١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} فِيهِ مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي بالقلب، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر وردّ عليه، إذ قال «مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هٰذِه أبَداً» و «ما» في موضع رفع، تقديره: هذه الجنة هي ما شاء الله. وقال الزجاج والفراء: الأمر ما شاء الله، أو هو ما شاء الله؛ أي الأمر مشيئة الله تعالى. وقيل: الجواب مضمر، أي ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون. {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع. الثانية ـ قال أشهب قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا. وقال ابن وهب قال لي حفص بن مَيْسرة: رأيت على باب وهب بن منبِّه مكتوباً «ما شاء الله لا قوّة إلا بالله». وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة: «حديث : ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة ـ أو قال كنز من كنوز الجنة» تفسير : قلت: بلى يا رسول الله، قال «حديث : لا حول ولا قوّة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم» تفسير : أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى. وفيه: فقال: حديث : «يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس ألا أدُلُّك على كلمة من كنز الجنة ـ في رواية على كنز من كنوز الجنة ـ» قلت: ما هي يا رسول الله، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وعنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة قلت: بلى؛ فقال «لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم»تفسير : . وروي أنه من دخل منزله أو خرج منه فقال: بٱسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله تعالى عليه البركات. وقالت عائشة: إذا خرج الرجل من منزله فقال باسم الله قال المَلَك هُديت، وإذا قال: ما شاء الله قال المَلك: كُفِيت، وإذا قال: لا قوة إلا بالله قال المَلك وُقيت. خرجه الترمذيّ من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال ـ يعني إذا خرج من بيته ـ باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال كُفِيت ووُقِيت وتنّحى عنه الشيطان» تفسير : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. خرجه أبو داود أيضاً وزاد فيه ـ فقال له: «حديث : هُدِيت وكُفيت ووُقيت»تفسير : . وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه مَلَكان موكَّلان به فإذا قال باسم الله قالا هُديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا وقُيت وإذا قال توكّلت على الله قالا كفيت قال فيلقاه قَريناه فيقولان ماذا تريدان من رجل قد هُدِيَ ووُقِي وكُفِي»تفسير : . وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث: سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : تحاجّت الجنة والنار فقالت هذه ـ يعني الجنة ـ يدخلني الضعفاء» تفسير : من الضعيف؟ قال: الذي يبرىء نفسه من الحول والقوّة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة. وقال أنس بن مالك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره عين»تفسير : . وقد قال قوم: ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رَضِيَ به. وروي أن من قال أربعاً أمِنَ من أربع: من قال هذه أمِن من العين، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان، ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم. قوله تعالى: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} «إنْ» شرط «تَرَنِ» مجزوم به، والجواب «فعسى رَبِّي» و «أنا» فاصلة لا موضع لها من الإعراب. ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيداً للنون والياء. وقرأ عيسى بن عمر «إن ترنِ أنا أقلُ منك» بالرفع؛ يجعل «أنا» مبتدأ و «أقل» خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني، والمفعول الأول النون والياء؛ إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها، وإثباتها جيّد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة. و {فعسَىٰ} بمعنى لعل، أي فلعلّ ربي. {أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ} أي في الآخرة. وقيل في الدنيا. {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} أي على جنتك. {حُسْبَاناً} أي مرامي من السماء، واحدها حُسْبانة؛ قاله الأخفش والقُتَبِيّ وأبو عبيدة. وقال ابن الأعرابي: والحسبانة السحابة، والحسبانة الوِسادة، والحسبانة الصَّاعقة. وقال الجوهري: والحسبان (بالضم): العذاب. وقال أبو زياد الكلابي: أصاب الأرض حسبان أي جراد. والحسبان أيضاً الحساب، قال الله تعالى: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}. تفسير : [الرحمن: 5] وقد فُسِّر الحُسْبان هنا بهذا. قال الزجاج: الحسبان من الحساب؛ أي يرسل عليها عذاب الحساب، وهو حساب ما اكتسبت يداك؛ فهو من باب حذف المضاف. والحسبان أيضاً: سهام قصار يرمى بها في طَلْق واحد، وكان من رَمْي الأكاسرة. والمرامي من السماء عذاب. {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} يعني أرضاً بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم، وهي أضَرّ أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض؛ و «زلقا» تأكيد لوصف الصعيد؛ أي تزل عنها الأقدام لملاستها. يقال: مكان زَلَق (بالتحريك) أي دَحْض، وهو في الأصل