Verse. 2187 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْاَرْضَ بَارِزَۃً۝۰ۙ وَّحَشَرْنٰہُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْہُمْ اَحَدًا۝۴۷ۚ
Wayawma nusayyiru aljibala watara alarda barizatan wahasharnahum falam nughadir minhum ahadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «يوم تُسَيَّرُ الجبالُ» نذهب بها عن وجه الأرض فتصير هباء منبثا وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب الجبال «وترى الأرض بارزة» ظاهرة ليس عليها شيء من جبل ولا غيره «وحشرناهم» المؤمنين والكافرين «فلم نغادر» نترك «منهم أحدا».

47

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال القيامة فقال: {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } والمقصود منه الرد على المشركين الذي افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب لقوله: {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } على وجوه: أحدها: أنه يكون التقدير واذكر لهم: {يَوْمٍ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } عطفاً على قوله: { أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الكهف: 45]. الثاني: أنه يكون التقدير: {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } حصل كذا وكذا يقال لهم: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } لأن القول مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم: هذا في هذا الموضع. الثالث: أن يكون التقدير {خَيْرٌ أَمَلاً } في {يَوْمٍ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } والأول أظهر. إذا عرفت هذا فنقول: إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعاً. النوع الأول: قوله: {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتباراً بقوله تعالى: { أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيّرَتْ } تفسير : [التكوير: 3] والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه (تعالى و) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتباراً بقوله: {وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } والمعنى واحد لأنها إذا سيرت فمسيرها ليس إلا الله سبحانه. ونقل صاحب "الكشاف" قراءة أخرى وهي تسير الجبال بإسناد تسير إلى الجبال. البحث الثاني: قوله: {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } ليس في لفظ الآية ما يدل على أنها إلى أين تسير، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى العدم لقوله تعالى: { أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } تفسير : [طه: 105 ـ 107] ولقوله: { أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } تفسير : [الواقعة: 5، 6] و النوع الثاني: من أحوال القيامة قوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } وفي تفسيره وجوه: أحدها: أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات، ولا شيء من الجبال، ولا شيء من الأشجار، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها، وهو المراد من قوله: {لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً }. وثانيها: أن المراد من كونها بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف والبطن فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: { أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } تفسير : [الانشقاق: 4] وقوله: { أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2] وقوله: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا }. وثالثها: أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال والبحار، فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع بعد أن كانت مستورة. والنوع الثالث: من أحوال القيامة قوله: {وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحداً، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحداً إلا وجمعناهم لذلك اليوم، ونظيره قوله تعالى: { أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلأَخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الواقعة: 49، 50] ومعنى لم نغادر لم نترك، يقال: غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر ترك الوفاء، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول، ومنه سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها. ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم، فقال: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الصف وجوه. أحدها: أنه تعرض الخلق كلهم على الله صفاً واحداً ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضاً، قال القفال: ويشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز، ومنه اشتق الصفصف للصحراء. وثانيها: لا يبعد أن يكون الخلق صفوفاً يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله صفاً صفوفاً كقوله: { أية : يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } تفسير : [غافر: 67] أي أطفالاً. وثالثها: صفاً أي قياماً، كما قال تعالى: { أية : فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } تفسير : [الحج: 36] قالوا قياماً. المسألة الثانية: قالت المشبهة قوله تعالى: { أية : وَجَاء رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } تفسير : [الفجر: 22] يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل القيامة صفاً، وكذلك قوله تعالى: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضاً عليه، لا على أنه تعالى يحضر في مكان وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم، ثم قال تعالى: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه، لأنهم خلقوا صغاراً ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ونظيره قوله تعالى: { أية : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا * فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أول مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ } تفسير : [الأنعام:94] وقال تعالى: { أية : أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـئَايَـٰتِنَا وَقَالَ لأَوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً} تفسير : [مريم: 77] - إلى قوله - {أية : وَيَأْتِينَا فَرْداً } تفسير : [مريم: 80] ثم قال تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } أي كنتم مع التعزز على المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق، ثم قال تعالى: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ } والمراد أنه يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، والمراد الجنس وهو صحف الأعمال: {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة وخائفين من ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق وخوف الفضيحة عند الخلق ويقولون يا ويلتنا ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات: {مَّالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } وهي عبارة عن الإحطاة بمعنى لا يترك شيئاً من المعاصي سواء كانت أو كبيرة إلا وهي مذكورة في هذا الكتاب ونظيره قوله تعالى: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } تفسير : [الانفطار: 10 ـ 12] وقوله: { أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الجاثية: 29] وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة: {إِلاَّ أَحْصَاهَا } إلا ضبطها وحصرها، قال بعض العلماء: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر. لأن تلك الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر فاحترزوا من الصغائر جداً: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } في الصحف عتيداً أو جزاء ما عملوا: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } معناه أنه لا يكتب عليه ما لم يفعل، ولا يزيد في عقابه المستحق، ولا يعذب أحداً بجرم غيره، بقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الجبائي: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في مسائل: أحدها: أنه لو عذب عباده من غير فعل صدر منهم لكان ظالماً. وثانيها: أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب. وثالثها: بطلان قولهم لله أن يفعل ما يشاء ويعذب من غير جرم لأن الخلق خلقه إذ لو كان كذلك لما كان لنفي الظلم عنه معنى لأن بتقدير أنه إذا فعل أي شيء أراد لم يكن ظلماً منه لم يكن لقوله إنه لا يظلم فائدة فيقال له. أما الجواب عن الأولين فهو المعارضة بالعلم والداعي، وأما الجواب عن هذا الثالث فهو أنه تعالى قال: { أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] ولم يدل هذا على أن اتخاذ الولد صحيح عليه فكذا ههنا. المسألة الثانية: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة يوسف، وأيوب، وسليمان. فيدعو بالمملوك ويقول له: ما شغلك عني فيقول جعلتني عبداً للآدمي فلم تفرغني، فيدعو يوسف عليه السلام، ويقول: كان هذا عبداً مثلك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار، ثم يدعو بالمبتلي فإذا قال شغلتني بالبلاء دعا بأيوب عليه السلام فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع ما آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان عليه السلام فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر ما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار » تفسير : وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن جسده فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه كيف عمل به » تفسير : . المسألة الثالثة: دلت الآية على إثبات صغائر وكبائر في الذنوب، وهذا متفق عليه بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا في تفسيره فقالت المعتزلة: الكبيرة ما يزيد عقابه على ثواب فاعله، والصغيرة ما ينقص عقابه عن ثواب فاعله، واعلم أن هذا الحد إنما يصح لو ثبت أن الفعل يوجب ثواباً وعقاباً وذلك عندنا باطل لوجوه كثيرة ذكرناها في سورة البقرة، في إبطال القول بالإحباط والتكفير بل الحق عندنا أن الطاعات محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فكل ما كان أقوى في كونه جهلاً بالله كان أعظم في كونه كبيرة، وكل ما كان أقوى في كونه إضراراً بالغير كان أكثر في كونه ذنباً أو معصية فهذا هو الضبط.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} قال بعض النحويين: التقدير والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسيّر الجبال. قال النحاس: وهذا غلط من أجل الواو. وقيل: المعنى وٱذكر يوم نسيّر الجبال، أي نزيلها من أماكنها من على وجه الأرض، ونسيرها كما نسير السحاب؛ كما قال في آية أخرى {أية : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88]. ثم تكسر فتعود إلى الأرض؛ كما قال {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاًفَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5]. وقرأ ابن كثير والحسن وأبو عمرو وابن عامر «ويوم تُسَيَّر» بتاء مضمومة وفتح الياء. و «الجبالُ» رفعا على الفعل المجهول. وقرأ ابن مُحَيْصِن ومجاهد «ويوم تسير الجبال» بفتح التاء مخففاً من سار. «الجبال» رفعا. دليل قراءة أبي عمرو {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 3]. ودليل قراءة ابن محيصِن {أية : وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً} تفسير : [الطور: 10]. واختار أبو عبيد القراءة الأولى «نسيّر» بالنون لقوله «وحشرناهم». ومعنى {بَارِزَةً} ظاهرة، وليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان؛ أي قد ٱجتثت ثمارها وقلعت جبالها، وهدم بنيانها؛ فهي بارزة ظاهرة. وعلى هذا القول أهل التفسير. وقيل: «وترى الأرض بارزة» أي برز ما فيها من الكنوز والأموات؛ كما قال {أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 4] وقال {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا} تفسير : [الزلزلة: 2] وهذا قول عطاء. {وَحَشَرْنَاهُمْ} أي إلى الموقف. {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي لم نترك؛ يقال: غادرت كذا أي تركته. قال عنترة:شعر : غَادَرْتُه مُتَعَفِّرا أوصالهُ والقومُ بين مُجَرَّحٍ ومُجَدَّلِ تفسير : أي تركته. والمغادرة الترك؛ ومنه الغَدْر؛ لأنه ترك الوفاء. وإنما سمي الغدير من الماء غديراً لأن الماء ذهب وتركه. ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها. يقول: حشرنا بَرّهم وفاجِرَهم وجنّهم وإنسهم.

البيضاوي

تفسير : {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } واذكر يوم نقلعها ونسيرها في الجو، أو نذهب بها فنجعلها هباء منبثاً. ويجوز عطفه على {عِندَ رَبّكَ} أي الباقيات الصالحات خير عند الله ويوم القيامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير بالتاء والبناء للمفعول وقرىء «تسير» من سارت. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} بادية برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها، وقرىء «وترى» على بناء المفعول. {وَحَشَرْنَـٰهُمْ} وجمعناهم إلى الموقف، ومجيئه ماضياً بعد {نُسَيّرُ} {وَتَرَى} لتحقق الحشر أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم، وعلى هذا تكون الواو للحال بإضمار قد. {فَلَمْ نُغَادِرْ} فلم نترك. {مّنْهُمْ أَحَداً} يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر لترك الوفاء والغدير لما غادره السيل، وقرىء بالياء.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } تفسير : [الطور: 9 ـ 10] أي تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88] وقال تعالى: {أية : وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ } تفسير : [القارعة: 5] وقال: {أية : وَيَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } تفسير : [طه: 105 - 107] يذكر تعالى أنه تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض قاعاً صفصفاً، أي سطحاً مستوياً، لا عوج فيه ولا أمتاً، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحداً، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} لا خَمَر فيها ولا غيابة، قال قتادة: لا بناء ولا شجر. وقوله: {وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي: وجمعناهم، الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحداً لا صغيراً ولا كبيراً؛ كما قال: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلأَخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الواقعة: 49 - 50] وقال: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود: 103]. وقوله: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَا} يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفاً واحداً، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلْرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا} تفسير : [النبأ: 38] ويحتمل أنهم يقومون صفوفاً صفوفاً، كما قال: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } تفسير : [الفجر: 22] وقوله: {أية : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 94] هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطباً لهم: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن. وقوله: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ} أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} أي: من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة {وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا} أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا {مَال ِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} أي: لا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً، ولا عملاً وإن صغر، إلا أحصاها، أي ضبطها وحفظها. وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين، نزلنا قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أجمعوا، من وجد عوداً فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً فليأت به»تفسير : قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم؛ كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه».تفسير : وقوله: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} أي من خير وشر؛ كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا} تفسير : [آل عمران: 30] الآية، وقال تعالى: {أية : يُنَبَّؤُاْ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَمَ وَأَخَّرَ} تفسير : [القيامة: 13] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } تفسير : [الطارق: 9] أي تظهر المخبآت والضمائر. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين"، وفي لفظ: «حديث : يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان».تفسير : وقوله: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعاً، ولا يظلم أحداً من خلقه، بل يعفو ويصفح، ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي، ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا} تفسير : [النساء: 40] الآية، وقال: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً}تفسير : - إلى قوله: - {حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] والآيات في هذا كثيرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيراً، ثم شددت عليه رحلاً، فسرت عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال: العباد ـ عراة غرلاً بهما قلت: وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد؛ كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه، حتى اللطمة قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلاً بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات».تفسير : وعن شعبة عن العوام بن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة» تفسير : رواه عبد الله بن الإمام أحمد، وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47] وعند قوله تعالى: {أية : إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَـٰبِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنعام: 38].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ } يذهب بها عن وجه الأرض فتصير هباء منبثا. وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب(الجبال){وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً } ظاهرة ليس عليها شيء من جبل ولا غيره {وَحَشَرْنَٰهُمْ } المؤمنين والكافرين {فَلَمْ نُغَادِرْ } نترك {مِّنْهُمْ أَحَداً }.

