Verse. 2192 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَيَوْمَ يَقُوْلُ نَادُوْا شُرَكَاۗءِيَ الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْہُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيْبُوْا لَہُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَہُمْ مَّوْبِقًا۝۵۲
Wayawma yaqoolu nadoo shurakaiya allatheena zaAAamtum fadaAAawhum falam yastajeeboo lahum wajaAAalna baynahum mawbiqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويوم» منصوب باذكر «يقول» بالياء والنون «نادوا شركاءي» الأوثان «الذين زعمتم» ليشفعوا لكم بزعمكم «فدعوهم فلم يستجيبوا لهم» لم يجيبوهم «وجعلنا بينهم» بين الأوثان وعابديها «موبقا» واديا من أودية جهنم يهلكون فيه جميعا وهو من وبق بالفتح هلك.

52

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد تقريعاً لهم وتوبيخاً: {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذوكم مما أنتم فيه كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} تفسير : [الأنعام: 94] وقوله: {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} كما قال: {أية : وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} تفسير : [القصص: 64] الآية، وقال: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} تفسير : [الأحقاف:5-6] الآيتين، وقال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم: 81 ـ 82] وقوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهلكاً، وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق، فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال قتادة: موبقاً: وادياً في جهنم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} قال: واد في جهنم من قيح ودم، وقال الحسن البصري: موبقاً: عداوة، والظاهر من السياق ههنا أنه المهلك، ويجوز أن يكون وادياً في جهنم أو غيره، والمعنى أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير. وأما إن جعل الضمير في قوله: بينهم، عائداً إلى المؤمنين والكافرين؛ كما قال عبد الله بن عمرو: إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم: 14] وقال: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43]، وقال تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59]، وقال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} تفسير : ـ إلى قوله: - {أية : وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [يونس: 28 ـ 30]. وقوله: {وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} أي: إنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار، تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز. وقوله: {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} أي: ليس لهم طريق يعدل بهم عنها، ولا بد لهم منها. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن درّاج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الكافر ليرى جهنم، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا دَرّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة، كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَوْمَ } منصوب بـ(اذْكُرْ) {يَقُولُ } بالياء والنون {نَادُواْ شُرَكَائِىَ } الأوثان {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } ليشفعوا لكم بزعمكم {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } لم يجيبوهم {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين الأوثان وعابديها {مَّوْبِقاً } وادياً من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً، وهو من (وَبَقَ) بالفتح:(هَلَكَ).

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {... وجعلنا بينهم موبقاً} فيه ستة أقاويل: أحدها: مجلساً، قاله الربيع. الثاني: مهلكاً، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك، قال الشاعر: شعر : استغفر الله أعمالي التي سلفت من عثرةٍ إن تؤاخذني بها أبق تفسير : أي أهلك، ومثله قول زهير: شعر : ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضَه من كل شنعاء موبق تفسير : قال الفراء: جعل تواصلهم في الدنيا مهلكاً في الآخرة. الثالث: موعداً، قاله أبو عبيدة. الرابع: عداوة، قاله الحسن. الخامس: أنه واد في جهنم، قاله أنس بن مالك. السادس: أنه واد يفصل بين الجنة والنار، حكاه بعض المتأخرين. قوله عز وجل: {ورأى المجرمون النّار} يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم عاينوا في المحشر. الثاني: أنهم علموا بها عند العرض. {فظنُّوا أنهم مُواقعوها} فيه وجهان: أحدهما: أنهم أمّلوا العفو قبل دخولها فلذلك ظنوا أنهم مواقعوها الثاني: علموا أنهم مواقعوها لأنهم قد حصلوا في دار اليقين وقد يعبر عن العلم بالظن لأن الظن مقدمة العلم. {ولم يجدوا عنها مصرفاً} فيه وجهان: أحدهما: ملجأ، قاله الكلبي. الثاني: معدلاً ينصرفون إليه، قاله ابن قتيبة، ومنه قول أبي كبير الهذلي: شعر : أزهير هل عن شيبةٍ من مصرِف أم لا خلود لباذل متكلفِ تفسير : وفي المراد وجهان: أحدهما: ولم يجد المشركون عن النار مصرفاً. الثاني: ولم تجد الأصنام مصرفاً للنار عن المشركين.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّوْبِقاً} محبساً، أو مهلكاً أو موعداً، أو عداوة، أو واد في جهنم، أو واد يفصل بين الجنة والنار، أو بينهم تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة.

النسفي

تفسير : {وَيَوْمَ يَقُولُ } الله للكفار، وبالنون: حمزة {نَادُواْ } ادعوا بصوت عالٍ {شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنهم فيكم شركائي ليمنعوكم من عذابي، وأراد الجن وأضاف الشركاء إليه على زعمهم توبيخاً لهم {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً } مهلكا من وبق يبق وبوقاً إذا هلك، أو مصدر كالموعد أي وجعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم وهو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركاً يهلكون فيه جميعاً، أو الملائكة وعزيراً وعيسى. والموبق البرزخ البعيد أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّواْ } فَأيقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } مخالطوها واقعون فيها {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا } عن النار {مَصْرِفًا } معدلاً {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ } يحتاجون إليه {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } تمييز أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها واحداً بعد واحد خصومة ومماراة بالباطل يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ } أي سببه وهو الكتاب والرسول {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ } «أن» الأولى نصب، والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره: وما منع الناس الإيمان والاستغفار إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإهلاك، أو انتظار أن يأتيهم العذاب أي عذاب الآخرة {قُبُلاً } كوفي أي أنواعاً جمع قبيل. الباقون {قِبلا} أي عياناً. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } يوقف عليه ويستأنف بقوله: {وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ } هو قولهم للرسل {أية : ما أنتم إلا بشر مثلنا}تفسير : [يس: 15] و{أية : لو شاء الله لأنزل ملائكة}تفسير : [المؤمنون:24] ونحو ذلك {لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } ليزيلوا ويبطلوا بالجدال النبوة {وَٱتَّخَذُواْ ءايَـٰتِى } القرآن {وَمَا أُنْذِرُواْ } «ما» موصولة والراجع من الصلة محذوف أي وما أنذروه من العقاب، أو مصدرية أي وإنذارهم {هُزُواً } موضع استهزاء بسكون الزاي والهمزة: حمزة، وبإبدال الهمزة واوا: حفص، وبضم الزاي والهمزة: غيرهما .

