Verse. 2177 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

قَالَ لَہٗ صَاحِبُہٗ وَہُوَيُحَاوِرُہٗۗ اَكَفَرْتَ بِالَّذِيْ خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَۃٍ ثُمَّ سَوّٰىكَ رَجُلًا۝۳۷ۭ
Qala lahu sahibuhu wahuwa yuhawiruhu akafarta biallathee khalaqaka min turabin thumma min nutfatin thumma sawwaka rajulan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال له صاحبه وهو يحاوره» يجاوبه «أكفرت بالذي خلقك من تراب» لأن آدم خُلق منه «ثم نطقه» منيّ «ثم سواك» عدلك وصيرك «رجلاً».

37

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} يهوذا أو تمليخا؛ على الخلاف في ٱسمه. {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} وعظه وبيّن له أن ما اعترف به من هذه الأشياء التي لا ينكرها أحد أبدع من الإعادة. و «سوَّاك رجلا» أي جعلك معتدل القامة والخَلْق، صحيحَ الأعضاء ذكراً. {لَّكِنَّا هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} كذا قرأه أبو عبد الرحمن السُّلَمِي وأبو العالية. وروي عن الكسائي {لَّكِنَّ هُوَ ٱللَّهُ} بمعنى لكن الأمر هو الله ربي، فأضمر اسمها فيها. وقرأ الباقون «لكنا» بإثبات الألف. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، تقديره: لكن الله هو ربي أنا، فحذفت الهمزة من «أنا» طلباً للخفة لكثرة الاستعمال وأدغمت إحدى النونين في الأخرى وحذفت ألف «أنا» في الوصل وأثبتت في الوقف. وقال النحاس: مذهب الكسائي والفرّاء والمازِنِيّ أن الأصل لكن أنا فألقيت حركة الهمزة على نون لكن وحذفت الهمزة وأدغمت النون في النون فالوقف عليها لكنا وهي ألف أنا لبيان الحركة. وقال أبو عبيد: الأصل لكن أنا، فحذفت الألف فٱلتقت نونان فجاء بالتشديد لذلك، وأنشدنا الكسائي:شعر : لَهنّكِ من عَبْسِيَّة لَوَسِيَمةٌ على هَنَوَاتٍ كاذب من يقولها تفسير : أراد: لله إنك (لوسيمة)، فأسقط إحدى اللامين من «لله» وحذف الألف من إنك. وقال آخر فجاء به على الأصل:شعر : وترمينني بالطَّرْف أي أنت مذنب وتَقْلِيننِي لكنّ إيّاكِ لاَ أَقْلِي تفسير : أي لكن أنا. وقال أبو حاتم: وروَوْا عن عاصم «لكنا هو الله ربي» وزعم أن هذا لحن، يعني إثبات الألف في الإدراج. قال الزجاج: إثبات الألف في «لكنا هو الله ربي» في الإدراج جيد؛ لأنه قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها عِوضاً. قال: وفي قراءة أُبَيّ «لكن أنا هو الله ربي». وقرأ ابن عامر والمَسِيلِيّ عن نافع ورُويس عن يعقوب «لكنا» في حال الوقف والوصل معاً بإثبات الألف. وقال الشاعر:شعر : أنا سيف العشيرة فٱعرفوني حُمَيْداً قد تَذَرّيْتُ السِّناما تفسير : وقال الأعشى:شعر : فكيف أنا وٱنتحال القوافي بعد المشيب كفى ذاك عاراً تفسير : ولا خلاف في إثباتها في الوقف. {هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} «هو» ضمير القصة والشأن والأمر؛ كقوله {أية : فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنبياء: 79] وقوله «قل هو الله أحد». {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} دلّ مفهومه على أن الأخ الآخر كان مشركاً بالله تعالى يعبد غيره. ويحتمل أنه أراد لا أرى الغنى والفقر إلا منه، وأعلم أنه لو أراد أن يسْلُب صاحب الدنيا دنياه قَدَر عليه؛ وهو الذي آتاني الفقر. ويحتمل أنه أراد جحودُك البعث مصيرهُ إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه، وهو تعجيز الرب سبحانه وتعالى، ومَن عجّزه سبحانه وتعالى شبّهه بخلقه؛ فهو إشراك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظاً له وزاجراً عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} الآية، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه، وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين؛ كما قال تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] الآية، أي كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوماً، ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستنداً إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن: {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية، {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له. ثم قال: {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} هذا تحضيض وحث على ذلك، أي هلا إذ أعجبتك حين دخلتها، ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع، أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد، فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت» تفسير : وكان يتأول هذه الآية: {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصحّ حديثه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله» تفسير : تفرّد به أحمد. وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «حديث : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عَوَانة عن أبي بَلْج عن عمرو بن ميمون قال: قال أبو هريرة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟» تفسير : قال: قلت: نعم فداك أبي وأمي. قال: «حديث : أن تقول: لا قوة إلا بالله» تفسير : قال أبو بلج: وأحسب أنه قال: «حديث : فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم» تفسير : قال: فقلت لعمرو: قال أبو بلج: قال عمرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فقال: لا، إنها في سورة الكهف {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}. وقوله: {فعسَىٰ رَبِّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ} أي في الدار الآخرة، {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} أي على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى {حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومالك عن الزهري: أي عذاباً من السماء، والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} أي بلقاً تراباً أملس لا يثبت فيه قدم، وقال ابن عباس: كالجرز الذي لا ينبت شيئاً. وقوله: {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا} أي غائراً في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30] أي: جار وسائح، وقال ههنا: {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} والغور مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر:شعر : تَظَل جِيادُهُ نَوْحاً عَلَيْهِ تُقَلِّدُه أَعِنَّتَها صُفوفاً تفسير : بمعنى: نائحات عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ لَهُ صَٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَٰوِرُهُ } يجاوبه {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } لأن آدم خلق منه {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } منيّ {ثُمَّ سَوَّاكَ } عدّلك وصيّرك {رَجُلاً }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {فعسى ربّي أن يؤتين خيراً مِنْ جنتك} فيه وجهان: أحدهما: خيراً من جنتك في الدنيا فأساويك فيها. الثاني: وهو الأشهر خيراً من جنتك في الآخرة، فأكون أفضل منك فيها. {ويرسل عليها حُسْباناً من السماء} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني عذاباً، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: ناراً. الثالث: جراداً. الرابع: عذاب حساب بما كسبت يداك، قاله الزجاج، لأنه جزاء الآخرة. والجزاء من الله تعالى بحساب. الخامس: أنه المرامي الكثيرة، قاله الأخفش وأصله الحساب وفي السهام التي يرمى بها في طلق واحد، وكان من رَمي الأساورة. {فتصبح صعيداً زلقاً} يعني أرضاً بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض. {أو يصبح ماؤها غوراً} يعني ويصبح ماؤها غوراً، فأقام أو مقام الواو، و {غوراً} يعني غائراً ذاهباً فتكون أعدم أرض للماء بعد أن كان فيها. {فلن تستطيع له طلباً} ويحتمل وجهين: أحدهما: فلن تستطيع رد الماء الغائر. الثاني: فلن تستطيع طلب غيره بدلاً منه وإلى هذا الحد انتهت مناظرة أخيه وإنذاره.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُحَاوِرُهُ} يناظره في الإيمان والكفر، أو في طلب الدنيا وطلب الآخرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال له صاحبه} اى اخوه المؤمن وهو استئناف كما سبق {وهو يحاوره} اى والحال ان القائل يخاطبه ويجادله: قال فى الإرشاد وفائدة هذه الجملة الحالية التنبيه من الامر الاول على ان ما يتلوه كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاروة {أكفرت} حيث قلت ما اظن الساعة قائمة فانه شك فى صفات الله وقدرته {بالذى خلقك} اى فى ضمن خلق اصلك آدم عليه السلام {من تراب} فانه متضمن بخلقه منه اذ هو انموذج مشتمل اجمالا على جميع افراد الجنس وهمزة الاستفهام للتقرير والامكان بمعنى ما كان ينبغى ان تكفر ولم كفرت بمن اوجدك من تراب اولا {ثم من نطفة} اى من منى فى رحم امك ثانيا وهى مادتك القريبة {ثم سواك} جعلك معتدل الخلق والقامة حال كونك {رجلا} انسانا ذك ابالغا مبلغ الرجال. قال فى القاموس الرجل بضم الجيم وسكونها معروف او انما هو اذا احتلم وشب.

الأعقم

تفسير : {قال له صاحبه} المؤمن وهو يحاوره يخاصمه {أكفرت بالذي خلقك من تراب} خلق أصلك وهو آدم {ثم من نطفة} أي خلق ولده من نطفة {ثم سواك رجلاً} أي عدلك بأن جعلك بشراً سوياً يعني نقلك من حال إلى حال {لكنّا هو الله ربي} الذي أنشأها حالاً بعد حال دل على صانع عالم مختار {ولا أشرك بربي أحداً} يعني لا أشرك في عبادتي أحداً معه، يعني إن كنت تفاخر بالدنيا فأنا أفاخر بالتوحيد {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} أي هلا اتكلت في جميع أمرك على مشيئته وتدبيره {ان تَرَنِ أنا أقل منك مالاً وولداً} فأنا راض بقضائه {فعسى} لعل {ربي أن يؤتينِ خيراً من جنتك} أي يعطيني من جهته ما هو خير من هذا البستان وأعظم شأناً {ويرسل عليها حسباناً من السماء}، قيل: عذاباً، وقيل: ناراً {فتصبح صعيداً} تراباً {زلقاً} أي أملس لا نبات عليه، وقيل: رملاً {أو يصبح ماؤها غوراً} أي غائراً ذاهباً في الأرض {فلن تستطيع له طلباً} أي لا تدري أين ذهب، ثم بيّن تعالى ما آل اليه الكافر فقال تعالى: {وأحيط بثمره} أي أحاط الهلاك بثمره فأهلك حتى لم يخرج منه شيء، وروي أنه تعالى أرسل عليها ناراً {فأصبح} هذا الكافر {يقلُّب كفيه} يصفق بأحد يديه على الأخرى ويقلبها {وهي خاوية على عروشها} يعني الجنة ساقطة على سقوفها، وقيل: صار أعلاها أسفلها، والعروش الأبنية {ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً} فتمنى الايمان لبقاء لا لوجوبه وكان لا ينفعه ولو ندم على الكفر آمن بالله {ولم تكن له فئة ينصرونه} من عقاب الله وكلاك ما له {وما كان منتصراً} ممتنعاً {هنالك الولاية} أي في ذلك المكان وتلك الحالة النصرة لله لا يملكها غيره، ويجوز أن يكون المعنى هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة الحق قيل: من صفة الولاية، وقيل: من صفة الله على اختلاف القراءتين {هو خير ثواباً وخير عقباً}.