الشوكاني

تفسير : وقوله: {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ } قرأ الحسن وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: "تسير" بمثناة فوقية مضمومة وفتح الياء التحتية على البناء للمفعول، ورفع الجبال على النيابة عن الفاعل. وقرأ ابن محيصن ومجاهد (تسير) بفتح التاء الفوقية والتخفيف على أن الجبال فاعل. وقرأ الباقون (نسير) بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه والجبال منصوبة على المفعولية، ويناسب القراءة الأولى قوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيّرَتْ } تفسير : [التكوير: 3]، ويناسب القراءة الثانية قوله تعالى: {أية : وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً } تفسير : [الطور: 10]، واختار القراءة الثالثة أبو عبيدة لأنها المناسبة لقوله: {وَحَشَرْنَـٰهُمْ } قال بعض النحويين: التقدير: والباقيات الصالحات خير عند ربك يوم نسيّر الجبال، وقيل: العامل في الظرف فعل محذوف، والتقدير: واذكر يوم نسيّر الجبال، ومعنى تسيير الجبال: إزالتها من أماكنها وتسييرها كما تسير السحاب، ومنه قوله تعالى: {أية : وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ }تفسير : [النمل: 88]، ثم تعود إلى الأرض بعد أن جعلها الله كما قال: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً } تفسير : [الواقعة: 5 ــ 6]. والخطاب في قوله: {أية : وَتَرَى ٱلأرْضَ بَارِزَةً } تفسير : [الكهف: 47] لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للرؤية، ومعنى بروزها ظهورها وزوال ما يسترها من الجبال والشجر والبنيان. وقيل: المعنى ببروزها: بروز ما فيها من الكنوز والأموات كما قال سبحانه: {أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } تفسير : [الإنشقاق: 4]، وقال: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2]. فيكون المعنى: وترى الأرض بارزاً ما في جوفها {وَحَشَرْنَـٰهُمْ } أي: الخلائق، ومعنى الحشر الجمع أي: جمعناهم إلى الموقف من كل مكان {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً } فلم نترك منهم أحداً، يقال: غادره وأغدره إذا تركه، قال عنترة:شعر : غادرته متعفراً أوصاله والقوم بين مجرّح ومجندل تفسير : أي: تركته، ومنه الغدر، لأن الغادر ترك الوفاء للمغدور، قالوا: وإنما سمي الغدير غديراً، لأن الماء ذهب وتركه، ومنه غدائر المرأة لأنها تجعلها خلفها {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا } انتصاب {صفاً} على الحال أي: مصفوفين كل أمة وزمرة صف، وقيل: عرضوا صفاً واحداً كما في قوله: {أية : ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً }تفسير : [طه: 64] أي جميعاً، وقيل: قياماً. وفي الآية تشبيه حالهم بحال الجيش الذي يعرض على السلطان {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } هو على إضمار القول، أي: قلنا لهم لقد جئتمونا، والكاف في {كما خلقناكم} نعت مصدر محذوف، أي: مجيئاً كائناً كمجيئكم عند أن خلقناكم أوّل مرّة، أو كائنين كما خلقناكم أوّل مرّة، أي: حفاة عراة غرلاً، كما ورد ذلك في الحديث. قال الزجاج أي: بعثناكم وأعدناكم كما خلقناكم، لأن قوله {لقد جئتمونا} معناه: بعثناكم {بَلْ زَعَمْتُمْ أن لَنْ نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} هذا إضراب وانتقال من كلام إلى كلام للتقريع والتوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث، أي: زعمتم في الدنيا أن لن تبعثوا، وأن لن نجعل لكم موعداً نجازيكم بأعمالكم وننجز ما وعدناكم به من البعث والعذاب. وجملة: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ } معطوفة على {عرضوا}، والمراد بالكتاب: صحائف الأعمال، وأفرده لكون التعريف فيه للجنس، والوضع إما حسي بأن يوضع صحيفة كل واحد في يده: السعيد في يمينه، والشقيّ في شماله، أو في الميزان. وإما عقلي، أي: أظهر عمل كل واحد من خير وشرّ بالحساب الكائن في ذلك اليوم {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } أي: خائفين وجلين مما في الكتاب الموضوع لما يتعقب ذلك من الافتضاح في ذلك الجمع، والمجازاة بالعذاب الأليم {وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا } يدعون على أنفسهم بالويل لوقوعهم في الهلاك، ومعنى هذا النداء قد تقدّم تحقيقه في المائدة {مَّالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } أي: أي شيء له لا يترك معصية صغيرة ولا معصية كبيرة إلا حواها وضبطها وأثبتها {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ } في الدنيا من المعاصي الموجبة للعقوبة، أو وجدوا جزاء ما عملوا {حَاضِرًا } مكتوباً مثبتاً {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } أي: لا يعاقب أحداً من عباده بغير ذنب، ولا ينقص فاعل الطاعة من أجره الذي يستحقه. ثم إنه سبحانه عاد إلى الردّ على أرباب الخيلاء من قريش، فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه فقال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } أي: واذكر وقت قولنا لهم اسجدوا سجود تحية وتكريم، كما مرّ تحقيقه {فجسدوا} طاعة لأمر الله وامتثالاً لطلبه السجود {إِلاَّ إِبْلِيسَ } فإنه أبى واستكبر ولم يسجد، وجملة {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ } مستأنفة لبيان سبب عصيانه وأنه كان من الجنّ ولم يكن من الملائكة فلهذا عصى. ومعنى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ }: أنه خرج عن طاعة ربه. قال الفراء: العرب تقول: فسقت الرطبة عن قشرها لخروجها منه. قال النحاس: اختلف في معنى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } على قولين: الأوّل مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى: أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب الفسق أمر ربه، كما تقول: أطعمه عن جوع. والقول الآخر قول قطرب: أن المعنى على حذف المضاف أي: فسق عن ترك أمره. ثم إنه سبحانه عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر والمعاصي وخالف أمر الله فقال: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء } كأنه قال: أعقيب ما وجد منه من الإباء والفسق تتخذونه وتتخذون ذريته، أي: أولاده؛ وقيل: أتباعه مجازاً {أولياء مِن دُونِى} فتطيعونهم بدل طاعتي وتستبدلونهم بي، والحال أنهم أي: إبليس وذريته {لَكُمْ عَدُوٌّ} أي: أعداء. وأفرده لكونه اسم جنس، أو لتشبيهه بالمصادر كما في قوله: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى }تفسير : [الشعراء: 77]. وقوله: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ } تفسير : [المنافقون: 4] أي: كيف تصنعون هذا الصنع وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم بجميع ما أنتم فيه من النعم؟ بمن لم يكن لكم منه منفعة قط، بل هو عدوّ لكم يترقب حصول ما يضركم في كل وقت {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً } أي: الواضعين للشيء في غير موضعه المستبدلين بطاعة ربهم طاعة الشيطان، فبئس ذلك البدل الذي استبدلوه بدلاً عن الله سبحانه. {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} قال أكثر المفسرون: إن الضمير للشركاء، والمعنى: أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السمٰوات والأرض وفي خلق أنفسهم لكانوا مشاهدين خلق ذلك مشاركين لي فيه، ولم يشاهدوا ذلك ولا أشهدتهم إياه أنا فليسوا لي بشركاء. وهذا استدلال بانتفاء الملزوم المساوي على انتفاء اللازم، وقيل: الضمير للمشركين الذين التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد: أنهم ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السمٰوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ: ما اعتضدت بهم بل هم كسائر الخلق، وقيل: المعنى أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل، لأنهم لم يكونوا مشاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله، والأوّل من هذه الوجوه أولى لما يلزم في الوجهين الآخرين من تفكيك الضميرين، وهذه الجملة مستأنفة لبيان عدم استحقاقهم للاتخاذ المذكور، وقرأ أبو جعفر (ما أشهدناهم) وقرأ الباقون (ما أشهدتهم) ويؤيده {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً } والعضد يستعمل كثيراً في معنى العون، وذلك أن العضد قوام اليد، ومنه قوله: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ }تفسير : [القصص: 35] أي: سنعينك ونقوّيك به، ويقال: أعضدت بفلان: إذا استعنت به، وذكر العضد على جهة المثل، وخصّ المضلين بالذكر لزيادة الذمّ والتوبيخ. والمعنى: ما استعنت على خلق السمٰوات والأرض بهم ولا شاورتهم وما كنت متخذ الشياطين أو الكافرين أعواناً، ووحد العضد لموافقة الفواصل، وقرأ أبو جعفر الجحدري (وما كنت) بفتح التاء على أن الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي: وما كنت يا محمد متخذاً لهم عضداً ولا صح لك ذلك، وقرأ الباقون بضم التاء. وفي عضد لغات ثمانِ أفصحها فتح العين وضمّ الضاد، وبها قرأ الجمهور. وقرأ الحسن: «عضد» بضم العين والضاد. وقرأ عكرمة بضم العين وإسكان الضاد، وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عيسى بن عمر بفتحهما، ولغة تميم فتح العين وسكون الضاد. ثم عاد سبحانه إلى ترهيبهم بأحوال القيامة فقال: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } قرأ حمزة ويحيـى بن وثاب وعيسى بن عمر "نقول" بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية أي: اذكر يوم يقول الله عزّ وجلّ للكفار توبيخاً لهم وتقريعاً: نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم، وأضافهم سبحانه إلى نفسه جرياً على ما يعتقده المشركون، تعالى الله عن ذلك {فَدَعَوْهُمْ } أي: فعلوا ما أمرهم الله به من دعاء الشركاء {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } إذ ذاك، أي: لم يقع منهم مجرد الاستجابة لهم، فضلاً عن أن ينفعوهم أو يدفعوا عنهم {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً } أي: جعلنا بين هؤلاء المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله موبقاً، ذكر جماعة من المفسرين أنه اسم وادٍ عميق فرق الله به تعالى بينهم، وعلى هذا فهو اسم مكان. قال ابن الأعرابي: كل حاجز بين شيئين فهو موبق. وقال الفراء: الموبق: المهلك. والمعنى: جعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة، يقال: وبق يوبق فهو وبق. هكذا ذكره الفراء في المصادر. وحكى الكسائي: وبق يبق وبوقاً فهو وابق، والمراد بالمهلك على هذا: هو عذاب النار يشتركون فيه. والأوّل أولى، لأن من جملة من زعموا أنهم شركاء لله الملائكة وعزير والمسيح، فالموبق: هو المكان الحائل بينهم. وقال أبو عبيدة: الموبق هنا: الموعد للهلاك، وقد ثبت في اللغة أوبقه بمعنى: أهلكه، ومنه قول زهير:شعر : ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق تفسير : ولكن المناسب لمعنى الآية: هو المعنى الأوّل. {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا }: {المجرمون} موضوع موضع الضمير للإشارة إلى زيادة الذمّ لهم بهذا الوصف المسجل عليهم به، والظن هنا بمعنى اليقين. والمواقعة: المخالطة بالوقوع فيها، وقيل: إن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون ذلك ظناً {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } أي: معدلاً يعدلون إليه، أو انصرافاً، لأن النار قد أحاطت بهم من كل جانب. قال الواحدي: المصرف: الموضع الذي ينصرف إليه. وقال القتيبي: أي معدلاً ينصرفون إليه، وقيل: ملجأً يلجأون إليه. والمعنى متقارب في الجميع. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَتَرَى ٱلأرْضَ بَارِزَةً } قال: ليس عليها بناء ولا شجر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } قال: الصغيرة التبسم، والكبيرة: الضحك. وزاد ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عنه قال: الصغيرة: التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين، والكبيرة: القهقهة بذلك. وأقول: صغيرة وكبيرة نكرتان في سياق النفي، فيدخل تحت ذلك كل ذنب يتصف بصغر، وكل ذنب يتصف بالكبر، فلا يبقى من الذنوب شيء إلا أحصاه الله وما كان من الذنوب ملتبساً بين كونه صغيراً أو كبيراً، فذلك إنما هو بالنسبة إلى العباد لا بالنسبة إلى الله سبحانه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة يقال لهم: الجنّ، فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه فمسخه الله شيطاناً رجيماً. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ } قال: كان خازن الجنان، فسمي بالجانّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً قال: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: قاتل الله أقواماً زعموا أن إبليس كان من الملائكة، طرفة عين، إنه لأصل الجنّ كما أن آدم أصل الإنس. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} قال: يقول: ما أشهدت الشياطين الذين اتخذتم معي هذا {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً } قال: الشياطين عضداً، قال: ولا اتخذتهم عضداً على شيء عضدوني عليه فأعانوني. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً } يقول: مهلكاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج أبو عبيد، وهناد، وابن المنذر عنه قال: وادٍ في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن أنس في الآية قال: وادٍ في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمرو قال: هو وادٍ عميق في النار فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } قال: علموا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ويوم نُسَيِّر الجبال} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يسيرها من السير حتى تنتقل عن مكانها لما فيه من ظهور الآية وعظم الإعتبار. الثاني: يسيرها أي يقللها حتى يصير كثيرها قليلاً يسيراً. الثالث: بأن يجعلها هباء منثوراً. {وترى الأرض بارزة} فيه وجهان: أحدهما: أنه بروز ما في بطنها من الأموات بخروجهم من قبورهم. الثاني: أنها فضاء لا يسترها جبل ولا نبات. {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} فيه ثلاثة تأويلات. أحدها: يعني فلم نخلف منهم أحداً، قاله ابن قتيبة، قال ومنه سمي الغدير لأنه ما تخلفه السيول. الثاني: فلم نستخلف منهم أحداً، قاله الكلبي. الثالث: معناه فلم نترك منهم أحداً، حكاه مقاتل. قوله عز وجل: {وعُرِضوا على ربِّك صَفّاً} قيل إنهم يُعرضون صفاً بعد صف كالصفوف في الصلاة، وقيل إنهم يحشرون عراة حفاة غرلاً، فقالت عائشة رضي الله عنها فما يحتشمون يومئذ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : {لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه}" تفسير : [عبس: 37]. قوله عز وجل: {ووضع الكتابُ} فيه وجهان: أحدهما: أنها كتب الأعمال في أيدي العباد، قاله مقاتل. الثاني: أنه وضع الحساب، قاله الكلبي، فعبر عن الحساب بالكتاب لأنهم يحاسبون على أعمالهم المكتوبة. {فترى المجرمين مشفقين مما فيه} لأنه أحصاه الله ونسوه. {ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها} وفي الصغيرة تأويلان: أحدهما: أنه الضحك، قاله ابن عباس. الثاني: أنها صغائر الذنوب التي تغفر باجتناب كبائرها. وأما الكبيرة ففيها قولان: أحدهما: ما جاء النص بتحريمه. الثاني: ما قرن بالوعيد والحَدِّ. ويحتمل قولاً ثالثاً: أن الصغيرة الشهوة، والكبيرة العمل. قال قتادة: اشتكى القوم الإحْصاء وما اشتكى أحد ظلماً، وإياكم المحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. {ووجَدوا ما عَملوا حاضِراً} يحتمل تأويلين: أحدهما: ووجدوا إحصاء ما عملوا حاضراً في الكتاب. الثاني: ووجدوا جزاء ما عملوا عاجلاً في القيامة. {ولا يظلم ربك أحداً} يعني من طائع في نقصان ثوابه، أو عاص في زيادة عقابه.

