Verse. 2175 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَدَخَلَ جَنَّتَہٗ وَہُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِہٖ۝۰ۚ قَالَ مَاۗ اَظُنُّ اَنْ تَبِيْدَ ہٰذِہٖۗ اَبَدًا۝۳۵ۙ
Wadakhala jannatahu wahuwa thalimun linafsihi qala ma athunnu an tabeeda hathihi abadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ودخل جنته» بصاحبه يطوف به فيها ويريه أثمارها ولم يقل جنتيه إرادة للروضة وقيل اكتفاء بالواحد «وهو ظالم لنفسه» بالكفر «قال ما أظن أن تبيد» تنعدم «هذه أبدا».

35

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} قيل: أخذ بيد أخيه المؤمن يُطيف به فيها ويُرِيه إيّاها. {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} أي بكفره، وهو جملة في موضع الحال. ومن أدخل نفسه النار بكفره فهو ظالم لنفسه. {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} أنكر فناء الدار. {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} أي لا أحسب البعث كائناً. {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي} أي وإن كان بعثٌ فكما أعطاني هذه النعم في الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي عليه؛ وهو معنى قوله: {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} وإنما قال ذلك لما دعاه أخوه إلى الإيمان بالحشر والنشر. وفي مصاحف مكة والمدينة والشام «منهما». وفي مصاحف أهل البصرة والكوفة «منها» على التوحيد، والتثنية أولى؛ لأن الضمير أقرب إلى الجنتين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } بصاحبه يطوف به فيها ويُريه أثمارها ولم يقل (جنتيه) إرادة للروضة، وقيل اكتفاء بالواحد {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ } بالكفر {قَالَ مآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ } تنعدم {هَٰذِهِ أَبَداً }.

ابن عطية

تفسير : أفرد الجنة من حيث الوجود كذلك، إذ لا يدخلهما معاً في وقت واحد، و"ظلمه لنفسه": كفره وعقائده الفاسدة في الشك في البعث، فقد نص على ذلك قتادة وابن زيد، وفي شكه في حديث العالم إن كانت إشارته بـ {هذه} إلى الهيئة من السماوات والأرض وأنواع المخلوقات، وإن كانت إشارته إلى جنته فقط، فإنما في الكلام تساخف واغترار مفرط وقلة تحصيل، وكأنه من شدة العجب بل والسرور أفرط في وصفها بهذا القول ثم قاس أيضاً الآخرة على الدنيا، وظن أنه لم يمل له في دنياه إلا لكرامة يستوجبها في نفسه، قال: فإن كان ثم رجوع كما يزعم فستكون حالي كذا وكذا، وليست مقالة العاصي ابن وائل لخباب على حد هذه، بل قصد العاصي الاستخفاف على جهة التصميم على التكذيب وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وابن الزبير، وثبت في مصاحف المدينة "منهما" يريد الجنتين المذكورتين أولاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي والعامة، وكذلك هو مصحف أهل البصرة "منها" يريد الجنة المدخولة، وقوله {قال له صاحبه} حكاية أن المؤمن من الرجلين لما سمع كلام الكافر وقفه على جهة التوبيخ على كفر بالله تعالى، وقرأ أبي بن كعب: "وهو يخاصمه"، وقرأ ثابت البناني، "ويلك أكفرت"، ثم جعل يعظم الله تعالى عنده بأوصاف تضمنت النعم والدلائل على جواز البعث من القبور، وقوله {من تراب} إشارة إلى آدم عليه السلام، وقوله {سواك رجلاً} كما تقول سواك شخصاً أو حياً، أو نحو هذا من التأكيدات، وقد يحتمل أن قصد تخصيص الرجولة، على وجه تعديد النعمة، في أن لم يكن أنثى ولا خنثى، وذكر الطبري نحو هذا، واختلفت القراءة في قوله {لكنا} فقرأ ابن عامر ونافع في رواية المسيبي "لكنا" في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "لكن" في الوصل و"لكنا" في الوقف، ورجحها الطبري، وهي رواية ورش وقالون عن نافع، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والحسن "لكن أنا هو الله ربي"، وقرأ عيسى الثقفي والأعمش بخلاف "لكن هو الله ربي" فأما هذه الأخيرة فبين على الأمر والشأن، وأما الذي قبلها فعلى معنى لكن أنا أقول ومن هذه الفرقة، من قرأ "لكننا"، على حذف الهمزة وتخفيف النونين، وفي هذا نظر، وأما من قرأ "لكننا"، فأصله عنده لكن أنا: حذفت الهمزة على غير قياس، وأدغمت النون في النون، وقد قال بعض النحويين: نقلت حركة الهمزة إلى النون فجاء لكننا، ثم أدغمت بعد ذلك فجاء "لكنا"، فرأى بعض القراء أن بالإدغام استغني عن الألف الأخيرة، فمنهم من حذفها في الوصل، ومنهم من أثبتها في الوصل والوقف، ليدل على أصل الكلمة، ويتوجه في "لكنا" أن تكون لكن لحقتها نون الجماعة التي في "خرجنا وضربنا"، ووقع الإدغام لاجتماع المثلين، ثم وجد في {ربي} على المعنى، ولو اتبع اللفظ لقال ربنا ذكره أبو علي، ويترجح بهذا التعليل قول من أثبت الألف في حال الوصل، والوقف، ويتوجه في {لكنا} أن تكون المشهورة من أخوات إن، المعنى: لكن قولي: هو {الله ربي}، أما أني لا أعرف من يقرأ بها وصلاً ووقفاً، وذلك يلزم من يوجه هذا الوجه، وروى هارون عن أبي عمرو "ولكنه هو الله ربي" بضمير لحق "لكن" وباقي الآية بين، وقوله {ولولا إذ دخلت جنتك} الآية: وصية من المؤمن للكافر، {ولولا} تحضيض، بمعنى هلا و {ما} يحتمل أن تكون بمعنى الذي، بتقدير الذي إن شاء الله كائن، وفي {شاء} ضمير عائد، ويحتمل أن تكون شرطية، بتقدير ما شاء الله كان، ويحتمل أن تكون خبر ابتداء محذوف تقديره هو ما شاء الله، أو الأمر ما شاء الله، وقوله {لا قوة إلا بالله} تسليم وضد لقول الكافر {ما أظن أن تبيد هذه أبداً} وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة "حديث : ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة؟ قال بلى يا رسول الله، قال {لا قوة إلا بالله} إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم"تفسير : ، وفي حديث أبي موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "حديث : يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟" قال افعل يا رسول الله، قال "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"تفسير : ، واختلفت القراءة في حذف الياء من {ترن} وإثباتها فأثبتها ابن كثير وصلاً ووقفاً، وحذفها ابن عامر وعاصم وحمزة فيهما، وأثبتها نافع وأبو عمرو في الوصل فقط، وقرأ الجمهور "أقلَّ" بالنصب على المفعول الثاني، وقوله {أنا} فاصلة ملغاة وقرأ عيسى بن عمر: "أقلُّ" بالرفع، على أن يكون {أنا} مبتدأ و"أقل" خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني، والرؤية، رؤية القلب في هذه الآية.

