Verse. 2193 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَرَاَ الْمُجْرِمُوْنَ النَّارَ فَظَنُّوْۗا اَنَّہُمْ مُّوَاقِعُوْہَا وَلَمْ يَجِدُوْا عَنْہَا مَصْرِفًا۝۵۳ۧ
Waraa almujrimoona alnnara fathannoo annahum muwaqiAAooha walam yajidoo AAanha masrifan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ورأى المجرمون النار فظنوا» أي أيقنوا «أنهم مواقعوها» أي واقعون فيها «ولم يجدوا عنها مَصرفا» معدلاً.

53

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَرَءَاٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّواْ } أي أيقنوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا } أي واقعون فيها {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } معدلاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَظَنُّواْ} علموا أو كانوا على رجاء العفو قبل دخولهم إليها {مَصْرِفاً} ملجأ، أو معدلاً ينصرفون إليه، لم يجد المشركون عنها انصرافاً، أو لم تجد الأصنام صرفاً لها عن المشركين.

البقاعي

تفسير : ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهم، ذكر حالهم في استمرار جهلهم، فقال تعالى: {ورءا المجرمون} أي العريقون في الإجرام {النار} أي ورأوا، ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف {فظنوا} ظناً {أنهم مواقعوها ولم} أي والحال أنهم لم {يجدوا عنها مصرفاً *} أي مكاناً ينصرفون إليه، فالموضع موضع التحقق، ولكن ظنهم جرياً على عادتهم في الجهل كما قالوا {أية : اتخذ الله ولداً} تفسير : [ الكهف: 4] بغير علم {أية : وما أظن أن تبيد هذه أبداً} تفسير : [ الكهف: 35]، { أية : وما أظن الساعة قائمة} تفسير : [الكهف: 36]، {أية : إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين} تفسير : [الجاثية: 32] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها. ولما كان الكلام في قوة أن يقال: صرفنا هذه الأخبار بما أشارت إليه من الأسرار الكبار، فقامت دلائل الشريعة الجلائل، وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر، عطف على ذلك: {ولقد صرفنا} أي بما لنا من العظمة. ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب، اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى: {في هذا القرءان} أي القيم الذي لا عوج فيه، مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات {للناس} أي المزلزلين فضلاً عن الثابتين {من كل مثل} أي حوّلنا الكلام وطرقناه في كل وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة، والأساليب المتناسقة، ما سار بها في غرابته كالمثل، يقبله كل من يسمعه، وتضرب به آباط الإبل في سائر البلاد، بين العباد، فتبشر به قلوبهم، وتلهج به ألسنتهم، فلم يتقبلوه وجادلوا فيه؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله تعالى: {وكان الإنسان} الذي جعل خصيماً وهو آنس بنفسه جبلة وطبعاً {أكثر شيء} وميز الأكثرية بقوله تعالى: {جدلاً *} لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان، الذي أضاء جميع الأكوان. ولما بين إعراضهم، بين موجبه عندهم فقال: {وما منع} ولما كان الناس تبعاً لقريش قال: {الناس} أي الذين جادلوا بالباطل، الإيمان - هكذا كان الأصل، ولكنه عبرعن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى: {أن يؤمنوا} ليفيد التجديد وذمهم على الترك {إذ} أي حين {جاءهم الهدى} بالكتاب على لسان الرسول، وعطف على المفعول الثاني - معبراً بمثل ما مضى لما مضى - قولَه تعالى: {ويستغفروا ربهم} أي المحسن إليهم. ولما كان الاستثناء مفرغاً، أتى بالفاعل فقال تعالى: {إلا أن} أي طلب أن {تأتيهم سنة الأولين} في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكاً، وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبراً، أي مستوراً {أو} طلب أن {يأتيهم العذاب قبلاً *} أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح، من قولهم: لقيت فلاناً قبلاً، أي معاينة، وكذا في قراءة من ضمهما، من قولهم: أنا آتيك قبلاً لا دبراً، أي مواجهة من جهة وجهك لا من جهة قفاك، قال تعالى: { أية : إن كان قميصه قدَّ من قبل}تفسير : [ يوسف: 26]، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافاً مصنفة صنفاً ونوعاً نوعاً، وقد مضى في الأنعام بيانه، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين، فمعناه: من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها { أية : فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك}تفسير : [الإسراء:89-90] - إلى قوله تعالى: {أية : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} تفسير : [الإسراء: 92] الآية وهذه الآية من الاحتباك: ذكر {سنة الأولين} أولاً يدل على ضدها ثانياً، وذكر المكاشفة ثانياً يدل على المساترة أولاً. ولما كان ذلك ليس إلى الرسول، إنما هو إلى الإله، بينه بقوله تعالى: {وما نرسل} على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها {المرسلين إلا مبشرين} بالخير على أفعال الطاعة {ومنذرين} بالشر على أفعال المعصية، فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر {ويجادل الذين كفروا} أي يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا {بالباطل} من قولهم: لو كنتم صادقين لأتيتم بما نطلب منكم، مع أن ذلك ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء {ليدحضوا} أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا {به الحق} الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم. ولما كان لكل مقام مقال، ولكل مقال حد وحال، فأتى في الجدال بصيغة الاستقبال، وكان اتخاذ الاستهزاء أمراً واحداً، أتى به ماضياً فقال تعالى: {واتخذوا} أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا {ءاياتي} بالبشارات التي هي المقصودة بالذات لكل ذي روح {وما أنذروا} من آياتي، بني للمفعول لأن الفاعل معروف والمخيف الإنذار {هزواً *} مع بعدهما جداً عن ذلك، فلا بالرغبة أطاعوا، ولا للرهبة ارتاعوا، فكانوا شراً من البهائم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فظنوا أنهم مواقعوها‏} ‏ قال‏:‏ علموا‏. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ينصب الكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وأن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة والله أعلم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم، ‏ ‏حديث : عن علي رضي الله عنه‏:‏ أن النبي - صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال‏: "‏ألا تصليان‏" فقلت‏:‏ يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا‏.‏ وانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته بضرب فخذه ويقول‏:‏ ‏{‏وكان الإنسان أكثر شيء جدلا‏ً} ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان الإنسان أكثر شيء جدلا‏ً}‏ قال‏:‏ الجدل الخصومة، خصومة القوم لآنبيائهم، وردهم عليهم ما جاؤوا به، وكل شيء في القرآن من ذكر الجدل، فهو من ذلك الوجه، فيما يخاصمونهم من دينهم، يردون عليهم ما جاؤوا به، والله أعلم‏.

القشيري

تفسير : إذا صارت الأوهامُ منقطعة، والمعارفُ ضروريةً، والنارُ مُعَاينَةً استيقنوا أنهم واقعون في النار، فلا يُسْمَعُ لهم عُذْرٌ، ولا تنفع له حيلةٌ، ولا تُقْبَلُ فيهم شفاعة، ولا يؤخذ منهم فداء ولا عدل.. لقد استمكنت الخيبةُ، وغَلَبَ اليأسُ، وحَصَلَ القنوط، وهذا هو العذاب الأكبر.