ابن عبد السلام

تفسير : {نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} بنقلها عن أماكنها، أو بتقليلها حتى لا يبقى منها إلا اليسير، أو بجعلها هباء منثوراً {بَارِزَةً} برز ما فيها من الموتى، أو صارت فضاء لا يسترها جبل ولا نبات {نُغَادِرْ} نترك، أو نخلف، الغدير: ما تخلفه السيول.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {تسير الجبال} على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو. الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال. ما أشهدناهم يزيد. الآخرون {ما أشهدتهم} {وما كنت} على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد. الباقون على التكلم {ويوم نقول} بالنون: حمزة الباقون على الغيبة {قبلاً} بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي. الباقون بكسر القاف وفتح الباء. {لمهلكهم} بفتح الميم وكسر اللام: حفص {لمهلكهم} بفتحهما، يحيى وحما والمفضل. الباقون بضم الميم وفتح اللام. الوقوف: {بارزة} لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك {أحداً} ه ج للآية مع العطف {صفاً} ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا {أول مرة} ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد {موعداً} ه {أحصاها} ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" {حاضراً} ه ط {أحداً} ه {إلا إبليس} ط {أمر ربه} ط {عدواً} ط {بدلاً} ه أنفسهم ص {عضداً} ه {موبقاً} ه {مصرفاً} ه {مثل} ط {جدلاً} ه {قبلاً} ه {ومنذرين} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {هزواً} ه {يداه} ط {وقراً}، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط {أبداً} ه {الرحمة} ط {العذاب} ط {موئلاً} ه {موعداً}. التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب. ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل {ولقد جئتمونا} وفاعل التسيير هو الله تعالى إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: {أية : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً} تفسير : [طه: 105]، {أية : وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً} تفسير : [الواقعة: 5 - 6] وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله {وترى الأرض بارزة} لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: {أية : وألقت ما فيها وتخلت} تفسير : [الانشقاق: 4] فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها {وحشرناهم} الضمير للخلائق المعلوم حكماً {فلم نغادر منهم أحداً} من الأوّلين والآخرين. يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء. والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله. ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته. قالت المشبهة: في قوله: {وعرضوا على ربك} دليل على أنه سبحانه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: {لقد جئتمونا} وأجيب بأنه تعالى شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان. وانتصب {صفاً} على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً. والصف إما واحد وإما جمع كقوله {أية : يخرجكم طفلاً} تفسير : [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: {أية : فاذكروا اسم الله عليها صواف} تفسير : [الحج: 36]. وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول. وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله {خلقناكم} أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً. أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك. {ووضع الكتاب} أي جنسه وهو صحف الأعمال. والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار. {فترى المجرمين مشفقين} خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح. ومعنى النداء في {يا ويلتنا} قد مر في "المائدة" في {أية : يا ويلتي أعجزت} تفسير : [الآية: 31] وقوله: {صغيرة ولا كبيرة} صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل. وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر. قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر. وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا. وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر. وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: {أية : إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} تفسير : [النساء: 31] فتذكر {ووجدوا ما عملوا حاضراً} في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم {ولا يظلم ربك أحداً} استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم. والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة. وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟ فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار. ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار"تفسير : ثم إنه سبحانه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه. قال جار الله: قوله: {كان من الجن} كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: {كان من الجن ففسق} والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة. وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن. ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة. ومعنى {فسق عن أمر ربه} خرج عن طاعته. وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: {فسق عن أمر ربه}. وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره. ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر. والمعاصي وخالق أمر الله فقال: {أفتتخذونه} كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه {وذريته أولياء من دوني} وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد صلى الله عليه وسلم نبياً {بئس للظالمين بدلاً} أي بئس البدل من الله. إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته. قال الجبائي. في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً. قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه. فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه. ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: {ما أشهدتهم} فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: {وما كنت متخذ المضلين} أي متخذهم {عضداً} أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال. وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك. وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء. ومن قرأ {وما كنت} بفتح التاء فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ {يقول} الله لهم {نادوا} أي ادعوا من زعمتم أنهم {شركائي} فأهلتموهم للعبادة. قال المفسرون: أراد الجن {فدعوهم} لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى {أية : إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا} تفسير : [إبراهيم: 21] {فلم يستجيبوا لهم} ولم يدفعوا عنهم ضرراً {وجعلنا بينهم موبقاً} عن الحسن {موبقاً} عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا". وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة. وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً. وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم. وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان. قوله: {فظنوا} قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره {أية : إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً} تفسير : [الفرقان: 12] {ولم يجدوا عنها مصرفاً} أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر. ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: {ولقد صرفنا} وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة. وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: {أكثر شيء} كقوله {أول مرة} وقد مر في "الأنعام". وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم. قال أهل البرهان: قوله تعالى في سورة "بني إسرائيل": {أية : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} تفسير : [الاسراء: 94] وقال في هذه السورة بزيادة {ويستغفروا ربهم} لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس. ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك. وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة {ويستغفروا ربهم} لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار {أية : استغفروا ربكم إنه كان غفاراً} تفسير : [نوح: 10] وكذا قوم هود {أية : ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} تفسير : [هود: 52] وقوم صالح {أية : فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب} تفسير : [هود: 61] وقوم شعيب {أية : واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} تفسير : [هود: 90] فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم. والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً. ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً. وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة. ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال {يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا} ويزيلوا ويبطلوا {به الحق} من إدحاض القدم وهو إزلاقها {واتخذوا آياتي وما أنذروا} أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم {هزواً} موضع استهزاء. قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل {أية : ما أنتم إلا بشر مثلنا} تفسير : [يس: 15] {أية : ولو شاء الله لأنزل ملائكة} تفسير : [المؤمنون: 24] وما أشبه ذلك. قال أهل العرفان: قوله: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} أي بالقرآن بدليل قوله: {أن يفقهوه} وبتذكير الضمير. {فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه} من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية. وإنما قال في السجدة {أية : ثم أعرض عنها} تفسير : [الآية: 22] لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك. وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: {أية : ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم} تفسير : [السجدة: 12] أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم. وقوله {إنا جعلنا} وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: {فلن يهتدوا إذا أبداً} متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته. ورحمته على عباده كما قال: {وربك الغفور ذو الرحمة} قال المفسرون الضمير في قوله:{لو يؤاخذهم} لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والموعد يوم بدر. وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس} والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه. قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال. أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين. وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك. ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: {وتلك القرى} فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى {أهلكناهم} ويجوز أن يكون {تلك القرى} منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير. {وجعلنا} لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم {موعداً} وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك. التأويل: {ويوم نسير الجبال} وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية {وعرضوا على ربك صفاً} لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها. {ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير {لا يغادر صغيرة} هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات. {ولا كبيرة} هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة {ما أشهدتهم} لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت {أية : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} تفسير : [الكهف: 53] {ورأى المجرمون النار} رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها {ولم يجدوا عنها مصرفاً} كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم} أسباب الهداية {ويستغفروا ربهم} إن كانوا مذنبين {إلا أن تأتيهم سنة الأولين} من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم "والله لولا الله ما اهتدينا" {أو ما يأتيهم العذاب قبلاً} كقوله: "حديث : أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"تفسير : . والله أعلم. (م).