النسفي

تفسير : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } إحدى جنتيه أو سماها جنة لاتحاد الحائط، وجنتين للنهر الجاري بينهما {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } ضار لها بالكفر {قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً } أي أن تهلك هذه الجنة، شك في بيدودة جنته لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين تنطق ألسنة أحوالهم بذلك {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً } كائنة {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً } إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض ــ كما يزعم صاحبه ــ ليجدن في الآخرة خيراً من جنته في الدنيا إدعاء لكرامته عليه ومكانته عنده {منقلباً} تمييز أي مرجعاً وعاقبة {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } أي خلق أُصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه وكان خلقه خلقاً له {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } أي خلقك من نطفة {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال جعله كافراً بالله لشكه في البعث. {لَكُنَّا } بالألف في الوصل: شامي، الباقون بغير ألف، وبالألف في الوقف اتفاق، وأصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فتلاقت النونان فأدغمت الأولى في الثانية بعد أن سكنت {هُوَ ٱللَّهُ رَبّى } هو ضمير الشأن والشأن الله ربي والجملة خبر «أنا» والراجع منها إليه ياء الضمير، وهو استدراك لقوله {أكفرت} قال لأخيه أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد كما تقول: زيد غائب لكن عمراً حاضر، وفيه حذف أي أقول هو الله بدليل عطف {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا وَلَوْلاَ } وهلا {إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء ٱللَّهُ } «ما»موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما شاء الله، أو شرطية منصوبة الموضع والجزاء محذوف يعني أي شيء شاء الله كان والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكل ما فيها إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها، {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها هو بمعونته وتأييده. من قرأ {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً } بنصب {أقل} فقد جعل {أنا} فصلاً ومن رفع ــ وهو الكسائي ــ جعله مبتدأ و{أقل} خبره والجملة مفعولاً ثانياً لـ «ترني» وفي قوله: {وَوَلَدًا } نصرة لمن فسر النفر بالأولاد في قوله: {وأعز نفرا}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ...} الآية: أفْرَد الجنة من حيثُ الوجودُ كذلك إِذ لا يدخلهما معاً في وقت واحدٍ، وظلمه لنفسه هو كُفْره وعقائدُهُ الفاسدة في الشَّكِّ في البعث، وفي شكِّه في حدوث العالم، إن كانت إِشارته بـــ {هَـٰذِهِ } إلى الهيئة من السمٰواتِ والأرض وأنواعِ المخلوقات، وإِن كانت إِشارته إِلى جنته فقط، فإِنما الكلام تساخُفٌ واغترارٌ مفْرِط، وقلَّة تحصيلٍ، كأنه من شدَّة العُجْب بها والسرور، أفرط في وصفها بهذا القول، ثم قاس أيضاً الآخرة على الدنْيَا وظنَّ أنه لم يُمْلَ له في دنياه إِلا لكرامةٍ يستوجبها في نَفْسه، فقال: فإِن كان ثَمَّ رُجوعٌ، فستكون حالي كذا وكذا. وقوله: {قَالَ لَهُ صَـاحِبُهُ } يعني المؤمن. وقوله: {خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } إِشارةٌ إلى آدم عليه السلام.