مصدر قولك: زلِقت رجله تَزلْقَ زَلَقا، وأزلقها غيره. والزلق أيضاً عجز الدابة. قال رُؤْبة:شعر : كأنها حَقْباءُ بُلْقاء الزَّلَق تفسير : والمَزْلْقَة والمُزْلقة: الموضع الذي لا يثبت عليه قدم. وكذلك الزَّلاّقة. والزَّلْق الحَلْق، زَلَق رأسَه يَزْلِقُه زَلْقا حلقه؛ قاله الجوهري. والزَّلَق المحلوق، كالنَّقْض والنَّقَض. وليس المراد أنها تصير مزلقة، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حُلق لا يبقى عليه شعر؛ قاله القشَيْرِيّ. {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} أي غائراً ذاهباً، فتكون أعدمَ أرض للماء بعد أن كانت أوجدَ أرض للماء. والغَوْر مصدر وضع موضع الاسم؛ كما يقال: رجلٌ صَوْمٌ وفِطْرٌ وعَدْلٌ ورِضاً وفَضْلٌ وزَوْرٌ ونساءٌ نوحٌ؛ ويستوى فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع. قال عمرو بن كُلثوم:شعر : تظَلّ جياده نَوْحاً عليه مقلَّدة أعنّتها صُفُونا تفسير : وقال آخر:شعر : هَرِيقي من دموعهما سجاما ضُباع وجاوبي نوحاً قياماً تفسير : أي نائحات. وقيل: أو يصبح ماؤها ذا غَوْر؛ فحذف المضاف؛ مثلُ {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] ذكره النحاس. وقال الكسائي: ماءٌ غَوْرٌ. وقد غار الماء يَغُور غَوْراً وغُوُوراً، أي سفَل في الأرض، ويجوز الهمز لانضمام الواو. وغارت عينه تَغُور غَوْراً وغُؤُوراً؛ دخلت في الرأس. وغارت تَغار لغة فيه. وقال:شعر : أغارتْ عينهُ أم لم تَغَارَا تفسير : وغارت الشمس تغور غِيارا، أي غربت. قال أبو ذُؤيب:شعر : هل الدهر إلاّ ليلة ونهارُها وإلا طلوعُ الشمس ثم غيارها تفسير : {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً} أي لن تستطيع ردّ الماء الغائر، ولا تقدر عليه بحيلة. وقيل: فلن تستطيع طلب غيره بدلاً منه. وإلى هذا الحديث انتهت مناظرة أخيه وإنذاره.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ } وهلا قلت عند دخولها. {مَا شَاء ٱللَّهُ } الأمر ما شاء أو ما شاء كائن على أن ما موصولة، أو أي شيء شاء الله كان على أنها شرطية والجواب محذوف إقراراً بأنها وما فيها بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها. {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } وقلت لا قوة إلا بالله اعترافاً بالعجز على نفسك والقدرة لله، وإن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها بمعونته وإقداره. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره»تفسير : {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } يحتمل أن يكون فصلاً وأن يكون تأكيداً للمفعول الأول، وقرىء {أَقُلْ } بالرفع على أنه خبر {أَنَاْ } والجملة مفعول ثاني لـ {تَرَنِ }، وفي قوله {وَوَلَدًا } دليل لمن فسر النفر بالأولاد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْلاَ } هلا {إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ } عند إعجابك بها هذا {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } في الحديث «حديث : من أعطي خيراً من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكروهاً»تفسير : {إِن تَرَنِ أَنَاْ } ضمير فصل بين المفعولين {أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا }.
ابو السعود
تفسير : {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ} أي هلاّ قلت عندما دخلتَها، وتقديمُ الظرف على المحضَّض عليه للإيذان بتحتّم القولِ في آن الدخولِ من غير ريث لا للقصر {مَا شَاء ٱللَّهُ} أي الأمرُ ما شاء الله أو ما شاء الله كائنٌ على أن ما موصولةٌ مرفوعةُ المحلِّ، أو أيَّ شيء شاء الله كان على أنها شرطيةٌ منصوبةٌ والجوابُ محذوفٌ، والمرادُ تحضيضُه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي هلا قلت ذلك اعترافاً بعجزك وبأن ما تيسر لك من عِمارتها وتدبـيرِ أمرِها إنما هو بمعونته تعالى وإقداره عن النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوةَ إلا بالله لم يضُرَّه » تفسير : {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} أنا إما مؤكدٌ لياء المتكلمِ أو ضميرُ فصْلٍ بـين مفعولي الرؤيةِ إن جُعلت عِلْميةً، وأقلَّ ثانيهما، وحالٌ إن جُعلت بصَريةً فيكون أنا حينئذ تأكيداً لا غيرُ لأن شرطَ كونِه ضميرَ فصلٍ توسطُه بـين المبتدأ والخبر أو ما أصلُه المبتدأُ والخبر، وقرىء أقلُّ بالرفع خبراً لأنا والجملةُ مفعولٌ ثانٍ للرؤية أو حالٌ وفي قوله تعالى: {وَوَلَدًا} نُصرةٌ لمن فسر النفرَ بالولد. {فعسَىٰ رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ} هو جوابُ الشرط والمعنى إن ترنِ أفقرَ منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلِبَ ما بـي وما بك من الفقر والغنى فيرزُقني لإيماني جنةً خيراً من جنتك ويسلُبَك لكفرك نعمتَه ويُخْرِب جنتك {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا} هو مصدرٌ بمعنى الحِساب كالبُطلان والغفران أي مقداراً قدره تعالى وحسَبه، وهو الحكمُ بتخريبها، وقيل: عذابَ حُسبانٍ وهو حسابُ ما كسبت يداه، وقيل: مَراميَ جمعُ حُسبانة وهي الصواعقُ. ومساعدة النظمِ الكريم فيما سيأتي للأولين أكثر {مِّنَ ٱلسَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} مصدر أريد به المفعولُ مبالغةً أي أرضاً ملساء يُزْلَق عليها لاستئصال ما عليها من البناء والشجر والنبات. {أَوْ يُصْبِحَ} عطف على قوله تعالى: {فَتُصْبِحَ}، وعلى الوجه