Verse. 2190 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَاِذْ قُلْنَا لِلْمَلٰۗىِٕكَۃِ اسْجُدُوْا لِاٰدَمَ فَسَجَدُوْۗا اِلَّاۗ اِبْلِيْسَ۝۰ۭ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ اَمْرِ رَبِّہٖ۝۰ۭ اَفَتَتَّخِذُوْنَہٗ وَذُرِّيَّتَہٗۗ اَوْلِيَاۗءَ مِنْ دُوْنِيْ وَہُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ۝۰ۭ بِئْسَ لِلظّٰلِمِيْنَ بَدَلًا۝۵۰
Waith qulna lilmalaikati osjudoo liadama fasajadoo illa ibleesa kana mina aljinni fafasaqa AAan amri rabbihi afatattakhithoonahu wathurriyyatahu awliyaa min doonee wahum lakum AAaduwwun bisa lilththalimeena badalan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ» منصوب باذكر «قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» سجود انحناء لا وضع جبهة تحية له «فسجدوا إلا إبليس كان من الجن» قيل هم نوع من الملائكة فالاستثناء متصل وقيل هو منقطع وإبليس هو أبو الجن فله ذرية ذكرت معه بعد والملائكة لا ذرية لهم «ففسق عن أمر ربه» أي خرج عن طاعته بترك السجود «أفتتخذونه وذريته» الخطاب لآدم وذريته والهاء في الموضعين لإبليس «أولياء من دوني» تطيعونهم «وهم لكم عدو» أي أعداء حال «بئس للظالمين بدلاً» إبليس وذريته في إطاعتهم بدل إطاعة الله.

50

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لهٰ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا تنبيهاً على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء } فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر، وذكر القاضي وجهاً آخر فقال: إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر ههنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء، لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتماماً لذلك الغرض ثم قال القاضي: وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة. المسألة الثانية: أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه. الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى: { أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } تفسير : [الصافات: 158] { أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } تفسير : [الأنعام: 100]. والثاني: أن الجن سموا جناً للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن. الثالث: أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير. والقول الثاني: أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم. والقول الثالث: قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير. وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلاً في هذه الآية وهو قوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى } والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة. بقي أن يقال: إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر، وأيضاً لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه، فلهذا السبب ذكروا فيه وجوهاً. الأول: قال الفراء: ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته. والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة: شعر : يهوين في نجد وغور غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا تفسير : الثاني: حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال: لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال: فسق عن أمر ربه. الثالث: قال قطرب: فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة. هذا هو تقرير الكلام. فإن قيل: إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات. فأولها: إثبات إبليس. وثانيها: إثبات ذرية إبليس. وثالثها: إثبات عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم. ورابعها: أن هذا القول الذي قاله أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس. وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فالجاهل بصدق النبي جاهل بها. إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبياً صادقاً أو ما عرفوا ذلك؟ فإن عرفوا كونه نبياً صادقاً قبلوا قوله في كل ما يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهو عنه، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبياً جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجراً لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع. المسألة الثانية: قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهمٰ فكيف يوبخهم بقوله: {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً }!؟ تعالى الله عنه علواً كبيراً. بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله. والجواب: المعارضة بالداعي والعلم. المسألة الثالثة: إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله، لأن الداعي لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب. فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى: {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً } أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته، ثم قال: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ } إلى من يعود؟ فيه وجوه: أحدها: وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: {أية : ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 66] يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل عليه قوله: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً } أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لإضلالهم وقوله: {عَضُداً } أي أعواناً. وثانيها: وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى: {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً } والمراد بالظالمين أولئك الكفار. وثالثها: أن يكون المراد من قوله: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة. فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرىء وما كنت بالفتح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ علي رضوان الله عليه: {مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ } بالتنوين على الأصل. وقرأ الحسن: {عَضُداً } بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين، وقرىء: {عَضُداً } بالفتح وسكون الضاد {وعضداً} بضمتين {وعضداً} بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه، واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ حمزة: (نقول) بالنون عطفاً على قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } و {أَوْلِيَاء مِن دُونِى } و{مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً } والباقون قرأوا بالياء. البحث الثاني: واذكر يوم نقول عطفاً على قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ }. البحث الثالث: المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم: {نَادُواْ شُرَكَائِىَ } أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لي حيث أهلتموهم للعبادة، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا: { أية : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } تفسير : [غافر: 47] ثم قال تعالى: {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } أي لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضرراً وما أوصلوا إليهم نفعاً. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً } وفيه وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف»: الموبق المهلك من وبق يبق وبوقاً ووبقاً. إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال: إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي في جهنم. الوجه الثاني: قال الحسن: (موبقاً) أي عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها هلاك. ومنه قوله: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً. الوجه الثالث: قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكاً في يوم القيامة. الوجه الرابع: الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً يهلك فيه الساري لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ثم قال تعالى: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } وفي هذا الظن قولان: الأول: أن الظن ههنا بمعنى العلم واليقين. والثاني: وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها. كما قال: { أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } تفسير : [الفرقان: 12] وقوله: {مُّوَاقِعُوهَا } أي مخالطوها فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم قال تعالى: {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } أي لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة تسوقهم إليها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تقدم في «البقرة» هذا مستوفًى. قال أبو جعفر النحاس: وفي هذه الآية سؤال، يقال: ما معنى «فَفَسَق عَنْ أَمْرِ رَبِّه» ففي هذا قولان: أحدهما ـ وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أُمِر فعَصَى، فكان سببَ الفسق أمْرُ ربه؛ كما تقول: أطعمته عن جوع. والقول الآخر ـ وهو مذهب محمد بن قُطْرب أن المعنى: ففسق عن ردّ أمر ربه. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} وقّف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله: أفتتخذونه يا بني آدم وذرّيّته أولياء وهم لكم عدوّ؛ أي أعداء، فهو اسم جنس. {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} أي بئس عبادة الشيطان بدلاً عن عبادة الله. أو بئس إبليس بدلاً عن الله. واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه؛ فقال الشعبيّ: سألني رجل فقال هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عُرْس لم أشهده، ثم ذكرت قوله {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات؛ فهذا أصل ذريته. وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكراً وفي اليسرى فرجاً؛ فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطاناً وشيطانة، فهو يَخْرج وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذرّيته أعوانه من الشياطين. قال القشيري أبو نصر: والجملة أن الله تعالى أخبر أن لإبليس أتباعاً وذرّية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقّف الأمر فيه على نقل صحيح. قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البَرْقانِي أنه خرج في كتابه مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان حديث : عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكن أوّلَ من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرّخ»تفسير : . وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم. قال ابن عطية: وقوله «وذريَّتَه» ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين، الذين يأتون بالمنكر ويحملون على الباطل. وذكر الطبري وغيره أن مجاهداً قال: ذرية إبليس الشياطين، وكان يعدّهم: زَلَنْبُور صاحبُ الأسواق، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض، يجعل تلك الراية على حانوت أوّل من يفتح وآخر من يغلق. وثبر صاحب المصائب، يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب، والدعاءِ بالويل والحرب. والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلاً. وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلّم ولم يذكر ٱسم الله بصّرَه من المتاع ما لم يُرفع وما لم يُحسَن موضعه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. قال الأعمش: وإني ربما دخلت البيت فلم أذكر الله ولم أسلّم، فرأيت مطهرة فقلت: ارفعوا هذه! وخاصمتهم، ثم أذكر فأقول: داسم داسم! أعوذ بالله منه! زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد: والأبيض، وهو الذي يوسوس للأنبياء. وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان عليه السلام. والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها. والأقيس وهو صاحب الصلاة يوسوس فيها. ومُرّة وهو صاحب المزامير وبه يُكْنَى. والهفاف يكون بالصحارى يُضلّ الناس ويتيههم. ومنهم الغيلان. وحكى أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلؤيات عن مجاهد أن الهفاف هو صاحب الشراب، ولقوس صاحب التحريش، والأعور صاحب أبواب السلطان. قال وقال الدّارانِيّ: إن لإبليس شيطاناً يقال له المتقاضي، يتقاضى ٱبن آدم فيخبر بعمل كان عمله في السرّ منذ عشرين سنة، فيحدّث به في العلانية. قال ٱبن عطية: وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طوّل النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمرّ بي في هذا صحيح إلا ما كان في كتاب مسلم من: أن للصلاة شيطاناً يسمى خُنْزب. وذكر الترمذي: أن للوضوء شيطاناً يسمى الولهان. قلت: أما ما ذُكر من التعيين في الاسم فصحيح؛ وأما أن له أتباعاً وأعواناً وجنوداً فمقطوع به، وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له أولاداً من صلبه، كما قال مجاهد وغيره. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدّثهم بالحديث من الكذب فيتفرّقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلاً أعرف وجهه ولا أدري ما ٱسمه يحدّث. وفي مسند البَزّار حديث : عن سلمان الفارسي قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا تكونن إن استطعت أوّل من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصِب رايته»تفسير : . وفي مسند أحمد بن حنبل قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدّثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ عن أبي موسى الأشعري قال: إذا أصبح إبليس بثّ جنوده فيقول من أضل مسلماً ألبستُه التاج قال فيقول له القائل لم أزل بفلان حتى طلّق زوجته، قال: يوشِك أن يتزوّج. ويقول آخر: لم أزل بفلان حتى عَقّ؛ قال: يوشِك أن يَبَرّ. قال ويقول القائل: لم أزل بفلان حتى شَرِب؛ قال: أنت! قال ويقول: لم أزل بفلان حتى زنى؛ قال: أنت! قال ويقول: لم أزل بفلان حتى قتل؛ قال: أنت أنت! وفي صحيح مسلم عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلتُ كذا وكذا فيقول ما صنعتَ شيئاً قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركتُه حتى فرّقتُ بينه وبين أهله قال فيُدنيه أو قال فيلتزمه ويقول نعم أنت». تفسير : وقد تقدّم. وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثَغْر الإسكندرية يقول: إن شيطاناً يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين في الصيام فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى يملأ عليهم البيوت فيظنّون أنهم قد وصلوا وأن ذلك من الله وليس كما ظنوا.