ابو السعود

تفسير : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} التي شُرحت أحوالُها وعَدَدُها وصفاتُها وهيآتُها، وتوحيدها إما لعدم تعلق الغرَضِ بتعددها، وإما لاتصال إحداهما بالأخرى، وإما لأن الدخولَ يكون في واحدة فواحدة {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ} ضارٌّ لها بعُجبه وكفره {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من ذكر دخولِ جنته حالَ ظلمِه لنفسه، كأنه قيل: فماذا قال إذ ذاك؟ فقيل قال: {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ} الجنةُ أي تفنىٰ {أَبَدًا} لطول أملِه وتمادي غفلتِه واغترارِه بمُهلته، ولعله إنما قاله بمقابلة موعظةِ صاحبِه وتذكيرِه بفناء جنّتيه ونهيِه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الباقيات الصالحات. {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} كائنةً فيما سيأتي {وَلَئِن رُّدِدتُّ} بالبعث عند قيامها كما تقول {إِلَىٰ رَبّى لأَجِدَنَّ} يومئذ {خَيْراً مّنْهَا} أي من هذه الجنةِ، وقرىء منهما أي من الجنتين {مُنْقَلَباً} مرجعاً وعاقبةً، ومدارُ هذا الطمعِ واليمينِ الفاجرةِ اعتقادٌ أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامتِه عليه سبحانه ولم يدرِ أن ذلك استدراجٌ. {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ} استئناف كما سيق {وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ} جملةٌ حاليةٌ كما مر فائدتُها التنبـيهُ من أول الأمرِ على أن ما يتلوه كلامٌ معتنًى بشأنه مسوقٌ للمحاورة {أَكَفَرْتَ} حيث قلت: ما أظن الساعةَ قائمةً {بِٱلَّذِى خَلَقَكَ} أي في ضمن خلقِ أصلِك {مّن تُرَابٍ} فإن خلْقَ آدمَ عليه السلام منه متضمّنٌ لخلقه منه لِما أن خلقَ كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرتُه الشريفةُ مقصورةً على نفسه، بل كانت أُنموذجاً منطوياً على فطرة سائرِ أفرادِ الجنسِ انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجريان آثارِها على الكل، فكان خلْقُه عليه السلام من التراب خَلْقاً للكل منه، وقيل: خلقَك منه لأنه أصلُ مادتِك إذ به يحصُل الغذاءُ الذي منه تحصل النطفةُ فتدبر {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} هي مادتُك القريبة فالمخلوقُ واحدٌ والمبدأُ متعددٌ {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أي عَدلك وكمّلك إنساناً ذكراً أو صيّرك رجلاً، والتعبـيرُ عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما حيز الصلة لإنكار الكفرِ والتلويحِ بدليل البعثِ الذي نطق به قولُه عز من قائل: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ} تفسير : الخ [الحج: 5]. {لَكنَّا هُوَ ٱللَّهُ رَبّى} أصله لكنْ أنا وقد قرىء كذلك فحُذفت الهمزةُ فتلاقت النونان فكان الإدغامُ، و(هو) ضميرُ الشأن وهو مبتدأٌ خبرُه الله ربـي وتلك الجملةُ خبرُ أنا والعائدُ منها إليه الضميرُ، وقرىء بإثبات ألفِ أنا في الوصل والوقف جميعاً وفي الوقف خاصة، وقرىء لكنه بالهاء ولكن بطرح أنا ولكن أنا لا إلٰه إلا هو ربـي، ومدارُ الاستدراك قوله تعالى: {أَكَفَرْتَ} كأنه قال: أنت كافرٌ لكني مؤمنٌ موحّد {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا} فيه إيذانٌ بأن كفرَه كان بطريق الإشراك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ودخل} صاحب الجنتين وهو قطروس {جنته} بصاحبه يطوف به فيها ويعجبه منها ويفاخره بها وتوحيدها يعنى بعد التثنية لاتصال احداهما بالاخرى واما لان الدخول يكون فى واحدة فواحدة. وقال الشيخ افردها ارادة للروضة {وهو} اى والحال انه {ظالم لنفسه} ضار لها يعجب بماله وكفره بالمبدأ والمعاد وهو اقبح الظلم كأنه قيل فماذا قال اذ ذاك {قال ما اظن} كثيرا ما يستعار الظن للعلم لان الظن الغالب يدانى العلم ويقوم مقامه فى العادات والاحكام ومنه المظنة للعلم {ان تبيد} تفنى وتهلك وتنعدم من باد اذا ذهب وانقطع {هذه} الجنة {ابدا} الابد الدهر وانتصابه على الظرف والمراد هنا المكث الطويل وهو مدة حياته لا الدوام المؤبد اذ لا يظنه عاقل لدلالة الحس والحدس على ان احوال الدنيا ذاهبة باطلة فلطول امله وتمادى غفلته واغتراره بمهلته قال بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنته والاغترار بها وامره بتحصيل الباقيات الصالحات.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الحجاز وابن عامر {خيراً منهما} بزيادة ميم على التثنية. الباقون بلا ميم. اخبر الله تعالى عن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل، وهو صاحب الجنتين انه دخل جنته وهي البستان الذي يجنه الشجر ويحفه الزهر، {وهو ظالم لنفسه} أي باخس لها حقها بارتكاب القبيح والاخلال بالواجب اللذين يستحق بهما العقاب ويفوته بهما الثواب، فلما رأى هذا الجاهل ما راقه وشاهد ما أعجبه، وكبر فى نفسه توهم أنه يدوم، وأن مثله لا يفنى، فقال {ما أظن أن تبيد هذه أبداً} أي تهلك هذه الجنة أبداً {وما أظن الساعة قائمة} يعني يوم القيامة أي تقوم، كما يدعيه الموحدون. ثم قال {ولئن رددت إلى ربي} وجدت {خيراً منها} يعني من الجنة. ومن قرأ {منهما} أراد الجنتين {منقلباً} أي في المرجع اليه. وانما قال هذا مع كفره بالله تعالى، لأن المعنى ان رددت الى ربي، كما يدعى من رجوعي، فلي خير من هذه، تحكما سولته له نفسه، لا مطمع فيه. وقال ابن زيد: شك، ثم قال على شكه فى الرجوع الى ربه ما أعطاني هذه الأولى عنده خير منها {فقال له صاحبه وهو يحاوره} أي يراجعه الكلام {أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً} ومعنى خلقك من تراب أن اصلك من تراب إذ خلق اباك آدم (ع) من تراب، فهو من تراب ويصير الى التراب، وقيل لما كانت النطفة يخلقها الله بمجرى العادة من الغذاء، والغذاء نبت من التراب، جاز أن يقال: خلقك من تراب، لان أصله تراب كما قال من نطفة، وهو فى هذه الحال خلق سوي حي، لكن لما كان أصله كذلك جاز أن يقال ذلك. وفى الآية دلالة على ان الشك فى البعث والنشور كفر، والوجه في خلق البشر وغيره من الحيوان وتنقله من تراب الى نطفة، ثم الى علقة، ثم الى صورة، ثم الى طفولية، ثم الى حال الرجولية، ما فى ذلك من الاعتبار الذي هو دال على تدبير مدبر مختار يصرف الاشياء من حال الى حال، لان ما يكون فى الطبع يكون دفعة واحدة كالكتابة التي يوجدها بالطبائع من لا يحسن الكتابة، فلما انشأ الخلق حالا بعد حال دل على أنه عالم مختار. و (المحاورة) مراجعة الكلام و {المنقلب} المعاد، و (التسوية) جعل الشيء على مقدار سواه، فقوله {سواك رجلاً} أي كملك رجلا.

