Verse. 2185 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَاضْرِبْ لَہُمْ مَّثَلَ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا كَمَاۗءٍ اَنْزَلْنٰہُ مِنَ السَّمَاۗءِ فَاخْتَلَطَ بِہٖ نَبَاتُ الْاَرْضِ فَاَصْبَحَ ہَشِيْمًا تَذْرُوْہُ الرِّيٰحُ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا۝۴۵
Waidrib lahum mathala alhayati alddunya kamain anzalnahu mina alssamai faikhtalata bihi nabatu alardi faasbaha hasheeman tathroohu alrriyahu wakana Allahu AAala kulli shayin muqtadiran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واضرب» صير «لهم» لقومك «مثل الحياة الدنيا» مفعول أول «كماء» مفعول ثان «أنزلناه من السماء فاختلط به» تكاثف بسبب نزول الماء «نبات الأرض» أو امتزج الماء بالنبات فَرَوِيَ وَحَسُن «فأصبح» صار النبات «هشيما» يابسا متفرقة أجزاؤه «تذروه» تنثره وتفرقه «الرياح» فتذهب به، المعنى: شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح وفي قراءة الريح «وكان الله على كل شيء مقتدرا» قادرا.

45

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المقصود: اضرب مثلاً آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين فقال: {وَٱضْرِبْ لَهُم } أي لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين: {مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } ثم ذكر المثل فقال: {كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } وحينئذ يربو ذلك النبات ويهتز ويحسن منظره كما قال تعالى: { أية : فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسير : [الحج: 5] ثم إذا انقطع ذلك مدة جف ذلك النبات وصار هشيماً، وهو النبت المتكسر المتفتت. ومنه قوله: هشمت أنفه وهشمت الثريد. وأنشد: شعر : عمرو الذي هشم الثريد لأهله ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : وإذا صار النبات كذلك طيرته الرياح وذهبت بتلك الأجزاء إلى سائر الجوانب: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا } بتكوينه أولاً وتنميته وسطاً وإبطاله آخراً وأحوال الدنيا أيضاً كذلك تظهر أولاً في غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلاً قليلاً ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الهلاك والفناء؛ ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به. والباء في قوله: {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } فيه وجوه. الأول: التقدير فاختلط بعض أنواع النبات بسائر الأنواع بسبب هذا الماء وذلك لأن عند نزول المطر يقوي النبات ويختلط بعضه بالبعض ويشتبك بعضه بالبعض ويصير في المنظر في غاية الحسن والزينة. والثاني: فاختلط ذلك الماء بالنبات واختلط ذلك النبات بالماء حتى روى ورف رفيفاً. وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد منها بصفة صاحبه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي صف لهؤلاء المتكبرين الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين مَثلَ الحياة الدنيا، أي شبهها. {كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ} أي بالماء. {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} حتى استوى. وقيل: إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر. وقد تقدّم هذا المعنى في «يونس» مبيَّناً. وقالت الحكماء: إنما شبّه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدرٍ كان نافعاً مُنْبِتًا، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، وكذلك الدنيا الكفافُ منها ينفع وفضولها يضرّ. وفي حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: قال له رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أكون من الفائزين؛ قال: «حديث : ذَرِ الدنيا وخُذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يُطغي». تفسير : وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه». تفسير : {فَأَصْبَحَ} أي النبات {هَشِيماً} أي متكسّراً من اليُبس متفتِّتاً، يعني بانقطاع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازاً لدلالة الكلام عليه. والهَشْم: كسر الشيء اليابس. والهشيم من النبات اليابس المتكسر، والشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف يشاء. ومنه قولهم: ما فلانٌ إلا هشِيمةُ كَرْمٍ؛ إذا كان سَمْحا. ورجل هَشِيم: ضعيف البدن. وتهشّم عليه فلان إذا تعطّف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه. ويقال: هَشَمَ الثَّرِيد؛ ومنه سُمِّيَ هاشم بن عبد مناف واسمه عمرو، وفيه يقول عبد الله بن الزِّبعْرَى:شعر : عَمْرُو العُلاَ هَشَم الثريدَ لقومه ورجالُ مكّةَ مُسْنِتُون عجِافُ تفسير : وكان سبب ذلك أن قريشاً أصابتهم سِنونَ ذهبْن بالأموال فخرج هاشم إلى الشأم فأمر بخبز كثير فخبز له، فحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، وهشم ذلك الخبز، يعني كسره وثَردَه، ونحر تلك الإبل، ثم أمر الطُّهاة فطبخوا، ثم كفأ القدور على الجفان فأشبع أهل مكة؛ فكان ذلك أول الحِباء بعد السنة التي أصابتهم؛ فسمِّيَ بذلك هاشماً. {تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} أي تفرقه؛ قاله أبو عبيدة. ٱبن قتيبة: تنسفه. ابن كَيْسان: تذهب به وتجيء. ابن عباس: تديره؛ والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «تذريه الريح». قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله «تُذريه». يقال: ذَرَتْه الريح تَذْرُوه ذَرْوًا و (تَذرِيه) ذَرْيا وأذرته تُذْريه إذْراء إذا طارت به. وحكى الفراء: أذريت الرجل عن فرسه أي قلبته. وأنشد سيبويه والفراء:شعر : فقلت له صَوِّبْ ولا تَجهدَنَّهُ فُيُذْرِك من أُخْرَى القَطاةِ فَتَزْلَقِ تفسير : قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} من الإنشاء والإفناء والإحياء، سبحانه!

البيضاوي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } واذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة. {كَمَاء } هي كماء ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لـ {ٱضْرِب} على أنه بمعنى صير. {أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} فالتفت بسببه وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه، أو نجع في النبات حتى روى ورف وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكنه لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته. {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } مهشوماً مكسوراً. {تَذْرُوهُ ٱلرّياحُ } تفرقه، وقرىء «تذريه» من أذرى والمشبه به ليس الماء ولا حاله بل الكيفية المنتزعة من الجملة، وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر وارفاً ثم هشيماً تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء } من الإِنشاء والإِفناء. {مُّقْتَدِرًا } قادراً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَٱضْرِبْ} يا محمد للناس {مَثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} في زوالها وفنائها وانقضائها {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} أي: ما فيها من الحب، فشب وحسن، وعلاه الزهر والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا} يابساً {تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} أي: هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيراً ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل؛ كما قال تعالى في سورة يونس: {أية : إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَـٰمُ} تفسير : [يونس: 24] الآية، وقال في الزمر: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} تفسير : [الزمر: 21] الآية، وقال في سورة الحديد: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} تفسير : [الحديد: 20] الآية، وفي الحديث الصحيح: «حديث : الدنيا خضرة حلوة» تفسير : وقوله: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} كقوله: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ} تفسير : [آل عمران: 14] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } تفسير : [التغابن: 15] أي: الإقبال عليه، والتفرّغ لعبادته، خير لكم من اشتغالكم بهم، والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً}. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس. وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر،ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرىء، حدثنا حَيْوَة، حدثنا أبو عقيل: أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه يقول: جلس عثمان يوماً، وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: «حديث : من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر، غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب، غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء، غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ، وصلى صلاة الصبح، غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات» تفسير : قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تفرد به. وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات، فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله،ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم عن نافع بن سرجس: أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات. قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك. وقال مجاهد: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ} قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هن الباقيات الصالحات، قال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات» تفسير : قال: وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث: أن درّاجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استكثروا من الباقيات الصالحات» تفسير : قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «حديث : الملة» تفسير : قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «حديث : التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» تفسير : وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به. قال ابن وهب: أخبرني أبو صخر: أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا، فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو ثلاثاً، فلم ينزع، قال: فأبيت؟ قال سالم: أجل فأبيت؛ فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «حديث : عرج بي إلى السماء، فأريت إبراهيم عليه السلام، فقال: يا جبريل من هذا الذي معك؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض، حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: «حديث : أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، ومالأهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه. ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام، عن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده ــــ وقال ـ: بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقناً بهن دخل الجنة: يؤمن بالله واليوم الآخر، وبالجنة والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن أوس رضي الله عنه في سفر، فنزل منزلاً، فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي، واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، وأسألك لساناً صادقاً، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب» تفسير : ثم رواه أيضا النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه. وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمي الحسين عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة رضي الله عنه قال: كنت في أول من أتى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل، ثم هبطت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت، وعلمني: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] و {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا}تفسير : [الزلزلة: 1] وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: «حديث : هن الباقيات الصالحات» تفسير : وبهذا الإسناد: «حديث : من قام من الليل، فتوضأ ومضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه، إلا الدماء؛ فإنها لا تبطل» تفسير : وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ} قال: هي ذكر الله، قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولاحول ولاقوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: هي الكلام الطيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير رحمه الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱضْرِبْ } صيِّر {لَهُمْ } لقومك {مَّثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } مفعول أول {كَمَآءٍ } مفعول ثان {أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ } تكاثف بسبب نزول الماء {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } أو امتزج الماء بالنبات فَرَوِيَ وحَسُنَ {فَأَصْبَحَ } صار النبات {هَشِيمًا } يابساً متفرّقة أجزاؤه {تَذْرُوهُ } تنثره وتفرّقه {ٱلرّيَاحُ } فتذهب به، المعنى: شبَّه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرّقته الرياح، وفي قراءة «الريح» {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا } قادراً.