الثالث على يرسلَ {مَاؤُهَا غَوْرًا} أي غائراً في الأرض أُطلق عليه المصدرُ مبالغة {فَلَن تَسْتَطِيعَ} أبداً {لَهُ} أي للماء الغائرِ {طَلَبًا} فضلاً عن وجدانه وردِّه. {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أُهلك أموالُه المعهودةُ من جنتيه وما فيهما، وأصلُه من إحاطة العدوِّ، وهو عطفٌ على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعضُ ما توقع من المحذور وأُهلك أمواله، وإنما حُذف لدِلالة السباقِ والسياقِ عليه كما في المعطوف عليه بالفاء الفصيحة {فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ} ظهراً لبطن وهو كنايةٌ عن الندم، كأنه قيل: فأصبح يندم {عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} أي في عِمارتها من المال، ولعل تخصيصَ الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنه إنما يكون على الأفعال الاختياريةِ ولأن ما أنفق في عِمارتها كان مما يمكن صيانتُه عن طوارق الحدَثانِ وقد صرفه إلى مصالحها رجاءَ أن يتمتعَ به، وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردَى، ولذلك قال: ما أظن أن تبـيدَ هذه أبداً، فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاكُ ندم على ما صنع بناءً على الزعم الفاسدِ من إنفاق ما يمكن ادخارُه في مثل هذا الشيءِ السريع الزوال. {وَهِىَ} أي الجنةُ من الأعناب المحفوفةِ بنخل {خَاوِيَةٍ} ساقطةٌ {عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي دعائمها المصنوعةِ للكروم لسقوطها قبل سقوطِها، وتخصيصُ حالها بالذكر دون النخل والزرعِ إما لأنها العُمدةُ وهما من متمماتها، وإما لأن ذكرَ هلاكِها مغنٍ عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مُشيَّدةٌ بعروشها فهلاكُ ما عداها بالطريق الأولى، وإما لأن الإنفاقَ في عمارتها أكثرُ، وقيل: أرسل الله تعالى عليها ناراً فأحرقها وغار ماؤُها {وَيَقُولُ} عطف على يقلّب أو حالٌ من ضميره أي وهو يقول: {يٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا} كأنه تذكر موعظةَ أخيه وعلم أنه إنما أُتيَ من قِبل شِرْكِه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يُصبْه ما أصابه. قيل: ويحتمل أن يكون ذلك توبةً من الشرك وندَماً على ما فرَط منه.
التستري
تفسير : قوله: {قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}[39] أي ما شاء الله في سابق علمه، لا يقف عليه أحد إلا الله تعالى، {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}[39] أي لا قوة لنا على أداء ما أمرتنا به في الأصل، والسلامة منه في الفرع، والخاتمة المحمودة إلا بمعونتك، وكذا تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حول ولا قوة إلا بالله" تفسير : أي لا حول عن السلامة من الجهل في الأصل، ومن الإصرار في الفرع إلا بعصمتك ولا قوة لنا على أداء ما أمرتنا به في الأصل والسلامة منه في الفرع والخاتمة المحمودة إلا بمعونتك. وسئل سهل: ما أفضل ما أعطي العبد؟ قال: علم يستزيد به افتقاراً إلى الله عزَّ وجلَّ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولولا اذ دخلت جنتك قلت} وهلا قلت عند دخول جنتك {ما شاء الله} ما موصولة خبر مبتدأ محذوف اى الامر ما شاء الله واللام فى الامر للاستغراق والمراد تحضيضه على الاعتراف بانها وما فيها بمشيئة الله تعالى ان شاء ابقاها على حالها عامرة وان شاء افناها وجعلها خربة {لا قوة الا بالله} اى هلا قلت ذلك اعترافا بعجزك وبان ما تيسر لك من عمارتها وتدبيرها انما هو بمعونته تعالى واقداره وفى الحديث"حديث : من رأى شيئا فاعجبه فقال ما شاء الله لا قوة الا بالله"تفسير : لم تضره العين وفى الحديث "حديث : من رأى احدا اعطى خيرا من اهل او مال فقال عنده ما شاء الله لا قوة الا بالله لم ير فيه مكروها"تفسير : وفسر النبى عليه السلام معنى لا حول ولا قوة الا بالله فقال"حديث : لا حول تحول عن معاصى الله الا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله الا بالله"تفسير : وروى"حديث : انها دواء من تسعة وتسعين داء ايسرها الهمّ"تفسير : {ان ترن انا اقل منك مالا وولدا} اصله ان ترنى والرؤية اما بصرية فاقل حال واما علمية فهو مفعول ثان والاول ياء المتكلم المحذوفة وانا على التقديرين تأكيد للياء.
الهواري
تفسير : {وَلَولاَ} أي: فهلا { إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ} ثم قال: { إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّيَ أَن يُؤْتِيَنِ} في الآخرة { خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ} أي: ناراً من السماء، يقول: عذاباً من السماء، وهي النار { فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} أي: لا نبات فيها. والصعيد الزلق التراب اليابس الذي لا نبات فيه. وقال بعضهم: قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء. { أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً} أي: ذاهباً قد غار في الأرض { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}. وقال الكلبي: الغور: الذي لا تناله الدلاء. قال الله: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي: من الليل { فَأَصْبَحَ} من الغد قائماً عليها { يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} أي: يصفق كفيه. قال الحسن: يضرب إحداهما على الأخرى ندامة. {عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا} وقال بعضهم: تلهفاً