اسماعيل حقي

تفسير : {ورأى المجرمون النار} حين امروا بالسوق اليها. قال الكاشفى [وبه بيند مشركان آتش دوزخ را ازجهل ساله را]{فظنوا} فايقنوا {انهم مواقعوها} مخالطوها واقعون فيها فان المخالطة اذا قويت سميت مواقعة. قال الامام والاقرب انهم يرون النار من بعيد فيظنون انهم مواقعوها مع الرؤية من غير مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها كقوله تعالى {واذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا} والمكان البعيد مسيرة خمسمائة سنة {ولم يجدوا عنها مصرفا} انصرافا او مكانا ينصرفون اليه. قال الكاشفى [مصرفا مكانى باز كردند بدآن يا كريز كاهى] لانها احاطت بهم من كل جانب.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة {قبلا} بضم القاف والباء. الباقون بكسر القاف وفتح الياء. فمن قرأ بضم القاف والباء أراد جمع قبيل نحو قميص وقمص. وقال قوم: القبيلة بنو أب. والقبيل يعبر بها عن الجماعة وإن اختلفت أنسابهم واحتجوا بقول النابغة: شعر : جوانح قد أيقنّ ان قبيله إذا ما التقى الجمعان اول غالب تفسير : وجمع القبيلة قبائل. والقبائل أيضاً قبائل الرأس، وهي عروق مجرى الدمع من الرأس، وسمي أيضاً شئوناً، واحدها شأن. ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء أراد مقابلة، أي معاينة. ويحتمل أيضاً الضم، ذلك، ذكره الفراء والزجاج، وهما لغتان. اخبر الله تعالى عن المجرمين والعصاة أنهم إذا شاهدوا نار جهنم ورأوها {فظنوا} اي علموا {أنهم مواقعوها} ولم يجدوا عن دخلولها معدلا ولا مصرفاً، لأن معارفهم ضرورية، فالظن ها هنا بمعنى العلم. وقد يكون الظن غير العلم، وهو ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون على خلافه. والاجرام قطع العمل الى الفساد. واصله القطع، يقال: هذا زمن الجرام أى زمن الصرام يعني زمان قطع الثمرة عن النخل. والمواقعة ملابسة الشيء بشدة، ومنه وقائع الحروب وأوقع به ايقاعاً. وتواقعوا تواقعاً. والتوقع الترقب لوقوع الشيء، والمصرف المعدول. وهو موضع الذي يعدل اليه، صرفه عن كذا يصر صرفاً. والموضع مصرف قال ابو كثير: شعر : ازهير هل عن شيبة من مصرف أم لا خلود لباذل متكلف تفسير : وقوله {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل} اخبار من الله تعالى انه نقل المعاني فى الجهات المختلفة فى هذا القرآن، فتصريف المثل فيه تنقيله في وجوه البيان على تمكين الأفهام. والمعنى بيّنا للناس من كل مثل يحتاجون اليه. ثم اخبر تعالى عن حال الانسان فقال {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} أي خصومة. والجدل شدة الفتل عن المذهب بطريق الحجاج. واصله الشدة، ومنه الاجدل الصقر لشدته، وسير مجدول شديد الفتل. وقوله {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين} معناه ما منعهم من الايمان بعد مجيء الدلالة وان يستغفروا ربهم على ما سبق من معاصيهم إلا طلب ان يأتيهم سنة الأولين، من مجيء العذاب من حيث لا يشعرون، او مقابلة من حيث يرون. وإنما هم بامتناعهم من الايمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمن كرهاً، لانهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الاليم، كما يقول القائل لغيره ما منعك ان تقبل قولي إلا ان تضرب، إلا انك لم تضرب، لأن مشركي العرب طلبوا مثل ذلك، فقالوا {أية : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}.

الجنابذي

تفسير : {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم وتهديد الغير المشركين من المجرمين واشارة الى ذمٍّ آخر وتطويلاً فى مقام الّذمّ {فَظَنُّوۤاْ} ايقنوا كما سبق انّ يقين ارباب النّفس ظنّ لا يقين {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} يتذكّر ويعتبر ويدرك به الحقّ والانسان لغلبة النّسيان والغفلة عليه لا يتذكّر ويخفى عليه الحقّ {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ} يتأتّى منه الجدل {جَدَلاً} وخصومةً فانّ الانسانيّة المقتضية لادراك الكلّيّات وتدبير الامور تقتضى الفحص عن الامور وردّ المردود وقبول المقبول، وبما ذكرنا ظهر وجه الاتيان بالنّاس اوّلاً وبالانسان ثانياً.

اطفيش

تفسير : {وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} أى المشركون والمنافقون. {فَظنُّوا} أيقنوا. {أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} ملابسوها بالوقوع فيها. {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} مصدر ميمى أى انصرافا عن الوقوع فيها أو اسم مكان أى موضع انصراف وهو من الصرف اللازم بمعنى العدول عن الشئ. وإنما لم يجدوا عنها مصرفاً لأنها أحاطت بهم بعنقها الخارج إليهم منها أو لأن الملائكة تسوقهم إليها. ويجوز أن يقدر محذوف أَى فظنوا أنهم مواقعوها مواقعوها فلم يجدوا أن يخرجوا منها لإحاطتها بهم من كل جانب بعد وقوعهم فيها، أو لأن الملائكة تردهم إليها إذا أرادوا أن يخرجوا منها وعنها حال من مصرفا أو يتعلق به إذا جعل مصدر ميميا ولو صلح أن ينحل لفعل وحرف مصدر للتوسع فى الجر والمجرور والظرف بالتقديم والفصل.

اطفيش

تفسير : {وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} بأبصارهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرى الكافر النار من مسيرة أربعين سنة"تفسير : {فَظَنُّوا} رجّحوا ولم يجزموا لظنهم أن ما يعبدون من دون الله ينجيهم منها أو لم ييئسوا من رحمة الله عز وجل، أو ظنوا بمعنى علموا. {أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا}، واقعون فيها وقوعًا عظيما، لأن معانى المفاعلة المبالغة، أو مخالطوها لأن شدة المجاورة للشئ تؤدى إلى الدخول فيه، ويقال لها: مواقعة، أو علموا جزماً بدخولها، وظنوا أنها تخطفهم فى الحال، ولم تخطفهم فى الحال. {وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا} عطف على محذوف، أى فدخلوها، ولم يجدوا عنها {مَصْرِفًا} صرفًا من أحد يصرفهم عنها، فهو مصدر على أن مصدر يفعل بالكسر، قد يجئ على مفعل بالكسر وهو ضعيف، أو بابًا موضع صرف يخرجون عنها منه، فهو اسم مكان، أو هو اسم مصدر، أى انصرافاً، أو المراد موضع انصراف قيل: أو مكانًا ينصرفون إليه، أو يدومون فيها أبداً لا وقت لصرفهم عنها، فهو اسم زمان ميمى.

