Verse. 2191 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

مَاۗ اَشْہَدْتُّہُمْ خَلْقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَلَا خَلْقَ اَنْفُسِہِمْ۝۰۠ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّيْنَ عَضُدًا۝۵۱
Ma ashhadtuhum khalqa alssamawati waalardi wala khalqa anfusihim wama kuntu muttakhitha almudilleena AAadudan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما أشهدتهم» أي إبليس وذريته «خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم» أي لم أحضر بعضهم خلق بعض «وما كنت متخذ المضلين» الشياطين «عضدا» أعوانا في الخلق، فكيف تطيعونهم.

51

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} قيل: الضمير عائد على إبليس وذريته؛ أي لم أشاورهم في خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، بل خلقتهم على ما أردت. وقيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض «ولا خلق أنفسهم» أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني؟. وقيل: الكناية في قوله: «مَا أَشْهَدْتُهُمْ» ترجع إلى المشركين، وإلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجّمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من يتخوّض في هذه الأشياء. وقال ابن عطية: وسمعت أبي رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاذ المهدويّ بالمهدية يقول: سمعت عبد الحق الصقليّ يقول هذا القول، ويتأوّل هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين. قال ابن عطية وأقول: إن الغرض المقصود أولاً بالآية هم إبليس وذريته؛ وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن؛ حين يقولون: أعوذ بعزيز هذا الوادي؛ إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأوّل بالمضلّين؛ وتندرج هذه الطوائف في معناهم. قال الثعلبي: وقال بعض أهل العلم «مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» ردّ على المنجّمين أن قالوا: إنّ الأفلاك تُحدث في الأرض وفي بعضها في بعض، وقوله: «والأرضِ» ردّ على أصحاب الهندسة حيث قالوا: إن الأرض كريّة والأفلاك تجري تحتها، والناس ملصَقون عليها وتحتها، وقوله: «ولا خلق أنفسهم» ردّ على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس. وقرأ أبو جعفر «ما أشهدناهم» بالنون والألف على التعظيم. الباقون بالتاء بدليل قوله: «وما كنت متخذ» يعني ما استعنتهم على خلق السموات والأرض ولا شاورتهم. {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ} يعني الشياطين. وقيل: الكفار. {عَضُداً } أي أعواناً. يقال: اعتضدتُ بفلان إذا استعنتَ به وتقويتَ. والأصل فيه عضد اليد، ثم يوضع موضع العون؛ لأن اليد قوامها العضد. يقال: عَضَده وعَاضَدَه على كذا إذا أعانه وأعزّه. ومنه قوله: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} تفسير : [القصص: 35] أي سنعينك بأخيك. ولفظ العضد على جهة المثَل، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد. وخصّ المضلّين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ. وقرأ أبو جعفر الجَحْدَريّ «وَمَا كُنْتَ» بفتح التاء؛ أي وما كنت يا محمد متخذ المضلّين عضدا. وفي عضد ثمانية أوجه: «عَضُداً» بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور، وهي أفصحها. و«عَضْداً» بفتح العين وإسكان الضاد، وهي لغة بني تميم. و«عُضُداً» بضم العين والضاد، وهي قراءة أبي عمرو والحسن. و«عُضْداً» بضم العين وإسكان الضاد، وهي قراءة عكرمة. و«عِضَداً» بكسر العين وفتح الضاد، وهي قراءة الضحاك. و«عَضَداً» بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر. وحكى هارون القارىء «عَضِداً». واللغة الثامنة «عِضْدا» على لغة من قال: كِتْف وفِخْذ. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي اذكروا يوم يقول الله: أين شركائي؟ أي ادعوا الذين اشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي. وإنما يقول ذلك لعبدة الأوثان. وقرأ حمزة ويحيـى وعيسى بن عمر «نقول» بنون. الباقون بالياء؛ لقوله: «شركائي» ولم يقل: شركائنا. {فَدَعَوْهُمْ} أي افعلوا ذلك. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} أي لم يجيبوهم إلى نصرهم، ولم يكفّوا عنهم شيئاً. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} قال أنس بن مالك: هو وادٍ في جهنم من قيح ودم. وقال ابن عباس: أي وجعلنا بين المؤمنين والكافرين حاجزاً. وقيل: بين الأوثان وعبدتها، نحو قوله: {أية : فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} تفسير : [يونس: 28] قال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين فهو مَوْبق. وذكر ابن وهب عن مجاهد في قوله تعالى: «مَوْبِقا» قال وادٍ في جهنم يقال له مَوْبق. وكذلك قال نَوْف البِكَاليّ إلا أنه قال: يحجز بينهم وبين المؤمنين. عِكرمة: هو نهر في جهنم يسيل ناراً، على حافتيه حيات مثل البغال الدّهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا منها بالاقتحام في النار. وروى زيد بن درهم عن أنس بن مالك قال: «مَوْبقا» وادٍ من قيح ودم في جهنم. وقال عطاء والضحاك: مَهْلِكا في جهنم؛ ومنه يقال: أوبقته ذنوبه إِيباقا. وقال أبو عبيدة: موعداً للهلاك. الجوهري: وَبَق يبِق وبوقا هَلَك، والمَوْبِق مثل الموعد مَفعِل من وعد يعِد، ومنه قوله تعالى: «وجعلنا بينهم موبقا». وفيه لغة أخرى: وَبِق يَوْبَق وَبَقاً. وفيه لغة ثالثة: وَبِق يَبِق بالكسر فيهما، وأوبقه أي أهلكه. وقال زهير:شعر : ومن يشتري حُسنَ الثَّناءِ بمالِهِ يَصُنْ عِرضَه من كلّ شَنْعاء مُوبِقُ تفسير : قال الفرّاء: جعل تواصلهم في الدنيا مَهلِكا لهم في الآخرة. قوله تعالى: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} «رأى» أصله رَأَيَ؛ قلبت الياء ألفاً لانفتاحها وانفتاح ما قبلها؛ ولهذا زعم الكوفيون أن «رأى» يكتب بالياء، وتابعهم على هذا القول بعض البصريين. فأما البصريون الحذّاق، منهم محمد بن يزيد فإنهم يكتبونه بالألف. قال النحاس: سمعت عليّ بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز أن يكتب مضى ورمى وكل ما كان من ذوات الياء إلا بالألف، ولا فرق بين ذوات الياء وبين (ذوات) الواو في الخط، كما أنه لا فرق بينهما في اللفظ، ولو وجب أن يكتب ذوات الياء بالياء لوجب أن يكتب ذوات الواو بالواو، وهم مع هذا يناقضون فيكتبون رمى بالياء ورماه بالألف، فإن كانت العلة أنه من ذوات الياء وجب أن يكتبوا رماه بالياء، ثم يكتبون ضُحاً جمع ضَحْوة، وكُساً جمع كِسوة، وهما من ذوات الواو بالياء، وهذا ما لا يحصل ولا يثبت على أصل. {فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} «فظنّوا» هنا بمعنى اليقين والعلم، كما قال:شعر : فَقلْتُ لهمْ ظُـنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّج تفسير : أي أيقنوا؛ وقد تقدّم. قال ابن عباس: أيقنوا أنهم مواقعوها. وقيل: رأوها من مكان بعيد فتوهموا أنهم مواقعوها، وظنوا أنها تأخذهم في الحال. وفي الخبر: «إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة». والمواقعة ملابسة الشيء بشدّة. (وعن علقمة أنه قرأ) «فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُلاَفُّوها» أي مجتمعون فيها، واللَّفَف الجمع. {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} أي مَهْرَباً لإحاطتها بهم من كل جانب. وقال القتبي: مَعْدِلا ينصرفون إليه. وقيل: ملجأ يلجأون إليه؛ والمعنى واحد. وقيل: ولم تجد الأصنام مصرِفاً للنار عن المشركين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ } أي إبليس وذرّيته {خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } أي لم أُحْضِر بعضهم خلق بعض {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ } الشياطين {عَضُداً } أعواناً في الخلق، فكيف تطيعونهم؟.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض} فيه وجهان: أحدهما: ما أشهدت إبليس وذريته. الثاني: ما أشهدت جميع الخلق خلق السموات والأرض. وفيه وجهان: أحدهما: ما أشهدتهم إياها استعانة بهم في خلقها. الثاني: ما أشهدتهم خلقها فيعلموا من قدرتي ما لا يكفرون معه. ويحتمل ثالثاً: ما أشهدتهم خلقها فيحيطون علماً بغيبها لاختصاص الله بعلم الغيب دونه خلقه. {ولا خلق أنفسهم} فيه وجهان: أحدهما: ما استعنت ببعضهم على خلق بعض. الثاني: ما أشهدت بعضهم خلق بعض. ويحتمل ثالثاً: ما أعلمتم خلق أنفسهم فكيف يعلمون خلق غيرهم. {وما كنت متخذ المضلين عضدا} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني أولياء. الثاني: أعواناً، ووجدته منقولاً عن الكلبي. وفيما أراد أنه لم يتخذهم فيه أعواناً وجهان: أحدهما: أعواناً في خلق السموات والأرض. الثاني: أعواناً لعبدة الأوثان، قاله الكلبي. وفي هؤلاء المضلين قولان: أحدهما: إبليس وذريته. الثاني: كل مضل من الخلائق كلهم. قال بعض السلف: إذا كان ذنب المرء من قبل الشهوة فارْجُه، وإذا كان من قبل الكبر فلا ترْجه، لأن إبليس كان ذنبه من قبل الكبر فلم تقبل توبته، وكان ذنب آدم من قبل الشهوة فتاب الله عليه. وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا المعنى فقال: شعر : إذا ما الفتى طاح في غيّه فَرَجِّ الفتى للتُّقى رَجّه فقد يغلط الركب نهج الطـــ ـــريق ثم يعود إلى نهجه