على ما فاته منها. { وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} قال الحسن: عروشها: التراب، قد ذهب ما فيها من النبات. [وبعضهم يقول: مقلولة على رؤوسها]. { وَيَقُولُ} أي: في الآخرة { يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي} أي: في الدنيا { أَحَدَاً}. قال الله: { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ} أي: عشيرة { يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً} أي: ممتنعاً في تفسير بعضهم. قوله: { هُنَالِكَ الوَلاَيَةُ لِلَّهِ الحَقِّ} أي: في الآخرة. هنالك يتولَّى الله كلُّ عبد. أي: لا يبقى أحد يومئذٍ إلا تولى الله. ولا يقبل ذلك من المشرك. وهي تقرأ على وجهين: أحدهما برفع الحق والآخر بجرّه. فمن قرأها بالرفع يقول: هنالك الولاية الحقُّ، فيها تقديم؛ أي: هنالك الولاية الحقُّ لله. ومن قرأها بالجر فهو يقول: هنالك الولاية لله الحقِّ، والحق اسم من أسماء الله. { هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً} أي: خير من أثاب، وهو خير ثواباً للمؤمنين من الأوثان لمن عبدها. { وَخَيْرٌ عُقْباً} أي: خير عاقبة.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْلا} حرف توبيخ وتنديم داخل على قلت المذكور بعد. {إذْ} متعلق بقلت المذكورة بعد. {دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} الإضافة للجنس أو للحقيقة أو نزلهما منزلة جنة واحدة لاتصالهما فيقول لهما قولا واحداً عند الدخول من أحدهما. {قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ} خبر لمحذوف أى الأمر ما شاء الله أو الذى فى جنتى من خير وصلاح حال ما شاء الله أو هذا ما شاء الله أو مبتدأ محذوف الخبر أى ما شاء الله كائن وما موصولة ويجوز أن تكون شرطية محذوفة الجواب أى ما شاء الله كان فتكون مفعولا لشاء. {لاَ قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ} لا قوة لى على دفع الضر عنها وحفظها وعمارتها وتدبير أمرها إلا بالله أى إلا بمعونة الله وإقداره ولو لم يشأ الله أن تكون كما هى لخربها ولم يؤثر فيها عمارتك وحفظك وتدبيرك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : من رأى شيئا وأعجبه وقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضرهتفسير : . رواه البيهقى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أُعطِىَ خيراً من أهل أو مال فيقول عند ذلك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه مكروها . تفسير : وكان عروة بن الزبير إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة بالله وكان يثلم حائطه أيام الرطب فيدخل من شاء وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج ومعنى يثلمه يجعل فيه ثلمة ليدخل من شاء للأكل والشرب وضمير كان ودخل وردد ويخرج لعروة. والحائط: البستان سمى لأنه يدور به الحائط ويثلم حائطه يثلم بستانه أى يجعل فى حائطه: بستانه ثلمة. ومعنى لا حول ولا قوة إلا بالله لا يتحول أحد عن معصية أو ما يكرهه ولا يقوى على طاعة أو ما يحبه إلا بالله هذا ما كنت أقول جمعا بين هذه الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا أخبركم بتفسير لا حول ولا قوة إلا بالله لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله هكذا أخبرنى جبريل يا ابن أم عبد تفسير : رواه البخارى عن ابن مسعود وهو ابن أم عبد. وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : إذا وقعتَ فى ورطة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فإن الله تعالى يصرف بها ما شاء الله من أنواع البلاء تفسير : رواه ابن السنى فى عمل يوم وليلة عن على. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : استكثروا من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها تدفع تسعة وتسعين بابا من الضر أدناها الهم . تفسير : وعن جعفر الصادق: هذه الآية {ما شاء الله لا قوة إلا بالله} تجلب الغنى لقارئها بإذن الله تعالى {إنْ تَرَنِ} بحذف ياء المتكلم وصلا ووقفا وأثبتها فهما ابن كثير وأثبتها فى الوصل قالون وأبو عمرو وحذفاها وقفا. {أَنَا} توكيد لفظى لياء المتكلم. وأجاز الزمخشرى والقاضى أن يكون ضمير فصل بل لم يذكر الزمخشرى فى قراءة نصب أقل سواه. ووجه ذلك مع أن أقل ولو كان نكرة لكنه كالمعرفة فى عدم قبول أل لأنه اسم تفضل مقرون بمن التفضيلية وكذا حيث نوبت من التفضيلية كقوله تعالى: تجدوه عند الله هو خيرا {أَقَل} مفعول ثان لترى بمعنى تعلم. وقرئ بالرفع فيكون أنا مبتدأ خبره أقل والجملة مفعول ثان {مِنْكَ مَالا وَوَلَداً فعَسَى رَبِّى} هذا ترجٍّ منه رضى الله تعالى عنه وسكن الياء غير نافع وابن كثير وأبى عمرو. {أَنْ يُؤْتِيَنِ} لإيمانى {خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ} فى الدنيا والآخرة أو فى الآخرة كما مر أنه أعطى لوجه الله مثل ما اشترى به صاحبهُ الكافر جنته ليعطيهُ الله من فضلهِ وكرمهِ جناناً فى الآخرة. ويحتمل أن يريد فى الدنيا بأَن لم يحضر له حينئذ الطلب لجنان الآخرة وأفرد الجنة لما مر وجملة عسى ربى أن يؤتينى خيراً من جنتك جواب الشرط وإثبات الياء بعد نون يؤتينى فى الوصل قراءة نافع وأبى عمرو وحذفاها وقفاً وأثبتها ابن كثير وصلا ووقفاً. {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} على جنتك لكفرك. {حُسْبَاناً} مرامى. {مِنَ السَّمَاءِ} وهى الصواعق جمع حسبانة وهى الصاعقة وذلك قول ابن عباس أن الحسبان النار وقيل: