّ ضرب مثلاً في سرعة ذهابها وفنائها

الهواري

تفسير : قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا} أي: أطعمت ثمرتها { وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي: ولم تنقص منه شيئاً {وفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَراً} أي: بينهما { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}. وهي تقرأ على وجهين: ثُمُر، وهو الأصل. قال بعضهم: من كل المال. وثَمَر، وهي الثَمَرة. وقال مجاهد: يعني ذهباً وفضة. { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} بلغنا أنهما كانا أخوين من بني إسرائيل ورثا عن أبيهما مالاً فاقتسماه، فأخذ كل واحد منهما أربعة آلاف دينار. فأما أحدهما، فكان مؤمناً، فأنفقه في طاعة الله، وقدّمه لنفسه. وأما الآخر، فكان كافراً، فاتخذ بها الأرضين والجنان والدور والرقيق وتزوّج. واحتاج المؤمن فلم يبقَ في يده شيء فجاء إلى أخيه يزوره ويتعرّض لمعروفه. فقال له أخوه: فأين ما ورثت يا أخي؟ فقال له: أقرضته ربّي وقدّمته لنفسي. فقال له أخوه: لكنني اتخذت به لنفسي ولولدي ما قد رأيت. قال الله: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي: يراجعه الكلام { أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي: أكثر رجالاً وناصراً.

اطفيش

تفسير : {وَاضْرِبْ لَهُمْ} أى الكافر مع المؤمنين أو للكفار والمؤمنين. وقيل: مثِّل بعيينة وأصحابه وسلمان وأصحابه. {مَثَلاً} مفعول به لاضرب أى ضع لهم مثلا. {رَجُلَيْنِ} بدل من مثلا أو يضّمن اضرب معنى اجعل فيكون مثلا مفعولا ثانياً ورجلين معفولا أول والرجلان من بنى مخزوم من أهل مكة أحدهما مسلم وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد يا ليل وهو زوج أم سلمة قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر كافر والأشد هو بشين معجمة ودال مشددة وقيل: الأسد بمهلة وتخفيف وكذا الآتى لأنه واحد وهو أخوه الأسود بن عبد الأشد وقيل: هما أَخوان فى بنى إسرائيل أحدهما مسلم. وقال ابن عباس: اسمه يهوذا وقيل: تمليخا وكافر اسمه قطروس قيل: هما المراد فى قوله تعالى: {أية : قال قائل منهم إنى كان لى قرين} تفسير : ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار. وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراسانى: رجلان اشتركا فى ذلك واقتسماء فاشترى أحدهما أرضاً بألف دينار وهو الكافر فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضاً بألف دينار وإنى أشترى منك أرضاً فى الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم إن الكافر بنى دار بألف دينار فقال المسلم: اللهم إنه ابتنى دارا بألف دينار فأنا أشترى منك دارا فى الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم تزوج الكافر امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال المسلم: اللهم إنى أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم اشترى الكافر خدما ومتاعاً بألف دينار فقال المسلم: اللهم إنى أشترى منك خدما ومتاعا من الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار. وقيل: قال: اللهم إنى أشترى منك الوِلدان المخلدين بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبى أو قال: أخى على الخلاف هل هما أخوان أو رجلان مشتركان لعله ينالنى بمعروف فجلس على طريقه حتى مر به فى حشمه فتعرض له قائما فنظر إليه فعرفه فقال: فلان؟ قال: نعم قال ما شأنك؟ قال: أصابتنى حاجة بعدك فأتيتك لتصيبنى بخير فقال: ما فعل مالك؟ وقد اقتسمنا مالا وأخذت شطره فقص عليه قصته فقال: أئنك لمن الصادقين اذهب فلا أعطيك شيئاً ووبخه أئنك لمن المتصدقين بأموالهم تصديقاً بالبعث والجزاء وكان هو مكذباً. وقيل: لما تعرض لهُ أخذ بيده وطاف بهِ يريه أمواله وفيها نزل: {واضرب لهم مثلا رجلين} {جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا} وهو الكافر {جَنَّتيْنِ} بستانين. {مِنْ أَعنَابٍ} الجملة مستأنفة لبيان ضرب المثل أو نعت لرجلين. {وَحَفَقْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أى الجنتين أى أحطناهما بنخل وجعلنا حافتهما أى ما حولهما نخلا محيطة بهما وهذه الباء للتعدية إلى مفعول ثان كقولك: أحطته بكذا وغشيته به. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} أى بين الجنتين أى بين الواحدة والأخرى. وقيل: بين أجزاء كل واحدة أى وسط كل واحدة. {زَرْعاً} ليكون بهما وبما بين الواحدة والأخرى جامعا للأقوات والفواكه متصل العمارة مع الشكل الحسن والترتيب المهذب أو لتكون كل جنة جامعة لذلك والزرع ما يزرع كبُرّ وشعير وذرة وحمص ونحو ذلك مما يقتات به.

