١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال والبوار والفناء بين تعالى أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والمقصود إدخال هذا الجزء تحت ذلك الكل وسنعقد منه قياس الإنتاج وهو أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء والانقراض ينتج إنتاجاً بديهياً أن المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض. ومن المقتضى البديهي أن ما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح بسببه أو يقيم له في نظره وزناً فهذا برهان باهر على فساد قول أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد ثم ذكر ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال: {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً } وتقرير هذا الدليل أن خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا خسيسة حقيرة وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة، لأن خيرات الدنيا حسية وخيرات الآخرة عقلية والعقلية أشرف من الحسية بكثير بالدلائل المذكورة في تفسير قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور:35] في بيان أن الإدراكات العقلية أفضل من الحسية وإذا كان كذلك كان مجموع السعادات العقلية والحسية هي السعادات الأخروية فوجب أن تكون أفضل من السعادات الحسية الدنيوية، والله أعلم. والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالاً قيل إنها قولنا: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» وللشيخ الغزالي رحمه الله في تفسير هذه الكلمات وجه لطيف، فقال: روي أن من قال سبحان الله حصل له من الثواب عشر مرات، فإذا قال والحمد لله صارت عشرين، فإذا قال: ولا إله إلا الله صارت ثلاثين، فإذا قال والله أكبر صارت أربعين. قال وتحقيق القول فيه أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في معرفة الله وفي محبته فإذا قال سبحان الله فقد عرف كونه سبحانه منزهاً عن كل ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك والحمد لله فقد أقر بأن الحق سبحانه مع كونه منزهاً عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لإفادة كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال فقد تضاعفت درجات المعرفة فلا جرم قلنا تضاعف الثواب فإذا قال مع ذلك ولا إله إلا الله فقد أقر بأن الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لكل ما ينبغي وليس في الوجود موجود هكذا إلا الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ثلاثة فإذا قال والله أكبر معناه أنه أكبر وأعظم من أن يصل العقل إلى كنه كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة لا جرم صارت درجات الثواب أربعة. والقول الثاني: أن الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس. والقول الثالث: أنها الطيب من القول كما قال تعالى: { أية : وَهُدُواْ إِلَى ٱلطَّيّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } تفسير : [الحج: 24]. والقول الرابع: أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو الباقيات الصالحات وكل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك وذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه فهو فان لذاته هالك لذاته فكان الاشتغال به والالتفات إليه عملاً باطلاً وسعياً ضائعاً. أما الحق لذاته فهو الباقي لا يقبل الزوال لا جرم كان الاشتغال بمعرفة الله ومحبته وطاعته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولا يفنى ثم قال تعالى: {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً } أي كل عمل أريد به وجه الله فلا شك أن ما يتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل يكون خيراً وأفضل، لأن صاحب تلك الأعمال يؤمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ويجوز «زينتا» وهو خبر الابتداء في التثنية والإفراد. وإنما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا لأن في المال جمالاً ونفعاً، وفي البنين قوّة ودفعاً، فصارا زينة الحياة الدنيا، لكن معه قرينة الصفة للمال والبنين؛ لأن المعنى: المال والبنون زينة هذه الحياة المحتقرة فلا تُتبعوها نفوسكم. وهو رَدٌّ على عُيينة بن حِصْن وأمثاله لما افتخروا بالغنى والشرف، فأخبر تعالى أن ما كان من زينة الحياة الدنيا فهو غرور يمر ولا يبقى، كالهشيم حين ذرته الريح؛ إنما يبقى ما كان من زاد القبر وعُدد الآخرة. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فَيْءٌ ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغداً مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغداً لغيرك. ويكفي في هذا قول الله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن: 15]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : [التغابن: 14]. قوله تعالى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} أي ما يأتي به سلْمان وصُهيب وفقراء المسلمين من الطاعات {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي أفضل {وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي أفضل أملا من ذي المال والبنين دون عمل صالح، وليس في زينة الدنيا خير، ولكنه خرج مخرج قوله {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} تفسير : [الفرقان: 24]. وقيل: خير في التحقيق مما يظنّه الجهال أنه خير في ظنّهم. واختلف العلماء في «الباقيات الصالحات»؛ فقال ابن عباس وابن جُبير وأبو مَيْسرة وعمرو بن شُرَحْبِيل: هي الصلوات الخمس. وعن ابن عباس أيضاً: أنها كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة. وقاله ابن زيد ورجّحه الطبري. وهو الصحيح إن شاء الله؛ لأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا. وقال عليّ رضي الله عنه: الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والبنون؛ وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهن الله تعالى لأقوام. وقال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحانَ الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. خرّجه مالك في موطئه عن عمارة بن صياد عن سعيد بن المسيِّب أنه سمعه يقول في الباقيات الصالحات: إنها قول العبد الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. أسنده النَّسائيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استكثروا من الباقيات الصالحات قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: المسئلة: وقيل ما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوّة إلا بالله»تفسير : . صححه أبو محمد عبد الحق رحمه الله. وروى قتادة: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غُصْناً فخرطه حتى سقط ورقه وقال: إن المسلم إذا قال سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر تحاتّت خطاياه كما تحات هذا خذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فإنهن من كنوز الجنة وصفايا الكلام وهن الباقيات الصالحات»تفسير : . ذكره الثعلبي، وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليك بسبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر فإنهن يعني يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها»تفسير : . وأخرجه الترمذي من حديث الأعمش عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بشجرة يابسة الورقة فضربها بعصاة فتناثر الورق فقال: «حديث : إن الحمد لله وسبحان الله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة»تفسير : . قال: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعاً من أنس، إلا أنه قد رآه ونظر إليه. وخرج الترمذي أيضاً عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لَقِيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسْرِيَ بي فقال يا محمد أقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التُّربة عذبة الماء وأنها قِيعان وأن غِراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»تفسير : قال: حديث حسن غريب، خرّجه الماوردي بمعناه. وفيه ـ فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: «حديث : لا حول ولا قوة إلا بالله»تفسير : . وخرّج ابن ماجه حديث : عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ به وهو يَغرس غَرْساً فقال: يا أبا هريرة ما الذي تغرس قلت غِراساً. قال ألا أدُلّك على غِراس خير من هذا سبحان الله والحمد لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر يُغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة»تفسير : . وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمّات؛ لأن بها تقبل الأعمال وترفع؛ قاله الحسن. وقال عُبيد بن عُمير: هن البنات؛ يدل عليه أوائل الآية؛ قال الله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ثم قال «والباقيات الصالحات» يعني البنات الصالحات هنّ عند الله لآبائهن خير ثواباً، وخير أملاً في الآخرة لمن أحسن إليهن. يدّل عليه ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: دخلتْ عليّ ٱمرأة مسكينة... الحديث، وقد ذكرناه في سورة النحل في قوله {أية : يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [النحل: 59] الآية. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لقد رأيت رجلاً من أمتي أمِر به إلى النار فتعلق به بناته وجعلن يصرخن ويقلن ربِّ إنه كان يحسن إلينا في الدنيا فرحمه الله بهن». تفسير : وقال قتادة في قوله تعالى: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} قال: أبدلهما منه ابنة فتزوجها نبيّ فولدت له اثني عشر غلاماً كلهم أنبياء.