ابن عطية

تفسير : الضمير في {أشهدتهم} عائد علىالكفار، وعلى الناس بالجملة، فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين، وأهل الطبائع، والمتحكمين من الأطباء، وسواهم من كل من يتخوض في هذه الأشياء. قال القاضي أبو محمد: وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: سمعت الفقيه أبا عبد الله محمد بن معاد المهدوي بالمهدية، يقول سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ويتأول هذا التأويل في هذه الآية، وأنها رادة على هذه الطوائف، وذكر هذا بعض الأصوليين، وقيل الضمير في {أشهدتهم} عائد على ذرية إبليس، فهذه الآية، على هذا تتضمن تحقيرهم، والقول الأول أعظم فائدة، وأقول: إن الغرض المقصود أولاً بالآية، هم إبليس وذريته، وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة وعلى الكهان والعرب المصدقين لهم والمعظمين للجن حين يقولون أعوذ بعزيز هذا الوادي، إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته، وهم أضلوا الجميع، فهم المراد الأول بـ {المضلين}، وتندرج هذه الطوائف في معناهم، وقرأ الجمهور، "وما كنتُ" وقرأ أبو جعفر والجحدري والحسن بخلاف "وما كنتَ"، والصفة بـ {المضلين}، تترتب في الطوائف المذكورة، وفي ذرية إبليس لعنه الله، و"العضد" استعارة للمعين المؤازر، وهو تشبيه بالعضد للإنسان الذي يستعين به، وقرأ الجمهور "عَضُداً" بفتح العين وضم الضاد، وقرأ أبو عمرو والحسن بضمهما، وقرأ الضحاك بكسر العين وفتح الضاد، وقرأ عكرمة "عُضْداً" بضم العين وسكون الضاد، وقرأ عيسى بن عمر "عَضَداً" بفتح العين والضاد، وفيه لغات غير هذا لم يقرأ بها، وقوله {ويوم يقول} الآية وعيد، المعنى واذكر يوم، وقرأ طلحة ويحيى والأعمش وحمزة "نقول" بنون العظمة، وقرأ الجمهور بالياء أي "يقول" الله تعالى للكفار الذين أشركوا به من الدنيا سواه: {نادوا شركائي} أي على وجه الاستغاثة بهم، وقوله {شركائي} أي على دعواكم أيها المشركون وقد بين هذا بقوله {الذين زعمتم} وقرأ ابن كثير وأهل مكة "شركاي" بياء مفتوحة، وقرأ الجمهور: "شركائي" بهمزة. فمنهم من حققها، ومنهم من خففها، و"الزعم" إنما هو مستعمل أبداً في غير اليقين، بل أغلبه في الكذب، ومنه هذه الآية، وأرفع موضعه أن يستعمل "زعم" بمعنى أخبر، حيث تبقى عهدة الخبر على المخبر، كما يقول سيبويه رحمه الله: زعم الخليل. وقوله {فدعوهم} فلم يستجيبوا لهم ظاهره أن ذلك يقع حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة، كأن فكرة الكفار ونظرهم في أن تلك الجمادات، لا تغني شيئاً ولا تنفع، هي بمنزلة الدعاء وترك الإجابة، والأول أبين، واختلف المتأولون في قوله {موبقاً} قال عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ومجاهد: هو واد في جهنم يجري بدم وصديد، قال أنس: يحجز بين أهل النار وبين المؤمنين، فقوله على هذا {بينهم} ظرف، وقال الحسن {موبقاً} معناه عداوة و {بينهم} على هذا ظرف، وبعض هذه الفرقة، يرى أن الضمير في قوله {بينهم} يعود على المؤمنين والكافرين، ويحتمل أن يعود على المشركين ومعبوداتهم، وقال ابن عباس {موبقاً} معناه مهلكاً بمنزلة موضع وهو من قولك وبق الرجل وأوبقه غيره إذا أهلكه، فقوله {بينهم} على هذا التأويل، يصح أن يكون ظرفاً، والأظهر فيه أن يكون اسماً، بمعنى جعلنا تواصلهم أمراً مهلكاً لهم، ويكون {بينهم} مفعولاً أولاً لـ {جعلنا}، وعبر بعضهم عن الموبق بالموعد وهذا ضعيف، ثم أخبر عز وجل عن رؤية المجرمين النار، ومعاينتهم لها، ووقوع العلم لهم بأنهم مباشروها، وأطلق الناس أن الظن هنا بمعنى اليقين، ولو قال بدل {ظنوا} وأيقنوا لكان الكلام متسقاً، على مبالغة فيه، ولكن العبارة بالظن لا تجيء أبداً في موضع يقين تام قد قاله الحسن، بل أعظم درجاته أن يجيء في موضع علم متحقق، لكنه لم يقع ذلك المظنون، وإلا، فقد يقع ويحسن، لا يكاد توجد في كلام العرب العبارة عنه بالظن وتأمل هذه الآية، وتأمل قول دريد: شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج تفسير : وقرأ الأعمش "فظنوا أنهم ملاقوها"، وكذلك في مصحف ابن مسعود، وحكى أبو عمرو الداني عن علقمة، أنه قرأ: "ملافوها" بالفاء مشددة من لففت، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنةتفسير : . و"المصرف" المعدل، والمرغ، ومنه قول أبي كبير الهذلي: [الكامل] شعر : أزهير هل عن شيبة بن مصرف أم لا خلود لباذل متكلف تفسير : وهو مأخوذ من الانصراف من شيء إلى شيء، وقوله تعالى: {ولقد صرفنا} الآية، المعنى: ولقد خوفنا ورجينا وبالغنا في البيان، وهذا كله بتمثيل وتقريب للأذهان، وقوله: {من كل مثل} أي من كل مثال له نفع في الغرض المقصود بهم، وهو الهداية، وقوله {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} خبر مقتضب في ضمنه، فلم ينفع فيهم تصريف الأمثال، بل هم منحرفون يجادلون بالباطل وقوله {الإنسان} يريد الجنس، وروي أن سبب هذه الآية هو النضر بن الحارث، وقيل ابن الزبعرى. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد نام عن صلاة الليل، فأيقظه، فقال له علي إنما نفسي بيد الله، ونحو هذا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضرب خده بيده ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} فقد استعمل الآية على العموم في جميع الناس، و"الجدل" الخصام والمدافعة بالقول، فالإنسان أكثر جدلاً من كل ما يجادل من ملائكة وجن وغير ذلك إن فرض وفي قوله {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} تعليم تفجع ما على الناس، ويبين فيما بعد.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ} إبليس وذريته، أو جميع الخلق ما استعنت بهم في خلقها، أو ما وقفتهم عليها حتى يعلموا من قدرتي ما لا يكفرون معه {خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} ما استعنت ببعضهم على خلق بعض، أو ما أشهدت بعضهم خلق بعض {عَضُداً} أعواناً في خلق السماوات والأرض، أو أعواناً لعبدة الأوثان {الْمُضِلِّينَ} عام، أو إبليس وذريته.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: الضمير في {أَشْهَدتُّهُمْ } عائدٌ على الكُفَّار، وعلى النَّاس بالجملة فتتضمَّن الآية الرَّدَّ على طوائف من المنجِّمِين وأهْل الطبائعِ والمتحكِّمين من الأطبَّاء، وسواهم مِنْ كل من يتخرَّص في هذه الأشياء، وقيل: عائدٌ على ذرية إِبليس، فالآية على هذا تتضمَّن تحقيرَهُم، والقولُ الأول أعظم فائدةً، وأقول: إنَّ الغرض أولاً بالآية هُمْ إِبليس وذريته، وبهذا الوجْه يتَّجه الردُّ على الطوائف المذكورة، وعلى الكُهَّان والعربِ المصدِّقين لهم، والمعظِّمين للجنِّ، حين يقولون: أعُوذُ بِعَزِيز هذا الوَادِي، إِذ الجميع من هذه الفِرَقِ متعلِّقون بإِبليس وذريته، وهم أضلُّ الجميع، فهم المرادُ الأول بـــ {ٱلْمُضِلِّينَ }، وتندرج هذه الطوائفُ في معناهم، وقرأ الجمهور: «ومَا كُنْتُ»، وقرأ أبو جعفر والجحْدَرِيُّ والحسن، بخلافٍ «وَمَا كُنْت»، «والعَضُد»: استعارة للمعين والمؤازر، {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَاءِيَ } أي: على جهة الاستغاثة بهم، واختلف في قوله: {مَّوْبِقاً }، فقال ابن عباس: معناه مهلكاً، وقال عبد اللَّه بن عمر وأنس بن مالك ومجاهد: {مَّوْبِقاً } هو وادٍ في جهنَّم يجري بدَمٍ وصديدٍ. قال أنس: يحجز بين أهل النار وبَيْن المؤمنين. وقوله سبحانه: {فَظَنُّواْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا}، أي: مباشروها، وأطلق الناس أنَّ الظنَّ هنا بمعنى اليقين. قال * ع *: والعبارة بالظَّنِّ لا تجيء أبداً في موضع يقينٍ تامِّ قد قَالَهُ الحَسَن بل أعظم درجاته أن يجيء، في موضع متحقِّق، لكنه لم يقع ذلك المظْنُونُ، والاَّ فمذْ يقع ويُحَسُّ لا يكادُ توجَدُ في كلامِ العربِ العبارةُ عنه بالظَّنِّ، وتأمَّل هذه الآية، وتأمَّل كلام العرب، وروى أبو سعيد الخدريُّ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنَّ الكَافِرَ لَيَرى جَهَنَّمَ، ويَظُنُّ أَنَّهَا مُوَاقِعَتُهُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً » تفسير : و«المَصْرِف»: المَعْدِل والمَرَاغ، وهو مأخوذ من الانصرافِ من شيء إِلى شيء.