الالوسي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُم} للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي والكفرة الذين طلبوا طردهم {مَثَلاً رَّجُلَيْنِ} مفعولان لاضرب ثانيهما أولهما لأنه المحتاج إلى التفصيل والبيان قاله بعضهم، وقد مر تحقيق هذا المقام فتذكر. والمراد بالرجلين إما رجلان مقدران على ما قيل وضرب المثل لا يقتضي وجودهما وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه، فقيل هما أخوان من بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه فرطوس، وقيل اسمه قطفير والآخر مؤمن اسمه يهوذا في قول ابن عباس. وقال مقاتل: اسمه يمليخا، وعن ابن عباس أنهما ابنا ملك من بني إسرائيل أنفق أحدهما ماله في سبيل الله تعالى وكفر الآخر واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله، وروي أنهما كانا حدادين كسبا مالاً؛ وروي أنهما ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراها فاشترى الكافر أرضاً بألف فقال المؤمن: اللهم أنا أشتري منك أرضاً في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه داراً بألف فقال: اللهم إني أشتري منك داراً في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال: اللهم إني جعلت ألفاً صداقاً للحور فتصدق به ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف فقال: اللهم إني أشتري منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به ثم أصابته حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ووبخه على التصدق بماله، وقيل: هما أخوان من بني مخزوم كافر هو الأسود بن الأسد ومؤمن هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، والمراد ضربهما مثلاً للفريقين المؤمنين والكافرين لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفاً من أن للمؤمنين في الآخرة كذا وللكافرين فيها كذا بل من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم في نعم الله تعالى وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر أي اضرب لهم مثلاً من حيثية العصيان مع النعمة والطاعة مع الفقر حال رجلين. {جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا} وهو الكافر {جَنَّتَيْنِ} بستانين لم يعين سبحانه مكانهما إذ لا يتعلق بتعيينه كبير فائدة. وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه «عجائب البلاد» أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين فجرى ما جرى ففرقهما الله تعالى في ليلة واحدة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يعلم منه قول آخر. والجملة بتمامها تفسير للمثل فلا موضع لها من الإعراب، ويجوز أن تكون في موضع الصفة لرجلين فموضعها النصب {مّنْ أَعْنَـٰبٍ} من كروم متنوعة فالكلام على ما قيل إما على تقدير مضاف وإما الأعناب فيه مجاز عن الكروم وهي أشجار العنب. والمفهوم من ظاهر كلام الراغب أن العنب مشترك بين الثمرة والكرم وعليه فيراد الكروم من غير حاجة إلى / التقدير أو ارتكاب المجاز، والداعي إلى إرادة ذلك أن الجنة لا تكون من ثمر بل من شجر {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي جعلنا النخل محيطة بهما مطيفة بحفافيهما أي جانبيهما مؤزراً بها كرومهما يقال حفه القوم إذا طافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولاً آخر كقولك غشيته به {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} وسطهما {زَرْعًا} لتكونا جامعتين للأقوات والفواكه متواصلتي العمارة على الهيئة الرائقة والوضع الأنيق.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {وقل الحق من ربكم} الآيات؛ فإنه بعد أن بين لهم ما أعد لأهل الشرك وذكر ما يقابله مما أعده للذين آمنوا ضرب مثلاً لحال الفريقين بمثل قصة أظهر الله فيها تأييده للمؤمن وإهانته للكافر، فكان لذلك المَثل شَبَه بمَثل قصة أصحاب الكهف من عصر أقرب لعلم المخاطبين مِن عصر أهل الكهف، فضرب مثلاً للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمَثل رجلين كان حالُ أحدهما معجباً مؤنِقاً وحال الآخر بخلاف ذلك؛ فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تَبَاباً وخسارة، وكانت عاقبة الآخر نجاحاً، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الأرزاء، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسُنن الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضاً للصلاح والنجاح. واللام في قوله: {لهم} يجوز أن يتعلق بفعل {واضرب} كقوله تعالى: { أية : ضرب لكم مثلاً من أنفسكم } تفسير : [الروم: 28]. ويجوز أن يتعلق بقوله: {مثلاً} تعلق الحال بصاحبها، أي شبها لهم، أي للفريقين كما في قوله تعالى: { أية : فلا تضربوا لله الأمثال } تفسير : [النحل: 74]، والوجهُ أن يكون متنازعاً فيه بين ضَرب، ومثَلاً. والضمير في قوله: {لهم} يعود إلى المشركين من أهل مكة على الوجه الأول ولم يتقدم لهم ذكر، ويعود إلى جماعة الكافرين والمؤمنين على الوجه الثاني. ثم إن كان حال هذين الرجلين الممثل به حالاً معروفاً فالكلام تمثيل حال محسوس بحال محسوس. فقال الكلبي: المعنيُّ بالرجلين رجلان من بني مخزوم من أهل مكة أخوان أحدهما كافر وهو الأسود بن عبد الأشد ــــ بشين معجمة ــــ وقيل ــــ بسين مهملة ــــ بن عبد يالِيل، والآخر مسلم وهو أخوه: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد بن عبد ياليل. ووقع في «الإصابة»: بن هلال، وكان زوجَ أم سلمة قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المفسرون أين كانت الجنتان، ولعلهما كانتا بالطائف فإن فيه جنات أهل مكة. وعن ابن عباس: هما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما وترك لهما مالاً فاشترى أحدهما أرضاً وجعل فيها جنتين، وتصدق الآخر بماله فكان من أمرهما في الدنيا ما قصه الله تعالى في هذه السورة، وحكى مصيرهما في الآخرة بما حكاه الله في سورة