١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} «صفًّا» نصب على الحال. قال مقاتل: يعرضون صفًّا بعد صفٍّ كالصفوف في الصلاة، كل أمة وزمرة صفا؛ لا أنهم صفّ واحد. وقيل جميعاً؛ كقوله {أية : ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً} تفسير : [طه: 64] أي جميعاً. وقيل قياماً. وخرّج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن مَنْدَه في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع يا عبادي أنا الله لا إلٰه إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أَحْضِروا حجتكم ويسّروا جواباً فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». تفسير : قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية، ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة، ومنه نقلناه والحمد لله. {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي يقال لهم: لقد جئتمونا حُفاةً عُراة، لا مالَ معكم ولا ولداً. وقيل فرادَى؛ دليله قوله {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 94]. وقد تقدم. وقال الزجاج: أي بعثناكم كما خلقناكم. {بَلْ زَعَمْتُمْ} هذا خطاب لمنكري البعث؛ أي زعمتم في الدنيا أن لن تُبعثوا وأن لن نجعل لكم موعداً للبعث. وفي صحيح مسلم حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراة غُرْلاً قلت: يا رسول اللهٰ الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة، الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض»تفسير : . «غُرْلاً» أي غير مختونين. وقد تقدم في «الأنعام» بيانه.
البيضاوي
تفسير : {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ} شبه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان لا ليعرفهم بل ليأمر فيهم. {صَفَّا } مصطفين لا يحجب أحد أحد. {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} على إضمار القول على وجه يكون حالاً أو عاملاً في يوم نسير. {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عراة لا شيء معكم من المال والولد كقوله {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ } أو أحياء كخلقتكم الأولى لقوله: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} وقتاً لإنجاز الوعد بالبعث والنشور وأن الأنبياء كذبوكم به، وبل للخروج من قصة إلى أخرى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّا } حال أي مصطفين كل أمة صفّ ويقال لهم {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي فرادى حفاة عراة غُرْلاً، ويقال لمنكري البعث {بَلْ زَعَمْتُمْ أ} مخففة من الثقيلة أي أنه {لَنْ نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } للبعث.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَفّاً} بعد صف كصفوف الصلاة.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر سبحانه حشرهم، وكان من المعلوم أنه للعرض، ذكر كيفية ذلك العرض، فقال بانياً الفعل للمفعول عل طريقة كلام القادرين، ولأن المخوف العرض لا كونه من معين: {وعرضوا على ربك} أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك {صفاً} لاتساع والمسايقة إلى داره، لعرض أذل شيء وأصغره، وأطوعه وأحقره، يقال لهم تنبيهاً على مقام العظمة: {لقد جئتمونا} أحياء سويين حفاة عراة غرلاً {كما خلقناكم} بتلك العظمة {أول مرة} منعزلين من كل شيء كنتم تجمعونه وتفاخرون به منقادين مذعنين فتقولون {أية : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} تفسير : [يس: 52] فيقال لكم: {بل زعمتم} أي ادعيتم جهلاً بعظمتنا {أن} أي أنا {لن نجعل لكم} على ما لنا من العظمة {موعداً *} أي مكاناً ووقتاً نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز ما وعدناكم به على ألسنة الرسل {ووضع} بأيسر أمر بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة {الكتاب} المضبوط فيه دقائق الأعمال وجلائلها على وجه بيِّن لا يخفى على قارىء ولا غيره شيء منه {فترى المجرمين} لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها {مشفقين مما فيه } من قبائح أعمالهم، وسيىء أفعالهم وأقوالهم أي خائفين دائماً خوفاً عظيماً من عقاب الحق والفضيحة عند الخلق {ويقولون} أي يجددون ويكررون قولهم: {ياويلتنا} كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك {مال هذا الكتاب} أي أي شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا، ورسم لام الجر وحده إشارة إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب، وفسروا حال الكتاب التي أفظعتهم وسألوا عنها بقولهم: {لا يغادر} أي يترك أي يقع منه غدر، أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء: تركه كأن كلاًّ منهما يريد غدر الآخر، أي عدم الوفاء به، من الغدير - لقطعة من الماء يتركها السيل كأنه لم يوف لهما بأخذ ما معه، وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي {صغيرة} أي من أعمالنا. ولما هالهم إثبات جميع الصغائر، بدؤوا بها، وصرحوا بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيداً لأن المقام للتهويل وتعظيم التفجع، وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه - فقالوا: {ولا كبيرة إلا أحصاها} ولما كان الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه، نفى ذلك بقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً} كتابة وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه أو يظلم من عادوهم فيه {ولا يظلم ربك} الذي رباك بخلق القرآن {أحداً * } منهم ولا من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب، بل يجازى الأعداء بما يستحقون، تعذيباً لهم وتنعيماً لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم؛ روى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال: فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: " حديث : يحشر الله عز وجل الناس - أو قال: العباد - حفاة عراة بهما قلت: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات ". تفسير : ولما ذكر البعث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه، أتبعه - بما له من الفضل - بابتداء الخلق الذي هو دليله، في سياق مذكر بولايته الموجبة للإقبال عليه، وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه، مبين لما قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر على آدم عليه السلام بأصله، فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم وعشائرهم، فكان فعلهم فعله سواء، فكان قدوتهم وهو عدوهم، ولم يقتدوا بخير خلقه وهو وليهم وهو أعرف الناس به، فقال تعالى عاطفاً على { واضرب}: {وإذ} أي واذكر لهم إذ {قلنا} بما لنا من العظمة {للملائكة} الذين هم أطوع شيء لأوامرنا وإبليس فيهم، قال ابن كثير: وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك، ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة {اسجدوا لآدم} أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها {فسجدوا} كلهم {إلا إبليس} فكأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: {كان} أي لأنه كان {من الجن} المخلوقين من نار، ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت نورانيتها مشوبة بكدورة وإحراق، عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور، مع ما كان غلب عليه من العبادة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان - وفي رواية: إبليس - من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"تفسير : . وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الجن كانت قبيلة من الملائكة. ولما كان أكثر الجن مفسداً، رجوعاً إلى الأصل الذي هو النار المحرقة لما لاصقها، المفسدة له، سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى: {ففسق} أي خرج، يقال: فسقت الفأرة من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد. {عن أمر ربه} أي سيده ومالكه المحسن إليه بإبداعه، وغير ذلك من اصطناعه، في شأن أبيكم، إذ تكبر عليه فطرده ربه من أجلكم، فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء، فإن من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجواً، ومن كانت خطيئته في معصية كان صلاحه مرجواً، ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت، والتكلم لأنه أنص على المقصود من التوحيد: {أفتتخذونه} أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم فيكون ذلك سبباً لأن تتخذوه {وذريته} شركاء لي {أولياء} لكم {من دوني} أي اتخاذاً مبتدئاً من غيري أو من أدنى رتبة من رتبتي، ليعم الاتخاذ استقلالاً وشركة، ولو كان المعنى: من دون - أي غير - اتخاذي، لأفاد الاستقلال فقط، ولو كان الاتخاذ مبتدئاً منه بأن كان هو الآمر به لم يكن ممنوعاً، وأنا وليكم المفضل عليكم {وهم لكم} ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو شبيه بالمغالاة في نحو القول، أغنى عن صيغة الجمع فقال: {عدو} إشارة إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد. ولما كان هذا الفعل أجدر شيء بالذم، وصل به قوله تعالى: {بئس} وكان الأصل: لكم، ولكنه أبرز هذا الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم فقال تعالى: {للظالمين بدلاً *} إذا استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ولي.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً}. يقيم كُلَّ واحدٍ يومَ العَرْضِ في شاهد مخصوص، ويُلْبِسُ كُلاً ما يُؤَهِّله له؛ فَمِنْ لباسِ تقوى، ومن قميصِ هوى، ومن صِدَارِ وَجْدٍ، ومن صُدْرَةِ محبة، ومن رداءِ شوقٍ، ومن حُلَّة وُصْلَة. ويقال يجرِّدهم عن كلِ صفة إلا ما عليه نظرهم يوم القيامة. وينادي المنادي على أجسادهم: هذا الذي أَتَى وَوَجَدَ، وهذا الذي أَبَى وَجَحَدَ وهذا الذي خالَفَ فأَصَرَّ، وهذا الذي أنعمنا عليه فَشَكَرَ، وهذا الذي أحْسَنَّا إليه فَذَكَرَ. وهذا الذي أسقيناه شرابَنا، ورزقناه محابَّنا، وشَوَّقناه إلى لقائنا، ولَقَّيْنَاه خصائص رِعَائِنا. وهذا الذي وَسَمْناه بحجبتنا، وحرمناه وجُوُهَ قربتنا. وألبسناه نطاق فراقنا، ومنعناه، توفيق وفاقنا، وهذا، وهذا... شعر : واخجلتي من وقوفي وَسْطَ دارِهِمُ! وقال لي مُغْضَباً: مَنْ أنت يا رجلُ؟ تفسير : قوله جلّ ذكره: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً}. جئتمونا بلا شفيعٍ ولا ناصر، ولا مُعينِ ولا مُظاهِر. قوم يُقال لهم: سلامٌ عليكم... كيف أنتم؟ وكيف وَجَدْتُم مقيلَكم؟ وكم إلى لقائنا اشتقتم! وقوم يُقال لهم: ما صنعتُم، وما ضَيَّعْتُم؟ ما قدَّمتُم، وما أخرتم؟ ما أعلنتم، وما أسررتُم؟ شعر : قُلْ لي بألسنةِ التنفُّسِ كيف أنت وكيف حالك؟ تفسير : ويقال يجيب بعضهم عند السؤال فيُفْصِحون عن مكنون قلوبهم، ويشرحون ما هم به من أحوالٍ مع محبوبهم. وأخرون تملكهم الحيرة وتُسْكِتُهم الدهشة، فلا لهم بيان، ولا ينطق عنهم لسان. وآخرون كما قيل: شعر : قالت سكينةُ مَنْ هذا فقلتُ لها: أنا الذي أنتِ من أعدائه زَعمُوا