هو مفرد مصدر كالبطلان والغفران بمعنى الحساب أى مقداراً قدره الله جل وعلا وهو الحكم بتخريبها وقيل: مصدر بمعنى مفعول أى شيئاً مما يدخل فى الحساب ويعتد به. وقال الزجاج: عذاب حساب يعنى حساب الأعمال السيئة والقول الذى قبله صالح لمرادفة تلك الأقوال كلها. {فَتُصْبِحَ} تصير فى الصبح أو غيره أو المراد إرسال الحساب عليها ليلا فتصبح بعد الفجر. {صَعِيداً} مجرد تراب لا نبت ولا نخلة ولا شجرة. {زَلقاً} ملساء تزلق بها القدم وأصله مصدر وصف به وكذا قوله غورا ويحتملان التأويل بذات زلق أو بمنزلقة أو مزلوق بها أو فيها إن جعلناه خبرا ثانيا لتصبح وبذى زلق وبمنزلق أو مزلوق به أو فيه إن جعلناه نعت صعيداً وبغائر أو ذا غور. وعدم التأويل للمبالغة. والذى يظهر لى أن زلقا كناية عن كونها لا يوجد بها ما يعارض رِجل الماشى من شجر أو نخل أو نبات حتى إنه لو كان الزلق فيها حقيقة لم يجد الماشى ما يتشبث به فيمنعه عن الزلق أو كناية عن كونها سبخة تزلق إذا ابتلت فتأمل.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ} الخبر محذوف أى ما شاء الله كائن لو يكون، أو حذف المبتدأ أى الأمر ما شاء الله، ما فاعل المحذوف، أى يكون ما شاء الله، وما موصولة، وإن جعلت شرطية قدر ما شاء الله يكن، أو فهو واقع ولولا تحضيض كذا قيل، وفيه أن التحضيض لما يستقبل، والدخول هنا عرض، فإن إذ للزمان الماضى، ودخلت للماضى إلا إلى أول ذلك بالاستقبال، وهو خلاف الأصل، فهى للتوبيخ على ما مضى لا للتحضيض، وإذ متعلق بقلت والآية صرحت أن ما أراد الله من عصيان عاص، أو طاعة مطيع، واقع لا كما قلت المعتزلة، إن الله لا يريد المعصية، والمراد ما شاء الله من إبقاء جنتك والتنعم بها، وعدم ذلك. وقدر القفال كذلكك وهو من المعتزلة: هذا ما شاء الله، يعنى ما فى الجنتين من الثمار. وقال الكعبى، والجبائى وكلاهما منهم: الإشارة إلى ما تولى الله فعله وكل ذلك معنى واحد هربوا به من أن يشاء الله عصيان العاصى زعموا - قبحهم الله - أنه يجوز أن يكون فى ملكه ما لا يشاء كما يكون فيه ما نهى عنه، ويتخلف فيه ما أمر به، وذلك باطل لأنها مشيئة قضاء وهو لا يتخلف. {لاَ قُوَّةَ} لى على التمتع بها {إِلاّ بِاللهِ} فإن شاء أثبتها وقوَّانى على التمتع بها، وليس كما تقول لا أظن أ ن تبيد فإن شاء الله أبادها، وإن شاء أبقاها، ولا تتمتع بها لمرض أو غضب، أو موت عاجل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ أُعطى خيراً من أهل أومال فقال عند ذلك ما شاء الله لا قوة إلاَّ بالله لم ير فيه مكروهًا" تفسير : ولفظ القرطبى عن أنس: "لم يضره" أى لم يضره الإعجاب أى لا يصيبه عين الإعجاب، قالت أسماء بنت عميس: علمَّنى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أَقولهن عند الكرب "حديث : الله ربى لا أشرك به شيئًا"تفسير : قال أبو هريرة: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت: نعم، قال: أن تقرأ لا قوة إلاَّ بالله ". تفسير : قال عمر بن قرة: من أفضل الدعاء قولك ما شاء الله، وعن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى يموت" تفسير : وقرأ الآية. وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأى ما أعجبه من ماله فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم تصب ذلك المال آفة" تفسير : وقرأ الآية وجاء الأثر أنه يقال ذلك عند رؤية ما يعجبه فى بدنه أو ماله أو ولده أو فيما لغيره حفظًا عن العين. {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا} استدل بعض بذكر الولد هنا على أن النفر هنالك الأولاد، والرؤية بصرية، وأنا توكيد لياء المتكلم المدلول عليها بنون الوقاية، وأقل حال أو علمية، وأنا توكيد كذلك، أو فصل، وأقل مفعول ثان، وضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، وسمى ضميراً باعتبار أصله. وكونه ضميراً تأكيد أولى، لأن ضمير الفصل يستعمل فى الحصر، ومعنى الحصر هنا بعيد إذ معناه إن ترن أنا أقل مالا لا أنت أقل مالا، ووجه كونها بصرية مع أن القلة لا تبصر اعتبار متعلقها وهى الأولاد والأموال، لأنهم يبصرون.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ} حض على القول وتوبيخ على تركه. وتقديم الظرف على المحضض عليه للإيذان بتحتم القول في آن الدخول من غير ريث [لا] للقصر، وجاز تقديمه لذلك وجعله فاصلاً بين {لَوْلاَ} وفعلها لتوسعهم في الظروف أي هلا قلت عندما دخلتها {مَا شَاء ٱللَّهُ} أي الأمر ما شاء الله أو ما شاء الله تعالى كائن على أن ما موصولة مرفوعة المحل إما على أنها خبر مبتدأ محذوف أو على أنها مبتدأ محذوف الخبر. ويجوز أن تكون شرطية في محل نصب بشاء والجواب محذوف أي أي شيء شاء الله تعالى كان. وأياً ما كان فالمراد تحضيضه على الاعتراف بأن جنته وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها، ودلالة الجملة على العموم الداخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً على التقدير الأول لأن تعريف الأمر للاستغراق، والجملة على هذا تفيد الحصر وأما على غيره فقيل لأن ما شرطية أو موصولة وهي في معنى الشرط والشرط وما في معناه يفيد توقف وجود الجزاء على ما في حيزه فيفيد عدمه عند عدمه فيكون المعنى ما شاء كان وإن لم يشأ لم يكن، ولا غبار على ذلك عند من يقول بمفهوم الشرط، وقدر بعضهم في الثاني من احتمالي الموصولة ما شاء الله هو الكائن حتى تفيد الجملة ما ذكر وليس بشيء كما لا يخفى. وزعم القفال من المعتزلة أن التقدير هذا ما شاءه الله