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ويوم يقول نادوا} يعني يقول الله تعالى يوم القيامة نادوا {شركائي} يعني الأصنام {الذين زعمتم} يعني أنهم شركائي {فدعوهم} أي فاستغاثوا بهم {فلم يستجيبوا لهم} أي فلم يجيبوهم ولم ينصروهم {وجعلنا بينهم} يعني بين الأصنام وعبدتها وقيل بين أهل الهدى وبين أهل الضلال {موبقاً} يعني مهلكاً قال ابن عباس: هو واد في النار وقيل نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدهم وقيل كل حاجز بين شيئين فهو موبق وأصله الهلاك {ورأى المجرمون} أي المشركون {النار فظنوا} أي أيقنوا {أنهم مواقعوها} أي داخلوها وواقعون فيها {ولم يجدوا عنها مصرفاً} أي معدلاً لأنها أحاطت بهم من كل جانب وقيل لأن الملائكة تسوقهم إليها. قوله سبحانه وتعالى {ولقد صرفنا} أي بينا {في هذا القرآن للناس من كل مثل} أي ليتذكروا ويتعظوا {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} أي خصومة في الباطل قال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن وقيل أراد به أبي بن خلف وقيل أراد به جميع الكفار وقيل الآية على العموم وهو الأصح (ق) "حديث : عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال: "ألا تصليان". فقلت يا رسول الله أنفسنا بيد الله تعالى فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئاً ثم سمعته يقول وهو مول يضرب فخذه بيده {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} "تفسير : قوله عز وجل {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} يعني القرآن وأحكام الإسلام والبيان من الله تعالى وقيل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم {ويستغفروا ربهم} والمعنى أنه لا مانع من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان والاستغفار {إلا أن تأتيهم سنة الأولين} يعني سنتنا بإهلاك الأولين إن لم يؤمنوا وهو عذاب الاستئصال {أو يأتيهم العذاب قبلاً} قال ابن عباس: أي عياناً من المقابلة وقيل فجأة. قوله سبحانه وتعالى {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} أي بالثواب على الطاعة {ومنذرين} بالعقاب لمن عصى {ويجادل الذين كفروا بالباطل} هو قولهم {أية : أبعث الله بشراً رسولاً}تفسير : [الإِسراء: 94] وقولهم للرسل {أية : ما أنتم إلا بشر مثلنا}تفسير : [يس: 15] وشبه ذلك {ليدحضوا} أي ليبطلوا {به الحق} ويزيلوه {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً} فيه إضمار يعني اتخذوا ما أنذروا به وهو القرآن استهزاء. قوله عز وجل {ومن أظلم ممن ذكر} أي وعظ {بآيات ربه فأعرض عنها} أي تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها {ونسي ما قدمت يداه} أي ما عمل من المعاصي من قبل {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} أي أغطية {أن يفقهوه} يريد لئلا يفهموه {وفي آذانهم وقراً} أي ثقلاً وصماً {وإن تدعهم} يا محمد {إلى الهدى} أي الدين {فلن يهتدوا إذاً أبداً} وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون {وربك الغفور} أي البليغ المغفرة {ذو الرحمة} أي الموصوف بالرحمة {لو يؤآخذهم} أي يعاقب الكفار {بما كسبوا} من الذنوب {لعجل لهم العذاب} أي في الدنيا {بل لهم موعد} يعني البعث والحساب {لن يجدوا من دونه موئلاً} أي ملجأ {وتلك القرى} قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم {أهلكناهم لما ظلموا} أي كفروا {وجعلنا لمهلكهم موعداً} أي أجلاً لإهلاكهم. قوله سبحانه وتعالى {وإذ قال موسى لفتاه} الآيات أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران من سبط لاوي بن يعقوب صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة. وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا من أولاد يوسف بن يعقوب وكان قد تنبأ قبل موسى بن عمران. والقول الأول أصبح بدليل أن الله سبحانه وتعالى في كتابه لم يذكر العزيز موسى إلا أراد به صاحب التوراة فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه ولو أراد شخصاً آخر لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز بينهما وتزيل الشبهة فلما لم يميزه بصفة علمنا أنه موسى بن عمران صاحب التوراة وأما فتاه فالأصح أنه يوشع ابن نون بن أفرام ثم ابن يوسف وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته، وقيل إنه أخو يوشع وقيل فتاه يعني عبده بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يقل أحدكم عبده وأمتي وليقل فتاي وفتاتي"تفسير : . (ق) عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بن إسرائيل, فقال ابن عباس: كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسأل أي الناس أعلم فقال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: فخذ معك حوتاً فاجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، فاضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به. فقال له فتاه {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً} قال فكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً فقال موسى {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على أثارهما قصصاً} قال رجعا فقصا آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب أبيض فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام فقال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني ما علمت رشداً، قال: إنك لن تستطيع معي صبراً، يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه وأنت على علم من علم الله لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها "لقد جئت شيئاً إمراً قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً: قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كانت الأولى من موسى نسياناً قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى: "أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً" قال وهذه أشد من الأولى قال "إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض" أي مائلا فقال الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا "لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى، لوددت أنه صبر يقص علينا من أخبارهما" تفسير : قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين. وفي رواية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : قام موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً حتى إذا ما فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى. فقال بلى قال أي رب وأين هو قال بمجمع البحرين قال خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروحتفسير : . وفي رواية تزود حوتاً مالحاً فإنه حيث يفقد الحوت زاد في رواية وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حي فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ورجعنا إلى التفسير. قوله سبحانه وتعالى {لا أبرح} أي لا أزال أسير {حتى أبلغ مجمع البحرين} قيل أراد بحر فارس والروم مايلي المشرق وقيل طنجة وقيل إفريقية {أو أمضي حقباً} يعني أو أسير دهراً طويلاً. والحقب ثمانون سنة فحمل خبزاً وسمكة مالحة في المكتل وهو الزنبيل الذي يسع خمسة عشر صاعاً ومضيا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين وعندها عين تسمى عين الحياة لا تصيب شيئاً إلا حيي فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وهاجت ودخلت في البحر.