الصافات (50 ــــ 52) في قوله: { أية : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول إنك لمن المصدقين } تفسير : الآيات.. فتكون قصتهما معلومة بما نزل فيها من القرآن في سورة الصافات قبل سورة الكهف. وإن كان حال الرجلين حالاً مفروضاً كما جَوّزه بعض المفسرين فيما نقله عنه ابن عطية فالكلام على كل حال تمثيل محسوس بمحسوس لأن تلك الحالة متصورة متخيلة. قال ابن عطية: فهذه الهيئة التي ذكرها الله تعالى لا يكاد المرء يتخيل أجملَ منها في مكاسب الناس، وعلى هذا الوجه يكون هذا التمثيل كالذي في قوله تعالى: { أية : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة } تفسير : [البقرة: 265] الآيات. والأظهر من سياق الكلام وصنع التراكيب مثل قوله: { أية : قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب } تفسير : [الكهف: 37] الخ فقد جاء (قال) غير مقترن بفاء وذلك من شأن حكاية المحاورات الواقعة، ومثل قوله: { أية : ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا } تفسير : [الكهف: 43] أن يكون هذا المثل قصة معلومة ولأن ذلك أوقع في العبرة والموعظة مثل المواعظ بمصير الأمم الخالية. ومعنى {جعلنا لأحدهما} قدرنا له أسباب ذلك. وذِكر الجنة والأعناب والنخل تقدم في قوله تعالى: { أية : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب } تفسير : في سورة البقرة (266). ومعنى {حففناهما} أحطناهما، يقال: حفّه بكذا، إذا جعله حافاً به، أي محيطاً، قال تعالى: { أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش } تفسير : [الزمر: 75]، لأن (حف) يتعدى إلى مفعول واحد فإذا أريد تعديته إلى ثانٍ عدي إليه بالباء، مثل: غشيه وغشاه بكذا. ومن محاسن الجنات أن تكون محاطة بالأشجار المثمرة. ومعنى {وجعلنا بينهما زرعاً} ألهمناه أن يجعل بينهما. وظاهر الكلام أن هذا الزرع كان فاصلاً بين الجنتين: كانت الجنتان تَكْتنِفان حَقْل الزرع فكان المجموع ضيعة واحدة. وتقدم ذكر الزرع في سورة الرعد. و{كلتا} اسم دال على الإحاطة بالمثنى يفسره المضاف هو إليه، فهو اسم مفرد دال على شيئين نظير زَوج، ومذكره (كلا). قال سيبويه: أصل كلا كِلَو وأصل كلتا كِلْوا فحذفت لام الفعل من كلتا وعُوضت التاء عن اللام المحذوفة لتدل التاء على التأنيث. ويجوز في خبر كلا وكلتا الإفراد اعتباراً للفظه وهو أفصح كما في هذه الآية. ويجوز تثنيته اعتباراً لمعناه كما في قول الفرزدق: شعر : كِلاهما حين جدّ الجري بينهما قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي تفسير : و {أكْلها} قرأه الجمهور ــــ بضم الهمزة وسكون الكاف ــــ. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ــــ بضم الهمزة وضم الكاف ــــ وهو الثمر، وتقدم. وجملة {كلتا الجنتين آتت أكلها} معترضة بين الجمل المتعاطفة. والمعنى: أثمرت الجنتان إثماراً كثيراً حتى أشبهت المعطي من عنده. ومعنى {ولم تظلم منه شيئاً} لم تَنقُصْ منه، أي من أكُلها شَيئاً، أي لم تنقصه عن مقدار ما تُعطيه الأشجار في حال الخِصب. ففي الكلام إيجاز بحذف مضاف. والتقدير: ولم تظلم من مقدار أمثاله. واستعير الظلم للنقص على طريقة التمثيلية بتشبيه هيئة صاحب الجنتين في إتقان خَبْرِهما وترقب إثمارهما بهيئة من صار له حق في وفرة غلتها بحيث إذا لم تَأت الجنتان بما هو مترقب منهما أشبَهتا من حَرم ذَا حق حقه فظَلمه، فاستعير الظلم لإقلال الإغلال، واستعير نفيه للوفاء بحق الإثمار. والتفجير تقدم عند قوله تعالى: { أية : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } تفسير : في سورة الإسراء (90). والنهَر بتحريك الهاء لغة في النَهْر بسكونها. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : قال إن الله مبتليكم بنهر } تفسير : في سورة البقرة (249). وجملة {وكان له ثمر} في موضع الحال من {لأحدهما}. والثمر ــــ بضم الثاء والميم ــــ: المال الكثير المختلف من النقدين والأنعَام والجنات والمزارع. وهو مأخوذ من ثُمر ماله بتشديد الميم بالبناء للنائب، يقال: ثَمّر الله ماله إذا كَثُر. قال النابغة: شعر : فلما رأى أن ثَمّر الله ماله وأثّل مَوْجُوداً وسَدَّ مفاقِرَه تفسير : مشتقاً من اسم الثمرة على سبيل المجاز أو الاستعارة لأن الأرباح وعفو المال يُشبهان ثمر الشجر. وشَاع هذا المجاز حتى صار حقيقة. قال النابغة:شعر : مَهلا فداءٌ لك الأقوامُ كلّهُمُ ومَا أُثَمّر من مال ومِنْ وَلَد تفسير : وقرأ الجمهور {ثُمُر} ــــ بضم المثلثة وضم الميم ــــ. وقرأه أبو عمرو ويعقوب ــــ بضم المثلثة وسكون الميم ــــ. وقرأه عاصم ــــ بفتح المثلثة وفتح الميم ــــ. فقالوا: إنه جمع ثِمار الذي هو جمع ثَمر، مثل كُتب جمع كِتاب فيكون دالاً على أنواع كثيرة مما تنتجه المكاسب، كما تقدم آنفاً في جمع أساور من قوله: { أية : أساور من ذهب } تفسير : [الكهف: 31]. وعن النحاس بسنده إلى ثعلب عن الأعمش: أن الحجاج قال: لو سمعت أحداً يقرأ {وكان له ثمر} (أي بضم الثاء) لقطعت لسانه. قال ثعلب: فقلت للأعمش: أنأخذ بذلك. قال: لا ولا نعمة عَين، وكان يقرأ: ثُمُر، أي بضمتين. والمعنى: وكان لصاحب الجنتين مالٌ، أي غير الجنتين. والفاء لتفريع جملة {قال} على الجُمل السابقة، لأن ما تضمنته الجمل السابقة من شأنه أن ينشأ عنه غرور بالنفس يَنطق ربه عن مثل ذلك القول. و(الصاحب) هنا بمعنى المقارن في الذكر حيث انتظمهما خبر المثَل، أو أريد به الملابس المخاصم، كما في قول الحجاج يخاطب الخوارج «ألستم أصحابي بالأهواز». والمراد بالصاحب هنا الرجل الآخر من الرجلين، أي فقال: مَن ليس له جناتٌ في حوار بينهما. ولم يتعَلق الغرض بذكر مكان هذا القول ولا سببه لعدم الاحتياج إليه في الموعظة. وجملة {وهو يحاوره} حال من ضمير {قال}. والمحاورة: مراجعة الكلام بين متكلميْن. وضمير الغيبة المنفصل عائد على ذي الجنتين. والضمير المنصوب في {يحاوره} عائد على صاحب ذي الجنتين، وربُّ الجنتين يحاور صاحبَه. ودل