تعالى والإشارة إلى ما في الجنة من الثمار ونحوها، وهذا كقول الإنسان إذا نظر إلى كتاب مثلاً: هذا خط زيد، ومراده نفي دلالة الآية على العموم ليسلم له مذهب الاعتزال، وكذلك فعل الكعبـي والجبائي حيث قالا: الآية خاصة فيما تولى الله تعالى فعله ولا تشمل ما هو من فعل العباد ولا يمتنع أن يحصل في سلطانه سبحانه ما لا يريد كما يحصل فيه ما ينهى عنه، ولا يخفى على من له ذوق سليم وذهن مستقيم أن المنساق إلى الفهم العموم وكم للمعتزلة عدول عن ذلك. {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} من مقول القول أيضاً أي هلا قلت ذلك اعترافاً بعجزك وإقراراً بأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته تعالى وإقداره جل جلاله. وقد تضمنت هذه الآية ذكراً جليلاً أيضاً، فقد أخرج أحمد حديث : عن أبـي هريرة قال: «قال لي نبـي الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت: نعم قال: أن تقول لا قوة إلا بالله / قال عمرو بن ميمون: قلت لأبـي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله فقال: لا إنها في سورة الكهف {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ}» تفسير : الآية. وأخرج ابن أبـي حاتم عن عمرو بن مرة قال: «إن من أفضل الدعاء قول الرجل ما شاء الله»، وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله تعالى عنه كل آفة حتى تأتيه منيته وقرأ {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ}» تفسير : الخ. وأخرج ابن أبـي حاتم من وجه آخر عن أنس قال: من رأى شيئاً من ماله فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يصب ذلك المال آفة أبداً وقرأ الآية، وأخرجه البيهقي في «الشعب» عن أنس مرفوعاً. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مطرف قال: كان مالك إذا دخل بيته يقول: ما شاء الله قلت لمالك: لم تقول هذا؟ قال: ألا تسمع الله تعالى يقول: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء ٱللَّهُ} ونقل عن ابن العربـي أن مالكاً يستدل بالآية على استحباب ما تضمنته من الذكر لكل من دخل منزله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبـي حاتم والبيهقي في «الشعب» عن عروة أنه كان إذا رأى من ماله شيئاً يعجبه أو دخل حائطاً من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ويتأول قول الله تعالى: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ} الآية، ويفهم من بعض الروايات استحباب قول ذلك عند رؤية ما يعجب مطلقاً سواء كان له أو لغيره وأنه إذا قال ذلك لم تصبه عين الإعجاب. {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } الخ {أَنَاْ} توكيد للضمير المنصوب على المفعولية في {ترني} وقد أقيم ضمير الرفع مقام ضمير النصب. والرؤية إن كانت علمية فأقل مفعول ثان وإن كانت بصرية فهو حال من المفعول، ويجوز أن يكون {أَنَاْ} فصلاً وحينئذٍ يتعين أن تكون الرؤية علمية لأن الفصل إنما يقع بين مبتدأ وخبر في الحال أو في الأصل. وقرأ عيسى بن عمر {أقَل} بالرفع فيكون {أنا} مبتدأ و {أقَل} خبره والجملة في موضع المفعول الثاني على الأول من احتمالي الرؤية أو الحال على الثاني منهما و {مَالاً وَوَلَدًا} تمييز على القراءتين وما فيهما من الاحتمال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما شاء الله: أي يكون وما لم يشأ لم يكن. حسباناً من السماء: أي عذاباً ترمى به فتؤول إلى أرض ملساء دحضاً لا يثبت عليها قدم. أو يصبح ماؤها غوراً: أي غائراً في أعماق الأرض فلا يَقْدِرُ عَلَى استنباطِه وإخراجه. وأحيط بثمره: أي هلكت ثماره، فلم يبق منها شيء. يقلب كفيه: ندماً وحسرة على ما أنفق فيها من جهد كبير ومال طائل. وهي خاوية على عروشها: أي ساقطة على أعمدتها التي كَان يُعرش بها للكرم، وعلى جدران مبانيها. فئة: جماعة من الناس قوية كعشيرته من قومه. هنالك: أي حين حل العذاب بصاحب الجنتين أي يوم القيامة. الولاية: أي الملك والسلطان الحق لله تعالى. خير ثواباً وخير عقباً: أي الله تعالى خير من يثيب وخير من يُعقب أي يجزي بخير. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في المثل المضروب للمؤمن الفقير والكافر الغني فقد قال المؤمن للكافر ما أخبر تعالى به في قوله: {وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} أي هلا إذْ دخلت بستانك قلت عند تعجبك من حسنه وكماله {مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي كان {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} أي لا قوة لأحد على فعل شيء أو تركه إلا بإقدار الله تعالى له وإعانته عليه قلل هذا المؤمن نصحاً للكافر وتوبيخاً له. ثم قال له {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} اليوم {فعسَىٰ رَبِّي} أي فرجائي في الله {أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} أي على جنة الكافر {حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي عذاباً ترمى به. {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً}: أي تراباً أملس لا ينبت زرعاً ولا يثبت عليه قدم. {أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً} الذي تسقى به غائراً في أعماق الأرض فلن تقدر على إستخراجه مرة أخرى، وهو معنى {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً}. وقوله تعالى: في الآيات [40]، [41]، [42] يخبر تعالى أن رجاء المؤمن قد تحقق إذ قد أحيط فعلاً ببستان الكافر فهلك ما