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } كرره في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وها هنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم قرر ذلك بأنه من سنن إبليس، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان. زهدهم أولاً في زخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال والأعمال الصالحة خير وأبقى من أنفسها وأعلاها، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العدواة القديمة وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن. {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ } حال بإضمار قد أو استئناف للتعليل كأنه قيل: ما له لم يسجد فقيل كان من الجن. {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } فخرج عن أمره بترك السجود والفاء للسبب، وفيه دليل على أن الملك لا يعصى أَلبتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنياً في أصله والكلام المستقصى فيه في سورة «البقرة». {أَفَتَتَّخِذُونَهُ} أعقيب ما وجد منه تتخذونه والهمزة للإِنكار والتعجب. {وَذُرّيَّتَهُ } أولاده أو أتباعه، وسماهم ذرية مجازاً. {أَوْلِيَاء مِن دُونِى } فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي. {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً } من الله تعالى إبليس وذريته، {وَمَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} نفي إحضار إبليس وذريته خلق السموات والأرض، و إحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً} أي أعواناً رداً لاتخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة، فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها، فوضع {ٱلْمُضِلّينَ} موضع الضمير ذماً لهم واستبعاداً للاعتضاد بهم. وقيل الضمير للمشركين والمعنى: ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا اتبعهم الناس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني. ويعضده قراءة من قرأ {وَمَا كُنْتَ } على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقرىء {مُتَّخِذاً ٱلْمُضِلّينَ } على الأصل و {عَضُداً } بالتخفيف و {عَضُداً } بالاتباع و {عَضُداً } كخدم جمع عاضد من عضده إذا قواه. {وَيَوْمَ يَقُولُ } أي الله تعالى للكافرين وقرأ حمزة بالنون. {نَادُواْ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنهم شركائي وشفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي، وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ والمراد ما عبد من دونه، وقيل إبليس وذريته. {فَدَعَوْهُمْ } فنادوهم للإِغاثة. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يغيثوهم. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين الكفار وآلهتهم. {مَّوْبِقاً } مهلكاً يشتركون فيه وهو النار، أو عداوة هي في شدتها هلاك كقول عمر رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً. و {مَّوْبِقاً } اسم مكان أو مصدر من وبق يوبق وبقا إذا هلك. وقيل البين الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة. {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّواْ } فأيقنوا. {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } مخالطوها واقعون فيها. {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} انصرافاً أو مكانًا ينصرفون إليه. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ } من كل جنس يحتاجون إليه. {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىء } يتأتى منه الجدل. {جَدَلاً } خصومة بالباطل وانتصابه على التمييز. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ } من الإِيمان. {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ } وهو الرسول الداعي والقرآن المبين. {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } ومن الاستغفار من الذنوب. {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} إلا طلب أو انتظار أو تقدير أن تأتيهم سنة الأولين، وهي الاستئصال فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ } عذاب الآخرة. {قُبُلاً } عياناً. وقرأ الكوفيون {قُبُلاً } بضمتين وهو لغة فيه أو جمع قبيل بمعنى أنواع، وقرىء بفتحتين وهو أيضاً لغة يقال لقيته مقابلة وقبلاً وقبلاً وقبلياً، وانتصابه على الحال من الضمير أو {ٱلْعَذَابَ }.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منبّهاً بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعاً لمن اتبعه منهم، وخالف خالقه ومولاه، وهو الذي أنشأه وابتداه، وبألطافه رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ} أي: لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة: {ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ} أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّي خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 28 - 29]. وقوله: {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور؛ كما ثبت في "صحيح" مسلم عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» تفسير : فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسّك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة، ونبّه تعالى ههنا على أنه من الجن، أي: على أنه خلق من نار، كما قال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف:12،ص:76] قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن؛ كما أن آدم عليه السلام أصل البشر، رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه. وقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازناً من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وقال الضحاك أيضاً عن ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفاً على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، واستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم {أية : وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [البقرة: 34]. قال ابن عباس: قوله: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} أي: من خزان الجنان، كما يقال للرجل: مكي ومدني وبصري وكوفي. وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: هو من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا، رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به. وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء الدنيا، وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة، اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً وأكثرهم علماً، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جناً. وقال ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر، أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه، فمسخه شيطاناً رجيماً، لعنه الله ممسوخاً، قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر، فلا ترجه، وإذا كانت في معصية، فارجه، وعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة، وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد، الذين دوّنوا الحديث، وحرّروه، وبيّنوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل. وقوله: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي: فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق هو الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها، وفسقت الفأرة من جحرها إذا خرجت منه للعيث والفساد، ثم قال تعالى مقرعاً وموبخاً لمن اتبعه وأطاعه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} الآية، أي: بدلاً عني، ولهذا قال: {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً} وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها، ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : - إلى قوله: - {أية : أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يس: 59 - 62]. يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم، لا يملكون شيئاً، ولا أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين، يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير، كما قال: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} تفسير : [سبأ: 22- 23] الآية، ولهذا قال: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} قال مالك: أعواناً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ } منصوب بـ(اذكر) {قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } سجود انحناء لاوضع جبهة تحية له {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } قيل: هم نوع من الملائكة، فالاستثناء متصل وقيل هو منقطع و(إبليس) هو أبو الجنّ فله ذرية ذُكِرَت معه بَعْدُ، والملائكة لا ذرّية لهم {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } أي خرج عن طاعته بترك السجود {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ } الخطاب لآدم وذرّيته، والهاء في الموضعين لإِبليس {أَوْلِيآءَ مِن دُونِى } تطيعونهم {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } أي أعداء، حال {بِئْسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلاً } إبليس وذرّيته في إطاعتهم بدل إطاعة الله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قلنا للملائكة اسجُدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجنِّ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان من الجن على ما ذكره الله تعالى. ومنع قائل هذا بعد ذلك أن يكون من الملائكة لأمرين: أحدهما: أن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم. الثاني: أن الملائكة رسل الله سبحانه ولا يجوز عليهم الكفر، وإبليس قد كفر، قال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. الثاني: أنه من الملائكة، ومن قالوا بهذا اختلفوا في معنى قوله تعالى {كان من الجن} على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما قاله قتادة أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجن. الثاني: ما قاله ابن عباس، أنه كان من الملائكة من خزان الجنة ومدبر أمر السماء الدنيا فلذلك قيل من الجن لخزانة الجنة، كما يقال مكي وبصري. الثالث: أن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور، قاله سعيد من جبير، قاله الحسن: خلق إبليس من نار وإلى النار يعود. الثالث: أن إبليس لم يكن من الإنس ولا من الجن، ولكن كان من الجان، وقد مضى من ذكره واشتقاق اسمه ما أغنى. {ففسق عن أمر ربه...} فيه وجهان: أحدهما: أن الفسق الاتساع ومعناه اتسع في محارم الله تعالى: الثاني: أن الفسق الخروج أي خرج من طاعة ربه، من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من حجرها قال رؤبة بن العجاج: شعر : يهوين من نجدٍ وغورٍ غائرا فواسقاً عن قصدها جوائرا تفسير : وفي قوله تعالى: {... بئس للظالمين بدلاً} وجهان: أحدهما: بئس ما استبدلوا بطاعة الله طاعة إبليس، قاله قتادة. الثاني: بئس ما استبدلوا بالجنة النار.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِنَ الْجِنِّ} حقيقة، لأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، ولأن الملائكة رسل لا يجوز عليهم الكفر وقد كفر إبليس وهو أصل الجن كما آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أصل الإنس، أو كان من ملائكة يقال لهم: الجنة، أو من ملائكة يدبرون أمر السماء الدنيا وهم خزان الجنة كما يقال: مكي وبصري، أو كان من سبط من ملائكة خُلقوا من نار يقال: لهم الجن وخُلق سائر الملائكة من نور، أو لم يكن من الجن ولا من الإنس ولكن من الجان {فَفَسَقَ} خرج، فسقت الرطبة خرجت من قشرها، والفأرة فويسقة لخروجها من جحرها، أو اتسع في محارم الله تعالى ـ والفسق والاتساع {بَدَلاً} من الجنة بالنار، أو من طاعة الله ـ تعالى ـ بطاعة إبليس.

النسفي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ } فسجود تحية أو سجود انقياد {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ } وهو مستأنف كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجن {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } خرج عما أمره ربه به من السجود وهو دليل على أنه كان مأموراً بالسجود مع الملائكة {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ } الهمزة للإنكار والتعجب كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته {أَوْلِيَاء مِن دُونِى } وتستبدلونهم بي؟ ومن ذريته «لا قيس» موسوس الصلاة و«الأعور» صاحب الزنا و«بتر» صاحب المصائب ومطوس صاحب الأراجيف و«داسم» يدخل ويأكل مع من لم يسم الله تعالى {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } أعداء {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً } بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ } أي إبليس وذريته {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ } يعني أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلٰهية فنفى مشاركتهم الإلٰهية بقوله {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض} لأعتضد بهم في خلقها أو أشاورهم فيه أي تفردت بخلق الأشياء فأفردوني في العبادة {وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ } أي وما كنت متخذهم {عَضُداً } أي أعواناً فوضع {المضلين} موضع الضمير ذمًّا لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق فمالكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِذَ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} الآية. اعلم أنَّ المقصود في الآياتِ المتقدِّمة الردُّ على الذين افتخروا بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى؛ وذلك: أنَّ إبليس، إنما تكبَّر على آدم؛ لأنَّه افتخر بأصله ونسبه، فقال: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف: 13] فأنا أشرف منه أصلاً ونسباً، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع له؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا: كيف نجالسُ هؤلاء الفقراء، مع أنَّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء، وهم فقراء؟ فذكر الله هذه القصة؛ تنبيهاً على أنَّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذَّر عنها، وعن الاقتضاء بها في قوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ}، وهذا وجه النظم. قوله: {وَإِذَ قُلْنَا}: أي: اذكر. قوله: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} فيه وجهان: أحدهما: أنه استئناف يفيد التعليل؛ جواباً لسؤال مقدَّر. والثاني: أن الجملة حالية، و "قَدْ" معها مرادة، قاله أبو البقاء. قوله: "فَفسَقَ" السببية في الفاء ظاهرة، تسبَّب عن كونه من الجنِّ الفسقُ، قال أبو البقاء: إنما أدخل الفاء هنا؛ لأنَّ المعنى: "إلاَّ إبليس امتنع ففسق". قال شهاب الدين. إن عنى أنَّ قوله "كان من الجنِّ" وضع موضع قوله "امْتنعَ" فيحتمل مع بُعده، وإن عنى أنه حذف فعلٌ عطف عليه هذا، فليس بصحيحٍ؛ للاستغناء عنه. قوله: "عَنْ أمْر" "عَنْ" على بابها من المجاوزة، وهذ متعلقة بـ "فَسقَ"، أي: خرج مجاوزاً أمر ربِّه، وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسبب أمره؛ فإنه فعَّالٌ لما يريدُ. قوله: "وذُرِّيتهُ" يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى "مع" و "مِنْ دُونِي" يجوز تعلقه بالاتِّخاذ، وبمحذوفٍ على أنَّه صفة لأولياء. قوله: {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححاً لكلٍّ من الوجهين، وهو الرابط. قوله: "بِئْسَ" فاعلها مضمرٌ مفسَّر بتمييزه، والمخصوص بالذمِّ محذوف، تقديره: بِئْسَ البدل إبليس وذرِّيتهُ. وقوله "للظَّالمينَ" متعلق بمحذوفٍ حالاً من "بَدلاً" وقيل: متعلق بفعل الذمِّ. فصل في الخلاف في أصل إبليس اعلم أنه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ إبليس كان من الجنِّ، وللنَّاس في الآية أقوالٌ: الأول: قال ابن عبَّاس: كان من حيٍّ من الملائكةِ، يقال لهم الحنُّ، خلقوا من نار السَّموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنِّ، لقوله: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] وقوله: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [الأنعام: 100] وسمِّي الجن جنًّا؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك. وأيضاً: فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنَّة؛ كقولهم: كوفيٌّ، وبصريٌّ. وعن سعيد بن جبير، قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنان، وهم حيٌّ من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا. رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبيرٍ. وقال الحسن: كان من الجنِّ، ولم يكن من الملائكةِ، فهو أصل الجنِّ، كما أنَّ آدم أصل الإنس. وقيل: كان من الملائكة، فمسخ وغيِّر، وكما يدلُّ على أنه ليس من الملائكة قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} والملائكة ليس لهم نسلٌ، ولا ذرِّيَّة. بقي أن يقال: لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف يصحُّ استثناؤه منهم؟. تقدَّم الكلام على ذلك في البقرة. ثم قال تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}. قال الفراء: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، أي: خرج من طاعته، تقول العرب: فسقتِ الرطبة عن قشرها، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها. قال رؤبة: [الرجز] شعر : 3537- يَهْويْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِرَا فَواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا تفسير : وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال: لما أمر فعصَى، كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى: أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، فلهذا حسن أن يقال: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} كقوله: {أية : وسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} تفسير : [يوسف: 82]. ثم قال: "أفَتَتَّخِذُونَهُ" يعني: يا بني آدم {وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}، أي: أعداء. روى مجاهد عن الشعبيِّ قال: إنِّي قاعدٌ يوماً؛ إذ أقبل رجل فقال: أخبرني، هل لإبليس زوجة؟ قال: إنَّه لعرسٌ ما شَهدتُّه، ثُم ذكرتُ قول الله عزَّ وجلَّ: {أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} فعلمت أنَّه لا يكون ذريَّة إلا من زوجة، فقلت، نعم. وقال قتادة: يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم. وقيل: إنَّه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة عن جماعة من الشَّياطين. ثم قال: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}. قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربِّهم. قوله: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ}: أي: إبليس وذريته، أو ما أشهدت الملائكة، فكيف يعبدونهم؟ أو ما أشهدت الكفار، فكيف ينسبون إليَّ ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدت جميع الخلقِ. وقرأ أبو جعفر، [وشيبة] والسختياني في آخرين: "ما أشهدناهم" على التعظيم. والمعنى: ما أحضرناهم {خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني: ما أشهدتهم؛ لأعتضد بهم. قوله: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمًّا لهم وقوله: "عَضُدًا" أي: أعواناً. قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أنه الضمير الرَّاجع على الكفَّار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء، لم نؤمن بك، فكأنه - تعالى - قال: إنَّ هؤلاء الذين أتوا بالاقتراح الفاسد، والتعنُّت الباطل، ما كانوا شركاء في تدبير العالم؛ لأنِّي ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا أعتضد بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟. ويؤكِّد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب مذكور، وهو هنا {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}. قوله: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ المراد بـ "المُضلِّينَ" من نفى عنهم إشهاد خلق السموات، وإنما نبَّه بذلك على وصفهم القبيح. وقرأ العامة "كُنْتُ" بضمِّ التاء؛ إخباراً عنه تعالى وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر بفتحها؛ خطاباً لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - {مُتّخِذاً المُضِلِّينَ} نوَّن اسم الفاعل، ونصب به، إذ المراد به الحال، أو الاستقبال. وقرأ عيسى "عَضْداً" بفتح العين، وسكون الضاد، وهو تخفيف سائغ، كقول تميمٍ: سبْع ورجْل في: سبُعٍ ورجُلٍ وقرأ الحسن "عُضداً" بالضم والسكون؛ وذلك أنه نقل حركة الضاد إلى العين بعد سلب العين حركتها، وعنه أيضاً "عضداً" بفتحتين، و "عضداً" بضمتين، والضحاك "عضداً" بكسر العين، وفتح الضاد، و هذه لغات في هذا الحرف. والعضدُ من الإنسان وغيره معروف، ويعبِّر به عن العون والنصير؛ يقال: فلان عضدي، ومنه {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} تفسير : [القصص: 35] أي: سنقوِّي نصرتك ومعونتك. قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ}: معمول لـ "اذْكُرْ" أي: ويوم نقول، يجري كيت وكيت وقرأ حمزة "نقُول" بنون العظمة؛ مراعاة للتكلُّم في قوله: "مَا أشْهدتهُمْ" إلى آخره، والباقون بياء الغيبة؛ لتقدم اسمه الشريف العظيم الظاهر. أي: يقول الله يوم القيامة: {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ} يعني الأوثان. وقيل: للجنِّ، ولم يذكر تعالى أنَّهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، بيَّن ذلك في آية أخرى، وهو أنَّهم قالوا: {أية : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} تفسير : [إبراهيم: 21]. {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شركاء {فَدَعَوْهُمْ} فاستغاثوا بهم، {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ}، أي: لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم ضرراً، ثم قال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} أي: مهلكاً. قاله عطاء والضحاك. فصل في بيان الموبق قال الزمخشري وغيره: والمَوْبِقُ: المهلك، يقال: وَبِقَ يَوبِقُ وَبَقاً، أي: هَلَكَ ووَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً أيضاً: هلك وأوبقه ذنبه، وعن الفراء: "جعَل اللهُ تواصُلهمْ هَلاكاً" فجعل البين بمعنى الوصل، وليس بظرفٍ؛ كقوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُم}تفسير : [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون "موبقاً" مفعولاً أول للجعل، والثاني الظرف المتقدِّم، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، فيتعلق الظرف بالجعلِ أو بمحذوفٍ على الحال من "مَوْبِقاً". وعلى قول الفراء ليكون "بينهم" مفعولاً أول و "مَوبقاً" مفعولاً ثانياً، والمَوْبِقُ هنا: يجوز أن يكون مصدراً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون مكاناً. قال ابن عباس: وهو وادٍ في النَّار. وقال ابن الأعربيِّ: كل حاجزٍ بين الشيئين يكون المَوبِقَ. وقال الحسن: "مَوْبقاً" أي: عداوة، هي في شدَّتها هلاك؛ كقولهم: لا يكن حُبك كلفاً. وقيل: الموبقُ: البَرْزَخُ البعيد. وجعلنا بين هؤلاء الكفَّار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً، يهلك فيه النصارى؛ لفرط بعده؛ لأنَّهم في قاع جهنَّم، وهو في أعلى الجنان. قوله: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} الآية. {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا}، في هذا الظنِّ قولان: الأول: أنه بمعنى العلم واليقين. والثاني: قال ابن الخطيب: الأقرب إلى المعنى: أن هؤلاء الكفار يرون النَّاس من مكانٍ بعيدٍ، فيظنُّون أنهم مواقعوها في تلك السَّاعة، من غير تأخير من شدَّة ما يسمعون من تغيُّظها وزفيرها، كقوله: {أية : إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}تفسير : [الفرقان: 12]. وقوله: {مُّوَاقِعُوهَا} أي: مخالطوها؛ فإنَّ مخالطة الشيء لغيره، إذا كان تامَّة قويَّة، يقال لها: مواقعة. قوله: "مَصْرِفاً" المصرف المعدل، أي: لم يجدوا عنها معدلاً. قال الهذليُّ: [الكامل] شعر : 3538- أزُهَيْرُ هَلْ عَن شَيْبةٍ مِنْ مصْرفِ أمْ لا خُلودَ لبَاذلٍ مُتكلِّفِ تفسير : والمصرف يجوز أن يكون اسم مكانٍ، أو زمانٍ، وقال أبو البقاء: "مَصْرِفاً: أي انصرافاً، ويجوز أن يكون مكاناً". قال شهاب الدين: وهذا سهوٌ، فإنه جعل المفعل بكسر العين مصدراً لما مضارعه يفعل بالكسر من الصحيح، وقد نصُّوا على أنَّ اسم مصدر هذا النوع مفتوح العين، واسم زمانه ومكانه مكسوراً، نحو: المَضْرَبُ والمَضْرِبُ. وقرأ زيد بن عليٍّ "مَصْرَفاً" بفتح الراء جعله مصدراً؛ لأنه مكسور العين في المضارع، فهو كالمضرب بمعنى الضَّرب، وليت أبا البقاء ذكر هذه القراءة ووجَّهه بما ذكره قبل. قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} بينَّا {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}. اعلم أن الكفَّار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدِّمين، ذكر بعده: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر كذلك؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوهٍ كثيرةٍ، والكفار مع تلك الجوابات الصَّافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة الباطلة؛ فقال: {وَكَانَ ٱلإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}. قوله: {مِن كُلِّ مَثَلٍ}: يجوز أن تكون "مِنْ كلِّ" صفة لموصوف محذوف، وهو مفعول "صرَّفنا"، أي: صرَّفنا مثلاً من كلِّ مثلٍ، ويجوز أن تكون "مِنْ" مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين. قوله: "جَدَلاً" منصوب على التمييز، وقوله: {أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي: أكثر الأشياء التي يتأتَّى منها الجدالُ، إن فصَّلتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإنسان أكثر جدلاً من كلِّ شيء يجادلُ، فوضع "شيءٍ" موضع الأشياء، وهل يجوز أن يكون جدلاً منقولاً عن اسم كان؛ إذ الأصل: وكان جدلُ الإنسان أكثر شيء؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه؛ فإنه قال: "فيه وجهان: أحدهما: أنًَّ شيئاً ههنا في معنى فجادل، لأنَّ أفعل يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزه بـ "جدلاً" يقتضي أن يكون الأكثر مجادلاً، وهذا من وضع العام موضع الخاص. والثاني: أن في الكلام محذوفاً، تقديره: وكان جدل الإنسان أكثر شيءٍ، ثم ميَّزه". فقوله: "تقديره: وكان جدل الإنسان" يفيد أنَّ إسناد "كان" إلى الجدلِ جائز في الجملة، إلا أنه لا بدَّ من تتميم لذلك: وهو أن تتجوَّز، فتجعل للجدلِ جدلاً؛ كقولهم: "شِعرٌ شَاعرٌ" يعني أنَّ لجدل الإنسان جدلاً هو أكثر من جدلِ سائر الأشياءِ. وهذه الآية دالَّة على أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدِّين حتَّى صاروا مجادلين؛ لأنَّ المجادلة لا تحصل إلاَّ من الطرفين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال‏:‏ إن من الملائكة قبيلة يقال لهم الجن، فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه، فمسخه الله شيطاناً رجيما‏ً. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏إلا إبليس كان من الجن‏}‏ قال‏:‏ كان خازن الجنان فسمي بالجن‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك قال‏:‏ اختلف ابن عباس وابن مسعود في إبليس فقال أحدهما‏:‏ كان من سبط من الملائكة يقال لهم الجن‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس قال‏:‏ إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له مجمع البحرين، بحر الروم وفارس، أحدهما قبل المشرق، والآخر قبل المغرب، وسلطان الأرض، وكان مما سولت نفسه مع قضاء الله، أنه يرى أن له بذلك عظمة وشرفاً على أهل السماء، فوقع في نفسه من ذلك كبر لم يعلم ذلك أحد إلا الله، فلما كان عند السجود لآدم حين أمره الله أن يسجد لآدم، استخرج الله كبره عند السجود، فلعنه إلى يوم القيامة ‏ {‏كان من الجن‏} ‏ قال ابن عباس‏:‏ إنما سمي بالجنان، لأنه خازناً عليها‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إلا إبليس كان من الجن‏} ‏ قال‏:‏ كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن، وكان ابن عباس يقول‏:‏ لو لم يكن من الملائكة، لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة السماء الدنيا‏. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ في العظمة، عن الحسن قال‏:‏ ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن قال‏:‏ قاتل الله أقواماً يزعمون أن إبليس كان من ملائكة الله، والله تعالى يقول‏:‏ ‏ {‏كان من الجن‏}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏كان من الجن‏}‏ قال‏:‏ من خزنة الجنان‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن الأنباري في الأضداد من وجه آخر، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏كان من الجن‏} ‏ قال‏:‏ هم حي من الملائكة لم يزالوا يصوغون حلي أهل الجنة حتى تقوم الساعة‏. وأخرج البيهقي في الشعب، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏كان من الجن‏} ‏ قال‏:‏ من الجنانين الذين يعملون في الجنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن شهاب في قوله‏:‏ ‏ {‏إلا إبليس كان من الجن‏} ‏ قال‏:‏ إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس، وآدم من الإنس وهو أبوهم‏.‏ وإبليس من الجن وهو أبوهم، وقد تبين للناس ذلك حين قال الله‏:‏ ‏ {‏أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني‏}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ كان إبليس رئيساً من الملائكة في سماء الدنيا‏. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن منصور قال‏:‏ كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيراً فكان مع الملائكة فتعبد معها‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن شهر بن حوشب قال‏:‏ كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏إلا إبليس كان من الجن‏}‏ قال‏:‏ أجن من طاعة الله‏. وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما لعن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، فجزع لذلك فرن رنة، فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة من رنته‏. وأخرج أبو الشيخ، عن نوف قال كان إبليس رئيس سماء الدنيا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ففسق عن أمر ربه‏} ‏ قال‏:‏ في السجود لآدم‏. وأخرج ابن المنذر، عن الشعبي أنه سئل عن إبليس هل له زوجة‏؟‏ فقال‏:‏ إن ذلك العرس ما سمعت به‏. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أفتتخذونه وذريته‏} ‏ قال‏:‏ ولد إبليس خمسة‏:‏ ثبر والأعور وزلنبور ومسوط وداسم، فمسوط صاحب الصخب، والأعور وداسم لا أدري ما يفعلان، والثبر صاحب المصائب، وزلنبور الذي يفرق بين الناس، ويبصر الرجل عيوب أهله‏. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أفتتخذونه وذريته‏} ‏ قال‏:‏ باض إبليس خمس بيضات‏:‏ زلنبور وداسم وثبر ومسوط والأعور، فأما الأعور، فصاحب الزنا، وأما ثبر فصاحب المصائب، وأما مسوط فصاحب أخبار الكذب، يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً، وأما داسم فهو صاحب البيوت إذا دخل بيته ولم يسلم دخل معه، وإذا أكل أكل معه ويريه من متاع البيت ما لا يحصى موضعه، وأما زلنبور فهو صاحب الأسواق ويضع رأسه في كل سوق بين السماء والأرض‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏أفتتخذونه وذريته‏} ‏ قال‏:‏ هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو آدم وهم أكثر عددا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان قال‏:‏ باض إبليس خمس بيضات‏:‏ وذريته من ذلك‏.‏ قال‏:‏ وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏بئس للظالمين بدلا‏ً} ‏ قال بئسما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس لعنه الله تعالى‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} [الآية: 50]. قال يحيى بن معاذ: لا يكون وليًا لله ولا يبلغ مقام الولاية من نظر إلى شىء دون الله، أو اعتمد سواه ولم يميز بين من يعاديه ويواليه، وحال إقباله من حال إدباره. قال الله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}. قال الحسن: خاطبك الحق تعالى أحسن خطاب ودعاك إلى نفسه بألطف داء بقوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}. أظْهَرَ للملائكة شَظِيَّة مما استخلص به آدم فسجدوا بتيسيرٍ من الله - سبحانه، وسَكَّرَ بَصَرَ اللعين فما شهد منه غير الْعَيْنِ ففسق عن أمر ربه، ولا صدق في قوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} لمَا فَسَقَ عن الأمر، ولكن أَدركته الشقَّاوة الأصيلة فلم تنفعه الوسيلة بالحيلة. قوله جلّ ذكره: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}. في الآية إشارة إلى أَنَّ مَنْ يُفْرِدْه بالولاية فلا يقتفي غَيْرَه ولا يخافُ غيرَه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ} ان الله سبحانه عاتب من التفت الى شئ سواه من العرش الى الثرى وعرف مكان الطاف ربوبيته وفردانية ذاته وصفاته واعلمنا مقام تنزيه قدمه عن الاضداد والانداد التى هى فانية تحت جبروته وخاضعة فى ميادين ملكوته القدم عن الحدوث ومن النور واىّ شئ النور والظلمة ومن ابليس وذرّبته وايش الاصنام والاوثان فى ساحة كبريائه الازلى الذى يفنى بسطوة من سطواته كل ما بدأ من العدم الى الوجود واى شناعة اشنع على من يعتمد على احد دون عزته قال يحيى بن معاذ لا يكون وليا لله ولا يبلغ مقام الولاية من نظر الى شئ دون الله او اعتمد سواه ولم يميز بين من يواليه ومن يعاديه وحال اقباله من حال ادباره قال الله افتتخذونه وذريته اولياء من دونى وهم لكم عدو قال الحسين خاطبك الحق تعالى احسن خطاب ودعاك الى نفسه بالطف دعاء بقوله افتتخذونه وذريته اولياء من دونى.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قلنا للملائكة} اى اذ كر وقت قولنا لهم {اسجدوا لآدم} سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وكان ذلك مشروعا فى الامم السالفة ثم نسخ بالسلام {فسجدوا} جميعا غير الارواح العالية امتثالا للامر وانما لم يسجد الملائكة العالون لأنهم لم يؤمروا بالسجود وقد سبق فى سورة الحجر {الا ابليس} فانه لم يسجد بل ابى واستكبر وكأنه قيل ما باله لم يسجد فقيل {كان من الجن} اى كان اصله جنيا خلق من نار السموم ولم يكن من الملائكة وانما صح الاستثناء المتصل لانه امر بالسجود معهم فغلبوا عليه فى قوله {فسجدوا} ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلا كقولك خرجوا الا فلانة لا مرأة بين الرجال. قال فى كتاب التكملة قيل ان المراد بقوله {كان من الجن} اى كان اول الجن لان الجن منه كما ان آدم من الانس لانه اول الانس. وقيل انه كان بقايا قوم يقال لهم الجن كان الله تعالى قد خلقهم فى الارض قبل آدم فسفكوا الدماء وقاتلتهم الملائكة. وقيل انه كان من قوم خلقهم الله وقال لهم اسجدوا لآدم فابوا فبعث الله عليهم نارا احرقتهم ثم خلق هؤلاء بعد ذلك فقال لهم اسجدوا لآدم ففعلوا وابى ابليس لانه كان من بقية اولئك الخلق. قال البغوى كان اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل ابليس لانه ابلس من الرحمة اى يئس والعياذ بالله تعالى {ففسق عن امر ربه} اى خرج عن طاعته فالامر على حقيقته جعل عدم امتثاله للامر خروجا عنه ويجوز ان يكون المراد المأمور به وهو السجود والفاء للسببية لا للعطف اى كونه من الجن سبب فسقه ولو كان ملكا لم يفسق عن امر ربه لان الملك معصوم دون الجن والانس. قال فى التأويلات النجمية {ففسق عن امر ربه} وخلع قلادة التقليد عن عنقه ليعلم ان الاصيل لا يخطئ وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان كام ان البعرة تشابه المسك وتعارضه فى الصورة فلما امتحنا بالنار تبين المقبول من المردود والمبغوض من المودود: وقال الحافظ قدس سره شعر : خوش بود اكرمحك تجر به آمد بميان تاسيه روى شود هركه دروغش باشد تفسير : {أفتتخذونه} الهمزة للانكار والتعجب والفاء اى عقيب علمكم يا بنى آدم بصدور الفسق عن ابليس تتخذونه {وذريته} اى اولاده واتباعه جعلوا ذريته مجازا. قال الكاشفى [كويند بمعنى اتباع وتسميه ايشان بذريت ازقبيل مجاز بود واكثر برانتد كه او زذريت نيست] قيل فى القاموس ذرأكم كجعل خلق والشئ كثره ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين انتهى وسيأتى الكلام على هذا {اولياء من دونى} فتستبدلونهم بى فتطيعونهم بدل طاعتى اى ذلك الاتخاذ منكر غاية الانكار حقيق بان يتعجب منه ومعنى الاستبدال منهم من قوله من دونه فان معناه مجاوزين عنى اليهم وهو عين الاستبدال {وهم} اى والحال ان ابليس وذريته {لكم عدو} اى اعداء حقهم ان تعادوهم لا ان توالوهم شبه بالمصادر للموازنة كالقبول {بئس للظالمين بدلا} من الله ابليس وذريته تمييز.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إلا إبليس}: استثناء منقطع، إذا قلنا: إن إبليس لم يكن من الملائكة، وإذا قلنا: إنه منهم يكون متصلاً، ويكون معنى "كان" صار، أي: إلا إبليس صار من الجن لمَّا امتنع من السجود، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن، وهم الذين خُلقوا من النار. وجملة {كان من الجن}: استئنافية سيقت مساق التعليل، كأنه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان أَصْلُهُ جنِّيًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إِذْ قلنا للملائكةِ} أي: وقت قوْلنا لهم: {اسجدوا لآدمَ} سجود تحية وتكريم، {فسجدوا} جميعًا؛ امتثالاً للأمر، {إِلا إِبليسَ} أبى واستكبر؛ لأنه {كان من الجنِّ}، وكان رئيسهم في الأرض، فلما أفسدوا أرسل الله عليهم جندًا من الملائكة، فغزوهم، فهربوا في أقطار الأرض، وأُخذ إبليس أسيرًا، فعرجوا به إلى السماء، فأسلم وتعبد في أقطار السماوات، فلما أُمرت الملائكة بالسجود امتنع ونزع لأصله، {ففسقَ} أي: خرج {عن أمر ربه} أي: عن طاعته، أو صار فاسقًا كافرًا بسبب أمر الله تعالى؛ إذ لولا ذلك لَمَا أبى، والتعرض لوصف الربوبية المنافية للفسق؛ لبيان كمال قُبح ما فعله. قال تعالى: {أفتتخذونه وذريَّتَه} أي: أولاده، أو أتباعه، وهم الشياطين، جُعلوا ذريةً؛ مجازًا. وقال قتادة: إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. وقيل: يُدْخِل ذنَبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. والهمزة للإنكار والتعجب، والفاء للتعقيب، أي: أَعقبَ عِلْمكُم بصدور تلك القبائح منه، تتخذونه وذريته {أولياءَ}؛ أحبار {من دوني}؛ فتستبدلونهم، وتطيعونهم بدل طاعتي، والحال أنهم، أي: إبليس وذريته {لكم عدو} أي: أعداء. وأُفرد؛ تشبيهًا له بالمصدر، كالقبول والولوع، {بئس للظالمين}: الواضعين للشيء في غير محله، {بدلاً} استبدلوه من الله تعالى، وهو إبليس وذريته. وفي الالتفات إلى الغيبة، مع وضع الظاهر موضع الضمير، من الإيذان بكمال السخط، والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح، ما لا يخفى. {ما أشهدتُهم} أي: ما أحضرت إبليس وذريته، أو: جميع الكفار {خلْقَ السماواتِ والأرضِ}، حيث خلقتهما قبل خلقهم، {ولا خلقَ أنفسهم}: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض: كقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النِّساء: 29]. قاله البيضاوي. قلت: الظاهر إبقاء الأنفس على ظاهرها، أي: ما أحضرتهم خلق أنفسهم، أي: ما كانوا حاضرين حين خلقت أنفسهم، بل هم مُحْدَثُونَ في غاية العجز والجهل، فكيف تتخذونهم أولياء من دوني؟ وفي الآية رد على المنجِّمين الذين يخوضون في أسرار غيب السماوات بالتخمين، وعلى الطبائعيين من الأطباء ومن سواهم، من كل متخوض في هذه الأشياء، وعلى الكُهَّان وكل من يتطلع على الغيب بطريق الحدس، والمصدقين لهم. انظر ابن عطية. قال تعالى: {وما كنت مُتَّخِذَ المضلِّينِ} من الشياطين {عَضُدًا} أي: أعوانًا في شأن الخلق، أو في شأن من شؤوني، حتى تتخذوهم أولياء وتُشركوهم في عبادتي، وكان الأصل أن يقول: وما كنت متخذهم، فوقع المظهر موقع الضمير؛ ذمًا لهم، وتسجيلاًً عليهم بالإضلال، وتأكيدًا لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء، وفيه تهكم بهم وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم؛ حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على أبلدِ الصبيان، فيحتاجون إلى التصريح به. انظر أبا السعود. الإشارة: في الآية تنفيرٌ من الاستكبار والترفع على عباد الله تشبهًا بإبليس، وحثٌ على التواضع والخضوع لله في خلقه وتجلياته كيفما كانت، وفيها أيضًا الحض على إفراد الوجهة والمحبة لله، والتبري من كل ما سواه مما يشغل عن الله، وفيها أيضًا: النهي عن التطلع إلى ما لم يَرِدْ به من أسرار القدر نصٌ صريح في كتاب الله ولا في سنة رسول الله من أسرار القدر، وفيها أيضًا: النهي عن الاستعانة بأعداء الله في شأن كان. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر وبال من اتخذ ولياً غير الله

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة وحده {ويوم نقول} بالنون، على أن الله تعالى هو المخبر عن نفسه بذلك، لانه قال قبل ذلك {وما كنت متخذ المضلين عضداً، ويوم نقول} حمله على ما تقدم، والجمع والافراد بذلك المعنى. الباقون بالياء، بمعنى قل يا محمد يوم يقول الله أين شركائي الذين زعمتم، ولو كان بالنون لكان الأشبه بما بعده ان يكون جمعاً، فيقول شركاؤنا، فأما قوله {الذين زعمتم} فالراجع الى الموصول محذوف، والمعنى الذين زعمتموهم اياهم أي زعمتموهم شركاء، فحذف الراجع من الصلة، ولا بد من تقديره كقوله {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً} تفسير : يقول الله تعالى لنبيه واذكر الوقت الذي قال الله فيه {للملائكة اسجدوا لآدم} وانهم {سجدوا إلا إبليس} وقد فسرناه فيما تقدم. وقيل: إنما كرر هذا القول في القرآن لأجل ما بعده مما يحتاج الى اتصاله به، فهو كالمعنى الذي يفيد أمراً فى مواضع كثيرة، والاخبار عنه باخبار مختلفة، كقولهم برهان كذا كذا وبرهان كذا كذا، للمعنى الذي يحتاج الى احكامه فى أمور كثيرة. وقوله {كان من الجن} قيل معناه صار من الجن المخالفين لأمر الله. وقال قوم: ذلك يدل على أنه لم يكن من الملائكة، لأن الجن جنس غير الملائكة، كما ان الانس غير جنس الملائكة والجن، ومن زعم انه كان من الملائكة يقول: معنى كان من الجن يعنى من الذين يستترون عن الابصار لانه مأخوذ من الجن وهو الستر، ومنه المجن لأنه يستر الانسان. وقال ابن عباس: نسب الى الجنان التي كان فيها، كقولك كوفي وبصري، وقال قوم: بل كانت قبيلته التى كان فيها يقال لهم الجن، وهم سبط من الملائكة، فنسب اليهم. وقال ابن عباس: لو لم يكن ابليس فى الملائكة ما أمر بالسجود. وقال وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى {كان من الجن} قال: كان ابليس من الملائكة فلما عصى لعن فصار شيطاناً. ومن قال إن ابليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون عول على خبر غير معلوم. فأما الاكل والشرب ففي الملائكة ولو علم انه مفقود، فانا لا نعلم أن ابليس كان يأكل ويشرب، فأما من قال إن الملائكة رسل الله، ولا يجوز عليهم أن يرتدوا. فلا نسلم لهم أن جميع