الجنابذي

تفسير : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} مع صاحبه بقرينة ما يأتى {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بالفخر والعجب والغرور والغفلة من الله {قَالَ} اغتراراً بصورة نضرتها وغفلة من الله وقدرته.

الهواري

تفسير : قال الله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} يعني بشركه { قَالَ مَا أَظُنُّ} أي: ما أوقن { أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} أي: أن تفنى هذه أبداً، أي: إنها لا تفنى فتذهب. ولكن ظن أن يعيش فيها حتى يأكلها حياتَه. كقوله: (أية : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) تفسير : [الهُمَزة:3] أي: يحسب أنه يخلد في ماله حتى يأكله. {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أي: وما أوقن أن الساعة قائمة. أي: يجحد البعث. {وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا} أي: من جنتي {مُنْقَلَباً} أي: في الآخرة إن كانت آخرة. كقوله: (أية : وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى )تفسير : [فصلت:50] أي: الجنة إن كانت جنة. أي: ولكن ليس جنة ولا مردّ. وهي تقرأ على وجه آخر: {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهُمَا مُنْقَلَباً} يعني الجنتين؛ هي في موضع جنة، وفي موضع جنتان. قال: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} وقال: {جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ} كانت جنة فيها نهر، فصارت جنتين، فهي جنة وهي جنتان. {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} المؤمن { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} يعني أول خلق الإِنسان، يعني آدم. { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}.

اطفيش

تفسير : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} مع صاحبه المؤمن يطوف به فيها ويفاخره بها بدَلٍّ وإضافة الجنة للهاء للجنس فيصدق بالجنتين فالمراد الجنتان فالمراد جميعا وإنما أفرد فى قوله: {أن تبيد هذه أبدا} مراعاة للفظ جنة وقد رجع إلى المراد إذ قال: {أية : لأجدن خيرا منها منقلبا} تفسير : هذا ما كنت أقرأ به معنى الآية. ويحتمل أن يكون الله سبحانهُ نزل الجنتين منزلة الجنة الواحدة لاتصالهما أو لعدم فصلهما إلا بزرع هو تقوية لهما وشبيه بهما أو أفرد إرادة المروضة أو نظراً للمبدأ فقط لأن الدخول يكون فى واحدة بعد واحدة فيكون قد قال فى الثانية: وما أظن أن تبيد هذه أبدا كما قالهُ فى الأولى ويدل لذلك جمعهما فى قوله: {أية : لأجدن خيراً منها}. تفسير : ثم ظهر لى وجه آخر هو أن يراد بالجنة الجنتان لا على طريق الجنس كما فى الوجه الأول على طريق ما يروى: الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن إشارة إلى أنهُ ليس لهُ فى الآخرة إلا النار وما ملكه فى الدنيا من الجنتين فهو جنته. {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} ضار لها بالعجب المطغى والكفر بالبعث. {قَالَ مَا أَظُنُّ} أى ما أرجع بل أشك أو ما أعلم أو ما أشك. {أَنْ تَبِيدَ} تهلك وهلاك الجِنان فناؤها أو تيبسها. {هذِهِ} أى الجنة. {أَبداً} لطول أمره وأمرها وما رأى حاله وحالها إلا على زيادة ويمادى غفلته فاعتبر بحسنها حتى توهم أنها لا تفنى. ويحتمل أن يريد ما أظن أن تبيد بقيام الساعة لأنهُ لا يعتقد قيامها ويحتمل أن يريد ما أظن أن تبيد مدة حياتى كلها على أن الأبد بمعنى مدة حياته أى فى الزمان المستقبل كله من عمره.