فيه من ثمر {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} ندماً وتحسراً {عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} من جهد ومال في جنته {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أي ساقطة على أعمدة الكرم التي كان يعرشها للكرم أي يحمله عليها كما سقطت جدران مبانيها على سقوفها وهو يتحسر ويتندم ويقول: {يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً وَلَمْ تَكُن لَّهُ} جماعة قوية تنصره {مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ} المنهزم {مُنْتَصِراً} لأن من خذله الله لا ناصر له. قال تعالى: في نهاية المثل هو أشبه بقصة {هُنَالِكَ} أي يوم القيامة {ٱلْوَلاَيَةُ} أي القوة والملك والسلطان {لِلَّهِ} أي المعبود {ٱلْحَقِّ} لا لغيره من الأصنام والأحجار {هُوَ} تعالى {خَيْرٌ ثَوَاباً} أي خير من يثيب على الإِيمان والعمل الصالح. {وَخَيْرٌ عُقْباً} أي خير يعقب أي يجزي بحسن العواقب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان مآل المؤمنين كصهيب وسلمان وبلال، وهو الجنة ومآل الكافرين كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وهو النار. 2- استحباب قول من أعجبه شيء: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} فإنه لا يرى فيه مكروهاً إن شاء الله. 3- استجابة الله تعالى لعباده المؤمنين وتحقيق رجائهم فيه سبحانه وتعالى. 4- المخذول من خذله الله تعالى فإنه لا ينصر أبداً. 5- الولاية بمعنى الموالاة النافعة للعبد هي موالاة الله تعالى لا موالاة غيره. 6- الولاية بمعنى الملك والسلطان لله يوم القيامة ليست لغيره إذ الملك والأمر كلاهما لله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : (39) - وَلَقَدْ كَانَ الأَوْلى بِكَ (وَلَوْلاَ)، إِذْ أَعْجَبَتْكَ جِنَّتُكَ حِينَ دَخَلْتَهَا، وَنَظَرْتَ إِلَيْهَا، أَنْ تَحْمَدَ اللهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ، وَأَعْطَاكَ مِنَ المَالِ وَالوَلَدِ، وَأَنْ تَقُولَ: هَذَا مَا شَاءَ اللهُ، وَلاَ قُوَّةَ لِي عَلَى تَحْصِيلِهِ إِلاَّ بِمَعُونَةِ اللهِ. وَإِنَّكَ إِذَا كُنْتَ تَراني أَفْقَرَ مِنْكَ، وَأَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يريد أنْ يُعلمه سبيل الإيمان في استقبال النعمة، بأنْ يردَّ النعم إلى المنعم؛ لأن النعمة التي يتقلّب فيها الإنسان لا فضْلَ له فيها، فكلها موهوبة من الله، فهذه الحدائق والبساتين كيف آتتْ أُكُلها؟ إنها الأرض التي خلقها الله لك، وعندما حرثْتها حرثْتها بآلة من الخشب أو الحديد، وهو موهوب من الله لا دَخْلَ لك فيه، والقوة التي أعانتك على العمل موهوبة لك يمكن أن تُسلبَ منك في أيِّ وقت، فتصير ضعيفاً لا تقدر على شيء. إذن: حينما تنظر إلى كُلِّ هذه المسائل تجدها منتهيةً إلى العطاء الأعلى من الله سبحانه. خُذْ هذا المقعد الذي تجلس عليه مستريحاً وهو في غاية الأناقة وإبداع الصَّنْعة، من أين أتى الصُّنّاع بمادته؟ لو تتبعتَ هذا لوجدته قطعةَ خشب من إحدى الغابات، ولو سألتَ الغابة: من أين لك هذا الخشب لأجابتْك: من الله. لذلك يُعلّمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في نعمته علينا، بقوله: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 63-64]. هذه الحبة التي بذرتها في حقلك، هل جلستَ بجوارها تنميها وتشدّها من الأرض، فتنمو معك يوماً بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن تحرث الأرض وتبذر البذور، حتى عملية الحرث سخّر الله لك فيها البهائم لتقوم بهذه العملية، وما كان بوُسْعك أنْ تُطوّعها لهذا العمل لولا أنْ سخرها الله لك، وذلّلها لخدمتك، كما قال تعالى: {أية : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ}تفسير : [يس: 72]. ما استطعت أنت تسخيرها. إذن: لو حلَّلْتَ أيَّ نعمة من النعم التي لك فيها عمل لوجدت أن نصيبك فيها راجع إلى الله، وموهوب منه سبحانه. وحتى بعد أن ينمو الزرع ويُزهر أو يُثمر لا تأمن أن تأتيه آفةٌ أو تحلُّ به جائحة فتهلكه؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}تفسير : [الواقعة: 65-67]. كما يقول تعالى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ}تفسير : [القلم: 17-20]. وكذلك في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ}تفسير : [الواقعة: 68-69]. هذا الماء الذي تشربونه عَذْباً زلالاً، هل تعرفون كيف نزل؟ هل رأيتم بخار الماء الصاعد إلى الجو؟ وكيف ينعقد سحاباً تسوقه الريح؟ هل دريْتُم بهذه العملية؟ {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ..}تفسير : [الواقعة: 70]. أي: مِلْحاً شديداً لا تنتفعون به. فحينما يمتنُّ الله على عبيده بأيّ نعمة يُذكِّرهم بما ينقضها، فهي ليست من سَعْيهم، وعليهم أنْ يشكروه تعالى عليها لتبقى أمامهم ولا تزول، وإلاَّ فَلْيحافظوا عليها هم إنْ كانت من صُنْع أيديهم! وكذلك في مسألة خَلْق الإنسان يوضّح سبحانه وتعالى أنه يمنع الحياة وينقضها بالموت، قال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}تفسير : [الواقعة: 58-60]. فإنْ كنتم أنتم الخالقين، فحافظوا عليه وادفعوا عنه الموت. فذكر سبحانه النعمة في الخَلْق، وما ينقض النعمة في أَصْل الخَلْق. أما في خَلْق النار، فالأمر مختلف، حيث يقول تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ}تفسير : [الواقعة: 71-72]. فذكر سبحانه قدرته في خَلْق النار