اطفيش

تفسير : {قَالَ لَهُ} أى لصاحب الجنتين الكافر. {صَاحِبُهُ} المسلم. {وهُوَ} أى صاحبه المسلم {يُحَاوِرُهُ} أى يحاور الكافر بالجواب. {أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ} الهمزة للتوبيخ وإنكار جواز الكفر وإنما علم كفره من قوله: {أية : أئنك لمن المصدقين} تفسير : بأموالهم اعتقاداً للبعث وقوله: {لئن رددت} بصيغة الشك فى الرد وهو البعث وغير ذلك مما علمه من أحواله. {مِنْ تُرَابٍ} بخلق أبيك منه فإنه من تولد ممن خلق من تراب مخلوق من تراب ولو كثرت وسائط تولده منه هذا ما أقرر به المعنى وهو إن شاء الله أولى من تقدير خلق أباك من تراب فالتراب المادة البعيدة لكل ولد آدم. {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} نفس النطفة التى كنتها ثم صرت حيواناً فهى المادة القريبة. {ثُمَّ سَوَّاكَ} عدلك وكملك. {رَجُلا} أى ذكراً لا أُنثى فإنه قد يطلق الرجل على الذكر ولو طفلا أو جنينا أو المراد ذكراً بالغا ورجلا حال مقدرة شبيهة بالمقارنة لأنه فى حال تسويته ينقله من حال إلى حال فى أزمان متعددة غير رجل حتى تتم تسويته فيتصل بها كونه رجلا اتصالا شديداً ومثل المتصلة ولو أقل من هذه قد تسمى مقارنة ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لسوى بمعنى صيَّر وإنما علق الإنكار والتوبيخ بالخلق من تراب ثم من نطفة وبتسويته رجلا تنبيها له على أن ذلك نعمة قد كفرها ولم يشكرها وردّاً عليه فى شكله فى كمال قدرة الله جل وعلا بأن من قدر على بدء خلقه من التراب يقدر على إعادته قطعا.

اطفيش

تفسير : {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} أخوه المؤمن {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} بخلق أبيك آدم منه، والمخلوق ممن خلق من تراب مخلوق من التراب، أو بخلقك من طعام أصله من الأرض، وجعل عدم الإيمان بالبعث شركاً من أنه من لم يستكمل خصال التوحيد، فهو كخطاب الوضع، ويجوز أن يكون من طريق أنه شبه الله بخلقه فى عجزه عن البعث، فكأنه جعل لله شريكاً، وهو خلقه إذا اشتركا فى العجز عن البعث تعالى الله عن العجز عن البعث، هو قادر عليه، وفاعل له. والأول شامل لمن أنكر البعث لعدم إمكانه فى زعمه، وعدم تعلق القدرة بالممتنع حق، فإن مَن أنكره بهذه الطريقة أو لم يجزم به مشرك أيضا، ويدل على أن هذا الكفر إشراك تعريض صاحبه بقوله: "أية : ولا أشرك بربى أحداً" تفسير : [الكهف: 38] أو يقال: المراد كفرت مثل كفران قدرته العلية على كل ممكن، ومن جملة القدرة على الإعادة، فيكون منكراً للواجب تعالى، لأن واجب الوجود مَن له قدرة كاملة، وإنكار القدرة الكاملة إنكار لواجب الوجود، وهو إشراك، وكذا تقول فى سائر الصفات واجب الوجود من له علم محيط بكل شئ، وواجب الوجود مَن لا أول له، وهكذا أفعاله مثل أن تقول واجب الوجود هو الخالق، وكل واحد من الشك فى قدرة الله على البعث والشك فى أخباره عز وجل بالصدق، والشك فى أن البعث حكمة شرك، وقد قيل إنه مشرك قبل قوله ذلك. ألا ترى إلى تعريض صاحبه بالشرك له إذ قال: لا أشرك بربى أحداً، وقوله نفسه: يا ليتنى لم أشرك بربى أحداً، والاستفهام توبيخ وإنكار، وعلق الحكم بالخلق لمزيد القبح فى إنكاره مَن هو خالق له، والتلويح بأنه كما قدر على خلقك قدر على بعثك، وهذا أهون فى بادى الرأى، وكيف لا يقدر على خلقه مَن يخلق الشئ إذا شاء، لا من شئ، ومعنى خلقه من تراب خلق أصله البعيد من تراب وهو آدم، أو أصله القريب، وهو مأكوله المتولد من النبات المتولد من التراب، أو الدم المتولد من المأكول المتولد من النبات المتولد من التراب. {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} متولدة من الدم المتولد مما ذكر {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} أى ثم سواك فعدلك كما فى سورة الانفطار إلى أن صرت رجلاً، فإن السوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدلة لمنافعها، والتعديل جعل البينة معتدلة متناسبة الأعضاء، ولعل التسوية هنا تعم التعديل، إذ لم يذكره، أو لم يذكره هنا لذكره فى سورة أخرى، ورجلا مفعول ثان، لأن التسوية جعل، وقيل: حال، وفى كونه رجلا زيادة دلالة على القدرة، وامتنان بالرجولية.