ابو السعود

تفسير : {وَيَوْمَ يَقُولُ} أي الله عز وجل للكافرين توبـيخاً وتعجيزاً، وقرىء بنون العظمة {نَادُواْ شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم شفعاؤُكم ليشفعوا لكم، والمرادُ بهم كلُّ ما عُبد من دونه تعالى، وقيل: إبليسُ وذرِّيتُه {فَدَعَوْهُمْ} أي نادَوهم للإغاثة، وفيه بـيانٌ لكمال اعتنائِهم بإعانتهم على طريقة الشفاعةِ إذ معلومٌ أن لا طريقَ إلى المدافعة {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} فلم يُغيثوهم إذ لا إمكان لذلك وفي إيراده مع ظهوره تهكمٌ بهم وإيذانٌ بأنهم في الحماقه بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} بـين الداعين والمدعوّين {مَّوْبِقاً} اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ من وبَق وُبوقاً كوثب وثوباً وبِق وبَقاً كفرح فرحاً إذا هلَك أي مهلِكاً يشتركون فيه وهو النارُ، أو عداوةً وهي في الشدة نفسُ الهلاك كقول عمر رضي الله عنه: «لا يكن حبُّك كلَفاً ولا بغضُك تلَفاً»، وقيل: البـينُ الوصلُ أي وجعلنا تواصلَهم في الدنيا هلاكاً في الآخرة، ويجوز أن يكون المرادُ بالشركاء الملائكةَ وعزيراً وعيسى عليهم السلام ومريمَ، وبالمَوْبق البرزخَ البعيدَ أي جعلنا بـينهم أمداً بعيداً يُهلِك فيه الأشواطُ لفرْط بُعده لأنهم في قعر جهنمَ وهم في أعلى الجنان. {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} وُضع المظهرُ مقام المُضمر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك {فَظَنُّواْ} أي فأيقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} مخالطوها واقعون فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد أنهم مواقعوها الساعةَ {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} انصرافاً أو معدِلاً ينصرفون إليه. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} أي كررنا وأوردنا على وجوه كثيرةٍ من النظم {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَان لِلنَّاسِ} لمصلحتهم ومنفعتِهم {مِن كُلّ مَثَلٍ} من جملته ما مر مِن مَثَل الرجلين ومثَل الحياةِ الدنيا أو من كل نوعٍ من أنواع المعاني البديعةِ الداعيةِ إلى الإيمان التي هي في الغرابة والحسنِ واستجلاب النفس كالمثل ليتلقَّوْه بالقَبول فلم يفعلوا {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ} بحسب جِبلَّته {أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً} أي أكثرَ الأشياءِ التي يتأتى منها الجدلُ وهو هٰهنا شدةُ الخُصومةِ بالباطل والمماراةِ، من الجدْل الذي هو الفتْلُ، والمجادلةُ الملاواةُ لأن كلاًّ من المجادِلَين يلتوي على صاحبه، وانتصابُه على التميـيز والمعنى أن جدَله أكثرُ من جدَل كلِّ مجادل. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} أي أهلَ مكةَ الذين حُكيت أباطيلُهم {أَن يُؤْمِنُواْ} من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا ما هم فيه من الإشراك {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي القرآنُ العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبةِ له {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} عما فرَط منهم من أنواع الذنوبِ التي من جملتها مجادلتُهم للحق بالباطل {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي إلا طلبُ إتيانِ سُنّتهم أو إلا انتظارُ إتيانِها، أو إلا تقديرُه فحذُف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه وسنتُهم الاستئصالُ {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي عذابُ الآخرة {قُبُلاً} أي أنواعاً، جمعُ قَبـيل أو عِياناً كما في قراءة قِبَلاً بكسر القاف وفتحِ الباء، وقرىء بفتحتين أي مستقبَلاً، يقال: لقِيتُه قُبُلاً وقَبَلاً وقِبَلاً، وانتصابُه على الحالية من الضمير أو العذاب والمعنى أن ما تضمنه القرآنُ الكريم من الأمور المستوجبةِ للإيمان بحيث لو لم يكن مثلَ هذه الحكمةِ القوية لما امتنع الناسُ من الإيمان وإن كانوا مجبولين على الجدَل المفْرِط.