ابو السعود

تفسير : {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ} منصوبٌ بمضمر أي اذكرْ حين نقلَعُها من أماكنها ونسيّرها في الجو على هيئاتها كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل، الآية 88] أو نسير أجزاءَها بعد أن نجعلها هباءً مُنْبَثّاً، والمرادُ بتذكيره تحذيرُ المشركين مما فيه من الدواهي، وقيل: هو معطوفٌ على ما قبله من قوله تعالى: {عِندَ رَبّكَ} أي الباقياتُ الصالحات خيرٌ عند الله ويومَ القيامة. وقرىء تُسيَّر على صيغة البناء للمفعول من التفعيل جرياً على سنن الكِبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعيُّنه، وقرىء تَسِير {وَتَرَى ٱلأَرْضَ} أي جميعَ جوانبها والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يتأتّى منه الرؤيةُ، وقرىء تُرَى على صيغة البناء للمفعول {بَارِزَةً} أما بروزُ ما تحت الجبال فظاهرٌ، وأما ما عداه فكانت الجبالُ تحول بـينه وبـين الناظرِ قبل ذلك، فالآن أضحى قاعاً صفْصِفاً لا ترى فيها عِوَجاً أمْتاً {وَحَشَرْنَـٰهُمْ} جمعناهم إلى الموقف من كل أَوْب. وإيثارُ صيغةِ الماضي بعد نسيّر وتَرى للدِلالة على تحقق الحشْرِ المتفرِّع على البعث الذي يُنكره المنكرون، وعليه يدورُ أمرُ الجزاءِ وكذا الكلام فيما عطف عليه منفياً وموجَباً، وقيل: هو للدَّلالة على أن حشْرهم قبل التسيـير والبروزِ ليعاينوا تلك الأهوالَ، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك {فَلَمْ نُغَادِرْ} أي لم نترُك {مّنْهُمْ أَحَداً} يقال: غادره إذا تركه ومنه الغدْرُ الذي هو تركُ الوفاءِ والغديرُ الذي هو ماءٌ يتركه السيلُ في الأرض الغائرةِ، وقرىء بالياء وبالفوقانية على إسناد الفعل إلى ضمير الأرض كما في قوله تعالى: { أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}تفسير : [الانشقاق، الآية 4]. {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ} شُبّهت حالُهم بحال جندٍ عُرضوا على السلطان ليأمُر فيهم بما يأمُر، وفي الالتفات إلى الغَيبة وبناءِ الفعل للمفعول مع التعرض لعنوان الربوبـية والإضافةِ إلى ضميره عليه السلام من تربـية المهابةِ والجَرْي على سَنن الكبرياءِ وإظهار اللطفِ به عليه السلام ما لا يخفى {صَفَّا} أي غيرَ متفرِّقين ولا مختلِطين فلا تعرّض فيه لوَحدة الصفِّ وتعدّدِه، وقد ورد في الحديث الصحيح: "حديث : يجمع الله الأولين والآخِرين في صعيد واحد صُفوفاً" تفسير : {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} على إضمار القولِ على وجه يكون حالاً من ضمير عُرضوا أي مقولاً لهم أو وقلنا لهم، وأما كونُه عاملاً في يومَ نسيّر كما قيل فبعيدٌ من جزالة التنزيل الجليلِ، كيف لا ويلزم منه أن هذا القولَ هو المقصودُ بالأصالة دون سائر القوارعِ مع أنه خاصُّ التعلق بما قبله من العَرض والحشر دون تسيـيرِ الجبال وبروزِ الأرض {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ} نعتٌ لمصدر مقدّرٍ أي مجيئاً كائناً كمجيئكم عند خلْقِنا لكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ} أو حال من ضمير جئتمونا أي كائنين كما خلقناكم أولَ مرة حُفاةً عُراة غُرْلاً أو ما معكم شيءٌ مما تفتخرون به من الأموال والأنصار كقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94] {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} إضرابٌ وانتقالٌ من كلام إلى كلام كِلاهما للتوبـيخ والتقريعِ، أي زعمتم في الدنيا أنه لن نجعلَ لكم أبداً وقتاً نُنْجز فيه ما وعدناه من البعث وما يتبعه، وأنْ مخففةٌ من المثقلة فُصِل بحرف النفي بـينها وبـين خبرِها لكونه جملةً فعليةً متصرِّفةً غيرَ دعاءٍ، والظرفُ إما مفعولٌ ثانٍ للجعل وهو بمعنى التصيـيرِ والأولُ هو موعداً، أو حال من موعداً وهو بمعنى الخلق والإبداعِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} [الآية: 47]. قال ابن عطاء: دل بهذه الآية على إظهار جبروته وتمام قدرته وعظيم عزته لذلك الموقف ويصلح سريرته وعلانيته لخطاب ذلك المشهد وحوله.

القشيري

تفسير : كما تُسيَّرُ جبالُ الأرض يوم القيامة فإنها تُقْتَلَعَ بموت الأبدال الذين يديم بهم الحقُّ - اليومَ - إمساك الأرض، فهؤلاء السادَة - في الحقيقة - أوتادُ العالَم. قوله: {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}: الإشارة منه أنه ما من أحد إلا ويُسْقَى كأسَ المنية، ولا يغادر الحقُّ أحداً اليوم على البسيطة إلا وينخرط عن نظامه، وإِنَّ شَرَفَهم في الدرجات في تَوَقِّيهم عن مساكنة الدنيا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم نسير الجبال} اى اذكر حين نقلعها من اماكنها وتسير فى الجو على هيآتها او تسير اجزاؤها بعد ان نجعلها هباء منبثا والمراد بتذكيره تحذير المشركين مما فيه من الدواهى {وترى} يا محمد او يا كل من يصلح للرؤية {الارض} جميع جوانبها {بارزة} ظاهرة ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا نبات {وحشرناهم} جمعنا اهل الايمان والكفر الى الموقف من جانب {أية : فلم نغادر}تفسير : لم نترك {أية : منهم احدا}تفسير : تحت الارض يقال غادره واغدره اذا تركه ومنه الغدر الذى هو ترك الوفاء والغدير ما غاره السيل وتركه فى الارض الغائرة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ويوم} : معمول لمحذوف، أي: واذكر، أو عطف على قوله: "عند ربك"، أي: والباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، و {حشرناهم}: عطف على {نُسيّر} ؛ للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المشركون، وعليه يدور أمر الجزاء، وكذا الكلام فيما عطف عليه، منفيًا وموجبًا، وقيل: هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك. و {نغادر}: نترك، يقال: غادره وأغدره: إذا تركه، ومنه: الغدير؛ لما يتركه السيل في الأرض من الماء، و {صفًّا}: حال، أي: مصْطفين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {يوم نُسيِّرُ الجبالَ} أي: حين نقلعها من أماكنها ونسيرها في الجو، على هيئتها، كما ينبئ عنه قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ}تفسير : [النمل: 88] أو: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منثورًا، والمراد من ذكره: تحذير الغافلين مما فيه من الأهوال، وقرئ: "تُسَيَّر"؛ بالبناء للمفعول؛ جريًا على سَنَن الكبرياء، وإيذانًا بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل؛ لظهور تعينه، ثم قال: {وترى الأرضَ} أي: جميع جوانبها، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يسمع، {بارزةً}: ظاهرة، ليس عليها جبل ولا غيره. بل تكون {أية : فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً} تفسير : [طه: 106، 107]. {وحشرناهم}: جمعناهم إلى الموقف من كل حدب، مؤمنين وكافرين، {فلم نُغادرْ} أي: لم نترك {منهم أحدًا}. {وعُرِضُوا على ربك}، شبهت حالتهم بحال جُنْدٍ عُرِضَ على السلطان، ليأمر فيهم بما يأمر. وفي الالتفات إلى الغيبة، وبناء الفعل للمفعول، مع التعرض لعنوان الربوبية، والإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - من تربية المهابة، والجري على سَنَن الكبراء، وإظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم - ما لا يخفى. قاله أبو السعود. {صَفًّا} أي: مصْطَفِّينَ غير متفرقين ولا مختلطين، كل أمة صَفٌّ، وفي الحديث الصحيح: "حديث : يَجْمَعُ اللهُ الأولين والآخرين في صَعِيدٍ واحِد، صفوفًا، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِيِ وَيَنْفُذُهُم البَصَرُ..." تفسير : الحديث بطوله. وفي حديث آخر: "حديث : أهل الجنة، يوم القيامة، مائة وعشرون صفًا، أنتم منها ثمانون صفًا ". تفسير : يقال لهم - أي: للكفرة منهم: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أولَ مرة}، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم. أو: حفاة عراة غُرْلاً، كما في الحديث. وهذه المخاطبة، بهذا التقريع، إنما هي للكفار المنكرين للبعث، وأما المؤمنون المُقِرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة، ويدل عليه ما بعده من قوله: {بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدًا} أي: زعمتم في الدنيا أنه، أي: الأمر والشأن، لن نجعل لكم وقتًا يَتَنَجَّزُ فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه. وهو إضراب وانتقال من كلام، إلى كلام، كلاهما؛ للتوبيخ والتقريع. {ووضع الكتاب} أي: كتاب كل أحد، إما في يمينه أو شماله، وهو عطف على: {عُرِضوا}، داخلٌ تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها، وأورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي؛ لتحقق وقوعه، وإيثار الإفراد؛ للاكتفاء بالجنس، والمراد: صحائف أعمال العباد. ووضعها إما في أيدي أصحابها يمينًا وشمالاً، أو في الميزان. {فترى المجرمين} قاطبة، المنكرون للبعث وغيرهم، {مشفقين}: خائفين {مما فيه} من الجرائم والذنوب، {ويقولون}، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه؛ نقيرًا أو قطميرًا: {يا ويلتنا} أي: ينادون بتهلكتهم التي هُلكوها من بين التهلكات، ومستدعين لها؛ ليهلكوا، ولا يرون تلك الأهوال، أي: يا ويلتنا احضري؛ فهذا أوان حضورك، يقولون: {ما لهذا الكتاب لا يُغادرُ}: لا يترك {صغيرةً ولا كبيرةً} من ذنوبنا {إلا أحصاها} أي: حواها وضبطها، وجملة {لا يغادر}: حال محققة؛ لِمَا في الاستفهام من التعجب، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر، كأنه قيل: ما شأنه حتى يتعجب منه؟ فقال: لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، {ووجدوا ما عملوا} في الدنيا من السيئات، أو جزاء ما عملوا {حاضرًا}: مسطورًا عتيدًا، {ولا يظلم ربُّك أحدًا}، فيكتب ما لم يعمل من السيئات، أو يزيد في عقابه المستحق له. والله تعالى أعلم. الإشارة: ويوم نُسير جبال الحس، أو الوهم، عن بساط المعاني، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد، إلا على أَكْمَهَ لا يُبصر القمر في حال كماله، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية، فلم نغادر منهم، أي: ممن ذهب عنه الحس والوهم، أحدًا، وعُرضوا على ربك؛ لشهود أنوار جماله وجلاله، صفًا، للقيام بين يديه، فيقول لهم: لقد جئتمونا من باب التجريد، كما خلقناكم أول مرة، مُطَهَّرِينَ من الدنس الحسي، غائبين عن العلائق والعوائق، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا، وإنما موعده الجنة، ومن مات عن شهود حسه، وعن حظوظه، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسي، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه، ووجود العبد: ذَنْبٌ لا يقاس به ذنب، فَنَصْبُ الموازين، ومناقشةُ الحسابِ؛ إنما هو لأهل الحجاب، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم، الباقون بربهم، لم يبق لهم ما يُحاسبون عليه؛ إذ لا يشهدون لهم فعلاً، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا. والله تعالى أعلم. ولمّا كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب، ذكر وبالَهُ بإثر الحشر والحساب، أو تقول: لمَّا ذكر قصة الرجلين ذكر قُبح صنيع من افتخر بنفسه، وأنه شبيه بإبليس، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلاً في حزبه. وقال الواحدي ثم الله تعالى نبيه أن يذكر لهؤلاء المتكبرين عن مجالسة