فعل المحاورة على أن صاحبه قد وعظه في الإيمان والعمل الصالح، فراجعه الكلام بالفخر عليه والتطاول شأن أهل الغَطْرسة والنقائص أن يعدلوا عن المجادلة بالتي هي أحسن إلى إظهار العظمة والكبرياء. و{أعز} أشد عزة. والعزة: ضد الذل. وهي كثرة عدد عشيرة الرجل وشجاعته. والنفَر: عَشيرة الرجل الذين ينفرون معه. وأراد بهم هنا ولده، كما دل عليه مقابلته في جواب صاحبه بقوله: { أية : إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً } تفسير : [الكهف: 40]. وانتصب {نفراً} على تمييز نسبة {أعز} إلى ضمير المتكلم. وجملة {ودخل جنته} في موضع الحال من ضمير {قال}، أي قال ذلك وقد دخل جنته مرافقاً لصاحبه، أي دخل جنته بصاحبه، كما يدل عليه قوله: {قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً}، لأن القول لا يكون إلا خطاباً لآخر، أي قال له، ويدل عليه أيضاً قوله: { أية : قال له صاحبه وهو يحاوره } تفسير : [الكهف: 37]. ووقوع جواب قوله: {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} في خلال الحوار الجاري بينهما في تلك الجنة. ومعنى {وهو ظالم لنفسه} وهو مشرك مكذب بالبعث بطر بنعمة الله عليه. وإنما أفرد الجنة هنا وهما جنتان لأن الدخول إنما يكون لإحداها لأنه أول ما يدخل إنما يدخل إحداهما قبل أن ينتقل منها إلى الأخرى، فما دخل إلا إحدى الجنتين. والظن بمعنى: الاعتقاد، وإذا انتفى الظن بذلك ثبت الظن بضده. وتبيد: تهلك وتفنى. والإشارة بهذا إلى الجنة التي هما فيها، أي لا أعتقد أنها تنتقض وتضمحل. والأبَد: مراد منه طول المدة، أي هي باقية بقاء أمثالها لا يعتريها ما يبيدها. وهذا اغترار منه بغناه واغترار بما لتلك الجنة من وثوق الشجر وقوته وثبوته واجتماع أسباب نمائه ودوامه حولَه، من مياه وظلال. وانتقل من الإخبار عن اعتقاده دوامَ تلك الجنة إلى الإخبار عن اعتقاده بنفي قيام الساعة. ولا تلازم بين المعتقَدَيْن. ولكنه أراد التورك على صاحبه المؤمن تخطئة إياه، ولذلك عقب ذلك بقوله: {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً} تهكماً بصاحبه. وقرينة التهكم قوله: {وما أظن الساعة قائمة}. وهذا كقول العاصي بن وائل السهمي لخباب بن الأرت «ليكونن لي مال هنالك فأقضيكَ دينك منه». وأكد كلامه بلام القسم ونون التوكيد مبالغة في التهكم. وانتصب {منقلباً} على تمييز نسبة الخبر. والمنقلب: المكان الذي يُنقلب إليه، أي يُرجع. وضمير {منهما} للجنتين عوداً إلى أول الكلام تفننا في حكاية كلامه على قراءة الجمهور {منهما بالتثنية، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {منها} بالإفراد جرياً على قوله: {ودخل جنته} وقولهِ: {أن تبيد هذه}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واضرب لهم مثلاً: أي اجعل لهم مثلاً هو رجلين... الخ. جنتين: أي بستانين. وحففناهما بنخل: أي أحطناهما بنخل. آتت أكلها: أي أعطت ثمارها وهو ما يؤكل. ولم تظلم منهم شيئاً: أي وَلَمْ تنقص منه شيئاً بل أتت به كاملاً ووافياً. خلالهما نهراً: أي خلال الأشجار والنخيل نهراً جارياً. وهو يحاوره: أي يحادثه ويتكلم معه. وأعز نفراً: أي عشيرة ورهطاً. تبيد: أي تفنى وتذهب. خيراً منها منقلباً: أي مرجعاً في الآخرة. أكفرت بالذي خلقك من تراب؟!: الاستفهام للتوبيخ والخلق من تراب باعتبار الأصل هو آدم. من نطفة: أي مني. ثم سواك: أي عدلك وصيرك رجلاً. لكنا: أي لكن أنا، حذفت الألف وأدغمت النون في النون فصارت لكنا. هو الله ربي: أي أنا أقول الله ربي. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم واضرب لأولئك المشركين المتكبرين الذين اقترحوا عليك أن تطرد الفقراء المؤمنين من حولك حتى يجلسوا إليك ويسمعوا منك {وَٱضْرِبْ لهُمْ} أي اجعل لهم مثلاً: {رَّجُلَيْنِ} مؤمناً وكافراً {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا} وهو الكافر {جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي أحطناهما بنخل، {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} أي بين الكروم والنخيل {زَرْعاً} {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} أي لم تنقص منه شيئاً {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} ليسقيهما. {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي في الكلام يراجعه، ويُفاخره: {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} أي عشيرة ورهطاً، قال هذا فخراً وتعاظماً. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} والحال أنه {ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بالكفر والكبر وقال: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ} يشير إلى جنته {أَبَداً} أي لا تفنى. {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي} كما تقول أنت {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا} أي من جنتي {مُنْقَلَباً} أي مرجعاً إن قامت الساعة وبعث الناس وبعثت معهم. هذا القول من هذا الرجل هو ما يسمى بالغرور النفسي الذي يصاب به أهل الشرك والكبر. وهنا قال له صاحبه المسلم {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} وهو الله عز وجل حيث خلق أباك آدم من {تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي ثم خلقك أنت من نطفة أي من مني {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} وهذا توبيخ من المؤمن للكافر المغرور ثم قال له: {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} أي لكن أنا أقول هو الله ربي، {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} من خلقه في عبادته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- استحسان ضرب الأمثال للوصول بالمعاني الخفية إلى الأذهان. 2- بيان صورة مثالية لغرس بساتين النخل والكروم. 3- تقرير عقيدة التوحيد والبعث والجزاء. 4- التنديد بالكبر والغرور حيث يفضيان بصاحبهما إلى الشرك والكفر.