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} يعرف كل صنف من اهل المقامات والولايات وكل من له دعوى من بساط عزته بما هم فيه فى ايام البلاء فى دار العناء فيشهد كل شاهد مشهده فمن شاهد يشهد مشاهد المنة ومن شاهد يشهد مشاهد الوصلة ومن شاهد يشهد مشاهد الصفات ومن شاهد يشهد مشاهد الذات فمن كان مشربه المحبة فيكون فى بحر الجمال ومن كان مشربه الهيبة فهو فى بحر الجلال ومن كان مشربه المعرفة فهو فى بحر الصفات ومن كان مشربه التوحيد فهو فى بحر الذات ومن كان مشربه الجولان فى الافعال فموضعه مقام الجوار فى الجنان ومن كان محجوبا فى الدنيا عن هذه الاحوال فموضعه النيران قال الاستاد يقيم كل واحد يوم العرض فى شاهد مخصوص ويلبس كلا بما هو اهله فمن لباس تقوى ومن قميص هدى ومن صدار وجد ومن صدرة محبة ومن لبسة شوق ومن حلة وصلة ويقال يجردهم عن كل صفة الا ما عليه فطرهم يوم القيامة فينادى المنادى على احادهم هذا الذى اطاع واتقى وهذا الذى عصى وطغى وهذا الذى اتى ووجد وهذا الذى ابى وجحد وهذا الذى عرف فاقر وهذا الذى خالف فاصر وهذا الذى انعمنا عليه فشكر وهذا الذى احسنا اليه فكفر وهذا الذى سقيناه شرابنا ورزقناه محابنا وشوقناه الى لقائنا ولقيناه خصائص ارعائنا وهذا الذى وسمناه بحجتنا وحرمناه وجوه قربتنا والبسناه نطاق فراقنا ومنعناه توفيق وفاقنا وهذا وهذا واخجلتا من وقوفى وسط دراهم اذ قال لى معرضا من انت يا رجل ومعنى قوله سبحانه {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} شاهدوا الحق على وصف فطرة الاوليّة حيث لا اعمال ولا احوال ولا نطق ولا اقوال محتاجين الى عين منه ينظرون بها اليه والى سمع منه يسمعون بها منه والى قلب يعقلون به عنه والى روح يعيشون به وهم هناك على حد الفناء عن اوصاف الخليقة مغلوبين باسرار قهر الازل دهشين بين يدى جبروته كانهم يخرجون من العدم عاجزين فى انوار القدم يسالون عنهم على اى شئ كنتم وعلى اى موقف وقفتم من معرفة الجلال ومحبة الجمال فيهيجهم فضله العميم وكرمه القديم الى نطق بالجواب فيقولون نحن ما كنا فى مهاد الولاية شاربين البان الزلفة من ثدى القربة ساكنين عن غبار الوحشة والان جئناك على لباس العبودية ملامين فى دار المحبة شعر : قالت سكينة من هذا فقلت لها انا الذى انت من اعدائه زعموا
اسماعيل حقي
تفسير : {وعرضوا} اى الخلائق يوم القيامة يعنى المحشورين {على ربك} على حكمه وحسابه {صفا} مفرد منزل منزلة الجمع كقوله تعالى {أية : ثم يخرجكم طفلا}تفسير : اى اطفالا والمعنى صفوفا يقف بعضهم وراء بعض غير متفرقين ولا مختلطين شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان ليحكم فيهم بما اراد لا ليعرفهم {لقد جئتمونا} اى فيقال لهم ثمة لقد جئتمونا كائنين {كما خلقناكم اول مرة} حفاة عراة لا شئ من المال والولد. حديث : وعن عائشة رضى الله عنها قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة قال "عراة حفاة" قلت والنساء قال "نعم" قلت يا رسول الله نستحيى قال "يا عائشة الامر اشد من ذلك لن يهمهم ان ينظر بعضهم الى بعض " تفسير : وفى التأويلات {وعرضوا على ربك صفا} اى صفا صفا من الانبياء والاولياء والمؤمنين والكافرين والمنافقين ويقال لهم {لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة} فى خمسة صفوف صف من الانبياء وصف من الاولياء وصف من المؤمنين وصف من الكافرين وصف من المنافقين {بل زعمتم} ايها الكافرون المنكرون للبعث والزعم الادعاء بالكذب {ان} مخففة من الثقيلة {لن نجعل لكم موعدا} بل للخروج والانتقال من قصة الى اخرى كلاهما للتوبيخ والتقريع اى زعمتم فى الدنيا انه لن نجعل لكم ابدا وقتا ننجز فيه ما وعدناه على ألسنة الانبياء من البعث وما يتبعه. والآية تشير الى عزته تعالى وعظمته واظهار شظية من صفة جلاله وقهره وآثار عد له لينتبه النائمون من نوم غفلتهم ويتأهب الغافلون باسباب النجاة لذلك اليوم ويصلحوا امر سريرتهم وعلانيتهم لخطاب الحق تعالى وجوابه اذ اليه المرجع والمآب والعرض على الله هو العرض الاكبر ليس كعرض على الملوك. قال عتبة الخواص بات عندى عتبة الغلام فبكى حتى غشى عليه فقلت ما يبكيك قال ذكر العرض على الله قطع او صل المحبين - حكى - ان سليمان بن عبد الملك وهو سابع خلفاء المروانية قال لابى حازم ما لنا نكره الآخرة قال لانكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهون الانتقال من العمران الى الخراب فقال صدقت يا ابا حازم فياليت شعرى مالنا عند الله تعالى غدا قال ان شئت تعلم ذلك ففى كتاب الله