الشوكاني

تفسير : ثم ضرب سبحانه مثلاً آخر لجبابرة قريش فقال: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي: اذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في حسنها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يركنوا إليها، وقد تقدّم هذا المثل في سورة يونس، ثم بيّن سبحانه هذا المثل فقال: {كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء } ويجوز أن يكون هذا هو المفعول الثاني {لقوله} اضرب على جعله بمعنى: صير {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأرْضِ} أي: اختلط بالماء نبات الأرض حتى استوى؛ وقيل: المعنى إن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء، لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالمطر، فتكون الباء في {به} سببية {فَأَصْبَحَ } النبات {هَشِيمًا } الهشيم: الكسير، وهو من النبات ما تكسر بسبب انقطاع الماء عنه وتفتت، ورجل هشيم: ضعيف البدن، وتهشم عليه فلان: إذا تعطف. واهتشم ما في ضرع الناقة إذا احتلبه، وهشم الثريد كسره وثرده، ومنه قول ابن الزبعري:شعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : {تَذْرُوهُ ٱلرّياحُ } تفرقه. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: تذروه: تنسفه. وقال ابن كيسان: تذهب به وتجيء، والمعنى متقارب. وقرأ طلحة بن مصرّف (تذريه الريح) قال الكسائي: وفي قراءة عبد الله (تذريه) يقال: ذرته الريح تذروه، وأذرته تذريه. وحكى الفراء: أذريت الرجل عن فرسه أي: قلبته {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقْتَدِرًا } أي: على كل شيء من الأشياء يحييه ويفنيه بقدرته لا يعجز عن شيء {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } هذا ردّ على الرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء فأخبرهم سبحانه أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في الآخرة، كما قال في الآية الأخرى {أية : إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } تفسير : [التغابن: 15]. وقال: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ }تفسير : [التغابن: 14]. ولهذا عقب هذه الزينة الدنيوية بقوله: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ } أي: أعمال الخير، وهي ما كان يفعله فقراء المسلمين من الطاعات {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } أي: أفضل من هذه الزينة بالمال والبنين ثواباً، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها {وَخَيْرٌ أَمَلاً } أي أفضل أملاً، يعني: أن هذه الأعمال الصالحة لأهلها من الأمل أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين، لأنهم ينالون بها في الآخرة أفضل مما كان يؤمله هؤلاء الأغنياء في الدنيا، وليس في زينة الدنيا خير حتى تفضل عليها الآخرة، ولكن هذا التفضيل خرّج مخرج قوله تعالى: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تفسير : [الفرقان: 24]. والظاهر أن الباقيات الصالحات كل عمل خير فلا وجه لقصرها على الصلاة كما قال بعض، ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قاله بعض آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا تعرف أن تفسير الباقيات الصالحات في الأحاديث بما سيأتي لا ينافي إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن عليّ قال: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ } حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ } قال: سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوّة إلا بالله»تفسير : ، وأخرج الطبراني وابن شاهين وابن مردويه عن أبي الدرداء مرفوعاً بلفظ: «حديث : سبحان الله، والحمد لله، ولا إلٰه إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، هنّ الباقيات الصالحات»تفسير : . وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الصغير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً: «حديث : خذوا جِنَّتَكم، قيل: يا رسول الله من أيّ عدوّ قد حضر؟ قال: بل جِنَّتَكم من النار قول: سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر، فإنهنّ يأتين يوم القيامة مقدّمات معقبات ومجنبات، وهي الباقيات الصالحات»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وابن مردويه عن النعمان بن بشير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إلٰه إلا الله، الباقيات الصالحات»تفسير : . وأخرج ابن مردويه نحوه من حديث أنس مرفوعاً، وزاد التكبير وسماهنّ الباقيات الصالحات. وأخرج ابن مردويه نحوه من حديث أبي هريرة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه من حديث عائشة مرفوعاً نحوه، وزادت: «حديث : ولا حول ولا قوة إلا بالله»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه من حديث عليّ مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً فذكر نحوه دون الحوقلة. وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة مرفوعاً نحوه. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير عن ابن عمر من قوله نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس من قوله نحوه. وكل هذه الأحاديث مصرحة بأنها الباقيات الصالحات، وأما ما ورد في فضل هذه الكلمات من غير تقييد بكونها المرادة في الآية فأحاديث كثيرة لا فائدة في ذكرها هنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كل شيء من طاعة الله، فهو من الباقيات الصالحات.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نباتُ الأرض} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الماء اختلط بالنبات حين استوى. الثاني: أن النبات اختلط بعضه ببعض حين نزل عليه الماء حتى نما. {فأصبح هشيماً تذروهُ الرياحُ} يعني بامتناع الماء عنه، فحذف ذلك إيجازاً لدلالة الكلام عليه، والهشيم ما تفتت بعد اليبس من أوراق الشجر والزرع، قال الشاعر: شعر : فأصبحت نيّماً أجسادهم يشبهها من رآها الهشيما تفسير : واختلف في المقصود بضرب هذا المثل على قولين: أحدهما: أن الله تعالى ضربه مثلاً للدنيا ليدل به على زوالها بعد حسنها وابتهاجها: الثاني: أن الله تعالى ضربه مثلاُ لأحوال أهل الدنيا أن مع كل نعمة نقمة ومع كل فرحة ترحة. قوله عز وجل: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} لأن في المال جمالاً ونفعاً وفي {البنين} قوة ودفعاً فصارا زينة الحياة الدنيا. {والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً} فيها أربعة تأويلات: أحدها: أنها الصلوات الخمس، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. الثاني: أنها الأعمال الصالحة، قاله ابن زيد. الثالث: هي الكلام الطيب. وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وقاله عطية العوفي. الرابع: هو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه. وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هي الباقيات الصالحات ". تفسير : وفي {الصالحات} وجهان: أحدهما: أنها بمعنى الصالحين لأن الصالح هو فاعل الصلاح. الثاني: أنها بمعنى النافعات فعبر عن المنفعة بالصلاح لأن المنفعة مصلحة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لما عُرج بي إلى السماء أريت إبراهيم فقال: مر أمتك أن يكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقلت وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". تفسير : {خير عند ربك ثواباً} يعني في الآخرة، {وخير أملاً} يعني عند نفسك في الدنيا، ويكون معنى قوله {وخيرٌ أملاً} يعني أصدق أملاً، لأن من الأمل كواذب وهذا أمل لا يكذب.

ابن عطية

تفسير : قوله {الحياة الدنيا} يريد حياة الإنسان بما يتعلق بها من نعم وترفه، وقوله {كماء} يريد هي كماء، وقوله {فاختلط به} أي فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء، فالباء في {به} باء السبب، فأصبح عبارة عن صيرورته إلى ذلك، لا أنه أراد اختصاصاً بوقت الصباح، وهذا كقول الشاعر الربيع بن ضبع: [المنسرح] شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا تفسير : و"الهشيم" المتفتت من يابس العشب، ومنه قوله تعالى {أية : كهشيم المحتظر} تفسير : [القمر: 31] ومنه هشم الثريد، و {تذروه}، بمعنى تفرقه، وقرأ ابن عباس: "تذريه"، والمعنى: تقلعه وترمي به، وقرأ الحسن "تذروه الريح" بالإفراد، وهي قراءة طلحة والنخعي والأعمش وقوله: {وكان الله} عبارة للإنسان عن أن الأمر قبل وجود الإنسان هكذا كان، إذ نفسه حاكمة بذلك في حال عقله، هذا قول سيبويه، وهو معنى صحيح وقال الحسن {كان}: إخبار عن الحال قبل إيجاد الموجودات، أي إن القدرة كانت، وهذا أيضاً حسن، فمعنى هذا التأويل تشبيه حال المرء في حياته وماله وعزته وزهوه وبطره بالنبات الذي خضرة ونضرة عن المطر النازل، ثم يعود بعد ذلك {هشيماً} ويصير إلى عدم، فمن كان له عمل صالح، يبقى في الآخرة فهو الفائز، فكأن الحياة بمثابة الماء والخضرة، والنضارة بمنزلة النعيم والعزة، ونحوه. وقوله {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} لفظ الخبر، لكن معه قرينة الضعة للمال والبنين لأنه في المثل، قبل حقر أمر الدنيا وبنيه، فكأنه يقول في هذه: إنما المال والبنون زينة هذه الحياة المحقرة، فلا تتبعوها نفوسكم، وقوله {زينة} مصدر، وقد أخبر به عن أشخاص فإما أن يكون على تقدير محذوف، وتقديره: مقر زينة الحياة الدنيا، وما أن نضع المال والبنين بمنزلة الغنى والكثرة، واختلف الناس في {الباقيات الصالحات} فقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: هي الصلوات الخمس وقال الجمهور هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، روي في هذا حديث: "حديث : أكثروا من الباقيات الصالحات" تفسير : ، وقاله أيضاً ابن عباس، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة وغيره أن هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات، وقال ابن عباس أيضاً {الباقيات الصالحات}: كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة ورجحه الطبري، وقال ابن عباس بكل الأقوال دليل على قوله بالعموم، وقوله {خير ثواباً وخير أملاً} صاحبها ينتظر الثواب وينبسط على خير من حال ذي المال والبنين دون عمل صالح، وقوله تعالى: {ويوم نسير الجبال} الآية التقدير: واذكر يوم، وهذا أفصح ما يتأول في هذا هنا، وقرأ نافع والأعرج وشيبة وعاصم وابن مصرف وأبو عبد الرحمن "نسير" بنون العظمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى: "تسيَّر" بالتاء، وفتح الياء المشددة "الجبالُ" رفع، وقرأ الحسن: "يُسيَّر" بياء مضمونة، والثانية مفتوحة مشددة، "الجبال" رفعاً، وقرأ ابن محيصن "تَسِير": بتاء مفتوحة وسين مكسورة، أسند الفعل إلى "الجبال"، وقرأ أبي بن كعب "ويوم سيرت الجبال". وقوله {بارزة} إما أن يريد أن الأرض، لذهاب الجبال والظراب والشجر، برزت وانكشفت، وإما أن يريد: بروز أهلها، والمحشورين من سكان بطنها {وحشرناهم} أي أقمناهم من قبورهم، وجعلناهم لعرضة القيامة، وقرأ الجمهور "نغادر" بنون العظمة، وقرأ قتادة: "تغادر" على الإسناد إلى القدرة أو إلى الأرض، وروى أبان بن يزيد عن عاصم: "يغادَر" بياء وفتح الدال "أحدُ" بالرفع، وقرأ الضحاك "فلم نُغْدِر" بنون مضمومة وكسر الدال وسكون الغين، والمغادرة: الترك، ومنه غدير الماء، وهو ما تركه السيل، وقوله {صفاً} إفراد نزل منزلة الجمع، أي صفوفاً، وفي الحديث الصحيح يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفاً يسمعهم الداعي وينفدهم البصر، الحديث بطوله، وفي حديث آخر "حديث : أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفاً، أنتم منها ثمانون صفاً"تفسير : ، وقوله تعالى: {لقد جئتمونا} إلى آخر الآية مقاولة للكفار المنكرين للبعث، ومضمنها التقريع والتوبيخ، والمؤمنون المعتقدون في الدنيا أنهم يبعثون يوم القيامة، لا تكون لهم هذه المخاطبة بوجه وفي الكلام حذف ويقتضيه القول ويحسنه الإيجاز تقديره: يقال للكفرة منهم، {كما خلقناكم أول مرة} يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده} تفسير : [الأنبياء: 104].

ابن عبد السلام

تفسير : {هَشِيماً} ما تفتت بعد اليبس من أوراق الشجر والزرع مثل لزوال الدنيا بعد بهجتها، أو لأحوال أهلها في أن مع كل فرحة ترحة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {واضرب لهم} أي اضرب يا محمد لقومك {مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} يعني المطر {فاختلط به نبات الأرض} أي خرج منه كل لون وزهرة {فأصبح} أي عن قريب {هشيماً} قال ابن عباس: يابساً {تذروه الرياح} قال ابن عباس: تذريه تفرقه وتنسفه {وكان الله على كل شيء مقتدراً} أي قادراً. قوله سبحانه وتعالى {المال والبنون} يعني التي يفتخر بها عيينة وأصحابه الأغنياء {زينة الحياة الدنيا} يعني ليست من زاد الآخرة، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: المال والبنون حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعهما لأقوام {والباقيات الصالحات} قال ابن عباس: هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (م) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لأن أقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلى مما طلعت الشمس"تفسير : . عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله علي وسلم أنه قال "حديث : استكثروا من قول الباقيات الصالحات. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله"تفسير : . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد. قلت: وما الرتع؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"تفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب عن سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات هي قول العبد الله أكبر وسبحان الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً عليه وعن ابن عباس أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وعنه أنها الأعمال الصالحة {خير عند ربك ثواباً} أي جزاء {وخير أملاً} أي ما يؤمله الإنسان. قوله سبحانه وتعالى {ويوم نسير الجبال} أي نذهب بها وذلك أن تجعل هباء منثوراً كما يسير السحاب {وترى الأرض بارزة} أي ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا بناء وقيل هو بروز ما في بطنها من الموتى وغيرهم فيصير باطن الأرض ظاهرها {وحشرناهم} يعني جميعاً إلى موقف الحساب {فلم نغادر منهم أحداً} أي لم نترك منهم أحداً {وعرضوا على ربك صفاً} أي صفاً صفاً وفوجاً فوجاً لأنهم صف واحد وقيل قياماً كل أمة وزمرة صف ثم يقال لهم {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} يعني أحياء وقيل حفاة عراة غرلاً {بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً} يعني القيامة يقول ذلك لمنكر البعث (ق) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: "حديث : أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ألا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم قال: فيقال لي إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. زاد في رواية فأقول سحقاً سحقاً"تفسير : قوله غرلاً أي قلفاً والغرلة القلفة التي تقع من جلد الذكر وهو موضع الختان، وقوله سحقاً أي بعداً، قال بعض العلماء: إن المراد بهؤلاء أصحاب الردة الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة بعد (ق) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يحشر الناس حفاة عراة غرلاً. قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك"تفسير : . زاد النسائي في رواية {أية : لكل امرىء يومئذٍ شأن يغنيه}تفسير : [عبس: 37].