القطان

تفسير : الجنة: البستان. حففناهما بنخل: جعلنا النخل يحيط بهما. آتت أُكلها: اثمرت الثمر الجيد. ولم تظلم منه شيئا: لم تنقص منه. وفجّرنا خلالهما نهرا: اجرينا بينهما نهرا فيه الماء العذب. وكان له ثمر: كان له مال. وهو ظالم لنفسه: لكفره وغروره. يحاوره: يجادله. اعز نفرا: اكثر خدما وحشما واعوانا. ان تبيد: ان تفنى. وما أظن الساعة قائمة: لا أومن بيوم القيامة. منقلبا: مرجعا وعاقبة. حسبانا من السماء: مطرا عظيما، آفة مهلكة. صعيدا زلقا: ارضا ملساء لا شيء فيها. او يصبح ماؤها غورا: يغور نهرها في الارض. واحيط بثمره: هلكت امواله. يقلب كفيه: تصويراً للندامة والحسرة. خاوية: خالية، خلت من اهلها وزرعها. على عروشها: ساقطة على عرائشها. عقبا: عاقبة. لقد ضرب الله مثلاً في هذه الآيات الكريمة يبيّن فيه أن المال لا ينبغي ان يكون موضع فَخار، لأنه ظلٌّ زائل، وانه كثيرا ما يصير الفقير غنياً والغني فقيرا، وانما الذي يجب ان يكون أساسَ التفاضل هو الإيمانُ بالله والعمل الصالح الذي ينفع الناس. واذكر ايها الرسول مثلاً وقع فيما سلَف بين رجلَين: كافرٍ ومؤمن، وقد رزقنا الكافر جنّتين فيهما أعنابٌ واصناف كثيرة من الشجر المثمر، وأحطناهما بالنخل، وجعلنا بين البستانين زرعا جيدا. وقد اثمرت كل واحدةٍ من الجنتين ثمراً كثيرا، ولم يَنْقُص منه شيءٌ، وقد فجرّنا بينهما نهرا يسقيهما. وكان لصاحب الجنتين اموالٌ أخرى مثمرة، فداخَلَه الغرور والكبرياء بتلك النعم، فقال لصاحبه المؤمن وهو يجادله: أنا أَكثرُ منك مالاً وأكثر خدماً وحشَما وانصارا. ثم زاد فخرا على صاحبه المؤمن، فدخل إحدى جنتيه وهو مأخوذ بغروره فقال: ما أظنُّ أن تَفْنى هذه الجنة أبدا، وما أظنّ ان يوم القيامة آتٍ كما تقول، ولو فُرض ورجعتُ إلى ربي بالبعث كما تزعم، ليكوننّ لي هناك أحسنُ من هذا الحظ عند ربي، لأنه لم يعطِني هذه الخيراتِ في الدنيا الا ليعطيني ما هو أفضل منها فيما بعد. فقال له صاحبه المؤمن واعظاً له وزاجراً عما هو فيه من الكفر: كيف تكفر بربك الذي خَلَقك من ترابٍ ثم من نطفة لا تُرى، ثم صوّرك رجلاً كاملا. أنا أقول: إن الذي خلَقني وخلَق هذا الكونَ وما فيه هو الله ربي، وانا أومن به وأعبُده وحده ولا أُشرِك معه أحدا. ثم زاد في وعظه قائلا: هلاّ إذ أعجبتْك جنتُك حين دخلتَها ونظرتَ الى ما فيها من رزق وجمال حمدتَ الله على ما أنعم به عليك وقلت: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} هذا ما شاء الله، فيكون ذلكَ شكراً كفيلاً بدوام النعمة عليك. وبعد ان نصح الكافرَ بالإيمان، وأبان له عظيم قدرة الله وكبيرَ سلطانه، قال له: إن تَرَنِي انا أفقرَ منك وأقلّ ولدا، فإني ارجو من الله ان يرزقني خيراً من جنتك ويرسلَ على جنتك سيولاً عظيمة وصواعقَ تخّربها فتصيرَ أرضاً ملساء لا ينبت فيها شيء ولا يثبت عليها قوم، وتصبح انتَ وما تملك أثراً بعد عين. وقد اخبر الله تعالى بانه قد حقّق ما قدّره هذا المؤمن فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ...} أحاطت الجوائحُ بثمار جنته التي كان يقول: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} وأهلكتها الصواعقُ والآفات، وأبادت اصولَها، فأصبح يقلّب كفيه ندماً وتحسرا على خسارته وضياع ماله حين رآها ساقطةً على عروشها خاليةً من الثمر، وضاعت منه الدنيا وحُرم الدنيا والآخرة معا، وعظُمت حسرته وقال: ليتَني لم أشرك بربّي أحدا. {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}. ولم تكن له عشيرة تنصره من دون الله، وما كان منتصراً بقوّته. وهنا تبيَّنَ ان الله ينفرد بالوَلاية والنصرة والعزة، ومن اعتزّ بغير الله ذلّ، فلا قوةَ الا قوّته، ولا نصر الا نصرهُ، وثوابُه خير الثواب. ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها، وصاحبها يقلّب كفّيه أسفاً وندما، وجلالُ الله يظلل الموقف، حيث تتوارى قدرةُ الإنسان. قراءات: قرأ حمزة: "الوِلاية لله الحق" بكسر الواو، وقرأ ابو عمرو: "الوَلاية لله الحق" بفتح الواو، وبضم القاف. وقرأ الكسائي: "الوِلاية لله الحقُّ" بكسر الواو وضم القاف من الحق. وقرأ عاصم: وكان له ثمر. واحيط بثمره، بفتح الثاء والميم. وقرأ ابو عمرو: بضم الثاء واسكان الميم، والباقون: ثمر بضم الثاء والميم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَعْنَابٍ} {وَحَفَفْنَاهُمَا} (32) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: اضْرِبْ لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الَّذِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، مَثَلاً بِرَجُلَيْنِ أَغْنَى اللهُ أَحَدَهُمَا وَآتَاهَ بُسْتَانَيْنِ مِنْ كَرْمِ العِنَبِ، وَأَحَاطَهُمَا بِأَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَجَعَلَ وَسَطَ هذَينِ البُسْتَانَيْنِ زَرْعاً يُنْتَفَعُ بِهِ. جَنَّتَيْنِ - بُسْتَانَيْنِ. حَفَفْنَاهُمَا - أَحَطْنَاهُمَا.