اطفيش

تفسير : {وَدَخَلَ} مع صاحبه المؤمن آخذا بيده ليريه بهجة الجنة وحُسنها، ويدل لدخوله معه إشارة الحضور فى قوله: هذه، وهو الطالب لدخول الصاحب. {جَنَّتَهُ} حقيقة الجنة، لتشمل الجنتين، أو الإضافة للاستغراق، أو أفرد لاتصال الجنتين، فكأَنهما واحدة، أو تكلم على التى دخل أولا، ويدخل به بعد ذلك الأخرى، فنعلمه بالقياس، أو أفرد على معنى أن لصاحبه المسلم، ومثله جنة الأخرى، ولذلك الكافر جنته فى الدنيا وهى الجنتان لا جنة له فى الآخرة، ولا يأبى عن هذا أنه دخل كما قيل، لأن المعنى دخل فيما هو عوض عن حظه فى جنة الآخرة، وعلى هذا فالعهد المفاد بالإضافة معتبر بعلم الله جنة الآخرة. {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} بشركه وعجبه الذى أفضى به إلى السوء، وفسر هذا الظلم بقوله: {قَالَ مَا أظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} تنقطع {هذِهِ أَبَدًا} إِلى قوله: "أية : منقلبًا" تفسير : [الكهف: 36] أداه عجبه ومبالغته فيه إِلى أن ذهب حسه عما شاهده من فناء الشجر وغيره، فلم يظن أن تبيد، وظن أن تدوم أبداً، ويحتمل أن يريد بالأبد مدة حياته، أو مع حياة أولاده بعده، إِن حيوا بعده، والإشارة إلى الجنة المذكورة بأوجهها آنفاً، وقيل: الإشارة إلى السماوات والأرض، وأنواع الخلق، أو إلى الدنيا.

الالوسي

تفسير : {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} أي كل ما هو جنة له يتمتع بها بناءاً على أن الإضافة للاستغراق والعموم فتفيد ما أفادته التثنية مع زيادة وهي الإشارة إلى أنه لا جنة له غير ذلك ولا حظ له في الجنة التي وعد المتقون وإلى هذا ذهب الزمخشري وهو معنى لطيف دق تصوره على أبـي حيان فتعقبه بما تعقبه. واختار أن الإفراد لأن الدخول لا يمكن أن يكون في الجنتين معاً في وقت واحد وإنما يكون في واحدة واحدة وهو خال عما أشير إليه من النكتة. وكذا ما قيل إن الإفراد لاتصال إحداهما بالأخرى. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال في قوله تعالى: {أية : جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} تفسير : [الكهف: 32] الخ الجنة البستان فكان له بستان واحد وجدار واحد وكان بينهما نهر فلذلك كان جنتين وسماه سبحانه جنة من قبل الجدار المحيط به وهو كما ترى. والذي يدل عليه السياق والمحاورة أن المراد ودخل جنته مع صاحبه {وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ} جملة حالية أي وهو ضار لنفسه بكفره حيث عرضها للهلاك وعرض نعمتها للزوال أو واضع الشيء في غير موضعه حيث كان اللائق به الشكر والتواضع لا ما حكى عنه. {قَالَ} استئناف مبني على سؤال نشأ من ذكر دخول جنته حال ظلمه لنفسه كأنه قيل فماذا قال إذ ذاك؟ فقيل قال: {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ} أي تهلك وتفنى يقال: باد يبيد بيداً وبيوداً وبيدودة إذا هلك {هَـٰذِهِ} أي الجنة {أَبَدًا } أي طول الحياة فالمراد بالتأبيد طول المكث لا معناه المتبادر، وقيل يجوز أن يكون أراد ذلك لأنه لجهله وإنكاره قيام الساعة ظن عدم فناء نوعها وإن فني كل شخص من أشجارها نحو ما يقوله الفلاسفة القائلون بقدم العالم في الحركات الفكلية وليس بشيء، وقيل ما قصد إلا أن هذه الجنة المشاهدة / بشخصها لا تفنى على ما يقوله الفلاسفة على المشهور في الأفلاك أنفسها وكأن حب الدنيا والعجب بها غشي على عقله فقال ذلك وإلا فهو مما لا يقوله عاقل وهو مما لا يرتضيه فاضل. وقيل {هَـٰذِهِ} إشارة إلى الأجرام العلوية والأجسام السفلية من السمٰوات والأرض وأنواع المخلوقات أو إشارة إلى الدنيا والمآل واحد والظاهر ما تقدم، وأياً ما كان فلعل هذا القول كان منه بمقابلة موعظة صاحبه وتذكيره بفناء جنتيه ونهيه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الصالحات الباقيات، ولعله خوفه أيضاً بالساعة فقال له: {وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً}.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن هذا الرجل الكافر الظالم لنفسه، الذي ضربه مثلاً مع الرجل المؤمن في هذه الآيات لرؤساء الكفار، الذين افتخروا بالمال والجاه على ضعفاء المسلمين الفقراء كما تقدم - أنه دخل جنته في حال كونه ظالماً لنفسه وقال: إنه ما يظن أن تهلك جنته ولا تفنى: لما رأى من حسنها ونضارتها؟ وقال: إنه لا يظن الساعة قائمة، وإنه إن قدر أنه يبعث ويرد إلى ربه ليجدن عنده خيراً من الجنة التي أعطاه في الدنيا. وما تضمنته هذه الآية الكريمة: من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا، وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضاً بالمال والولد، كما أنعم عليهم في الدنيا - جاء مبيناً في آيات أخر، كقوله في "فصلت": {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ}تفسير : [فصلت: 50]، وقوله في"مريم": {أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}تفسير : [مريم: 77] وقوله في "سبأ": {أية : وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}تفسير : [سبأ: 35]. وقوله في هذه السورة الكريمة: {أية : فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً} تفسير : [الكهف: 34]. وبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه: من أنهم يجدون نعمة الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة، كقوله: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 55-56]، وقوله {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}تفسير : [الأعراف: 182-183]، وقوله {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [آل عمران: 178]، وقوله: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ}تفسير : [سبأ: 37] الآية، وقوله تعالى: {أية : مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}تفسير : [المسد: 2] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: {مُنْقَلَباً} أي مرجعاً وعاقبة. وانتصابه على التمييز. وقوله: {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا} قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير "منهما" بصيغة تثنية الضمير. وقرأه الباقون "منها" بصيغة إفراد هاء الغائبة. فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله {أية : جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ}تفسير : [الكهف: 32] وقوله: {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ}تفسير : [الكهف: 33]. وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} الآية. فإن قيل: ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان؟ فالجواب - أنه قال ما ذكره الله عنه حين دخل إحداهما، إذ لا يمكن دخوله فيهما معاً في وقت واحد. وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط، كما نبه عليه أبو حيان في البحر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 35- ثم دخل إحدى جنتيه مع صاحبه المؤمن، وهو مأخوذ بغروره فقال: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدا!. 36- وما أظن القيامة حاصلة، ولو فرض ورجعت إلى ربى بالبعث كما تزعم، والله لأجدن خيراً من هذه الجنة عاقبة لى؛ لأننى أهل للنعيم فى كل حال، فهو يقيس الغائب على الحاضر، ولا يعلم أن الغائب فيه الجزاء على الإيمان وفعل الخير. 37- قال صاحبه المؤمن مجيباً له: أتسوغ لنفسك أن تكفر بربك الذى خلق أصلك آدم من تراب، ثم من نطفة مائية، ثم صوّرك رجلا كاملا، فإن اعتززت بمالك وعشيرتك، فاذكر ربك وأصلك الذى هو من الطين. 38- لكن أقول: إن الذى خلقنى وخلق هذا العالم كله هو الله ربى، وأنا أعبده - وحده - ولا أشرك معه أحدا. 39- ولولا قلت عند دخولك جنتك والنظر إلى ما فيها: هذا ما شاء الله ولا قوة لى على تحصيله إلا بمعونة الله، فيكون ذلك شكراً كفيلا بدوام نعمتك. ثم قال له: إن كنت ترانى أقل منك مالا وأقل ولدا ونصيرا. 40- فلعل ربى يعطينى خيراً من جنتك فى الدنيا أو الآخرة، ويرسل على جنتك قدَراً قدَّره لها كصواعق من السماء، فتصير أرضاً ملساء لا ينبت فيها شئ، ولا يثبت عليها قدم. 41- أو يصير ماؤها غائراً فى الأرض لا يمكن الوصول إليه، فلا تقدر على إخراجه لسقيها.