البيضاوي
تفسير : {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يتزين بها الإِنسان في دنياه وتفنى عنه عما قريب. {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ } وأعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الآباد، ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والكلام الطيب. {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } من المال والبنين. {ثَوَاباً } عائدة. {وَخَيْرٌ أَمَلاً } لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يؤمل بها في الدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يتجمل بهما فيها {وَٱلْبَٰقِيَاتُ ٱلصَّٰلِحَاتُ } هي:( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، زاد بعضهم:( ولا حول ولا قوة إلا بالله) {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً } أي ما يأمله الإِنسان ويرجوه عند الله تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمَالُ} بجماله ونفعه {وَالْبَنُونَ} بقوتهم ودفعهم زينة الحياة {وَالْبَاقِيَاتُ} الصلوت الخمس، أو الأعمال الصالحة، أو الكلام الطيب، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وزاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. {الصَّالِحَاتُ} المصلحات، أو النافعات عبّر عن المنفعة بالصلاح. {عِندَ رَبِّكَ} في الآخرة {وَخَيْرٌ أَمَلاً} عند نفسك، لأن وعد الله ـ تعالى ـ واقع لا محالة فلا تكذب أملك فيه.
النسفي
تفسير : {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } لا زاد القبر وعدة العقبى {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ } أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان، أو الصلوات الخمس، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } جزاء {وَخَيْرٌ أَمَلاً } لأنه وعد صادق وأكثر الآمال كاذبه يعني أن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ويصيبه في الآخرة {وَيَوْمَ } واذكر يوم {نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } {تُسيَّر الجبال} مكي وشامي وأبو عمرو أي تسير في الجو، أو يذهب بها بأن تجعل هباء منثوراً منبثاً {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } ليس عليها ما يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار {وَحَشَرْنَـٰهُمْ } أي الموتى {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } أي فلم نترك. غادره أي تركه ومنه الغدر ترك الوفاء والغدير ما غادره السيل {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا } مصطفين ظاهرين ترى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً، شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } أي قلنا لهم لقد جئتمونا، وهذا المضمر يجوز أن يكون عامل النصب في {يوم نسير} {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي لقد بعثناكم كما أنشأناكم أول مرة، أو جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولاً. وإنما قال: {وحشرناهم} ماضياً بعد {نسير} و{ترى} للدلالة على حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال. كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } وقتاً لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث والنشور أو مكان وعد للمحاسبة. {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ } أي صحف الأعمال {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ } خائفين {مِمَّا فِيهِ } من الذنوب {وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَّالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } أي لا يترك شيئاً من المعاصي {إِلاَّ أَحْصَاهَا } حصرها وضبطها {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } فيكتب عليه ما لم يعمل أو يزيد في عقابه أو يعذبه بغير جرم .
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والخطيب، عن سفيان الثوري قال: كان يقال إنما سمي المال، لأنه يميل بالناس، وإنما سميت الدنيا لأنها دنت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عياض بن عقبة أنه مات له ابن يقال له يحيى، فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه. فقال: وما يمنعني أن أحتسبه؟ وكان أمس من زينة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات. وأخرج ابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب قال: {المال والبنون} حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {والباقيات الصالحات} قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله. والله أكبر. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: "التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله" . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن مردويه، عن النعمان بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا وأن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر من الباقيات الصالحات ". تفسير : وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "خذوا جنتكم" قيل: يا رسول الله أمن عدوّ قد حضر قال: لا. "بل جنتكم من النار قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات محسنات وهن الباقيات الصالحات" . تفسير : وأخرج الطبراني وابن شاهين في الترغيب في الذكر وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله هن الباقيات الصالحات وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها وهن من كنوز الجنة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس بن مالك قال: حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشجرة يابسة، فتناول عوداً من أعوادها فتناثر كل ورق عليها فقال: "والذي نفسي بيده، إن قائلاً يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لتتناثر الذنوب عن قائلها، كما يتناثر الورق عن هذه الشجرة" تفسير : قال الله في كتابه: هن {الباقيات الصالحات}. وأخرج أحمد، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سمرة بن جندب: ما من الكلام شيء أحب إلى الله من الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر هن أربع فلا تكثر علي لا يضرك بأيهن بدأت. وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، والعدوّ، أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن الباقيات الصالحات ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا جنتكم من النار، قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن المقدمات، وإنهن المؤخرات، وهن المنجيات، وهن الباقيات الصالحات ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن مردويه، عن عائشة: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه"خذوا جنتكم" مرتين، أو ثلاثاً، قالوا: من عدوّ حضر؟ قال: "بل من النار. قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن يجئن يوم القيامة مقدمات ومحسنات ومعقبات وهن الباقيات الصالحات" . تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن علي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الباقيات الصالحات من قال: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن يثبطكم الليل فلم تقوموه، وعجزتم عن النهار، فلم تصوموه، وبخلتم بالمال فلم تعطوه، وجبنتم عن العدوّ فلم تقاتلوه. فأكثروا من سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن الباقيات الصالحات ". تفسير : وأخرج الطبراني، حديث : عن سعد بن جنادة قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم فأسلمت وعلمني {قل هو الله أحد} و {إذا زلزلت} و {قل يا أيها الكافرون} وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال: "هن الباقيات الصالحات" . تفسير : وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر، عن عثمان بن عفان أنه سئل عن {الباقيات الصالحات} قال: هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن {الباقيات الصالحات} قال: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس قال: {والباقيات الصالحات} قال: هي ذكر الله، لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله وأستغفر الله وصلى الله على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة والصيام والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، عن سعيد بن المسيب قال: كنا عند سعد بن أبي وقاص، فسكت سكتة فقال: لقد قلت في سكتتي هذه خيراً مما سقى النيل والفرات. قلنا له: وما قلت؟ قال: قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {والباقيات الصالحات} قال: الكلام الطيب. وأخرج ابن أبي شيبة، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، أو لا يحب أحدكم أن لا يزال عند الرحمن شيء يذكر به ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبدالله بن أبي أوفى قال: حديث : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن شيئاً، وسأله شيئاً يجزئ من القرآن؟ فقال له: "قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم، عن موسى بن طلحة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلمات إذا قالهن العبد وضعهن ملك في جناحه، ثم عرج بهن فلا يمر على ملأ من الملائكة إلا صلوا عليهن، وعلى قائلهن، حتى يوضعن بين يدي الرحمن، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله وسبحان الله أبرئه عن السوء ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري قال: رأى رجل في المنام، أن منادياً نادى في السماء، أيها الناس خذوا سلاح فزعكم، فعمد الناس وأخذوا السلاح حتى إن الرجل ليجيء وما معه عصا، فنادى مناد من السماء ليس هذا سلاح فزعكم، فقال رجل من الأرض ما سلاح فزعنا؟ فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ من أتصدق بعددها دنانير ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن عمرو قال: لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ من أن أحمل على عدتها من خيل بأرسانها. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن أبي هريرة قال: من قال من قبل نفسه الحمد لله رب العالمين كتب الله له ثلاثين حسنة، ومحا عنه ثلاثين سيئة، ومن قال: الله أكبر، كتب الله له بها عشرين حسنة، ومحا عنه بها عشرين سيئة، ومن قال: لا إله إلا الله، كتب الله له بها عشرين حسنة، ومحا عنه بها عشرين سيئة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه قال: في قوله: {والباقيات الصالحات} {والحسنات يذهبن السيئات} الصلوات الخمس. وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {والباقيات الصالحات} قال: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن قتادة أنه سئل، عن {الباقيات الصالحات} فقال: كل ما أريد به وجه الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {خير عند ربك ثواباً} قال: خير جزاء من جزاء المشركين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وخير أملاً} قال: إن لكل عامل أملاً يؤمله، وإن المؤمن خير الناس أملاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {وترى الأرض بارزة} قال: لا عمران فيها ولا علامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وترى الأرض بارزة} قال: ليس عليها بناء ولا شجرة. وأخرج ابن منده في التوحيد، عن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله ينادي يوم القيامة يا عبادي، أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين، أحضروا حجتكم ويسروا جواباً، فإنكم مسؤولون مُحَاسَبُون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب ".