القشيري

تفسير : عِلمَ الحقُّ - سبحانه - أَنَّ الأصنامَ لا تغني ولا تنفع ولا تضر، ولكن يعرِّفهم في العاقبة بما يُصَيِّر معارفَهم ضرورية حَسْماً لأوهام القوم؛ حيث توهموا أنّ عبادتهم للأصنام فيها نوع تقرب إلى الله على وجه التعظيم له كما قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3]. فإذا تحققوا بذلك صدقوا في الندم، وكان استيلاء الحسرة عليهم، وذلك من أشد العقوبات لهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم يقول} اى يوم يقول الله للكفار توبيخا وتعجيزا وهو يوم القيامة وقال بعضهم يقول على ألسنة الملائكة. يقول الفقير الاظهر هو الاول لانه قد ثبت ان الله تعالى يتجلى يوم القيامة للخلق مسلمهم وكافرهم بصور شتى حتى يرونه بحسب ما اعتقدوه فى هذه الدار فلا يبعد كلامه معهم ايضا لانه كلام بالعيب والتوبيخ لا بالرضى والتشريف كما كلم ابليس بعد اللعن والطرد على ما سبق فى سورة الحجر ونحوها {نادوا شركائى} اضافهم اليه على زعمهم تهكما بهم وتقريعا لهم {الذين زعمتم} ادعيتم انهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم والمراد بهم كل من عبد من دونه تعالى {فدعوهم} اى نادوهم للاعانة ذكر كيفية دعوتهم فى آية اخرى {أية : قالوا انا كنا لكم تبعا فهل انتم مغنون عنا}تفسير : {فلم يسجيبوا لهم} فلم يغيثوهم اى لم يدفعوا عنهم ضرا ولا اوصلوا اليهم نفعا اذ لا امكان لذلك فهو لا ينافى اجابتهم صورة ولفظا كما قال حكاية عن الاصنام انها تقول {أية : ما كانوا ايانا يعبدون } تفسير : وفيه اشارة الى ان امتثال او امره ونواهيه ينفع العبد اذا كان فى الدنيا قبل موته وبثمره فى الآخرة فاما اذا كان فى الآخرة فلا ينفعه الايمان والاعمال فان قوله {نادوا شركائى} امر من الله تعالى وقد امتثلوا امره بقوله {فدعوهم} فلم ينفعهم الامتثال لان الشركاء {لم يستجيبوا لهم} {وجعلنا بينهم} بين الداعين والمدعوين {موبقا} اسم مكان او مصدر من وبق وبوقا كوثب وثوبا او وبق وبقا كفرح فرحا اذا هلك مهلكا يشتركون فيه وهو النار او عداوة هى فى الشدة نفس الهلاك. وقال الفرآء {وجعلنا} تواصلكم فى الدنيا هلاكا فى الآخرة فالبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى {أية : لقد تقطع بينكم}تفسير : على قراءة من قرأ بالرفع ومفعول اول لجعلنا وعلى الوجه الاول مفعول ثان. قال فى القاموس الموبق كمجلس المهلك وواد فى جهنم وكل شئ حال بين الشيئين انتهى فالمعنى على الثانى بالفارسية [وادى ازوادهاى دوزخ بيدا كنم ميان ايشان كه مهلكه عظيم باشد وهمه ايشانرا دران معذب سازيم]. يقول الفقير الظاهر ان المعنى على الثالث اى جعلنا بينهم برزخا يفصل احدهما عن الآخر فلا يشفع مثل الملائكة وعيسى وعزير وتبرأ غيرهم وهو لا ينفى الاجتماع والاشتراك فى النار بمن قضى له الدخول كما لا يخفى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {موبقًا}: اسم مكان، أو مصدر، من: وَبَقَ وبوقًا، كوثب وثوبًا، ووَبِقَ وبَقًا، كفرح فرحًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {يومَ يقولُ} الحق تعالى للكفار؛ توبيخًا وتعجيزًا لهم: {نادُوا شركائِيَ الذين زعمتم} أنهم شفعاؤكم؛ ليشفعوا لكم، والمراد بهم كل ما عُبد من دون الله، أو إبليس وذريته، {فَدَعَوْهم} أي: نادوهم للإغاثة، {فلم يستجيبوا لهم}: فلم يُغيثوهم، {وجعلنا بينهم} أي: بين الداعين والمدعوين {مَّوبقًا} أي: مهلكًا يهلكون فيه جميعًا، وهو النار، وقيل: العداوة، وهي نوع من الهلاك، لقول عمر رضي الله عنه: "لا يكن حُبك كَلَفًا، ولا بُغْضك تلفًا". وقيل: المراد بالبيْن: الوصل، أي: وجعلنا وصلهم في الدنيا هلاكًا في الآخرة، كقوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعَام: 94]، وقيل: المراد بالشركاء: الملائكة، وعُزير، وعيسى - عليهم السلام -، ويراد حينئذ بالموبق: البرزخ البعيد، أي: وجعلنا بينهم وبين من عبدوهم برزخًا بعيدًا؛ لأنهم في قعر جهنم، وهم في أعلى عليين. {ورأى المجرمون النارَ} ، وضع المُظْهَرَ موضع المُضْمَرِ؛ تصريحًا بإجرامهم، وذمًا لهم، أي: ورأوا النار {فظنوا} أي: أيقنوا {أنهم مُّواقعوها}؛ مخالطوها وواقعون فيها، {ولم يجدوا عنها مَصْرِفًا} أي: انصرافًا ومعدلاً ينصرفون إليه، نسأل الله السلامة من مواقع الهلاك. الإشارة: من اتخذ الله وليًا، بموالاة طاعته وإفراد محبته، كان الله له وليًا ونصيرًا عند احتياجه وفاقته، ومجيبًا له عند دعائه واستغاثته، ومن اتخذ وليًا غير الله خاب ظنه ومناه، فإذا استغاث به جعل بينه وبين المستغيث به موبقًا وبرزخًا بعيدًا، ومن وَالَى أولياء الله فإنما والى الله، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفَتْح: 10]. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر كفرهم بالقرآن مع كونه آية واضحة للعيان

الجنابذي

تفسير : {وَيَوْمَ يَقُولُ} عطف على عند ربّك او على يوم نسيّر الجبال بتقدير ذكّرهم {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ} على زعمكم والمراد بالشّركاء {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} انّهم شركاء {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} اى بين المشركين والشّركاء موبقاً لا يصل بعضهم الى بعضٍ، او جعلنا وصلهم فى الدّنيا سبب هلاكهم فى الآخرة كما قيل: انّ بين بمعنى الوصل.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ويوم يقول} الله تعالى {نادوا شركائي الذين زعمتم} إنهم شركاء، قيل: أراد الشياطين، وقيل: الأوثان، وهذا كله توبيخ {فلم يستجيبوا لهم} لأن الأصنام تعجز عن الجواب أو أراد عيسى وعزير {وجعلنا بنيهم موبقاً} أي وادٍ في جهنم، وقيل: عداوة بين الأوثان وعبدتها، وقيل: بين أهل الهدى والضلال {ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها} يعني أيقنوا أنهم مخالطوها {ولم يجدوا عنها مصرفاً} أي موضعاً ينصرفون إليه {ولقد صرفنا} بيَّنا {في هذا القرآن للناس من كل مثل} من نوع واحد وأنواع مختلفة ليتفكروا فيها {وكان الإِنسان أكثر شيء جدلاً} الآية نزلت في أبي خلف والجدال الخصومة بالباطل {وما منع الناس أن يؤمنوا} الآية، نزلت في أهل مكة {إذ جاءهم الهدى} أي ما منعهم وهذا استفهام والمراد به الإِنكار كأنه قال: لا شيء يمنعهم من الاهتداء فقد جاءهم الهدى ولا عذر لهم في تركه {إلا أن تأتيهم سنة الأولين} هذا ليس استثناء حقيقي أراد به أنه لا مانع لهم أصلاً سنة الأولين، يعني طريقة الله في هلاك من عصاه {أو يأتيهم العذاب قبلاً} يعني عياناً، وقيل: فجأة {وما نرسل المرسلين إلاَّ مبشرين ومنذرين} يعني بعث الرسل بالوعد للمحسن والوعيد للمسيء {ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا} يخاصموا به {الحق}، قيل: ليزيلوا الحق عن قراره وهكذا إعادة المبطل {واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً} هو القرآن وكانوا يستهزئون به.