الثعالبي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يريد حياة الإنسان، كماء أنزلناه من السماء {فَٱخْتَلَطَ بِهِ }، أي: فاختلط النبات بعضه ببعض بسبب النماءِ، {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } أصبح عبارة عن صيرورته إِلى ذلك، و «الهَشِيم» المتفتِّت من يابس العُشْب، و{تَذْرُوهُ } بمعنى تفرِّقه، فمعنى هذا المَثَل تشبيهُ حالِ المَرْء في حياته ومالِهِ وعزَّته وبَطَره، بالنَّبات الذي له خُضْرة ونَضْرة عن الماءِ النازل، ثم يعودُ بعد ذلك هشيماً، ويصير إِلى عُدْم، فمن كان له عَمَلٌ صالح يبقى في الآخرةِ، فهو الفَائِزُ. وقوله سبحانه: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } لفظه الخبر، لكنْ معه قرينة الصِّفة للمال والبنين؛ لأنه في المَثَلِ قَبْلُ حَقَّر أمْرَ الدنيا وبيَّنه؛ فكأنه يقول: المال والبنون زينةُ هذه الحياة الدنيا المحقَّرة، فلا تُتْبِعُوهَا نُفُوسَكُمْ، والجمهور أنَّ {ٱلصَّـٰلِحَاتُ}. هي الكلماتُ المذكورُ فضْلُها في الأحاديث: « حديث : سُبْحَانِ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، ولاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ»، وقد جاء ذلك مصرَّحاً به من لفظ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في قوله: « وَهُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالحَاتُ ». تفسير : وقوله سبحانه: {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي: صاحبها ينتظرُ الثَّواب، وينبسطُ أمله، فهو خَيْرٌ من حال ذي المَالِ والبنينَ، دون عَمَلٍ صالحٍ، وعن أبي سعيد الخدريِّ؛ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : اسْتَكْثِرُوا مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ » قيلَ: وَمَا هُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: » التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ وَالحَمْدُ للَّهِ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ باللَّه » تفسير : رواه النسائيُّ وابنُ حِبَّان في «صحيحه» انتهى من «السلاح». وفي «صحيح مسلم» عن سَمُرة بن جُنْدُبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أحَبُّ الكَلاَمِ إِلى اللَّهِ تَعَالى أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبُرُ لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ »تفسير : وفي «صحيح مُسْلِم»، عن أبي مالِكٍ الأشعريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : الطُّهوُرُ شَطْرُ الإِيمَانِ والحَمْدُ للَّهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ أَو تَمُلأُ مَا بَيْنَ السَّمٰواتِ والأَرْضِ... » تفسير : الحديث انتهى. قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وروى مالكٌ عن سعيد بن المسيَّب، أنَّ الباقيات الصالحات قولُ العبْدِ: اللَّهُ أكْبَرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلا اللَّه، ولا حَوْلَ ولاَ قوَّة إِلا باللَّه» وروي عن ابْنِ عباس وغيره؛ أن الباقياتِ الصَّالحات الصَّلواتُ الخَمْس. انتهى. * ت *: وما تقدَّم أولى، ومن كلام الشيْخِ الوليِّ العارف أبي الحَسن الشَّاذِليِّ رضي اللَّه عنه قال: عليك بالمطهرِّات الخمس في الأقوال؛ والمطهِّرات الخمس في الأفعال، والتبرِّي من الحول والقَّوة في جميع الأحوال، وغُصْ بعقلك إِلى المعاني القائمة بالقَلْب، وٱخْرُجْ عنها وعنه إِلى الرَّبّ واحفظِ اللَّه يحفظْك، وٱحفظِ اللَّه تجدْهُ أمامك وٱعبُدِ اللَّه بها، وكُنْ من الشاكرين، فالمطهِّراتُ الخمس في الأقوالِ: سُبْحَانَ اللَّه، والحمدُ للَّهِ، ولا إِلٰه إِلا اللَّه، واللَّهُ أَكبر، ولا حول ولا قوة إِلا باللَّه، والمطهِّراتُ الخَمْسُ في الأفعال: الصلواتُ الخمْسُ، والتبرِّي من الحول والقوة: هو قولُكَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا باللَّه. انتهى. وقوله سبحانه: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً }: يحتمل أن الأرض؛ لِذَهَابِ الجبال، والضِّرابِ والشَّجَرِ - بَرَزَتْ، وانكشفَتْ ويحتملُ أن يريد بُرُوزَ أهلها من بطنها للحِشَرْ، و«المغادَرة»: الترك، {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا }، أي: صفوفاً وفي الحديث الصحيح: « حديث : يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ صُفُوفاً يُسْمِعُهُمُ الدَّاعي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ... » تفسير : الحديث بطوله، وفي حديثٍ آخَرَ: «حديث : أَهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا ». تفسير : وقوله سبحانه: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ }: يفسِّره قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنكُمْ تُحْشَرُونَ إِلى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً "تفسير : { أية : كَمَآ بَدَأْنَا أوَّلَ خَلَقٍ نُّعِيدُهُ } تفسير : [الأنبياء:104].

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} الآية. أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين {مَّثَلَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} ثم ذكر المثل فقال: {كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ}. قوله: {كَمَآءٍ}: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي: الحياة الدنيا. والثاني: أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن "ضرب" هذه متعدية لواحدٍ فقط. والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني لـ "اضْرِبْ" لأنها بمعنى "صَيِّرْ" وقد تقدم. قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ: "وأقول: إنَّ "كماءٍ" في موضع المفعول الثاني لقوله "واضْرِبْ"، أي: وصيِّر لهم مثل الحياة، أي: صفتها شبه ماء". قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء. و "أنْزَلنَاهُ" صفة لـ "مَاءٍ". قوله: "فاخْتلَطَ به" يجوز في هذه الباء وجهان: أحدهما: أن تكون سببية. الثاني: أن تكون متعدِّية، قال الزمخشري: "فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته: أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر". قوله: {فَأَصْبَحَ هَشِيماً} "أصْبَحَ" يجوز أن تكون على بابها؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً؛ كقوله: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} تفسير : [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى "صار" من غير تقييدٍ بصباحٍ؛ كقوله: [المنسرح] شعر : 3533- أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا تفسير : والهشيمُ: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه {أية : كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ} تفسير : [القمر: 31] ومنه: هشمتُ الفتَّ والهشيم: المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ: إذا فتَّه. قال: [الكامل] شعر : 3534- عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف تفسير : قوله: "تَذرُوهُ" صفة لـ "هَشِيماً" والذَّرْوُ: التفريق، وقيل: الرفع. والعامة "تَذْروهُ" بالواو، وقرأ عبد الله "تَذْريه" من الذَّري، ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس "تُذْريهِ" بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على "الرَّياحِ" جمعاً، وزيد بن عليٍّ، و الحسنُ، والنخعيُّ في آخرين "الرِّيحُ" بالإفراد. فصل في معنى ألفاظ الآية و "مَثَل" معنى المثل، قال ابن عباسٍ: يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} خرج من كل لون وزهرة، "فأصْبحَ" عن قريب "هَشِيماً" يابساً. وقال الضحاك: كسيراً. "تَذْروهُ الرِّياحُ": قال ابن عباس: تذريه. وقال أبو عبيدة: تفرّقه. وقال القتبي: تنسفه. قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به. فصل في حسن ترتيب الآيات قوله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} الآية. لما بيّن تعالى أنَّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزَّوال والبوار والفناء، بيَّن تعالى أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، و المقصود منه إدخال هذا الجزئيِّ تحت ذلك الكليِّ، فينعقد به قياسٌ بيِّن الإنتاج، وهو أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريعُ الانقضاءِ والانقراضِ، ومن اليقين البديهيِّ، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له في نظره وزناً، فهذا برهان باهرٌ على فساد قول المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء [المؤمنين]. قوله: {زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} إنما أفرد "زِينَةُ" وإن كانت خبراً عن "بَنِين" لأنَّها مصدر، فالتقدير: ذوا زينةٍ، إذ جعلا نفس المصدر؛ مبالغة؛ إذ بهما تحصل الزينة، أو بمعنى مُزيِّنتَيْنِ وقرىء شاذًّا {زِينَتَا الحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرىء بنصب "زينة الحياة". فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدلُّ على رجحان أولئك الفقراء على أغنياء الكفَّار، فقال: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ}. وبيان هذا الدليل: أنَّ خيرات الدنيا [منقرضة]، وخيرات الآخرة باقيةٌ دائمةٌ، والدائم الباقي خيرٌ من المنقرضِ الزائل، وهذا معلومٌ بالضَّرورة. قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: المال والبنون حرث الحياة الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوامٍ. وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أكثروا من البَاقيَاتِ الصَّالحاتِ قيل: وما هُنَّ يَا رسُول الله؟ قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم ". تفسير : وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضاً عن ابن عباس: البَاقيَاتُ الصَّالحاتُ: الصلوات الخَمْسُ. وقال قتادة: ويروى أيضاً عن ابن عبَّاس أنَّها الأعمال الصالحة {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} جزاء {وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي: ما يؤمِّله الإنسان. قوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} الآية. لما بيَّن خساسة الدُّنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعيِّن أحوال القيامةِ. قوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ}: "يَوْمَ" منصوب بقولٍ مضمرٍ بعده، تقديره: نقول لهم يوم نسيِّر الجبال: لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار "اذْكُرْ" وقيل: هو معطوف على "عِنْدَ ربِّكَ" فيكون معمولاً لقوله "خَيْرٌ". وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمِّ التاء، وفتح الياء مبنياً للمفعول، "الجِبَالُ" بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقةٌ لما اتُّفقَ عليه في قوله {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ} تفسير : [النبأ: 20]، ويؤيِّدها قراءة عبد الله هنا {وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ} فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول. والباقون "نُسيِّرُ" بنون العظمة، والياء مكسورة من "سَيَّرَ" بالتشديد؛ "الجبالَ" بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما بعدها من قوله {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}. وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلاَّ أنه بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: ["تسير"] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و "الجِبَالُ" بالرفع على الفاعلية. قوله: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} "بَارِزَةً" حالٌ؛ إذ الرؤية بصرية، وقرأ عيسى {وتُرَى الأرضُ} مبنيًّا للمفعول، و "الأرضُ" قائمة مقام الفاعل. قوله: {وَحَشَرْنَاهُمْ} فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه ماضٍ، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك {أية : وَعُرِضُواْ} تفسير : [الكهف: 48] و {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} تفسير : [الكهف: 49]. والثاني: أن تكون الواو للحالِ، والجملة في محلِّ النصب، أي: نفعل التسيير في حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال. والثالث: قال الزمخشري: "فإن قلت: لِمَ جيء بـ "حَشرْنَاهُمْ" ماضياً بعد "نُسيِّرُ" و "ترى"؟ قلت: للدلالة على أنَّ حشرهم قبل التسيير، وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنَّه قيل: وحَشرنَاهُم قبل ذلكَ". فصل قال أبو البقاء، وأبو حيان: "والأولى أن تكون الواو للحال" فذكر نحواً ممَّا قدَّمته. قوله: "فَلمْ نُغادِرْ" عطف على "حَشَرنَاهُمْ" فإنه ماضٍ معنى، والمغادرة هنا: بمعنى "الغَدْر" وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدراً؛ لأنَّ به ترك الوفاءُ، وغدير الماء من ذلك؛ لأنَّ السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على "غدر" و "غُدرَان" كرغيف ورغفان، واستغدر الغَديرُ: صار فيه الماء، و الغديرة: الشَّعرُ الذي ترك حتى طال، والجمع غدائرُ. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 3535- غَدائِرُهُ مُسْتشْزِرَاتٌ إلى العُلا ........................ تفسير : وقرأ قتادة "فَلمْ تُغادِرْ" بالتاء من فوقُ، والفاعل ضمير الأرض، أو الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: "يُغادَرْ" مبنياً للمفعول، "أحدٌ" بالرفع، والضحاك: "نُغْدِرْ" بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من "أغْدرَ" بمعنى "غَدرَ". فصل في المراد بالتسيير ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله يسيِّرها إلى موضع يريده، ولم يبيِّن ذلك الموضع لخلقه. والحقُّ أنَّ المراد أنَّه يسيِّرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 105-107] {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5، 6] {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف: 47]، أي: لم يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشَّجر "بَارِزةً" ظاهرة ليس عليها ما يسترها؛ كما قال: {أية : فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 106، 107]. وقال عطاء: "بَارِزةً" أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} تفسير : [الإنشقاق: 4] {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 2] وقال: {أية : وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [إبراهيم: 21]. {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي: وحشرناهم أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأوَّلين والآخرين أحداً، إلاَّ وجمعناهم لذلك اليوم. قوله: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا}. {صَفًّا}: حال من مرفوع "عرضوا" وأصله المصدرية، يقال منه: صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في "صفًّا": هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفاً؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: "حديث : يجمعُ الله الأوَّلينَ والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً"تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : أهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون ". تفسير : ويؤيده قوله تعالى: {أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: ثَمَّ حذف، أي: صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22]. وقال في آخر: {أية : يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلآئِكَةُ صَفّاً} تفسير : [النبأ: 38] يريد: صفًّا صفًّا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: بل كل الخلائق تكون صفًّا [واحداً]، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله {أية : كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً. وقيل: صفًّا أي: قياماً؛ لقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} تفسير : [الحج: 36] أي قياماً. قوله: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت. وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله {أية : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ}تفسير : [الكهف: 47]. ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع "عُرِضُوا"، أي: عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا. قوله: {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ}: أي: مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: "لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَا أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة" فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالاً من ضميره. قوله: {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}. ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراءة المؤمنين بالأموال والأنصار: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94]. ثم قال تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً} أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ. قوله: {أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً} "أنْ" هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و "لكم" يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و "مَوْعداً" هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من "مَوعِداً" إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ. و "بَلْ" في قوله: "بَل زَعَمتُمْ" لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ. قوله: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ}: العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و "الكِتاب" منصوب مفعولاً به، و "الكتابُ" جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً بخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على "مَا لهذا الكتابِ" وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند {أية : فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 78]. و "لا يُغَادِرُ" جملة حالية من "الكتاب". والعامل الجار والمجرور؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال. قوله: "إلاَّ أحْصَاهَا" في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأنَّ "يُغَادِرُ" بمعنى "يترك" و "يتركُ" قد يتعدَّى لاثنين؛ كقوله: [البسيط] شعر : 3536-................. فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ تفسير : في أحد الوجهين. روى أبو هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرُ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا ". تفسير : وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "حديث : قلت: يا رسول الله كيف يَحُشْر النَّاسُ يوم القِيامة؟ قال: حُفاةً عُراةً، قالت: قلتُ: والنِّساء؟ قال: والنِّساء، قالت: قلت: يا رسول الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشدُّ من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض ". تفسير : ووضع الكتابُ، يعي كتب أعمال العباد، توضع في أيدي الناس في أيمانهم. وقيل: توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ} خائفين {مِمَّا فِيهِ} في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون {وَيَقُولُونَ} إذا رأوها: {يَٰوَيْلَتَنَا} يا هلاكنا، والويلُ والويلة: الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين. {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} من ذنوبنا. قال ابن عباس: الصَّغيرة: التبسُّم، والكبيرة: القهقهة. قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللَّمم، [والمسُّ، و القبلة]، والكبيرة: الزِّنا. {إِلاَّ أَحْصَاهَا} وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّراتِ الذُّنوب مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ ". تفسير : {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} مكتوباً في الصَّحيفة. {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً. وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله. فصل في الرد على المجبرة قال الجبائي: هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل: أحدها: أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً. وثانيها: أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب. وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه؛ لم يكن لقوله: "إنَّه لا يظلمُ" فائدة. فإن قيل: أيُّ فائدة في ذلك؟. فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي. وعن الثاني: أنَّه تعالى، قال: {أية : مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} تفسير : [مريم: 35] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.