فقال اين اجده فقال فى قوله {أية : ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم}تفسير : قال فكيف يكون العرض على الله تعالى فقال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله مسرورا واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه محسورا فبكى سليمان بكاء شديدا: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : نريزد خدا آب روى كسى كه ريزد كناه آب جشمش بسى كر آيينه ازآه كردد سياه شود روشن آينيه دل زآه بترس ازكناهان خويش اين نفس كه روز قيامت نترسى زكس بليدى كند كربه در جاى باك جو زشتش نمايد بيوشد بخاك تو آزادى ازنا بسنديدها نترسى كه بروى فتد ديدها بر انديش ازبنده بر كناه كه ازخواجه غائب شود جندكاه اكرباز كردد بصدق ونياز بزنجير وبندش نيار ندباز تفسير : - روى - عن الفضيل بن عياض رحمه الله انه قال انى لا اغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحاأليس هؤلا ء يعاينون القيامة واهوالها وانما اغبط من لم يخلق لانه لا يرى احوال القيامة وشدائدها وذلك لان من عاين الامر على ما هو عليه اشتد خوفه ولم ير لنفسه حالا ولا مقاما مع ان المرأ لا يخلو عن اسباب منجية ومهلكة فأى الرجال المهذب - روى - ان عمر رضى الله عنه رؤى بعد موته بثنتى عشرة سنة وهو يمسح جبينه ويقول كنت فى الحساب الى الآن وقد نوقشت فى جدى سقط من جسر مكسور فانكسرت رجله على انى لم اجرم له ولم اصلح الجسر حتى سقط. الجدى ولكن غفر الله لى وعفا عنى بسبب عصفور اشترتيه من صبى فارسلته.
الجنابذي
تفسير : {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} مصطفّين صفوفاً عديدةً كما ورد انّهم فى ذلك اليوم مائة وعشرون الف صفٍّ وذلك بحسب مراتبهم فى القرب والبعد، فانّ بنى آدم بسحب الظّاهر نوع واحد ولكنّهم بحسب الباطن انواع عديدة ولهم مراتب عديدة وكلّ نوع منهم فى مرتبةٍ منها مصطفّ بحسب افراده، ولكلّ مرتبة وصفٍّ نبىٌّ وامامٌ غير من كان للصّفّ الآخر ولذلك كانت الانبياء (ع) بعدد الصّفوف مائة وعشرين الفاً بحسب عدد مراتب بنى آدم {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} استيناف جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كانّه قيل: وما تفعل بهم؟ - وما تقول لهم؟ - فقال: نقول لهم لقد جئتمونا، او حال عن فاعل نسيّر او فاعل حشرنا او مفعوله او فاعل لم نغادر او ضمير منهم او فاعل عرضوا منفرداً او على سبيل التّنازع والكلّ بتقدير القول يعنى نقول لهم لقد جئتمونا منفردين عن الازواج والاولاد والعشائر والمؤانسين وعمّا كسبتم فى الدّنيا من المعايش وعمّا كسبتم من العلوم والصّنائع الخياليّة الدّنيويّة، وعمّا اعطيناكم من القوى والمشاعر الدّنيويّة وعن الاعضاء والآلات البدنيّة الطّبيعيّة، وعمّن اتّخذتم اولياء من دون الله وذلك كقوله تعالى لقد جئتمونا فرادى {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عراة عن ذلك كلّه والتّقييد باوّل مرّة للاشارة الى انّ الاعادة خلقة اخرى ثانية او للاشارة الى انّ الانسان من بدو خلقته كلّ آنٍ فى خلقةٍ اخرى ثانية بناءً على الحركة الجوهريّة، او على تجدّد الامثال، او على تحلّل بدنه واتّحاده مع بدنه، او على تبدّل كيفيّاته {بَلْ زَعَمْتُمْ} لمّا كان قوله لقد جئتمونا ردّاً عليهم فى زعمهم عدم البعث كأنّه قال لقد جئتمونا وما زعمتم المجيء بل زعمتم عدمه حسن الاتيان بكلمة بل {أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ} اى كتب اعمال الخلائق على ان يكون اللاّم للاستغراق، او الكتاب الّذى فيه اعمال الخلائق من الالواح العلويّة على ان يكون اللاّم للعهد، او وضع الكتاب كناية عن نشر الحساب اذا المحاسب يضع كتاب الحساب بين يديه والمراد بوضع الكتاب على الاوّلين وضعه بين ايديهم، او على ايمانهم، وشمائلهم او فى الميزان بناء على انّ صحائف الاعمال توزن {فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} ممّا ثبت فيه من صغائر ذنوبهم وكبائرها {وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا} على طريق يا حسرتنا من تنزيل الاعراض منزلة ذوى العقول ثمّ ندائها {مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ} تعجّبوا منه ومن احصائه جميع اعمالهم وقد رسم فى المصاحف فصل لام لهذا الكتاب من مدخوله اشعاراً بانّهم من غاية دهشتهم يقفون على الجارّ الّذى هو كالجزء من الكلمة {لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً} فعله صغيرة او سوأةً صغيرة {وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} الاّ عدّها {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ} جزاء ما عملوا او نفس ما عملوا بناءً على تجسّم الاعمال او رسم ما عملوا فى الكتاب {حَاضِراً} والاوّلان اولى للتّأسيس {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} بنقص ثوابٍ منه او بالعقوبة له من غير استحقاقٍ، او باظهار مساويه واخفاء محاسنه، او بنسبة ما لا يفعله من المساوى اليه، فى الخبر: اذا كان يوم القيامة رفع الى الانسان كتابه ثمّ قيل: اقرأ فيقرأ ما فيه فيذكره فما من لحظةٍ ولا كلمةٍ ولا نقل قدمٍ الاّ ذكره كأنّه فعله تلك السّاعة فلذلك قالوا: يا ويلتنا (الآية).