الملائكة رسل الله، وكيف نسلم ذلك، وقد قال الله تعالى {أية : الله يصطفي من الملائكة رسلاً} تفسير : فأدخل (من) للتبعيض، فدل على أن جميعهم لم يكونوا رسلا أنبياء، كما انه تعالى قال {أية : ومن الناس} تفسير : فدل على أن جميع الناس لم يكونوا انبياء. وقوله {ففسق عن أمر ربه} معناه خرج عن أمر ربه الى معصيته بترك السجود لآدم. وأصل الفسق الخروج الى حال تضر، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفسقت الفارة إذا خرجت من حجرها قال رؤبة: شعر : يهوين فى نجد وغوراً غايراً فواسقاً عن قصدها جوائرا تفسير : وقال ابو عبيدة: هذه التسمية لم أسمعها في شيء من أشعار الجاهلية، ولا أحاديثها، وانما تكلمت بها العرب بعد نزول القرآن، قال المبرد: والأمر على ما ذكر أبو عبيدة، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب، وأوكد الأمور ما جاء في القرآن. وقال قطرب: معنا {ففسق عن أمر ربه} عن رده أمر ربه، كقولهم كسوته عن عرى وأطعمته عن جوع، ثم خاطب تعالى الخلق الذين أشركوا بالله غيره، فقال {أفتتخذونه يعني إبليس وذريته أولياء} أي أنصاراً توالونهم من دون الله {وهم} يعني ابليس {وذريته عدو لكم} يريدون بكم الهلاك والدمار {بئس} البدل {للظالمين بدلاً} ونصب {بدلا} على التمييز. ثم قال {ما أشهدتهم خلق السماوات} وقيل معناه ما أشهدتهم ذلك مستعيناً بهم، وقيل معناه ما أشهدت بعضهم خلق بعض. ووجه اتصال ذلك بما قبله اتصال الحجة التي تكشف حيرة الشبهة، لانه بمنزلة ما قيل إنكم قد أقبلتم على اتباع ابليس وذريته حتى كأن عندهم ما تحتاجون اليه، فلو اشهدتهم خلق السموات والأرض وخلق أنفسهم، فلم يخف عليهم باطن الأمور وظاهرها لم تزيدوا على ما أنتم عليه فى امركم. ثم قال تعالى {وما كنت متخذ المضلين عضداً} يعني اعواناً، وهو قول قتادة وهو من اعتضد به إذا استعان به. وفي عضد خمس لغات، وهي عَضَد وعُضُد وعَضِد وعُضْد وعَضُد. ثم اخبر تعالى عن حالهم يوم القيامة فقال واذكر يوم يقول الله تعالى للمشركين نادوا شركائي الذين زعمتم - على وجه التقريع والتوبيخ - واستغيثوا بهم، فدعوهم يعني المشركين يدعون أولئك الشركاء الذين عبدوهم مع الله، فلا يستجيبون لهم ثم قال تعالى {وجعلنا بينهم موبقاً} قال ابن عباس أي مهلكاً، وبه قال قتادة والضحاك وابن زيد، وهو من أوبقته ذنوبه أي اهلكته. وقال الحسن معنا {موبقاً} أي عداوة، كأنه قال عداوة مهلكة. وقال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم. وحكى الكسائي وبق يبق وبوقاً، فهو وابق إذا هلك، وحكى الزجاج: وبق الرجل يوبق وبقاً. والوبق مصدر وبق.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} عطف على عند ربك والمعنى انّ الباقيات الصّالحات خير ثواباً فى الابد والازل، او عطف على يوم نسيّر الجبال بتقدير ذكّر اى ذكّرهم وقت قولنا قبل خلقتهم {لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} قد سبق تفصيله فى البقرة {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} يعنى انّه لم يطع ربّه الّذى خلقه وربّاه وانعم عليه فلا ينبغى ان يجعل وليّاً فانّ الخارج عن امر المنعم لا يأتى منه الاحسان {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} والحال انّهم مع الخروج عن طاعة الرّبّ لكم عدوّ فلا ينبغى ان تتّخذوهم اولياء يعنى انّهم فى انفسهم لا يستحقّون الولاية وبالاضافة اليكم ايضاً لا يستحقّونها {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ} بجعل الولاية لغير المتسحقّ او هو وجه آخر للمنع عن اتّخاذه وليّاً كأنّه قال: وهو للظّالمين ولىّ ومن كان للظّالمين وليّاً لا ينبغى ان يتّخذ وليّاً {بَدَلاً} من الله.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} واذكر يا محمد إذ {قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ} اخضعوا له أو اسجدوا له سجود انحناء ولا وضع جبهة تحية له أو اسجدوا لله عند آدم أو إلى جهة آدم وذلك كما نسجد إلى الكعبة. {فَسَجَدُوا} له. {إلاّ إبْلِيسَ} استثناء منقطع فإن إبليس ليس من الملائكة لكن لما كان ناشئا فيهم عابدا بعبادتهم مخاطبا بخطابهم حسن استثناؤه ولا سيما أن قوله تعالى: {اسجدوا} شامل له بالقصد والقرينة ولو كان موجها إلى الملائكة. {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} الجملة مستأنفة للتعليل أو حال بدون تقدير قد. وبتقديره وهو أبو الجن وواحد منهم كما أن آدم أبو البشر وواحد منهم هذا هو الصحيح وعليه الجمهور. وهو قول الحسن ويدل لذلك قوله: وذريته فإن الملَك لا ذرية له ولا تطلق عليه ولو بمعنى أتباعه ويدل له أيضا قوله: {فَفَسَقَ} خرج. {عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} إياه بالسجود فالأمر مصدر أو عن الأمر الذى ألزمه الله من الأمور وهو السجود فليس بمصدر ووجه الدليل من ذلك أن فاء العطف الداخلة على جملة تدل غالبا على أن ما بعدها مسبب عما قبلها فكأنه قيل: فسق عن أمر ربه لأنه من الجن لا من الملائكة ولو كان منهم لم يفسق فإن الملائكة معصومون عن المعصية. وقال بعضهم عن ابن عباس: إن نوعا من الملائكة يقال له: الجن خلقوا من نار السموم وأنهم المراد هنا وإن إبليس منهم. وقال بعضهم عن ابن عباس: إنه مَلكَ رئيس على الملائكة. ولما خالف الأمر مسخ وطرد وغيِّر وكان شيطانا بالمسخ وحكم بعض أصحابنا بالكفر كفر الشرك على من قال: إنه ملك. وذكر الزمخشرى أن كونه ملكا لم يثبت عن ابن عباس. وقيل: إن الجن اسم للفريق المستتر الذى لا يرى سواء كان من الملائكة أو من الجن المقابل للإنس والاستثناء على هذا باق على انقطاعه وعلى القولين قبله متصل. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ} أَى أتعلمون بفسقه عن أمر ربه فتتخذونه بعد ذلك والاستفهام إنكار وتعجيب. {وَذُرَّيَّتَهُ} عطفا على الهاء أى وأولاده وقيل: أتباعه سماهم ذرية مجازا. {أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى} تطيعونهم من دونى أى تَلُونَهُم بالطاعة من دونى. {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} يريدون هلاككم فى الدنيا والآخرة. نفّر الله عز وجل الناس عن اتباع إبليس بعداوته القديمة بينه وبين أبيهم المتصلة إليهم وذكر قصة إبليس المذكورة بعد ذكر افتخار الكافر بجنته على صاحبه المؤمن تقبيحا لافتخاره بأن الافتخار من صنيع إبليس إذ قال: {أية : أنا خير منه} تفسير : الخ وفصل بينهما بالتزهيد فى الدنيا بسرعة زوالها ولا تكرر قصة فى القرآن إلا لنكتة وسكن الياء من قوله من دونى غير نافع وأبى عمرو. {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ} أنفسهم بالسعى فيما يهلكها وفاعل بئس ضمير مستتر عائد إلى مبهم فسره قوله: {بَدَلاً} وهو تمييز أى بدلا من الله والمخصوص بالذم محذوف تقديره إبليس وذريته.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} كلهم، وقيل: ملائكة الأرض، وقيل: الملائكة غير المهمين {اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا} كلهم {إِلاَّ إِبْلِيسَ} السجود لآدم خضوع له وتعظيم، أو كسجود الصلاة لله تعالى، لكن إِلى جهة آدم وهو قبلة لهم، وفيه تعظيم له أيضا، واستثناء إبليس متصل، لأنه قيل إما ملك خلق من نار، ثم نسخ إلى صورته الجِنِّيَّة، وعَقَب، ولو نسخ بخلاف سائر ما نسخ فإنه لا يعقب، بل يخلق الله عز وجل مثله، وهذا القول ضعيف، وإما لأنه ولو لم يكن منهم إلا أنه نشأ فيهم، وكساه كسوتهم كأنه واحد منهم، وهو أول الجن وأبوهم، وقيل: كان الجن قبله وولد منهم، عصوا الله بعد العبادة، فأمر الله الملائكة فقاتلوهم وطردوهم إلى البحور والشعاب، وقيل: أهلكهم الله تعالى كلهم وبقى بعدهم ينسل كأولاد نوح، وسبوه صغيراً إلى السماء فتعبّد فيهم، وكان رئيسهم لاجتهاده فى العبادة أكثر منهم، وما ترك موضع شبر فى السماوات والأرض إلا سجد فيه. والواضح أن الاستثناء منقطع، وكررت قصة أمره بالسجود لآدم فى مواضع بحسب ما يناسب كل موضع، فهنا ذكر ليشير إِلى أن صاحب الجنتين متبع لإبليس فى تكبُّره وكفره ورغبته فى الدنيا، وأن صاحبه المؤمن متبع لآدم والملائكة فى طاعة الله، والاتضاع والزهد، وهكذا سائر ما يكرر فى القرآن، وفى تكرير قصة السجود تذكير لنا بعدونا القديم لئلا نغفل، والملائكة كلهم معصومون، وزعم بعض أن ملائكة الأرض غير معصومين، وأن إبليس منهم. {كَانَ مِنَ الجِنِّ} حال بإضمار قد، أو استئناف لبيان أنه ليس من الملائكة، وأنه لو كان منهم لم يعص، لأنهم معصومون، وقيل: الجن نوع من الملائكة يمكن منهم العصيان، وهو قول باطل،وزعم بعض أن الجن فى الآية ملائكة يصوغون الحلى لأهل الجنة. {فَفَسَقَ} بسبب كونه من الجن، لأن العطف على كان إلخ وقيل: الفاء تعليل لقوله إلا إبليس، وعندى يجوز كون الفاء سببية ولو بلا عطف وإباؤه من السجود يعتبر سببًا لاتصافه باسم الفسق، أو هو سبب لسراير فسقه بعد. {عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} خرج عنه لأنه غير ملَك كما يعصى الأدمى، وكما يعصى الجن، بل يعصى جلهم، وأمر بالسجود فى جملة الملائكة فلم يسجد، وأمر الملائكة ونهيهم أمر له، ونهى له، إذ كان مغموراً فيهم، وعن للمجاوزة على أصلها، لأن المعنى مائل عن أمر ربه، ومعرض عنه، ولا حاجة إلى جعلها سببية، وإلى أن الأمر بمعنى المشيئة، لأن المشيئة لله لا تتخلف، وكذا إرادته، والتحقيق أنه تخلف عما أمر به، وعصى أمر ربه بمعنى ما أمر به من السجود. نعم يجوز على خلاف الأصل أنها سببية، وأن مشيئته التى فسرنا بها أمر ربه مشيئته التى بمعنى القضاء، وهى التى ذكرت أنها لا تتخلف، أى فسق بسبب قضاء الله عز وجل عليها بالخذلان. {أَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} أى المشركين منهم، وأما المؤمنون فليسوا فى هذا المقام، ولا يدعون إلى عبادة غير الله، ومن عَبَده فقد ضل وحده. {أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى} أتجهلون عداوته فتتخذونه، أو أتكفرون نعمتى فتتخذونه وذريته أولياء بدلا منى، وتطيعونهم بدل طلبتى، أو الذرية أتباعه مطلقا من الجن والإنس تسمية للكل باسم البعض، قيل: إبليس لم يتزوج ولم يلد، وإنما الجن والشياطين ممن قبله، وقيل: كان ملكاً، ولما عصى مسخ، وجعل يتزوج، وقيل: يدخل ذَنَبه فى دبره فيلد، فيبيض، وتفلق البيضة عن شياطين، وهو قوله تعالى {ذريته} وهو الصحيح. والمانع بقول ذريته أتباعه كما يقال للأتباع: الإخوان، ولا يولد آدمى إلا ولد معه شيطان يقرن به، ويقال: ولد خمسة: تبر وهو صاحب المصائب، والأعور وهو صاحب الزنى اسم يدخل مسمع الرجل الذى يدخل بيته ولم يسلّم، ويأكل معه إذا لم يسمّ، ومسوط وهو صاحب الصخب، وقيل: صاحب أخبار الكذب، يلقيها على أفواه الناس، وزليفور وهو الذى يفرق بين الناس، ويبصر الرجل عيوب أهله، وقيل: صاحب الأسواق. ويقال: إن جميع ذريته من خمس بيضات، ويجتمع على المؤمن الواحد أكثر من ربيعة ومضر، ويجوز أن يراد بالذرية أولاده وأتباعه جمعًا بين الحقيقة والمجاز أو حملا على عموم المجاز، وقيل: يلد بذكر فى فخذه اليمنى، وفرج فى اليسرى. {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} فى الدين والدنيا، والمعنى والحال أنهم أعداء لكم، كما أنهم أعداء الله وذلك كفر لنعمة الله، وصداقة لأعدائه. {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} من الله، والمخصوص بالذم محذوف تقديره إبليس وذريته، وهم مخلوقون خلقهم الله، وليسوا خالقين للسماوات والأرض، ولا لأنفسهم فكيف يستحقون العبادة، وعرض ذلك بقوله: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ} ما أحضرتهم أى إبليس وذريته {خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} حين خلقت ذلك فاللفظ لنفى إحضارهم، والمعنى لكون الله الخالق لا هم فكيف يُعبدون، أو ليسوا ممن يبالى بهم، فكيف أحضرهم عند خلق السماوات والأرض، وخلق أنفسهم، فهذا تعريض بحقارتهم، هم لا يعتبرون إلا بالانتقام منهم، ولا يتقوَّى بهم، والله كامل القوة، لا يتقوَّى بهم ولا بغيرهم. إن قلت: حضور الشئ لنفسه قبل وجوده محال، فكيف قال: "ولا خلق أنفسهم"؟ قلت: المعنى ولا أشهدت بعضا منهم، موجوداً لخلق بعض منهم، غير موجود، كقوله تعالى: "أية : ولا تقتلوا أنفسكم" تفسير : [النساء: 29] أو ما أحضرت بعضًا خلق بقية جسده. {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} كعضد اليد أتقوى به، يقال: عضده قوَّاه، والمضلين إبليس وذريته من وضع الظاهر موضع المضمر، ليعيب عليهم بذكر الإضلال، فهم سفهاء مناقضون لما دعوا إليه من الحكمة، والحكيم لا يتخذ السفيه عضداً، فكيف أحكم الحكماء بأسفه السفهاء. قال النفسى: قال لى رجل: هل لإبليس زوجة، فقلت: ذلك العرس ما شهدته أراد نفى الزوجة، فتذكرت قوله تعالى: {وذريته} والذرية لا تكون إلا من زوجة، فقلت: نعم له زوجة، وهذا أظهر. ومن جملة ذريته أولاد الزنى، والأولاد الذين من أموال الحرام، والولد من جماع، استحضر الرجل عند جماعة امرأة غير زوجه أو سريته، فى قلبه، ولا يحسن استحضارهما وذكر بعض أنه يدخل ذَنَبه أو ذكره فى دبره، فيبيض وتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين، فيستغنى عن زوج إلا أن تكون للتمتع، والبيضة لإكثار الأولاد. ويجوز على تفكيك الضمائر أن يكون قوله عز وجل: {ما أشهدتهم} لمشركى قريش على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما مر من وضع المضلين موضع الضمير، ومن التعريض بحقارتهم وانتفاء صلوحهم للتقوية بهم، ولا تطمع فى أنهم لو آمنوا لآمن الناس كما يزعمون، وكما تظن، وأفرد العضد لأنه يعم بسياق النفى، إذ هو نكرة، واختار ذلك للفاصلة، ولأن الجمع فى حكم الواحد فى عدم الصلوح للاعتضاد.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} أي اذكر وقت قولنا {لِلْمَلَـٰئِكَةِ} كلهم كما هو الظاهر، واستثنى بعض الصوفية الملائكة المهيمين، وبعض آخر ملائكة السماء مطلقاً وزعم أن المقول له ملائكة الأرض. {ٱسْجُدُواْ لأَِدَمَ} سجود تحية وإكرام أو اسجدوا لجهته على معنى اتخذوه قبلة لسجودكم لله تعالى، وقد مر تمام الكلام في ذلك {فَسَجَدُواْ} كلهم أجمهون امتثالاً للأمر {إِلاَّ إِبْلِيسَ} لم يكن من الساجدين بل أبـى واستكبر، وقوله تعالى: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ} كلام مستأنف سيق مساق التعليل لما يفيده استثناء اللعين من الساجدين، وقيل: حال من المستثنى وقد مقدرة والرابط الضمير وهو اختيار أبـى البقاء، والأول ألصق بالقلب فكأنه قيل ما له لم يسجد؟ فقيل كان أصله جنياً، وهذا ظاهر في أنه ليس من الملائكة. نعم كان معهم ومعدوداً في عدادهم، فقد أخرج ابن جرير عن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن فسبـي إبليس وكان صغيراً فكان مع الملائكة فتعبد بالسجود معهم. وأخرج نحوه عن شهر بن حوشب، وهو قول كثير من العلماء حتى قال الحسن فيما أخرجه عنه ابن المنذر وابن أبـي حاتم: قاتل الله تعالى أقواماً زعموا أن إبليس من الملائكة والله تعالى يقول: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ} وأخرج عنه ابن جرير وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» وأبو الشيخ في «العظمة» أنه قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين وإنه لأصل الجن كما أن آدم عليه السلام / أصل الإنس، وفيه دلالة على أنه لم يكن قبله جن كما لم يكن قبل آدم عليه السلام إنس، وفي القلب من صحته ما فيه. وأقرب منه إلى الصحة ما قاله جماعة من أنه كان قبله جن إلا أنهم هلكوا ولم يكن لهم عقب سواه فالجن والشياطين اليوم كلهم من ذريته فهو في الجن كنوح عليه السلام في الإنس على ما هو المشهور، وقيل: كان من الملائكة والجن قبيلة منهم، وقد أخرج هذا ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في «العظمة» والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنهما أن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان وكان له سلطان السماء الدنيا وكان له مجمع البحرين بحر الروم وبحر فارس وسلطان الأرض فرأى أن له بذلك عظمة وشرفاً على أهل السماء فوقع في نفسه كبر لم يعلم به أحد إلا الله تعالى فلما أمر بالسجود ظهر كبره الذي في نفسه فلعنه الله تعالى إلى يوم القيامة، وكان على ما رواه عنه قتادة يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وأجيب عن هذا بما أشرنا إليه آنفاً وبغيره مما لا يخفى، وإلى ذلك ذهب ابن جبير، وقد روى عنه جماعة أنه قال: الجن في الآية حي من الملائكة لم يزالوا يصوغون حلى أهل الجنة حتى تقوم الساعة، وفي رواية أخرى عنه أن معنى {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ} كان من خزنة الجنان وهو تأويل عجيب، ومثله ما أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» عن قتادة أن معنى كونه من الجن أنه أجن عن طاعة الله تعالى أي ستر ومنع، ورواية الكثير عنه أنه قائل بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: هو من الملائكة ومعنى {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ} صار منهم بالمسخ، وقيل: معنى ذلك أنه عد منهم لموافقته إياهم في المعصية حيث أنهم كانوا من قبل عاصين فبعثت طائفة من الملائكة عليهم السلام لقتالهم، وأنت تعلم أنه يشق الجواب على من ادعى أن إبليس من الملائكة مع دعواه عصمتهم، ولا بد أن يرتكب خلاف الظاهر في هذه الآية، نعم مسألة عصمتهم عليهم السلام خلافية ولا قاطع في العصمة كما قال العلامة التفتازاني. وقد ذكر القاضي عياض أن طائفة ذهبوا إلى عصمة الرسل منهم والمقربين عليهم السلام ولم يقولوا بعصمة غيرهم، وإذا ذهب مدعي كون إبليس من الملائكة إلى هذا لم يتخلص من الاعتراض إلا بزعم أنه لم يكن من المقربين ولا تساعده الآثار على ذلك، ويبقى عليه أيضاً أن الآية تأبى مدعاه، وكذا لو ذهب إلى ما نقل عن بعض الصوفية من أن ملائكة الأرض لم يكونوا معصومين وكان إبليس عليه اللعنة منهم. {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ} أي فخرج عن طاعته سبحانه كما قال الفراء، وأصله من فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وسموا الفأرة فاسقة لخروجها من جحرها من البابين ولهذا عدي بعن كما في قول رؤبة:شعر : يهوين في نجد وغوراً غائراً فواسقاً عن قصدها جوائراً تفسير : والظاهر أن الفسق بهذا المعنى مما تكلمت به العرب من قبل، وقال أبو عبيدة: لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن، ووافقه المبرد على ذلك فقال: الأمر على ما ذكره أبو عبيدة، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب، وكأن ما ذكره الفراء بيان لحاصل المعنى إذ ليس الأمر بمعنى الطاعة أصلاً بل هو إما بمعنى المأمور به وهو السجود وخروجه عنه بمعنى عدم اتصافه به، وإما قوله تعالى: {ٱسْجُدُواْ} وخروجه عنه مخالفته له، وكون حاصل المعنى ذلك على المعنيين ظاهر، وقيل: {عَنْ} للسببية كما في قولهم كسوته عن عري وأطعمته عن جوع أي فصار فاسقاً كافراً بسبب أمر الله تعالى الملائكة المعدود / هو في عدادهم إذ لولا ذلك الأمر ما تحقق إباء. وإلى ذلك ذهب قطرب إلا أنه قال: أي ففسق عن رده أمر ربه، ويحتمل أن يكون تقدير معنى وأن يكون تقدير إعراب؛ وجوز على تقدير السببية أن يراد بالأمر المشيئة أي ففسق بسبب مشيئة الله تعالى فسقه ولولا ذلك لأطاع. والأظهر ما ذكر أولاً. والفاء سببية عطفت ما بعدها على قوله تعالى: {كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ} وأفادت تسبب فسقه عن كونه من الجن إذ شأنهم التمرد لكدورة مادتهم وخباثة ذاتهم والذي خبث لا يخرج إلا نكداً وإن كان منهم من أطاع وآمن، وجوز أن يكون العطف على ما يفهم من الاستثناء كأنه قيل: فسجدوا إلا إبليس أبـى عن السجود ففسق، وتفيد حينئذ تسبب فسقه عن إِبائه وتركه السجود. وقيل: إنها هنا غير عاطفة إذ لا يصح تعليل ترك السجود وإِبائه عنه بفسقه عن أمر ربه تعالى. قال الرضي: والفاء التي لغير العطف وهي التي تسمى فاء السببية لا تخلو أيضاً من معنى الترتيب وتختص بالجمل وتدخل على ما هو جزاء مع تقدم كلمة الشرط وبدونها انتهى. وليس بشيء لأنه يكفي لصحة ترتب الثاني تسببه كما في «أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ»تفسير : [القصص: 15] كما صرح به في «التسهيل» وهنا كذلك. والتعرض لعنوان الربوبية المنافية للفسق لبيان قبح ما فعله. والمراد من الأمر بذكر وقت القصة ذكر القصة نفسها لما فيها من تشديد النكير على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالهم المستنكفين عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليس وأنهم في ذلك تابعون لتسويله كما ينبىء عنه ما يأتي إن شاء الله تعالى، ومنه يعلم وجهه الربط، وجوز أن يكون وجهه أنه تعالى لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان زهدهم سبحانه أولاً بزخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال وشيكة الانتقال والباقيات الصالحات خير ثواباً وأحسن أملاً من أنفسها وأعلاها ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة، واختار أبو حيان في وجهه أنه سبحانه لما ذكر يوم القيامة والحشر وذكر خوف المجرمين مما سطر في كتبهم وكان إبليس اللعين هو الذي حملهم على المعاصي واتخاذ الشركاء ناسب ذكر إبليس والتنفير عنه تبعيداً عن المعاصي وعن امتثال ما يوسوس به ويدعو إليه. وأياً ما كان فلا يعد ذكر هذه القصة هنا مع ذكرها قبل تكراراً لأن ذكرها هنا لفائدة غير الفائدة التي ذكرت لها فيما قبل وهكذا ذكرها في كل موضع ذكرت فيه من الكتاب الجليل. ومثل هذا يقال في كل ما هو تكرار بحسب الظاهر فيه. ولا يخفى أن أكثر المكررات ظاهراً مختلفة الأساليب متفاوتة الألفاظ والعبارات وفي ذلك من الأسرار الإلٰهية ما فيه فلا يستزلنك الشيطان. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى} الهمزة للإنكار والتعجيب والفاء للتعقيب، والمراد إما إنكار أن يعقب اتخاذه وذريته أولياء العلم بصدور ما صدر منه مع التعجب من ذلك، وإما تعقيب إنكار الاتخاذ المذكور والتعجيب منه إعلام الله تعالى بقبح صنيع اللعين فتأمل، والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أنه له أولاداً وبذلك قال جماعة، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لابليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به، وعن قتادة أنه قال: إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم. وذكر في «البحر» أن من القائلين بذلك أيضاً الضحاك والأعمش والشعبـي. ونقل عن الشعبي أنه قال: لا تكون ذرية إلا من زوجة فيكون قائلاً بالزوجة، والذي في «الدر المنثور» برواية / ابن المنذر عنه أنه سئل عن إبليس هل له زوجة؟ فقال: إن ذلك لعرس ما سمعت به، وأخرج ابن أبـي الدنيا في «المكائد» وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه قال: ولد إبليس خمسة ثبر وهو صاحب المصائب والأعور وداسم لا أدري ما يعملان ومسوط وهو صاحب الصخب وزلبنور وهو الذي يفرق بين الناس ويبصر الرجل عيوب أهله. وفي رواية أخرى عنه أن الأعور صاحب الزنا ومسوط صاحب أخبار الكذب يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً وراسم صاحب البيوت إذا دخل الرجل بيته ولم يسم دخل معه وإذا أكل ولم يسم أكل معه وزلبنور صاحب الأسواق وكان هؤلاء الخمسة من خمس بيضات باضها اللعين، وقيل إنه عليه اللعنة يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. وأخرج ابن أبـي حاتم عن سفيان أن جميع ذريته من خمس بيضات باضها قال: وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار. وقال بعضهم: لا ولد له، والمراد من الذرية الأتباع من الشياطين، وعبر عنهم بذلك مجازاً تشبيهاً لهم بالأولاد، وقيل ولعله الحق إن له أولاداً وأتباعاً، ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معاً على التغليب أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يراه أو عموم المجاز. وقد جاء في بعض الأخبار أن ممن ينسب إليه بالولاد من آمن بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم وهو هامة رضي الله تعالى عنه وسبحان من يخرج الحي من الميت، ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا ونقول به فليكن من هذا القبيل إذا صح الخبر فيه. واستدل نافي ملكيته بظاهر الآية حيث أفادت أنه له ذرية والملائكة ليس لهم ذلك. ولمدعيها أن يقول بعد تسليم حمل الذرية على الأولاد: إنه بعد أن عصى مسخ وخرج عن الملكية فصار له أولاد ولم تفد الآية أن له أولاداً قبل العصيان والاستدلال بها لا يتم إلا بذلك، وقوله تعالى: {مِن دُونِى} في موضع الحال أي أفتتخذونهم أولياء مجاوزين عني إليهم وتستبدلونهم بـي فتطيعونهم بدل طاعتي. {وَهُمْ } أي والحال أن إبليس وذريته {لَكُمْ عَدُوٌّ} أي أعداء كما في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 77] وقوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ }تفسير : [المنافقون: 4] وإنما فعل به ذلك تشبيهاً بالمصادر نحو القبول والولوع، وتقييد الاتخاذ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكار وتشديده فإن مضمونها مانع من وقوع الاتخاذ ومناف له قطعاً:شعر : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا له ما من صداقته بد تفسير : {بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ} الواضعين للشيء في غير موضعه {بَدَلاً} أي من الله سبحانه، وهو نصب على التمييز وفاعل {بِئْسَ} ضمير مستتر يفسره هو والمخصوص بالذم محذوف أي بئس البدل من الله تعالى للظالمين إبليس وذريته، وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضع ضمير المخاطبين من الإيذان بكمال السخط والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلم قبيح ما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : ويوم نسير الجيال } تفسير : [الكهف: 47] بتقدير: واذكر إذ قلنا للملائكة، تفننا لغرض الموعظة الذي سيقت له هذه الجمل، وهو التذكير بعواقب اتباع الهوى والأعراضُ عن الصالحات، وبمداحض الكبرياء والعُجب واحتقار الفضيلة والابتهاج بالأعراض التي لا تكسب أصحابها كمالاً نفسياً. وكما وُعظوا بآخر أيام الدنيا ذُكروا هنا بالموعظة بأول أيامها وهو يوم خلق آدم، وهذا أيضاً تمهيد وتوطئة لقوله: { أية : ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم } تفسير : الآية [الكهف: 52]، فإن الإشراك كان من غرور الشيطان ببني آدم. ولها أيضاً مناسبة بما تقدم من الآيات التي أنحت على الذين افتخروا بجاههم وأموالهم واحتقروا فقراء أهل الإسلام ولم يميزوا بين الكمال الحق والغرور الباطل، كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } تفسير : [الكهف: 28]، فكان في قصة إبليس نحو آدم مَثل لهم، ولأن في هذه القصة تذكيراً بأن الشيطان هو أصل الضلال، وأن خسران الخاسرين يوم القيامة آيل إلى اتباعهم خُطواتِ الشيطان وأوليائه. ولهذا فرع على الأمرين قوله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو}. وهذه القصة تكررت في مواضع كثيرة من القرآن، وهي في كل موضع تشتمل على شيء لم تشتمل عليه في الآخر، ولها في كل موضع ذُكرت فيه عبرة تخالف عِبرة غيره، فذكرها في سورة البقرة (مَثلاً) إعلام بمبادىء الأمور، وذكرها هنا تنظير للحال وتوطئة للإنكار والتوبيخ، وقس على ذلك. وفَسق: تجاوز عن طاعته. وأصله قولهم: فسقت الرُّطبَة، إذا خرجت من قشرها فاستعمل مجازاً في التجاوز. قال أبو عبيدة. والفسق بمعنى التجاوز عن الطاعة. قال أبو عبيدة: «لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن»، أي في هذه الآية ونحوها. ووافقه المبرد وابن الأعرابي. وأطلق الفسق في مواضع من القرآن على العصيان العظيم، وتقدم في سورة البقرة (26) عند قوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين}. والأمر في قوله: {عن أمر ربه} بمعنى المأمور، أي ترك وابتعد عما أمره الله به. والعدول في قوله: {عن أمر ربه} إلى التعريف بطريق الإضافة دون الضمير لتفظيع فسق الشيطان عن أمر الله بأنه فسق عبد عن أمر من تجب عليه طاعته لأنه مالكه. وفرع على التذكير بفسق الشيطان وعلى تعاظمه على أصل النوع الإنساني إنكار اتخاذه واتخاذ جنده أولياء لأن تكبره على آدم يقتضي عداوته للنوع، ولأن عصيانه أمر مالكه يقتضي أنه لا يرجى منه خير وليس أهلاً لأن يُتبع. والاستفهام مستعمل في الإنكار والتوبيخ للمشركين، إذ كانوا يعبدون الجن، قال تعالى: { أية : وجعلوا لله شركاء الجن } تفسير : [الأنعام: 100]. ولذلك علل النهي بجملة الحال وهي جملة {وهم لكم عدو}. والذرية: النسل، وذرية الشيطان الشياطين والجن. والعدو: اسم يصدق على الواحد وعلى الجمع، قال تعالى: { أية : يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة } تفسير : [الممتحنة: 1] وقال: { أية : هم العدو } تفسير : [المنافقون: 4]. عومل هذا الاسم معاملة المصادر لأنه على زنة المصدر مثل القبول والوَلُوع، وهما مصدران. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فإن كان من قوم عدو لكم } تفسير : في سورة النساء (92). والولي: من يُتولَّى، أي يتخذ ذا وَلاية بفتح الواو وهي القرب. والمراد به القرب المعنوي، وهو الصداقة والنسب والحلف. و (من) زايدة للتوكيد، أي تتخذونهم أولياء مباعدين لي. وذلك هو إشراكهم في العبادة، فإن كل حالة يعبدون فيها الآلهة هي اتخاذٌ لهم أولياء من دون الله. والخطاب في {أتتخذونه} وما بعده خطاب للمشركين الذين اتخذوه ولياً، وتحذير للمسلمين من ذلك. وجملة {بئس للظالمين بدلاً} مستأنفة لإنشاء ذم إبليس وذريته باعتبار اتخاذ المشركين إياهم أولياء، أي بئس البَدل للمشركين الشيطان وذريته، فقوله: {بدلاً} تمييز مفسر لاسم (بئس) المحذوف لقصد الاستغناء عنه بالتمييز على طريقة الإجمال ثم التفصيل. والظالمون هم المشركون. وإظهار الظالمين في موضع الإضمار للتشهير بهم، ولما في الاسم الظاهر من معنى الظلم الذي هو ذم لهم.