البقاعي

تفسير : ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أبطرتهم، فكانت سبب إشقائهم وهم يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة بقائها وسرعة فنائها، وأن من تكبر بها كان أخس منها فقال تعالى: {واضرب لهم} أي لهؤلاء الكفار المغترين بالعرض الفاني، المفتخرين بكثرة الأموال والأولاد وعزة النفر {مثل الحياة الدنيا} أي التي صفتها - التي هم بها ناطقون - تدل على أن ضدها الأخرى، في ينوعها ونضرتها، واختلابها للنفوس ببهجتها، واستيلائها على الأهواء بزهرتها، واختداعها لذوي الشهوات بزينتها، ثم اضمحلالها وسرعة زوالها، أفرح ما كانوا بها، وأرغب ما كانوا فيها مرة بعد أخرى، على مر الأيام وكر الشهور، وتوالي الأعوام وتعاقب الدهور، بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها للعاقل اللقن، والكيس الفطن، رغبة إلى الباقي الذي يدوم سروره، ويبقى نعيمه وحبوره، وذلك المثل {كماء أنزلناه} بعظمتنا واقتدارنا بعد يبس الأرض وجفاف ما فيها وزواله، وبقلعه كما تشاهدونه واستئصاله، وقال: {من السماء} تنبيهاً على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة على الوجه النافع {فاختلط} أي فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط {به نبات الأرض} أي التراب الذي كان نباتاً ارفت بطول العهد في بطنها، فاجتمع بالماء والتفّ وتكاثف، فهيأناه بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا حتى أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم أيبسناه {فأصبح هشيماً} أي يابساً مكسراً مفتتاً {تذروه} أي تثيره وتفرقه وتذهب به {الرياح} حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن {وكان الله} أي المختص بصفات الكمال {على كل شيء} من ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة {مقتدراً *} أزلاً وأبداً، فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته حادث. ولما تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد وأحلتهم أودية المعاطب - سريعة الزوال، وشيكة الارتحال، مع كثرة الأنكاد، ودوام الأكدار، من الكد والتعب، والخوف والنصب كالزرع سواء، تقبل أولاً في غاية النضرة والبهجة، تتزايد نضرتها وبهجتها شيئاً فشيئاً، ثم تأخذ في الانتقاص والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء، فهي جديرة لذلك بالزهد فيها والرغبة عنها، وأن لا يفتخر بها عاقل فضلاً عن أن يكاثر بها غيره، قال تعالى: {المال والبنون} الفانيان الفاسدان وهما أجلّ ما في هذه الدار من متاعها {زينة الحياة الدنيا} التي لو عاش الإنسان جميع أيامها لكان حقيقاً لصيرورة ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها، وأنتم تعلمون ما في تحصيلهما من التعب، وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب، وهما مع ذلك قد يكونان خيراً إن عمل فيهما بما يرضي الله، وقد يكونان شراً ويخيب الأمل فيهما، وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره، وسوء حياته وضرره {والباقيات الصالحات} وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد بها وجه الله تعالى التي رغبنا فيها بقولنا {أية : لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} تفسير : [ الكهف: 7] وما بعده {خير} أي من الزينة الفانية. ولما كان أهم ما إلى من حصل النفائس لكفايته من يحفظها له لوقت حاجته قال: {عند ربك} أي الجليل المواهب، العالم بالعواقب، وخير من المال والبنين في العاجل والآجل {ثواباً وخير } من ذلك كله {أملاً *} أي من جهة ما يرجو فيها من الثواب ويرجو فيها من الأمل، لأن ثوابها إلى بقاء، وأملها كل ساعة في تحقيق وعلو وارتقاء، وأمل المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما. ولما ذكر المبدأ ونبه على زواله، وختم بأن المقصود منه الاختبار للرفعة بالثواب أو الضعة بالعقاب، وكان الخزي والصغار، أعظم شيء ترهبه النفوس الكبار، لا سيما إذا عظم الجمع واشتد الأمر، فكيف إذا انضم إليه الفقر فيكف إذا صاحبهما الحبس وكان يوم الحشر يوماً يجمع فيه الخلائق، فهو بالحقيقة المشهود، وتظهر فيه العظمة فهو وحده المرهوب، عقب ذكر الجزاء ذكره، لأنه أعظم يوم يظهر فيه، فقال تعالى عاطفاً على { واضرب}: {ويوم} أي واذكر لهم يوم {نسير الجبال} عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض - بعد أن صار هشمياً - بالرياح {أية : فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب}تفسير : [النحل: 88] {وترى الأرض} بكمالها {بارزة} لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا نبت ولا شجر ولا ظل {و} الحال أنا قد {حشرناهم} أي الخلائق بعظمتنا قبل التسيير بتلك الصيحة، قهراً إلى الموقف الذي ينكشف فيه المخبآت، وتظهر الفضائح والمغيبات، ويقع الحساب فيه على النقير والقطمير، والنافذ فيه بصير، فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها، وقعاقع الأبنية والأشجار في هدها وتباين أوصالها، وفنائها بعد عظيم مرآها واضمحلالها {فلم نغادر} أي نترك بما لنا من العظمة {منهم} أي الأولين والآخرين {أحداً *} لأنه لا ذهول ولا عجز.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} [الآية: 45]. قال محمد بن الفضل: الدنيا شقيقةُ النفس وقرينتها وهى مائلة إليها فى كل الأوقات وصفتها فتقلب زينة باطنه زينة حب الدنيا شوقًا منه إلى ربه وتغلب زينة ظاهره زينة الدنيا لا زينته أزين من زينة الدنيا.

القشيري

تفسير : منْ وَطَّنَ النَّفْسَ على الدنيا وبهجتها غَرتْه بأمانيها، وخدعته بالأطماع فيها. ثم إنها تُخْفى الصَّابَ في شرابها، والحنظل في عَسَلها، والسرابَ في مآربها؛ تَعِدُ ولا تفي بِعِدَاتِها، وتُوفِي آفاتُها على خيراتها.. نِعمُها مشوبةً بِنِقَمِها، وبؤسُها مصحوبٌ بمأفوسها، وبلاؤها في ضمن عطائها. المغرورُ مَنْ اغترَّ بها، والمغبونُ مَنْ انخدع فيها.