د. أسعد حومد

تفسير : (35) - وَدَخَلَ الغَنِيُّ، المُفَاخِرُ بِمَالِهِ، وَعَشِيرَتِهِ وَنَفَرِهِ، إِلَى بُسْتَانِهِ، وَرَأَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنٍ وَبَهَاءٍ، وَثِمَارٍ، وَخِصْبٍ، فَاغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَقَالَ لِصَاحِبِهِ، المُؤْمِنِ: مَا أَظُنُّ أَنْ تَفْنَى هذِهِ الجَنَّةُ أَبداً، وَلاَ أَنْ تَخْرَبَ. أَن تَبِيدَ - أَنْ تَهْلِكَ وَتَفْنَى وَتَخْرَبَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عرفنا أنهما جنتان، فلماذا قال: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ..} [الكهف: 35]؟ نقول: لأن الإنسان إنْ كان له جنتان فلنْ يدخلهما معاً في وقت واحد، بل حَالَ دخوله سوف يواجه جنةً واحدة، ثم بعد ذلك يدخل الأخرى. وقوله: {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ..} [الكهف: 35] قد يظلم الإنسان غيره، لكن كيف يظلم نفسه هو؟ يظلم الإنسان نفسه حينما يُرخيِ لها عنان الشهوات، فيحرمها من مشتهيات أخرى، ويُفوِّت عليها ما هو أبقى وأعظم، وظلم الإنسان يقع على نفسه؛ لأن النفس لها جانبان: نفسٌ تشتهي، ووجدان يردع بالفطرة. فالمسألة - إذن - جدل بين هذه العناصر؛ لذلك يقولون: أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين جنبيه، فإنْ قلت: كيف وأنا ونفسي شيء واحد؟ لو تأملتَ لوجدتَ أنك ساعة تُحدِّث نفسك بشيء ثم تلوم نفسك عليه؛ لأن بداخلك شخصيتين: شخصية فطرية، وشخصية أخرى استحوازية شهوانية، فإنْ مَالتْ النفس الشهوانية أو انحرفتْ قَوَّمتها النفس الفطرية وعَدلَت من سلوكها. لذلك قلنا: إن المنهج الإلهي في جميع الديانات كان إذا عَمَّتْ المعصية في الناس، ولم يَعُدْ هناك مَنْ ينصح ويرشد أنزل الله فيهم رسولاً يرشدهم ويُذكِّرُهم، إلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سبحانه حَمَّلهم رسالة نبيهم، وجعل هدايتهم بأيديهم، وأخرج منهم مَنْ يحملون راية الدعوة إلى الله؛ لذلك لن يحتاجوا إلى رسول آخر وكان صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل. وكأنه سبحانه يطمئننا إلى أن الفساد لن يَعُمْ، فإنْ وُجِد من بين هذه الأمة العاصون، ففيها أيضاً الطائعون الذين يحملون راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه مسألة ضرورية، وأساسٌ يقوم عليه المجتمع الإسلامي. ثم يقول تعالى: {قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} [الكهف: 35]. فهل معنى هذا أنه ظالم لنفسه بالدخول؟ لا، لأنها جنتُه يدخلها كما يشاء، إنما المراد بالظلم هنا ما دار في خاطره، وما حَدَّث نفسه به حالَ دخوله، فقد ظلم نفسه عندما خطر بباله الاستعلاء بالغِنَى، والغرور بالنعمة، فقال: ما أظنُّ أنْ تبيدَ هذه النعمة، أو تزول هذه الجنة الوارفة أو تهلك، لقد غَرَّهُ واقع ملموس أمام عينيه استبعد معه أن يزول عنه كل هذا النعيم، ليس هذا وفقط، بل دعاه غروره إلى أكثر من هذا فقال: {وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من شدة بطره وخيلانه: {دَخَلَ} يوماً {جَنَّتَهُ} التي ذكر وصفها {وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} بعرضها على عذاب الله وأنواع عقابه بكفره بالله، وبطره بحطام الدنيا، وإعجابه على نفسه اتكالاً على ثروته وجاهه وكثرة أعوانه وأنصاره {قَالَ} من طول أمله وحرصه وشدة غروره وغفلته: {مَآ أَظُنُّ} بل ما أشك وأوهم {أَن تَبِيدَ} أي: تنهدم وتنعدم {هَـٰذِهِ} الجنة {أَبَداً} [الكهف: 35] بل هي على هذا القرار والنضارة دائماً. {وَ} أيضاً {مَآ أَظُنُّ} وأعتقد {ٱلسَّاعَةَ} الموعودة التي أخبر بها أصحاب الدعاوي من الأنبياء والرسل {قَائِمَةً} آتيةٌ البتة بلا تردد وشك حتى تنهدم وتنعدم هذه بانعدام العالم وانقراضها {وَلَئِن