الالوسي

تفسير : {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ} استئناف كما سبق {وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ} جملة حالية كالسابقة، وفائدتها التنبيه من أول الأمر على أن ما يتلوها كلام معتنى بشأنه مسوق للمحاورة. وقرأ أبـي وحمل ذلك على التفسير (وهو يخاصمه) {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} أي في ضمن خلق أصلك منه وهو آدم عليه السلام لما أن خلق كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرته الشريفة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجاً منطوياً على فطرة سائر أفراد الجنس انطواءً إجمالياً مستتبعاً لجريان آثارها على الكل فإسناد الخلق من تراب إلى ذلك الكافر حقيقة باعتبار أنه مادة أصله، وكون ذلك مبنياً على صحة قياس المساواة خيال واه. وقيل خلقك منه لأنه أصل مادتك إذ ماء الرجل يتولد من أغذية راجعة إلى التراب فالإسناد مجاز من إسناد ما للسبب إلى المسبب فتدبر. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} هي مادتك القريبة فالمخلوق واحد والمبدأ متعدد. ونقل أنه ما من نطفة قدر الله تعالى أن يخلق منها بشراً إلا وملك موكل بها يلقى فيها قليلاً من تراب ثم يخلق الله تعالى منها ما شاء من ذكر أو أنثى. وتعقبه في «البحر» بأنه يحتاج إلى ثبوت صحته. وأنا أقول: غالب ظني أني وقفت على تصحيحه لكن في تخريج الآية عليه كلام لا يخفى {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} عدلك وكملك إنساناً ذكراً؛ وأصل معنى التسوية جعل الشيء سواء أي مستوياً كما فيما {أية : تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ} تفسير : [النساء: 42] ثم إنه يستعمل تارة بمعنى الخلق والإيجاد كما في قوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} تفسير : [الشمس: 7] فإذا قرن بالخلق والإيجاد كما هنا فالمراد به الخلق على أتم حال وأعدله حسبما تقتضيه / الحكمة بدون إفراط ولا تفريط. ونصب {رَجُلاً} على ما قال أبو حيان على الحال وهو محوج إلى التأويل. وقال الحوفي: نصب على أنه مفعول ثان لسوى، والمراد ثم جعلك رجلاً. وفيه على ما قيل تذكير بنعمة الرجولية أي جعلك ذكراً ولم يجعلك أنثى. والظاهر أن نسبة الكفر بالله تعالى إليه لشكه في البعث وقوله: {أية : مَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} تفسير : [الكهف: 36] والشاك في البعث كما في «الكشف» كافر من أوجه الشك في قدرته تعالى وفي إخباره سبحانه الصدق وفي حكمته ألا ترى إلى قوله عز وجل {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115] وهذا هو الذي يقتضيه السياق لأن قوله: {أَكَفَرْتَ} الخ وقع رداً لقوله: {أية : مَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً} تفسير : [الكهف: 36] ولذلك رتب الإنكار بخلقه من تراب ثم من نطفة الملوح بدليل البعث وعليه أكثر المفسرين ونوقشوا فيه. وقال بعضهم: الظاهر إنه كان مشركاً كما يدل عليه قول صاحبه تعريضاً به {أية : وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 38] وقوله: {أية : يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 42] وليس في قوله: {أية : لئن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى} تفسير : [الكهف: 36] ما ينافيه لأنه على زعم صاحبه كما مر مع أن الإقرار بالربوبية لا ينافي الإشراك فعبدة الأصنام مقرون بها وهم مشركون فالمراد بقوله: {أَكَفَرْتَ} أأشركت اهـ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ما يتعلق به. وقرأ ثابت البناني وحمل ذلك على التفسير كنظائره المتقدمة (ويلك أكفرت).