اسماعيل حقي

تفسير : {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا} اى اذكر لقومك وبين ما يشبهها فى زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يطمئنوا ولا يعكفوا عليها ولا يعرضوا عن الآخرة بالكلية كما استئناف لبيان المثل اى هى كماء {انزلناه من السماء}[ازسحاب ياازجانب سما] ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء وحده بل بمجموع ما فى حيز الاداة {فاختلط به نبات الارض} التف وتكاثف بسببه حتى خالط بعضه بعضا: يعنى [قوت كرفت ونشو نماى خود بكمال رسانيد وزمين بدو تازه وخرم شد] {فاصبح} فصار ذلك النبات الملتف اثر بهجته {هشيما} مهشوما مكسورا ليبسه من الهشم وهو كسر الشئ الرخو {تذروه الرياح} تحمله وتفرقه يقال ذرت الريح الشئ واذرته وذرته اطارته واذهبته وذرا هو بنفسه والحنطة نقاها فى الريح كما فى القاموس. وهذه الآية مختصرة من قوله {أية : انما مثل الحياة الدنيا كماء}تفسير : الآية. قال الكاشفى [همجنين آدمى بزندكى وتازكى كه دارد خوش برآيد همجنين كه نامه عمر ازعنفوان ببايان رسد مقتضى اجل درآمده نهال نهاداورا بصر صرفنا خشك سازد وخرمنهاى از وآرزورا بباد نيستى بردهد] شعر : بهار عمر بسى دلفريب ورنكينست ولى جه سود كه دارد خزان مرك از بى تفسير : {وكان الله على كل شئ} من الانشاء والابقاء والافناء وغير ذلك {مقتدرا} قادرا على الكمال لا يعجزه شئ. فعلى العاقل ان لا يغتر بالحياة الدنيا فانها فانية ولو طالت مدتها وزائلة ولو اعجبت زينتها: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : جو شيبت درآمد بروى شباب شبت روزشد ديده بركن زخواب دريغاكه بكذشت عمر عزيز بخواهد كنشت اين دمى جند نيز فرو رفت جم را يكى نازنين كفن كردجون كرمش ابريشمين بدخمه درآمد بس از جند روز كه بروى بكريد بزارى وسوز جو بوشيده ديدش حرير كفن بفكرت جنين كفت باخويشتن من از كرم بركنده بودم بزور بكندند ازو باز كرمان كور در يغاكه بى ما بسى روز كار برو يد كل وبشكفد نو بهار تفسير : واعلم ان الذى ادركته العنايةالازلية بعد تعلق الروح بالجسد كتعلق الماء بالارض فيبعث الله اليه دهقانا من دهاقين الاولياء والانبياء ومعه بذر الايمان والتوحيد ليلقيه بيد الدعوة وتبليغ الرسالة فى ارض نفسه فيقع منها فى تربة طيبة وهى القلب كما ضرب الله تعالى مثلا {أية : كلمة طيبة كشجرة طيبة}تفسير : وكقوله {أية : والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه}تفسير : فينبت عن بذر التوحيد وهى كلمة لا اله الا الله شجرة الايمان بماء الشريعة فيعلوا به الروح من اسفل سافلين الانسانية الى اعلى درجات الروحانية واقرب منازل قربات الربانية كقوله تعالى {أية : اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}تفسير : والله تعالى قادر على ان يخذله وينفيه فى اسفل سافلين الجسمانية الحيوانية ليصير الروح العلوى كالانعام بل هو اضل وعلى ان يجذبه بجذبات العناية الى اعلى عليين مراتب القرب ليكون مسجودا للملائكة المقربين: قال المولى الجامى شعر : سالكان بى كشش دوست بجايى ترسند سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند تفسير : نسأل الله تعالى ان يجذبنا بسلاسل محبته ويجعلنا من اهل طاعته وقربته. قال وهب رأيت فى بعض الكتب الدنيا غنيمة الاكياس وغفلة الجهال فالانبياء والاولياء صلوات الله عليهم كانوا فى الدنيا ولم يلتفتوا اليها ولم يرغبوا فيها قالوا ليس كل من دخل المحبس يكون محبوسا فيه بل ربما دخله لاخراج المحبوس واستنقاذ المأسور فالنفوس النبوية ومن يتبعها انما وردت على عالم الكون والفساد لاستنقاذ النفوس المحبوسة المأسورة فكما ان المحبوس اذا اتبع ذلك الداخل خرج ونجا فكذلك من اتبع الانبياء فى سننهم ومناهجهم خرج ونجا.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كماءٍ}: خبر عن مضمر، أي: هي كماء، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانيًا لاضْربْ، على أنه بمعنى "صيِّر". يقول الحقّ جلّ جلاله: {واضربْ لهم مَثَل الحياة الدنيا} أي: واذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها، وسرعة انقراضها وفنائها؛ لئلا يطمئنوا إليها ويغفُلوا عن الآخرة، هي {كماءٍ أنزلناه من السماء} وهو المطر، {فاختلط به} أي: بسببه {نباتُ الأرض} بحيث التف وخالط بعضُه بعضًا؛ من كثرته وتكاثفه، ثم مرت مدة قليلة {فأصبح هشيمًا} أي: مهشومًا مكسورًا، {تذروه الرياحُ} أي: تُفرقه وتطيره، كأن لم يَغْنَ بالأمس، {وكان الله على كل شيء مقتدرًا}: قادرًا، ومن جملة الأشياء: الإفناء والإنشاء. {المالُ والبنونَ زينةُ الحياةِ الدنيا} أي: مما تذروه رياح الأقدار، ويلحقه الفناء والبوار، ويدخل في الزينة: الجاهُ، وجميعُ ما فيه للنفس حظ؛ فإنه يفنى ويبيد، ثم ذكر ما لا يفنى فقال: {والباقياتُ الصالحاتُ}؛ وهي أعمال الخير بأسرها، أو: الصلوات الخمس، أو: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، زاد بعضهم: "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : هي من كنز الجنة، وصفايا الكلام، وهن الباقيات الصالحات، يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ". تفسير : أو: الهمات العالية والنيات الصالحة؛ إذ بها ترفع الأعمال وتُقبل. أو: كل ما أريد به وجه الله، وسميت باقيةً: لبقاء ثوابها عند فناء كل ما تطمح إليه النفس من حظوظ الدنيا وزينتها الفانية. قال في الإحياء: كل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، كالمال والجاه مما ينقضي على القرب، وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات، كالعلم والحرية؛ لبقائهما؛ كمالاً فيه، ووسيلة إلى القرب من الله تعالى، أما الحرية من الشهوات فتقطع عن غير الله، وتجرده عن سواه، وأما العلم الحقيقي فيفرده بالله ويجمعه عليه. هـ. وهي، أي: الباقيات الصالحات {خيرٌ عند ربك} أي: في الآخرة {ثوابًا} أي: عائدة تعود على صاحبها، بخلاف ما شأنه الفناء من المال والبنين؛ فإنه يفنى ويبيد. وهذا كقوله تعالى: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل: 96]. وقوله: {عند ربك}: بيان لما يظهر فيه خيريتها، لا لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركتها لها في الخيرية؛ إذ لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة. ثم قال تعالى: {وخيرٌ أملاً} أي: ما يُؤمله الإنسان ويرجوه عند الله تعالى؛ حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يُؤمله في الدنيا، وأما ما مرّ من المال والبنين فليس لصاحبه فيه أمل يناله. وتكرير "خير"؛ للإشعار باختلاف حيثيتي الخيرية والمبالغة فيه. الإشارة: قد تقدم، مرارًا، التحذير من الوقوف مع بهجة الدنيا وزخارفها الغرارة؛ لسرعة ذهابها وانقراضها. "حديث : رَوى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا هريرة تريد أن أريك الدنيا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي، وانطلق، حتى وقف بي على مزبلة، رؤوس الآدميين ملقاة، وبقايا عظام نخرة، وخِرَق بالية قد تمزقت وتلوثت بنجاسات الآدميين، فقال: يا أبا هريرة؛ هذه رؤوس الآدميين التي تراها، كانت مثل رؤوسكم، مملوءة من الحرص والاجتهاد على جمع الدنيا، وكانوا يرجون من طول الأعمار ما ترجون، وكانوا يَجِدُّون في جمع المال وعمارة الدنيا كما تَجِدُّون، فاليوم قد تعرّت عظامهم، وتلاشت أجسامهم كما ترى، وهذه الخرق كانت أثوابهم التي كانوا يتزينون بها، وقت التجمل ووقت الرعونة والتزين، فاليوم قد ألقتها الرياح في النجاسات، وهذه عظام دوابهم التي كانوا يطوفون أقطار الأرض على ظهورها، وهذه النجاسات كانت أطعمتهم اللذيذة التي كانوا يحتالون في تحصيلها، وينهبها بعضُهم من بعض، قد ألقوها عنهم بهذه الفضيحة التي لا يقربها أحد؛ من نتنها، فهذه جملة أحوال الدنيا كما تُشاهد وترى، فمن أراد أن يبكي على الدنيا فليبك، فإنها موضع البكاءتفسير : . قال أبو هريرة رضي الله عنه: فبكى جماعة الحاضرين". ثمَّ ذكر ما يكون بعد فناء الدنيا

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يضرب المثل للدنيا تزهيداً فيها، وترغيباً فى الآخرة بأن قال: إن مثلها كمثل ماء أنزله الله من السماء {فاختلط به نبات الأرض} أي نبت بذلك الماء المنزل من السماء نبات، فالتفت بعضه ببعض يرون حسناً وغضاضة. ثم عاد {هشيماً} أي مكسوراً مفتتاً {تذروه الرياح} فتنقله من موضع الى موضع فانقلاب الدنيا بأهلها كانقلاب هذا النبات. ثم قال {وكان الله على كل شيء} اراده {مقتدراً} أي قادراً، لا يجوز عليه المنع منه. والتذرية تطيير الريح الاشياء الخفيفة على كل جهة، يقال: ذرته الريح تذروه ذرواً، وذرته تذريه وأذرته اذراء قال الشاعر: شعر : فقلت له صوب ولا تجهدنه فيذرك من أخرى القطاة فتزلق تفسير : وأذريت الرجل عن الدابة إذا ألقيته عنها، والهشيم النبات اليابس المتفتت. وقال الحسن: معنى {وكان الله على كل شيء مقتدراً} أي كان قادراً ان يكوّنه قبل أن يكون، وقبل أن يكون. وهو اخبار عن الماضي ودلالة على المستقبل، وهذا المثل للمتكبرين الذين اغتروا بأموالهم، واستنكفوا من مجالسة فقراء المؤمنين، فأخبرهم الله أن ما كان من الدنيا لا يراد به الله، فهو كالنبت الحسن على المطر لا مادة له فهو يروق ما خالطه ذلك الماء، فاذا انقطع عنه عاد هشيماً تذروه الرياح لا ينتفع به. وقوله {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} اخبار منه تعالى أن كثرة الاموال التي يتمولها الانسان ويملكها في الدنيا. والبنين الذين يرزقهم الله زينة الحياة الدنيا، أي جمال الدنيا وفخرها {والباقيات الصالحات} يعني الطاعات لله تعالى، لانه يبقى ثوابها أبداً، فهي خير من نفع منقطع لاعاقبة له، والباقيات يفرح بها ويدوم خيرها، وهي صالحات بدعاء الحكيم اليها وأمره بها. وقال ابن عباس {الباقيات الصالحات} الطاعات لله. وروي في أخبارنا أن من الباقيات الصالحات، والامور الثابتات: القيام بالليل لصلاة الليل. والأمل الرجاء، ومعنى {خير أملاً} أن الرجاء للعمل الصالح والأمل له خير من الأمل للعمل الطالح.

الجنابذي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} اصله اضرب الاسماع بمثل الحياة الدّنيا لكنّه لكثرة الاستعمال حذف الاسماع واقيم المثل مقامه واريد منه معنى اذكر او اجر او صيّر وعلى الاوّلين فقوله {كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} حال من المثل او مستأنف بتقدير مبتدءٍ، وعلى الثّانى فهو مفعول ثانٍ لا ضرب {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} بعد نبته ونموّه واشتداده فصار مصفرّاً ومبيّضاً {فَأَصْبَحَ هَشِيماً} منكسراً {تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} تفرّقه وللاشارة الى سرعة زوالها اتى بالفاء دون ثمّ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من انزال الماء وانبات الارض وجعل النّبات مشتدّاً مختلطاً ثمّ جعله يابساً هشيماً متفرّقاً ومن نفخ الرّوح واحياء البدن الجماد بالحياة العرضيّة الدّانية وجعل قواه مشتدّة قويّة ثمّ جعل البدن ذابلاً وجعل قواه ضعيفة بعد قوّتها ثمّ نزع الرّوح منه وجعله وجعل قواه غير مقتدرة على التّماسك والتّمانع {مُّقْتَدِراً} وبعد ما ذكر عدم بقاء الحياة الدّنيا وانّ نضرتها ايّام قلائل لا ينبغى ان يغترّ بها العاقل ذكر اصول ما يتعلّق به النّفوس فى الحياة الدّنيا وتهتمّ فى جمعه وحفظه واضافها الى تلك الحياة اشعاراً بسرعة زوالها وانّ العاقل لا ينبغى ان يهتمّ بشأنها بل ينبغى ان يهتمّ بشأن ما هو باقٍ نافع له فقال {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}.