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {تسير} لتأنيث الجبال ورفع الجبال، لأنه اسم ما لم يسم فاعله، ولانه قال {أية : وسيرت الجبال فكانت سراباً}، تفسير : ولأن ابياً قرأ {ويوم سيرت الجبال}، فاذا كان الماضي {سيرت} كان المضارع تسير. الباقون {نسير} بالنون، اخبار من الله تعالى عن نفسه. ونصب الجبال وهو مفعول به لـ {نسير} وحجتهم قوله {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً} ونصب {ويوم نسير} باضمار فعل، وتقديره واذكر يا محمد (صلى الله عليه وسلم) يوم نسير الجبال. وقوله {وترى الأرض بارزة} أي ظاهرة فلا يتستر منها شيء، لان الجبال إذا سيرت عنها وصارت دكا ملساء ظهرت وبرزت. وقيل {وترى الأرض بارزة} أي يبرز ما فيها من الكنوز والأموات، فهو مثل قول النبي (صلى الله عليه وسلم) "حديث : ترمي الارض بافلاذ كبدها" تفسير : وأجاز بعض البصريين ان ينصب {ويوم} بقوله {والباقيات الصالحات خير ثواباً} في يوم تسير الجبال فـ {الباقيات الصالحات} قيل الطاعات. وقيل الصلوات الخمس وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال (القيام بالليل لصلاة الليل). وسمع بعضهم عزّى صديقاً له، فقال: ابنك كان زينة الدنيا، ولو بقي كان سيداً مثلك، وإذ استأثر الله به، فجعله من الباقيات الصالحات، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا، فتسلى بذلك. يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) اذكر يوم نسير الجبال، والتسيير تطويل السير وقد يكون بمعنى ان يجعله يسير، وهذا هو معنى تسيير الجبال، وانما يسيرها [الله تعالى، ويخبر به، لما في ذلك من الاعتبار في الدنيا. وقيل يسيرها] بأن يجعلها هباء منبثاً، ومعنى {وترى الأرض بارزة} أي لا شيء يسترها، يحشر الخلائق حتى يكونوا كلهم على صعيد واحد، ويرى بعضهم بعضاً، وكل ذلك من هول يوم القيامة، أخبر الله به للاعتبار به والاستعداد بما يخلص من أهواله. وقوله {وحشرناهم} أي بعثناهم وأحييناهم بعد أن كانوا أمواتاً {فلم نغادر منهم أحداً} أي لم نترك واحداً منهم لا نحشره. والمغادرة الترك، ومنه الغدر ترك الوفاء، ومنه الغدير لترك الماء فيه. وقيل: نغادر نخلف. وقيل: أغدرت وغادرت واحد. وقوله {وعرضوا على ربك صفاً} قيل معناه انهم يعرضون صفاً بعد صف كالصفوف فى الصلاة. وقيل المعنى انهم يعرضون على ربهم لا يخفى منهم أحد فكأنهم صف واحد. وقيل: انهم يعرضون، وهم صف، ويقال لهم {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} يعني جئتم الى الموضع الذي لا يملك الأمر فيه أحد إلا الله، كما خلقناكم أول مرة لا تملكون شيئاً. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال "حديث : يحشرون حفاة عراة عزّلا" تفسير : فقالت عائشة: أفما يحتشمون يومئذ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) {لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه} ويقال لهم أيضاً {بل زعمتم} في دار الدنيا {أن لن نجعل لكم موعداً} يعني يوم القيامة، وانكم انكرتم البعث والنشور. ثم قال تعالى {ووضع الكتاب} يعني الكتب التي فيها أعمالهم مثبتة {فترى المجرمين مشفقين مما فيه} اي يخافون من وقوع المكروه بهم والاشفاق الخوف من وقوع المكروه مع تجويز ألا يقع، وأصله الرقة، ومنه الشفق: الحمرة الرقيقة التي تكون في السماء، وشفقة الانسان على ولده رقته عليه. وقوله {ويقولون} الواو واو الحال وتقديره قائلين {يا ويلتنا} وهذه لفظة، من وقع فى شدة دعا بها و {ما لهذا الكتاب} اي شيء لهذا الكتاب {لا يغادر صغيرة ولا كبيرة} أي لا يترك صغيرة ولا كبيرة من المعاصي {إلا أحصاها} بالعدد وحواها. و {لا يغادر} في موضع نصب على الحال {ووجدوا ما عملوا حاضراً} اخبار منه تعالى أنهم يجدون جزاء ما عملوا فى ذلك الموضع، ولا يبخس الله أحداً حقه فى ذلك اليوم ولا ينقصه ثوابه الذي استحقه. وقيل معناه ووجدوا أعمالهم مثبتة كلها ويعاقب كل واحد على قدر معصيته.

الجنابذي

تفسير : {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} بجعلها هباءً منبثّاً فى الجوّ وهو عطف على عند ربّك او هو بتقدير ذكّر والجملة باعتبار المعنى {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} من تحت الجبال وخلف التّلال بحيث لا يكون فيها تلال ووهاد {وَحَشَرْنَاهُمْ} للحساب فى تلك الارض البارزة والجملة امّا حال، وماضوّيتها بالنّسبة الى عاملها، او عطف وما ضوّيتها لتحقّق وقوعها {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} لا محسناً ولا مسيئاً.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ} عطف على عند أو مفعول لاذكر محذوف أو يقول: ونقول لهم يوم إلى آخره ومفعول هذا القول على هذا الوجه هو قوله: لقد محذوف أى جئتمونا إلى آخره وعلى الوجهين الأولين يكون قوله: لقد جئتمونا الخ مفعولا لقول مقدر مستأنف بعد قوله صفًّا أى نقول أو يقول لهم: لقد جئتمونا أو مفعولا لحال أى قائلا: لقد الخ. وصاحب الحال ربك أو قائلين: لقد فيكون صاحب الحال ضمير نغادر أو حشرنا أو نائباً لقول. والقول حال من الواو فى عرضوا أو هاء حشرناهم أى مقولا لهم: لقد جئتمونا الخ. {نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} بالنون والتشديد ونصب الجبال أى نصيِّرها سائرة فى الهواء ونجعلها هباء منثوراً وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالتاء مضمومة وفتح المثناة التحتية والتشديد ورفع الجبال. وقرئ تسير بالتاء مفتوحة وكسر السين وإسكان المثناة التحتية ورفع الجبال. {وَتَرَى} يا محمد أو يا من تأتى منه الرؤية مطلقاً. {الأَرْضَ} بالنصب وقرئ وترى الأرض بضم التاء والضاد. {بَارِزةً} ظاهرة ليس عليها ما يسترها بكونه عليها وكونها من ورائه كجبل وبناء وشجر ونبات لزوال ذلك كله. وقيل: المراد أنه يبرز الموتى الموتى منها وما فيها من كنز فيقدر مضاف أى وترى الأرض بارزاً مضمونها أو محوبها أو مظروفها أو نحو ذلك أو يقال: إنه من إسناد ما للحال للمحل فما للحال هو البروز والحال الموتى والكنوز والمحل الأرض. {وَحَشَرْنَاهُمْ} جمعناهم إلى الموقف بالشام لنحاسبهم والهاء للكفار بدليل قوله: {أية : بل زعمتم}تفسير : الخ ولو كان الحشر يعم المؤمن والكافر وسائر الحيوان. وقيل: لا يحشر إلا الملائكة والإنس والجن. ويجوز عود الهاء للمؤمنين والكافرين فيكون الخطاب فى زعمتم للمجموع لا للجمع والمراد به الكفار. {فَلَمْ نُغَادِرْ} لم يترك يقال: غادره وأغدره تركه. ومنه الغدر وهو ترك الوفاء والغدير للماء الذى خلفه السيل. وقرئ يغادر بالمثناة التحتية أى لم يترك الله {مِنْهُمْ أَحَداً} بلا حشر بل حشر الكل.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} ظرف لنقول محذوفا ناصبا لقوله، "لقد جئتمونا، أو مفعول لا ذكر محذوفا أو معطوف على عند أى خير عند ربك فى الدنيا يثيبك عليها فى الدنيا، بما هو دنيوى وزيادة ما هو دينى {ويوم نُسيِّر الجبال} أى يوم القيامة، وتسيير الجبال إِمرارها كإمرار السحاب إِلى حيث شاء الله بعد جعلها كالرمل الهائل، وفى الخفة كالصوف المندوف، أو فى لون ما صبغ، فإن كانت تغيب فى الأرض قلعت وفعل بها ذلك. أو تسييرها تفريقها بعد ذلك كالهباء، وعبارة بعض أنها تنفصل أولا عن الأرض، وتسير فى الجو، ثم تسقط وتصير كثيبًا مهيلا، ثم هباء منتثًا. {وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً} ظاهرة من تحت الجبال، ومن كل ما يستر بعضها من كدية أو جبل أو بناء أو شجر أو جدار أو غيرها، وتسويتها كهذه الصفحة البيضاء المنبسطة. {وَحَشَرْنَاهُمْ} إِلى الموقف، وصيغة المضى لتحقيق الوقوع، وكذلك يتحقق التسيير، ورؤية الأرض بارزة، لكن الحشر أحق بذلك، لأنه أكثر ذكراً فى إنكار المشركين، أو المضى أو صيغة المضى للدلالة على أن الحشر قبل التسيير ليشاهدوا ما وعدهم من التسيير للجبال، وظهور الأرض وغير ذلك من الأهوال، على أن الواو للحال قبل: قد المقدرة، وقيل: ذلك قبل البعث، وقيل: التسيير والبروز عند النفخة الأولى، وفساد العالم، والحشر عند الثانية. {فَلَمْ نُغَادِرْ} نترك، ومنه الغدر بمعنى ترك الوفاء بما وعد به، أو ترك الوفاء بما اعتيد، ومنه غدير الماء لذهاب السيل عنه. {مِنْهُمْ أَحَدًا} أى من المشركين المنكرين للبعث، وفيهم الكلام كما قال: "أية : بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً"تفسير : [الكهف: 48] ولو كان البعث لكل ذى روح الملائكة والجن والإنس وسائر ما فيه الروح.

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ} منصوب باذكر مضمراً أي اذكر يوم نقلع الجبال من أماكنها ونسيرها في الجو كالسحاب كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل: 88]، وقيل: نسير أجزاءها بعد أن نجعلها هباء منبثاً والكلام على هذا على حذف مضاف، وجوز أن يكون التسيير مجازاً عن الإذهاب والافناء بذكر السبب وإرادة المسبب أي واذكر يوم نذهب بها وننسفها نسفاً فيكون كقوله تعالى: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5-6]، واعترض / كلا الأمرين بأن صيرورة الجبال هباء منبثاً وإذهابها بعد تسييرها فقد ذكر بعض المحققين أخذاً من الآيات أنه أولاً تنفصل الجبال عن الأرض وتسير في الجو ثم تسقط فتصير كثيباً مهيلاً ثم هباء منبثاً، والظاهر هنا أول أحوال الجبال ولا مقتضي للصرف عن الظاهر. ثم المراد بذكر ذلك تحذير المشركين ما فيه من الدواهي التي هي أعظم من ثالثة الأثافي، وجوز أبو حيان وغيره كون {يَوْمَ} ظرفاً للفعل المضمر عند قوله تعالى {أية : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } تفسير : [الكهف: 48] الخ أي قلنا يوم كذا لقد جئتمونا، وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى هناك، وغير واحد كونه معطوفاً على ما قبله من قوله تعالى: {أية : عِندَ رَبّكَ} تفسير : [الكهف: 46] فهو معمول {أية : خَيْرٌ} تفسير : [الكهف: 46] أي الباقيات الصالحات خير عند ربك ويوم القيامة، وحينئذ يتعين أن يكون المراد من {أية : عِندَ رَبّكَ} تفسير : [الكهف: 46] في حكمه تعالى كما قيل به. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو والحسن وشبل وقتادة وعيسى والزهري وحميد وطلحة واليزيدي والزبيري عن رجاله عن يعقوب {تسير الجبال} برفع الجبال وبناء تسير بالتاء ثالثة الحروف للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعينه، وعن الحسن أنه قرأ كذلك إلا أنه جاء بالياء آخر الحروف بدل التاء، وقرأ أبـي (سيرت الجبال) بالماضي المبني للمفعول ورفع الجبال، وقرأ ابن محيصن ومحبوب عن أبـي عمرو {تسير الجبال} بالمضارع المفتتح بالتاء المثناة من فوق المبني للفاعل ورفع الجبال. {وَتَرَى ٱلأَرْضَ} خطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية أي وترى جميع جوانب الأرض {بَارِزَةً} بادية ظاهرة أما ظهور ما كان منها تحت الجبال فظاهر، وأما ماعداه فكانت الجبال تحول بينه وبين الناظر قبل ذلك أو تراها بارزة لذهاب جميع ما عليها من الجبال والبحار والعمران والأشجار وإنما اقتصر على زوال الجبال لأنه يعلم منه زوال ذلك بطريق الأولى، وقيل: إسناد البروز إلى الأرض مجاز، والمراد ترى أهل الأرض بارزين من بطنها وهو خلاف الظاهر. وقرأ عيسى {وَتَرَى ٱلأَرْضَ} ببناء الفعل للمفعول ورفع الأرض. {وَحَشَرْنَـٰهُمْ} أي جمعناهم إلى الموقف من كل أوب بعد أن أقمناهم من قبورهم ولم يذكر لظهور إرادته، وعلى ما قبل يكون ذلك مذكوراً. وإيثار الماضي يعد {نُسَيّرُ} و{تَرَى} للدلالة على تحقق الحشر المتفرع على البعث الذي ينكره المنكرون وعليه يدور أمر الجزاء وكذا الكلام فيما عطف عليه منفياً وموجباً. وقال الزمخشري هو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك اهـ. واعترض بأن في بعض الآيات مع الأخبار ما يدل على أن التسيير والبروز عند النفخة الأولى وفساد نظام العالم والحشر وما عطف عليه عند النفخة الثانية فلا ينبغي حمل الآية على معنى وحشرناهم قبل ذلك لئلا تخالف غيرها فليتأمل. ثم لا يخفى أن التعبير بالماضي على الأول مجاز وعلى هذا حقيقة لأن المضي والاستقبال بالنظر إلى الحكم المقارن له لا بالنسبة لزمان التكلم. والجملة عليه كما في «الكشف» وغيره تحتمل العطف والحالية من فاعل {نُسَيّرُ}. وقال أبو حيان: الأوْلى: جعلها حالاً على هذا القول، وأوجبه بعضهم وعلله بأنها لو كانت معطوفة لم يكن مضي بالنسبة إلى التسيير والبروز بل إلى زمان التكلم فيحتاج إلى التأويل الأول، ثم قال: وتحقيقه أن صيغ الأفعال موضوعة لأزمنة التكلم إذا كانت مطلقة فإذا جعلت قيوداً لما يدل على زمان كان مضيها وغيره بالنسبة إلى زمانه اهـ وليس بشيء، والحق عدم الوجوب، وتحقيق ذلك أن الجمل التي ظاهرها التعاطف يجوز فيها / التوافق والتخالف في الزمان فإذا كان في الواقع كذلك فلا خفاء فيه وإن لم يكن فلا بد للعدول من وجه، فإن كان أحدهما قيداً للآخر وهو ماض بالنسبة إليه فهو حقيقة ووجهه ما ذكر ولا تكون الجملة معطوفة حينئذ، فإن عطفت وجعل المضي بالنسبة لأحد المتعاطفين فلا مانع منه وهل هو حقيقة أو مجاز محل تردد، والذي يحكم به الإنصاف اختيار قول أبـي حيان من أولوية الحالية على ذلك، والقول بأنه لا وجه له لا وجه له، وحينئذ يقدر قد عند الأكثرين أي وقد حشرناهم. {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي لم نترك، يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر الذي هو ترك الوفاء، والغدير الذي هو ماء يتركه السيل في الأرض. وقرىء {يغادر} بالياء التحتية على أن الضمير لله تعالى على طريق الالتفات. وقرأ قتادة {تغادر} بالتاء الفوقية على أن الضمير للأرض كما في قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}تفسير : [الإنشقاق: 4] وجوز أبو حيان كونه للقدرة. وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم كذلك أو بفتح الدال مبنياً للمفعول ورفع (أحد) على النيابة عن الفاعل. وقرأ الضحاك {نغدر} بضم النون وإسكان الغين وكسر الدال.