ابن عاشور

تفسير : {قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّى أَحَدًا}. حُكي كلام صاحبه بفعل القول بدون عطف للدلالة على أنه واقع موقع المحاورة والمجاوبة، كما قدمناه غير مرة. والاستفهام في قوله: {أكفرت بالذي خلقك} مستعمل في التعجب والإنكار، وليس على حقيقته، لأن الصاحب كان يعلم أن صاحبه مشرك بدليل قوله له: {ولا أشرك بربي أحداً}. فالمراد بالكفر هنا الإشراك الذي من جملة معتقداته إنكار البعث، ولذلك عُرّف بطريق الموصولية لأن مضمون الصلة من شأنه أن يصرف من يدركه عن الإشراك به، فإنهم يعترفون بأن الله هو الذي خلق الناس فما كان غير الله مستحقاً للعبادة. ثم إن العلم بالخلق الأول من شأنه أن يصرف الإنسان عن إنكار الخلق الثاني، كما قال تعالى: { أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } تفسير : [ق: 15]، وقال: { أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } تفسير : [الروم: 27]، فكان مضمون الصلة تعريضاً بجهل المخاطب. وقوله: {من تراب} إشارة إلى الأجزاء التي تتكون منها النطفة وهي أجزاء الأغذية المستخلصة من تراب الأرض، كما قال تعالى في الآية الأخرى { أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض } تفسير : [يس: 36]. والنطفة: ماء الرجل، مشتقة من النطف وهو السيلان. و {سواك} عدل خلقك، أي جعله متناسباً في الشكل والعمل. و (من) في قوله: {من تراب ثم من نطفة} ابتدائية، وقوله: {لكنا هو الله ربي} كتب في المصحف بألف بعد النون. واتفق القراء العشرة على إثبات الألف في النطق في حال الوقف، وأما في حال الوصل فقرأه الجمهور بدون نطق بالألف، وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب بإثبات النطق بالألف في حال الوصل، ورسمُ المصحف يسمح بكلتا الروايتين. ولفظ {لكنا} مركب من (لكنْ) بسكون النون الذي هو حرف استدراك، ومن ضمير المتكلم (أنا). وأصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة تخفيفاً كما قال الزجاج، أي على غير قياس لا لعلة تصريفية، ولذلك لم يكن للهمزة حكم الثابت فلم تمنع من الإدغام الذي يمنع منه ما هو محذوف لعلة بناءً على أن المحذوف لعلةٍ بمنزلة الثابت، ونقلت حركتها إلى نون (لكنْ) الساكنة دليلاً على المحذوف فالتقى نونان متحركتان فلزم إدغامهما فصار (لكنا). ولا يجوز أن تكون (لكِنّ) المشددة النون المفتوحتها أشبعت فتحتها، لأن لكن المشددة من أخوات إنّ تقتضي أن يكون الاسم بعدها منصوباً وليس هنا ما هو ضمير نصب، ولا يجوز اعتبار ضمير (أنا) ضمير نصب اسم (لكنّ) لأن ضمير المتكلم المنصوب يجب أن يكون بياء المتكلم، ولا اعتبارهُ ضميرَ المتكلم المشارك لمنافاته لإفراد ضمائره بعده في قوله: {هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً}. (فأنا) مبتدأ، وجملة {هو الله ربي} ضمير شأن وخبرُه، وهي خبر (أنا)، أي شأني هو الله ربي. والخبر في قوله: {هو الله ربي} مستعمل في الإقرار، أي أعترف بأنه ربي خلافاً لك. وموقع الاستدراك مضادةُ ما بعد (لكن) لما قبلها، ولا سيما إذا كان الرجلان أخوين أو خليلين كما قيل فإنه قد يتوهم أن اعتقادهما سواء. وأكد إثبات اعترافه بالخالق الواحد بمؤكدات أربعة، وهي: الجملتان الاسميتان، وضمير الشأن في قوله: {لكنا هو الله ربي}، وتعريف المسند والمسند إليه في قوله: {الله ربي} المفيد قصر صفة ربوبية الله على نفس المتكلم قصراً إضافياً بالنسبة لمخاطبه، أي دونك إذ تعبد آلهة غير الله، وما القصر إلا توكيد مضاعف، ثم بالتوكيد اللفظي للجملة بقوله: {ولا أشرك بربي أحداً}. وعطف جملة {ولولا إذ دخلت} على جملة {أكفرت} عطف إنكار على إنكار. و (لولا) للتوبيخ، كشأنها إذا دخلت على الفعل الماضي، نحو { أية : لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء } تفسير : [النور: 13]، أي كان الشأن أن تقول {ما شاء الله لا قوة إلا بالله} عوض قولك: { أية : ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة } تفسير : [الكهف: 36]. والمعنى: أكفرت بالله وكفرت نعمته. و (ما) من قوله: {ما شاء الله} أحسن ما قالوا فيها إنها موصولة، وهي خبر عن مبتدأ محذوف يدل عليه ملابسة حال دخول الجنة، أي هذه الجنة مَا شاء الله، أي الأمر الذي شاء الله إعطاءه إياي. وأحسن منه عندي: أن تكون (ما) نكرة موصوفة. والتقدير: هذه شيء شاء الله، أي لي. وجملة {لا قوة إلا بالله} تعليل لكون تلك الجنة من مشيئة الله، أي لا قوة لي على إنشائها، أو لا قوة لمن أنشأها إلا بالله، فإن القوى كلها موهبة من الله تعالى لا تؤثر إلا بإعانته بسلامة الأسباب والآلات المفكرة والصانعة. فما في جملة {لا قوة إلا بالله} من العُموم جعلها كالعلة والدليللِ لكون تلك الجنة جزئياً من جزئيات منشئات القوى البشرية الموهوبة للناس بفضل الله. {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} { لله فعسَىٰ رَبِّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا }. جملة ابتدائية رَجع بها إلى مجاوبة صاحبه عن قوله: { أية : أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً } تفسير : [الكهف: 34]، وعظه فيها بأنه لا يدري أن تصير كثرة ماله إلى قلة أو إلى اضمحلال، وأن يصير القليلُ مالُه ذا مال كثير. وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفاً وهو كثير. و (أنا) ضمير فصل، فلذلك كان {أقل} منصوباً على أنه مفعول ثانٍ لــــ {ترن} ولا اعتداد بالضمير. و (عسى) للرجاء، وهو طلب الأمر القريب الحصول. ولعله أراد به الدعاء لنفسه وعلى صاحبه. والحسبان: مصدر حسب كالغفران. وهو هنا صفة لموصوف محذوف، أي هلاكاً حسباناً، أي مقدراً من الله، كقوله تعالى: { أية : عطاء حساباً } تفسير : [النبأ: 36]. وقيل: الحسبان اسم جمع لسهام قصار يرمى بها في طلق واحد وليس له مفرد. وقيل: اسم جمع حُسبانة وهي الصاعقة. وقيل: اسم للجراد. والمعاني الأربعة صالحة هنا، والسماء: الجو المرتفع فوق الأرض. والصعيد: وجه الأرض. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فتيمموا صعيداً طيباً } تفسير : [المائدة: 6]. وفسروه هنا بذلك فيكون ذكره هنا توطئة لإجراء الصفة عليه وهي {زلقاً}. وفي «اللسان» عن الليث «يقال للحَديقة، إذا خربت وذهب شجراؤها: قد صارت صعيداً، أي أرضاً مستوية لا شجر فيها»ا هــــ. وهذا إذا صح أحسن هنا، ويكون وصفه بــــ {زلقاً} مبالغة في انعدام النفع به بالمرة. لكني أظن أن الليث ابتكر هذا المعنى من هذه الآية وهو تفسير معنى الكلام وليس تبييناً لمدلول لفظ صعيد. ونظيره قوله: { أية : وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً } تفسير : [الكهف: 8] في أول هذه السورة. والزلق: مصدر زلقت الرجل، إذا اضطربت وزلت على الأرض فلم تستقر. ووصف الأرض بذلك مبالغة، أي ذات زلق، أي هي مزْلِقَة. والغَور: مصدر غار الماء، إذا ساخ الماء في الأرض. ووصفه بالمصدر للمبالغة، ولذلك فرع عليه {فلن تستطيع له طلباً}. وجاء بحرف توكيد النفي زيادة في التحقيق لهذا الرجاء الصادر مصدر الدعاء.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلاً للمؤمنين، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلاً لذوي المال والجاه من الكفار، منكراً عليه كفره - أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلاً، لأن خلقه إياه من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلاً، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، وجعله بشراً سويا، ويجعله يستبعد منه كل البعد الكفر بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود. وهذا المعنى المبين هنا بينه في مواضع أخر، كقوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [البقرة: 28]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 22] وقوله تعالى: {أية : قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}تفسير : [الشعراء: 75-81] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}تفسير : [الزخرف: 26-27] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا كثيراً من الآيات الدالة على أن ضابط من يستحق العبادة وحده دون غيره - أن يكون هو الذي يخلق المخلوقات، ويظهرها من العدم إلى الوجود بما أغنى عن إعادته هنا. وقوله في هذه الآية الكريمة: {بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} معنى خلقه إياه من تراب، أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59] الآية. ونظير الآية التي نحن بصددها قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ }تفسير : [الحج: 5] الآية. وقوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي بعد أن خلق آدم من التراب، وخلق حواء من ضلعه، وجعلها زوجاً له - كانت طريق إيجاد الإنسان بالتناسل. فبعد طور التراب طور النطفة، ثم طور العلقة إلى آخر أطواره المذكورة في قوله {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}تفسير : [نوح: 14]، وقوله تعالى: {أية : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ}تفسير : [الزمر: 6] وقد أوضحها تعالى إيضاحاً تاماً في قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}تفسير : [المؤمنون: 12-14]. ومما يبين خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، قوله تعالى في "السجدة": {أية : ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : [السجدة: 7-9]. وقوله في هذه الآية: {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} كقوله {أية : خَلَقَ ٱلإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}تفسير : [النحل: 4]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ}تفسير : [يس: 77] أي بعد أن كان نطفة سار إنساناً خصيماً شديد الخصومة في توحيد ربه. وقوله {سواك} أي خلقك مستوي الأجزاء، معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء في أكمل صورة، وأحسن تقويم. كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4]، وقوله: {أية : وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ}تفسير : [غافر: 64]، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِيۤ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}تفسير : [الانفطار: 8]، وقوله "رجلاً" أي ذكراً بالغاً مبلغ الرجال، وربما قالت العرب للمرأة: رجلة، ومنه قول الشاعر: شعر : كل جار ظل مغتبطاً غير جيران بني جبلة مزقوا ثوب فتاتهم لم يراعوا حرمة الرجلة تفسير : وانتصاب "رجلاً" على الحال. وقيل مفعول ثان لسوى على تضمينه معنى جعلك أو صيرك رجلاً. وقيل: هو تمييز. وليس بظاهر عندي، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} مضمن معنى الاستبعاد، لأنه يستبعد جداً كفر المخلوق بخالقه، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، ويستبعد إنكار البعث ممن علم الله أن الله خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم سواه رجلاً. كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] الآية. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبه قول الشاعر: شعر : ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها تفسير : لأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لَّكِنَّ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} بين فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر: أنت كافر! لكن أنا لست بكافر! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني. أي لأنه هو الذي يستحق مني أن أعبده، لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه، تلزمه عبادة خالقه كما تلزمني. ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في "يس" في قوله تعالى: {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي}تفسير : [يس: 22] أي أبدعني وخلقني وإليه ترجعون. وما قدمنا عن إبراهيم في قوله: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}تفسير : [الشعراء: 77-78] الآية، وقوله: {أية : إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي}تفسير : [الزخرف: 26-27] الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} [الكهف: 37] بعد قوله: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً}تفسير : [الكهف: 36] يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة "الرعد" في قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}تفسير : [الرعد: 5]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {لكنا} أصله "لكن أنا" فحذفت همزة "أنا" وأدغمت نون "لكن" في نون "أنا" بعد حذف الهمزة. وقال بعضهم: نقلت حركة الهمزة إلى نون "لكن" فسقطت الهمزة بنقل حركتها، ثم أدغمت النون في النون! ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر: شعر : وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكنا إياك لم أقل تفسير : أي لكن أنا إياك لم أقل. وقال بعضهم: لا يتعين في البيت ما ذكر. لجواز أن يكون المقصود لكنني فحذف اسم "لكن" كقول الآخر: شعر : فلو كنت ضبياً عرفت قرابتي ولكن زنجي عظيم المشافر تفسير : أي لكنك زنجي في رواية من روى زنجي بالرفع. وأنشد الكسائي لنحو هذا الحذف من "لكن أنا" قول الآخر: شعر : لهنك من عبسية لوسمية على منوات كاذب من يقولها تفسير : قال: أراد بقوله "لهنك" لله إنك. فحذف إحدى اللامين من "لله"، وحذف الهمزة من "إنك" نقله القرطبي عن أبي عبيد. وقوله تعالى: {لَّكِنَّ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي}. قرأه جماهير القراء في الوصل "لكن" بغير ألف بعد النون المشددة. وقرأه ابن عامر من السبعة "لكنا" بالألف في الوصل. ويروى ذلك عن عاصم، ورواه المسيلي عن نافع، ورويس عن يعقوب. واتفق الجميع على إثبات الألف في الوقف. ومد نون "أنا" لغة تميم إن كان بعدها همزة. وقال أبو حيان في البحر: إن إثبات ألف "أنا" مطلقاً في الوصل لغة بني تميم، وغيرها يثبتونها على الاضطرار. قال: فجاءت قراءة "لكنا" بإثبات الألف في الوصل على لغة تميم. ومن شواهد مد "أنا" قبل غير الهمزة قول الشاعر: شعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميداً قد تذريت السناما تفسير : وقول الأعشى: شعر : فكيف أنا وانتحال القوافي بعد المشيب كفى ذاك عارا تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة: {أية : وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}تفسير : [الكهف: 34] جملة حالية. والمحاورة: المراجعة في الكلام: ومنه قوله تعالى: {أية : قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ}تفسير : [المجادلة: 1]، وقول عنترة في معلقته: شعر : لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الجواب مكلمي تفسير : وكلام المفسرين في الرجلين المذكورين هنا في قصتهما كبيان أسمائهما، ومن أي الناس هما - أعرضنا عنه لما ذكرنا سابقاً من عدم الفائدة فيه، وعدم الدليل المقنع عليه. والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَوَّاكَ} (37) - فَأَجَابَهُ صَاحِبُهُ المُؤْمِنُ يَعِظُهُ، وَيَزْجُرُهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَالغَيِّ، وَالاغْتِرَارِ: أَتَكْفُرُ بِاللهِ الذِي خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً قَوِياً بَالِغاً؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يردُّ عليه صاحبه المؤمن مُحَاوراً ومُجادلاً ليجُلِّيَ له وَجْه الصواب: {أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ..} [الكهف: 37] أي: كلامك السابق أنا أنا، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار، أتذكر هذا كله ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خَلْقك {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ..} [الكهف: 37] وهي أصل التناسل {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37] أي: كاملاً مُسْتوياً (ملو هدومك). و {سَوَّاكَ ..} [الكهف: 37] التسوية: هي إعداد الشيء إعداداً يناسب مهمته في الحياة، وقلنا: إن العود الحديد السَّويّ مستقيم، والخطاف في نهايته أعوج، والاعوجاج في الخطاف هو عَيْن استقامته واستواء مهمته؛ لأن مهمته أن نخطف به الشيء، ولو كان الخطاف هذا مستقيماً لما أدَّى مهمته المرادة. والهمزة في {أَكَفَرْتَ ..} [الكهف: 37] ليست للاستفهام، بل هي استنكار لما يقوله صاحبه، وما بدر منه من كُفْر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خَلْقه. والتراب هو أَصْل الإنسان، وهو أيضاً مرحلة من مراحل خَلْقه؛ لأن الله تعالى ذكر في خلق الإنسان مرة {أية : مِّن مَّآءٍ}تفسير : [السجدة: 8] ومرة {أية : مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59]، [الروم: 20] ومرة {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26] ومرة {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن: 14]. لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خَلْق الإنسان، والحقيقة أنها شيء واحد، له مراحل متعددة انتقالية، فإنْ أضفْتَ الماء للتراب صار طيناً، فإذا ما خلطْتَ الطين بعضه ببعض صار حمأ مسنوناً، فإذا تركته حتى يجفّ ويتماسك صار صَلْصَالاً، إذن: فهي مرحليات لشيء واحد. ثم يقول الحق سبحانه أن هذا المؤمن قال: {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} معناه يُكَلمُهُ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ} [الكهف: 37] وهو القلب {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37] لتنكر نعمه وأنت تكفرها {لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي} [الكهف: 38] فأشكره ولا أكفره {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً} [الكهف: 38] كما أشركت يا نفس واتخذت إلهك الهوى {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} [الكهف: 39] أي: هلا إذا شرعت في الدنيا كنت في التصرف فيها بأمر الشرع و {قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} [الكهف: 39] أي: أتصرف فيها كما شاء الله وأمرني بها {لاَ قُوَّةَ} [الكهف: 39] للتصرف فيها {إِلاَّ بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} أي: أقل ميلاً إلى الدنيا منك يا نفس وأقل ولداً لأوصاف نفسي {فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ} [الكهف: 