الثعلبي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} الآية {رَّجُلَيْنِ} منصوب مفعول، على معنى: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً} كمثل رجلين. نزلت في أخوين من أهل مكّة من بني مخزوم، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل كان زوج أمّ سلمة قبل النبّي صلى الله عليه وسلم والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل. وقيل نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وفي مشركي مكّة. وهذا مثل لعيينة ابن حصين وأصحابه، وفي سلمان وأصحابه شبّههما برجلين من بني إسرائيل أخوين: أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقال مقاتل: تمليخا، والآخر كافر، واسمه فطروس، قال وهب قطفر. وهما اللّذان وصفهما الله في سورة (الصافات)، وكانت قصتهما [ما أخبرنا أبو عمرو الفراتي: حدثنا محمد بن عمران: حدثنا الحسن بن سفيان: حدثنا حيّان بن موسى: حدثنا عبد الله بن البارك عن]. معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين، وكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: إنهما ورثاه عن أبيهما، وكانا أخوين فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى أرضاً بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن كان فلان قد اشترى أرضاً بألف دينار، فإني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ إن صاحبه بنى داراً بألف دينار، فقال هذا: إن فلانَ بنى داراً بألف دينار، وإني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ تزوج بامرأة وأنفق عليها ألف دينار فقال: إنّ فلانَ تزوّج امرأة بألف دينار، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال: إن فلانَ اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار، وإني اشتري منك خدماً ومتاعاً في الجنة بألف دينار فتصدّق بألف دينار. ثمّ أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعلّه ينالني منه معروف. فجلس له على طريقه حتى مرّ به في حشمه، فقام إليه، فنظر إليه الآخر فعرفه فقال: فلان؟ قال: نعم. قال ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير. فقال: فما فعل مالك فقد اقتسمنا مالاً واحداً فأخذت شطره وأنا شطره؟ فقصَّ عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصدّقين بهذا، أي بأنك تبعث وتجازى؟ اذهب فوالله لا أُعطيك شيئاً. فطرده، فقضي لهما أن توفيا، فنزل فيهما: {أية : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : إلى قوله: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 50ـ55]، ونزلت {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ}: بستانين {مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا}: أحطناهما {بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}، يعني: جعلنا حول الأعنابِ النخلَ ووسط الأعنابِ الزرعَ. {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ}: أعطت، يعني: آتت كل واحدة من الجنتين، فلذلك لم يقل: آتتا {أُكُلَهَا}: ثمرها تامّاً {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً}، أي لم ينقص، {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً}، يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما نهراً. {وَكَانَ لَهُ}، يعني: لفطروس {ثَمَرٌ}، يعني: المال الكثير المثمر من كل صنف، جمع ثمار. ومن قرأ: (ثُمْر) فهو جمع ثمرة. مجاهد: ذهب وفضة. ابن عباس: أنواع المال. قتادة: من كلّ المال. وقال ابن زيد: الثمر الأصل. {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} المؤمن {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}: يجاوبه {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً}، يعني عشيرة ورهطاً. قال قتادة: خدماً وحشماً. وقال مقاتل: ولداً، تصديقه قوله تعالى {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً}. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ}، يعني: فطروس، أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به ويريه إيّاها ويعجبه منها، {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بكفره، فلّما رأى ما فيها من الأنهار والأشجار والأزهار والثمار قال: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ}: القيامة {قَائِمَةً}: آتية كائنة. ثمّ تمّنى على الله أُمنية أُخرى مع شكّه وشركه فقال: {وَلَئِن رُّدِدتُّ}: صرفت {إِلَىٰ رَبِّي}، فرجعت إليه في المعاد {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا}، أي من الجنة التي دخلها. وقرأ أهل الحجاز والشام (منهما) على لفظ التثنية، يعني الجنتين، وكذلك هو في مصاحفهم. {مُنْقَلَباً}، أي منزلاً ومرجعاً. يقول: لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلاّ ولي عنده أفضل في الآخرة. {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} المسلم {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ} يعني خلق أباك وأصلك {مِن تُرَابٍ ثُمَّ} خلقك {مِن نُّطْفَةٍ} يعني ماء الرجل والمرأة {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}، أي عدلك بشراً سويّاً ذكراً. {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي}، يقول: أما أنا فلا أكفر بربي، ولكنا هو الله ربي. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: لكن الله هو ربّي. وقال الآخرون: أصله (لكن أنا) فحذفت الهمزة طلباً للخفة؛ لكثرة استعماله، وأُدغمت إحدى النونين في الآخرى، وحذفت ألف (أنا) في الوصل. وقرأ ابن عامر ويعقوب: (لكنا)، بإتيان الألف بالوصل، كقول الشاعر: شعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميداً قد تذريت السناما تفسير : ولا خلاف في إثباتها في الوقف. {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}، {مَا} في موضع رفع، يعني: هي ما شاء الله، ويجوز أن تكون في موضع النصب بوقوع {شَآءَ} عليه. وقيل: جوابه مضمر مجازه: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون. [أخبرنا أبو عمرو الفراتي: القاسم بن كليب: العباس بن محمد الدوزي: حجاج: أبو بكر الهذلي عن يمامة بن عبد الله بن أنس] عن أنس بن مالك أن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من رأى شيئاً فأعجبه فقال: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} لم يضرّه ". تفسير : ثمّ قال: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً}، {أَنَاْ} عماد ولذلك نصب. {فعسَىٰ}: فلَعّلَ {رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ} في الآخرة {خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا}: يبعث على جنتك {حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، قال قتادة والضّحاك: عذاباً. وقال ابن عباس: ناراً. وقال ابن زيد: قضاء من الله عزّ وجلّ يقضيه. قال الأخفش والقتيبي: مرام من السماء واحدتها حسبانة، {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً}، قال قتادة: يعني صعيداً أملس لا نبات عليه. وقال مجاهد: رملاً هايلاً وتراباً. قال ابن عباس: هو مثل