الهواري

تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَاءِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَّوْبِقاً}. والموبق وادٍ في جهنم. وبعضهم يقول: {مَوْبِقاً} أي: مهلكاً. يقول: وجعلنا بينهم أي: وصلهم الذي كان في الدنيا مهلكاً. وقال بعضهم: هو وادٍ يفرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال بعضهم: يقول: أوبقناهم، أي: أدخلناهم في النار بفعلهم فأُوبِقوا فيها. قوله: { وَرَءَا المُجْرِمُونَ النَّارَ} أي: المشركون والمنافقون { فَظَنُّوا} أي: فعملوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} أي: معدلاً إلى غيرها. قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} كقوله: (أية : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) تفسير : [الزمر:27] { وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي: الكافر يجادل في الله. قوله: { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ} أي: من شركهم { إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} أي: ما عذب الله به الأمم السالفة { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً} أي: عياناً. وقال مجاهد: فجأة.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ} أى واذكر يوم. {يَقُولُ} الله عز وجل للكافرين وقرأ حمزة نقول بالنون. {نَادُوا} هذا أمر. {شُرَكَائِىَ} أضاف الشركاء لنفسه على زعمهم توبيخا وتقريعا. {الَّذينَ زَعَمْتُمْ} أى زعمتم أنهم شركائى أو أنهم شفعاء يمنعونكم من العذاب والمراد ما عبدوا من دون الله. وقيل: إبليس وذريته أو هو وأتباعه فإن المشركين زاعمون بعبادتهم أنهم شركاء لله إذ عبدوهم كما يُعبد الله. {فَدَعَوْهُمْ} هذا إخبار أى نادوهم استغاثة بهم. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} لعدم حضورهم فكأنه قيل: فلم يجدوهم فى تلك الحال فضلا عن أن يستجيبوا لهم بالغوث وسيقرنون بهم فى النار أو غابوا عنهم فدعوهم فحضروا فلم يستجيبوا لهم لأنهم لا طاقة لهم أن يدفعوا عن أنفسهم فضلا عن أن يدفعوا عن غيرهم. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} بين المشركين وشركائى الذين زعموهم شركاء لى وهم الأوثان أو إبليس وذريتهُ أو إبليس وأتباعه. وقيل: أهل الهدى وأهل الضلال. ويناسبه إجازة الزمخشرى أن يريد الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم وعابديهم. {مَّوْبِقاً} اسم مكان من وبق يبق أى هلك أى مكان الهلاك جعلوا مشتركين فيه وهو الفار وهلاكهم هو العذاب الشديد. وقال ابن عباس: هو واد من أودية النار كان بينهم شركة يجمعون فيه للعذاب. وقيل: نهر يسيل نارا على حافته حيات وعقارب مثل البغال الدُّهم. ويجوز أن يكون مصدرا ميميا وهو مقتضى قول الحسن: موبقا عداوة من وبق إذا هلك فشبه العداوة بينهم لشدتها بالهلاك فسماها باسمه، أو سمى السبب وهو العداوة باسم المسبب وهو الهلاك فإن العداوة فى الجملة سبب للهلاك، أو سمى الملزوم باسم اللازم أو هو من مجاز الأول كقوله تعالى: {أية : إنى أرانى أعصر خمراً} تفسير : جعلنا بينهم عداوة تئول إلى عذاب شديد كأنه هلاك وتلف كقول عمر: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا. أى لا يكن حبك حبا شديداً كالشئ المكتسب المبالغ فيه بل أحبب هَوْناً ما أو لا يكن حبك يجر إلى التكلف ولا يكن بغضك يجر إلى التلف لشدته بل أبغض هوناً ما. وقال الفراء: أبين الوصل أى جعلنا وصلهم فى الدنيا هلاكا يوم القيامة فيكون بينهم مصدرا مضافاً للفاعل بخلاف تفسير غيره فإنه ظرف وإذا جعلنا المضمر فى قوله بينهم عائدا إلى أهل الهدى وأهل الضلال أو إلى الملائكة وعيسى وعزير ومريم وعابديهم فالموبق المسافة البعيدة لأن المؤمنين فى مكان أعلى وهو الجنة والكفار فى مكان أسفل هو النار.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ يَقُولُ} الله للكفار، والعطف على يوم، والقول بخلق الكلام حيث شاء كالجوار، وبواسطة ملَك {نَادُوا} للإغاثة {شُرَكَائِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} زعمتموهم شركائى كقوله: زعمتنى شيخًا، أو زعمتم أنهم شركائى، وهو الكثير الوارد فى القرآن، والمعنى شركائى فى الألوهية والعبادة. ويجوز أن يكون شركاء بمعنى شفعاء، سمَّاهم شركاء لمعنى أنهم يسعون فيما لم يرد الله، وهذا إشراك وهو دعوى أنهم يمنعونهم من عذاب الله الموجه إِليهم، وأضافهم لنفسه على زعمهم للتوبيخ، والمراد كل ما أشركوا أَو إبليس وذريته. {فَدَعَوْهُمْ} نادوهم ليغيثوهم بالتنجية من العذاب، ولا يظهر أنهم نادوا الأصنام، لمعرفتهم بأنها لا تجيبهم، ولو دخلت فى أمر الله لهم بالدعاء لما عبدوا تبكيتاً لهم، بل دعوا من عَبَدُوا من الجن أو الإنس أو الملائكة. {فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ} لم يغيثوهم إذ قالوا: "أية : إِنَّا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مُغْنُونَ عنَّا نصيبًا من النار" تفسير : [غافر: 47] أو أنجونا البتة لأنا عبدناكم جدا، وعدم الاستجابة ظاهر، ومع ذلك ذكره الله عز وجل تهكماً بهم، وإيذانا بحمقهم حتى إنهم لا يفهمون إلا التصريح. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} جعلنا بين الكفار وآلهتهم موضع وبق، أى موضع هلاك يشتركون فيه، وهو النار فمعنى البيئة الاشتراك، وموبقًا اسم مكان، وقيل: الموبق وادٍ فى جهنم يجرى بالدم والصديد. وعن عكرمة نهر فى النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات كالبغال الدُّهم إذا ثارت إليهم التجأوا إلى الوقوع فى النار منها، وقيل: الموبق المحبس، أو المعنى حاجزاً بينهم وبين نفع ما عبدوه من دون الله عز وجل لهم، أو جعلنا بين فريقين: الفريق الأول عيسى والملائكة المعبودون، ويكونون فى الجنة، والفريق الثانى المشركون وأصنامهم، ويكونون فى النار، وهى موبق بين الفريقين، أو موبقًا مصدر ميمى بمعنى عداوة عبَّر عنها بالهلاك، لأنها سببه وملزومه، أو لأنها تؤول إليه، كما يقال لا يكن بغضك تلفًا، بمعنى لا تشتد فيه حتى يجر إلى التلف، كما قال عمر رضى الله عنه: لا يكن حُبّك تلفاً، ولا بغضك تلفًا. وبين ظرف مفعول ثان، وموبقا أول متعلق بجعلنا بمعنى خلقنا، وموبقا مفعول به له، ويجوز أن يكون البين بمعنى الوصل من الأضداد، بمعنى جعلنا تواصلهم فى الدنيا هلاكاً يوم القيامة، أو عداوة فيكون بينهم غير ظرف مفعولا أول، وموبقا ثانيًا.