الأعقم

تفسير : {واضرب لهم} أي لهؤلاء المتكبرين آثروا ما يفنى على ما يبقى، قيل: لقومك، وقيل: لمن يزعم أنه {مثل الحياة الدنيا} يعني سنة الحياة الدنيا ونعيمها {كماء أنزلناه من السماء} وهو المطر {فاختلط به نبات الأرض}، قيل: اختلط الماء بالنبات {فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً}، قوله تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} أي يتزينون بها ويتفاخرون بها {والباقيات الصالحات} يعني أن البقاء الثواب، العمل الصالح، وقيل: الطاعات، وقيل: لا إله إلا الله والصيام والحج والجهاد، وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقيل: الصلوات الخمس {وخير أملاً} أي خير شيء تأمله المرء {ويوم نسيّر الجبال} يعني يوم القيامة أي نزيلها عن أمكنتها {وترى الأرض} أيها الإِنسان {بارزة} ليس عليها ما يسترها مما كان عليها، فلا شيء يسترها عن أعين الناظرين من بناء من جبل وشجر والبروز أصله الظهور، قيل: يحشر الناس في صعيد واحد يرى بعضهم، وقد يرى ما كان في بطنها فصار على ظهرها {وحشرناهم} وجمعناهم إلى الموقف {فلم نغادر منهم أحداً} أي لم نترك أحداً إلا وقد جمعناه، وقيل: يحشرون حفاة عراةً عزلاً {وعرضوا} يعني عرضوا للمحاسبة {على ربك صفاً} كصفوف الصلاة يعرضون قياماً {كما خلقناكم أول مرة} أحياءً حفاة عراةً عزلاً، وقيل: لا أموال ولا أولاد {بل زعمتم ألن نجعل} لكم موعداً يعني الجزاء والحساب يوم القيامة {ووضع الكتاب} يعني صحائف الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} خائفين {مما فيه} من الأعمال السيئة {ويقولون} إذا قرأوها {يا ويلتنا} يدعون بالويل والثبور، والويل: الهلاك {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} أي لا شيئاً من الذنوب إلا أحصاها، قيل: الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة، وقيل: الكبيرة الزنا، وقيل: المراد به يجري بما جل ودق لأن الصغيرة ما نقص عقابه عن طاعته والكبيرة ما زاد عقابه على ثواب طاعته، ومتى قيل: أليس معفواً عنها؟ قيل: لا صغيرة للكفار وإنما يقع الصغائر من المؤمن {ووجدوا ما عملوا حاضراً} في الصحف عتيداً {ولا يظلم ربك أحداً} فيكتب عليه ما لم يعمل أو يزيد في عقابه، ثم بيّن تعالى ما جرى من ابليس تحذيراً من مثل حاله فقال سبحانه: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وقد بيّنا أنه سجود تحيّة لا سجود عبادة، وقيل: إنه قبله للسجود {فسجدوا} يعني الملائكة {إلا ابليس} فأمر معهم بالسجود وإن لم يكن منهم {كان من الجن}، قيل: إنه كان أبو الجن كما أن آدم أبو الإِنس روي ذلك في الحاكم، وقيل: كان من الجن الذين طردتهم الملائكة فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، وقيل: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن كانوا خزان الجنان وسموا الجن لاستتارهم من العيون {ففسق عن أمر ربه} أي خرج عن طاعة ربه {أفتتخذونه وذريته} خطاب لبني آدم {وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوّ} قد ظهرت عداوتهم وهذا استفهام والمراد به الإِنكار، أي لا تتخذونهم أولياء، والذرية النسل، قال الحسن: الإِنس عن آخرهم ذرية آدم والجن عن آخرهم ذرية ابليس {بئس للظالمين بدلاً} البدل ابليس وذريته من الله {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} يعني الكفار، وقيل: آدم وذريته لم يحضروا ذلك، وقيل: الملائكة يعني إذا لم يشهدوا خلق هذه الأشياء فلم زعموا أن الملائكة بنات الله؟ وقيل: {ما أشهدتهم} ما خلقت مستعيناً بهم في الخلق والتدبير، وقيل: أراد أنهم مخلوقون لم يكونوا كما خلق السماوات والأرض وكلهم مخلوقون.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ} وقد فسّرناه في غير هذا الموضع { فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أي: هشمته الرياح فأذهبته. فأخبر أن الدنيا ذاهبة زائلة كما ذهب ذلك النبات بعد بهجته وحسنه. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}. قوله: {المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} قال الحسن: الفرائض. ذكروا عن علي أنه قال: الباقيات الصالحات هن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وكان ابن عباس يجمعهما جميعاً فيقول: الصلوات الخمس وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي: عاقبة. {وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي: وخير ما يأمل العباد في الدنيا أن يثابوه في الآخرة. قوله: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرى الأَرْضَ بَارِزَةً} أي: مستوية ليس عليها بناء ولا شجر. [وقال مجاهد: ليس عليها خَمَر ولا غياية]. { وَحَشَرْنَاهُمْ} أي: وجمعناهم { فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي: أحضروا فلم يغب منهم أحد.

اطفيش

تفسير : {وَاضْرِبْ} اذكر. {لَهُمْ} أى لقومك وفيه ما مر. {مَثَلَ الْحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} وهى صفة غريبة أو اذكر لهم ما يماثل الحياة الدنيا فى بهجتها وزوالها بسرعة ليرغبوا عنها. {كَمَاءٍ} خبر لمحذوف أى هى كماء والجملة مستأنفة لبيان المثل المأمور بضربه أو مفعول ثان لاضرب: بمعنى صير أو الكاف اسم مفعول أول ومثل ثان أو الكاف بدل من مثل. {أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ} عطف على محذوف أى فمضت مدة يسيرة فاختلط أو نزل ما بين الإنزال ولاختلاط منزلة العدم لقلته جداً إن جعلنا الاختلاط اختلاط عروق النبات بالماء ومبالغة فى ترتب اختلاط الشجر بعضه ببعض بسبب الماء إن فسرنا الاختلاط باختلاط الشجر بعضه ببعض أو لأنه لا مدة أصلا إن جعلنا الاختلاط اختلاط نفس الشجر بالماء أو الفاء بمعنى ثم إذا فسرناه باختلاط العروق بالماء أو اختلاط الشجر بعضه ببعض. {بِهِ} أى بالماء والباء للإلصاق أو المعية. {نَبَاتُ الأَرْضِ} أَى التصق بالماء أو اقترن معه والمصدق واحد أو التصق به عروق النبات أو اقترن معه ويجوز كونها للسببية أى اختلط النبات بعضه ببعض أو عروقه بسبب الماء وذلك بأن كثرت الأغصان والعروق والأوراق فالتفت وذلك فيما بين نبتة وأخرى وفيما بين أوراق نبتة وأوراقها وعروقها والمراد من النبات ما له ساق وما لا ساق له. وإذا جعلت الباء للإلصاق أو للمعية كان فى الكلام قلب أصله فاختلط بنبات الأرض لأن الأحق بإسناد الاختلاط إليه ما حدث على الآخر ونكتة القلب للمبالغة فى كثرة النبت حتى كأنه يمشى مشيا إلى الماء ولأن كلا من المختلطين مجاور للآخر. {فَأَصْبَحَ} العطف على محذوف أى فمضت مدة فأصبح أو الفاء بمعنى ثم والإصباح على الوجهين بمعنى الصيرورة أى فصار. {هَشِيماً} أى مهشوما أى مفروقا ومقطوعا أو مدقوقا لتيبسه. {تَذْرُوهُ} تنشره وتنقله من موضع لآخر. {الرِّيَاحُ} وقرأ حمزة والكسائى الريح بالإفراد وقرأ ابن عباس تذريه بضم التاء وكسر الراء من أذرى بمعنى ذَرَّى. والأصل فى الكاف ونحو ومثل وشبه ونحو ذلك من أدوات التشبيه الداخلة على المفرد أن تدخل على المشبه به لفظا أو تقديراً نحو "أو كصيب" أى كمثل ذَوِى صيب وقد تدخل على غير المشبه به كهذه الآية إذ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء ولا بمفرد مقدر بل تشبيه حالها فى نضرتها وبهجتها ناضراً شديد الخضرة ثم ييبس فتطيره الريح كأن لم يكن فذلك تشبيه مركب من هيئات منزعة فقد تبين أن من جعل الكاف فيها داخلة على مشبه به محذوف تقديره: كمثل ماء سها سهواً ظاهراً لأن المشبه به ليس مثل الماء ولو باعتبار تقييده بما رتب على إنزاله بل المشبه به هو الماء والمرتبات عليه وأيضا هو تقدير لا حاجة إليه ولا يوضح المقصود بخلاف التقدير فى كصيب فإن التقدير المذكور فيه موضع للمقصود ومحتاج إليه فى رجوع الضمائر بعد. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِراً} قادراً قدرة عظيمة تامة على إيجاد الأشياء وإفنائها.

اطفيش

تفسير : {وَاضْرِبْ لَهُمْ} أى للمشركين المتكبرين القائلين لطرد المؤمنين الفقراء: نجالسك نحن {مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أى اذكر لهم ما تشبهه الدنيا كلها، سوى ما فيها لله عز وجل، وذلك تشبيه لها ببغضها فى السرعة، وزوال زينتها كما قال: {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} خير لمحذوف تقديره ذلك الذى أشبهته كماء إلخ، ودخل بالكاف غير ذلك من الأمثلة مثل أن تقول: كريح، أو كظل، أو كسحابة، أو لضرب بمعنى صيَّر، فيكون كماء مفعولاً ثانيًا، ويكون المراد ضرب مثلا فى الغرابة، والباء للسببية أى اتصل النبات بعضه ببعض لسبب الماء، إذ ما به، وازداد كل نبات إلى جهة الآخر، أو المعنى اختلط الماء بنبات الأرض، ونفذ فيه، فازداد نضارة، فتكون الباء للتعدية، لكن عكست العبارة لأن كلا من المختلطين يصدق عليه أنه مختلط بالآخر، وذلك مبالغة، كأنه جاء النبات إلى الماء لأن المتعارف دخول الباء على الكثير غير الطارئ، كما إذا كان الماء كثيراً، وخلطت إليه شيئًا من اللبن، تقول: خلط اللبن بالماء، وفى العكس خلطت الماء باللبن. وهناك حذف تقديره فمضت مدة فأصبح هشيماً، أى فصار فى أى وقت لا خصوص الصباح يابسا مهشوما مكسوراً تطيّره الرياح والمشبّه به ليس الماء ولا حاله، بل كيفية منتزعة من المشبه والمشبه به، فالمشبه الكيفية التى انتزعت من أمور الدنيا، وهو حالها، والمشبه به الكيفية المنتزعة من النبات وأحواله، والمراد تشبيه حال الدنيا فى نضرتها، وما يعقبها من الفناء، بحال النبات الحاصل من الماء يكون شديد الخضرة، يتعجب منه الناظرون، ثم يصير حطاما كأن لم يغن بالأمس، وقد تقرر أنه يجوز التشبيه بمفروض غير وقع، فيجوز أن يكون المعنى تشبيه حال الدنيا، بحال نبات اخضر بماء، فييبس من حينه بلا مضى مدة، فلا يقدر قولك. ومضت مدة، ويجوز أن يكون فى اختلط ضمير الماء، أى كثر وعم فيه خبر ونبات مبتدأ. {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا} قديراً جدا أى كامل القدرة.

الالوسي

تفسير : {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} أي اذكر لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها لئلا يغتروا بها ولا يضربوا عن الآخرة صفحاً بالمرة أو اذكر لهم صفتها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثل وبينها لهم {كَمَاء} استئناف لبيان المثل أي هي كماء {أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاء} وجوزوا أن يكون مفعولاً ثانياً لاضرب على أنه بمعنى صير. وتعقب بأن الكاف تنبو عنه إلا أن تكون مقحمة. ورد بأنه مما لا وجه لأن المعنى صير المثل هذا اللفظ فالمثل بمعنى الكلام الواقع فيه التمثيل. وقال الحوفي: الكاف متعلقة بمحذوف صفة لمصدر محذوف أي ضرباً كماء وليس بشيء. {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} أي فاشتبك وخالط بعضه بعضاً لكثرته وتكاثفه بسبب كثرة سقي الماء إياه أو المراد فدخل الماء في النبات حتى روى ورف، وكان الظاهر في هذا المعنى فاختلط بنبات الأرض لأن / المعروف في عرف اللغة والاستعمال دخول الباء على الكثير الغير الطارىء وإن صدق بحسب الوضع على كل من التداخلين أنه مختلط ومختلط به إلا أنه اختير ما في النظم الكريم للمبالغة في كثرة الماء حتى كأنه الأصل الكثير ففي الكلام قلب مقبول {فَأَصْبَحَ} ذلك النبات الملتف إثر بهجته ونضارته {هَشِيمًا} أي يابساً متفتتاً، وهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل جمع هشيمة وأصبح بمعنى صار فلا يفيد تقييد الخبر بالصباح كما في قوله:شعر : أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا تفسير : وقيل هي على ظاهرها مفيدة لتقييد الخبر بذلك لأن الآفات السماوية أكثر ما تطرق ليلاً. وتعقب بأنه ليس في الآية ما يدل على أن اتصافه بكونه هشيماً لآفة سماوية بل المراد بيان ما يؤول إليه بعد النضارة من اليبس والتفتت كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى أَخْرَجَ ٱلْمَرْعَىٰ * فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَىٰ} تفسير : [الأعلى: 4-5] {تَذْرُوهُ ٱلرّياحُ} أي تفرقه كما قال أبو عبيدة، وقال الأخفش: ترفعه، وقال ابن كيسان: تجيء به وتذهب. وقرأ ابن مسعود {تذريه} من أذرى رباعياً وهو لغة في ذرى. وقرأ زيد بن علي والحسن والنخعي والأعمش وطلحة وابن أبـي ليلى وابن محيصن وخلف وابن عيسى وابن جرير {تذروه ٱلريح} بالإفراد، وليس المشبه به نفس الماء بل هو الهيئة المنتزعة من الجملة وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر مهتزاً ثم يصير يابساً تطيره الرياح حتى كأنه لم يكن، وعبر بالفاء في الآية للإشعار بسرعة زواله وصيرورته بتلك الصفة فليست فصيحة، وقيل هي فصيحة والتقدير فزها ومكث مدة فأصبح هشيماً. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء} من الأشياء التي من جملتها الإنشاء والإفناء {مُّقْتَدِرًا} كامل القدرة.