البقاعي

تفسير : ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم في المشترك فيه من غير علم لشريكه به، قال معللاً للذم على هذا الظلم بما يدل عل حقارتهم عن هذه الرتبة، عادلاً في أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في { دوني} لذلك: {ما أشهدتهم} أي إبليس وذريته {خلق السماوات والأرض} نوعاً من أنواع الإشهاد {ولا خلق أنفسهم} إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن يكون مخلوق شريكاً لخالقه أصلاً {وما كنت} أي أزلاً وأبداً متخذهم، هكذا الأصل ولكنه أبرز إرشاداً إلى أن المضل لا يستعان به، لأنه مع عدم نفعه يضر، فقال تعالى: {متخذ المضلين عضداً *} إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات إسلام أحد، فإن من علم الله فيه خيراً أسمعه، ومن لم يسمعه فهو مضل ليس أهلاً لنصرة الدين. ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك، أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييباً لظنهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، فقال تعالى عاطفاً على { إذ قلنا} عادلاً إلى مقام الغيبة، إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله تعالى{أية : وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا } تفسير : [ الكهف: 48] في حجب الجلال والكبرياء، وجرى حمزة في قراءته بالنون على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة: {ويوم} أي واذكر يوم {يقول} الله لهم تهكماً بهم: {نادوا شركاءي} وبين أن الإضافة ليست على حقيقتها، بل هي توبيخ لهم فقال تعالى: {الذين زعمتم} أنهم شركاء {فدعوهم} تمادياً في الجهل والضلال {فلم يستجيبوا لهم} أي لم يطلبوا ويريدوا أن يجيبوهم إعراضاً عنهم استهانة بهم واشتغالاً بأنفسهم فضلاً عن أن يعينوهم. ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم، قال في مظهر العظمة: {وجعلنا بينهم} أي المشركين والشركاء {موبقاً *} أي هلاكاً أو موضع هلاك، فاصلاً حائلاً بينهم، مهلكاً قوياً ثابتاً حفيظاً، لا يشذ عنه منهم أحد، وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى { أية : فزيلنا بينهم} تفسير : [يونس: 28] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة، ومثل قوله تعالى { أية : ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذاباً ضعفاً من النار} تفسير : [ الأعراف: 38] { أية : هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } تفسير : [ النحل: 86] ونحوه، لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى { أية : ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} تفسير : [ العنكبوت: 25] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك، فاقتضى ذلك اجتماع الكل فيه، هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب، ونقل ابن كثير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وقال الحسن البصري: عداوة. وأما أخذه من اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة، ولها أحد عشر تركيباً: واحد يائي: بقي، وستة واوية: قبو، قوب، بقو، بوق، وقب، وبق، وأربعة مهموزة: قبأ، قأب، بأق، أبق - كلها تدور على الجمع، وخصوصاً ترتيب وبق يدور على الحائل بين شيئين، ويلزمه القوة والثبات والحفظ والهلاك قوة أو فعلاً، لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء بالفعل إن كان الحائل موتاً، وبالقوة إن كان غيره، يقال: قبل الشيء: جمعه بأصابعه، والبناء: رفعه، والزعفران: جناه، والقبا - بالقصر: نبت - لأنه سبب الاجتماع لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضاً، والقبا: تقويس الشيء - لأنه أقرب إلى اجتماع بعض أجزائه ببعض، والقبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقباه تقبية: عباه، أي جمعه حتى صار كأنه في مكان مقبو، وقبى عليه تقبية: عدا عليه في أمره - لأنه كان كأنه أوقعه في حفرة، والثوب: جعل منه قباء، وتقبى القباء: لبسه، وزيداً: أتاه من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في حفرة كذلك يأتيه مخاتلة، وتقبى الشيء: صار كالقبة، وامرأة قابية: تلقط العصفر وتجمعه، والقابياء: اللئيم - لأنه بناء مبالغة، فيدل على كثرة الجمع والحرص اللازمين للؤم، وبنو قابياء: المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة تظهر لؤم اللئام، وقباء - بالضم ويذكر ويقصر - موضع قرب المدينة الشريفة، وموضع بين مكة والبصرة، وانقبى: استخفى، وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء: قاب قوسين، والمقبي: الكثير الشحم - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار كالبناء، والقباية: المفازة - لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء والوقبة ما فيها. ومن مهموزة: قبأ الطعام - كجمع: أكله، ومن الشراب: امتلأ، والقباءة: حشيشة ترعى - لأن المال يجتمع على رعيها. ومن الواوي: قاب الأرض يقوبها وقوّبها: حفر فيها شبه التقوير - لأن الدائرة أجمع ما يكون لغيرها وفي نفسها، لأنه لا زوايا فيها فاصلة، وقوبت الأرض: آثرت فيها، والقوبة: ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه يكون غالباً على هيئة الدائرة، وتقوب جلده: تقلع عنه الجرب، وانحلق عنه الشعر - إما من الإزالة، وإما لأن آثاره تكون كالدوائر، وقوب الشيء: قلعه من أصله - لأن أثره إذا انقلع يكون حفراً مستديراً، وتقوب هو: تقلع، والقائبة والقابة: البيضة - لأنها لتدويرها تشبه ذلك الحفر، والقوب - بالفتح: فلق الطير بيضه، وبالضم: الفرخ - لأنه منها، وفي المثل: تخلصت قائبة من قوب - يضرب لمن انفصل من صاحبه، والقوبيّ: المولع بأكل الأقواب أي الفراخ، والقوب - كصرد: قشور البيض، وتقوبت البيضه: انقابت أي انحفرت، وأم قوب: الداهية - لجمعها ما تأتي عليه كأنه ابتلعه حفر، وقاب: قرب - لأن القرب مبدأ الجمع، وقاب: هرب، أي سلب القرب - ضد، وقاب: فلق، أي شق الجمع فهو من الإزالة أيضاً، وقاب قوس وقيبه، أي قدره - لأن القوس شبه نصف دائرة من ذلك الحفر، والقاب: ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك، ولكل قوس قابان، والأسود المتقوب: الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدوّر ذلك الجلد وشبهه بالحفرة، واقتاب الشيء: اختاره، أي جمعه إليه، ورجل مليء قوبة - كهمزة: ثابت الدار مقيم - من الثبات الذي هو لازم الجمع، وقوب من الغبار: اغبر - إما لأن من يحفر ذلك بغير، وإما لأن الغبار كثر عليه حتى غطاه فصار له مثل تلك الحفرة. ومن مهموزه: قأب الطعام - كمنع: أكله، والماء: شربه كقئبه - كفرح، أو شرب كل ما في الإناء، وقئب من الشراب: تملأ، وهو مقأب - كمنبر: كثير الشرب للماء، وإناء قَوأب: كثير الأخذ للماء - فهو كما ترى جمع مخصوص بالأكل والشرب، أو أنه جمعه في وقبة بطنه. ومن الواوي: بقاه بعينه: نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع، وابقُه بَقْوَتَك مالَك، وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك مالك، وبقوته: انتظرته - وهو يرجع إلى الثبات والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ، ويلزم الحفظ الثبات. ومن اليائي: بقي الشيء بقاء: ثبت ودام ضد فني، والاسم البقوى - كدعوى، ويضم، والبقيا - بالضم والبقية، وقد توضع الباقية موضع المصدر. ومن واويّه: البوقة: الجمع والدفعة من المطر الشديد أو المنكرة تنباق - أنها نزلت من وقبة لشدتها، والبوائق: العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها، والبوائق: الشر - لأنه مهلك، فكأنه موقع في المهالك، والبوق - بالضم: شبه منقاب ينفخ فيه الطحان، أو الذي ينفخ فيه مطلقاً ويرمز - لأنه لتجويفه يشبه الوقبة، والبوق أيضاً: الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك، والمبوق - كمعظم: الكلام الباطل، والبوق - بالفتح: من لا يكتم السر - لأن البوق متى نفخ فيه صوّت، والبوقة: شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها الهلاك كمن وقع فيه وقبة، والبائقة: الداهية - كأنها تدفع من أتته في الوقبة، وانباقت عليه بائقة: انفتقت، وباق: جاء بالشر والخصومات - من ذلك، وكذا باق، أي تعدى على إنسان، وانباق به: ظلمه، والبائقةُ القومَ: أصابتهم، كانباقت عليهم، أي خرجت لشدتها من وقبة، والباقة: الحزمة من بقل - لاجتماعها، وباق بك: طلع عليك من غيبة - كأنه كان في حفرة فخرج، ومنه باق فلان: هجم على قوم بغير إذنهم، وباق القوم: سرقهم، وباق به: حاق به، أي - أحاط كما تحيط الوقبة، وباق القوم عليه: اجتمعوا فقتلوه ظلماً، وباق المال: فسد وبار - كحال من وقع في حفرة، ومنه متاع بائق: لا ثمن له، وتبوّق في الماشية: وقع فيها الموت وفشا، والحاق باق: صوت الفرج عند الجماع - لأنه من الجمع، ولأن الفرج وقبة، ومن مهموزه: بأقتهم الداهية بؤوقاً: أصابتهم، وانبأق عليهم الدهر: هجم عليهم بالداهية. ومن الواوي، الوقبة: كوة عظيمة فيها ظل، والوقب والوقبة: نقرة في الصخرة يجتمع فيها الماء، وقيل: هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع فيها ماء السماء، وكل نقر في الجسد وقب كنقر العين والكتف، والوقبان من الفرس: هزمتان فوق عينيه، ووقب المحالة: الثقب الذي يدخل فيه المحور، ووقبة الدهن: أنقوعته، وكذا وقبة الثريد، ووقب الشيء: دخل في الوقب، وأوقب الشيء: أدخله فيه، وركية وقباء: غامرة الماء، وامرأة ميقاب: واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم، يريدون سبهم بذلك، والميقاب: الرجل الكثير الشرب للماء، والحمقاء أوالمحمقة، وسير الميقاب: أن تواصل سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق الذي لا يبقى على ظهره، ووقب القمر وقوباً: دخل في الظل الذي يكسفه - كأنه حفرة ابتلعته، ووقبت الشمس وقوباً: غابت كذلك، وقيل: كل ما غاب فقد وقب، ووقب الظلام، أقبل. أي فصار كالوقبة، فابتلع الضياء أو ابتلع ما في الكون فحجبه عن الضياء، ورجل وقب: أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع، لا أهلية له في تمييز جيده من رديئه، والأنثى: وقبة، وقال ثعلب: الوقب: الدنيء، أي لأنه يتبع نفسه هواها فيصير كأنه الوقبة لا ترد شيئاً مما يلقي فيها، ووقب الفرس وقباً وهو صوت قنبه، أي وعاء قضيبه، وقيل: صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - لأن وعاء جردانه كالوقبة، فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه، والقبة - كعدة: الإنفحة إذا عظمت من الشاة، قال ابن الأعرابي: ولا يكون ذلك في غير الشاء - لأن شبه الإنفحة بالوقبة ظاهر، والوقباء: موضع يمد ويقصر، والوقبى: ماء لبني مازن - لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما فيها، والأوقاب: قماش البيت كالبرمة والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها أو لأنها جامعة لشمل من فيه، والميقب: الودعة، وأوقب القوم: جاعوا، أي تهيؤوا لإدخال الطعام في وقبة الجوف، وذكر أوقب: ولاّج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي الحفر، والوقب: الإقبال والمجيء، وهو سبب الجمع. ووبق - كوعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً: هلك، أي وقع فيه وقبة، أي حفرة كاستوبق، وكمجلس: المهلك والمحبس، وواد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين - لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره. ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه. ومن مهموزه: أبق العبد - كسمع وضرب ومنع - أبقاً ويحرك - وإباقاً - ككتاب: ذهب بلا خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب - وكل ذلك يوجع إلى جعله كأنه نزل في وقبة، ومن شأنه حينئذ أن يخفى، ومنه تأبق: استتر أو احتبس، وتأبق الشيء: أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء، وتأبق: تأثم، أي جانب الإثم، فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة، والأبق - محركة: القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة، والأبق: قشره - لقوته اللازمة للجمع أو لأنه خيوط مجتمعة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ يقول ما أشهدت الشياطين الذين اتخذتم معي هذا ‏ {‏وما كنت متخذ المضلين‏} ‏ قال‏:‏ الشياطين ‏ {‏عضدا‏ً} ‏ قال‏:‏ ولا اتخذتهم عضداً على شيء عضدوني عليه فأعانوني‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وما كنت متخذ المضلين عضدا‏ً} ‏ قال‏:‏ أعواناً‏. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وما كنت متخذ المضلين عضدا‏ً} ‏ قال‏:‏ أعوانا‏ً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعلنا بينهم موبقا‏ً} ‏ يقول‏:‏ مهلكاً‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏موبقاً‏} ‏ يقول‏:‏ مهلكا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏موبقا‏ً} ‏ قال‏:‏ واد في جهنم‏. وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن أنس في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعلنا بينهم موبقاً‏} ‏ قال‏:‏ واد في جهنم من قيح ودم‏. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعلنا بينهم موبقاً‏}‏ قال‏:‏ هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عمرو البكالي قال‏:‏ الموبق الذي ذكر الله، واد في النار بعيد القعر يفرق به يوم القيامة بين أهل الإسلام، وبين من سواهم من الناس‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏موبقا‏ً} ‏ قال‏:‏ هو نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالإقتحام في النار منها‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب قال‏:‏ إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها‏:‏ غليظ، وموبق، وأثام، وغي‏.