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ يَقُولُ} أي الله تعالى للكفار توبيخاً وتعجيزاً بواسطة أو بدونها. وقرأ الأعمش وطلحة ويحيـى وابن أبـي ليلى وحمزة وابن مقسم {نقول} بنون العظمة، والكلام على معنى اذكر أيضاً أي واذكر يوم يقول: {نَادُواْ } للشفاعة لكم {شُرَكَائِىَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي زعمتموهم شفعاء، والإضافة باعتبار ما كانوا يزعمون أيضاً فإنهم كانوا يزعمون أنهم شركاء كما يزعمون أنهم شفعاء، وقد جوز غير واحد هنا أن يكون الكلام بتقدير زعمتموهم شركاء، والمراد بهم إبليس وذريته، وجعلهم بدلاً فيما تقدم مبني على ما لزم من فعل عبدتهم المطيعين لهم فيما وسوسوا به أو كل ما عبد من دون الله تعالى. وقرأ ابن كثير {شركاى} مقصوراً مضافاً إلى الياء {فَدَعَوْهُمْ} أي نادوهم للإغاثة، وفيه بيان بكمال اعتنائهم بإغاثتهم على طريق الشفاعة إذ معلوم أن لا طريق إلى المدافعة {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} فلم يغيثوهم إذ لا إمكان لذلك. قيل وفي إيراده مع ظهوره تهكم بهم وإيذان بأنهم في الحماقة بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم} أي بين الداعين والمدعوين {مَّوْبِقاً} اسم مكان من وبق وبوقاً كوثب وثوباً أو وبق وبقاً كفرح فرحاً إذا هلك أي مهلكاً يشتركون فيه وهو النار، وجاء عن ابن عمر وأنس ومجاهد أنه واد في جهنم يجري بدم وصديد، وعن عكرمة أنه نهر في النار يسيل ناراً على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها. وتفسير الموبق بالمهلك مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن مجاهد وغيرهما، وعن الحسن تفسيره بالعداوة فهو مصدر أطلق على سبب الهلاك وهو العداوة كما أطلق التلف على البغض المؤدي إليه في قول عمر رضي الله تعالى عنه: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً. وعن الربيع بن أنس تفسيره بالمحبس، ومعنى كون الموبق على سائر تفاسيره بينهم شموله لهم وكونهم مشتركين فيه كما يقال جعلت المال بين زيد وعمرو فكأنه ضمن {جَعَلْنَا} معنى قسمنا وحينئذٍ لا يمكن إدخال عيسى / وعزير والملائكة عليهم السلام ونحوهم في الشركاء على القول الثاني. وقال بعضهم: معنى كون الموبق أي المهلك أو المحبس بينهم أنه حاجز واقع في البين، وجعل ذلك بينهم حسماً لأطماع الكفرة في أن يصل إليهم ممن دعوه للشفاعة. وجاء عن بعض من فسره بالوادي أنه يفرق الله تعالى به بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وعلى هذا لا مانع من شمول المعنى الثاني للشركاء لأولئك الأجلة. وقال الثعالبـي في «فقه اللغة»: الموبق بمعنى البرزخ البعيد على أن وبق بمعنى هلك أيضاً أي جعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه الأشواط لفرط بعده، وعليه أيضاً يجوز الشمول المذكور لأن أولئك الكرام عليهم السلام في أعلى الجنان وهؤلاء اللئام في قعر النيران، ولا يخفى على من له أدنى تأمل الحال فيما إذا أريد بالموبق العداوة. و {بَيْنَهُمْ} على جميع ما ذكر ظرف وهو مفعول ثان لجعل إن جعل بمعنى صير و {مَّوْبِقاً} مفعوله الأول، وإن جعل بمعنى خلق كان الظرف متعلقاً به أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله قدم عليه لرعاية الفواصل فتحول حالاً. وقال الفراء والسيرافي: البين هنا بمعنى الوصل فإنه يكون بمعناه كما يكون بمعنى الفراق وهو مفعول أول لجعلنا و {مَّوْبِقاً} بمعنى هلاكاً مفعوله الثاني، والمعنى جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } تفسير : [الكهف: 50] فيقدر: واذكر يوم يقول نادوا شركائي، أو على جملة { أية : ما أشهدتهم خلق السمٰوات والأرض } تفسير : [الكهف: 51]، فالتقدير: ولا أشهدت شركاءهم جميعاً ولا تنفعهم شركاؤهم يوم الحشر، فهو انتقال من إبطال معبودية الشيطان والجن إلى إبطال إلهية جميع الآلهة التي عبدها دهماء المشركين مع بيان ما يعتريهم من الخيبة واليأس يومئذٍ. وقد سلك في إبطال إلهيتها طريق المذهب الكلامي وهو الاستدلال على انتفاء الماهية بانتفاء لوازمها، فإنه إذا انتفى نفعها للذين يعبدونها استلزم ذلك انتفاء إلهيتها، وحصل بذلك تشخيص خيبتهم ويأسهم من النجاة. وقرأه الجمهور {يقول} بياء الغيبة ــــ وضمير الغائب عائد إلى الله تعالى لدلالة المقام عليه، وقرأ حمزة {نقول} بنون العظمة. واليوم الذي يقع فيه هذا القول هو يوم الحشر. والمعنى: يقول للمشركين، كما دل عليه قوله: {الذين زعمتم}، أي زعمتموهم شركائي. وقدم وصفهم بوصف الشركاء قبل فعل الزعم تهكماً بالمخاطبين وتوبيخاً لهم، ثم أردف بما يدل على كذبهم فيما ادعوا بفعل الزعم الدال على اعتقاد باطل. والنداء: طلب الإقبال للنصرة والشفاعة. والاستجابة: الكلام الدال على سماع النداء والأخذُ في الإقبال على المنادي بنحو قول: لبيكم. وأمره إياهم بمناداة شركائهم مستعمل في معناه مع إرادة لازمه وهو إظهار باطلهم بقرينة فعل الزعم. ولذلك لم يسعهم إلا أن ينادوهم حيث قال {فدعوهم} لطمعهم، فإذا نادوهم تبين لهم خيبة طمعهم. ولذلك عطف فعل الدعاء بالفاء الدالة على التعقيب. وأتي به في صيغة المضي للدلالة على تعجيل وقوعه حينئذٍ حتى كأنه قد انقضى. والموبق: مكان الوُبوق، أي الهلاكِ. يقال: وبَق مثل وَعَد ووجل وورِث. والموبق هنا أريد به جهنم، أي حين دعوا أصنامهم بأسمائهم كوَّن الله فيما بين مكانهم ومكان أصنامهم فَوهات جهنم، ويجوز أن تكون جملة {وجعلنا بينهم موبقاً} جملة حال أي وقد جعلنا بينهم موبقاً تمهيداً لما بعده من قوله: { أية : ورأى المجرمون النار } تفسير : [الكهف: 53].