ابو السعود
تفسير : {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} بـيانٌ لشأن ما كانوا يفتخِرون به من محسّنات الحياة الدنيا، كما قال الأخُ الكافرُ: أنا أكثرُ منك مالاً وأعزُّ نفراً إثرَ بـيانِ شأن نفسها بما مر من المثَل. وتقديمُ المال على البنين مع كونهم أعزَّ منه كما في الآية المحكية آنفاً وقولِه تعالى: {وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ} وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمدادِ وغيرِ ذلك وعمومِه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات، فإنه زينةٌ ومُمِدٌّ لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين، وأما البنون فزينتُهم وإمدادُهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ مبلغَ الأبوّة، ولأن المالَ مناطٌ لبقاء النفس والبنين لبقاء النوع، ولأن الحاجةَ إليه أمسُّ من الحاجة إليهم، ولأنه أقدرُ منهم في الوجود، ولأنه زينةٌ بدونهم من غير عكس فإن من له بنونَ بلا مال فهو في ضيقِ حالٍ ونكال. وإفرادُ الزينة مع أنها مسنَدةٌ إلى الإثنين لما أنها مصدرٌ في الأصل أطلق على المفعول مبالغةً كأنهما نفسُ الزينة، والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيءٌ يُتزيّن به في الحياة الدنيا وقد عُلم شأنُها في سرعة الزوالِ وقُربِ الاضمحلال فكيف بما هو من أوصافها التي شأنُها أن تزول قبل زوالِها. {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ} هي أعمالُ الخير، وقيل: هي الصلواتُ الخمسُ، وقيل: سبحان الله والحمدُ لله ولا إلٰه إلا الله والله أكبرُ، وقيل: كلُّ ما أريد به وجهُ الله تعالى، وعلى كل تقدير يدخُل فيها أعمالُ فقراءِ المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهَه دخولاً أولياً، أما صلاحُها فظاهرٌ وأما بقاءُ عوائدِها عند فناءِ كلِّ ما تطمح إليه النفسُ من حظوظ الدنيا {خَيْرٌ} أي مما نُعت شأنُه من المال والبنين، وإخراجُ بقاءِ تلك الأعمالِ وصلاحِها مُخرَجَ الصفات المفروغِ عنها ـ مع أن حقَّهما أن يكونا مقصودَي الإفادةِ لا سيما في مقابلة إثباتِ الفناء لما يقابلها من المال والبنين على طريقة قوله تعالى: { أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ}تفسير : [النحل، الآية 96] ـ للإيذان بأن بقاءَها أمرٌ محقّقٌ لا حاجة إلى بـيانه بل لفظُ الباقياتِ اسمٌ لها وصفٌ، ولذلك لم يُذكر الموصوفُ وإنما الذي يُحتاج إلى التعرض له خيريتُها {عِندَ رَبّكَ} أي في الآخرة وهو بـيانٌ لما يظهر فيه آثارُ خيريّتها بمنزلة إضافة الزينةِ إلى الحياة الدنيا لا لأفضليتها فيها من المال والبنين مع مشاركة الكلِّ في الأصل إذ لا مشاركةَ لهما في الخيرية في الآخرة {ثَوَاباً} عائدةً تعود إلى صاحبها {وَخَيْرٌ أَمَلاً} حيث ينال بها صاحبُها في الآخرة كلَّ ما كان يؤمله في الدنيا، وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه أملٌ يناله، وتكريرُ خيرٌ للإشعار باختلاف حيثيَّتي الخيرية والمبالغةِ فيها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الآية: 46]. قال بعضهم: المألوفات من الأهل والمال. والأولاد كلها من زينة الحياة الدنيا، والنفس تألفها أبدًا، ومألوف الروح التوكل والطمأنينة والثقة واليقين. قال بعضهم: لا ينجو من زينة الحياة الدنيا إلا من كان باطنه مزينًا بأنوار المعرفة وضياء المحبة، ولمعان الشوق وظاهره مزينًا بآداب الخدمة وشرف الهمة وعلو النفس فتقلب القدس فى مجال القرب وميادين الرحمة مشرفين على بساتين الوصلة يشاهدون مليكهم فى كل حال. قوله تعالى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ} [الآية: 46]. قال ابن عطاء فى قوله: الباقيات الصالحات: قال: هى الأعمال الخالصة والنيّات الصادقة وكل ما أريد به وجه الله هو الصدق. قال جعفر الصادق: الباقيات الصالحات هو التوحيد فإنه باق بقاء الموحد. وقال يحيى بن معاذ: الباقيات الصالحات هى نصيحة الخلق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. مَنْ اعتضد بعتاده، واغترَّ بأولاده، ونَسِيَ مولاه في أوان غَفَلاَتِهِ.. خَسِرَ في حاله، ونَدِمّ على ما فاته في مآله. ويقال زينةُ أهل الغفلة في الدنيا بالمال والبنين، وزينة أهل الوصلة بالأعمال واليقين.. فهؤلاء رُتَبُهم لظواهرهم... وهؤلاء زينتهم لعبوديته، وأفتخارهم بمعرفة ربوبيته. ويقال ما كان للنَّفْس فيه حُظُّ فهو من زينة الحياة الدنيا، ويدخل في ذلك الجاهُ وقبول المدح، وكذلك تدخل فيه جميع المألوفات والمعهودات على اختلافها وتفاوتها. ويقال ما كان للإنسان فيه شِرْبٌ ونصيبٌ فهو معلول: إن شئت في عاجله وإن شئت في آجله. قوله جلّ ذكره: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}. وهي الأعمال التي بشواهد الإخلاص والصدق. ويقال: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ}: ما كان خالصاً لله تعالى غيرَ مُشوب بطمعٍ، ولا مصحوبٍ بِغَرَضٍ. ويقال: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ}: ما يلوح في السرائر من تحلية العبد بالنعوت، ويفوح نَشْرُه في سماءِ الملكوت. ويقال هي التي سبقت من الغيب لهم بالقربة وشريف الزلفة. ويقال هي ضياءُ شموسِ التوحيد المستكِنِّ في السرائر مما لا يتعرَّضُ لكسوف الحجبة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} معناه المحبة الدائمة غير مشوبه بشوب الحدثان ولا بغبار الحرمان وايضا المعرفة الكاملة التى صدرت من روية ذاته وصفاته فى قلوب العارفين وايضا الانس بالله والاخلاص فى توحيد الله والانفراد بالله عن غير الله وهذه المنازل باقية للعارفين وهى صالحة لا اعوجاج لها على حد الزائد وهى خير المنازل لانها وصف بقاء العارف مع بقاء الحق قال جعفر الصادق الباقيات الصالحات هو تفريد التوحيد فانه باق ببقاء الموحد وقال ابن عطا هى الاعمال الخالصة والنيات الصادقة وكل ما اريد به وجه الله وقال يحيى بن معاذ هى نصيحة الخلق ويقال ما يلوح فى السرائر من تجليه للعبد بالنعوت ويفرح نشره فى سماع الملكوت ثم اخبر سبحانه عن عظيم قدره وجلاله وعظم كبريائه وسلطانه تخويفا لعباده وتنبيها