سيد قطب

تفسير : انتهى الدرس السابق بالحديث عن الباقيات الصالحات؛ فهنا يصله بوصف اليوم الذي يكون للباقيات الصالحات وزن فيه وحساب، يعرضه في مشهد من مشاهد القيامة. ويتبعه في السياق بإشارة إلى ما كان من إبليس يوم أمر بالسجود لآدم ففسق عن أمر ربه للتعجيب من ابناء آدم الذين يتخذون الشياطين أولياء، وقد علموا أنهم لهم أعداء، وبذلك ينتهون إلى العذاب في يوم الحساب. ويعرج على الشركاء الذين لا يستجيبون لعبادهم في ذلك اليوم الموعود. هذا وقد صرف الله في القرآن الأمثال للناس ليقوا أنفسهم شر ذلك اليوم، ولكنهم لم يؤمنوا، وطلبوا أن يحل بهم العذاب أو أن يأتيهم الهلاك الذي نزل بالأمم قبلهم. وجادلوا بالباطل ليغلبوا به الحق، واستهزأوا بآيات الله ورسله. ولولا رحمة الله لعجل لهم العذاب.. هذا الشوط من مشاهد القيامة، ومن مصارع المكذبين يرتبط بمحور السورة الأصيل في تصحيح العقيدة، وبيان ما ينتظر المكذبين، لعلهم يهتدون. {ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة، وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً. وعرضوا على ربك صفاً. لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً. ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه؛ ويقولون: يا ويلتنا! مال هـذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟ ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً}. إنه مشهد تشترك فيه الطبيعة ويرتسم الهول فيه على صفحاتها وعلى صفحات القلوب. مشهد تتحرك فيه الجبال الراسخة فتسير، فكيف بالقلوب، وتتبدى فيه الأرض عارية، وتبرز فيه صفحتها مكشوفة لا نجاد فيها ولا وهاد، ولا جبال فيها ولا وديان. وكذلك تتكشف خبايا القلوب فلا تخفى منها خافية. ومن هذه الأرض المستوية المكشوفة التي لا تخبئ شيئاً، ولا تخفي أحداً: {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً}. ومن الحشر الجامع الذي لا يخلف أحداً إلى العرض الشامل: {وعرضوا على ربك صفاً}.. هذه الخلائق التي لا يحصى لها عدد، منذ أن قامت البشرية على ظهر هذه الأرض إلى نهاية الحياة.. هذه الخلائق كلها محشورة مجموعة مصفوفة، لم يتخلف منها أحد، فالأرض مكشوفة مستوية لا تخفي أحداً. وهنا يتحول السياق من الوصف إلى الخطاب. فكأنما المشهد حاضر اللحظة، شاخص نراه ونسمع ما يدور فيه. ونرى الخزي على وجوه القوم الذين كذبوا بذلك الموقف وأنكروه: {لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً}. هذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يحيي المشهد ويجسمه. كأنما هو حاضر اللحظة، لا مستقبل في ضمير الغيب في يوم الحساب. وإننا لنكاد نلمح الخزي على الوجوه، والذل في الملامح. وصوت الجلالة الرهيب يجبه هؤلاء المجرمين بالتأنيب: {ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} وكنتم تزعمون أن ذلك لن يكون: {بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً}! وبعد إحياء المشهد واستحضاره بهذا الالتفات من الوصف إلى الخطاب يعود إلى وصف ما هناك: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه} فهذا هو سجل أعمالهم يوضع أمامهم، وهم يتملونه ويراجعونه، فإذا هو شامل دقيق. وهم خائفون من العاقبة ضيقو الصدور بهذا الكتاب الذي لا يترك شاردة ولا واردة، ولا تند عنه كبيرة ولا صغيرة: {يقولون: يا ويلتنا. مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، إلا أحصاها؟} وهي قولة المحسور المغيظ الخائف المتوقع لأسوأ العواقب، وقد ضبط مكشوفاً لا يملك تفلتا ولا هرباً، ولا مغالطة ولا مداورة: {ووجدوا ما عملوا حاضراً} ولاقوا جزاء عادلاً: {ولا يظلم ربك أحداً}.. هؤلاء المجرمون الذين وقفوا ذلك الموقف كانوا يعرفون أن الشيطان عدو لهم، ولكنهم تولوه فقادهم إلى ذلك الموقف العصيب. فما أعجب أن يتولوا إبليس وذريته وهم لهم عدو منذ ما كان بين آدم وإبليس: {وإذا قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو، بئس للظالمين بدلاً}. وهذه الإشارة إلى تلك القصة القديمة تجيء هنا للتعجيب من أبناء آدم الذين يتخذون ذرية إبليس أولياء من دون الله بعد ذلك العداء القديم. واتخاذ إبليس وذريته أولياء يتمثل في تلبية دواعي المعصية والتولي عن دواعي الطاعة. ولماذا يتولون أعداءهم هؤلاء، وليس لديهم علم ولا لهم قوة. فالله لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فيطلعهم على غيبه. والله لا يتخذهم عضداً فتكون لهم قوة: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، وما كنت متخذ المضلين عضداً}.. إنما هو خلق من خلق الله، لا يعلمون غيبه، ولا يستعين بهم سبحانه.. {وما كنت متخذ المضلين عضداً} فهل يتخذ الله سبحانه غير المضلين عضداً؟ وتعالى الله الغني عن العالمين، ذو القوة المتين.. إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها. فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع الله، إنما يسلكون هذا المسلك توهماً منهم أن للشيطان علماً خفياً، وقوة خارقة. والشيطان مضل، والله يكره الضلال والمضلين. فلو أنه ـ على سبيل الفرض والجدل ـ كان متخذاً له مساعدين، لما اختارهم من المضلين! وهذا هو الظل الذي يراد أن يلقيه التعبير.. ثم يعرض مشهد من مشاهد القيامة يكشف عن مصير الشركاء ومصير المجرمين: {ويوم يقول: نادوا شركائي الذين زعمتم. فدعوهم فلم يستجيبوا لهم. وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفاً}.. إنهم في الموقف الذي لا تجدي فيه دعوى بلا برهان. والديان يطالبهم أن يأتوا بشركائهم الذين زعموا، ويأمرهم أن يدعوهم ليحضروا.. وإنهم لفي ذهول ينسون انها الآخرة، فينادون. لكن الشركاء لا يجيبون! وهم بعض خلق الله الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً في الموقف المرهوب. وقد جعل الله بين المعبودين وعبادهم مهلكة لا يجتازها هؤلاء ولا هؤلاء.. إنها النار {وجعلنا بينهم موبقاً}. ويتطلع المجرمون، فتمتلئ نفوسهم بالخوف والهلع، وهم يتوقعون في كل لحظة أن يقعوا فيها. وما أشق توقع العذاب وهو حاضر، وقد أيقنوا أن لا نجاة منها ولا محيص: {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها، ولم يجدوا عنها مصرفاً}. ولقد كان لهم عنها مصرف، لو أنهم صرفوا قلوبهم من قبل للقرآن، ولم يجادلوا في الحق الذي جاء به، وقد ضرب الله لهم فيه الأمثال ونوعها لتشمل جيمع الأحوال: {ولقد صرفنا في هـذا القرآن للناس من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}.. ويعبر السياق عن الإنسان في هذا المقام بانه {شيء} وأنه أكثر شيء جدلا. ذلك كي يطامن الإنسان من كبريائه، ويقلل من غروره، ويشعر أنه خلق من مخلوقات الله الكثيرة. وأنه أكثر هذه الخلائق جدلاً. بعد ما صرف الله في هذا القرآن من كل مثل. ثم يعرض الشبهة التي تعلق بها من لم يؤمنوا ـ وهم كثرة الناس ـ على مدار الزمان والرسالات: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبلاً}.. فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء.. ولكنهم كانوا يطلبون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم من هلاك ـ استبعاداً لوقوعه واستهزاء ـ أو أن يأتيهم العذاب مواجهة يرون أنه سيقع بهم. وعندئذ فقط يوقنون فيؤمنون! وليس هذا أو ذاك من شأن الرسل. فأخذ المكذبين بالهلاك ـ كما جرت سنة الله في الأولين بعد مجيء الخوارق وتكذيبهم بها ـ أو إرسال العذاب.. كله من أمر الله. أما الرسل فهم مبشرون ومنذرون: {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين. ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق. واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا}. والحق واضح. ولكن الذين كفروا يجادلون بالباطل ليغلبوا به الحق ويبطلوه. وهم حين يبطلون الخوارق، ويستعجلون بالعذاب لا يبتغون اقتناعاً، إنما هم يستهزئون بالآيات والنذر ويسخرون. {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه. إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً}.. فهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله ونذره لا يرجى منهم أن يفقهوا هذا القرآن، ولا أن ينتفعوا به. لذلك جعل الله على قلوبهم أغطية تحول دون فقهه، وجعل في آذانهم كالصمم فلا يستمعون إليه. وقدر عليهم الضلال ـ بسبب استهزائهم وإعراضهم ـ فلن يهتدوا إذن ابداً. فللهدى قلوب متفتحة مستعدة للتلقي. {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب}.. ولكن الله يمهلهم رحمة بهم، ويؤخر عنهم الهلاك الذي يستعجلون به، ولكنه لن يهملهم: {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً}.. موعد في الدنيا يحل بهم فيه شيء من العذاب. وموعد في الآخرة يوفون فيه الحساب. ولقد ظلموا فكانوا مستحقين للعذاب أو الهلاك كالقرى قبلهم. لولا أن الله قدر إمهالهم إلى موعدهم، لحكمة اقتضتها إرادته فيهم، فلم يأخذهم أخذ القرى؛ بل جعل لهم موعداً آخر لا يخلفونه: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا. وجعلنا لمهلكهم موعداً}.. فلا يغرنهم إمهال الله لهم، فإن موعدهم بعد ذلك آت. وسنة الله لا تتخلف. والله لا يخلف الميعاد..