ابو السعود

تفسير : {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ} استئنافٌ مَسوق لبـيان عدمِ استحقاقِهم للاتخاذ المذكورِ في أنفسهم بعد بـيانِ الصوارفِ عن ذلك من خباثة المَحتِد والفسق والعداوة، أي ما أحضَرْتُ إبليسَ وذريتَه {خلقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} حيث خلقتُهما قبل خلقِهم {وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} أي ولا أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعض كقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [النساء، الآية 29] هذا ما أجمع عليه الجمهورُ حِذاراً من تفكيك الضميرين ومحافظةً على ظاهر لفظ الأنفس، ولك أن تُرجع الضميرَ الثانيَ إلى الظالمين وتلتزمَ التفكيكَ بناءً على قَوْد المعنى إليه، فإن نفيَ إشهادِ الشياطين خلقَ الذين يتولَّونهم هو الذي يدور عليه إنكارُ اتخاذهم أولياءَ بناء على أن أدنى ما يصحح التوليَ حضورُ الوليِّ خلقَ المُتولّىٰ، وحيث لا حضورَ لا مصحِّحَ للتولي قطعاً، وأما نفيُ وإشهادِ بعضِ الشياطينِ خلقَ بعض منهم فليس من مدارية الإنكارِ المذكور في شيء، على أن إشهادَ بعضهم خلقَ بعض إن كان مصحِّحاً لتولي الشاهدِ ـ بناءً على دِلالته على كماله باعتبار أن له مدخلاً في خلق المشهودِ في الجملة ـ فهو مُخِلٌّ بتولي المشهودِ بناء على قصوره عمّن شهِد خلقَه فلا يكون نفيُ الإشهادِ المذكورِ متمحّضاً في نفي الكمالِ المصحِّح للتولي عن الكل وهو المناطُ للإنكاء المذكور {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ} أي متّخذَهم، وإنما وُضع موضعَه المظهُر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لما سبق من إنكار اتخاذِهم أولياءَ {عَضُداً} أعواناً في شأن الخلقِ أو في شأن من شؤوني حتى يُتوهّم شِرْكتُهم في التولي بناء على الشركة في بعض أحكامِ الربوبـية، وفيه تهكمٌ بهم وإيذانٌ بكمال ركاكةِ عقولِهم وسخافةِ آرائِهم حيث لا يفهمون هذا الأمرَ الجليَّ الذي لا يكاد يشتبه على البُلْه والصبـيان فيحتاجون إلى التصريح به، وإيثارُ نفي الإشهاد على نفي شهودِهم ونفي اتخاذِهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون تحت قدرتِه تعالى تابعون لمشيئته وإرادتِه فيهم، وأنهم بمعزل من استحقاق الشهودِ والمعونة من تلقاء أنفسِهم من غير إحضارٍ واتخاذ وإنما قُصارى ما يتوهم في شأنهم أن يبلُغوا ذلك المبلغَ بأمر الله عز وجل ولم يكد ذلك يكون، وقيل: الضميرُ للمشركين والمعنى ما أشهدتُهم خلقَ ذلك وما أطلعتُهم على أسرار التكوينِ وما خصَصْتُهم بفضائلَ لا يَحويها غيرُهم حتى يكونوا قدوةً للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعُمون فلا يُلتفت إلى قولهم طمعاً في نُصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضِدَ بالمُضِلّين، ويعضُده القراءةُ بفتح التاءِ خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما صح لك الاعتضادُ بهم. ووصفُهم بالإضلال لتعليل نفي الاتخاذِ، وقرىء متّخِذاً المُضلّين على الأصل، وقرىء عُضْداً بضم العين وسكون الضاد وبفتح وسكون بالتخفيف وبضمتين بالاتباع وبفتحتين على أنه جمع عاضد كرَصَد وراصد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الآية: 51]. قال أبو سعيد الخراز: لقد عجزت الخليقة أن يدرك بعض صفات ذاتها فى ذاتها، وتدرى كيف كنهها فى أنفسها. قال الله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} فلم يملك الله الخليقة عن تحرى علم أنفسها فى أنفسها فكيف تدرك شيئًا من صفات مالكها.