الهواري
تفسير : {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً} أي: صفوفاً. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: حديث : أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أيسركم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف، وأنتم منهم ثمانون صفاً تفسير : ذكروا عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (أية : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) تفسير : [الانشقاق:8] قال: حديث : ذلكم العرض ولكن من نوقش الحساب عُذّب . تفسير : قوله: { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: حفاة عراة غرلاً { بَلْ زَعَمْتُمْ} يقول للمشركين { أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً} يعني أن لن تبعثوا. وبلغنا عن الحسن أن عائشة قالت: يا رسول الله، أما يحتشم الناس يومئذٍ بعضهم من بعض؟ قال: حديث : هم أشغل من أن ينظر إلى بعض تفسير : أي: إلى عورة بعض.
اطفيش
تفسير : {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ} كما يعرض الجند على السلطان فعرفهم أو يختبر حالهم أو ليأمر فيهم بأمره فالآية على التمثيل ولو كان الله سبحانه لا تخفى عليه خافية وأمره يدركهم أينما كانوا. وإنما عبّر عن الحشر والعرض وعدم المغادرة بصيغة الماضى لدلالته على أن حشرهم والعرض وعدم المغادرة أمر لا بد منه كأنه قد وقع ومضى. وإنما كان مضى نغادر بلم أو جئ بالحشر وعدم المغادرة بصيغة المضى للدلالة على أنهم يحشرون كلهم قبل تسيير الجبال وبروز الأرض ليعاينوا سيرها وبروزها والواو فى وحشرناهم للعطف ويتبادر كونها حالية على تقدير قد وبدون تقديرها على الخلاف فى جواز كون الحال جملة فعلية فعلها ماض متصرف مجرد من قد وحرف النفى. {صَفًّا} أى مصطفين لا يحجب أحد أحدا لأنهم صف واحد. وقيل: المراد صفا صفا: كل منهم صف وقيل: معنى صفا صافين بأرجلهم أى قائمين. ويقال للناس كلهم أو المنكرى البعث. {لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} فرادى عراة حفاة غير مختونين لا مال ولا ولد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : إنكم أيها الناس تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ألا إن أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم. ألا وإنه يؤتى برجال من أمتى ويؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصاحبى. فيقول.: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} - إلى - {الحكيم} فيقول: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول: سُحقا سُحقا أى بُعداًتفسير : . والغُرلة: الجلدة التى تقطع من الذكر. قيل: المراد بهم الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة. قالت عائشة: حديث : الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمر أشد أن يهمهم ذلك لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيهتفسير : . وفى رواية عنها:حديث : أما يحتشم الناس يومئذ بعضهم من بعض؟ قال: هم شغلوا من أن ينظر بعضهم إلى عورة بعض . تفسير : {بَلْ} لمجرد الانتقال من قصة أخرى كذا قيل {زَعَمْتُمْ} أن مخففة من الثقيلة {أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً} زماناً توعدون البعث إليه أو وقت الوفاء بوعد البعث وزعمتم أن الأنبياء يكذبون فى ادعاء مجئ البعث.
اطفيش
تفسير : {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا} ليحاسبهم ويأمر فيهم، وهو عالم بهم، ولا يتخلف أحد عنه، ولا عن البعث، بل حتى السقط، كما يعرض للجُند على الملك ليعرفهم، أو يأمر فيهم. وذلك على ظاهره، وقيل: استعارة تمثيلية، والمضى عنا وفى لم نغادر كالمضى فى حشرناهم، وصفًّا حال وهو مصدر مبالغة، كأنهم نفس الاصطفاف، أو مصدر يستعمل من يصطف، أو ذوى صف أى اصطفاف، أو صافين أو مصفوفين، وهو حال من واو عرضوا، والمراد صفوف لا صف واحد كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد صفوفًا"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل الجنة مائة وعشرون صفًّا أنتم منها ثمانون صفًا ". تفسير : "وعن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى ينادى يوم القيامة: يا عبادىأنا الله لا إله إِلا أنا، أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، أحضروا حجتكم، ويسروا جوابا، فإنكم مسئولون محاسبون، يا ملائكتى أقيموا عبادى صفوفا على أَطراف أنامل أقدامهم للحساب"تفسير : . وقيل: تقام كل أُمة صفًّا، وقيل: الخلائق صف واحد، وهو المبلغ فى القدرة، وعليه فتارة يكونون صفًّا كظاهر الآية وتارة صفوفًا، وقيل: معنى الصف هنا القيام، كقوله تعالى: "أية : فاذكروا اسم الله عليها صواف" تفسير : [الحج: 36]. {لَقَدْ جِئْتُمُونَا} جئتم إلى محل لا حكم فيه لغيرنا، والخطاب للكفار، {كَمَا خَلَقْنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ} مقول لقول مقدر مستأنف، أى نقول لقد جئتمونا أو مقول لقول مقدر قبل "أية : يوم نُسيِّر" تفسير : [الكهف: 47] كما مر، أو حال من واو عرضوا، وقد قيل لهم: لقد جئتمونا، والمعنى كما خلقناكم أول مرة بلا لباس، ولا مال ولا ولد، ولا ناصر، وبلا ختان، ولا نعال، كما قال عز وجل: "أية : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوَّلناكم وراء ظهوركم"تفسير : [الأنعام: 94] إلخ وإحياء بعد عدم حياة، وبلا نقص واحد منكم عن البعث". والتحقيق أن الكاف توصل الحدث إلى مدخولها، فهى متعلقة لا كما قيل إنها لا تتعلق كالحرف الزائد، فهى متعلقة بجئتمونا، أو بمحذوف نعت لمفعول مطلق، أى مجيئا ثابتا كخلقناكم. {بَلْ} للاضراب الانتقالى من قصة إلى أُخرى، هى أهم منها، وهى تفريع الكفار بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم {زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} وقت وعد للبعث فيه، لا نخلفه، أو وعد البعث لا يخلفه، بل جعلناه لكم كما أخبركم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو صادق سيظهر لكم صدقه، وأن محققة، واسمها ضمير الشأن أو بقدر أننا لن نجعل، أو أنكم وكذا غيركم، لن نجعل لهم.