الالوسي

تفسير : {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} وضع المظهر في مقام المضمر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك، والرؤية بصرية، وجاء عن أبـي سعيد الخدري كما أخرجه عنه أحمد وابن جرير والحاكم وصححه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الكافر ليرى جهنم من مسير أربعين سنة "تفسير : {فَظَنُّواْ} أي علموا كما أخرجه عبد الرزاق وجماعة عن قتادة، وهو الظاهر من حالهم بعد قول الله تعالى ذلك واستغاثتهم بشركائهم وعدم استجابتهم لهم وجعل الموبق بينهم. وقيل الظن على ظاهره وهم لم يتيقنوا {أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} أي مخالطوها واقعون فيها لعدم يأسهم من رحمة الله تعالى قبل دخولهم فيها، وقيل إنهم لما رأوها من بعيد كما سمعت في الحديث ظنوا أنها تخطفهم في الحال فإن اسم الفاعل موضوع للحال فالمتيقن أصل الدخول والمظنون الدخول حالاً. وفي مصحف عبد الله {ملاقوها} وكذلك قرأ الأعمش وابن غزوان عن طلحة، واختير جعلها تفسيراً لمخالفتها سواد المصحف، وعن علقمة أنه قرأ {ملافوها} بالفاء مشددة من لف الشيء {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} أي مكاناً ينصرفون إليه. قال أبو كبير الهذلي:شعر : أزهير هل عن شيبة بن مصرف أم لا خلود لباذل متكلف تفسير : فهو اسم مكان، وجوز أن يكون اسم زمان، وكذا جوز أبو البقاء وتبعه غيره أن يكون مصدراً أي انصرافاً، وفي «الدر المصون» أنه سهو فإنه جعل مفعل بكسر العين مصدراً من صحيح مضارعه يفعل بالكسر وقد نصوا على أن مصدره مفتوح العين لا غير واسم زمانه ومكانه مكسورها، نعم إن القول بأنه مصدر مقبول في قراءة زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {مصرفاً} بفتح الراء.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وجعلنا بينهم موبقاً } تفسير : [الكهف: 52]، أي جعلنا الموبق ورآه المجرمون، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للدلالة على ما يفيده المجرمون من تلبسهم بما استحقوا به عذاب النار. وكذلك عُبر ب (النار) في مقام الإضمار للموبق للدلالة على أن المَوبق هو النار فهو شبيه بعطف البيان. والظن مستعمل هنا في معنى التحقق وهو من استعمالاته. ولعل اختياره هنا ضرب من التهكم بهم؛ بأنهم رجحوا أن تلك النار أعدت لأجلهم في حين أنهم موقنون بذلك. والمواقعة: مفاعلة من الوقوع، وهو الحصول لقصد المبالغة، أي واقعون فيها وقوع الشيء الحاصل في موقع يتطلبه فكأنه يقع هو فيه. والمصرف: مكان الصرف، أي التخلص والمجاوزة. وفي الكلام إيجاز، تقديره: وحاولوا الانقلاب أو الانصراف فلم يجدوا عنها مصرفاً، أي مخلصاً.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار يوم القيامة، ويظنون أنهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظن في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم موقنون بالواقع؛ كقوله عنهم: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ }تفسير : [السجدة: 12]، وكقوله: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق: 22]، وقوله تعالى: {أية : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا}تفسير : [مريم: 38] الآية. ومن إطلاق الظن على اليقين قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 45-46] أي يقونون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى: {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 249]. وقوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة: 19-20] فالظن في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين. والعرب تطلق الظن على اليقين وعلى الشك. ومن إطلاقه على اليقين في كلام العرب قول دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد وقول عميرة بن طارق: شعر : بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيبا مرجما تفسير : وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار، وبين في موضع آخر أنها هي تراهم أيضاً، وهو قوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً}تفسير : [الفرقان: 11-12]. وما جرى على ألسنة العلماء من أن الظن جل الاعتقاد اصطلاح للأصوليين والفقهاء. ولا مشاحة في الاصطلاح. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} المصرف: المعدل، أي ولم يجدوا عن النار مكاناً ينصرفون إليه ويعدلون إليه، ليتخذوه ملجأ ومعتصماً ينجون فيه من عذاب الله. ومن إطلاق المصرف على المعدل بمعنى مكان الانصراف للاعتصام بذلك المكان - قول أبي كبير الهذلي: شعر : أزهير هل عن شيبة من مصرف أم لا خلود لباذل متكلف تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ} من رأى البصرية، فهي تتعدى لمفعول واحد، والتعبير بالماضي عن المستقبل نظراً لتحقق الوقوع، فكان ذلك لتحقق وقوعه كالواقع بالفعل، كما تقدم مراراً. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 53- وعاين المجرمون النار فأيقنوا أنهم واقعون فيها، ولم يجدوا بديلا عنها مكاناً يحلُّون فيه. 54- ولقد ذكر الله للناس فى هذا القرآن الذين كفروا به، وطلبوا معجزة أخرى غيره، أمثلة متنوعة ليعظهم بما فيها، ولكن الإنسان فى طبيعته حب الجدل، فإذا كان جاحدا جادل بالباطل. 55- وما منع المشركين من الإيمان حين جاءهم سبب الهدى - وهو الرسول والقرآن ليؤمنوا ويستغفروا الله - إلا تعنتهم وطلبهم من الرسول أن تأتيهم سنة الله فى الأولين، وهى الهلاك المستأصل الذى أتى الأولين، أو يأتيهم العذاب عياناً. 56- ولكن الله لا يرسل رسله إلا للتبشير والإنذار، ولم يرسلهم ليقترح عليهم المعاندون معجزات معينة، ولكن الذين كفروا يعرضون عن الحُجَّة، ويجادلون المرسلين بالباطل ليبطلوا الحق، وقد وقفوا من القرآن والنُّذر موقف المستهزئ الساخر الذى لا يُعْنى بطلب الحقائق. 57- وليس أحد أظلم ممن وُعِظ بآيات ربه فلم يتدبرها، ونسى عاقبة ما عمل من المعاصى. إنا بسبب ميلهم إلى الكفر جعلنا على قلوبهم أغطية، فلا تعقل ولا يصل إليها النور، وفى آذانهم صمما فلا تسمع سماع فهم، وإن تدعهم - أيها الرسول - إلى الدين الحق فلن يهتدوا ما دامت هذه طبيعتهم البتة.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَرَأَى} (53) - وَحِينَمَا يُعَاينُ المُجْرِمُونَ نَارَ جَهَنَّمَ تَتَلَظَّى يَتَحَقَّقُونَ مِنْ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا لاَ مَحَالَةَ (مُوَاقِعُوها)، وَأَنَّهُمْ لاَ مَصْرِفَ لَهُمْ وَلاَ مُحِيدَ عَنْهَا، لأَِنَّ اللهَ حَتَّمَ ذَلِكَ، وَلأَِنَّهَا أَحَاطَتْ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. (وَرُؤْيَةُ جَهَنَّمَ، وَتَأَكُّدُ المُجْرِمِ مِنْ أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهَا لاَ مَحَالَةَ، هُمَا عَذَابٌ نَاجِزٌ). مُوَاقِعُوهَا - وَاقِعُونَ فِيهَا، وَدَاخِلُونَ فِيهَا. مَصْرِفاً - مَعْدِلاً وَمَكَاناً يَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : رأى: الرؤية: وقوع البصر على المرئيّ، والرؤية هنا مِمّن سيُعذّب في النار، وقد تكون الرؤية من النار التي ستعذبهم؛ لأنها تراهم وتنتظرهم وتناديهم، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}تفسير : [ق: 30]. أي: ها أنا ذا أنتظِرهم ومستعدة لملاقاتهم؟ والمجرمون: الذين ارتكبوا الجرائم، وعلى رأسها الكفر بالله. إذن: فالرؤية هنا متُبَادلة: المعذِّب والمعذَّب، كلاهما يرى الآخر ويعرفه. وقوله تعالى: {فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ..} [الكهف: 53] الظن هنا يُراد منه اليقين. أي: أيقنوا أنهم واقعون فيها، كما جاء في قول الحق سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ ..}تفسير : [البقرة: 46]. أي: يوقنون. {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} [الكهف: 53] أي: في حين أن بينهما مَوْبقاً، وأيضاً لا يجدون مفرّاً يفرون منه، أو ملجأ يلجؤون إليه، أو مكاناً ينصرفون إليه بعيداً عن النار، فالمَوْبِق موجود، والمصْرِف مفقود. ثم يقول تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً} يعني مَعْدِلاً.