الشنقيطي

تفسير : أي واذكر يوم يقول الله جل وعلا للمشركين الذين كانوا يشركون معه الآلهة والأنداد من الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله توبيخاً لهم وتقريعاً: نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركاء معي، فالمفعولان محذوفان: أي زعمتموهم شركاء لي كذباً وافتراء. أي ادعوهم واستغيثوا بهم لينصروكم ويمنعوكم من عذابي، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من عدم استجابتهم لهم إذا دعوهم يوم القيامة جاء موضحاً في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة "القصص": {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ}تفسير : [القصص: 62-64]، وقوله تعالى: {أية : ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}تفسير : [فاطر: 13-14]، وقوله: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}تفسير : [الأحقاف: 5-6]، وقوله: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}تفسير : [مريم: 81-82]، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}تفسير : [الأنعام: 94]، والآيات في تبرئهم منهم يوم القيامة، وعدم استجابتهم لهم كثيرة جداً. وخطبة الشيطان المذكورة في سورة إبراهيم في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 22] -إلى قوله - {أية : إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}تفسير : [إبراهيم: 22] من قبيل ذلك المعنى المذكور في الآيات المذكورة. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} اختلف العلماء فيه من ثلاث جهات: الأولى - في المراد بالظرف الذي هو "بين". والثانية - في مرجع الضمير. والثالثه - في المراد بالموبق. وسنذكر هنا أقوالهم، وما يظهر لنا رجحانه منها إن شاء الله تعالى. أما الموبق: فقيل: المهلك. وقيل واد في جهنم. وقيل الموعد. قال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} يقول: مهلكاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله "موبقاً" يقول: مهلكاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله "موبقاً" قال؟ واد في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن أنس في قوله {وجعلنا بينهم موبقاً} قال: واد في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمر في قوله {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} قال: هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة. وأخرج ابن الننذر وابن أبي حاتم عن عمرو البكالي قال: الموبق الذي ذكر الله: واد في النار، بعيد القعر، يفرق الله به يوم القيامة بين أهل الإسلام وبين من سواهم من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى {موبقاً} قال: هو نهر يسيل ناراً على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها: غليظ، وموبق، وأثام، وغي. انتهى كلام صاحب الدر المنثور. ونقل ابن جرير عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة: أن الموبق: الموعد، واستدل لذلك بقول: الشاعر: شعر : وحاد شروري والستار فلم يدع تعاراً له والواديين بموبق تفسير : يعني بموعد. والتحقيق: أن الموبق المهلك، من قولهم وبق يبق، كوعد يعد: إذا هلك. وفيه لغة أخرى وهي وبق يوبق كرجل يوجل. ولغة ثالثة أيضاً وهي: وبق يبق كورث يرث. ومعنى كل ذلك: الهلاك. والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس، والوبق. ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس. وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا}تفسير : [الشورى: 34] أي يهلكهن، ومنه الحديث، "فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها" وحديث "السبع الموبقات" أي المهلكات، ومن هذا المعنى قول زهير: شعر : ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق تفسير : وقول من قال، إن الموبق العداوة، وقول من قال: إنه المجلس - كلاهما ظاهر السقوط. والتحقيق فيه هو ما قدمنا. وأما أقوال العلماء في المراد بلفظة "بين" فعلى قول الحسن ومن وافقه: أن الموبق العداوة - فالمعنى واضح؛ أي وجعلنا بينهم عداوة؛ كقوله: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}تفسير : [الزخرف: 67] الآية، وقوله: {أية : وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}تفسير : [العنكبوت: 25] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن تفسير الموبق بالعداوة بعيد كما قدمنا. وقال بعض العلماء: المراد بالبين في الآية: الوصل؛ أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا ملكاً لهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ}تفسير : [البقرة: 166] أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا. وكما قال: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً }تفسير : [مريم: 82]، وكما قال تعالى: {أية : ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً }تفسير : [العنكبوت: 25] ونحو ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً}: جعلنا الهلاك بينهم؛ لأن كلاً منهم معين على هلاك الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب، كما قال تعالى: {أية : وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}تفسير : [الزخرف: 39]، وقوله: {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 38] ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد. وقال بعض العلماء {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً}: أي بين المؤمنين والكافرين موبقاً، أي مهلكاً يفصل بينهم، فالداخل فيه، في هلاك، والخارج عنه في عافية. وأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن، أن المعنى: وجعلنا بين الكفار وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع الله موبقاً أي مهلكاً، لأن الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب، كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ}تفسير : [الزمر: 16] الآية، وقوله: {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}تفسير : [الأعراف:41] الآية، وقوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] الآية. وقال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين يسمى موبقاً، نقله عنه القرطبي. وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله "بينهم" قيل راجع إلى أهل النار. وقيل راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معاً. وقيل راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو أظهرها لدلالة ظاهره السياق عليه، لأن الله يقول: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} [الكهف: 52] ثم قال مخبراً عن العابدين والمعبودين: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} [الكهف: 52] أي مهلكاً يفصل بينهم ويحيط بهم. وهذا المعنى كقوله: {أية : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ}تفسير : [يونس: 28] الآية. أي فرقنا بينهم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {ويوم يقول} قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية، وقرأه حمزة "نقول" بنون العظمة، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أي يقول هو أي الله.