القشيري

تفسير : أكذب المنجمين والأطباء الذين يتكلمون في الهيئات والطبائع بقوله: {مَّا أَشَهَدتُّهُمْ خَلْقْ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ}: وبَيَّنَ أن ما يقولونه من إِيجاب الطبائع لهذه الكائنات لا أصلَ له في التحقيق. {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}: أي لم أجعل للذين يُضِلُّون الناسَ عن دينهم بِشُبَهِهِمْ في القول بالطبائع حجةً، ولم أعطهم لتصحيح ما يقولونه برهاناً. ويقال إذا تقاصرت علومُ الخَلق عن العلم بأنفسهم فكيف تحيط علومُهم بحقائق الصمدية، واستحقاقِه لنعوته إلا بمقدار ما يخصُّهم به من التعريف على ما يليق برتبة كل أحد بما جعله له أهلاً؟ ويقال أخبر أَنَّ علومَهم تتقاصر عن الإحاطة بجميع أوصافهم وجميع أحوالهم وعن كُلِّ ما في الكون، ولا سبيلَ لهم إلى ذلك؛ ولا حاجةَ بهم إلى الوقوفَ على ما قَصَرَتْ علومُهم عنه، إذ لا يتعلَّق بذلك شيء من الأمور الدينية. فالإشارة في هذا أن يَصْرِفُوا عنايتَهم إلى طلب العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإنه لا بُدَّ لهم - بحكم الديانة - من التحقق بها؛ إذ الواجبُ على العابد معرفة معبوده بما يزيل التردد عن قلبه في تفاصيل مسائل الصفات والأحكام.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ان الله سبحانه اخبر عن اولية ذاته وتقدم صفاته حيث لا حيث ولا اين ولا بين ولا رسم للحدث ولا وسم كان بحر وجود جلاله مرمدا دائما منزها عن نقائص الحدوثية ولا عقل ولا فهم ولا علم كان فى قدم عزته لا وجود لها ولا عدم ولا رسم ولا وسم فلم يزل قائما بذاته فاذا اراد كون الخلق مشاه صفته بنعت التجلى اخرج الكون من العدم ولم يحتج الى اعانة حادث فى ايجاده اذ لو شاهد الخلق عند كونه وايجاد الحق وجوده تكون منقصة فى انفراد العدم وكيف تكون ذلك والقدم منزه عن المعية مع الخلق فاذا كان كذلك فايش يدرك منه الحدثان واسرار صفاته مندرجة تحت اسرار ذاته واسرار ذاته مخفية فى اسراره صفاته للعقول بها احاطة وليس للقلوب بعرفانها منزلة وليس للارواح لادراكها خطرة ولا للاسرار همة هى ممتنعة عن ان يشاهدها اهل البرية التى استحقاقها من سطوة عزته فناء قال ابو سعيد الخراز لقد عجزت الخليقة عن ان تدرك بعض صفات ذاتها فى ذاتها او تدرى كيف كنهها فى انفسها قال الله ما اشهدتهم خلق السّماوات والارض ولا خلق انفسهم فلم يملك الله الخليقة ان تحرى علم انفسها فى انفسها فكيف يدرك شيئا من صفات شاهدها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما اشهدتهم} اشارة الى غناه تعالى عن خلقه ونفى مشاركتهم فى الالوهية اى ما احضرت ابليس وذريته {خلق السموات والارض} لاعتضد بهم فى خلقهما واشاورهم فى تدبير امرهما حيث خلقتهما قبل خلقهم. وفيه رد لمن يدعى ان الجن يعلمون الغيب لانهم لم يحضروا خلق السموات والارض حتى يطلعوا على مغيباتهما {أية : ولا خلق انفسهم} تفسير : ولا اشهدت بعضهم خلق بعضهم كقوله تعالى {أية : ولا تقتلوا انفسكم}تفسير : {وما كنت متخذ المضلين} اى الشياطين الذين يضلون الناس عن الدين والاصل متخذهم فوضع المظهر موضع المضمر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالاضلال {عضدا} اعوانا فى شأن الخلق وفى شأن من شؤونى حتى يتوهم شركتهم فى التولى بناء على الشركة فى بعض احكام الربوبية. قال فى القاموس العضد الناصر والمعين وهم عضدى واعضادى انتهى. اعلم ان الله تعالى منفرد فى الالوهية والكل مخلوق له وقد خلق الملائكة والجن والانس فباين بينهم فى الصورة والاشكال والاحوال. قال سعيد بن المسيب الملائكة ليسوا بذكور ولا اناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون والجن يتوالدون وفيهم ذكور واناث ويموتون والشياطين ذكور واناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون فى الدنيا كما خلد فيها ابليس وابليس هو ابو الجن وقيل انه يدخل ذنبه فى دبره فيبيض بيضة فتفلق البيضة عن جماعة من الشياطين. قال الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام سمى من ولد ابليس فى الحديث الاقبص دهامه بن الاقبص وسمى منهم بلزون وهو الموكل بالاسواق وامهم طرطبة ويقال بل هى حاضنتهم ذكره النقاش باضت ثلاثين بيضة عشرا فى المشرق وعشرا فى المغرب وعشرا فى وسط الارض وانه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالعفاريت والغيلان والقطاربة والجان واسماؤهم مختلفة وكلهم عدو لبنى آدم بنص هذه الآية الا من آمن منهم انتهى. قال الكاشفى [درتبيان آورده كه جون حق سبحانه وتعالى ابليس را برانداز بهلوى جب او زوجه اوراكه آودنام دارد بيافريد واورا بثمار ريكهاى بيابان فرزندانند وازولاد او بكى مرء است كنيت بدو يافته است وديكر لاقيس موسوس صلوات و"ولهان" بالتحريك موسوس طهارتست يعنى "الولهان شيطان يولع الناس بكثرة استعمال الماء ويضحكهم عند الوضوء" وامام احمد غزالى رحمه الله دار اربعين آورده كه شيطان را جند فرزنداست وباتفاق زلنبور ازاولاد او صاحب اسواقست كه بدروغ وكم فروشى وخيانت وسوسه ميكند وابعوال صاحب ابواب زنانست يعنى "صاحب الزنى الذى يأمر به ويزينه" وثبر صاحب مصائب كه بثبور ونوحه وشق جيوب ولطم خدود ودعوى الجاهليةميفرمايد ومبسوط صاحب اراجيفست يعنى "صاحب الكذب الذى يسمع فيلقى الرجل فيخبر بالخبر فيذهب الرجل الى القوم فيقول لهم قد رأيت رجلا اعرف وجهه ما ادرى ما اسمه حدثنى بكذا وكذا" وداسم باخورنده طعام كه بسم الله نكفته باشد شركت ميكند]. وفى آكام المرجان داسم هو الذي يدخل مع الرجل واهله يريه العيب فيهم ويغضبه عليهم [ومدهيش موكل علما است كه ايشانرا براهواء مختلفه ميدارد]. ثم فى الآيتين اشارات. منها ما يتعلق بالله تعالى اراد ان يظهر صفة لطفه وصفة قهره وكمال قدرته وحكمته فاظهر صفة لطفه بآدم اذ خلقه من صلصال من حمأ مسنون وامر ملائكته الذين خلقوا من النور بسجوده من كمال لطفه وجوده واظهر صفة قهره بابليس اذ امره بسجوده لآدم بعد ان كان رئيس الملائكة ومقدمهم ومعلمهم واشدهم اجتهادا فى العبادة حتى لم يبق فى سبع السموات ولا فى سبع الارضين موضع شبر الا وقد سجد لله تعالى عليه سجدة حتى امتلأ من العجب بنفسه حتى لم يرا احدا فابى ان يسجد لآدم استكبارا وقال انا خير منه فلعنه الله وطرده اظهارا للقهر وأظهر كمال قدرته وحكمته بان بلغ من غاية القدرة والحكمة من خلق من قبضة تراب ظلمانى كثيف سفلى الى مرتبة يسجد له جميع الملائكة المقربين الذين خلقوا من نور علوى لطيف روحانى. ومنها ما يتعلق بآدم عليه السلام وهو انه تعالى لما اراد ان يجعله خليفة فى الارض اودع فى طينته عند تخميرها بيده اربعين صباحا سر الخلافة وهو استعداد قبول الفيض الالهى بلا واسطة وقد اختصه الله وذريته بهذه الكرامة بقوله {أية : ولقد كرمنا بنى آدم}تفسير : من بين سائر المخلوفات كما اخبر عليه السلام عن كشف قناع هذا السر بقوله "حديث : ان الله خلق آدم فتجلى فيه"تفسير : ولهذه الكرامة صار مسجودا للملائكة المقربين: قال الحافظ قدس سره شعر : فرشته عشق نداندكه جيست قصه مخوان بخواه جام وكلابى بخاك آدم ريز تفسير : ومنها ما يتعلق بالملائكة وهو انهم لما خلقوا من النور الروحانى العلوى كان من طبعهم الانقياد لاوامر الله تعالى والطاعة والعبودية فلما امروا بسجود آدم وامتحنوا به وذلك غاية الامتحان لان السجود اعلى مراتب العبودية والتواضع لله فاذا امتحن احد ان يسجد لغير الله وذلك غاية الامتحان للامتثال فلم يتلعثموا فى ذلك وسجدوا لآدم بالطوع والرغبة من غير كره واباء امتثالا وانقيادا لاوامر الله كما قال {أية : لا يعصون الله ما امرهم ويفعلون ما يؤمرون}تفسير : . ومنها ما يتعلق بابليس وهو انه لما خلق للضلالة والغواية والاضلال والاغواء خلق من النار وطبعها الاستعلاء والاستكبار وان نظمه الله فى سلك الملائكة منذ خلقه وكساه كسوة الملائكة وهو قد تشبه بافعالهم تقليد لا تحقيقا حتى عد من جملتهم وذكر فى زمرتهم بل زاد عليهم فى الاجتهاد والاعتياد بالاعتقاد فاتخذوه رئيسا ومعلما لما رأوا منه اشتداده فى الاجتهاد بالاراءة دون الارادة فلما امتحن بسجود آدم فى جملة الملائكة هبت نكباء النكبة وانخلع عنه كسوة اهل الرغبة والرهبة لتمييز الله الخبيث من الطيب فطاشت عنه تلك المخادعات وتلاشت منه تلك المبادرات وعاد الميشوم الى طبعه وقد تبين الرشد من غيه فسجد الملائكة وابى ابليس واستكبر من غيه وظهر انه كان من الجن وانه طبع كافرا: قال الحافظ قدس سره شعر : زاهد ايمن مشو از بازئ غيرت زنهار كه ره ازصومه تادير مغان اين همه نيست تفسير : ومنها ان فى اولاد آدم من هو فى صورة آدم لكنه فى صفة ابليس وانهم شياطين الانس واماراتهم انهم يتخذون ابليس وذريته اولياء من دون الله فيطيعون الشيطان ولا يطيعون الرحمن ويتبعون ذرية الشيطان ولا يتبعون ذرية آدم من الانبياء والاولياء ولا يفرقون بين الاولياء والاعداء فبجهلهم يظلمون على انفسهم ويبدلون الله وهو وليهم بالشياطين وهم لهم عدو واولياء الله تعالى هم الذين لا يبدلون الله تعالى بما سواه ويتخذون ما سواه عدوا كما قال ابراهيم خليل الله {أية : فانهم عدو لى الا رب العالمين}تفسير : لانه رأى صحة الخلة مع الله فى صحة العداوة مع ما سواه. ومنها ان اخباره تعالى بانه ما اشهد الشياطين خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم دليل على انه يشهد بعض اوليائه على ما لم يشهد اعداءه فيبصر بنوره الازلى ابتداء تعلق قدرته ببعض الاشياء المعدومة وكيفية اخراجها من العدم الى الوجود واما قول اهل النظر لا يبحث عن كيفية وجود البارئ تعالى وكيفية تعلق القدرة بالمعدومات وكيفية العذاب بعد الموت ونحو ذلك فلا ينافيه اذ المستبعد عند العقل الجزئى مستقرب عند الكشف الكلى وكلامنا مع اهل الكشف لا مع غيره: قال الصائب شعر : سخن عشق باخرد كفتن بررك مرده نيشتر زدنست تفسير : وفى المثنوى شعر : اى كه برد عقلى هديه بااله عقل اينجا كترست ازخاك راه

الجنابذي

تفسير : {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ} ما أشهدت ابليس وذرّيّته، او ما أشهدت المشركين كما روى انّ رسول الله (ص) قال: اللّهم اعزّ الاسلام بعمر بن الخطّاب او بأبى جهل بن هشام فأنزل الله هذه الآية، وعلى الاوّل فهو وجهٌ آخر للمنع من جعل ابليس وذرّيّته اولياء يعنى ما احضرتهم {خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فكيف يكونون خالقيهما او متصرّفين فيهما، ومن لا تسلّط ولا تصرّف له فيهما لا ينبغى أخذه وليّاً {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} فهم غير شاعرين بكيفيّة خلقتهم فكيف بخلقة غيرهم والتّصرّف فيه {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم وذمٍّ آخر لهم وهو ايضاً وجه آخر للمنع من ولايته.