الأندلسي

تفسير : قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} الآية تقدم تفسير نظير هذه الآية وهنا شىء مفرد معناه الجمع أي اكثر الاشياء التي يتأتى منها الجدال أن فصلتها واحدة بعد واحدة جدلاً خصومة ومماراة بمعنى أن جدال الإِنسان أكثر من جدل كل شىء ونحوه فإِذا هو خصيم مبين وانتصب جدلاً على التمييز قيل والإِنسان هنا النضر بن الحارث وقيل ابن الزبعري وقيل أمية بن خلف وكان جداله في البعث حتى أتى بعظم فذره فقال: أيقدر الله على إعادة هذا وكثيراً ما يذكر الإِنسان في معرض الذم وقد تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} حين عاتب علياً كرم الله و جهه على النوم عن صلاة الليل وقال له علي: إنما نفسي بيد الله تعالى فاستعمل الإِنسان على العموم وفي قوله: وما منع الناس الآية تأسف عليهم وتنبيه على فساد حالهم لأن هذا المنع لم يكن منهم بقصد أن يمتنعوا لتجنبهم العذاب وإنما امتنعوا مع اعتقاد أنهم مصيبون لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا وكان حالهم يقتضي التأسف عليهم والناس يراد به كفار عصر الرسول صلى الله عليه وسلم الذين تولوا دفع الشريعة وتكذيبها. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ} إلا ما سبق في علمنا وقضائنا أن يجري عليهم سنة الأولين من عذاب الاستئصال من المسخ والصيحة والخسف والغرق وعذاب الظلة ونحو ذلك وأراد بالأولين من أهلك من الأمم السابقة وأن يؤمنوا في موضع نصب على إسقاط حرف الجر أي: من الإِيمان وفاعل منع قوله: أن يأتيهم وهو على حذف مضاف تقديره إلا انتظار أن يأتيهم وقرأ قبلاً بضم القاف والباء فاحتمل أن يكون بمعنى قبلاً بكسر القاف وفتح الباء وقرىء: به وحكاها أبو عبيدة أنهما بمعنى واحد في المقابلة وأن يكون جمع قبيل أن يذيقهم العذاب أنواعاً. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} أي بالنعيم المقيم لمن آمن. {وَمُنذِرِينَ} أي بالعذاب الأليم لمن كفر. {لِيُدْحِضُواْ بِهِ} ليزيلوا. {وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي} يجمع آيات القرآن وعلامات الرسول قولاً وفعلاً. {وَمَآ أُنْذِرُواْ} من عذاب الآخرة واحتملت ما أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره وما أنذروه وأن تكون مصدرية أي وأنذرهم فلا يحتاج إلى عائد. {هُزُواً} أي سخرية واستخفافاً لقولهم أساطير الأولين لو شئنا لقلنا مثل هذا وتقدم تفسير نظير قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} الآية ثم أخبر تعالى أن هؤلاء لا يتهدون أبداً وهذا من العام والمراد به الخصوص وهو من طبع الله على قلبه وقضى عليه بالموافاة على الكفر إذ قد اهتدى كثير من الكفار وآمنوا وحمل أولاً على لفظ من في قوله: ذكر بآيات ربه فأعرض عنها فأفرد ثم على المعنى في قوله: انا جعلنا على قلوبهم، فجمع وفي وان تدعهم وتقييده بالأبدية مبالغة في انتفاء هدايتهم والغفور صفة مبالغة وذو الرحمة أي الموصوف بالرحمة ثم ذكر دليل رحمته وهو كونه تعالى لا يؤاخذهم عاجلاً بل يمهلهم مع إفراطهم في الكفر وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والموعد أجل الموت وأشار تعالى بقوله: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} إلى القرى المجاورة أهل مكة كقرى ثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بما جرى عليهم وليحذروا ما حل بهم كما حل بتلك القرى وتلك مبتدأ والقرى صفة أو عطف بيان والخبر أهلكناهم ويجوز أن يكون القرى الخبر وأهلكناهم جملة حالية كقوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}تفسير : [النمل: 52] ويجوز أن يكون تلك منصوباً بإِضمار فعل يفسره ما بعده أي وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم وتلك القرى على إضمار مضاف أي وأصحاب تلك القرى ولذلك عاد الضمير على ذلك المضمر في قوله: أهلكناهم وقوله: لما ظلموا اشعار بعلة الاهلاك وهي الظلم وبهذا استدل الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور على حرفية لما وانها ليست بمعنى حين لأن الظرف لا دلالة فيه على العلة وفي قوله لما ظلموا تحذير من الظلم إذ نتيجته الإِهلاك وضربنا لإِهلاكهم وقتاً معلوماً وهو الموعد واحتمل الموعد أن يكون مصدراً أو زماناً. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ} الآية في الحديث الثابت الصحيح وفي التواريخ أن موسى بن عمران موسى بني إسرائيل المرسل هو وأخوه هارون إلى فرعون وفتاه يوشع بن نون بن افراثيم بن يوسف بن يعقوب والفتى الشاب وسبب هذه القصة أن موسى عليه السلام جلس يوماً في مجلس لبني إسرائيل وخطب فأبلغ فقيل له هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا فأوحى الله تعالى إليه أن يسير بطول سيف البحر حتى يبلغ البحرين وعتب الله عليه حيث لم يرد العلم إلى الله فأوحى إليه بل أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر في أيام افريدون قبل موسى وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى عليه السلام ومعنى: {لاۤ أَبْرَحُ} لا أزال وهي من أخوات كان تحتاج إلى اسم وخبر واسمها الضمير المستكن في أبرح العائد على موسى والخبر محذوف لفهم المعنى يدل عليه التغيية بحتى التقدير لا أبرح سائراً حتى أبلغ ونص أصحابنا على أن خبر كان وأخواتها لا يجوز حذفه وان دل الدليل على حذفه إلا ما جاء في الشعر من قوله: شعر : لهفي عليك للهفة من خائف يبغي جوارك حين ليس مجير تفسير : أي حين ليس في الدنيا مجير والذي أراه أنه يجوز حذفه إذا دل الدليل على حذفه كهذا الموضع، قال الزمخشري: فإِن قلت: لا أبرح إن كان بمعنى لا أزول من برح المكان، فقد دل على الإِقامة على السفر وإن كان بمعنى أزال فلا بد من الخبر، قلت: هو بمعنى لا أزال وقد حذف الخبر لأن الحال والكلام معايد لأن عليه أما الحال فلأنها كانت حال سفر وأما الكلام فلأن قوله: حتى أبلغ مجمع البحرين غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له فلا بد أن يكون المعنى لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وهو ضمير المتكلم فانقلب الفعل عن الضمير الغائب إلى ضمير المتكلم وهو وجه لطيف "انتهى" هما وجهان خلطهما الزمخشري أما الأول فجعل الفعل مسنداً إلى المتكلم لفظاً وجعل الخبر محذوفاً كما قدره ابن عطية وحتى أبلغ فضله متعلقة بالخبر المحذوف وغاية له والوجه الثاني جعل لا أبرح مسنداً من حيث اللفظ إلى المتكلم ومن حيث المعنى إلى ذلك المقدر المحذوف وجعل خبر لا أبرح هو حتى أبلغ فهو عمدة إذ أصله خبر المبتدأ لأنه خبر أبرح قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى لا أبرح ما أنا عليه بمعنى ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان "انتهى" ومجمع البحرين، قال مجاهد وقتادة: هو مجمع بحر فارس وبحر الروم قال ابن عطية: هو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام هو مجتمع البحرين على هذا القول وقالت فرقة منهم محمد بن كعب القرظي هو عند طنجة حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه من دبور إلى صبا والقرية التي أبت أن تضيفهما هي الجزيرة الخضراء وقال ابن عباس: الحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون وقيل سنة بلغة قريش والظاهر أن قوله: أو أمضى معطوف على أبلغ فغياباً حد الأمرين إما ببلوغه المجمع وإما بمضيه حقباً وقيل هي تغيية لقوله لا أبرح كقولك: لا أفارقك أو تقتضيني حقي فالمعنى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين إلى ان أمضي زماناً لتيقن معه فوات مجمع البحرين. {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} ثم جملة محذوفة والتقدير فساروا فلما بلغا أي موسى وفتاه مجمع بينهما أي بين البحرين نسيا حوتهما وكان من أمر الحوت وقصته أن موسى عليه السلام حين أوحى الله تعالى إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا رب فكيف لي به، قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتاً فجعله في مكتله ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة وصفا رءوسهما وناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً وأمسك الله تعالى عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق والسرب المسلك في جوف الأرض. {فَلَمَّا جَاوَزَا} أي مجمع البحرين وهو الموعد قيل سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر وألقى على موسى النصب والجوع جين جاوز الموعد ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك فتذكر الحوت وطلبه والنصب وقوله: {مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا} إشارة إلى مسيرهما وراء الصخرة * وقال الزمخشري: {أَرَأَيْتَ} بمعنى أخبرني فإِن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام فإِن كل واحد من أرأيت وإذا أوينا وفإِني نسيت الحوت لا متعلق له قلت: لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذا أوينا إلى الصخرة فإِني نسيت الحوت فحذف ذلك "انتهى" وكون أرأيت بمعنى أخبرني ذكره سيبويه وقد أمعنا الكلام في ذلك في سورة الانعام ويجوز أن يكون أرأيت هنا بمعنى أعلمت أي أعلمت ما جرى فلا يكون بمعنى أخبر في وإن معمولة لا رأيت هذه وفي نسبة النسيان إلى نفسه دليل على حسن أدبه وتلطفه في فقد الحوت وأن أذكره يتقدر بالمصدر تقديره ذكري إياه وهو بدل اشتمال من ضمير الغيبة في إنسانيه وفصل بين المبدل منه والبدل بقوله: إلا الشيطان، وهو فاعل انسانيه والظاهر أن الضمير في واتخذ سبيله في البحر عجباً عائد على الحوت كما عاد في قوله: واتخذ سبيله في البحر سرباً وهو من كلام يوشع وإنما كان عجباً لخروجه من المكتل وحياته بعد كونه مشوياً أو مأكولاً بعض منه وإمساك جرية الماء عليه والإِشارة بقوله: ذلك أي أمر الحوت وفقده واتخاذه سبيلاً في البحر لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء ذلك العبد الصالح وذلك مبتدأ وما موصولة خبر عن المبتدأ ونبغي صلة ما والعائد عليها محذوف تقديره نبغيه فارتدا أي رجعا على أدراجهما من حيث جاآ قصصاً أي يقصان الأثر قصصاً فانتصب على المصدرية بإِضمار يقصان أو تكون في موضع الحال أي مقتضين فينتصب بقوله فارتدا فوجدا أي موسى والفتى عبداً من عبادنا هذه إضافة تشريف واختصاص وجداه عند الصخرة التي فقدا الحوت عندها وهو مسجي في ثوبه مستلقياً على الأرض فقال السلام عليك فرفع رأسه وقال: اني بأرضك السلام ثم قال له من أنت قال: موسى قال: موسى بني إسرائيل، قال: نعم، قال له: ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا؟ قال: بلى، ولكن أحببت لقاءك وأن أتعلم منك، قال له: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله تعالى لا أعلمه أنا قيل واسم الخضر بليا من ملكان وفي قول الخضر لموسى من أنت وقد أعلمه الله بواطن الأشياء ومآلها دليل على كذب هؤلاء المنتمين للتصوف المدعين علم الغيب والكشف عن أحوال الناس أعاذنا الله من ذلك ولدن تقدم الكلام عليها في أوائل آل عمران قال موسى في الكلام محذوف تقديره فلما التقيا وتراجعا الكلام وهو الذي ورد في الحديث الصحيح * قال له موسى هل اتبعك وفي هذا دليل على التواضع للعالم وفي هذه القصة دليل على الحث على الرحلة في طلب العلم وعلى حسن التلطف والاستنزال والأدب في طلب العلم بقوله هل أتبعك وفيه المسافرة مع العالم لاقتباس فوائده والمعنى هل يخف عليك ويتفق لك وانتصب رشداً على أنه مفعول ثان لقوله: تعلمن أو على أنه مصدر في موضع الحال وذو الحال الضمير في اتبعك وقرىء: رشداً ورشداً. {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} نفى الخضر استطاعته الصبر معه على سبيل التأكيد كأنها ما لا يصح ولا يستقيم. {وَكَيْفَ تَصْبِرُ} أي أن صبرك على ما لا خبرة لك به مستبعد * وفيه إبداء عذر له حيث لا يمكنه الصبر لما يرى من منافاة ما هو عليه وانتصب خبراً على التمييز أي بما لم يحط به خبرك فهو منقول من الفاعل أو على أنه مصدر على غير المصدر لأن معنى بما لم تحط به لم تخبره. {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً} وعده بوجدانه صابراً، وقرن: ذلك بمشيئة الله تعالى علماً منه بشدة الأمر وصعوبته إذ لا يصبر إلا على ما ينافي ما هو عليه إذا رآه. {وَلاَ أَعْصِي} يحتمل أن يكون معطوفاً على صابراً أي صابراً وغير عاص فيكون في موضع نصب عطفاً على الاسم إذا كان في معناه كقوله تعالى: {أية : صَـٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ}تفسير : [الملك: 19] أي وقابضات ويجوز أن يكون معطوفاً على ستجدني فلا محل له من الإِعراب ولا يكون مقيداً بالمشيئة لفظاً. {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ} الآية فانطلقا أي موسى والخضر وكان معهما يوشع ولم يضم إليه لأنه في حكم التبع وقيل كان موسى قد صرفه ورده إلى بني إسرائيل والألف واللام في السفينة لتعريف الجنس إذ لم يتقدم عهد في سفينة مخصوصة وقد روي في كيفية ركوبهما السفينة وخرقها وسدها أقوال والمعتمد ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما قالا: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى صلى الله عليه وسلم قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها إلى قوله: عسرا، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكانت الأولى من موسى نسياناً قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر واللام في لتغرق أهلها قيل لام العاقبة وقيل لام العلة وقرىء: لتغرق بفتح التاء والراء وسكون الغين أهلها بالرفع، وقرىء: بتاء الخطاب ثم ذكره الخضر بما سبق له من نفي استطاعته الصبر لما يرى. و{قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} والظاهر حمل النسيان على وضعه وقد قال صلى الله عليه وسلم كانت الأولى من موسى نسياناً والمعنى أنه نسي العهد الذي كان بينهما من عدم سؤاله حتى يكون هو المخبر له أولاً. {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} أي شنيعاً من الأمور كالداهية والأذى ونحوه. {فَٱنْطَلَقَا} في الكلام حذف تقديره فخرجا من السفينة ولم يقع غرق بأهلها فانطلقا فبينما هما يمشيان على ساحل البحر إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الصبيان وفي بعض الروايات فمر بغلمان يلعبون فعمد الخضر إلى غلام حسن الهيئة وضيء الوجه فاقتلع رأسه وقيل غير ذلك من كيفيات القتل وحكى القرطبي عن صاحب العرس والعرائس أن موسى لما قال للخضر: أقتلت نفساً زكية غضب الخضر واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه وإذا في عظم كتفه مكتوب كافر لا يؤمن بالله أبداً ومعنى زاكية طاهرة من الذنوب ووصفها بهذا الوصف لأنه لم يرها اذنبت ومعنى نكراً أنكر من الأول لأن الخرق يمكن سده والقتل لا سبيل إلى تدارك الحياة معه وفي قوله: لك زجر وإغلاظ ليس في الأول لأن مواقعه التساؤل ثابتة بعد التقدم إلى ترك السؤال واستعذار موسى صلى الله عليه وسلم بالنسيان أفظع وأفظع في المخالفات لما كان أخذ على نفسه من الصبر وانتفاء العصيان. {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي بعد هذه القصة أو بعد هذه المسألة. {فَلاَ تُصَاحِبْنِي} أي فأوقع الفراق بيني وبينك ومعنى قد بلغت أي قد أعذرت إلي وبلغت إلي العذر وفي البخاري قال: يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما والقرية التي أتيا أهلها قيل الجزيرة الخضراء وقيل غير ذلك وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم وهذه عبرة مصرحة بهوان الدنيا على الله وتكرر لفظ أهل على سبيل التوكيد وقد يظهر له فائدة غير التوكيد وهو أنهما حين أتيا أهل القرية لم يأتيا جميع أهل القرية إنما أتيا بعضهم فلما قال استطعما احتمل أنهما لم يستطعما إلا ذلك البعض الذي أتياه فجيء بلفظ أهلها لتعم جميعهم وأنهم تتبعوهم واحداً واحداً بالاستطعام ولو كان التركيب استطعماهم لكن عائداً على البعض المأتي واسناده الإِرادة إلى الجدار من المجاز البليغ والاستعارة البارعة وكثيراً ما يوجد في كلام العرب إسناد أشياء تكون من أفعال العقلاء إلى ما لا يعقل من الحيوان والجماد والمعنى لو كان الجماد أوالحيوان الذي لا يعقل مكان العاقل لكان صادراً منه ذلك الفعل فاقامة قال ابن عباس: دفعه بيده فاستقام وهذا أليق بحال الأنبياء عليهم السلام. {قَالَ لَوْ شِئْتَ} ظاهره أنه اعتراض إذ كان في غاية الاحتياج