الشنقيطي

تفسير : قدمنا في سورة "البقرة" أن قوله تعالى: {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ}تفسير : [البقرة: 34] محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمراً معلقاً على وجوده. ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزاً بعد وجود آدم. وأنه جل وعلا بين في سورة "الحجر" وسورة "ص" أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم معلق عليه. قال في "الحجر" {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 28-29] وقال في "ص": {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 71-72] ولا ينافي هذا أنه بعد وجود آدم جدَّدَ لهم الأمر بالسجود له تنجيزاً. وقوله في هذه الآية الكريمة: {فسجدوا} محتمل لأن يكونوا سجدوا كلهم أو بعضهم، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم، كقوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر: 30] ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة، {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن. وقد تقرر في الأصول في "مسلك النص" وفي "مسلك الإيماء والتنبيه": أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل، كقولهم: سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته. وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}تفسير : [المائدة: 38] أي لعلة سرقتهما. وكذلك قوله هنا {كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ} أي لعلة كينونته من الجن، لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو. ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن، وأنه كان يتعبد معهم، فأطلق عليهم اسمهم لأنه تبع لهم، كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها. والخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه الله شيطاناً، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة لدخوله فيهم وتعبده معهم - مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال: إن أصله ليس من الملائكة أمران: أحدهما - عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس. كما قال تعالى عنهم: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]، وقال تعالى: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 27]. والثاني-:أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن غير الملائكة. قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال: إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنيه من قوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ}تفسير : [الحجر:30-31] قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص. ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى {كان من الجن} لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة. ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود: شعر : وسخر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر تفسير : قالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}تفسير : [الصافات: 158] عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله. سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علواً كبيراً! وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، وقصره الزمخشري في تفسيره. وقال القرطبي في تفسير سورة "البقرة": إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله "إلا إبليس" اهـ وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره: من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل - كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها. وأظهر الحجج في المسألة - حجة من قال: إنه غير ملك. لأن قوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ } [الكهف: 50] الآية، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي خرج عن طاعة أمر ربه. والفسق في اللغة: الخروج. ومنه قول رؤبة بن العجاج: شعر : يهوين في نجد وغوراً غائرا فواسقاً عن قصدها جوائرا تفسير : وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه. فلا حاجة لقول من قال: إن "عن" سببية، كقوله: {أية : وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ}تفسير : [هود: 53] أي بسببه وأن المعنى: ففسق عن أمر ربه، أي بسبب أمره حيث لم يمتثله، ولا غير ذلك من الأقوال. وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، ولا شك أن فيها معنى الاستبعاد كما تقدم نظيره مراراً أي أبعد ما ظهر منه من الفسق والعصيان، وشدة العداوة لكم ولأبويكم آدم وحواء - تتخذونه وذريته أولياء من دون خالقكم جل وعلا! بئس للظالمين بدلاً من الله إبليس وذريته! وقال {للظالمين} لأنهم اعتاضوا الباطل من الحق، وجعلوا مكان ولايتهم لله ولايتهم لإبليس وذريته. وهذا من أشنع الظلم الذي هو في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه. كما تقدم مراراً. والمخصوص بالذم في الآية محذوف دل عليه المقام، وتقديره: بئس البدل من الله إبليس وذريته. وفاعل بئس" ضمير محذوف يفسره التمييز الذي هو "بدلاً" على حد قوله له في الخلاصة: شعر : ويرفعان مضمراً يفسره مميز كنعم قوماً معشره تفسير : والبدل: العوض من الشيء، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من عداوة الشيطان لبني آدم جاء مبيناً في آيات أخر. كقوله: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}تفسير : [فاطر: 6]. وكذلك الأبوان، كما قال تعالى: {أية : فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117]. وقد بين في غير هذا الموضع: أن الذين اتخذوا الشياطين أولياء بدلاً من ولاية الله يحسبون أنهم في ذلك على حق. كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الأعراف: 30]. وبين في مواضع أخر أن الكفارأولياء الشيطان. كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَانِ}تفسير : [النساء: 76] الآية، وقوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأعراف: 27]، وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ}تفسير : [البقرة: 257] الآية، وقوله: {أية : إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران: 175]، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وذريته} دليل على أن للشيطان ذرية. فادعاء أنه لا ذرية له مناقض لهذه الآية مناقضة صريحة كما ترى. وكا ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك! ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزويج أو غيره. لا دليل عليها من نص صريح، والعلماء مختلفون فيها. وقال الشعبي: سألني الرجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم. وما فهمه الشعبي من هذه الآية من أن الذرية تستلزم الزوجة روي مثله عن قتادة. وقال مجاهد: إن كيفية وجود النسل منه أنه أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات: قال: فهذا أصل ذريته. وقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكراً، وفي اليسرى فرجاً، فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطاناً وشيطانة. ولا يخفى أن هذه الأقوال ونحوها لا معول عليها لعدم اعتضادها بدليل من كتاب أو سنة. فقد دلت الآية الكريمة على أن له ذرية. أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميري في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني: أنه خرج في كتابه مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ"تفسير : وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه. قال مقيدة عفا الله عنه: هذا الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك. هل هي من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك. مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا تخلوا من احتمال. لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل المثل. فيحتمل معنى باض وفرخ على سبيل المثل؛ فيحتمل معنى باض وفرخ أنه فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن الأمثال لا تغير ألفاظها. وما يذكره كثير من المفسرين وغيرهم من تعيين أسماء أولاده ووظائفهم التي قلدهم إياها؛ كقوله: زلنبور صاحب الأسواق. وتبر صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب ونحو ذلك. والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلاً. وداسم هو الشيطان الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره ما لم يرفع من المتاع ما لم يحسن موضعه يثير شره على أهله. وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. والولهان صاحب الطهارة يوسوس فيها والأقيس صاحب الصلاة يوسوس فيها ومرة صاحب المزامير وبه كان يكنى إبليس، إلى غير ذلك من تعيين أسمائهم ووظائفهم - كله لا معول عليه؛ إلا ما ثبت منه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ومما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من تعيين وظيفة الشيطان واسمه ما رواه مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن خلف الباهلي، حدثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء: أن عثمان بن أبي العاص أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال:: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذاك شيطان يقال له خنزب. فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثاً"تفسير : قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. وتحريش الشيطان بين الناس وكون إبليس يضع عرشه على البحر، ويبعث سرايا فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة - كل ذلك معروف ثابت في الصحيح. والعلم عند الله تعالى. \

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اسجدوا لآدم: أي حيّوه بالسجود كما أمرتكم طاعة لي. إلا إبليس: أي الشيطان أبى السجود ورفضه وهو معنى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} أي خرج عن طاعته، ولم يكن من الملائكة، بل كان من الجن، لذا أمكنه أن يعصي ربه! أفتتخذونه وذريته أولياء؟: الاستفهام للاستنكار، ينكر تعالى على بني آدم اتخاذ الشيطان وأولاده أولياء يطاعون ويوالون بالمحبة والمناصرة، وهم لهم عدو، عجباً لحال بني آدم كيف يفعلون ذلك!؟. بئس للظالمين بدلاً: قبح بدلاً طاعة إبليس وذريته عن طاعة الله ورسوله. المضلين عضداً: أي ما كنت متخذ الشياطين من الإنس والجن أعواناً في الخلق والتدبير، فكيف تطيعونهم وتعصونني. موبقاً: أي وادياً من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً هذا إذا دخلوا النار، أما ما قبلها فالموبق، حاجز بين المشركين، وما كانوا يعبدون بدليل قوله: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا}. مواقعوها: أي واقعوان فيها ولا يخرجون منها أبداً. ولم يجدوا عنها مصرفاً: أي مكاناً غيرها ينصرفون إليه لينجوا من عذابها. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في إرشاد بني آدم وتوجيههم إلى ما ينجيهم من العذاب ويحقق لهم السعادة في الدارين، قال تعالى في خطاب رسوله واذكر لَهُمْ {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} وهم عبادنا المكرمون {ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} فامتثلوا أمرنا وسجدوا إلا إبليس. لكن إبليس الذي يطيعه الناس اليوم كان من الجن وليس من الملائكة لم يسجد، ففسق بذلك عن أمرنا وخرج عن طاعتنا. {أَفَتَتَّخِذُونَهُ} أي أيصح منكم يا بني آدم أن تتخذوا عدو أبيكم وعدو ربكم وعدوكم أيضاً ولياً توالونه وذريته بالطاعة لهم والاستجابة لما يطلبون منكم من أنواع الكفر والفسق {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ} أنفسهم {بَدَلاً} طاعة الشيطان وذريته وولايتهم عن طاعة الله ورسوله وولايتهما. وقوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} يخبر تعالى بأنه المنفرد بالخلق والتدبير ليس له وزير معين فكيف يُعْبَدُ الشيطان وذريته، وأنا الذي خلقتهم وخلقت السماوات والأرض وخلقت هؤلاء الذين يعبدون الشيطان، ولم أكن {مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ} وهم الشياطين من الجن والإِنس الذين يضلون عبادنا عن طريقنا الموصل إلى رضانا وجنتنا، أي لم أكن لأجعل منهم معيناً لي يعضدني ويقوي أمري وخلاصة ما في الآية أن الله تعالى ينكر على الناس عبادة الشياطين وهي طاعتهم وهم مخلوقون وهو خالقهم وخالق كل شيء. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي أذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين المعرضين عن عبادة الله إلى عبادة عدوه الشيطان، أذكر لهم يوم يقال لهم في عرصات القيامة {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ} أشركتموهم في عبادتي زاعمين أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم فيخلصونكم من عذابنا. قال تعالى {فَدَعَوْهُمْ} يا فلان!! يا فلان... {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} إذ لا يجرؤ أحد ممن عبد من دون الله أن يقول رب هؤلاء كانوا يعبدونني. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} أي حاجزاً وفاصلاً من عداوتهم لبعضهم. وحتى لا يتصل بعضهم ببعض في عرصات القيامة. وقوله تعالى: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} أي يؤتى بها تُجَرُّ بالسلاسل حتى تبرز لأهل الموقف فيشاهدونها وعندئذ يظن المجرمون أي يوقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} أي داخلون فيها. {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} أي مكاناً ينصرفون إليه لأنهم محاطون بالزبانية، والعياذ بالله من النار وعذابها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عداوة إبليس وذريته لبني آدم. 2- العجب من بني آدم كيف يطيعون عدوهم ويعصون ربهم!! 3- لا يستحق العبادة العبادة أحد سوى الله عز وجل لأنه الخالق لكل مبعود مما عُبِدَ من سائر المخلوفات. 4- بيان خزي المشركين يوم القيامة حيث يطلب إليهم أن يدعوا شركاءهم لاغاثتهم فيدعونهم فلا يستجيبون لهم. 5- جمع الله تعالى المشركين وما كانوا يعبدون من الشياطين في موبق واحد في جهنم وهو وادي من شر أودية جهنم وأسوأها.