ابن عاشور

تفسير : كان أعظم حائل بين المشركين وبين النظر في أدلة الإسلام انهماكهم في الإقبال على الحياة الزائلة ونعيمها، والغرور الذي غر طغاة أهل الشرك وصرفهم عن إعمال عقولهم في فهم أدلة التوحيد والبعث كما قال تعالى: { أية : وذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا } تفسير : [المزمل: 11]، وقال: { أية : أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } تفسير : [القلم: 14 - 15]. وكانوا يحسبون هذا العالم غير آيل إلى الفناء { أية : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } تفسير : [الجاثية: 24]. وما كان أحد الرجلين اللذين تقدمت قصتهما إلا واحداً من المشركين إذ قال: { أية : وما أظن الساعة قائمة } تفسير : [الكهف: 36]. فأمر الله رسوله بأن يضرب لهم مثل الحياة الدنيا التي غرتهم بهجتها. والحياة الدنيا: تطلق على مدة بقاء الأنواع الحية على الأرض وبقاء الأرض على حالتها. فإطلاق اسم {الحياة الدنيا} على تلك المدة لأنها مدة الحياة الناقصة غير الأبدية لأنها مقدر زوالها، فهي دُنيا. وتطلق الحياة الدنيا على مدة حياة الأفراد، أي حياة كل أحد. ووصفُها بــــ (الدنيا) بمعنى القريبة، أي الحاضرة غير المنتظرة، كنى عن الحضور بالقرب، والوصف للاحتراز عن الحياة الآخرة وهي الحياة بعد الموت. والكاف في قوله: {كماء} في محل الحال من (الحياة) المضاف إليه (مثل). أي اضرب لهم مثلاً لها حال أنها كماء أنزلناه. وهذا المثل منطبق على الحياة الدنيا بإطلاقيها، فهما مرادان منه. وضمير {لهم} عائد إلى المشركين كما دل عليه تناسق ضمائر الجمع الآتية في قوله: { أية : وحشرناهم فلم نغادر منهم... وعرضوا... بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا } تفسير : [الكهف: 47 - 48]. واختلاط النبات: وفرته والتفاف بعضه ببعض من قوة الخِصب والازدهار. والباء في قوله: (به) باء السببية. والضمير عائد إلى (ماءٍ) أي فاختلط النبات بسبب الماء، أي اختلط بعض النبات ببعض. وليست البَاء لتعدية فعل اختلط} إلى المفعول لعدم وضوح المعنى عليه، وفي ذكر الأرض بعد ذكر السماء محسن الطباق. و (أصبح) مستعملة بمعنى صار، وهو استعمال شائع. والهشيم: اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول، أي مَهْشوماً محطماً. والهَشْم: الكسر والتفتيت. و {تذروه الرياح} أي تفرقه في الهواء. والذرو: الرمي في الهواء. شبهت حالة هذا العالم بما فيه بحالة الروضة تبقى زماناً بَهِجة خَضِرة ثم يصير نبتُها بعد حين إلى اضمحلال. ووجه الشبه: المصير من حال حسن إلى حال سَيّء. وهذا تشبيه معقول بمحسوس لأن الحالة المشبهة معقولة إذ لم ير الناس بوادر تَقلص بهجة الحياة، وأيضاً شبهت هيئة إقبال نعيم الدنيا في الحياة مع الشباب والجِدة وزخرف العيش لأهله، ثم تَقلصُ ذلك وزوال نفعه ثم انقراضُه أشتاتاً بهيئة إقبال الغيث منبت الزرع ونشأتِه عنه ونضارتهِ ووفرتهِ ثم أخذهِ في الانتقاص وانعدام التمتع به ثم تطَايره أشتاتاً في الهواء، تشبيهاً لمركب محسوس بمركب محسوس ووجه الشبه كما علمت. وجملة {وكان الله على كل شيء مقتدراً} جملة معترضة في آخر الكلام. موقعها التذكير بقدرة الله تعالى على خلق الأشياء وأضدادها، وجعل أوائلها مفضية إلى أواخرها، وترتيبه أسباب الفناء على أسباب البقاء، وذلك اقتدار عجيب. وقد أفيد ذلك على أكمل وجه بالعموم الذي في قوله: {على كل شيء} وهو بذلك العموم أشبه التذييل. والمقتدر: القوي القدرة.

الواحدي

تفسير : {واضرب لهم} لقومك {مثل الحياة الدنيا كماء} أَيْ: هو كماءٍ {أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض} أَيْ: شرب منه فبدا فيه الرِّيّ {فأصبح} أي: النَّبات {هشيماً} كسيراً مُتفتِّتاً {تذروه الرياح} تحمله وتفرِّقه، وهذه الآية مختصرةٌ من قوله تعالى: {أية : إنما مثل الحياة الدنيا....} تفسير : الآية. {وكان الله على كلِّ شيء} من الإنشاء والإِفناء {مقتدراً} قادراً، أنشأ النَّبات ولم يكن، ثمَّ أفناه. {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} هذا ردٌّ على الرُّؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والأبناء، أخبر الله سبحانه أنَّ ذلك ممَّا يُتزيَّن به في الحياة الدُّنيا، ولا ينفع في الآخرة {والباقيات الصالحات} ما يأتي به سلمان وصهيب وفقراء المسلمين من الصَّلوات والأذكار والأعمال الصَّالحة {خير عند ربك ثواباً} أفضل ثواباً، وأفضل أملاً من المال والبنين. {ويوم} واذكر يوم {نسيّر الجبال} عن وجه الأرض كما نُسيِّر السَّحاب {وترى الأرض بارزة} ظاهرةً ليس عليها شيءٌ {وحشرناهم} المؤمنين والكافرين {فلم نغادر} نترك {منهم أحداً}. {وعرضوا على ربك} يعني: المحشورين {صفاً} مصفوفين، كلُّ زمرةٍ وأمَّةٍ صفٌّ، ويقال لهم: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أوَّل مرة} حُفاةً عُراةً فرادى {بل زعمتم} خطابٌ لمنكري البعث {أن لن نجعل لكم موعداً} للبعث والجزاء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المثل: الصفة المعجبة. هشيماً: يابساً متفتتاً. تذروه الرياح: أي تنثره الرياح وتفرقه لخفته ويبوسته. مقتدراً: أي كامل القدرة لا يعجزه شيء. زينة الحياة الدنيا: أي يتجمل بما فيها. والباقيات الصالحات: هي الأعمال الصالحة من سائر العبادات والقربات. وخير أملاً: أي ما يأمله الإِنسان وينتظره من الخير. معنى الآيات: هذا مثل آخر مضروب أي مجعول للحياة الدنيا حيث اغتر بها الناس وخدعتهم فصرفتهم عن الله تعالى ربهم فلم يذكروه ولم يشكروه فاستوجبوا غضبه وعقابه. قال تعالى: في خطاب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وَٱضْرِبْ لَهُم} أي لأولئك المغرورين بالمال والسلطان {مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي صفتها الحقيقية التي لا تختلف عنها بحال {كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} فَزَهَا وازدهر واخضرّ وأنظر، فأعجب أصحابه، وأفرحهم وسرهم ما يأملون منه. وفجأة أتاه أمر الله برياح لاحِفَة، محرقة، {فَأَصْبَحَ هَشِيماً} أي يابساً متهشماً متكسراً {تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} هنا وهناك {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} أي قادراً كامل القدرة، فأصبح أهل الدنيا مبلسين أيسين من كل خير. وقوله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} إنه بعد أن ضرب المثل للحياة الدنيا التي غرت أبناءها فأوردتهم موارد الهلاك أخبر بحقيقة أخرى، يعلم فيها عباده لينتفعوا بها، وهي أن {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ} أو الأولاد {زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} لا غير أي يتجمل بهما ساعة ثم يبيدان ويذهبان، فلا يجوز الاغترار بهما، بحيث يصبحان همَّ الإِنسان في هذه الحياة فيصرفانه عن طلب سعادة الآخرة بالإِيمان وصالح الأعمال، هذا جزء الحقيقة في هذه الآية، والجزء الثاني هو أن {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} والمراد بها أفعال البر وضروب العبادات ومنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أي هذه {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي جزاءً وثماراً، يجنيه العبد من الكدح المتواصل في طلب الدنيا مع الإِعراض عن طلب الآخرة، {وَخَيْرٌ أَمَلاً} يأمله الإِنسان من الخير ويرجوه ويرغب في تحصيله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان حقارة الدنيا وسوء عاقبتها. 2- تقرير أن المال والبنين لا يعدوان كونهما زينة، والزينة سريعة الزوال وهما كذلك فلا يجوز الاغترار بهما، وعلى العبد أن يطلب ما يبقى على ما يفنى وهو الباقيات الصالحات من أنواع البر والعبادات من صلاة وذكر وتسبيح وجهاد. ورباط، وصيام وزكاة.