لهم عن عظيم آياته بقوله {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} ان الله سبحانه يتجلى بعظمته يوم القيامة للجبال فتقلع الجبال من اصلها وترقص فى الهواء وتصطدم بعضها بعضا حتى تمهل وتصير غبارا من خشية الله وهيبته وبقيت الارض بارزة حتى لا يكون حجاب بين احد من الواقفين عليها قال ابن عطا دل بهذا على اظهار جبروته وتمام قدرته وعظم عزته يتاهب العبد لذلك الموقف ويصلح سريرته وعلانيته لخطاب ذلك المشهد وجوابه قال الاستاد موت الابدال الذين هم الاوتاد ومنهم القطب فحيال الارض التى هى اوتادها تقلع فى القيامة === اليوم بموت السادة اذ هم الاوتاد للعالم بالحقيقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} الزينة مصدر فى الاصل اطلق على المفعول مبالغة كأنهما نفس الزينة والمعنى ان ما يفتخر به الناس لا سيما رؤساء العرب من المال والبنين شئ يتزينون به فى الحياة الدنيا ويفنى عنهم عن قريب. وبالفارسية [مال وبسران آرايش زندكانئ دنيا آمدندتوشه راه معاد جه باندك زمانى تلف وهدف زوال خواهد شد] وفى المثنوى شعر : همجنين دنيا اكرجه خوش شكفت بانك هم زد بيوفايئ خويش كفت كون مى كويد بيامن خوش بى ام وان فسادش كفت رو من لا شى ام اى زخوبى بهاران لب كزان بنكر آن سردى وزردئ خزان كودكى ازحسن شد مولاى خلق بعد فردا شد خرف رسواى خلق تفسير : {والباقيات الصالحات} الباقيات اسم لاعمال الخير لا وصف ولذا لم يذكر الموصوف اى اعمال الخير التى تبقى ثمارتها ابدا لآباد من الصلاة والصوم واعمال الحج وسبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ونحو ذلك من الكلم الطيب - روى -حديث : انه عليه السالم خرج على قومه فقال {خذوا جنتكم} قالوا يا رسول الله أمن عدو حضر قال "لا بل من النار" قالوا وما جنتنا من النار قال "سبحان الله"تفسير : الى آخر الكلمات. قال الكاشفى [بعض علما برانندكه باقيات صالحات بنات است كه بحكم هن ستر من النار سبب خلاص والدين باشند] وفى الحديث "حديث : من ابتلى"تفسير : الابتلاء هو الامتحان لكن اكثر استعمال الابتلاء فى المحن والبنات مما تعد منها لان غالب هوى الخلق فى الذكور "حديث : من هذه البنات بشئ"تفسير : من بيانية مع مجرورها حال من شئ "حديث : فاحسن اليهن"تفسير : فسر الشارح هنا الاحسان بالتزويج بالاكفاء لكن الاوجه ان يعمم الاحسان "حديث : كن له سترا من النار"تفسير : لان احتياجهن اليه كان اكثر حال الصغر والكبر فمن يسترهن بالاحسان يجازى بالستر من النيران كما فى شرح المشارق لابن الملك {خير} من الفانيات الفاسدات من المال والبنين {عند ربك} اى فى الآخرة {ثوابا} عائدة تعود الى صاحبها {وخير املا} رجاء حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة كل ما كان يؤمله فى الدنيا واما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه امل يناله. والآية تزهيد للمؤمنين فى زينة الحياة الدنيا الفانية وتوبيخ للمفتخرين بها. قال بعضهم لا ينجو من زينة الحياة الدنيا الا من كان باطنه مزينا بانوا رالمعرفة وضياء المحبة ولمعان الشوق وظاهره مزينا بآداب الخدمة وشرف الهمة وعلو النفس وتغلب زينة باطنه زينة حب الدنيا شوقا منه الى ربه وتغلب زينة ظاهره زينة الدنيا لان زينتها ازين. وعن الضحاك عن النبى عليه السلام انه حديث : قيل يا رسول الله من ازهد الناس قال "من لم ينس القبر والبلى وترك فضول زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد من ايامه غدا وعد نفسه من الموتى" وفى الحديث "قال الله تعالى يفرح عبدى المؤمن اذا بسطت له شيأ من الدنيا وذلك ابعد له منى ويحزن اذا قترت عليه الدنيا وذلك اقرب له منى" ثم تلا عليه السلام هذه الآية {يحسبون انما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون}تفسير : ان ذلك فتنة لهم: قال الشيخ سعدى شعر : يكى بارسا سيرت وحق برست فتادش يكى خشت زرين بدست همه شب در انديشه كين كنج ومال درو تازيم ره نيابد زوال دكر قامت عجزم ازبهر خواست نيايد بركس دوتا كرد وراست سرابى كنم باى بستش رخام درختان سقفش همه عود خام بكى حجره خاص ازبى دوستان درحجره اندر سرا بوستان بفرسودم ازرقعه بررقعه دوخت تف ديكران جشم ومغزم بسوخت ديكر زير دستان برندم خورش براخت دهم روح را برورش بسختى بكشت اين نمد بسترم روم زين سبس عبقرى كسترم خيالش حزف كرد وكاليوه رنك بمغزش فرو برده خرجنك جنك فراغ مناجات وزارش نماند خور وخواب وذكر ونمازش نماند بصحرا در آمد سراز عشوه مست كه جايى نبودش قرار نشست بكى بر سر كور كل ميسرشت كه حاصل كند زان كل كور خشت بانديشه لختى فرو رفت بير كه اى نفس كوته نظر بندكير جه بندى درين خشت زرين دلت كه يك روز خشتى كنند از كلت توغافل در انديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بايمال بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فردا شوى سهامه در جشنم خاك
الجنابذي
تفسير : {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فتزول بزوالها {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} لا الزّائلات الفاسدات وهى ما تهتمّ به النّفوس من المال والبنين وما يتبعهما وما يلزمهما {خَيْرٌ} من المال والبنين وان كانا خيراً فى انظاركم او خيراً فى الواقع {عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} فينبغى ان يطلبها الانسان ويجعلها مأمولةً دون المال والبنين، والمراد بالباقيات الصّالحات كلّما يفعله الانسان بحكم العقل لا بحكم النّفس، وبعبارة اخرى كلّ فعلٍ يبقى اثره فى الكلمة الباقية من الانسان وهى صفحة النّفس الباقية وبعبارةٍ اخرى كلّما يفعله من وجهته الولويّة التّكوينيّته وهى وجه الله الباقى الظّاهر بالولاية التّكليفيّة الحاصلة بالمبايعة الباطنة الايمانيّة، ولمّا لم يكن لها اختصاص بفعل خاصّ وعمل مخصوص اختلف الاخبار فى تفسيرها، فقد فسّرت فى الاخبار بصلاة اللّيل، وبمطلق الصّلاة، وبالصّلوات الخمس المفروضة، وبالتّسبيحة الكبرى، وبالاولاد الصّالحين، وبالاشجار المثمرة الّتى يغرسها الانسان، وباصل كلّ الصّالحات وهى الولاية، وبالمحبّة اللاّزمة للولاية او المستتبعة لها.