إلى الطعام فناسب أخذ الأجر على ما فعله من إقامة الجدار ولذلك قال: هذا فراق بيني وبينك إذ قد تقدم قوله: إن سألتك عن شىء، وقوله: لو شئت يتضمن معنى السؤال، وقرىء: لاتخذت ولتخذت والماضي تخذ يتخذ كتبع يتبع والتاء أصلية. {سَأُنَبِّئُكَ} أي سأخبرك بتأويل ما رأيت بما آل إليه الأمر فيما كان ظاهره أن لا يكون. {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} الآية واللام في لمساكين ظاهره أنها للاختصاص وأنهم كانوا مالكين لها. {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} فيه إسناد إرادة العيب إليه. {وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} وراء من الأضداد بمعنى خلف وبمعنى أمام وفسر هنا وراءهم بمعنى أمامهم ملك ذكر أن اسمه هود بن بدر وكان كافراً وقرأ أبي وعبد الله. {كُلَّ سَفِينَةٍ} صالحة ويحمل ذلك على التفسير لا على أنه قرآن وانتصب غصباً على أنه مفعول من أجله ولما ظهر أن السفينة قد عيبت بإِخراج بعض ألواحها وخوف أهلها من الغرق لم يتعرض هذا الملك إلى أخذها. {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ} فالألف واللام فيه للعهد إذ قد تقدم مجيئه نكرة وهو لقيا غلاماً فهو نظير كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول. {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} يراد بأبويه أبوه وأمه ثني تغليباً من باب القمرين في الشمس والقمر وهي تثنية لا تقاس. {فَخَشِينَآ} أي خفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما وكفرا لنعتمتهما بعقوقه وسوء صنيعه وإنما خشي الخضر منه ذلك لأن الله عز وعلا أعلمه بمآله وأطلعه على سر أمره وأمره بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في حياته والزكاة هنا الطهارة النقاء من الذنوب وما ينطوي عليه من شرف الخلق والسكينة والرحم والرحمة العطف مصدران كالكثر والكثرة وأفعل هنا ليس للتفضيل لأن ذلك الغلام الكافر لا زكاة فيه ولا رحمة والظاهر أن قوله: {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي يرحم والديه * وقال ابن جريج ويرحمانه * وقال رؤبة بن العجاج يا منزل الرحم على ادريسا ومنزل اللعن على ابليسا وقيل الرحم من الرحمة والقرابة ووصف الغلامين باليتم يدل أنهما كانا صغيرين وفي الحديث لا يتم بعد البلوغ واسمهما أصرم وصريم واسم أبيهما كاشح واسم أمهما دهنا والظاهر أن أباهما هو الأقرب إليهما الذي ولدهما دنية وفي الحديث أن الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته وانتصب رحماً على المفعول له والظاهر في الكنز أنه مال مدفون جسيم ذهب وفضة وفي قوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ} إسناد الإِرادة إلى الله لما تضمنت من إرادة الخير بخلاف ما تقدم من قوله: فأردت أن أعيبها. {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} الضمير في فعلته عائد على ما تقدم من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار عن أمري يدل على أن ذلك كان بأمر الله وقد استدل بهذا على أن الخضر كان نبياً * وتستطيع مضارع استطاع بهمزة الوصل وقال ابن السكيت: يقال ما أستطيع وما أسطيع وما استتيع وما استيع أربع لغات والمحذوف في يستطيع تاء الافتعال إذ الأصل هي الطاء فاء الكلمة والألف المنقلبة عن الواو وهي غير الكلمة آخر الام الكلمة والأصول الطوع والله أعلم. {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} الآية الضمير في ويسئلونك عائد على قريش حين دستها اليهود على سؤاله عن الروح والرجل الطوّاف وفتية ذهبوا في الدهر ليقع امتحانه بذلك وذو القرنين هو الاسكندر اليوناني ذكره ابن إسحاق وعن علي رضي الله عنه كان عبداً صالحاً ليس بملك ولا نبي ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات فبعثه الله وضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمى ذا القرنين وورد في الحديث حديث : أن الذين ملكوا الأرض أربعة مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمروذ وبخت نصر تفسير : وكان بعد نمروذ قوله: {ذِكْراً} يحتمل أن يريد قرآناً وأن يريد حديثاً وخبراً والتمكين الذي له في الأرض كونه ملك الدنيا ودانت له الملوك كلها. {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه في الوصول إلى أغراضه. {سَبَباً} أي طريقاً موصلاً إليه والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة فأراد بلوغ المغرب. {فَأَتْبَعَ سَبَباً} يوصله إليه. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ} وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً وأراد بلوغ السدين فاتبع سبباً وأصل السبب الحبل ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى الغرض وقرىء: حامية يعني حارة وحمئة يعني فيها ماء وطين وفي حديث أبي ذر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال أتدري أين تغرب يا أبا ذر فقلت لا فقال انها تغرب في عين حمئة * تفسير : وهذا الحديث وظاهر النص دليل على أن قوله في عين متعلق بتغرب. {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} أي عند تلك العين قال وهب: انطلق يؤم المغرب إلى أن انتهى إلى باسك فوجد جمعاً لا يحصيهم إلا الله فضرب حولهم ثلاثة عساكر حتى جمعهم في مكان واحد ثم دخل عليهم في النور ودعاهم إلى عبادة الله فمنهم من آمن ومنهم من صد عنه. {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ} بالقتل على الكفر. {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} أي بالحمل على الهدى والإِيمان ولما خيره تعالى بين تعذيبهم ودعائهم إلى الإِسلام اختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال أما من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم وهو الكفر هنا بلا خلاف فذلك هو المعذب في الدارين. {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ} وعمل ما يقتضيه الإِيمان. {فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} وأتى بحرف التنفيس في: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} لما يتخلل بين اظهاره كفره وبين تعذيبه من دعائه إلى الإِيمان وتأبيه عنه فهو لا يعاجلهم بالقتل على ظلمهم بل يدعوهم ويذكرهم فإن رجعوا وإلا فالقتل وقوله: {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ} أي يوم القيامة وأتى بنون العظمة في نعذبه على عادة الملوك في قولهم: نحن فعلنا وقوله: إلى ربه فيه اشعار بأن التخيير لذي القرنين ليس من الله إذ لو كان كذلك لكان التركيب ثم يرد إليك فتعذبه ولا يبعد أن يكون التخيير من الله ويكون قد أعلم ذو القرنين بذلك أتباعه ثم فصل مخاطباً لاتباعه لا لربه تعالى وما أحس مجيء هذه الجمل لما ذكر ما يستحقه من ظلم بدأ بما هو أقرب لهم ومحسوس عندهم وهو قوله: فسوف نعذبه ثم أخبر بما يلحقه آخراً يوم القيامة وهو تعذيب الله إياه العذاب النكر ولأن الترتيب الواقع هو كذا * ولما ذكر ما يستحقه من آمن وعمل صالحاً ذكر جزاء الله له في الآخرة وهو الحسنى أي الجنة لأن طمع المؤمن في الآخرة ورجاءه هو الذي حمله على أن من آمن لأجل جزائه في الآخرة وهو عظيم بالنسبة للإِحسان في الدنيا ثم اتبع ذلك بإِحسانه له في الدنيا بقوله: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} أي لا نقول له ما يتكلفه مما هو شاق عليه أي قولاً ذا يسر وسهولة كما قال قولاً ميسوراً ولما ذكر ما أعد الله له من الحسنى جزاء لم يناسب أن يذكر جزاءه بالفعل بل اقتصر على القول أدباً مع الله وان كان يعلم أنه يحسن إليه قولاً وفعلاً. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي طريقاً إلى مقصده الذي يسر له والقوم هنا الزنج * والستر هنا البنيان وقيل غير ذلك والمعنى أنهم لا شىء لهم يسترهم من حرّ الشمس وقال مجاهد السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع الأرض وقال بعض الرجاز: شعر : بالزنج حرّ غير الأجساد حتى كسا جلودها السوادا تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} الآية، قال وهب السدان: جبلان منيفان في السماء من ورائهما وأمامهما البلدان وهما بمنقطع أرض بلاد الترك مما يلي بلاد أرمينية وأذربيجان وهما لينان أملسان يلزق عليهما كل شىء وسمى الجبلان سدين لأن كل واحد منهما قد سد فجاج الأرض وكانت بينهما فجوة يدخل منها يأجوج ومأجوج والضمير في قالوا عائد على هؤلاء القوم شكوا ما يلقون من يأجوج ومأجوج إذ رجوا عند ما ينفهم لكونه بتلك الأرض ودوخ الملوك وبلغ إليهم وهم لم يبلغ أرضهم ملك قبله * ويأجوج ومأجوج قبيلتان من بني آدم وقيل هما من ولد يافث بن نوح وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل والديلم وقال السدي والضحاك: الترك شرذمة منهم خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد عليهم وبقيت من هذا الجانب وقال قتادة والسدي بني السد على إحدى وعشرين قبيلة وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك وقد اختلف في عددهم وصفاتهم ولم يصح في ذلك شىء من هذا وهما ممنوعا الصرف فمن زعم أنهما أعجميان فللعلمية والعجمة ومن زعم أنهما عربيان فللتأنيث والعلمية لأنهما اسما قبيلة وقرىء: يأجوج ومأجوج بهمزة وبغير همزة. {مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} لم يعين جهة الفساد وفيها أقوال ذكرت في البحر. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} هذا استدعاء منهم قبول ما يبذلونه مما يعينه على ما طلبوه على جهة حسن الأدب إذ سألوه ذلك كقول موسى عليه السلام للخضر هل أتبعك على ان تعلمني وقرىء: خراجاً وخرجاً والخراج والخرج بمعنى واحد كالنوال والنول والمعنى جعلا نخرجه من أموالنا وكل ما يستخرج من ضريبة وجزية وغلة فهو خراج وخرج، وقرىء: بفتح السين في السدين وسدا وبضمها. {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي ما بسط الله لي من القدرة والملك خير من خرجكم. {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} بما أتقوى به من فعلة وصناع يحسنون العمل والبناء وبالآت وقرىء: مكنى ومكنني بالادغام وبإِظهار النونين وما مبتدأ موصول بمعنى الذي وما بعده صلته والعائد الضمير الذي في فيه وخير خبر. و{رَدْماً} حاجزاً حصيناً موثقاً وقرىء: قال {آتُونِيۤ} واتئوني من أتى وآتى والمعنى احضروا زبر الحديد وثم محذوف تقديره فأتوه بما طلب. {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} قرىء: بضم الصاد والدال وبفتحهما وبضم الصاد وإسكان الدال والصدفان جانبا الجبل إذا تحاذيا لتصادفهما لتلاقيهما وحكي في الكيفية أن ذا القرنين قاس ما بين الصدفين وحفر الأساس حتى بلغ الماء ثم جعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب ثم يصب عليه والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى يسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ حتى إذا صار كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلدا وقيل طول ما بين السدين مائة فرسخ وعرضه خمسون فرسخاً وفي الحديث حديث : أن رجلاً أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رآه فقال كيف رأيته قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال: قد رأيته . تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} في الكلام حذف تقديره فنفخوا حتى جعلوه ناراً والفاعل بجعل هو الضمير المفهوم من قوله: انفخوا التقدير هو أي النفخ نار. {قَالَ آتُونِيۤ} فيه القراءتان اللتان في آتوني المتقدمة أي جيئوني * قطراً منصوب بأفرغ على اعمال الثاني أن ينازعه ائتوني وأفرغ وحذف الضمير من الأول ولو كان أعمل الأول لكان التركيب ائتوني أفرغه عليه قطراً فكنت تضمر في الثاني على الفصيح والقطر النحاس. {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ} بحذف التاء تخفيفاً لقربها من الطاء وقرأ حمزة وطلحة بإدغامها في الطاء وهو إدغام على غير حدة إذ لا يصح الإِدغام إلا أن يكون قبل الإِدغام متحرك أو حرف مد ولين. {أَن يَظْهَرُوهُ} أن يعلو عليه وفي الكلام حذف تقديره فلما أكمل بناء السد واستوى واستحكم. {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} ودكا منونة مصدر دككته والظاهر أن جعله بمعنى صيره فدكا مفعول ثان * قال ابن عطية ويحتمل أن يكون جعل بمعنى خلق وينصب دكاً على الحال "انتهى" هذا بعيد جداً لأن السد إذ ذاك موجود مخلوق ولا يخلق المخلوق لكنه ينتقل من بعض هيئاته إلى هيئة أخرى. {وَتَرَكْنَا} هذا الضمير لله والأظهر أن الضمير في بعضهم يعود على الخلق أي يوم إذ جاء وعد الله وهو يوم القيامة ويقويه قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} ويظهر أن ذلك هو يوم القيامة ولذلك ما جاء بعده من الجمع وعرض جهنم وتقدم الكلام على النفخ في الصور في سورة الانعام وجمعاً مصدر مؤكد. {وَعَرَضْنَا} أي أبرزنا جهنم يومئذٍ أي يوم إذ جمعناهم. {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ} صفة ذم استعار الغطاء لأعينهم والمراد أنهم لا يبصرون آياتي التي ينظر إليها فيعتبر بها * وكانوا لا يستطيعون سمعاً مبالغة في انتفاء السمع إذ نفيت الاستطاعة وهم إن كانوا يسمعون جعلوا كمن نفيت قدرته على السمع لما لم ينتفعوا بسمعهم. {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية هم من عبد من الملائكة وعزير وعيسى واتخذوهم أولياء من دون الله وهم بعض العرب واليهود والنصارى وهو استفهام فيه معنى الإِنكار والتوبيخ والمعنى أنهم ليس لهم من ولاية هؤلاء الذين تولوهم شىء ولا يجدون عندهم منتفعاً وحسب يتعدى لمفعولين سدت أن مع معمولها مسدهما وقرأ علي ابن أبي طالب وجماعة أفحسب بإِسكان السين وضم الباء مضافاً إلى الذين أي أفكافيهم ومحسبهم ومنتهى غرضهم والمعنى أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله فارتفع حسب على الابتداء والخبر أن يتخذوا * وقال الزمخشري: أو على الفعل والفاعل لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل كقولك: أقائم الزيدان أو هي قراءة محكمة جيدة انتهى والذي يظهر أن هذا الاعراب لا يجوز لأن حسباً ليس باسم فاعل فيعمل ولا يلزم من تفسير شىء بشىء أن تجري عليه جميع أحكامه وقد ذكر سيبويه أشياء من الصفات التي تجري مجرى الأسماء وان الوجه فيها الرفع ثم قال وذلك مررت برجل خير منه أبوه ومررت برجل سواء عليه الخير والشر ومررت برجل أب له صاحبه ومررت برجل حسبك من رجل هو ومررت برجل أيما رجل هو "انتهى" ولا يبعد أن يرفع به الظاهر فقد أجازوا في مررت برجل أبي عشرة أبوه ارتفاع أبوه بأبي عشرة لأنه في المعنى والد عشرة. {إِنَّآ أَعْتَدْنَا} أي أعددنا ويسرنا والنزل موضع النزول والنزل أيضاً ما يقدم للضيف ويهيأ له وللقادم من الطعام والنزول هنا يحتمل التفسيرين. {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} الآية قل يا محمد للكافرين هل ننبئكم فإِذا طلبوا ذلك فقل لهم أولئك الذين كفروا والأخسرين أعمالاً كل من دان بدين غير دين الإِسلام راءى بعمله أو أقام على بدعة والأخسر من أتعب نفسه فأدى به تعبه إلى النار وانتصب أعمالاً على التمييز وجمع لأن أعمالهم في الضلال مختلفة وليسوا مشتركين في عمل واحد والذين يصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين وكأنه جواب عن سؤال ويجوز نصبه على الذم وجره على الوصف أو على البدل. {ضَلَّ سَعْيُهُمْ} أي هلك وبطل وذهب ويحسبون ويحسنون من تجنيس التصحيف وهو أن يكون النقط والشكل فرقاً بين الكلمتين ومنه * قول أبي عبادة: شعر : ولم يكن المعتز بالله إذ سرى ليعجز والمعتز بالله طالبه تفسير : {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ} مبتدأ وخبر وجهنم بدل وذلك إشارة إلى ترك إقامة الوزن. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية لما ذكر ما أعد للكافرين ذكر ما أعد للمؤمنين وفي الصحيح جنات الفردوس أربع ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وفي حديث عبادة الفردوس أعلاها يعني أعلا الجنة ويقال كرم مفردس أي معرش ولذلك سميت الروضة التي دون اليمامة فردوساً لاجتماع نخلها وتعرشها على أرضها. و{نُزُلاً} يحتمل من التأويل ما يحتمل نزلاً المتقدم ومعنى حولاً تحولاً إلى غيرها قال ابن عيسى هو مصدر كالعوج والصغر. {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً} أي ماء البحر مداداً وهو ما يمد به الدواة من الجر وما يمد به السراج من السليط ويقال السماء مداد الأرض. {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} أي ممداً لكتب كلمات ربي وهو علمه وحكمته وكتب بذلك المداد. {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} أي فنى ماؤه الذي هو المداد قبل أن تنفد الكلمات لأن كلماته تعالى لا يمكن نفادها لأنها لا تتناهى والبحر ينفد لأنه متناه ضرورة وجواب لو الأولى لنفذ وجواب الثانية محذوف تقديره لم تنفد الكلمات وفي قوله: {وَلَوْ جِئْنَا} التفات من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم والضمير في بمثله عائد على البحر ومددا تمييز لجواز دخول من عليه كما قال الشاعر: شعر : فإِن الهوى يكفيه مثله صبراً* تفسير : والمدد هو الممدود به فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض وفي قوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} اعلام بالبشرية والمماثلة في ذلك لا أدعي أني ملك يوحى إلي أي علمي إنما هو مسند إلي وحي وربي ونبه على الوحدانية لأنهم كانوا كفار بعبادة الأصنام ثم حض على ما فيه النجاة ويرجو بمعنى يطمع ولقاء ربه على تقدير محذوف أي حسن لقاء ربه. {وَلاَ يُشْرِكْ} نهي عن الإِشراك بعبادة الله وقال ابن جبير لا يرائي في عمله فلا يبتغي إلا وجه ربه خالصاً لا يخلط به غيره قيل: حديث : نزلت في جندب بن زهير، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اني أعمل العمل لله فإِذا أطلع عليه سرني فقال: ان الله لا يقبل ما شورك فيه تفسير : وقرىء: تشرك بالتاء خطاباً للسامع والتفاتاً من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب وهو المأمور بالعمل الصالح ثم عاد إلى الإِلتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله ربه ولم يأت التركيب بربك إيذاناً بأن الضميرين لمدلول واحد وهو من قوله فمن كان يرجو لقاء ربه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : في قوله: {وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53] إشارة إلى أن المجرمين لما رأوا في الدنيا ما يدخلهم النار من المحرمات والشهوات وأكل الربا وأكل مال اليتيم فلم يمتنعوا عنها وواقعوها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي بالجنة والنار والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والثواب والعقاب، فإذا رأوا في الآخرة النار أيقنوا أنهم مواقعوها بما لم يحترزوا عنها في الدنيا، {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً } [الكهف: 53] كما لم يجدوا في الدنيا ما يصرفهم عن الأعمال الموجبة للنار. {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} [الكهف: 54] يحتاج إليه السائرون إلى الله الصادقون في محبة الله، المخلصون في طلب الله المشتاقون إلى جمال الله ويستدل به الموحدون في وحدانية الله، ويتمسك به الواصلون إلى الله في بذل الوجود والفناء في الله ليبقوا بالله، ولكن من طبيعة الإنسان المجادلة والمخاصمة وبها يقطعون الطريق على أنفسهم فتارة مع الأنبياء يجادلون ولا يقبلونهم بالنبوة والرسالة حتى يقاتلوهم. وتارة يجادلون في الكتب المنزلة ويقولون: وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ {أية : مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 91] وتارة يجادلون في محكماتها، وتارة يجادلون في متشابهاتها، وتارة يجادلون في قراءتها، وتارة يجادلون في قدمها وحدوثها، وعلى هذا حتى لم يفرغوا من المجادلة إلى المجاهدة، ومن المخاصمة إلى المعاملة، ومن المنازعة إلى المطاوعة، ومن المناظرة إلى المواصلة فلهذا قال: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54] ومن هنا عالجهم بقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأنعام: 91]. وفي قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} [الكهف: 55] أي: أسباب الهداية {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} [الكهف: 55] أن كانوا مذنبين {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} [الكهف: 55] إشارة إلى أن أسباب الهداية إن اجتمعت بالكلية لا يهتدي بها الناس ولا يؤمنون إلا أن تأتيهم سنة الأولين من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهي جذبات العناية لأهل الهداية فإنها سنة الله التي قد خلت من قبل كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ". تفسير : وكما قال تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [السجدة: 13] فالاهتداء بهداية الله وبالسيف وهو قوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} [الكهف: 55] كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وكما قال: "أنا نبي السيف ونبي الملحمة ". تفسير : ثم أخبر عن شريعة الأنبياء والمرسلين إلى الكفر وأهل الدين بقوله تعالى: {أية : وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} تفسير : [الأنعام: 48] أي: أهل المحبة والولاء المبتلين بالمحبة والبلاء الصابرين في البأساء والضراء، والصادقين في دعوى الوفاء بالاجتباء والاصطفاء والوصلة واللقاء {أية : وَمُنذِرِينَ} تفسير : [الأنعام: 48] لأهل الجفاء وكفرة النعماء في البؤس والرخاء بالقطيعة والفناء وسوء العاقبة والإيواء. وفي قوله: {وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} [الكهف: 56] إشارة إلى عناد أهل ألكفر من أهل الحق من الأنبياء والأولياء جهلاً منهم وضلالة بشأنهم يرون الحق باطلاً، والباطل حقاً وذلك من عمى قلوبهم وسخافة عقولهم أنهم يسعون في إبطال الحق وتحقيق الباطل، فإن أهل الحق هم المنقادون للأنبياء والأولياء المستسلمون لهم من غير عناد وجدال؛ وذلك لأنهم ينظرون بنور الله فيرون الحق حقاً ويتبعونه، ويرون الباطل باطلاً ويجتنبونه لا جرم أنهم يتخذون آيات الله من القرآن وغيره {وَمَآ أُنْذِرُواْ} [الكهف: 56] به من نار القطيعة وغيرها جزاء فيأتمرون بما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه ولا يتخذونها {هُزُواً} [الكهف: 56]. كما أخبر الله تعالى عن أهل الباطل {وَٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً} [الكهف: 56]، وبقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الكهف: 57] يشير إلى أن من كانت هذه صفاه فهو أظلم الناس على نفسه؛ لأن الإعراض أعظم من الشرك فإن المشركين يقولون: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 18]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] فالمعرض أعظم ظلماً من المشرك {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف: 57] من الشرك فتولد الإعراض من شركه، كما أخبر بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الكهف: 57] أي: غطاء من الشرك {أَن يَفْقَهُوهُ} [الكهف: 57] أي: يفهموا أن غطاء قلوبهم من الشرك، {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} [الكهف: 57] من الإعراض {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} [الكهف: 57] لم يسمعوا لصمم آذان قلوبهم من الإعراض {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} [الكهف: 57] لأن الاهتداء موقوف على استماع دعوة الحق وهو ممنوع بصمم الإعراض.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لما كان يوم القيامة وحصل من الحساب ما حصل، وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم، وحقت كلمة العذاب على المجرمين، فرأوا جهنم قبل دخولها، فانزعجوا واشتد قلقهم لظنهم أنهم مواقعوها، وهذا الظن قال المفسرون: إنه بمعنى اليقين، فأيقنوا أنهم داخلوها { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } أي: معدلا يعدلون إليه، ولا شافع لهم من دون إذنه، وفي هذا من التخويف والترهيب، ما ترعد له الأفئدة والقلوب.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 542 : 7 : 14 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {فظنوا أنهم ملاقوها}. [الآية 53].

همام الصنعاني

تفسير : 1690- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا}: [الآية: 53]، قال: علموا.