الواحدي

تفسير : {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم...} الآية. يقول الله تعالى يوم القيامة: ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم} بين المشركين وأهل لا إله إلاَّ الله {موبقاً} حاجزاً. {ورأى المجرمون} المشركون {النار فظنوا} أيقنوا {أنهم مواقعوها} واردوها وداخلوها {ولم يجدوا عنها مصرفاً} مهرباً لإحاطتها بهم من كلِّ جانبٍ. وقوله: {وكان الإِنسان} الكافر {أكثر شيء جدلاً} قيل: هو أُبيُّ بن خلف، وقيل: النَّضر بن الحارث. {وما منع الناس} أهل مكَّة {أن يؤمنوا} الإِيمان {إذ جاءهم الهدى} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن {إلاَّ أن تأتيهم سنة الأولين} العذاب. يعني: إنَّ الله تعالى قدَّر عليهم العذاب، فذلك الذي منعهم من الإِيمان {أو يأتيهم العذاب قبلاً} عياناً. يعني: القتل يوم بدرٍ، وقوله: {ويجادل الذين كفروا بالباطل} يريد المُستهزئين والمقتسمين جادلوا في القرآن {ليدحضوا} ليبطلوا {به} بجدالهم {الحق} القرآن {واتخذوا آياتي} القرآن {وما أنذروا} به من النَّار {هزواً}.

د. أسعد حومد

تفسير : {شُرَكَآئِيَ} (52) - وَاذْكُرْ، أَيُّهَا الرَّسُولُ، لِقَوْمِكَ أَيْضاً مَا يَقَعُ يَوْمَ الجَمْعِ (يَوْمَ القِيَامَةِ)، إِذْ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ، تَقْرِيعاً لَهُمْ وَتَوْبِيخاً: ادْعُوا اليَوْمَ مَنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا أَنَّهُمْ شُرَكَائِي فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَفِي خَلْقِ هذا الكَوْنِ وَتَدْبِيرِهِ. فَيَدْعُونَهُمْ فَلاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ، وَيَجِدُونَ أَنَّهُ لاَ سَبِيلَ لَهُمْ إِلى الوُصُولِ إِلى أَرْبَابِهِمْ، إِذْ جَعَلَ اللهُ، بَيْنَ هؤُلاَءِ وَهؤُلاءِ، مَهَالِكَ وَأَهْوَالاً. مُوْبِقاً - مُهْلِكاً يَشْتَرِكُونَ فِيهِ وَهُوَ النَّارُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: واذْكر يا محمد، ولتذْكُرْ معك أمتك هذا اليوم: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ ..} [الكهف: 52] يقول الحق سبحانه للكفار: ادعوا شركائي الذين اتخذتموهم من دوني. وزعمتم: أي: كذبتم في ادعائكم أنهم آلهة {فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ..} [الكهف: 52]. وهذا من سماجتهم وتبجُّحهم وسوء أدبهم مع الحق سبحانه، فكان عليهم أنْ يخجلوا من الله، ويعودوا إلى الحق، ويعترفوا بما كذَّبوه، لكنهم تمادَوْا {فَدَعَوْهُمْ ..} [الكهف: 52] ويجوز أن من الشركاء أناساً دون التكليف، وأناساً فوق التكليف، فمثلاً منهم مَنْ قالوا: عيسى. ومنهم مَنْ قالوا: العزير، وهذا باطل، وهل استجابوا لهم؟ ومنهم مَنِ اتخذوا آلهة أخرى، كالشمس والقمر والأصنام وغيرها، ومنهم مَنْ عبد ناساً مثلهم وأطاعوهم، وهؤلاء كانوا موجودين معهم، ويصح أنهم دَعَوْهم ونادوهم: تعالوا، جادلوا عنّا، وأخرجونا مما نحن فيه، لقد عبدناكم وكنا طَوْعَ أمركم، كما قال تعالى عنهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3]. ولكن، أنَّى لهم ما يريدون؟ فقد تقطعتْ بينهم الصلات، وانقطعت حجتهم {فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ..} [الكهف: 52] ثم جعل الحق سبحانه بين الداعي والمدعو وادياً سحيقا: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ..} [الكهف: 52]. والمَوْبِق: المكان الذي يحصل فيه الهلاك، وهو وَادٍ من أودية جهنم يهلكون فيه جميعاً، أو: أن بين الداعي والمدعو مكاناً مُهْلِكاً، فلا الداعي يستطيع أنْ يلوذَ بالمدعو، ولا المدعو يستطيع أنْ ينتَصرَ للداعي ويُسعفه، لأن بينهم منبعَ هلاك. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ}تفسير : [الشورى: 34] يعني: يهلكهن. ومن العجيب أن تكون هذه أولَ إطاعة منهم لله تعالى، فلما قال لهم: {نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ..}[الكهف: 52] استجابوا لهذا الأمر، في حين أنهم لم يطيعوا الأوامر الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً} معناه مَهلكٌ والمَّوبقُ: المَوعدُ. قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: المَّوبقُ: وادٍ بينَ أَهلِ الضّلالةِ وأَهلِ الإِيمَانِ.

همام الصنعاني

تفسير : 1688- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَّوْبِقاً}: [الآية: 52]، قال: هلاكاً.