اطفيش

تفسير : {مَا أَشْهَدْتُهُمْ} ما جعلتهم شاهدين أى حاضرين. وقرئ ما أشهدناهم تعدى لاثنين بالهمزة والثانى هو قوله: {خَلْقَ} وهو مصدر مضاف لمفعوله وكذا الذى بعد والهاء عائدة إلى إبليس وذريته فكأنه قيل: ما أشهدت إبليس وذريته خلق {السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أى ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض فضلا عن أن أتقوى بهم وأستعين بهم على خلق السماوات والأرض على خلق أنفسهم فكيف يكونون أهلا للعبادة مع أنهم ليسوا بخالقين ولا معينين على الخلق وإنما يستحق العبادة الخالق والإشراك فى استحقاق العبادة يستلزم الإشراك فى الخالقية. وقيل: الهاء فى أشهدتهم وأنفسهم عائدة للمشركين فيكون الكلام على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة أى ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعم عيينة وأمية. والمتبادر رجوع الهاء إلى إبليس وذريته وقيل: هى عائدة إلى الملائكة فأما خلق الإنسان فمن التراب بواسطة خلق أبيهم منه وهم من نطفة. وأما الجن فمن نار السموم بواسطة أبيهم الأول وهو إبليس. وقيل غيره وهم بعد الأول من نطفة كبنى آدم بأزواجهم. قال مجاهد عن الشعبى: إنى لقاعد ذات يوم إذا أقبل جمال أبى صاحب إبل سائق أو راع فقال: أخبرونى هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته يريد أنه لم يتزوج فكنى بنفى حضوره العرس عن عدم وجود العرس وبعدم وجود العرس عن عدم الزوجة قال: ثم ذكرت قوله عز وجل: {أفتتخذونه وذريته} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة. فقلت: نعم له زوجة. وقيل: إن إبليس وذريته يدخلون أذنابهم فى أدبارهم فتكون فى أدبارهم بَيض فتنفتق البيضة عن جماعة من الجن. وقيل: إن فى الفخذ اليمنى ذكراً وفى اليسرى فرجا فينكح فخذاً بفخذ فيكون البيض المذكور. قيل: من ذرية إبليس لاقيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة يوسوس فيها والهفاف ومرة وبه يكنى. وزنبور وهو صاحب الأسوار يزين اللعن والحلف الكاذب ومدح السلع. وتبور وهو صائب المصائب يزيِّن خمش الوجه ولطم الخد وشق الجيب. والأعور وهو صاحب الزنى ينفخ فى ذكر الرجل وفى عجُز المرأة وقُبُلها ويزيّن المرأة ولو كانت قبيحة حتى تكون أجمل من الجميلة. ومطوس وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها فى أفواه الناس لا يجدون لها أصلا. وداسم وهو الذى يدخل مع الإنسان بيته إذا لم يسلم ولم يذكر الله فيبصره ما ترك العيال ولم يرقبوه وما وضعوه فى موضع لا يحسن وما أفسدوا فيخاصمهم ويغلظ عليهم. قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم فأرى مطهرة. فأقول: ارفعوا وأخاصمهم. ثم أتذكر فأقول: داسم داسم. وقد أخرج الربيع بين حبيب رضى الله عنه بسنده والترمذى عن أبى بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن للوضوء شيطانا يقال له: الولهان فاتقوا وسواس الماءتفسير : لكن فى رواية الربيع حديث : لبدء الوضوء . تفسير : وأخرج البخارى ومسلم حديث : عن عثمان ابن أبى العاص قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد أحال بينى وبين صلاتى وقراءتى يلبِّسها علىّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك شيطان يقال له خترب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا ففعلت فأذهبه الله عنى . تفسير : وأما الملائكة فأجسام نورانية خلقهم الله تعالى من حيث شاء أو من نور. وقد روى أن جبريل ينغمس فى بحر من نور فينتفض فيخلق الله من رشاشه ملائكة. وروى أنهم يخلقون من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ} لغيرهم عن دين الله والمضلون هم المشركون أو إبليس وذريته على الخلاف فى مرجع الهاء المذكورة فيكون من وضع الظاهر موضع المضمر ذمّاً لهم واستبعادا لأن يتخذهم الله عضدا وهذا مع ما بعده تصريح بنفى اتخاذهم عضدا بعد التلويح إليه بنفى إشهادهم خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم من حيث إن إحضارهم لذلك اعتضاد بهم. والمعنى: كيف أعتضد لدينى بمن يصد عنه وقد مر أنه قيل: الهاء للمشركين. ويدل له قراءة بعض وما كنتَ بفتح التاء خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم أى لست تلتفت إلى نصر الدين بهم طمعا فى قولهم: لو أسلمنا لأسلم الناس ولا يصح لك ذلك. وقرأ علىّ متخذا بالتنوين فيكون المضلين منصوبا على المفعولية وهو الأصل والإضافة تخفيف عنه. {عَضُداً} أعوانا فى نصر الدين أو خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، وهذا الوجه الثانى إنما هو على قراءة ضم التاء. وقرئ بإسكان الضاد تخفيفا. وقرأ الحسن بنقل ضمتها إلى العين فتكون ساكنة تخفيفا. وقرئ عضدا بضم العين والضاد وبفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عنَّده إذا قواه.