وإشعالها ولم يذكر ما ينقضها، ولم يقُلْ: نحن قادرون على إطفائها، كما ذكر سبحانه خَلْق الإنسان وقدرته على نقضه بالموت، وخَلْق الزرع وقدرته على جعله حطاماً، وخَلْق الماء وقدرته على جعله أجاجاً، إلا في النار، لأنه سبحانه وتعالى يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس، لذلك ذيَّل الآية بقوله تعالى: {أية : نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ}تفسير : [الواقعة: 73]. كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ودِقَّة الأداء القرآني؛ لأن المتكلم ربٌّ يتحدث عن كل شيء بما يناسبه، ففي الحديث عن الزرع - ولأن للإنسان عملاً فيه مثل الحرْث والبذْر والسَّقْي وغيره - نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع، فيقول: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً..}تفسير : [الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك. أما في الحديث عن الماء - وليس للإنسان دخل في تكوينه - فلا حاجةَ إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول تعالى: {أية : لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ..}تفسير : [الواقعة: 70] دون توكيد؛ لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلاً في هذا الماء الذي ينهمر من السماء. نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر، ويُعلِّمه كيف يستقبل نعمة الله عليه: {أية : وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ..}تفسير : [الكهف: 39] {لَوْلاۤ} بمعنى: هلاَّ وهي للحثِّ والتحضيض، وعلى الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما قيل عند نعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إلا ولا ترى فيها آفة إلا الموت ". تفسير : فساعة أن تطالع نعمة الله كان من الواجب عليك ألاَّ تُلهيكَ النعمة عن المنعم، كان عليك أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي: أن هذا كله ليس بقوتي وحيلتي، بل فضل من الله فتردّ النعمة إلى خالقها ومُسديها، وما دُمْتَ قد رددْتَ النعمة إلى خالقها فقد استأمنْتَهُ عليها واستحفظته إياها، وضمنْتَ بذلك بقاءها. وذكرنا أن سيدنا جعفر الصادق - رضي الله عنه - كان عالماً بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلُّبات تعكر عليها صَفْو الحياة من خوف أو قلق أو همٍّ أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها. فكان رضي الله عنه يُخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن، فكان يقول في الخوف: "عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى: {أية : حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}تفسير : [آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ}تفسير : [آل عمران: 174]. وعجبتُ لمن اغتمَّ - لأن الغَمَّ انسداد القلب وبلبلة الخاطر من شيء لا يعرف سببه - وعجبتُ لمن اغتمَّ ولم يفزع إلى قول الله تعالى: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ ..}تفسير : [الأنبياء: 88] ليس هذا وفقط، بل: {أية : وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنبياء: 88] وكأنها (وصْفة) عامة لكل مؤمن، وليست خاصة بنبيّ الله يونس عليه السلام. فقوْل المؤمن الذي أصابه الغم: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ ..}تفسير : [الأنبياء: 87] أي: لا مفزع لي سواك، ولا ملجأ لي غيرك {أية : إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ..}تفسير : [الأنبياء: 87] اعتراف بالذنب والتقصير، فلعل ما وقعتُ فيه من ذنب وما حدث من ظلم لنفسي هو سبب هذا الغم الذي أعانيه. وعجبتُ لمن مُكر به، كيف لا يفزع إلى قول الله تعالى: {أية : وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ..}تفسير : [غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ ..}تفسير : [غافر: 45] فالله تبارك وتعالى هو الذي سيتولى الرد عليهم ومقابلة مكرهم بمكره سبحانه، كما قال تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 54]. وعجبتُ لمن طلب الدنيا وزينتها - صاحب الطموحات في الدنيا المتطلع إلى زخرفها - كيف لا يفزع إلى قول الله تعالى: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..} [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ..}تفسير : [الكهف: 40] فإن قلتها على نعمتك حُفظتْ ونمَتْ، وإن قلتها على نعمة الغير أعطاك الله فوقها. والعجيب أن المؤمن الفقير الذي لا يملك من متاع الدنيا شيئاً يدل صاحبه الكافر على مفتاح الخير الذي يزيده من خير الدنيا، رغم ما يتقلّب فيه من نعيمها، فمفتاح زيادة الخير في الدنيا ودوام النعمة فيها أن نقول: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} [الكهف: 39]. ويستطرد المؤمن، فيُبيِّن لصاحبه ما عَيَّره به من أنه فقير وهو غني، وما استعلى عليه بماله وولده: {إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً} [الكهف: 39]. ثم ذكّره بأن الله تعالى قادر على أنْ يُبدِّل هذا الحال، فقال: {فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِِ} [39] 323 - أنا أبو صالح المكيُّ، نا فُضيل، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبي ذر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : يا أبا ذر، ألا أدُلك على كنز من كنوز الجنة؟" قال: نعم قال: "تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):