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } تفسير : [الكهف: 45]. فلفظ (يومَ) منصوب بفعل مضمر، تقديره: اذكر، كما هو متعارف في أمثاله. فبعد أن بين لهم تعرض ما هم فيه من نعيم إلى الزوال على وجه الموعظة، أعقبه بالتذكير بما بعد ذلك الزوال بتصوير حال البعث وما يترقبهم فيه من العقاب على كفرهم به، وذلك مقابلة لضده المذكور في قوله: { أية : والباقيات الصالحات خير } تفسير : [الكهف: 46]. ويجوز أن يكون الظرف متعلقاً بمحذوف غير فعل (اذكر) يدل عليه مقام الوعيد مثل: يَرون أمراً مفظعاً أو عظيماً أو نحو ذلك مما تذهب إلى تقديره نفس السامع. ويقدر المحذوف متأخراً عن الظرف وما اتصل به لقصد تهويل اليوم وما فيه. ولا يجوز أن يكون الظرف متعلقاً بفعل القول المقدر عند قوله: {لقد جئتمونا} إذ لا يناسب موقعَ عطف هذه الجملة على التي قبلها، ولا وجه معه لتقديم الظرف على عامله. وتسيير الجبال: نقلها من مواضعها بزلزال أرضي عظيم، وهو مثل قوله تعالى: { أية : وإذا الجبال سيرت } تفسير : [التكوير: 3] وقوله تعالى: { أية : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } تفسير : [النّمل: 88]. وقيل: أطلق التسيير على تناثر أجزائها. فالمراد: ويوم نسير كل جبل من الجبال، فيكون كقوله: { أية : وتكون الجبال كالعهن المنفوش } تفسير : [القارعة: 5] وقوله: { أية : وبست الجبال بساً فكانت هباءً منبثاً } تفسير : [الواقعة: 5 6] وقوله: { أية : وسيرت الجبال فكانت سراباً } تفسير : [النبأ: 20]. والسبب واحد، والكيفيتان متلازمتان، وهو من أحوال انقراض نظام هذا العالم، وإقبال عالم الحياة الخالدة والبعث. وقرأ الجمهور {نسير} بنون العظمة. وقرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو {ويوم تُسيّر الجبال} بمثناة فوقية ببناء الفعل إلى المجهول ورفع {الجبال}. والخطاب في قوله: {وترى الأرض بارزة} لغير معين. والمعنى: ويرى الرائي، كقول طرفة:شعر : ترى جُثْوَتَيْن من تراب عليهما صفائحُ صمٌّ من صَفيح مُنَضد تفسير : وهو نظير قوله: { أية : فترى المجرمين مشفقين مما فيه } تفسير : [الكهف: 49]. والبارزة: الظاهرة، أي الظاهر سطحها، إذ ليس عليها شيء يستر وجهها من شجر ونبات أو حيوان، كقوله تعالى: { أية : فإذا هم بالساهرة } تفسير : [النازعات: 14]. وجملة {وحشرناهم} في موضع الحال من ضمير {تُسير} على قراءة من قرأ بنون العظمة، أو من الفاعل المنوي الذي يقتضيه بناء الفعل للنائب على قراءة من قرأ {تُسير الجبالُ} بالبناء للنائب. ويجوز أن نجعل جملة {وحشرناهم} معطوفة على جملة {نسير الجبال} على تأويله بــــ (نحشرهم) بأن أطلق الفعل الماضي على المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه. والمغادرة: إبقاء شيء وتركه من تعلق فعل به، وضمائر الغيبة في {حشرناهم} و{منهم} ــــ {وعُرضوا} عائدة إلى ما عاد إليه ضمير الغيبة في قوله: { أية : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } تفسير : [الكهف: 45]. وعَرض الشيء: إحضاره ليُرى حاله وما يحتاجه. ومنه عرض الجيش على الأمير ليرى حالهم وعدتهم. وفي الحديث «حديث : عُرضت عليّ الأمم»تفسير : وهو هنا مستعار لإحضارهم حيث يعلمون أنهم سيتلقون ما يأمر الله به في شأنهم. والصف: جماعة يقفون واحداً حذو واحد بحيث يبدو جميعهم لا يحجب أحد منهم أحداً. وأصله مصدر (صفهم) إذا أوقفهم، أطلق على المصفوف. وانتصب {صفاً} على الحال من واو {عُرضوا}. وتلك الحالة إيذان بأنهم أحضروا بحالة الجناة الذين لا يخفى منهم أحد إيقاعاً للرعب في قلوبهم. وجملة {وعرضوا على ربك} معطوفة على جملة {وحشرناهم}، فهي في موضع الحال من الضمير المنصوب في {حشرناهم}، أي حشرناهم وقد عرضوا تنبيهاً على سرعة عرضهم في حين حشرهم. وعدل عن الإضمار إلى التعريف بالإضافة في قوله: {على ربك} دون أن يقال (علينا) لتضمن الإضافة تنويهاً بشأن المضاف إليه بأن في هذا العرض وما فيه من التهديد نصيباً من الانتصار للمخاطب إذ كذبوه حين أخبرهم وأنذرهم بالبعث. وجملة {لقد جئتمونا} مقولٌ لقول محذوف دل عليه أن الجملة خطاب للمعروضين فتعين تقدير القول، وهذه الجملة في محل الحال. والتقدير: قائلين لهم لقد جئتمونا. وذلك بإسماعهم هذا الكلام من جانب الله تعالى وهم يعلمون أنه من جانب الله تعالى. والخطاب في قوله: {لقد جئتمونا} موجه إلى معاد ضمير {عُرضوا}. والخبر في قوله: {لقد جئتمونا} مستعمل في التهديد والتغليظ والتنديم على إنكارهم البعث. والمجيء: مجاز في الحضور، شبهوا حين موتهم بالغائبين وشبهت حياتهم بعد الموت بمجيء الغائب. وقوله: {كما خلقناكم أول مرة} واقع موقع المفعول المطلق المفيد للمشابهة، أي جئتمونا مجيئاً كخلقكم أول مرة. فالخلق الثاني أشبه الخلق الأول، أي فهذا خلق ثانٍ. و (ما) مصدرية، أي كخلقنا إياكم المرة الأولى، قال تعالى: { أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد } تفسير : [ق: 15]. والمقصود التعريض بخطئهم في إنكارهم البعث. والإضراب في قوله: بل زعمتم ألن نجعل لكم موعداً} انتقال من التهديد وما معه من التعريض بالتغليط إلى التصريح بالتغليط في قالب الإنكار؛ فالخبر مستعمل في التغليط مجازاً وليس مستعملاً في إفادة مدلوله الأصلي. والزعم: الاعتقاد المخطىء، أو الخبر المعرَّض للكذب. والموعد أصله: وقت الوعد بشيء أو مكان الوعد. وهو هنا الزمن الموعود به الحياة بعد الموت. والمعنى: أنكم اعتقدتم باطلاً أن لا يكون لكم موعد للبعث بعدا لموت أبداً.

الشنقيطي

تفسير : قوله "ويوم" منصوب باذكر مقدراً. أو بفعل القول المحذوف قبل قوله: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ}تفسير : [الأنعام: 94] أي قلنا لهم يوم نسير الجبال: لقد جئتمونا فرادى. وقول من زعم أن العامل فيه "خير" يعني والباقيات الصالحات خير يوم نسير الجبال - بعيد جداً كما ترى. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن يوم القيامة يختل فيه نظام هذا العالم الدنيوي، فتسير جباله، وتبقى أرضه بارزة لا حجر فيها ولا شجر، ولا بناء ولا وادي ولا علم - ذكره في مواضع أخر كثيرة، فذكر أنه يوم القيامة يحمل الأرض والجبال من أماكنهما، ويدكهما دكة واحدة، وذلك في قوله: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}تفسير : [الحاقة: 13-15] الآية. وما ذكره من تسيير الجبال في هذه الآية الكريمة ذكره أيضاً في مواضع أخر، كقوله: {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً وَتَسِيرُ ٱلْجِبَالُ سَيْراً}تفسير : [الطور: 9-10]، وقوله: {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}تفسير : [النبأ:20]، وقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 3]، وقوله: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ}تفسير : [النمل: 88] الآية. ثم ذكر في مواضع أخر - أنه جل وعلا يفتتها حتى تذهب صلابتها الحجرية وتلين، فتكون في عدم صلابتها ولينها كالعهن المنفوش، وكالرمل المتهايل، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ}تفسير : [المعارج: 8-9]، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ }تفسير : [القارعة: 4-5] والعهن: الصوف. وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً}تفسير : [المزمل: 14]، وقوله تعالى: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً}تفسير : [الواقعة: 5] أي فتتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، على أشهر التفسيرات. ثم ذكر جل وعلا أنه يجعلها هباء وسراباً. قال: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً}تفسير : [الواقعة: 5-6] وقال: {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً }تفسير : [النبأ: 20]. وبين في موضع آخر - أن السراب عبارة عن لا شيء. وهو قوله {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ}تفسير : [النور: 39] - إلى قوله - {أية : لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور: 39]. وقوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو "تسير الجبال" بالتاء المثناة الفوقية وفتح الياء المشددة من قوله "تسير" مبنياً للمفعول. و{الجبال} بالرفع نائب فاعل {نسير} والفاعل المحذوف ضمير يعود إلى الله جل وعلا. وقرأه باقي السبعة "نسير" بالنون وكسر الياء المشددة مبنياً للفاعل، و"الجبال" منصوب مفعول به، والنون في قوله "نسير" للتعظيم. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} البروز: الظهور. أي ترى الأرض ظاهرة منكشفة لذهاب الجبال والظراب والآكام، والشجر والعمارات التي كانت عليها. وهذا المعنى الذي ذكره هنا - بينه أيضاً في غير هذا الموضع. كقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً}تفسير : [طه: 105-107]. وأقوال العلماء في معنى ذلك راجعة إلى شيء واحد، وهو أنها أرض مستوية لا نبات فيها، ولا بناء ولا ارتفاع ولا انحدار. وقول من قال: إن معنى {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} أي بارزاً ما كان في بطنها من الأموات والكنوز - بعيداً جداً كما ترى. وبروز ما في بطنها من الأموات والكنوز دلت عليه آيات أخر. كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ}تفسير : [الانشقاق: 4]، وقوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [العاديات: 9-10]، وقوله: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا}تفسير : [الزلزلة: 2]، وقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}تفسير : [الانفطار: 4]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وحشرناهم} أي جمعناهم للحساب والجزاء. وهذا الجمع المعبر عنه بالحشر هنا - جاء مذكوراً في آيات أخر، كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الواقعة: 49-50]، وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [النساء: 87] الآية، وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ}تفسير : [التغابن: 9]، وقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}تفسير : [هود: 103]. وقوله: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأنعام: 22] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر - أن هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}تفسير : [الأنعام: 38]. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} اي لم نترك. والمغادرة: الترك. ومنه الغدر. لأنه ترك الوفاء والأمانة. وسمي الغدير من الماء غديراً، لأن السيل ذهب وتركه. ومن المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته: شعر : هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم تفسير : وقوله أيضاً: شعر : غادرته متعفراً أوصاله والقوم بين مجرح ومجدل تفسير : وما ذكره في هذه الآية الكريمة - من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحداً - جاء مبيناً في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأنعام: 22] الآية، ونحوها من الآيات، لأن حشرهم جميعاً هومعنى أنه لم يغادر منهم أحداً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نُسير الجبال: أي تقتلع من أصولها وتصير هباءً منبثاً. بارزة: ظاهرة إذ فنى كل ما كان عليها من عمران. فلم نغادر: لم نترك منهم أحداً. موعداً: أي ميعاداً لبعثكم أحياء للحساب والجزاء. ووضع الكتاب: كتاب الحسنات وكتاب السيئات فيؤتاه المؤمن بيمينه والكافر بشماله.. مشفقين: خائفين. يا ويلتنا: أي يا هلكتنا احضري هذا أوَان حُضُورك. لا يغادر صغيرة: أي لا يترك صغيرة من ذنوبنا ولا كبيرة إلا جمعها عَدَّاً. ما عملوا حاضراً: مثبتاً في كتابهم، مسجلاً فيها. معنى الآيات: لما ذكر تعالى مآل الحياة الدنيا وأنه الْفَناء والزوال ورغَّب في الصالحات وثوابها المرجو يوم القيامة، ناسب ذكر نبذة عن يوم القيامة، وهو يوم الجزاء على الكسب في الحياة الدنيا قال تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ} أي اذكر {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ} أي تقتلع من أصولها وتصير هباءً منبثاً، {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} ظاهرة ليس عليها شيء، فهي قاع صفصف {وَحَشَرْنَاهُمْ} أي جمعناهم من قبورهم للموقف {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} أي لم نترك منهم أحداً كائناً من كان، {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ} أيها الرسول صفاً وقوفاً أذلاء، وقِيلَ لهم توبيخاً وتقريعاً: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} لا مال معكم ولا سلطان لكم بل حفاة عراة غُرلاً، جمع أغرل، وهو الذي لم يختتن. وقوله تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ} أي ادعيتم كذباً أنا لا نجمعكم ليوم القيامة، ولن نجعل لكم موعداً فها أنتم مجموعون لدينا تنتظرون الحساب والجزاء، وفي هذا من التوبيخ والتقريع ما فيه، وقوله تعالى في الآية {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} يخبر تعالى عن حال العرض عليه فقال: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} أي كتاب الحسنات والسيئات وأعطى كل واحدٍ كتابه فالمؤمن يأخذه بيمينه والكافر بشماله، {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ} في تلك الساعة {مُشْفِقِينَ} أي خائفين {مِمَّا فِيهِ} أي في الكتاب من السيآت {وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا} ندماً وتحسراً ينادون يا ويلتهم وهي هلاكهم قائلين: {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} من ذنوبنا {إِلاَّ أَحْصَاهَا} أي أثبتها عَدّاً. وقوله تعالى: في آخر العرض {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً} أي من خير وشر مثبتاً في كتابهم، وحوسبوا به، وجوزوا عليه {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} بزيادة سيئة على سيئاته أو بنقص حسنة من حسناته، ودخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرضها على مسامع المنكرين لها. 2- يبعث الإنسان كما خلقه الله ليس معه شيء، حافياً عارياً لم يقطع منه غلفة الذكر. 3- تقرير عقيدة كتب الأعمال في الدنيا وإعطائها أصحابها في الآخرة تحقيقاً للعدالة الإِلهية. 4- نفي الظلم عن الله تعالى وهو غير جائز عليه لغناه المطلق وعدم حاجته إلى شيء.