القطان

تفسير : فَسَقَ عن امر ربه: خرج عن طاعته. فهم لكم عدو: العدو يطلق على الواحد والجمع. العضد: ما بين المرفق والكتف ومعناه هنا المعين المساعد والنصير. فدعوهم: فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم. موبقا: حاجزا فيه الهلاك. الموبق: المهلك، وبق يبق وبوقا: هلك. مواقعوها: واقعون فيها. مصرفا: مكانا ينصرفون اليه. {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ.... }. تقدم ذلك في الآية 34 من سورة البقرة والآية 11 من سورة الاعراف، والآية 61 من سورة الاسراء، وهي في كل موضع جاءت لفائدةٍ ومعنى غير ما جاءت له في المواضع الأخرى، على اختلاف اساليبها وعباراتها المعنى المراد منها. وهنا يشير الله تعالى الى أن الكفر والعصيانَ مصدرهما طاعة الشيطان، وابليس أعدى الأعداءِ. وقد خرج عن طاعة الله ولم يسجد لآدمَ سجودَ تحيَّةٍ وإكرام، مع ان الملائكة كلَّهم سجدوا وأطاعوا أمرَ ربهم، فعصى ربه عن امره. ومع هذا وبعد ان عرفتم عصيانه وتمرُّدَه على الله تتخذونه هو وأعوانَه أنصاراً لكم من دون الله، وهم لكم اعداء! {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} بئس البدلُ للكافرين بالله اتخاذُ إبليسَ وذرّيته أولياءَ من دونه. {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}. ما أطلعتهم على أسرار التكوين، وما احضرتُ إبليس ولا ذريته خَلْقَ السماوات والارض وما أشهدتُ بعضَهم خلق بعض لأستعين بهم، وما كنتُ في حاجةٍ الى معين، وما كنت متخذ المضلّين الجاحدين أعوانا وانصارا، تعالى الله الغنيُّ عن العالمين. ثم اخبر سبحانه عما يخاطَب به المشركون يوم القيامة على رؤوس الاشهاد تقريعاً لهم وتوبيخا فقال: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً}. اذكر لهم أيها الرسول يوم يقول الله للمشركين: نادوا الذين ادَّعيتم أنهم شركائي في العبادة ليشفعوا لكم كما زعمتم، فاستغاثوا بهم فلم يُجيبوهم، وجعلْنا بينهم حاجزاً مهلكا، وهو النار. ورأى المجرمون النارَ بأعينهم، فأيقنوا انهم واقعون فيها، ولم يجدوا عنها مَحِيدا. قراءات: قرأ حمزة وحده: "ويوم نقول" بالنون، والباقون: "ويوم يقول" بالياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْمَلاۤئِكَةِ} {لأَدَمََ} {لِلظَّالِمِينَ} (50) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ إِلَى عَدَاوَةِ إِبْلِيسَ لَهُمْ، وَلأَِبِيهِمْ آدَمَ، قَبْلَهُمْ، وَيُقَرِّعُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ إِبْلِيسَ، وَمُخَالَفَةِ الخَالِقِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: اذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ قَالَ اللهُ لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ، اعْتِرَافاً بِفَضْلِهِ، وَاعْتِذَاراً عَمَّا قَالُوهُ بِحَقِّهِ: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}.تفسير : فَامْتَثَلُوا جَمِيعاً لأَمْرِ رَبِّهِم الكَرِيمِ، إِلاَّ إِبْلِيسَ، الذِي كَانَ مِنَ الجِنِّ، فَامْتَنَعَ عَنِ السُّجُودِ، وَخَرَجَ عَنْ أَمْرِ اللهِ (فَسَقَ)، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ اللهَ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَنْ يَسْجُدَ لِمَخْلُوقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِنْ الطِّين، وَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ آدَمَ. فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَ، يَا بَنِي آدَمَ، هذا العَدُوَّ لَكُمْ، هُوَ وَذُرِّيَتَهُ، أَوْلِيَاءَ لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، وَتُطِيعُونَ أَوَامِرَهُمْ، وَهُمْ عَلَى مَا عَرَفْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَاوَةِ لآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، فَبِئْسَ مَا فَعَلْتُمْ {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}. اسْجُدُوا لآدَمَ - سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَتَعْظِيمٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تكررتْ قصة سجود الملائكة لآدم - عليه السلام - كثيراً في القرآن الكريم، وفي كل مرة تُعطينا الآياتُ لقطةً معينة، والحق سبحانه في هذه الآية يقول لنا: يجب عليكم أنْ تذكّروا جيداً عداوة إبليس لأبيكم آدم، وتذكروا جيداً أنه أخذ العهد على نفسه أمام الله تعالى أنْ يُغويكم أجمعين، فكان يجب عليكم أن تتنبهوا لهذه العداوة، فإذا حدّثكم بشيء فاذكروا عداوته لكم. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يُحذّرنا من إبليس فإنه يُربِّي فينا المناعة التي نُقاومه بها، والمناعة أنْ تأتيَ بالشيء الذي يضرُّ مستقبلاً حين يفاجئك وتضعه في الجسم في صورة مكروب خامد، وهذا هو التطعيم الذي يُعوِّد الجسم على مدافعة المرض وتغلَّب عليه إذا أصابه. فكذلك الحق سبحانه يعطينا المناعة ضد إبليس، ويُذكِّرنا ما كان منه لأبينا آدم واستكباره عن السجود له، وأن نذكر دائماً قوله: {أية : أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 62]. فانتبهوا ما دُمنا سنُسيّر الجبال، ونُسوِّي الأرض، ونحصر لكلٍّ كتابه، فاحذروا أنْ تقفوا موقفاً حرجاً يوم القيامة، ثم تُفَاجأوا بكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وها أنا أُذكّركم من الآن في وقت السَّعة والتدارك، فحاولوا التوبة إلى الله، وأنْ تصلحوا ما بينكم وبين ربكم. والأمر هنا جاء للملائكة: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ..} [الكهف: 50] لأنهم أشرف المخلوقات، حيث لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمَرُون. وحين يأمر الله تعالى الملائكة الذين هذه صفاتهم بالسجود لآدم، فهذا يعني الخضوع، وأن هذا هو الخليفة الذي آمُركُم أنْ تكونوا في خدمته. لذلك سمَّاهم: المدبّرات أمراً، وقال تعالى عنهم: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الرعد: 11] فكأن مهمة هؤلاء الملائكة أن يكونوا مع البشر وفي خدمتهم. فإذا كان الحق سبحانه قد جنَّد هؤلاء الملائكة وهم أشرفُ المخلوقات لخدمة الإنسان، وأمرهم بالسجود له إعلاناً للخضوع للإنسان، فمن باب أَوْلى أن يخضع له الكون كله بسمائه وأرضه، وأن يجعلَه في خدمته، إنما ذكر أشرف المخلوقات لينسحب الحكم على مَنْ دونهم. وقلنا: إن العلماء اختلفوا كثيراً على ماهية إبليس: أهو من الجن أم من الملائكة، وقد قطعت هذه الآية هذا الخلاف وحَسَمَتْه، فقال تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ..} [الكهف: 50] وطالما جاء القرآن بالنص الصريح الذي يُوضّح جنسيته، فليس لأحد أن يقول: إنه من الملائكة. وما دام كان من الجن، وهم جنس مختار في أنْ يفعل أو لا يفعل، فقد اختار ألاَّ يفعل: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ..} [الكهف: 50] أي: رجع إلى أصله، وخرج عن الأمر. وقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ..} [الكهف: 50] فهذا أمر عجيب، فكيف بعد ما حدث منه تجعلونه ولياً من دون الله الذي خلقكم ورزقكم، فكان أَوْلَى بهذه الولاية. و {وَذُرِّيَّتَهُ..} [الكهف: 50] تدل على تناسل إبليس، وأن له أولاداً، وأنهم يتزاوجون، ويمكن أن نقول: ذريته: كل مَنْ كان على طريقته في الضلال والإغواء، ولو كان من الإنس، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..}تفسير : [الأنعام: 112]. {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50] أي: بئس البدل أن تتخذوا إبليس الذي أبى واستكبر أنْ يسجدَ لأبيكم وَلياً، وتتركوا ولاية الله الذي أمر الملائكة أنْ تسجدَ لأبيكم. ثم يقول الحق سبحانه: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الآية: 50]. يعني: في السجود لآدم عليه السلام. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَّوْبِقاً} [الآية: 52] . قال: الموبق واد في جهنم. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} [الاية: 55]. قال: فجأَة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} معناهُ خَرجَ عَنهُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، إكراما وتعظيما، وامتثالا لأمر الله، فامتثلوا ذلك { إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } وقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } تفسير : وقال: {أية : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } تفسير : فتبين بهذا عداوته لله ولأبيكم ولكم، فكيف تتخذونه وذريته أي: الشياطين { أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا } أي: بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية الشيطان، الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن، الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته. وفي هذه الآية، الحث على اتخاذ الشيطان عدوا، والإغراء بذلك، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم، وأي: ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي وليا، وترك الولي الحميد؟!! قال تعالى: {أية : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } تفسير : وقال تعالى: {أية : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }.

همام الصنعاني

تفسير : 1687- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ}: [الآية: 50]، قال من قبيل الملائكة يقال لهم الجن.