القطان

تفسير : هشيما: يابسا متفتتا. تذروه الرياح: تنثره، تفرقه. الباقيات الصالحات: الاعمال الصالحة. اذكر ايها الرسول للناس مَثَلَ حال الدنيا في نُضْرتها ثم سرعةِ فنائها وزوالها كمثَلِ نباتٍ اخضرَّ والتفّ وأزهر، ثم صار هشيماً يابسا تنثره الرياح، والله قادر على كل شيء، وكل ما نراه إلى زوال، وفي الحديث: "حديث : الدنيا كَسُوقٍ قام ثم انفضّ ". تفسير : والمال والبنون جمالٌ ومتعة للناس في هذه الحياة الدنيا ولكنْ لا دوامٍ لشيءٍ منها. وقد بين الله تعالى ما هو الباقي فقال: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}، فإن الاعمال الصالحةَ التي تنفع الناس، وطاعة الله خيرٌ عند الله يُجزل ثوابها، وخير املٍ يتعلّق به الانسان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} {أَنْزَلْنَاهُ} {ٱلرِّياحُ} (45) - وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ مَثَلاً بِالحَيَاةِ الدُّنْيا، فِي نُضْرَتِهَا، ثُمَّ فِي صَيْرُورَتِها إِلى زَوَالٍ، وَانْقِضَائِهَا، بِمَاءٍ أَنْزَلَهُ اللهُ مِنْ السَّمَاءِ، فَأَصَابَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ بُذُورٍ وَحَبٍّ، فَنَبتَ وَحَسُنَ مَنْظَرُهُ، وَعَلاهُ الزَّهْرُ، وَالنَّوْرُ، وَالنُّضْرَةُ، ثُمَّ أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ يَابِساً، هَشِيماً، مُتَكَسِّراً. تُبَعْثِرُهُ الرِّيَاحُ، وَتُفَرِّقُهُ وَتَطْرَحُهُ يَمِيناً وَشِمَالاً {تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ}، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. فَالحَيَاةُ الدُّنْيا مُتْعَةٌ قَلِيلَةٌ ثُمَّ لاَ تَلْبَثُ أَنْ تَفْنَى وَتَنْطَفِىءَ. هَشِيماً - يَابِسَاً مُتَفَتِّتاً. تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ - تُفَرِّقُهُ وَتَنْسِفُهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱضْرِبْ} يا محمد {لَهُم}: لهؤلاء المتكبرين المترفين الذين سألوا طرد الفقراء المؤمنين {مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ}، يعني: المطر. قالت الحكماء: شبّه الله تعالى الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع وحال، كذلك الدنيا لا تبقى لأحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا، ولأن الماء يفنى كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ، فكذلك الدنيا لا يسلم من آفاتها وفتنتها أحد، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً مبقياً وإذا جاوز الحد المُقدّر كان ضارّاً مهلكاً، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها يضرّ. {فَٱخْتَلَطَ بِهِ}: بالماء {نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ} عن قريب {هَشِيماً}، قال ابن عباس: يابساً. قال الضحّاك: كسيراً. قال الأخفش: متفتّتاً، وأصله الكسر. {تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ}، قال ابن عباس: تديره. قال ابن كيسان: تجيء به وتذهب. قال الأخفش: ترفعه. وقال أبو عبيدة: تُفرّقه. القتيبي: تنسفه. وقرأ طلحة بن مصرف: الآية فقال: ذرته الريح تذروه ذرواً، وتذريه ذرياً وأذرته إذراءً إذا أطارت به، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}، قادراً. {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ} التي يفخر بها عيينة وأصحابه من الأشراف والأغنياء {زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، وليست من زاد القبر ولا من عُدد الآخرة، {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} التي يعملها سلمان وأصحابه من الموالي والفقراء {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي خير ما يأمله الإنسان. واختلفوا في {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} ما هي؛ قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحّاك: هي قول العبد: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر). يدل عليه ما روى مسلم بن إبراهيم عن أبي هلال عن قتادة أن النبّي صلى الله عليه وسلم أخذ غصناً فحركه حتى سقط ورقه، وقال: "حديث : إن المسلم إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، تحاتّت عنه الذنوب. خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن؛ فهنّ من كنوز الجنّة وصفايا الكلام، وهنّ الباقيات الصالحات ". تفسير : وقال عثمان (رضي الله عنه) وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح: هي (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، ولا حول، ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم). يدل عليه (ما) روى القاسم بن عبد الله العمري، ومحمد بن عجلان عن عبد الجليل بن حميد عن خالد ابن عمران حديث : أن النبّي صلى الله عليه وسلم خرح على قومه، فقال: «خذوا جُنّتكم». قالوا: يا رسول الله، من عدوّ حضر؟ قال: «بل من النار». قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: "الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم؛ فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات مجنِّبات ومعقِّبات، وهنّ الباقيات الصالحات" . تفسير : وعن أبي سعيد الخدري حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات". فقيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: «الملّة». قال: وما هي؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله" . تفسير : وقال عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي فقال: قل له: القني عند زاوية القبر؛ فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا، فسلّم أحدهما على الآخر، ثمّ قال سالم: ما تعدّ الباقيات؟ فقال: لا إله إلاّ الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. فقال له سالم: متى جعلت: ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله؟ قال: ما زلت أجعله فيها. قال فراجعه مرتين وثلاثاً فلم ينزع، فقال سالم: أجّل. فأتيت أبا أيّوب الأنصاري فحدّث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : عُرج بي إلى السماء فأُريت إبراهيم (عليه السلام) فقال: يا جبرئيل، من هذا معك؟ فقال: محمد. فرحّب بي وسهّل، ثمّ قال: مر أُمّتك فليكثروا من غراس الجنّة، فإن تربتها طيبة، وإن أرضها واسعة. فقلت وما غراس الجنّة؟ قال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله ". تفسير : وقال سعيد بن جبير وعمرو بن شرحبيل ومسروق وإبراهيم: هي الصلوات الخمسة، وهي {أية : ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الأعمال الصالحة: لا إله إلاّ الله، وأستغفر الله وصلى الله على محمد، والصلاة والصوم والحج والصدقة والعتق والجهاد والصّلة وجميع الحسنات التي تبقى لأهلها في الجنّة ما دامت السماوات والأرض. وروى عطية عن ابن عباس قال: هي الكلام الطيب. وقال عوف: سألت الحسن عن الباقيات الصالحات، قال: النيّات والهمّات؛ لأن بها تُقبل الأعمال وترفع. قال قتادة: هي كل ما أُريد به وجه الله. والله أعلم. {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ}: نزيلها عن أماكنها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (تُسيَّر) بالتاء وفتح الياء (الجبال) رفعاً على المجهول، {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} ظاهرة كرأي العين ليس عليها شجر ولا جبل ولا ثمر ولا شيء يسترها. وقال عطاء: ترى باطن الأرض ظاهراً قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها، {وَحَشَرْنَاهُمْ}: جمعناهم إلى الموقف للحساب، {فَلَمْ نُغَادِرْ}: نترك ونخلف {مِنْهُمْ أَحَداً * وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} يعني: صفًّا صفًّا؛ لأنهم صفٌّ واحد. وقيل قياماً، يقال لهم يعني للكفار، لفظه عام ومعناه خاص: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} يعني: أحياء. وقيل: عراة. وقيل: عُزّلاً. وقيل: فرادى. {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} يعني: القيامة. قوله تعالى: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} يعني كتب أعمال الخلق، {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ}: خائفين {مِمَّا فِيهِ} من الأعمال السيئة، {وَيَقُولُونَ} إذا رأوها: {يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} من ذنوبنا؟ قال ابن عباس: الصغيرة: التبسّم، والكبيرة: القهقهة. وقال سعيد بن جبير: الصغيرة اللمم والتخميش والقبل والمسيس، والكبيرة: الزنا، والمواقعة، {إِلاَّ أَحْصَاهَا}، قال ابن عباس: عملها. وقال السّدي: كتبها وأثبتها. وقال مقاتل بن حيان: حفظها. وقيل: عدّها. وقال إبراهيم ابن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية قال: ضجّوا والله من الصغار قبل الكبار. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لصغائر الذنوب مثلاً فقال: "حديث : كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض فانطلق كل رجل منهم يحتطب، فجعل الرجل منهم يأتي بالعود ويجيء الآخر بعودين حتى جمعوا سواداً وأجّجوا. وإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه حتى يهلكه ". تفسير : {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} مكتوباً مثبتاً في كتابهم {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} يعني: لا ينقص ثواب أحد عمل خيراً. قال الضحّاك: لا يأخذ أحداً بجرم لم يعمله ولا يورّث ذنب أحد على غيره. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} يقول جلّ ذكره مذكّراً لهؤلاء المتكبرين ما أورث الكبر إبليس، ويعلّمهم أنه من العداوة والحسد لهم على مثل الذي كان لأبيهم: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} ؛ اختلفوا فيه فقال ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خُلقوا من نار السّموم، وخلق الملائكة من نور غير هذا الحي. وكان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وكان من خزان الجنّة، وكان رئيس ملائكة الدنيا، وكان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة حلماً وأكثرهم علماً، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى بذلك لنفسه شرفاً وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكبر، فعصى فمسخه الله شيطاناً رجيماً ملعوناً. فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجُه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجُه، وكانت خطيئة آدم معصية، وخطيئة إبليس كبراً. وقال ابن عباس في رواية أُخرى: كان من الجن [و] إنما سُمي بالجنان، لأنه كان خازناً عليها فنُسب إليها، كما يقال للرجل: مكي وكوفي ومدني وبصري. [أخبرنا عبد الله بن حامد: أخبرنا محمد ابن يعقوب السّري عن يحيى بن عثمان بن زفر قال]: روى يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله عزّ وجلّ: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} قال: كان من الجنانيين الذين يعملون في الجنّة. وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجنّ كما أن آدم أصل الأنس. وقال شهر ابن حوشب: كان إبليس من الجنّ الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. وقال قتادة: جنّ عن طاعة الله تعالى، {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} يعني: خرج عن طاعة ربه. تقول العرب: فسقت الرطبّة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذلك قيل لها: الفويسقة. وقيل: هي من الفُسوق، وهي الاتّساع، تقول العرب: فسق فلان في النفقة إذا اتسع فيها، وما أصاب مالاً إلاّ فسقه، أي أهلكه وبذّره. والفاسق سمّي فاسقاً؛ لأنه اتّسع في محارم الله عزّ وجلّ، وهوّنها على نفسه. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ}، يعني يا بني آدم {وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}: أعداء. وقال الحسن: الإنس من آخرهم من ذريّة آدم، والجن من آخرهم من ذريّة إبليس. قال مجاهد: فمن ذريّة إبليس لافيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة، والهفّان ومرّة وبه يُكنّى إبليس وزيلنون وهو صاحب الأسواق يضع رايته بكل سوق من السّماء والأرض، والدثر وهو صاحب المصائب يأمر بضرب الوجه وشقّ الجيوب والدعاء بالويل والحرب، والأعور وهو صاحب أبواب الزّنا، ومبسوط وهو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه النّاس فلا يجدون [لها] أصلاً، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله عزّ وجلّ، بصّره من المقابح ما لم يرفع أو لم يحسن موضعه، فإذا أكل ولم يذكر اسم الله عليه أكل معه. وقال الأعمش: ربما دخلت البيت، ولم أذكر اسم الله ولم أُسلّم فرأيت مطهره فقلت: ارفعوا، وخاصمتهم، ثمّ أذكر فأقول: داسم، داسم. وروى مخلد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوماً إذ أقبل حمال ومعه دن حتى وضعه، ثمّ جاءني فقال: أنت الشعبي؟ قلت: نعم. فقال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك لعرس ما شهدته. قال: ثمّ ذكرت قول الله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي}، فعلمت أنه لا يكون ذرية إلاّ من زوجة، قلت: نعم. فأخذ دنّه وانطلق، قال: فرأيت أنه مختاري. قال ابن زيد: إبليس أبو الجن كما إنّ آدم (عليه السلام) أبو الإنس. قال الله تعالى لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلاّ ذرأت لك مثلها، [كلما] ولد لآدم. قال قتادة: إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وما ولد لآدم ذريّة إلاّ ولد له مثله، فليس من ولد آدم أحد إلاّ له شيطان قد قرن به. {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}، أي بئس البدل لإبليس وذريّته من الله. قال قتادة: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم: طاعةَ إبليس وذريّته.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يوضح المجهول لنا بما عُلِم لدينا. وأهل البلاغة يقولون: في هذه الآية تشبيه تمثيل؛ لأنه سبحانه شبّه حال الدنيا في قِصَرها وسرعة زوالها بالماء الذي نزل من السماء، فارتوتْ به الأرض، وأنبتتْ ألواناً من الزروع والثمار، ولكن سرعان ما يذبلُ هذا النبات ويصير هشيماً مُتفتتاً تذهب به الريح. وهذه صورة - كما يقولون - منتزعة من مُتعدّد. أي: أن وجه الشبه فيها ليس شيئاً واحداً، بل عِدّة أشياء، فإن كان التشبيه مُركّباً من أشياء متعددة فهو مَثَل، وإنْ كان تشبيه شيء مفرد بشيء مفرد يُسمُّونه مِثْل، نقول: هذا مِثْل هذا، لذلك قال تعالى: {أية : فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [النحل: 74] لأن لله تعالى المثل الأعلى. وهكذا الدنيا تبدو جميلة مُزهِرة مُثمِرة حُلْوة نَضِرة، وفجأة لا تجد في يديك منها شيئاً؛ لذلك سماها القرآن دُنْيا وهو اسم يُوحي بالحقارة، وإلا فأيّ وصف أقل من هذا يمكن أن يصفها به؟ لنعرف أن ما يقابلها حياة عُلْيا. وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كما ضربتُ لهم مَثَل الرجلين وما آل إليه أمرهما اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلّب بأهلها، وتتبدّل بهم، واضرب لهم مثلاً للدنيا من واقع الدنيا نفسها. ومعنى {فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ} [الكهف: 45] أي: اختلط بسببه نبات الأرض، وتداخلَ بعضُه في بعض، وتشابكتْ أغصانه وفروعه، وهذه صورة النبات في الأرض الخِصْبة، أما إنْ كانت الأرض مالحة غير خِصْبة فإنها تُخرِج النبات مفرداً، عود هنا وعود هناك. لكن، هل ظل النبات على حال خُضْرته ونضارته؟ لا، بل سرعان ما جفَّ وتكسَّر وصار هشيماً تطيح به الريح وتذروه، هذا مثلٌ للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزيَّن، كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ..}تفسير : [يونس: 24]. ثم يقول تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} [الكهف: 45] لأنه سبحانه القادر دائماً على إخراج الشيء إلى ضِدّه، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 18]. فقد اقتدر سبحانه على الإيجاد، واقتدر على الإعدام، فلا تنفكّ عنه صفة القدرة أبداً، أحيا وأمات، وأعزَّ وأذلَّ، وقبض وبسط، وضَرَّ ونفع .. ولما كان الكلام السابق عن صاحب الجنة الذي اغترّ بماله وولده فناسب الحديث عن المال والولد، فقال تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ} معناه يَابسٌ مُتفتِتٌ تُطيرهُ الرِّياحُ وتُفرقَهُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا ولمن قام بوراثته بعده تبعا: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالح، أو سيئ أعماله، هنالك يعض الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الجازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قد مت، ولا بد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارين؟ الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل، لدار أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؟ فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه. ولهذا أخبر تعالى أن المال والبنين، زينة الحياة الدنيا، أي: ليس وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره، الباقيات الصالحات، وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من حقوق الله، وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وصلة رحم، وبر والدين، وقيام بحق الزوجات، والمماليك، والبهائم، وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات، فهذه خير عند الله ثوابا وخير أملا فثوابها يبقى، ويتضاعف على الآباد، ويؤمل أجرها وبرها ونفعها عند الحاجة، فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون، ويستبق إليها العاملون، ويجد في تحصيلها المجتهدون، وتأمل كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان: نوع من زينتها، يتمتع به قليلا ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي الباقيات الصالحات.