القطان

تفسير : بارزة: ظاهرة ليس على وجهها شيء. حشرناهم: سقناهم الى الموقف. فلم نغادر: لم نترك. وعرضوا: أُحضروا للفصل والحساب. صفا: مصطفين. ووضع الكتاب: جعل كتاب كل انسان في يده. مشفقين: خائفين. الويل: الهلاك. احصاها: عدها. بعد ان بين الله تعالى ان الدنيا فانية زائلة، وانه لا ينبغي ان يعتزَّ أحدٌ بِزخْرفها ونعيمها، أردف هنا بذِكر مشاهدِ يوم القيامة وما فيها من أهوال، وانه لا ينجيّ في ذلك اليوم الا من آمنَ وعمل صالحا، ولا ينفع الانسانَ مالٌ ولا بنون ولا جاهٌ ولا مناصب. اذكر أيها الرسول للناس وأنذِرْهم يومَ نُفني هذا الوجودَ ونقتلع هذه الجبالَ من أماكنها ونسيّرها ونجعلها هباء منثورا، كما قال تعالى في سورة النمل 88: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ}.تفسير : وتبصر في ذلك اليوم الأرضَ ظاهرة مستوية لا عوج فيها ولا وادي ولا جبل. {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً}. وجمعنا الناس وبعثناهم من قبورهم فلم نترك احدا، كما قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ}تفسير : [هود:104]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يُحشَر الناس حفاةً عراة.. فقلت: الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: الأمر أشدُّ من ان يهمَّهم ذلك"تفسير : وزاد النِّسائي: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 36]، يعني من شدّة الهول لا ينظر أحد إلى غيره. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر: "ويوم تُسيَّر الجبالُ" بضم التاء ورفع الجبال، والباقون "نسير" بضم النون ونصب الجبال. ثم بين كيفية حشرِ الخلق وعرضِهم على ربهم بقوله: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً... }. ويعرَض الناس في ذلك اليوم على الله في جموع مصفوفة ويقول الله تعالى: لقد بعثناكم بعدَ الموت كما أحييناكم أولَ مرة، وجئتمونا فُرادى حفاةً عراةً لا شيء معكم من المال والولد، وقد كنتم في الدنيا تكذِّبون بالبعث والجزاء. ووُضع كتابُ الأعمال في يد كل واحد، فيبصره المؤمنون فَرِحين بما فيه، ويبصره الجاحدون فتراهم خائفين مما فيه من الأعمال السيئة. وعند ذلك يقولون: يا ويلَنا ما لِهذا الكتابِ لا يترك صغيرةً ولا كبيرة الا بيَّنها بالتفصيل والدّقة وعدَّها!!. ثم اكد الله ذلك بقوله: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}. ووجدوا أمامهم في كتابهم كلَّ عملٍ عملوه مثبتا، والله سبحانَه عادلٌ لا يظلم أحداً من خَلْقه بل يعفو ويصفح، ويغفر ويرحم، ويعذّب من يشاء بحكمته وعدله. أخرج ابن المنذر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ان الله تعالى ينادي يوم القيامة: يا عبادي، أَنَا الله لا اله إِلا أَنا أرحمُ الراحمين وأَحكَم الحاكمين وأَسرع الحاسبين، أحضِروا حجّتكم، ويسِّروا جوابكم، فإنكم مسئولون محاسَبون ".

د. أسعد حومد

تفسير : {وَحَشَرْنَاهُمْ} (47) - وَاذْكُرْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، مَا يَكُونُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ، إِذْ يَقْتَلِعُ اللهُ تَعَالَى الجِبَالَ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَيُسَيِّرُهَا فِي الجَوِّ كَالسَّحَابِ، وَيَجْعَلُهَا هَبَاءً مَنْثُوراً، فَتَذْهَبُ الجِبَالُ، وَتَتَسَاوَى المِهَادُ، وَتُصْبِحُ الأَرْضُ قَاعاً صَفْصَفاً، لاَ تَرَى فِيهِ عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً، وَلاَ أَدِيماً، وَلاَ جَبَلاً. وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ تَظْهَرُ الأَرْضُ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ وَاحِدٌ، وَلاَ بِنَاءٌ، وَلاَ شَجَرٌ، وَلاَ مَكَانٌ يُوَارِي أَحَداً، بَلْ يَكُونُ الخَلقُ كُلُّهُمْ ضَاحُونَ لِرَبِّهِمْ، وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، وَيَحْشُرُ اللهُ تَعَالَى الخَلاَئِقَ كُلَّهُمْ فَيَجْمَعُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَلاَ يَتْرُكُ مِنْهُمْ صَغِيراً وَلاَ كَبِيراً. بَارِزَةً - ظَاهِرَةً لاَ يَسْتُرُهَا شَيْءٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: اذكر جيداً يوم نُسيِّر الجبال وتنتهي هذه الدنيا، واعمل الباقيات الصالحات لأننا سنُسيّر الجبال التي تراها ثابتة راسخة تتوارث الأجيال حجمها وجِرْمها، وقوتها وصلابتها، وهي باقية على حالها. ومعنى تسيير الجبال: إزالتها عن أماكنها، كما قال في آية أخرى: {أية : وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً}تفسير : [النبأ: 20]. وقال في آية أخرى {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 3] وقال: {أية : وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ}تفسير : [المرسلات: 10] وقال : {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ * وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ}تفسير : [المعارج: 8-9]. ونلحظ أن الحق سبحانه ذكر أقوى مظهر ثابت في الحياة الدنيا، وإلا ففي الأرض أشياء أخرى قوية وثابتة كالعمائر ناطحات السحاب، والشجر الكبير الضخم المعمّر وغيرها كثير. فإذا كان الحق سبحانه سينسف هذه للجبال ويُزيلها عن أماكنها، فغيرها مما على وجه الأرض زائل من باب أَوْلَى. ثم يقول سبحانه: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} [الكهف: 47]. الأرض: كُلّ ما أقلَّك من هذه البسيطة التي نعيش عليها، وكل ما يعلوك ويُظِلُّك فهو سماء، ومعنى: {بَارِزَةً} البَرَازُ: هو الفضاء، أي: وترى الأرض فضاءً خالية مما كان عليها من أشكال الجبال والمباني والأشجار، حتى البحر الذي يغطي جزءاً كبيراً من الأرض. كل هذه الأشكال ذهبتْ لا وجودَ لها، فكأن الأرض بَرزَتْ بعد أنْ كانت مختبئة: بعضها تحت الجبال، وبعضها تحت الأشجار، وبعضها تحت المباني، وبعضها تحت الماء، فأصبحتْ فضاء واسعاً، ليس فيه مَعْلَمٌ لشيء. ومن ذلك ما نُسمِّيه نحن المبارزة، فنرى الفتوة يقول للآخر (اطلع لي بره) أي: في مكان خال حتى لا يجد شيئاً يحتمي به، أو حائطاً مثلاً يستند عليه، وبرز فلان لفلان وبارزه أي: صارعه. {وَحَشَرْنَاهُمْ} [الكهف: 47] أي: جمعناهم ليوم الحساب؛ لأنهم فارقوا الدنيا على مراحل من لَدُن آدم عليه السلام، والموت يحصد الأرواح، وقد جاء اليوم الذي يُجمع فيه هؤلاء. {فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 47] أي: لم نترك منهم واحداً، الكلُّ معروض على الله، وكلمة {نُغَادِرْ} [الكهف: 47] ومادة (غدر) تؤدي جميعها معنى الترْك، فالغدر مثلاً تَرْك الوفاء وخيانة الأمانة، حتى غدير وهو جدول الماء الصغير سُمِّي غديراً؛ لأن المطر حينما ينزل على الأرض يذهب ويترك شيئاً قليلاً في المواطئ. ثم يقول الحق سبحانه: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً} يعني ظاهرةٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حال يوم القيامة، وما فيه من الأهوال المقلقة، والشدائد المزعجة فقال: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ } أي: يزيلها عن أماكنها، يجعلها كثيبا، ثم يجعلها كالعهن المنفوش، ثم تضمحل وتتلاشى، وتكون هباء منبثا، وتبرز الأرض فتصير قاعا صفصفا، لا عوج فيه ولا أمتا، ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض، فلا يغادر منهم أحدا، بل يجمع الأولين والآخرين، من بطون الفلوات، وقعور البحار، ويجمعهم بعدما تفرقوا، ويعيدهم بعد ما تمزقوا، خلقا جديدا، فيعرضون عليه صفا ليستعرضهم وينظر في أعمالهم، ويحكم فيهم بحكمه العدل، الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } أي: بلا مال، ولا أهل، ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال، التي عملوها، والمكاسب في الخير والشر، التي كسبوها كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } تفسير : وقال هنا، مخاطبا للمنكرين للبعث، وقد شاهدوه عيانا: { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا } أي: أنكرتم الجزاء على الأعمال، ووعد الله ووعيده، فها قد رأيتموه وذقتموه، فحينئذ تحضر كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة الكرام فتطير لها القلوب، وتعظم من وقعها الكروب، وتكاد لها الصم الصلاب تذوب، ويشفق منها المجرمون، فإذا رأوها مسطرة عليهم أعمالهم، محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم، قالوا: { يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا } أي: لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة، إلا وهي مكتوبة فيه، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا نهار، { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } لا يقدرون على إنكاره { وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } فحينئذ يجازون بها، ويقررون بها، ويخزون، ويحق عليهم العذاب، ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد، بل هم غير خارجين عن عدله وفضله.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} [47]. 324 - أنا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد، نا حاتم، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: حدثني القاسم بن محمد، أن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: / "حديث : تُحشرون يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلاً" قالت عائشة: قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأمر أشد من أن يَهُمهم ".