الالوسي

تفسير : {مَّا أَشْهَدتُّهُمْ} استئناف مسوق لبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور في أنفسهم بعد بيان الصوارف عن ذلك من خباثة الأصل والفسق والعداوة أي ما أحضرت إبليس وذريته {خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} حيث خلقتهما قبل خلقهم {وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ} أي ولا أشهدت بعضهم / خلق بعض كقوله تعالى:{أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [النساء: 29] فكلا ضميري الجمع المنصوب والمجرور عائد على إبليس وذريته وهم المراد بالمضلين في قوله تعالى: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً} وإنما وضع ذلك موضع ضميرهم ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لما سبق من إنكار اتخاذهم أولياء. والعضد في الأصل ما بين المرفق إلى الكتف ويستعار للمعين كاليد وهو المراد هنا ولكونه نكرة في سياق النفي عم. وفسر بالجمع والإفراد لرؤوس الآي، وقيل إنما لم يجمع لأن الجميع في حكم الواحد في عدم الصلاحية للاعتضاد أي وما كنت متخذهم أعواناً في شأن الخلق أو في شأن من شؤوني حتى يتوهم شركتهم في التولي فضلاً عن الاستبدال الذي لزم فعلهم بناء على الشركة في بعض أحكام الربوبية. وإرجاع ضمير {أَنفُسِهِمْ} إلى إبليس وذريته قد قال به كل من ذهب إلى إِرجاع ضمير {أَشْهَدتُّهُمْ} إليهم، وعلل ذلك العلامة شيخ الإسلام بقوله ((حذراً من تفكيك الضميرين ومحافظة على ظاهر لفظ الأنفس ثم قال: ولك أن ترجع الضمير الثاني إلى (الظالمين) ويلتزم التفكيك بناء على عود المعنى إليه فإن نفي إشهاد الشياطين [خلق] الذين يتولونهم هو الذي يدور عليه إنكار اتخاذهم أولياء بناء على أن أدنى ما يصحح التولي حضور الولي خلق المتولي وحيث لا حضور لا مصحح للتولي قطعاً، وأما [نفي] إشهاد بعض الشياطين خلق بعض منهم فليس من مداراته الإنكار المذكور في شيء على أن إشهاد بعضهم خلق بعض إن كان مصححاً لتولي الشاهد بناء على دلالته على كماله باعتبار أن له مدخلاً في خلق المشهود في الجملة فهو مخل بتولي المشهود بناء على قصوره عمن شهد خلقه فلا يكون نفي الإشهاد المذكور متمحضاً في نفي الكمال المصحح للتولي عن الكل وهو المناط للإنكار المذكور. وفي الآية تهكم بالكفار وإيذان بكمال ركاكة عقولهم وسخافة آرائهم حيث لا يفهمون هذا الأمر الجلي الذي لا يكاد يشتبه على البله والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به، وإيثار نفي الإشهاد على نفي شهودهم ونفي اتخاذهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون تحت قدرته تعالى تابعون لمشيئته سبحانه وإرادته عز وجل [فيهم وأنهم] بمعزل من استحقاق الشهود والمعونة من تلقاء أنفسهم من غير إحضار واتخاذ وإنما قصارى ما يتوهم فيهم أن يبلغوا ذلك المبلغ بأمر الله جل جلاله ولم يكد ذلك يكون)) اهـ. وهو كلام يلوح عليه مخايل التحقيق لكن قيل عليه يجوز أن يراد من السمٰوات والأرض ما يشمل أهلها وكثيراً ما يراد منهما ذلك فيدخل فيه الكفار فتفيد الآية نفي إشهاد الشياطين خلقهم الذي من مداراته الإنكار المذكور من غير حاجة إلى التزام التفكيك الذي هو خلاف المتبادر. وظاهر كلامه وكذا كلام كثير حمل الإشهاد المنفي على حقيقته. وجوز أن يراد به المشاورة مجازاً وهو الذي يقتضيه ظاهر ما في «البحر» ولا مانع على هذا أن يراد من السماوات والأرض ما يشمل أهلهما فكأنه قيل ما شاورتهم في خلق أحد لا الكفار ولا غيرهم فما بال هؤلاء الكفار يتولونهم وأدنى ما يصحح التولي كون الولي ممن يشاور في أمر المتولي أو أمر غيره ويكون نفي اتخاذهم أعواناً مطلقاً في شيء من الأشياء بعد نفي مشاورتهم في الخلق ليؤدي الكلام ظاهراً عموم نفي مدخليتهم بوجه من الوجوه رأياً وإيجاداً وغير ذلك في شيء من الأشياء، ولعل الآية حينئذ نظير قوله تعالى:{أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : [الكهف: 49] من وجه. وقيل قد يراد من نفي الإشهاد في جانب المعطوف نفي المشاورة ومنه نفي أن يكونوا خلقوا حسب مشيئتهم ومنه نفي أن يكونوا خلقوا كاملين فإنه يقال خلق / كما شاء بمعنى خلق كاملاً قال الشاعر:شعر : خلقت مبرأً من كل عيبٍ كأنك قد خلقت كما تشاء تفسير : وعلى هذا يكون في الخلق من أشهد خلق نفسه بمعنى أنه خلق كاملاً، ولا يخفى ما فيه. وقد يكتفى بدلالة ذلك على أن نفي الكمال بأقل من هذه المؤنة فافهم. وزعم أن الكاملين شهدوا حقيقة خلق أنفسهم بمعنى أنهم رأوا وهم أعيان ثابتة خلقهم أي إفاضة الوجود الخارجي الذي لا يتصف به المعدوم عليهم لا أرى أن كاملاً يقدم عليه أو يصغي إليه. وقال الإمام بعد حكاية القول برجوع الضميرين إلى الشياطين: الأقرب عندي عودهما على الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السمٰوات والأرض ولا خلق أنفسهم ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة بل هم كسائر الخلق فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة فلم تقدم عليها، والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب المذكورات وهو في الآية أولئك الكفار لأنهم المراد بالظالمين في قوله تعالى: {أية : بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50] انتهى. وقيل المعنى على تقدير عود الضميرين على أولئك الكفرة أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله تعالى وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء، وقيل المعنى عليه ما أشهدتهم خلق ذلك وما أطلعتهم على أسرار التكوين وما خصصتهم بخصائص لا يحويها غيرهم حتى يكونوا قدوة للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعمون فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد لديني بالمضلين، ويعضده قراءة أبـي جعفر والجحدري والحسن وشيبة {وما كنت} بفتح التاء خطاباً له صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما صح لك الاعتضاد بهم، ولعل وصف أولئك الظالمين بالإضلال لما أن قصدهم بطرد الفقراء تنفير الناس عنه صلى الله عليه وسلم وهو إضلال ظاهر. وقيل كل ضال مضل لأن الإضلال إما بلسان القال أو بلسان الحال والثاني لا يخلو عنه ضال. وقيل الضميران للملائكة، والمعنى ما أشهدتهم ذلك ولا استعنت بهم في شيء بل خلقتهم ليعبدوني فكيف يعبدون، ويرده {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً} إلا أن يقال: هو نفي لاتخاذ الشياطين أعواناً فيستفاد من الجملتين نفي صحة عبادة الفريقين. وقال ابن عطية: الضميران عائدان على الكفار وعلى الناس بالجملة فتتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والأطباء ومن سواهم ممن (يخوض خوضهم)، وإلى هذا ذهب عبد الحق الصقلي وذكره بعض الأصوليين انتهى. ويقال عليه في الجملة الأخيرة نحو ما قيل فيها آنفاً. واستدل بها على أنه لا ينبغي الاستعانة بالكافر وهو في أمور الدين كجهاد الكفار وقتال أهل البغي مما ذهب إليه بعض الأئمة ولبعضهم في ذلك تفصيل، وأما الاستعانة بهم في أمور الدنيا فالذي يظهر أنه لا بأس بها سواء كانت في أمر ممتهن كنزح الكنائف أو في غيره كعمل المنابر والمحاريب والخياطة ونحوها، ولعل افرض اليهودي / أو الكلب قد مات في كلام الفاروق رضي الله تعالى عنه لعد ما استخدم فيه من الأمور الدينية أو هو مبني على اختيار تفصيل في الأمور الدنيوية أيضاً. وقد حكى الشيعة أن علياً كرم الله تعالى وجهه قال حين صمم على عزل معاوية وأشار عليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإبقائه على عمله إلى أن يستفحل أمر الخلافة: يمنعني من ذلك قوله تعالى: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلّينَ عَضُداً} فلا أتخذ معاوية عضداً أبداً، وهو كذب لا يعتقده إلا ضال مضل. وقرأ أبو جعفر وشيبة والسختياني وعون العقيلي وابن مقسم {ما أشهدناهم} بنون العظمة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {متخذاً ٱلْمضلين} على إعمال اسم الفاعل. وقرأ الحسن وعكرمة {عضداً} بسكون الضاد ونقل حركتها إلى العين. وقرأ عيسى {عَضُداً} بسكون الضاد للتخفيف كما قالوا في رجل وسبع رجل وسبع بالسكون وهي لغة عن تميم، وعنه أيضاً أنه قرأ بفتحتين. وقرأ شيبة وأبو عمرو في رواية هارون وخارجة والخفاف وأبـي زيد {عضداً} بضمتين، وروي ذلك عن الحسن أيضاً، وكذا روي عنه أيضاً أنه قرأ بفتحتين، وهو على هذا إما لغة في العضد كما في «البحر» ولم يذكره في «القاموس» وإما جمع عاضد كخدم جمع خادم من عضده بمعنى قواه وأعانه فحينئذٍ لا استعارة. وقرأ الضحاك {عضداً} بكسر العين وفتح الضاد ولم نجد ذلك من لغاته، نعم في «القاموس» عد عضد ككتف منها وهو عكس هذه القراءة.

ابن عاشور

تفسير : تتنزل هذه الجملة منزلة التعليل للجملتين اللتين قبلها وهما { أية : أفتتخذونه وذريته } تفسير : [الكهف: 50] إلى قوله: { أية : بدلاً } تفسير : [الكهف: 50]، فإنهم لما لم يشهدوا خلق السماوات والأرض لم يكونوا شركاء لله في الخلق بطريق الأولى فلم يكونوا أحقاء بأن يعبدوا. وهذا احتجاج على المشركين بما يعترفون به فإنهم يعترفون بأن الله هو المتفرد بخلق السماوات والأرض وخلق الموجودات. والإشهاد: جعل الغير شاهداً، أي حاضراً، وهو هنا كناية عن إحضار خاص، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه. ونفي هذا الشهود يستلزم نفي المشاركة في الخلق والإلهية بالفحوى أي، بالأولى، فإن خلق السماوات كان قبل وجود إبليس وذريته، فهو استدلال على انتفاء إلهيتهم بسبق العدم على وجودهم. وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القِدم، والقدم من لوازم الإلهية. وضمائر الغيبة في قوله: {أشهدتهم} وقوله: {أنفسهم} عائدة إلى المتحدث عنه، أي إبليس وذريته كما عاد إليهم الضمير في قوله: {وهم لكم عدوّ}. ومعنى {أنفسهم}، أنفس بعضهم بقرينة استحالة مشاهدة المخلوق خلق نفسه، فإطلاق الأنفس هنا نظير إطلاقه في قوله تعالى: { أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم } تفسير : [النور: 61] وفي قوله: { أية : ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } تفسير : [البقرة: 84]، أي أنفس بعضكم. فعلى هذا الوجه تتناسق الضمائر ويتقوم المعنى المقصود. واعلم أن الله تعالى خلق السماوات والأرض قبل أن يخلق لهما سكانهما كما دل عليه قوله: { أية : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها } تفسير : [فصّلت: 9 12]. وكان أهل الجاهلية يعتقدون في الأرض جنّا متصرفين فكانوا إذا نزلوا وادياً مخوفاً قالوا: أعوذ بعزيز هذا الوادي، ليكونوا في أمن من ضره. وقرأ أبو جعفر {ما أشهدناهم} بنون العظمة، وقرأ {وما كنتَ} بفتح التاء على الخطاب، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو خبر مستعمل في النهي. والمراد بـ{المضلّين} الشياطين، لأنهم أضلوا الناس بإلقاء خواطر الضلالة والفساد في النفوس، كما قال تعالى: { أية : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } تفسير : [الأنعام: 121]. وجملة {وما كنت متخذ المضلين عضداً} تذييل لجملة {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض}. والعدول عن الإضمار بأن يقال: وما كنت متخذهم إلى {المضلين} لإفادة الذم، ولأن التذييل ينبغي أن يكون كلاماً مستقلاً. والعضد ــــ بفتح العين وضم الضاد المعجمة ــــ في الأفصح، و ــــ بالفتح وسكون الضاد ــــ في لغة تميم. وفيه لغات أخرى أضعف. ونسب ابن عطية أن أبا عمرو قرأه بضم العين وضم الضاد ــــ على أنها لغة في عَضد وهي رواية هارون عن أبي عمرو وليست مشهورة. وهو: العظم الذي بين المرفق والكتف، وهو يطلق مجازاً على المعين على العمل، يقال: فلان عَضدي واعتضدت به. والمعنى: لا يليق بالكمال الإلهي أن أتخذ أهل الإضلال أعواناً فأشركهم في تصرفي في الإنشاء، فإن الله مفيض الهداية وواهب الدراية فكيف يكون أعوانه مصَادر الضلالة، أي لا يعين المُعين إلا على عمل أمثاله، ولا يكون إلا قريناً لأشكاله.