اطفيش
تفسير : {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيٰوةِ الدُّنْيَا} يتزيَّن بها الإنسان فى الدنيا ويفارقها عن قريب إما بموته أو بموت بنيه وذهاب أمواله فإن متاع الدنيا قريب الزوال كهباتها. وعن على ابن أبى طالب: البنون حرث الدنيا والأعمال الصالحات حرث الآخرة يجمعها الأقوام. {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} أى أعمال الخير ووصفت بالبقاء لبقاء ثمرتها وهى ثوابها فى الآخرة فإنه لا يفنى. وبالصلاح لأنها مقبولة لله يترتب عليها الثواب وذلك شامل لأنواع الخير كلها من اعتقاد وكلام وعمل كالإيمان والصلاة والصوم والحج والزكاة والصدقة والحمد والتهليل والتسبيح والتكبير وقراءة القرآن والتعليم والتعلم والدرس والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. كما قال قتادة: كل ما أريد به وجه الله كما ورى ابن عباس. وروى عنه أيضا: الباقيات الصالحات: قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعنهُ أيضاً الصلوات الخمس. وعنهُ الصلوات الخمس وتلك الكلمات. وعن الحسن: الفرائض. وعن أبى سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : استكثروا من قول الباقيات الصالحات قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا باللهتفسير : . عن ابن المسيب الباقيات الصالحات قول العبد: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله العلى العظيم أخرجه مالك فى الموطأ موقوفا عن ابن المسيب. قلت: وقد ورد فى الحديث حديث : أنه لا يضرك بأيهن ابتدأت. فيجوز: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم فيصدق عليهن أنهن الباقيات الصالحات على أى ترتيبتفسير : . وقد ذكرت فى صحيحى أذكاراً حسنة وثوابا. ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحبُّ إلىَّ ما طلعت عليه الشمس تفسير : كما رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة. {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ} من المال والبنين فاعلموا أنها خير فارغبوا فيها. {ثَواباً} جزاء أى جزاؤها خير عند ربك من المال والبنين لأنه تام دائم. {وَخَيْرٌ أَمَلا} مصدر بمعنى اسم مفعول أى مأمولا أى ما يرجو الآتى بهن من الثواب فى الآخرة خير من ذلك.
اطفيش
تفسير : {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بتزين الإنسان فيها بالمال والبنين. ويقربهم الزوال، وذلك كما افتخر صاحب الجنتين، وقدم المال مع كون الأولاد أعز، قيل: عند أكثر الناس لعراقته فى الزينة، والإمداد وغير ذلك، ولعمومه فى الأوقات وفى الآباء والأولاد، وليس كل أحد يتمنى الولد، ولأن الحاجة إليه أمس منها إليهم، ولأنه أقدم منهم وجودًا، ولأنه زينة مع عدمهم أيضا، ولا زينة بهم مع الفقر، ولكن أكثر الناس لو خُيّروا بين سلامة أولاد وُجدوا. ومال لاختاروا سلامتهم، وفقد المال عافانا الله عز وجل. {وَالْبَاقِيَاتُ} الأعمال الدائمة للثواب {الصَّالِحَاتُ} كالصلوات الخمس، والحج، العمرة، وصوم رمضان،وطلب العلم والتعليم، ونحو ذلك، وسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وسائر الأذكار، والكلام الطيب، وسائر الحسنات، ولا سيما ما يستمر كالصدقة الجارية والتعليم. قال صلى الله عليه وسلم لجلسائه: "حديث : خذوا جُنتكم قالوا: أحضر عدو؟ قال: جنتكم من النار قالوا: وما هى؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، فإنهن المقدمات، وهن المعقبات، وهن الباقيات الصالحات" تفسير : رواه أنس. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنْ عجزتم عن الليل أن تكابدوه، وعن العدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر فقولوها، فإنها الباقيات الصالحات ". تفسير : وكذلك أبو سعيد الخدرى، وأبو الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الباقيات الصالحات: سبحان الله إلخ"تفسير : . زاد أبو الدرداء مرفوعًا قوله: "حديث : وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة"تفسير : . وكذا روى ابن عباس بدون ولا حول ولا قوة. وعنه: "حديث : الصلوات الخمس"تفسير : . وعنه: "حديث : جميع الأعمال الصالحات" تفسير : وعن قتادة: "حديث : كل ما أريد به وجه الله تعالى"تفسير : . وعن الحسن: "حديث : النيات الصالحات "تفسير : {خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ} من المال والبنين والجاه، وسائر منافع الدنيا، ومعنى عند ربك فى حكمه. أو فى الآخرة. {ثَوَابًا} أجراً {وَخَيْرٌ أَمَلاً} لأن صاحبها يأمل بها خير الدنيا وخير الآخرة، وكرر لفظ خير للمبالغة، ولاختلاف جهتى الخير.
الالوسي
تفسير : {الْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} بيان لشأن ما كانوا يفتخرون به من محسنات الحياة الدنيا كما افتخر الأخ الكافر بما افتخر به من ذلك إثر بيان شأن نفسها بما مر من المثل. وتقديم المال على البنين مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك. ((وعمومه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات فإنه زينة وممد لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين وأما البنون فزينتهم وإمدادهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ [مبلغ] الأبوة ولأن المال مناط لبقاء النفس والبنون لبقاء النوع ولأن الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم ولأنه أقدم منهم في الوجود ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بلا مال فهو في أضيق حال ونكال)) كذا في «إرشاد العقل السليم». والزينة مصدر وأطلق على ما يتزين به للمبالغة ولذلك أخبر به عن أمرين وإضافتها إلى الحياة الدنيا اختصاصية، وجوز أن تكون على معنى في والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيء يتزين به في الحياة الدنيا وقد علم شأنها في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال فما الظن بما هو من أوصافها التي شأنها أن تزول قبل زوالها. وذكر أن هذا إشارة إلى ما يرد افتخارهم بالمال والبنين كأنه قيل: المال والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان زينة الحياة الدنيا فهو سريع الزوال ينتج المال والبنون سريعا الزوال، أما الصغرى فبديهية وأما الكبرى فدليلها يعلم مما مر من بيان شأن نفس الحياة الدنيا ثم يقال: المال والبنون سريعا الزوال وكل ما كان سريع الزوال / يقبح بالعاقل أن يفتخر به ينتج المال والبنون يقبح بالعاقل أن يفتخر بهما وكلتا المتقدمين لا خفاء فيها. {وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ} أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبـي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استكثروا من الباقيات الصالحات قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله» تفسير : وأخرج الطبراني وابن شاهين في «الترغيب» وابن مردويه عن أبـي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله هن الباقيات الصالحات وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها وهن من كنوز الجنة»تفسير : . وجاء تفسيرها بما ذكر في غير ذلك من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن المنذر وابن أبـي شيبة عن ابن عباس تفسيرها بما ذكر أيضاً لكن بدون الذكر الأخير. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن المنذر في رواية أخرى عنه تفسيرها بالصلوات الخمس، وأخرج ابن مردويه وابن المنذر وابن أبـي حاتم في رواية أخرى عنه أيضاً تفسيرها بجميع أعمال الحسنات، وفي معناه ما أخرجه ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن قتادة أنها كل ما أريد به وجه الله تعالى، وعن الحسن وابن عطاء أنها النيات الصالحة؛ واختار الطبري وغيره ما في الرواية الأخيرة عن ابن عباس ويندرج فيها ما جاء في ما ذكر من الروايات وغيرها. وادعى الخفاجي أن كل ما ذكر في تفسيرها غير العام ذكر على طريق التمثيل، ويبعد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «وهن الباقيات» المفيد للحصر بعد التنصيص على ما لا عموم فيه فتأمل. وأياً ما كان فالباقيات صفة لمقدر كالكلمات أو الأعمال وإسناد الباقيات إلى ذلك مجاز أي الباقي ثمرتها وثوابها بقرينة ما بعد فهي صفة جرت على غير ما هي له بحسب الأصل أو هناك مقدر مرفوع بالوصف مضاف إلى ضمير الموصوف استتر الضمير المجرور وارتفع بعد حذفه وكذا تدخل أعمال فقراء المؤمنين الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه دخولاً أولياً فإن لهم من كل نوع من أنواع الخيرات الحظ الأوفر. والكلام متضمن للتنويه بشأنهم وحط قدر شانئهم فكأنه قيل ما افتخر به أولئك الكفرة من المال والبنين سريع الزوال لا ينبغي أن يفتخر به وما جاء به أولئك المؤمنين {خَيْرٌ} من ذلك {عِندَ رَبّكَ} أي في الآخرة، وهو بيان لما يظهر فيه آثار خيريتها بمنزلة إضافة الزينة إلى الحياة الدنيا لا لأفضليتها من المال والبنين مع مشاركة الكل في الأصل إذ لا مشاركة لهما في الخيرية في الآخرة، وقيل: معنى (عند ربك) في حكمه سبحانه وتعالى {ثَوَاباً} جزاء وأجراً، وقيل: نفعاً. {وَخَيْرٌ أَمَلاً} حيث ينال بها صاحبها في الآخرة ما يؤمله بها في الدنيا وأما المال والبنون فليس لصاحبهما ذلك. وتكرير {خَيْرٌ} للمبالغة، وقيل: لها وللإشعار باختلاف جهتي الخيرية.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض أريد به الموعظة والعبرة للمؤمنين بأن ما فيه المشركون من النعمة من مال وبنين ما هو إلا زينة الحياة الدنيا التي علمتم أنها إلى زوال، كقوله تعالى: { أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل } تفسير : [آل عمران: 196] وأن ما أعد الله للمؤمنين خير عند الله وخير أملاً. والاغتباط بالمال والبنين شنشنة معروفة في العرب، قال طرفة:شعر : فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وطاف بي بنون كرام سادة لمسوّد تفسير : و{والباقيات الصالحات} صفتان جرتا على موصوف محذوف، أي الأعمال الصالحات الباقيات، أي التي لا زوال لها، أي لا زوال لخيرها، وهو ثوابها الخالد، فهي خيرٌ من زينة الحياة الدنيا التي هي غير باقية. وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الوصفين أن يقدم {الصالحات} على {والباقيات} لأنهما وإن كانا وصفين لموصوف محذوف إلا أن أعرفهما في وصفية ذلك المحذوف هو الصالحات، لأنه قد شاع أن يقال: الأعمال الصالحات ولا يقال الأعمال الباقيات، ولأن بقاءها مترتب على صلاحها، فلا جرم أن الصالحات وصف قام مقام الموصوف وأغنى عنه كثيراً في الكلام حتى صار لفظ (الصالحات) بمنزلة الاسم الدال على عمل خير، وذلك كثير في القرآن قال تعالى: { أية : وعملوا الصالحات } تفسير : [الكهف: 107]، وفي كلامهم قال جرير: شعر : كيف الهجاء وما تنفك صالحةٌ من آل لأم بِظَهر الغيب تأتيني تفسير : ولكن خولف مقتضى الظاهر هنا، فقدم (الباقيات) للتنبيه على أن ما ذكر قبله إنما كان مفصولاً لأنه ليس بباققٍ، وهو المال والبنون، كقوله تعالى: { أية : وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } تفسير : [الرعد: 26]، فكان هذا التقديم قاضياً لحق الإيجاز لإغنائه عن كلام محذوف، تقديره: أن ذلك زائل أو ما هو بباق والباقيات من الصالحات خير منه، فكان قوله: { أية : فأصبح هشيماً تذروه الرياح } تفسير : [الكهف: 45] مفيداً للزوال بطريقة التمثيل وهو من دلالة التضمن، وكان قوله: {والباقيات} مفيداً زوال غيرها بطريقة الالتزام، فحصل دلالتان غير مطابقتين وهما أوقع في صناعة البلاغة، وحصل بثانيتهما تأكيد لمفاد الأولى فجاء كلاماً مؤكداً موجزاً. ونظير هذه الآية آية سورة مريم قوله: { أية : والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً } تفسير : [مريم: 76] فإنه وقع إثر قوله: { أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئياً } تفسير : [مريم: 73 - 74] الآية. وتقديم المال على البنين في الذكر لأنه أسبق خطوراً لأذهان الناس، لأنه يرغَب فيه الصغير والكبير والشاب والشيخ ومن له من الأولاد ما قد كفاه ولذلك أيضاً قدم في بيت طرفة المذكور آنفاً. ومعنى {وخير أملاً} أن أمل الآمل في المال والبنين إنما يأمل حصول أمر مشكوك في حصوله ومقصور على مدته. وأما الآمل لثواب الأعمال الصالحة فهو يأمل حصول أمر موعود به من صادق الوعد، ويأمل شيئاً تحصل منه منفعة الدنيا ومنفعة الآخرة كما قال تعالى: { أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } تفسير : [النحل: 97]. فلا جرم كان قوله: {وخير أملاً} بالتحقق والعموم تذييلاً لما قبله.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وأن الباقيات الصالحات خير عند الله ثواباً وخير أملاً. والمراد من الآية الكريمة - تنبيه الناس للعمل الصالح. لئلا يشتغلوا بزينة الحياة الدنيا من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند الله من الأعمال الباقيات الصالحات. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء مبيناً في آيات أخر. كقوله تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ }تفسير : [آل عمران: 14-15] الآية، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [المنافقون: 9]، وقوله: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [التغابن: 15]، وقوله: {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}تفسير : [سبأ: 37] الآية، وقوله: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 88-89] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإنسان لا ينبغي له الاشتغال بزينة الحياة الدنيا عما ينفعه في آخرته. وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهو الأعمال التي ترضي الله، سواء قبلنا: إنها الصلوات الخمس، كما هو مروي عن جماعة من السلف. منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل. أو أنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وعائشة رضي الله عنهم. قال مقيدة عفا الله عنه: التحقيق أن "الباقيات الصالحات" لفظ عام، يشمل الصلوات الخمس، والكلمات الخمس المذكورة، وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى: لأنها باقية لصاحبها غير زائلة. ولا فانية كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضاً صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى. وقوله {خَيْرٌ ثَوَاباً} تقدم معناه. وقوله {وَخَيْرٌ أَمَلاً} أي الذي يؤمل من عواقب الباقيات الصالحات، خير مما يؤمله أهل الدنيا من زينة حياتهم الدنيا وأصل الأمل: طمع الإنسان بحصول ما يرجوه في المستقبل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في "مريم": {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً}تفسير : [مريم: 76] والمرد: المرجع إلى الله يوم القيامة. وقال بعض العلماء: "مرداً" مصدر ميمي، أي وخير رداً للثواب على فاعلها، فليست كأعمال الكفار التي لا ترد ثواباً على صاحبها.