رُّدِدتُّ} هبني أن فرضتُ وقدّرتُ قيام الساعة وانقضاء النشأة الدنياوية على ما زعموا وبُعثتُ من قبري على الوجه الذي ادعو وَرُددتُ {إِلَىٰ رَبِّي} للحساب والجزاء وعرض الأعمال وتنقيدها {لأَجِدَنَّ} ألبتة جنةً في العقبى {خَيْراً مِّنْهَا} أي: من هذه الديناوية فآخذُها {مُنْقَلَباً} [الكهف: 36] أي: مرجعاً ومنزلاً كما أخذتُ هذه في الدنيا، وإنما يقول ذلك على سبيل الاستهزاء والاستخفاف، يعني: إني حقيق حريُ بتلك المرتبة في الدنيا والآخرة، إن فُرض وجودها، فأنا حري بذلك فيها أيضاً. ثم لما تمادى في المباهاة والمفاخرة، وتطاول كلامه في الغفلة والغرور والإنكار على الله وكمال قدرته وقوته، وسرعة نفوذ قضائه وحكمه المبرم متى تعلق إرادته {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} المؤمن {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} على سبيل العظة والتذكير وأنواع التسفيه والتعبير: {أَكَفَرْتَ} وأنكرتَ أيها المفسد الطاغي {بِٱلَّذِي خَلَقَكَ} أي: قدّر أولاً مادتك {مِن تُرَابٍ} خسيسٍ مزدولٍ إلى أن صرتَ بكثرة التبدلات والتغييرات نطفةٌ مهينةٌ {ثُمَّ} قدّرها ثانياً {مِن نُّطْفَةٍ} دنيئةٍ يستحقرها بل يستخبثها جميع الطباع {ثُمَّ سَوَّاكَ} منها وعد لك شخصاً سوياً سالماً وربَّاك بأنواع اللطف والكرم إلى أن صرتَ {رَجُلاً} [الكهف: 37] رشيداً عاقلاً بالغاً كافلاً للأمور والوقائع، كافياً لإحداث الغرائب والبدائع، وافياً في جميع المضارّ والمنافع. ثم كلفك بالإيمان والمعرفة والإتيان بالأعمال الصالحة والإذعان بالنشأة الأخرى، وما يترتب عليها من العرض والحساب والسؤال والجزاء وجميع المتعقدات الأخروية، فاستنكرتَ واستكبرت إلى أن كفرتَ عناداً ومكابرةً، فستعرف حالك فيها أيها الطاغي الباغي المستحقُ لأنواع العذاب والعقاب {لَّٰكِنَّاْ} أي: لكن أنا لا أكفر وأنكر مثلك ربي الذي أظهرني من كتم العدم ولم ألك شيئاً مذكوراً، وقدّر مادتي من التراب الأدنى والأرذل من المني الأخس الأنزل، ثم عدَّلني وسواني رجلاً رشيداً كاملاً في العقل الرشد؛ لأعرف ذاته فأعبده، وأشكر نعمه، وأؤدي حقوق كرمه، وأتوجه نحوه، وأتضرع إليه، وأصدق رسله وكتبه وجميع ما فيها من الأمور والنواهي والمعتقدات التي وجب الاعتقاد بها من الأمور المتعلقة بالنشأة الأولى والأخرى. فكيف أنكره وأكفر بنعمه وأنسى حقوق لطفه وكرمه؛ إذ {هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} وربُّ جميع من في حيطة الوجود من الأظلال والعكوس، وهو المستقل في الوجود والألوهية والربوبية، وهو المتوحد المتفرد بالقيومية والديمومية {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي} الذي ربَّاني بأنواع اللطف والكرم {أَحَداً} [الكهف: 38] سواه؛ إذ لا شيء في الوجود إلا هو. {وَلَوْلاۤ} أي: هلا وقت {إِذْ دَخَلْتَ} أيها المدبر العاقل {جَنَّتَكَ} التي افتخرت بها {قُلْتَ} بدل قولك: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} [الكهف: 35] {مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي: ما شاء وأراد دوامها تتأبد وما لم يشأ لم تتأبد؛ إذ {لاَ قُوَّةَ} ولا قدرة للتأبيد والتخريب {إِلاَّ بِٱللَّهِ} أصالةً وحقيقةً، وأنت أيها الكافر المسرف المنكر {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} [الكهف: 39] فعيرتني وعرضت عليّ أولادَك وزخارفَك بطراً وبوحاً، مع أني أكثر منك إيماناً وعرفاناً وثقةً على الله واتكالاً. {فعسَىٰ رَبِّي} وأرجو من كمال فضله وجوده {أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً} أي: أزريد حسناً وبهاءً وأكثرَ بركةً ودخلاً {مِّن جَنَّتِكَ} التي تتفوق وتتفضل بها ليّ؛ إذ هو القادر على كل ما أراد وشاء {وَيُرْسِلَ} بغتةً {عَلَيْهَا} أي: على جنتك {حُسْبَاناً} أي: صواعقَ نازلةً ليلاً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} فحرَّقتُها وخرَّبتُها واستأصلتها {فَتُصْبِحَ} أنت وترى {صَعِيداً} تراباً {زَلَقاً} [الكهف: 40] ملساء لا تثبت فيها قدمُ ولا تنبت فيها نباتاً. {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا} الجاري في خلالها {غَوْراً} غائراً عميقاً؛ بحيث لا يمكن سقيها منه أصلاً لغاية غوره وعمقه {فَلَن تَسْتَطِيعَ} وتقدر {لَهُ طَلَباً} [الكهف: 41] بالكفر والحيل وأنواع التدابير. فأعطى سبحانه المؤمن ما أمِله وأراده تفضلاً عليه وامتناناً له: {وَ} أرسل على بستان الكافر صواعقَ نازلةً من السماء كثيرة إلى حيث {أُحِيطَ بِثَمَرِهِ} وعمّت الإهلاك والاستئصال جميع ما فيها من الثمار، فلم يبقَ الانتفاع بها أصلاً، وذهب ماؤها وبهاؤها واضحملت نضارتها وصفاؤها {فَأَصْبَحَ} الكافر {يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} ظهراً لبطن تلهفاً وتأسفاً {عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} أي: في تعميرها وإنشائها من الأموال والعظام {وَهِيَ} أي: لجنة {خَاوِيَةٌ} ساقطةُ {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي: عروشها على الأرض والكروم عليها محرقةُ جميعها {وَيَقُولُ} الكافر حينئذ بعدما أفاق عن سكر الغرور والغفلة، وتفطن على منشأ الصدمة والصولة الإلهية نادماً متحسراً: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} [الكهف: 42] تعنتاً واستكباراً حتى لا يلحق عليّ ما لحقني من الوبال والنكال. {وَلَمْ تَكُن لَّهُ} حينئذ {فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ} على مقتضى مباهاته ومفاخرته بالأعوان والأنصار من بأس الله وأخذِه بل لا ناصرَ له {مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي: استنصر منه، واستغفر عما صدر عنه من الجراءة والجرائم فقد نصرَه وعفا عنه وإن عظمت زلته {وَمَا كَانَ} أيضاً بنفسه على مقتضى استبداده وثروته {مُنْتَصِراً} [الكهف: 43] مخلّصاً مُنْجِياً نفسه عن امثال عن أمثال هذا النكال. بل: {هُنَالِكَ} وفي تلك الحالة وأمثال تلك الواقعة {ٱلْوَلاَيَةُ} أي: النصر والاستيلاء، والغلبة والاستعلاء، والعظمة والكبرياء، والتعزز والاستغناء {لِلَّهِ ٱلْحَقِّ} الثابت القيوم المطلق، الحقيق بالحقية والقيومية، الجدير بالبسط والديمومية، ولذلك {هُوَ} سبحانه بذاته وبمقتضى ألوهييته وربوبيته {خَيْرٌ ثَوَاباً} في النشأة الأخرى لأوليائه، وأفضلُ عطاءً لأحبائه وأُمنائه {وَخَيْرٌ عُقْباً} [الكهف: 44] لانتقام أعدائه انتصاراً لأوليائه. { وَٱضْرِبْ لَهُم} أي: اذكر يا أكمل الرسل للمائلين إلى الدنيا ومزخرفاتها ومستلذاتها الفانية الغير قارة، المستتبعة لأنواع الآثام والعصيان، المستلزمة لغضب الله وسخطه ومثّل لهم {مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وانقضائها وفنائها سريعاً {كَمَآءٍ} أي: مثله مثل ماء {أَنْزَلْنَاهُ مِنَ} جانب {ٱلسَّمَاءِ} إظهاراً لكمال قدرتنا وعجائب صنعتنا وبدائع حكمتنا {فَٱخْتَلَطَ بِهِ} أي: تكاثف وغلظ بسببه {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} وصار في كمال الطراوة والنضارة والحسن والبهاء إلى حيث يعجب منها أبصار أولي الألباب والاعتبار، ثم يبس من حر الشمس وبرد الهواء {فَأَصْبَحَ هَشِيماً} مهشوماً متفرق الأوراق متفتتَ الأجزاء إلى حيث {تَذْرُوهُ} أي: تثيره وتطيره {ٱلرِّياحُ} كيف يشاء {وَكَانَ ٱللَّهُ} القادر المقتدر بالقدرة الكاملة التامة {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من قدوراته ومراداته {مُّقْتَدِراً} [الكهف: 43] كاملاً؛ بحيث لا تنتهي قدرته لدى المراد، بل له التصرف فيه على ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.