40] أي: من جنات الروحانية الباقيات الأخرويات {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} [الكهف: 40] أي: على جنتك الدنيوية الشهوانية {حُسْبَاناً} [الكهف: 40] آفة {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [الكهف: 40] من الآفات {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} [الكهف: 40] لا حاصل بها إلا الحسرة والندامة {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} [الكهف: 41] أي ماء قواها يغور بالموث {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} [الكهف: 41] للحياة أي: فلا تقدر على إحيائها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي: قال له صاحبه المؤمن، ناصحا له، ومذكرا له حاله الأولى، التي أوجده الله فيها في الدنيا { مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا } فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور، حتى سواك رجلا كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة، والمعقولة، وبذلك يسر لك الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة ثم سواك رجلا وتجحد نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك، وإن بعثك أنه يعطيك خيرا من جنتك؟! هذا مما لا ينبغي ولا يليق. ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن حاله واستمراره على كفره وطغيانه، قال مخبرا عن نفسه، على وجه الشكر لربه، والإعلان بدينه، عند ورود المجادلات والشبه: { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } فأقر بربوبيته لربه، وانفراده فيها، والتزم طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحدا من المخلوقين، ثم أخبره أن نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلة ماله وولد، أنها هي النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض للزوال والعقوبة عليه والنكال، فقال: { إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً * هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}. أي: قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت -وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك، ورأيتني أقل منك مالا وولدا -فإن ما عند الله، خير وأبقى، وما يرجى من خيره وإحسانه، أفضل من جميع الدنيا، التي يتنافس فيها المتنافسون. { فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا } أي: على جنتك التي طغيت بها وغرتك { حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ } أي: عذابا، بمطر عظيم أو غيره، { فَتُصْبِحَ } بسبب ذلك { صَعِيدًا زَلَقًا } أي: قد اقتلعت أشجارها، وتلفت ثمارها، وغرق زرعها، وزال نفعها. { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا } الذي مادتها منه { غَوْرًا } أي: غائرا في الأرض { فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } أي: غائرا لا يستطاع الوصول إليه بالمعاول ولا بغيرها، وإنما دعا على جنته المؤمن، غضبا لربه، لكونها غرته وأطغته، واطمأن إليها، لعله ينيب، ويراجع رشده، ويبصر في أمره. فاستجاب الله دعاءه { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } أي: أصابه عذاب، أحاط به، واستهلكه، فلم يبق منه شيء، والإحاطة بالثمر يستلزم تلف جميع أشجاره، وثماره، وزرعه، فندم كل الندامة، واشتد لذلك أسفه، { فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } أي على كثرة نفقاته الدنيوية عليها، حيث اضمحلت وتلاشت، فلم يبق لها عوض، وندم أيضا على شركه، وشره، ولهذا قال: { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا }. قال الله تعالى: { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } أي: لما نزل العذاب بجنته، ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا } فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئا، أشد ما كان إليهم حاجة، وما كان بنفس منتصرا، وكيف ينتصر، أي: يكون له أنصارا على قضاء الله وقدره الذي إذا أمضاه وقدره، لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء منه، لم يقدروا؟!! ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة، التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا. وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم جهول. { هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي: في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من طغى، وآثر الحياة الدنيا، والكرامة لمن آمن، وعمل صالحا، وشكر الله، ودعا غيره لذلك، تبين وتوضح أن الولاية لله الحق، فمن كان مؤمنا به تقيا، كان له وليا، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودفع عنه الشرور والمثلات، ومن لم يؤمن بربه ويتولاه، خسر دينه ودنياه، فثوابه الدنيوي والأخروي، خير ثواب يرجى ويؤمل، ففي هذه القصة العظيمة، اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها، أن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلا فإنه يحرمها طويلا وأن العبد ينبغي له -إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده- أن يضيف النعمة إلى موليها ومسديها، وأن يقول: { ما شاء الله، لا قوة إلا بالله } ليكون شاكرا لله متسببا لبقاء نعمته عليه، لقوله: { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } وفيها: الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها، بما عند الله من الخير لقوله: { إِنْ تَرَن أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ } وفيها أن المال والولد لا ينفعان، إن لم يعينا على طاعة الله كما قال تعالى: {أية : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا } تفسير : وفيه الدعاء بتلف مال ما كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين، وفخر عليهم، وفيها أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء، ووجد العاملون أجرهم فـ { هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي: عاقبة ومآلا.