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةِ} {وَٱلْبَاقِيَاتُ} {ٱلصَّالِحَاتُ} (46) - المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَهْجَتُهَا. وَالإِقْبَالُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَالتَّفَرُّغُ لِلْعَمَلِ بِمَا يُرْضِي اللهَ، خَيْرٌ مِنَ المَالِ وَمِنَ البَنِينَ، عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ، لأَِنَّ العَمْلَ الصَّالِحَ يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَالمَالُ وَالبَنُونَ لاَ يَنْفَعُونَهُ فِيهِ شَيْئاً، وَالعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ خَيْرُ أَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإِنْسَانُ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِتفسير : ). (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مَسْنَدِهِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تلك هي العناصر الأساسية في فتنة الناس في الدنيا: المال والبنون، لكن لماذا قدَّم المال؟ أهو أغلى عند الناس من البنين؟ نقول: قدَّم الحق سبحانه المال على البنين، ليس لأنه أعزُّ أو أغلى؛ إنما لأن المال عام في المخاطب على خلاف البنين، فكلُّ إنسان لديه المال وإنْ قلَّ، أما البنون فهذه خصوصية، ومن الناس مَنْ حُرِم منها. كما أن البنين لا تأتي إلا بالمال؛ لأنه يحتاج إلى الزواج والنفقة لكي يتناسل ويُنجب، إذن: كل واحد له مال، وليس لكل واحد بنون، والحكم هنا قضية عامة، وهي: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [الكهف: 46]. كلمة {زِينَةُ} أي: ليست من ضروريات الحياة، فهو مجرد شكل وزخرف؛ لأن المؤمن الراضي بما قُسِمَ له يعيش حياته سعيداً بدون مال، وبدون أولاد؛ لأن الإنسان قد يشقَى بماله، أو يشقى بولده، لدرجة أنه يتمنى لو مات قبل أن يُرزقَ هذا المال أو هذا الولد. وقد باتت مسألة الإنجاب عُقْدة ومشكلة عند كثير من الناس، فترى الرجل كَدِراً مهموماً؛ لأنه يريد الولد ليكون له عِزْوة وعِزّة، وربما يُرزَق الولد ويرى الذُّلَّ على يديه، وكم من المشاكل تُثار في البيوت؛ لأن الزوجة لا تنجب. ولو أيقن الناس أن الإيجاد من الله نعمة، وأن السَّلْب من الله أيضاً نعمة لاستراح الجميع، ألم نقرأ قول الله تعالى: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 49-50]. إذن: فالعُقْم في ذاته نعمة وهِبَة من الله لو قبلها الإنسان من ربه لَعوَّضه الله عن عُقْمه بأنْ يجعل كل الأبناء أبناءه، ينظرون إليه ويعاملونه كأنه أبٌ لهم، فيذوق من خلالهم لذَّة الأبناء دون أن يتعب في تربية أحد، أو يحمل هَمَّ أحد. وكذلك، الذي يتكدر لأن الله رزقه بالبنات دون البنين، ويكون كالذي قال الله فيه: {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [النحل: 58]. إنه يريد الولد ليكون عِزْوة وعِزّة. ونسي أن عزة المؤمن بالله لا بغيره، ونقول: والله لو استقبلت البنت بالفرح والرضا على أنها هِبَة من الله لكانتْ سبباً في أن يأتي لها زوج أبرّ بك من ولدك، ثم قد تأتي هي لك بالولد الذي يكون أعزّ عندك من ولدك. إذن: المال والبنون من زينة الحياة وزخرفها، وليسا من الضروريات، وقد حدد لنا النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا، فقال: "حديث : من أصبح مُعَافىً في بدنه، آمناً في سِرْبه - أي: لا يهدد أمنه أحد - وعنده قُوت يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها ". تفسير : فما زاد عن ذلك فهو من الزينة، فالإنسان - إذن - يستطيع أن يعيش دون مال أو ولد، يعيش بقيم تعطي له الخير، ورضاً يرضيه عن خالقه تعالى. ثم يقول تعالى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46]. لأن المال والبنين لن يدخلا معك القبر، ولن يمنعاك من العذاب، ولن ينفعك إلا الباقيات الصالحات. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أُهديَتْ إليه شاة، وكانت السيدة عائشة - رضي الله عنها - تعرف أن رسول الله يحب من الشاة الكتف؛ لأنه لَحْم رقيق خفيف؛ لذلك احتفظتْ لرسول الله بالكتف وتصدّقت بالباقي، فلما جاء صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "ماذا صنعتِ في الشاة"؟ قالت: ذهبتْ كلها إلا كتفها، فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: "بل بقيت كلها إلا كتفها" ". تفسير : وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبسْتَ فأبليْتَ، أو تصدَّقْتَ فأبقيْتَ ". تفسير : وهذا معنى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ..} [الكهف: 46]. والسؤال الذي يتبادر إلى الذِّهْن الآن: إذا لم يكُنْ المال والبنون يمثلان ضرورة من ضروريات الحياة، فما الضروريات في الحياة إذن؟ الضروريات في الحياة هي كُلُّ ما يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ووسيلة لحياة باقية دائمة ناعمة مسعدة، لا تنتهي أنت من النعيم فتتركه، ولا ينتهي النعيم منك فيتركك، إنه نعيم الجنة. الضروريات - إذن - هي الدين ومنهج الله والقِيَم التي تُنظم حركة الحياة على وَفْق ما أراد الله من خلق الحياة. ومعنى: {وَٱلْبَاقِيَاتُ} [الكهف: 46] ما دام قال {وَٱلْبَاقِيَاتُ} فمعنى هذا أن ما قبلها لم يكُنْ من الباقيات بل هو زائل بزوال الدنيا، ثم وصفها بالصالحات ليفرق بينها وبين الباقيات السيئات التي يخلدون بها في النار. {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ..} [الكهف: 46] خير عند مَنْ؟ لأن كل مضاف إليه يأتي على قوة المضاف إليه، فخَيْرك غير خير مَنْ هو أغنى منك، غير خير الحاكم، فما بالك بخير عند الله؟ {.. خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46]. والأمل: ما يتطلع إليه الإنسان مما لم تكُنْ به حالته، فإنْ كان عنده خير تطلَّع إلى أعلى منه، فالأمل الأعلى عند الله تبارك وتعالى، كُلُّ هذا يُبيّن لنا أن هذه الدنيا زائلة، وأننا ذاهبون إلى يوم بَاقٍ؛ لذلك أردف الحق سبحانه بعد الباقيات الصالحات ما يناسبها، فقال تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} قال: هي الصَّلواتُ الخَمسُ. وقال: سُبحانَ الله والحَمدُ لله ولاَ إِله إِلاَّ الله والله أَكبرُ. وَلاَ حَولَ وَلاَ قُوةَ إِلاَّ بالله.
الجيلاني
تفسير : ومتى سمعتَ وعلمتَ حال حياة الدنيا ومآل أمرها وعاقبتها، وانكشفتَ بعدم ثباتها وقرارها فمعظم ما يتفرع عليها: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ} إذ هما {زِينَةُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} الفانية عارضان عليها، ومتى لم يكن للمعروض دوامُ وبقاءُ، فللعارض بالطريق الأولى {وَٱلْبَاقِيَاتُ} التي تبقى معك في أولادك وأخراك {ٱلصَّالِحَاتُ} المقربةُ إلى الله المقبولةُ عنده، المترتبةُ عليها النجاةُ من العذاب والنيلُ إلى الفوز بالفلاح {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً} أي: أجراً وجزاءٌ حسناً من اللذات الروحانية المودعة لأرباب القبول {وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46] أي: عاقبةًً ومآلاً؛ إذ يُنال بها المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات المودعة لأرباب العناية وأصحاب القلوب من الراجين المؤملين شرف لقاء الله والفوز بمطالعة وجهه الكريم. {وَ} أذكر يا أكمل الرسل للناسين عهودَ الله ومواثيقَه {يَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} وتحركها بالقدرة الكاملة والسطوة الهائلة، ونفتت أجزاءها، وتحلل تراكيبها، ونشتتها إلى أن صارت دكّاً {وَتَرَى} أيها الرائي {ٱلأَرْضَ} المملوءة بالجبال الرواسي الحاجبة عما وراءها {بَارِزَةً} ظاهرةً ملساءَ مسوى لا ارتفاعَ لبعض أجزائها على بعضٍ، مظهرةً لما فيها من الأجساد المدفونة {وَ} بعد ظهورهم منها، وبروز الأجداث والأجساد عليها {حَشَرْنَاهُمْ} وجمعناهم بأجمعهم حفاةً عراةً إلى الموقف