الالوسي
تفسير : {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ} أحضروا محل حكمه وقضائه عز وجل فيهم {صَفَّاً} مصطفين أو مصفوفين. فقد أخرج ابن منده في «التوحيد» عن معاذ بن جبل أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى ينادي يوم القيامة يا عبادي أنا الله لا إلٰه إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين أحضروا حجتكم ويسروا جواباً فإنكم مسؤولين محاسبون يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب» تفسير : وفي الحديث الصحيح«حديث : يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفاً يسمعهم الداعي وينفذهم البصر»تفسير : الحديث بطوله، وقيل تقام كل أمة وزمرة صفاً. وفي بعض الأخبار «أهل الجنة يوم القيامة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون». وقيل لا عرض بالمعنى المعروف ولا اصطفاف والكلام خارج مخرج الاستعارة التمثيلية شبهت حالهم في حشرهم بحال جند عرضوا على السلطان ليأمر فيهم بما يأمر، وقيل إن فيه استعارة تبعية بتشبيه حشرهم بعرض هؤلاء. ومعنى {صَفَّاً} سواء كان داخلاً في الاستعارة التمثيلية أو كان ترشيحاً غير متفرقين ولا مختلطين فلا تعرض فيه لوحدة الصف وتعدده. ولا حاجة إلى أن يقال: إنه مفرد أريد به الجمع لكونه مصدراً أي صفوفاً أو يقال: إن الأصل صفاً صفاً، على أن هذا مع بعده يرد عليه أن ما يدل على التعدد بالتكرار كباباً باباً وصفاً صفاً لا يجوز حذفه. هذا والحق أن إنكار الاصطفاف مما لا وجه له بعد إمكانه وصحة الأخبار فيه، ولعل ما فسرنا به الآية مما لا غبار عليه. وفي الالتفات إلى الغيبة وبناء الفعل للمفعول مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تربية المهابة والجري على سنن الكبرياء وإظهار اللطف به عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى. وقيل في قوله تعالى: {عَلَىٰ رَبِّكَ} إشارة إلى غضب الله تعالى عليهم وطردهم عن ديوان القبول بعدم جريهم على معرفتهم لربوبيته عز وجل. {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا} خطاب للكفار المنكرين للبعث على إضمار القول، ويكون حالاً مما تقدم فيقدر قائلين أو نقول إن كان حالاً من فاعل (حشرنا) أو قائلاً أو يقول إن كان من {رَبَّكَ} أو مقولاً لهم أو يقال لهم إن كان من ضمير {عرضوا}. / وقد يقدر فعلاً كقلنا أو نقول لا محل لجملته. وجوز تعلق«أية : يَوْمَ»تفسير : [الكهف:47] السابق به على هذا التقدير دون تقدير الحالية. قال الخفاجي: لأنه يصير كغلام زيد ضارباً على أن ضارباً حال من زيد ناصباً لغلام ومثله تعقيد غير جائز لا لأن ذلك قبل الحشر وهذا بعده ولا لأن معمول الحال لا يتقدم عليها كما يتوهم، ثم قال: وأما ما أورد على تعلقه بالفعل في التقدير الثاني من أنه يلزم منه أن هذا القول هو المقصود أصالة فتخيل أغنى عن الرد أنه لا محذور فيه اهـ. والحق أن تعلقه بالقول المقدر حالاً أو غيره مما لا يرتضيه الطبع السليم والذهن المستقيم، ولا يكاد يجوز مثل هذا التركيب على تقدير الحالية وإن قلنا بجواز تقدم معمول الحال عليها فتدبر. والمراد من مجيئهم إليه تعالى مجيئهم إلى حيث لا حكم لأحد غيره سبحانه من المعبودات الباطلة التي تزعم فيها عبدتها النفع والضر وغير ذلك نظير ما قالوا في قوله تعالى: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ }تفسير : [الفاتحة: 4] {كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ} نعت لمصدر محذوف أي مجيئاً كائناً كمجيئكم عند خلقنا لكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ} أو حال من الضمير المرفوع في {جِئْتُمُونَا} أي كائنين كما خلقناكم أول مرة حفاة عراة غرلاً أو ما معكم شيء مما تفتخرون به من الأموال والأنصار لقوله تعالى: {أية : َلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94]. وجوز أن يكون المراد أحياء كخلقتكم الأولى، والكلام عليه إعراباً كما تقدم لكن يخالفه في وجه التشبيه وذاك كما قيل أوفق بما قبل وهذا بقوله تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا} وهو إضراب وانتقال من كلام إلى كلام كلاهما للتوبيخ والتقريع. والموعد اسم زمان. وأن مخففة من المثقلة فصل بينها وبين خبرها بحرف النفي لكونه جملة فعلية فعلها متصرف غير دعاء وفي ذلك يجب الفصل بأحد الفواصل المعلومة إلا فيما شذ. والجعل إما بمعنى التصيير فالجار والمجرور مفعوله الثاني و {مَّوْعِدًا} مفعوله الأول، وإما بمعنى الخلق والإيجاد فالجار والمجرور في موضع الحال من مفعوله وهو {مَّوْعِدًا} أي زعمتم في الدنيا أنه لن نجعل لكم وقتاً ينجز فيه ما وعدنا من البعث وما يتبعه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الخلائق يوم القيامة يعرضون على ربهم صفاً، أي في حال كونهم مصطفين. قال بعض العلماء: صفاً بعد صف. وقال بعضهم: صفاً واحداً وقال بعض العلماء "صفاً" أي جميعاً، كقوله {أية : ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً}تفسير : [طه: 64] على القول فيه بذلك. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل - أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي، أن الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حجتكم ويسروا جواباً فإنكم مسؤولون محاسبون. يا ملائكتي، أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب"تفسير : . قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية. ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نقلناه، والحمد لله. انتهى كلام القرطبي. والحديث المذكور يدل على أن "صفا" في هذه الآية يراد به صفوفاً. كقوله في الملائكة: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22]. ونظير الآية قوله في الملائكة: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً}تفسير : [النبأ: 38]. فإذا علمت أن الله جل وعلا ذكر في هذه الآية الكريمة حالاً من أحوال عرض الخلائق عليه يوم القيامة - فاعلم أنه بين في مواضع أخر أشياء أخر من أحوال عرضهم عليه. كقوله: {أية : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ}تفسير : [الحاقة: 18]. وبين في مواضع أخر ما يلاقيه الكفار، وما يقال لهم عند ذلك العرض على ربهم. كقوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}تفسير : [هود: 18-19]. وقوله في هذه الآية الكريمة {صفاً} أصله مصدر، والمصدر المنكر قد يكون حالاً على حد قوله في الخلاصة: شعر : ومصدر منكر حالاً يقع بكثرة كبغتة زيد طلع تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الآية. هذا الكلام مقول قول محذوف. وحذف القول مطرد في اللغة العربية، كثير جداً في القرآن الكريم العظيم. والمعنى: يقال لهم يوم القيامة لقد جئتمونا، أي والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين، كل واحد منكم فرد لا مال معه ولا ولد، ولا خدم ولا حشم. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}تفسير : [الأنعام: 94]، وقوله: {أية : لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً}تفسير : [مريم: 94-95] وقوله تعالى: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ}تفسير : [الأنبياء: 104] الآية، وقوله: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}تفسير : [الأعراف: 29] تقدم. وقوله في هذه الآية الكريمة: {كما خلقناكم} "ما" مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف. وإيضاح تقريره: ولقد جئتمونا كما خلقناكم، أي مجيئاً مثل مجيء خلقكم، أي حفاة عراة غرلاً كما جاء في الحديث، وخالين من المال والولد. وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر. ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضاً حالاً، أي جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى، لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : ويكثر الجمود في سعر وفي مبدي تأول بلا تكلف كبعه مدا بكذا يداً بيد وكر زيد أسداً أي كأسد تفسير : فقوله "وكر زيد أسداً أي كأسد" مثال لمبدي التأول، لأنه في تأويل كر في حال كونه مشابهاً للأسد كما ذكرنا - واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفاً. لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جداً، ومنه قول الشاعر: شعر : لنحن الألى قلتم فأني ملئتم برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا تفسير : لأن المراد لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة نقاتلهم التي هي مقول القول. وقوله {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا}تفسير : [الأنعام: 94] عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جداً في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: {أية : وَحَشَرْنَاهُمْ}تفسير : [الكهف: 47]، وقوله: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ} [الكهف:48 ]، وقوله: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا}. ومنه قوله: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 1]، وقوله: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}تفسير : [الكهف:99]، وقوله: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ}تفسير : [الزمر: 71]، وقوله: {أية : وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ }تفسير : [الزمر:73] ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا. قوله تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعداً. والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى: أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتاً ولا مكاناً لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب.. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم البعث - جاء مبيناً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ}تفسير : [التغابن: 7] الآية. وقوله عنهم: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}تفسير : [الأنعام: 29]، {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}تفسير : [الدخان: 35] ونحو ذلك من الآيات. وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة. كقوله في هذه السورة الكريمة: {أية : بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ}تفسير : [الكهف: 58]، وقوله {أية : قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ}تفسير : [التغابن: 7] الآية، وقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً}تفسير : [النحل: 38]، وقوله: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 104] والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وقد قدمنا في سورة "البقرة" وسورة "النحل" - البراهين التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {بل زعمتم} إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر، لا إبطالي كما هو واضح. وأن في قوله {أَلَّن نَّجْعَلَ}. مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ضمير الشأن المحذوف. على حد قوله في الخلاصة: وإن تخفف أن.. البيت والفعل المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي. على حد قوله في الخلاصة: وإن يكن فعلاً ولم يكن دعا.. البيتين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 48- ويعرض الناس فى هذا اليوم على الله فى جموع مصفوفة للحساب، ويقول الله تعالى: لقد بعثناكم بعد الموت كما أحييناكم أول مرة، وجئتمونا فرادى بلا مال ولا بنين، وكنتم فى الدنيا تكذبون بالبعث والحساب. 49- ووضع فى يد كل واحد كتاب أعماله، فَيبْصره المؤمنون فرحين مما فيه، ويبصره الجاحدون خائفين مما فيه من الأعمال السيئة، ويقولون إذا رأوها: يا هلاكنا، إنا نعجب لهذا الكتاب الذى لم يترك من أعمالنا صغيرة ولا كبيرة إلا سجَّلها علينا، ووجدوا جزاء ما عملوا حقاً، ولا يظلم ربك أحداً من عباده. 50- واذكر - أيها الرسول - لهم بدء خلقهم ليعلموا أنهم من الطين، وليس لهم أن يغتروا بما هم فيه، ويخضعوا لعدوّ أبيهم إبليس، لأنه كان من الجن، فاستكبر وتمرد على الله، فكيف بعد ما عرفتم من شأنه تتخذونه وذريته أنصاراً لكم من دون الله، وهم لكم أعداء؟! قبُح هذا البدل لمن ظلم نفسه فأطاع الشيطان. 51- ما أحضرت إبليس ولا ذريته خلْق السموات والأرض، ولا أشهدت بعضهم خلْق بعض لأستعين بهم، وما كنت فى حاجة إلى معين. فضلا عن أن أتخذ المفسدين أعواناً، فكيف تطيعون الشيطان وتعصوننى؟. 52- واذكر لهم يوم يقول الله للمشركين: نادوا الذين ادعيتم فى الدنيا أنهم شركائى فى العبادة ليشفعوا لكم بزعمكم، فاستغاثوا بهم فلم يجيبوهم، وجعلنا الآن ما كان بينهم هلاكاً للكفار بعد أن كان فى الدنيا تواصل عبادة ومحبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلَقْنَاكُمْ} {أَلَّن} (48) - وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَحْشُرُ اللهُ الخَلاَئِقَ، فَيَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفّاً وَاحِداً، وَيُقَرِّعُ اللهُ تَعَالَى الكُفَّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ وَالنُّشُورِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَكُنْتُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ هذا لَنْ يَكُونَ، وَالآنَ اسْتَبَانَ لَكُمْ أَنَّهُ حَقٌّ. مَوْعِداً - وَقْتاً لإِنْجَازِ الوَعْدِ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً ..} [الكهف: 48] العرض: أن يستقبل العارض المعروضَ استقبالاً مُنظّماً يدلّ على كُلِّ هيئاته، كما يستعرض القائد الجنود في العرض العسكري مثلاً، فيرى كل واحد من جنوده {صَفّاً} أي: صُفوفاً منتظمة، حتى الملائكة تأتي صُفوفاً، كما قال تعالى: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}تفسير : [الفجر: 22]. أي: أنها عملية مُنظمة لا يستطيع فيها أحد التخفي، ولن يكون لأحد منها مفَرٌّ، وهي صفوف متداخلة بطريقة لا يُخِفي فيها صَفٌّ الصفَّ الذي يليه، فالجميع واضح بكل أحواله. وفي الحديث عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يَحشر الله الخَلْق ثم ينادي: يا عبادي أحضروا حُجتكم ويسِّروا جوابكم، فإنكم مجموعون مُحَاسَبُون مَسْئولون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب ". تفسير : ولك أنْ تتصوَّر المعاناة والألم الذي يجده مَنْ يقف على أطراف أنامل قدميْه؛ لأن ثقل الجسم يُوزَّع على القدمين في حال الوقوف، وعلى المقعدة في حال الجلوس، وعلى الجسم كله في حال النوم، وهكذا يخفّ ثقل الجسم حسب الحالة التي هو عليها، فإنْ تركّز الثقل كله على أطراف أنامل القدمين، فلا شَكَّ أنه وَضْع مؤلم وشاقّ، يصعُب على الناس، حتى إنهم ليتمنون الانصراف ولو إلى النار. ثم يقول تعالى: {لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الكهف: 48]. أي: على الحالة التي نزلتَ عليها من بطن أمك عرياناً، لا تملك شيئاً حتى ما يستر عورتك، وقد فُصِّل هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}تفسير : [الأنعام: 94]. وقوله تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً} [الكهف: 48] والخطاب هنا مُوجَّه للكفار الذين أنكروا البعث والحساب {زَعَمْتُمْ} [الكهف: 48] والزعْم مطيّة الكذب. ثم يقول الحق سبحانه: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):