الشنقيطي

تفسير : التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة - أن الله يقول: ما أشهدت إبليس وجنوده؛ أي ما أحضرتهم خلق السموات والأرض، فأستعين بهم على خلقها ولا خلق أنفسهم، أي ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، أي ما أشهدت بعضهم خلق بعضهم فأستعين به على خلقه، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير! فكيف تصرفون لهم حقي وتتخذونهم أولياء من دوني وأنا خالق كل شيء!؟ وهذا المعنى الذي أشارت له الآية من أن الخالق هو المعبود وحده - جاء مبيناً في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيراً منها في مواضع متعددة، كقوله: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 17]، وقوله: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}تفسير : [الرعد: 16]، وقوله: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [لقمان: 11]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ}تفسير : [فاطر: 40] الآية، وقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ}تفسير : [الأحقاف: 4] الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمناه مراراً. وقال بعض العلماء {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أي: ما أشهدتهم خلق أنفسهم؛ بل خلقتهم على ما أردت وكيف شئت. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51] فيه الإظهار في محل الإضمار، لأن الأصل الظاهر. وما كنت متخذهم عضداً، كقوله: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ} والنكتة البلاغية في الإظهار في محل الإضمار في ذمه تعالى لهم بلفظ الإضلال. وقوله "عَضُداً" أي أعواناً. وفي هذه الآية الكريمة - التنبيه على أن الضالين المضلين لا تنبغي الاستعانة بهم، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. والمعنى المذكور أشير له في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ}تفسير : [القصص: 17] والظهير: المعين. والمضلون: الذين يضلون أتباعهم عن طريق الحق. وقد قدمنا معنى الضلال وإطلاقاته في القرآن بشواهده العربية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (51) - وَهؤُلاَءِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي (إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتَهُ)، هُمْ عَبِيدٌ مِثْلُكُمْ، لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً، وَلاَ أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلاَ كَانُوا مَوْجُودِينَ فِي ذلِكَ الحِينِ، وَلاَ أَشْهَدْتُ بَعْضَهُمْ خَلْقَ بَعْضٍ، وَأَنَا وَحْدِي المُسْتَقِلُّ بِخَلْقِ الأَشْيَاءِ كُلِّها وَمُدَبِّرُهَا وَمُقَدِّرُهَا، وَمَا كُنْتُ لأَِتَّخِذَ المُضِلِّينَ الَّذِينَ لاَ يَهْدُونَ إِلى الحَقِّ أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً. عَضُداً - أَعْوَاناً وَأَنْصَاراً.

الثعلبي

تفسير : {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ}: ما أحضرتهم، يعني إبليس وذريته. وقيل: يعني الكافرين أجمع. قال الكلبي: يعني ملائكة السماوات. وقرأ أبو جعفر: (ما أشهدناهم) بالنون والألف على التعظيم، {خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فأستعين بهم على خلقها، وأُشاورهم وأُوامرهم فيها، {وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}: أنصاراً وأعواناً. {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ} قرأ حمزة بالنون. الباقون بالياء لقوله: {شُرَكَآئِيَ} ولم يقل: شركاءنا. {شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شركائي، {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} يعني بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى والضلالة {مَّوْبِقاً}، قال عبد الله بن عمر: هو واد عميق في جهنم يفرق به يوم القيامة بين أهل لا إله إلاّ الله، وبين من سواهم. وقال ابن عباس: هو واد في النار. وقال مجاهد: واد من حميم. وقال عكرمة: هو نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيّات مثل البغال الدهم، فإذا بادرت إليهم لتأخذوهم استغاثوا بالاقتحام في النّار منها. وقال الحسن: عداوة. وقال الضحّاك وعطاء: مهلكاً. وقال أبو عبيد: موعداً، وأصله الهلاك، يقال: أوبقه يوبقه إيباقاً، أي أهلكه، ووبق يبق وبقاً، أي هلكة، ويقال: وبق يوبق ويبق ويأبق، وهو وابق ووبق، والمصدر: وبق، ووبُوق. {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ}: المشركون {ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا}: داخلوها. وقال مجاهد: مقتحموها وقيل: نازلوها وواقعون فيها. وقرأ الأعمش: (ملاقوها)، يعني مجتمعين فيها، والهاء الجمع {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً}. وروى أبو سعيد الخدري عن النبّي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنه مواقعها من مسيرة أربعين سنة ". تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا}: بيّنا {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} ليتذكروا ويتّعظوا {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}: خصومة في الباطل، يعني أُبّي بن خلف الجمحي، وقيل: إنه عام ليس بخاص، واحتجّوا بما روى "حديث : الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه هو وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تصلّون؟ فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله تعالى، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك له ولم يرجع شيئاً، فسمعته وهو يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} ". تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ} يعني من أن يؤمنوا، {إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ}: القرآن والإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم {وَيَسْتَغْفِرُواْ}: ومن أن يستغفروا ربهم {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} يعني سنتنا في إهلاكهم {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً}، قال ابن عباس: عياناً. قال الكلبي: هو السّيف يوم بدر. قال مجاهد: فجأة. ومن قرأ {قبلا}، بضمتين، أراد به: أصناف العذاب. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ}: يبطلوا ويزيلوا{بِهِ ٱلْحَقَّ}، قال السّدي: ليفسدوا، وأصل الدّحض: الزلق، يقال: دحضت رجله أي زلقته. وقال طرفة: شعر : أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض تفسير : {وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ}، فيه إضمار يعني: وما أُنذروا وهو القرآن {هُزُواً}: استهزاءً. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا}: لم يؤمن بها {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}، أي عملت يداه من الذنوب {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}، يعني القرآن {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}: ثقلاً وصمماً {وَإِن تَدْعُهُمْ} يا محمد {إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} يعني إلى الدين {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً}: لن يرشدوا ولن يقبلوه. {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ} من الذنوب {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} في الدنيا {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} وهو يوم الحساب {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً}: معدلاً ومنجىً، قال الأعشى: شعر : وقد أُخالس ربّ البيت غفلته وقد يحاذر منّي ثمّ ما يئل تفسير : أي لا ينجو. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ}: كفروا، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً}: أجلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن هذا الشيطان الذي واليتموه من دون الله، وأعطيتموه الميْزة، واستمعتم إليه ما أشهدتهم خَلْق السماوات والأرض مجرد المشاهدة، لم يحضروها لأن خَلْق السماوات والأرض كان قبل خَلْقهم، وكذلك ما شَهِدوا خَلْق أنفسهم؛ لأنهم ساعة خَلْقتهم لم يكونوا موجودين، إنهم لم يشهدوا شيئاً من ذلك لكي يخبروكم. {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51] أي: مساعدين ومعاونين ومساندين، فما أشهدتهم الخَلْق وما عاونوني فيه. والعَضُد: هو القوة التي تُسعفك وتسندك، وهو مأخوذ من عَضُد الإنسان، حيث يزاول أغلب أعماله بيديه، وحين يزاول أعماله بيديه تتحرك فيه مجموعة من الأعضاء قَبْضاً وبَسْطاً واتجاهاً يميناً وشمالاً، وأعلى وأسفل، وكُلُّ هذه الحركات لا بُدَّ لها من مُنظِّم أو موتور هو العضد، وفي حركة اليد ودقتها في أداء مهمتها آياتٌ عُظْمى تدلُّ على دِقَّة الصَّنْعة. وحينما صنع البشر ما يشبه الذراع واليد البشرية من الآلات الحديثة، تجد سائق البلدوزر مثلاً يقوم بعدة حركات لكي يُحرِّك هذه الآلة، أما أنت فتحرِّك يدك كما شئْتَ دون أن تعرف ماذا يحدث؟ وكيف تتم لك هذه الحركة بمجرد أن تُفكّر فيها دون جهد منك أو تدبير؟ فكل أجزائك مُسخَّرة لإرادتك، فإنْ أردتَ القيام مثلاً قمتَ على الفور؛ لذلك إياك أنْ تظن أنك خَلْق ميكانيكي، بل أنت صَنْعة ربانية بعيدة عن ميكانيكا الآلات، بدليل أنه إذا أراد الخالق سبحانه أن يُوقِف جزءاً منك أمر المخ أنْ يقطعَ صِلَته به، فيحدث الشلل التام، ولا تستطيع أنت دَفْعَه أو إصلاحه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في قصة موسى: {أية : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ..}تفسير : [القصص: 35] أي: نُقوِّيك ونُعطيك السَّنَد والعَوْن. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} يعني أنصاراً وأعواناً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: ما أشهدت الشياطين [وهؤلاء المضلين]، خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم أي: ما أحضرتهم ذلك، ولا شاورتهم عليه، فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك؟! بل المنفرد بالخلق والتدبير، والحكمة والتقدير، هو الله، خالق الأشياء كلها، المتصرف فيها بحكمته، فكيف يجعل له شركاء من الشياطين، يوالون ويطاعون، كما يطاع الله، وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقا، ولم يعاونوا الله تعالى؟! ولهذا قال: { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } أي: معاونين، مظاهرين لله على شأن من الشئون، أي: ما ينبغي ولا يليق بالله، أن يجعل لهم قسطا من التدبير، لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم، فاللائق أن يقصيهم ولا يدنيهم. ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا، وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال، وحكم بجهل صاحبه وسفهه، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة، وأن الله يقول لهم: { نَادُوا شُرَكَائِيَ } بزعمكم أي: على موجب زعمكم الفاسد، وإلا فبالحقيقة ليس لله شريك في الأرض، ولا في السماء، أي: نادوهم، لينفعوكم، ويخلصوكم من الشدائد، { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } لأن الحكم والملك يومئذ لله، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ولا لغيره. { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ } أي: بين المشركين وشركائهم { مَوْبِقًا } أي، مهلكا، يفرق بينهم وبينهم، ويبعد بعضهم من بعض، ويتبين حينئذ عداوة الشركاء لشركائهم، وكفرهم بهم، وتبريهم منهم، كما قال تعالى {أية : وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }.

همام الصنعاني

تفسير : 1689- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً}: [الآية: 51]، قال: أعواناً.