والموعد المعدّ للعرض والجزاء {فَلَمْ نُغَادِرْ} ولم نترك {مِنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 47] لا نسوقه إلى المحشر. {وَ} بعدما جمعوا واجتمعوا في المحشر جميعاً {عُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل عرضَ العسكر على السلطان الصوري {صَفَّاً} صافين مصفَّفين على الاستواء؛ بحيث لا يحجب أحدٌ أحداً، بل كل واحد في مرأى منه سبحانه بلا سترةٍ وحجابٍ، ثم يقال لهم من قِبل الحق على سبيل الاستيلاء والسطوة، وإظهار الهيبة والسلطنة القاهرة الغالبة: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} اليوم حفاةً عراةً {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} كذلك؛ أي: في بدء وجودكم وظهوركم {بَلْ} كنتم {زَعَمْتُمْ} وظننتم فيما مضى من شدة بطركم وغفلتكم {أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} [الكهف: 48] أي: لن نقدر على أنجاز ما وعدناكم بألسنة رسلنا من البعث والحشر والعرض والجزاء، بل كذَّبتم الرسلَ وأنكرتم الوعدَ والموعودَ جميعاً، فالآن ظهر الحق الذي كنتم تمترون فيه. {وَ} بعدما عُرضوا صافين على الوجه المذكور {وُضِعَ ٱلْكِتَابُ} المشتمل على تفاصيل أعمالهم وجميع أحوالهم وأطوارهم، من بدء فطرتهم إلى انقراضهم من النشأة الاولى والمعدَّة لكسب الزاد للنشأة الأخرى بين يدي الله على رءوس الملأ {فَتَرَى} أيها الرائي {ٱلْمُجْرِمِينَ} حينئذ {مُشْفِقِينَ} خائفين مرعوبين {مِمَّا فِيهِ} أي: في الكتاب قبل القراءة عليهم {وَ} بعدما قُرئ عليهم، وسمعوا جميعَ ما صدر عنهم كائنةً مكتوبةً فيه على التفصيل بلا فوت شيءٍ {وَيَقُولُونَ} متحسرين متمنين الموت، مناجين في نفوسهم، منادين: {يٰوَيْلَتَنَا} وهلكتنا أدركينا فهذا وقت حلولك ونزولك {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ} العجيب الشأن الجامع لجميع فضائحنا وقبائحنا؛ بحيث {لاَ يُغَادِرُ} ولا يترك فضيحة {صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} فصَّلها وعدَّدها بلا فوتِ خصلةٍ منها. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: القهقهة. {وَ} بالجملة: {وَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ} من الخير والشر والذميمة والحميدة {حَاضِراً} ثابتاً مكتوباً بلا نقصانٍ منها ولا زيادةٍ عليها، وكيف لا يكون كذلك؛ إذ {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ} يا أكمل الرسل {أَحَداً} [الكهف: 49] من عباده لا بالزيادة ولا بالنقصان ولو قدر نقير. ثم لما كان منشأ جميع الشرور والغرور، وأنواع الفتن والغفلات، وأصناف الشكوك والكفر والضلالات إبليسَ. عليه اللعنة. كرر سبحانه قصة استكباره واستنكاره مراراً تذكيراً للمتعظين وتنبيهاً على الغافلين المغرورين؛ ليكونوا على ذُكْرٍ منه. بضمٍ فسكون، أي: تذكُّرٍ وتفكرٍ. من غوائله وتسويلاته؛ ليتمكن لهم الحذرُ عن وساوس أعوانه وأنصاره التي هي جنود الأوهام والخيالات الباطلة والأماني الكاذبة الناشئة من صولة الأمَارة المستولية على القوى الروحانية. فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} أي: اذكر لهم وقت قولنا للملائكة المعترضين لنا على اصطفائنا آدم للخلافة والنيابة بعد إفحامنا، والزامنا إياهم بما ألزمناهم {ٱسْجُدُواْ} أي: تواضعوا وتذللوا على وجه الخضوع والانكسار {لأَدَمََ} النائبِ المستخلف عنا بعدما ظهر عنكم، وعليكم فضلُه وشرفُه واستحقاقُه لأمر الخلافة {فَسَجَدُوۤاْ} بعدما سمعوا متذليين امتثالاً للأمر الوجوبي {إِلاَّ إِبْلِيسَ} منهم أبى، ولم يسجد له معللاً بأنواع العلل والجدالات الباطلة الناشئة من خباثة فطرته على ماسمعت غير مرةٍ. وإنما امتننع؛ لأنه {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} في أصل خِلقته، فلحق بالملائكة لحكمةٍ ومصلحةٍ {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} على مقتضى خِلقته الأصلية {أَفَتَتَّخِذُونَهُ} أيها المغرورون بتغريره، والمأملون إلى تلبيسه وتزويره بعدما صدرتْ عنه هذه العداوة الظاهرة {وَذُرِّيَّتَهُ} المختلطة معكم المرتكزة في نفوسكم، وقواكم اللاتي هي أعدى أعدائكم {أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} بحيث نفوضون أموركم إليها؛ ليوالوها لكم {وَهُمْ} أصلهم وفرعهم {لَكُمْ عَدُوٌّ} قديمُ مستمرُ {بِئْسَ} الشيطان وذريته، وولايتهما {لِلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى أوامرنا ونواهينا {بَدَلاً} [الكهف: 50] عنَّا وعن ولايتنا إياهم. وعن يحيى بن معاذ رضي الله عنه: لا يكون من أولياء الله، ولا يبلغ مقام الولاية مَنْ نَظَرَ إلى شيءٍ دونه واعتمد على سواه، ولم يميز بين معاديه ومواليه، ولم يعلم حال إقباله من حال إدباره. انتهى. فكيف تتخذون أيها الحمقى المسرفون إبليسَ وذريتَه أولياءَ من دوني مع أني {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ} وأحضرتهم إبليسَ وجنودَه {خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: وقت خلقهما وإيجادهام؛ ليُعاونوا ويظاهروا عليّ حتى تتخذونهمه أولياء غيري، شركاءَ معي في استحقاق العبادة {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أيضاً؛ أي: لا أحضرُ بعضهم عند خلق بعضٍ منهم. {وَ} بالجملة: أنا أستقل بالخلق والإيجاد بل في الوجود أيضاً؛ لذلك {مَا كُنتُ} في خلق الأشياء وإيجادها محتاجاً إلى المعين والظهير أصلاً، فيكف {مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ} الضالين عن ساحة عزِّ الحضور {عَضُداً} [الكهف: 51] أعواناً وأنصاراً أعتَضِدُ وأنتصرُ بهم حتى تشاركونهم بي في استحقاق العبادة والإطاعة والانقياد بل ترجّحونهم عليّ بالولاية والمحبة. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل {يَوْمَ يَقُولُ} الله سبحانه على سبيل التعبير والتقريع للكفار والمشركين: {نَادُواْ} أيها المنهمكون في الغيّ والضلال {شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شفعاؤكم اليوم، وعبدتم لهم مثل عبادتي بل أحسن منها حتى ينقذوكم من عذابي، ويشفعوا لكم عندي {فَدَعَوْهُمْ} صارخين مستغيثين {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} ولم يجيبوا استغاثتهم؛ لأنهم حينئذٍ مشغولون بحالهم، مأخوذون بوبالهم ونكالهم، لذلك لا يلتفتون إليهم {وَ} مع ذلك {جَعَلْنَا بَيْنَهُم} أي: بين العابدين والمعبودين {مَّوْبِقاً} [الكهف: 52] مهلكاً عظيماً ووادياً غائراً عميقاً من أودية جهنم مملوءة بالنار؛ بحيث لا يمكن تواصلهم أصلاً. {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} بعدما عُرضوا أو حُوسبوا، وسِيقوا نحو جهنم؛ ليُعذبوا فيها كلٌ على مقتضى ما كسبَ من المعاصي والآثام الموجبة للأخذ والانتقام {فَظَنُّوۤاْ} بل تيقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} داخلوها وملاصقوهها ألبتة {وَ} وكيف لا يجزمون بالدخول واللصوف أنهم {لَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} [الكهف: 53] أي: منصرفاً ومعدِلاً سواها، ينصرفون إليه مع أن الموكلين من الملائكة يسوقونهم، ويدخلونهم فيها زجراً وقهراً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 541 : 6 : 12 - سفين عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ} الصلوات الخمس. [الآية 46].
همام الصنعاني
تفسير : 1707- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، قال: {وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ}: [الآية: 46]، لا إلَه إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):