الحَزَن. {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} أي غائراً منقطعاً ذاهباً في الأرض لا تناله الأيدي ولا الرشا والدلاء. والغور مصدرٌ وُضع موضع الاسم، كما يقال: صوم وزور وعدل، ونساء نوح يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث. قال عمرو بن كلثوم: شعر : تظل جياده نوحاً عليه مقلّدة أعنتها صفونا تفسير : وقال آخر: شعر : هريقي من دموعهما سجاما ضباع وجاوبي نوحاً قياما تفسير : {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} بعد ما ذهب ونصب. {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي أحاط الهلاك بثمر جنّتيه، وهي جميع صنوف الثمار. وقال مجاهد: هي ذهب وفضة؛ وذلك أن الله أرسل عليها ناراً فأهلكها وغار ماؤها، {فَأَصْبَحَ} صاحبها الكافر {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ}: يصفق يده على الأُخرى، وتقليب كفيه ظهراً لبطن؛ تأسفاً وتلهّفاً {عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} يعني: عليها كقوله: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] أي عليها {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} ساقطة على سقوفها، خالية من غرسها وبنائها {وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً}. قال الله عزّ وجلّ: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ} أي جماعة {يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ}: يمنعونه من عذاب الله، {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً}: ممتنعاً منتقماً. {هُنَالِكَ} يعني: في القيامة {ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ}، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي (الولاية) بكسر الواو يعني: السلطان والأمر. وقرأ الباقون بفتح الواو، من الموالاة كقوله: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 257]، وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [محمد: 11]. قال القتيبي: يريد: يتولون الله يومئذ، ويؤمنون به ويتبرّؤون مما كانوا يعبدون. وقوله: {ٱلْحَقِّ} رفعه أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية، وتصديقه قراءة أُبيّ: (هنالك الولاية الحق لله). وقرأ الآخرون بالكسر على صفة الله كقوله: {أية : ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنعام: 62]، وتصديقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) فجعله من نعت الله. {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً} لأوليائه وأهل طاعته {وَخَيْرٌ عُقْباً} لهم في الآخرة إذا صاروا إليه. والعُقب: العاقبة، يقال: هذا عاقبة أمره كذا، وعقباه وعقبه أي آخرة قوله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما زال الكلام موصولاً بالقوم الذين أرادوا أن يصرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين يدعُونَ ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبذلك انقسم الناس إلى قسميْن: قسم مُتكبّر حريص على جاهه وسلطانه، وقسم ضعيف مستكين لا جاهَ له ولا سلطان، لكن الحق سبحانه يريد استطراق آياته استطراقاً يشمل الجميع، ويُسوِّي بينهم. لذلك؛ أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثَلاً موجوداً في الحياة، ففي الناس الكافر الغني والمؤمن الفقير، وعليك أنْ تتأمل موقف كل منهما. قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ ..} [الكهف: 32] قلنا: إن الضرب معناه أن تلمس شيئاً بشيء أقوى منه بقوة تؤلمه، ولا بُدّ أن يكون الضارب أقوى من المضروب، إلا فلو ضربتَ بيدك شيئاً أقوى منك فقد ضربتَ نفسك، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : وَيَا ضَارِباً بِعَصَاهُ الحَجَر ضربْتَ العَصَا أَمْ ضربْتَ الحجَر؟ تفسير : وضَرْب المثل يكون لإثارة الانتباه والإحساس، فيُخرجك من حالة إلى أخرى، كذلك المثَل: الشيء الغامض الذي لا تفهمه ولا تعيه، فيضرب الحق سبحانه له مثلاً يُوضِّحه ويُنبِّهك إليه؛ لذلك قال: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً ..} [الكهف: 32]. وسبق أن أوضحنا أن الأمثال كلام من كلام العرب، يردُ في معنى من المعاني، ثم يشيع على الألسنة، فيصير مثلاً سائراً، كما نقول: جود حاتم، وتقابل أي جَوّاد فتناديه: يا حاتم، فلما اشتهر حاتم بالجود أُطلِقَتْ عليه هذه الصفة. وعمرو بن معد اشتُهِر بالشجاعة والإقدام، وإياس اشتُهِر بالذكاء، وأحنف بن قيس اشتهر بالحلم. لذلك قال أبو تمام في مدح الخليفة: شعر : إِقْدامُ عَمْروٍ في سَمَاحَةِ حَاتِم في حِلْمِ أحنَفَ فِي ذَكَاءِ إياس تفسير : فأراد خصوم أبي تمام أن يُحقِّروا قوله، وأن يُسقِطوه من عين الخليفة، فقالوا له: إن الخليفة فوق مَنْ وصفتَ، وكيف تُشبّه الخليفة بهؤلاء وفي جيشه ألفٌ كعمرو، وفي خُزَّانه ألف كحاتم فكيف تشبهه بأجلاف العرب؟ كما قال أحدهم: - شعر : وَشبَّهه المــدّاحُ في البـَاسِ والغِنَى بمَنْ لَوْ رآهُ كانَ أَصْغر خَادِمٍ فَفِي جيْشِه خَمْسُونَ أَلْفاً كعنْترٍ وَفي خُزَّانِه ألْفُ حَاتِمِ تفسير : فألهمه الله الردَّ عليهم، وعلى نفس الوزن ونفس القافية، فقال: شعر : لاَ تُنكِرُوا ضَرْبي لَهُ مَنْ دُونَه مثَلاً شَرُوداً في النَّدَى وَالبَاس فاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلّ لِنُوِره مَثَلاً مِنَ المشْكَاةِ والنِّبْراسِ تفسير : إذن: فالمثل يأتي لِيُنَبّه الناس، وليُوضّح القضية غير المفهومة، والحق تبارك وتعالى قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..}تفسير : [البقرة: 26]. ثم يعطينا القرآن الكريم أمثالاً كثيرة لتوضيح قضايا معينة، كما في قوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 41]. وكذا قوله تعالى عن نقض الوعد وعدم الوفاء به: {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً ..}تفسير : [النحل: 92]. ومنه قوله تعالى: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}تفسير : [البقرة: 17]. ومنه قوله تعالى مُصوِّراً حال الدنيا، وأنها سريعة الزوال: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45]. فالمثل يُوضِّح لك الخفيّ بشيء جَلِيٍّ، يعرفه كل مَنْ سمعه، من ذلك مثلاً الشاعر الذي أراد أنْ يصفَ لنا الأحدب فيُصوِّره تصويراً دقيقاً كأنك تنظر إليه: شعر : قَصُـرَتْ أَخَادعه وَغَاص قَذَالُه فكأنه مُـتربِّصٌ أنْ يُصْفَعَا وكأنما صُفِعْتَ قَفَاهُ مرةً وأَحسَّ ثانيةً لَهَا فتجمَّعَا تفسير : وهنا يقول الحق سبحانه: اضرب لهم يا محمد مثلاً للكفر إذا استغنى، والفقير إذا رَضِى بالإيمان. وقوله: {رَّجُلَيْنِ ..} [الكهف: 32] أي: هما مَحَلُّ المثل: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} [الكهف: 32]. لكن، هل هذا المثل كان موجوداً بالفعل، وكان للرجلين وجود فِعليّ في التاريخ؟ نعم، كانوا واقعاً عند بني إسرائيل وهما براكوس ويهوذا، وكان يهوذا مؤمناً راضياً، وبراكوس كان مستغنياً، وقد ورثا عن أبيهم ثمانية آلاف دينار لكل منهما، أخذ براكوس نصيبه واشترى به أرضاً يزرعها وقَصْراً يسكنه وتزوج فأصبح له ولدان وحاشية، أما يهوذا، فقد رأى أنْ يتصدّق بنصيبه، وأن يشتري به أرضاً في الجنة وقصراً في الجنة وفضَّل الحور العين والولدان في جنة عدن على زوجة الدنيا وولدانها وبهجتها. وهكذا استغنى براكوس بما عنده واغتَرَّ به، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]. وأول الخيبة أن تشغلك النعمة عن المنعِم، وتظن أن ما أنت فيه من نعيم ثمرةُ جهدك وعملك، ونتيجة سعْيك ومهارتك، كما قال قارون: {أية : قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..}تفسير : [القصص: 78] فتركه الله لِعلْمه ومهارته، فليحرص على ماله بما لديه من علم وقوة: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..}تفسير : [القصص:81] ولم ينفعه ماله أو علمه. إذن: هاتان صورتان واقعيتان في المجتمع: كافر يستكبر ويستغني ويستعلي بغناه، ومؤمن قَنُوع بما قسم الله له. وانظر إلى الهندسة الزراعية في قوله تعالى: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} [الكهف: 32]. فقد علَّمنا الله تعالى أن نجعل حول الحدائق والبساتين سُوراً من النخيل ليكون سياجاً يصدُّ الهواء والعواصف، وذكر سبحانه النخل والعنب وهي من الفاكهة قبل الزرع الذي منه القوت الضروري، كما ذكر من قبل الأساور من ذهب، وهي للزينة قبل الثياب، وهي من الضروريات. وقوله: {جَنَّتَيْنِ ..} [الكهف: 32] نراها إلى الآن فيمَنْ يريد أن يحافظ على خصوصيات بيته؛ لأن للإنسان مسكناً خاصاً، وله عموميات أحباب، فيجعل لهم مسكناً آخر حتى لا يطَّلع أحد على حريمه؛ لذلك يسمونه السلاملك والحرملك. وكذلك في قوله تبارك وتعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}تفسير : [سبأ: 15]. ثم يقول الحق سبحانه: {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} يعني غَطَّيناهُما، وحَجرنَاهُمَا من جَوانِبِهمَا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} [الكهف: 32] وهما النفس الكافرة والقلب المؤمن {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا} [الكهف: 32] وهو النفس {جَنَّتَيْنِ} [الكهف: 32] وهما الهوى والدنيا، {مِنْ أَعْنَابٍ} [الكهف: 32] [الشهوات: {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} [الكهف: 32] حب الرئاسة {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} من تمتعات البهيمية ومستلذات الحيوانية. {كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ} [الكهف: 33] من الهوى والدنيا {آتَتْ أُكُلَهَا} [الكهف: 33] ثمراتها ونتائجها وهي الميلان إلى زينتها وزخارفها {وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً} [الكهف: 33] أي: بلا نقصان فيها {وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً} [الكهف: 33] من قوة البشرية والحواس الخمسة الظاهرة والباطنة. {وَكَانَ لَهُ} [الكهف: 34] أي: النفس {ثَمَرٌ} [الكهف: 34] من أنواع الشهوات {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ} [الكهف: 34] وهو القلب {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: 34] أي: يحاور النفس القلب {أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً} [الكهف: 34] أي: أكثر ميلاً {وَأَعَزُّ نَفَراً} [الكهف: 34] من الأوصاف المذمومات. {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} [الكهف: 35] أي: سرح في جنة الدنيا {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} [الكهف: 35] في الاستمتاع بها على وفق هواها بخلاف الشرع مغروراً بها حتى {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ} [الكهف: 35] أي: تهلك وتفنى {هَـٰذِهِ} [الكهف: 35] الدنيا {أَبَداً} [الكهف: 35] إلى أن نسي القيامة بقوله: {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} فغرته الحياة الدنيا وغره بالله الغرور حتى قال: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 36] يعني: لأنه رحيم كريم يعطيني في الآخرة خيراً مما أعطاني في الدنيا وهذا غاية الغرور بالله وكرمه وهو مخالفة لأوامره ونواهيه، كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6] على قوله: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل هذين الرجلين، الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما، من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل، والثواب، ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين، وفي أي: زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف. فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة، جعل الله له جنتين، أي: بستانين حسنين، من أعناب. { وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصا أشرف الأشجار، العنب والنخل، فالعنب في وسطها، والنخل قد حف بذلك، ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح، التي تكمل بها الثمار، وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زرعا، فلم يبق عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين؟ وهل لهما ماء يكفيهما؟ فأخبر تعالى أن كلا من الجنتين آتت أكلها، أي: ثمرها وزرعها ضعفين، أي: متضاعفا { و } أنها { لم تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا } أي: لم تنقص من أكلها أدنى شيء، ومع ذلك، فالأنهار في جوانبهما سارحة، كثيرة غزيرة. { وَكَانَ لَهُ } أي: لذلك الرجل { ثَمَرٌ } أي: عظيم كما يفيده التنكير، أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما، وارجحنت أشجارهما، ولم تعرض لهما آفة أو نقص، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث، ولهذا اغتر هذا الرجل بهما، وتبجح وافتخر، ونسي آخرته. { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا } . أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في بعض الماجريات المعتادة، مفتخرا عليه: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا } فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، وهذا جهل منه، وإلا فأي: افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة معنوية، وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها، ثم لم يكفه هذا الافتخار على صاحبه، حتى حكم، بجهله وظلمه، وظن لما دخل جنته فـ { قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ } أي: تنقطع وتضمحل { هَذِهِ أَبَدًا } فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضى بها، وأنكر البعث، فقال: { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي } على ضرب المثل { لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } أي ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل، فأي: تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي في الدنيا أعطي في الآخرة، بل الغالب، أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه الذين ليس لهم في الآخرة نصيب، والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام، على وجه التهكم والاستهزاء، بدليل قوله: { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } فإثبات أن وصفه الظلم، في حال دخوله، الذي جرى منه، من القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده.