Verse. 2194 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَلَقَدْ صَرَّفْــنَا فِيْ ہٰذَا الْقُرْاٰنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ۝۰ۭ وَكَانَ الْاِنْسَانُ اَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا۝۵۴
Walaqad sarrafna fee hatha alqurani lilnnasi min kulli mathalin wakana alinsanu akthara shayin jadalan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد صرفنا» بينا «في هذا القرآن للناس من كل مثل» صفة لمحذوف، أي مثلاً من جنس كل مثل ليتعظوا «وكان الإنسان» أي الكفار «أكثر شيء جدلاً» خصومة في الباطل وهو تمييز منقول من اسم كان، المعنى: وكان جدل الإنسان أكثر شيء فيه.

54

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن أولئك الكفرة لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم وبين تعالى بالوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبهتهم باطلة وذكر فيه المثلين المتقدمين، قال بعده: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ } وهو إشارة إلى ما سبق والتصريف يقتضي التكرير والأمر كذلك لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوه كثيرة ومع تلك الجوابات الشافية والأمثلة المطابقة فهؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة فقال وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل وانتصاب قوله جدلاً على التمييز قال بعض المحققين والآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام جادلوهم في الدين حتى صاروا هم مجادلين لأن المجادلة لا تحصل إلا من الطرفين وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل، ثم قال: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } وفيه بحثان: البحث الأول: قالت المعتزلة: الآية دالة على أنه لم يوجد ما يمنع من الإقدام على الإيمان وذلك يدل على فساد قول من يقول إنه حصل المانع. قال أصحابنا: العلم بأنه لا يؤمن مضاد لوجود الإيمان. فإذا كان ذلك العلم قائماً كان المانع قائماً. وأيضاً حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا لما وجب لأن الفعل الاختياري بدون الداعي محال، ووجود الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان. وإذا ثبت هذا ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة. البحث الثاني: المعنى أنه لما جاءهم الهدى وهو الدليل الدال على صحة الإسلام، وثبت أنه لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة. والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان ثم قال تعالى: {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلاْوَّلِينَ } ـ وهو عذاب الاستئصال ـ {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً } قرأ حمزة وعاصم والكسائي قبلاً بضم القاف والباء جميعاً وهو جمع قبيل بمعنى ضروب من العذاب تتواصل مع كونهم أحياء وقيل مقابلة وعياناً والباقون قبلاً بكسر القاف وفتح الباء أي عياناً أيضاً، وروى صاحب الكشاف قبلاً بفتحتين أي مستقبلاً. والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال فيهلكوا، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا، واعلم أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا على هذين الشرطين، لأن العاقل لا يرضى بحصول هذين الأمرين إلا أن حالهم شبيه بحال من وقف العمل على هذين الشرطين. ثم بين تعالى أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين مع هذه الأحوال أنه يوجد من الكفار المجادلة بالباطل لغرض دحض الحق. وهذا يدل على أن الأنبياء كانوا يجادلونهم لما بينا أن المجادلة إنما تحصل من الجانبين وبين تعالى أيضاً أنهم اتخذوا آيات الله وهي القرآن وإنذارات الأنبياء هزواً وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة. قال النحويون ما في قوله: {وَمَا أُنْذِرُواْ } يجوز أن تكون موصولة ويكون العائد من الصلة محذوفاً ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إنذارهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره لهم من العبر والقرون الخالية. الثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية وقد تقدم في «سبحان»؛ فهو على الوجه الأوّل زجر، وعلى الثاني بيان. {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي جدالاً ومجادلة، والمراد به النضر بن الحارث وجداله في القرآن. وقيل: الآية في أبيّ بن خلف. وقال الزجاج: أي الكافر أكثر شيء جدلاً؛ والدليل على أنه أراد الكافر قوله: «ويُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالْبَاطِلِ». وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة من الكفار فيقول الله له: ما صنعتَ فيما أرسلتُ إليك فيقول: رب آمنتُ بك وصدّقت برسلك وعملتُ بكتابك فيقول الله له: هذه صحيفتك ليس فيها شيء من ذلك فيقول: يا رب إني لا أقبل ما في هذه الصحيفة فيقال له هذه الملائكة الحفظة يشهدون عليك فيقول: ولا أقبلهم يا رب وكيف أقبلهم ولا هم من عندي ولا من جهتي فيقول الله تعالى: هذا اللوح المحفوظ أمّ الكتاب قد شهد بذلك فقال: يا رب ألم تُجرني من الظلم قال: بلى فقال: يا رب لا أقبل إلا شاهداً عليّ من نفسي فيقول الله تعالى الآن نبعث عليك شاهداً من نفسك فيتفكر من ذا الذي يشهد عليه من نفسه فيختم على فيه ثم تنطق جوارحه بالشرك ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام فيدخل النار وإنّ بعضه ليلعن بعضاً يقول لأعضائه: لعنكنّ الله فعنكنّ كنتُ أناضل فتقول أعضاؤه: لعنك الله أفتعلم أن الله تعالى يُكْتَم حديثاً فذلك قوله تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}» تفسير : أخرجه مسلم بمعناه من حديث أنس أيضاً. وفي صحيح مسلم «حديث : عن عليّ أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال: «ألا تصلّون»فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا؛ فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}». تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي القرآن والإسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام. {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} أي سنتنا في إهلاكهم؛ أي ما منعهم عن الإيمان إلا حكمي عليهم بذلك؛ ولو حكمت عليهم بالإيمان آمنوا. وسنة الأوّلين عادة الأوّلين في عذاب الاستئصال. وقيل: المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأوّلين فحذف. وسنة الأوّلين معاينة العذاب، فطلب المشركون ذلك، وقالوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية. {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} نصب على الحال، ومعناه عِيانا؛ قاله ابن عباس. وقال الكلبيّ: هو السيف يوم بَدْر. وقال مقاتل: فجأة. وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيـى والكسائي «قُبُلاً» بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كلّه؛ جمع قبيل نحو سَبِيل وسُبُل. النحاس: ومذهب الفراء أن «قُبُلا» جمع قَبِيل أي متفرّقاً يتلو بعضه بعضاً. ويجوز عنده أن يكون المعنى عِيانا. وقال الأعرج: وكانت قراءته «قُبُلاً» معناه جميعاً. وقال أبو عمرو: وكانت قراءته «قِبَلاً» ومعناه عِيانا. قوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} أي بالجنة لمن آمن. {وَمُنذِرِينَ} أي مخوّفين بالعذاب من كفر. وقد تقدّم. {وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} قيل: نزلت في المقتسمين، كانوا يجادلون في الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقولون: ساحر ومجنون وشاعر وكاهن كما تقدّم. ومعنى «يُدحِضوا» يزيلوا ويبطلوا. وأصل الدَّحْض الزَّلَق. يقال: دَحَضتْ رِجلُه أي زَلِقت، تَدْحَض دَحْضاً، ودَحَضِتِ الشمسُ عن كبد السماء زالت، ودَحَضَت حُجّته دُحوضاً بَطلت، وأدحضها الله. والإدحاض الإزلاق. وفي وصف الصراط: «حديث : ويُضرَب الجِسرُ على جهنم وتَحِلُّ الشفاعةُ فيقولون اللهم سَلِّم سَلِّم» قيل: يا رسول الله وما الجِسر؟ قال:«دَحْضٌ مَزْلَقة» تفسير : أي تَزلَق فيه القدم. قال طَرَفة:شعر : أبا منذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ فهِبتَهُ وحِدْتَ كما حَادَ البعِيرُ عن الدَّحْضِ تفسير : {وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي} يعني القرآن {وَمَا أُنْذِرُواْ} من الوعيد {هُزُواً }. و«ما» بمعنى المصدر أي والإنذار. وقيل: بمعنى الذي؛ أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزواً أي لعباً وباطلاً؛ وقد تقدّم في «البقرة» بيانه. وقيل: هو قول أبي جهل في الزُّبد والتمّر هذا هو الزقّوم. وقيل: هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأوّلين، وقالوا للرسول: «هَلْ هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»،{أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] و{أية : مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} تفسير : [البقرة: 26]. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} أي لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه، فتهاون بها وأعرض عن قبولها. {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها؛ فالنسيان هنا بمعنى الترك. وقيل: المعنى نسي ما قدّم لنفسه وحصّل من العذاب؛ والمعنى متقارب. {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} بسبب كفرهم؛ أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم. {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} أي إلى الإيمان {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} نزل في قوم معينين، وهو يردّ على القَدَرية قولهم؛ وقد تقدّم معنى هذه الآية في «سبحان» وغيرها. قوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي للذنوب. وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة بدليل قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : [النساء: 48]. «ذو الرحمة» فيه أربع تأويلات: أحدها: ذو العفو. الثاني: ذو الثواب؛ وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفر. الثالث: ذو النعمة. الرابع: ذو الهدى؛ وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان والكفر، لأنه ينعِم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن. وقد أوضح هداه للكافر كما أوضحه للمؤمن وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. ومعنى قوله: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ} أي من الكفر والمعاصي {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} ولكنه يمهل. {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} أي أجل مقدّر يؤخرون إليه. نظيره {أية : لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ} تفسير : [الأنعام: 67]، {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} تفسير : [الرعد: 38] أي إذا حلّ لم يتأخر عنهم إما في الدنيا وإما في الآخرة. {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ} أي ملجأ؛ قاله ابن عباس وابن زيد، وحكاه الجوهريّ في الصحاح. وقد وَأَلَ يَئِلُ وَأْلاً وَوُءُولاً على فُعول أي لجأ، ووَاءَل منه على فاعل أي طلب النجاة. وقال مجاهد: مَحْرِزاً. قتادة: وليًّا. أبو عبيدة: مَنْجًى. وقيل: مَحيصاً؛ والمعنى واحد. والعرب تقول: لا وَأَلتْ نفسُه أي لا نَجَت؛ ومنه قول الشاعر:شعر : لا وَأَلتْ نفسُك خَلَّيْتَهَا للعامِرِيَّيْنِ ولم تُكْلَم تفسير : وقال الأعشى:شعر : وقد أخَالِسُ رَبَّ البيتِ غَفْلَتهُ وقد يُحاذِرُ منّي ثم ما يَئِلُ تفسير : أي ما ينجو. قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ} «تلك» في موضع رفع بالابتداء. «القرى» نعت أو بدل. و«أهلكناهم» في موضع الخبر محمول على المعنى؛ لأن المعنى أهل القرى. ويجوز أن تكون «تلك» في موضع نصب على (قول) من قال: زيداً ضربته؛ أي وتلك القرى التي قصصنا عليك نبأهم، نحو قُرى عاد وثمود ومدين وقوم لوط أهلكناهم لما ظلموا وكفروا. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} أي وقتاً معلوماً لم تَعْدُه. و«مُهْلَك» من أُهلِكوا. وقرأ عاصم «مَهْلَكِهِم» بفتح الميم واللام وهو مصدر هَلَك. وأجاز الكسائي والفراء «لِمَهْلِكِهِم» بكسر اللام وفتح الميم. النحاس: (قال الكسائي) وهو أحبّ إليّ لأنه من هلك. الزجاج: مَهْلكْ اسم للزمان والتقدير: لوقت مَهْلِكهم، كما يقال: أتت الناقة على مَضْرِبِها.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ولقد بيّنا للناس في هذا القرآن، ووضّحنا لهم الأمور، وفصّلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله بصره لطريق النجاة. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني علي بن الحسين: أن حسين بن علي أخبره: أن علي بن أبي طالب أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: «حديث : ألا تصليان؟» تفسير : فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً} أخرجاه في "الصحيحين".

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } بيّنّا { فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ } صفة لمحذوف أي مثلاًمن جنس كل مثل ليتعظوا {وَكَانَ ٱلإِنْسَٰنُ } أي الكافر {أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً } خصومة في الباطل، وهو تمييز منقول من اسم (كان)، المعنى: وكان جدل الإِنسان أكثر شيء فيه.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم، وأجابهم عن ذلك وضرب لهم الأمثال الواضحة، حكى بعض أهوال الآخرة فقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } أي: كرّرنا ورددنا { فِى هَـٰذَا القرآن للناس} أي لأجلهم ولرعاية مصلحتهم ومنفعتهم {مِن كُلّ مَثَلٍ } من الأمثال التي من جملتها الأمثال المذكورة في هذه السورة، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في سورة بني إسرائيل، وحين لم يترك الكفار ما هم فيه من الجدال بالباطل، ختم الآية بقوله {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } قال الزجاج: المراد بالإنسان: الكافر، واستدل على أن المراد الكافر بقوله تعالى: {وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ } وقيل: المراد به في الآية: النضر بن الحارث، والظاهر العموم وأن هذا النوع أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدال جدلاً، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عليّ: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً، فقال: "ألا تصليان؟" فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً }، وانتصاب جدلاً على التمييز. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأوَّلِينَ} قد تقدّم الكلام على مثل هذا في سورة بني إسرائيل، وذكرنا أنّ (أن) الأولى في محل نصب، والثانية في محل رفع، والهدى: القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، والناس هنا هم أهل مكة، والمعنى على حذف مضاف، أي: ما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلب إتيان سنة الأوّلين، أو انتظار إتيان سنة الأوّلين، وزاد الاستغفار في هذه السورة لأنه قد ذكر هنا ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها جدالهم بالباطل، وسنة الأوّلين هو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا عذاب الاستئصال. قال الزجاج: سنّتهم هو قولهم: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } تفسير : الآية [الأنفال: 2] {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ } أي: عذاب الآخرة {قُبُلاً } قال الفراء: إن قبلاً جمع قبيل، أي: متفرقاً يتلو بعضه بعضاً، وقيل: عياناً، وقيل: فجأة. ويناسب ما قاله الفراء قراءة أبي جعفر وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي ويحيـى بن وثاب وخلف {قُبُلاً } بضمتين فإنه جمع قبيل، نحو سبيل وسبل، والمراد: أصناف العذاب، ويناسب التفسير الثاني، أي: عياناً، قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الباء أي: مقابلة ومعاينة، وقرىء بفتحتين على معنى: أو يأتيهم العذاب مستقبلاً، وانتصابه على الحال. فحاصل معنى الآية أنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الدنيا المستأصل لهم، أو عند إتيان أصناف عذاب الآخرة أو معاينته. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ } من رسلنا إلى الأمم {إِلا } حال كونهم {مُبَشّرِينَ } للمؤمنين {وَمُنذِرِينَ } للكافرين. فالاستثناء مفرّغ من أعمّ العام، وقد تقدّم تفسير هذا {وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } أي: ليزيلوا بالجدال بالباطل الحق ويبطلوه وأصل الدحض: الزلق يقال: دحضت رجله، أي: زلقت تدحض دحضاً، ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت، ودحضت حجته دحوضاً. بطلت، ومن ذلك قول طرفة:شعر : أبا منذر رمت الوفاء فهبته وحدت كما حاد البعير عن الدحض تفسير : ومن مجادلة هؤلاء الكفار بالباطل قولهم للرسل {أية : مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا }تفسير : [الشعراء: 154]. ونحو ذلك: {وَٱتَّخَذُواْ ءايَـٰتِى } أي: القرآن {وَمَا أُنْذِرُواْ } به من الوعيد والتهديد {هزؤا} أي: لعباً وباطلاً، وقد تقدّم هذا في البقرة. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا } أي: لا أحد أظلم لنفسه ممن وعظ بآيات ربه التنزيلية أو التكوينية أو مجموعهما فتهاون بها وأعرض عن قبولها، ولم يتدبرها حقّ التدبر ويتفكر فيها حق التفكر {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } من الكفر والمعاصي، فلم يتب عنها. قيل: والنسيان هنا بمعنى الترك، وقيل: هو على حقيقته {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } أي: أغطية، والأكنة: جمع كنان، والجملة تعليل لإعراضهم ونسيانهم. قال الزجاج: أخبر الله سبحانه أن هؤلاء طبع على قلوبهم {وفي آذنهم وقرا} أي: وجعلنا في آذانهم ثقلاً يمنع من استماعه، وقد تقدّم تفسير هذا في الأنعام {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً } لأن الله قد طبع على قلوبهم بسبب كفرهم ومعاصيهم. {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } أي: كثير المغفرة، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء فلم يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ } أي: بسبب ما كسبوه من المعاصي التي من جملتها الكفر والمجادلة والإعراض {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } لاستحقاقهم لذلك {بَلِ } جعل {لَّهُم مَّوْعِدٌ } أي: أجل مقدّر لعذابهم، قيل: هو عذاب الآخرة، وقيل: يوم بدر {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } أي: ملجأً يلجئون إليه. وقال أبو عبيدة: منجاً، وقيل: محيصاً، ومنه قول الشاعر:شعر : لا وا ألت نفسك خليتها للعامريين ولم تكلم تفسير : وقال الأعشى: شعر : وقد أخالس ربّ البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل تفسير : أي ما ينجو. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } أي: قرى عاد وثمود وأمثالها {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } هذا خبر اسم الإشارة و{القرى} صفته، والكلام على حذف مضاف، أي: أهل القرى أهلكناهم {لَمَّا ظَلَمُواْ } أي: وقت وقوع الظلم منهم بالكفر والمعاصي {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } أي: وقتاً معيناً، وقرأ عاصم مهلكهم بفتح الميم واللام، وهو مصدر هلك، وأجاز الكسائي والفراء كسر اللام وفتح الميم، وبذلك قرأ حفص، وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام. وقال الزجاج مهلك: اسم للزمان، والتقدير: لوقت مهلكهم. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأوَّلِينَ } قال: عقوبة الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله: {قُبُلاً } قال: جهاراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: فجأة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } قال: نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة. وأخرج أيضاً عن ابن عباس {بِمَا كَسَبُواْ } يقول: بما عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } قال: الموعد يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {مَوْئِلاً } قال: ملجأ. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد {مَوْئِلاً } قال: محرزاً.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ولقد صرَّفنا في هذا القرآن للناس من كلِّ مثَل} يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكره لهم من العبر في القرون الخالية. الثاني: ما أوضحه لهم من دلائل الربوبية، فيكون على الوجه الأول جزاء، وعلى الثاني بياناً. {وكان الإنسان أكثر شيءٍ جَدلاً} يحتمل وجهين: أحدهما: عناداً، وهو مقتضى الوجه الأول. الثاني: حجاجاً وهو مقتضى القول الثاني. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان فقال: "حديث : الصلاة، ألا تصليان"؟ تفسير : فقال علي رضي الله عنه: إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول {أية : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} تفسير : [الكهف: 54].

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلاً } {ٱلإِنسَـٰنُ} هنا يراد به الجنْس، وقد استعمل صلى الله عليه وسلم الآية على العمومِ في مروره بِعَلِيٍّ لَيْلاً، وأمْرِه له بالصلاة بالليل، فقال عليٌّ: إنما أنفُسُنَا يا رَسُولِ اللَّهِ بِيَدِ اللَّهِ، أو كما قال، فخرج صلى الله عليه وسلم، وهو يضربُ فَخِذَه بيده، ويقول: {وَكَانَ ٱلإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلاً }. وقوله سبحانه: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ...} الآية: {ٱلنَّاسَ}، هنا يراد بهم كفَّار عصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، و{سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ}، هي عذاب الأمم المذكورة في القرآن، {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً }، أي: مقابلةً عياناً، والمعنى: عذاباً غير المعهود، فتظهر فائدة التقسيمِ، وقد وقَعَ ذلك بهم يَوْمَ بدرٍ، وكأنَّ حالهم تقتضي التأسُّف عليهم، وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إِلى الخُسْران - عافانا اللَّه من ذلك -. و{لِيُدْحِضُواْ } معناه: يُزْهِقوا، «والدَّحَض»: الطين. وقوله: {فَلَن يَهْتَدُواْ إِذاً }: لفظ عامٌّ يراد به الخاصُّ ممن حتم اللَّه عليه أنه لا يِؤمن، ولا يهتدي أبداً، كأبي جهل وغيره. وقوله: {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } قالت فرقة: هو أَجَلُ الموتِ، وقالت فرقة: هو عذاب الآخرة، وقال الطبري هو يَوْمَ بَدْرٍ والحَشْر. وقوله سبحانه: {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً }، أي: لا يجدون عنه منجًى، يقال: وَأَلَ الرَّجُلُ يَئِلُ؛ إِذ نجا، ثم عقَّب سبحانه توعُّدهم بذكْر الأمثلة من القَرى التي نَزَلَ بها ما تُوُعِّدَ هؤلاء بمثله، و{ٱلْقُرَىٰ }: المدن، والإِشارة إِلى عادٍ وثمود وغيرهم، وباقي الآية بيِّن. قال * ص *: وقوله: {لَمَّا ظَلَمُواْ } في {لَمَّا ظَلَمُواْ }: إِشعارٌ بعلَّة الإِهلاك؛ وبهذا استدلَّ ابن عُصْفُور على حرفية «لَمَّا»؛ لأن الظرف لا دلالة فيها على العِلِّيَّة.

القشيري

تفسير : أوضح للكافة الحججَ، ولكن لَبَّسَ على قوم النهج فوقعوا في العِوَج. {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} الجَدَلُ في الله محمود مع أعدائه، والجدل مع الله شِرْكٌ لأنه صَرْفٌ إلى مخالفةٍ تُوهِمُ أن أحداً يعارض التقدير، وتجويزُ ذلك انسلاخ عن الدِّين. ومن أمارات السعادة للمؤمن فَتْحُ بابِ العملِ عليه، وإِغلاقُ بابِ الجدل دونه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد صرفنا} اى اقسم قسما لقد كررنا وادرنا على وجوه كثيرة من النظم {فى هذا القرآن للناس} لمصلحتهم ومنفعتهم {من كل مثل} كمثل الرجلين المذكورين ومثل الحياة الدنيا ليتذكروا ويتعظوا او من كل معنى داع الى الايمان هو كالمثل فى غرابته وحسنه. قال الكاشفى [ازهر مثل بران محتاجند ازقصص كذشته كه سبب عبرت كردد ودلائل قدرت كامله كه موجب ازدياد بصيرت شود] حق تعالى بمحض فضل عميم دركتاب كريم وحكم قديم شعر : آنجه مر جمله را بكار آيد كفته است آنجنانكه مى آيد تفسير : {وكان الانسان} جنس الانسان بحسب جبلته {اكثر شئ جدلا} جدلا تمييز اى اكثر الاشياء التى يتأتى منها الجدل كالجن والملك اى جدله اكثر من جدل كل مجادل وهو ههنا شدة الخصومة بالباطل لاقتضاء خصوصية المقام والا فالجدل لا يلزم ان يكون بالباطل قال تعالى {أية : وجادلهم بالتى هى احسن}تفسير : وهو من الجدل الذى هو الفتل والمجادلة الملاواة لان كلا من المجادلين يلتوى على صاحبه وفى الحديث "حديث : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا اولوا الجدل"تفسير : رواه ابو امامة كما فى تفسير ابى الليث. قال فى التأويلات النجمية من طبيعة الانسان المجادلة والمخاصمة وبها يقطعون الطريق على انفسهم. فتارة مع الانبياء يجادلون لا يقبلون بالنبوة والرسالة حتى يقاتلونهم وتارة يجادلون فى الكتب المنزلة ويقولون ما انزل الله على بشر من شئ. وتارة يجادلون فى محاكماتها وتارة يجادلون فى متشابهاتها. وتارة يجادلون فى ناسخها ومنسوخها. وتارة يجادلون فى تفسيرها وتأويلها. وتارة يجادلون فى اسباب نزولها. وتارة يجادلون فى قراءتها. وتارة يجادلون فى قدمها وحدوثها على هذا حتى لم يفرغوا من المجادلة الى المجاهدة ومن المخاصمة الى المعاملة ومن المنازعة الى المطاوعة ومن المناظرة الى المواصلة فلهذا قال تعالى {أية : وكان الانسان اكثر شئ جدلا}تفسير : ومن هذا عالجهم بقوله {أية : قل الله ثم ذرهم}تفسير : الآية ومن كلمات مولانا قدس سره شعر : ما راجه ازين قصه كه كاو آمد وخر رفت اين وقت عزيزست ازين عربده بازآمى تفسير : فعلى العاقل ان يشتغل بنفسه ويترك المراء والجدل فان مرجعه هو النقيض والتمزيق للغير وهو من مقتضى السبعية وفى الحديث "حديث : لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى يدع المراء وان كان محقا"تفسير : فاذا لزم ترك الجدال وهو محق فكيف وهو مبطل اعاذنا الله تعالى واياكم منه بفضله وجعلنا من المتكلمين بالخير والمعرضين عن لغو الغير قال تعالى {أية : واذا مروا باللغو مروا كراما}تفسير : الآية وقال {أية : واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما }.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {جَدَلاً}: تمييز، و {ربك}: مبتدأ و {الغفور}: خبره، و {ذو الرحمة}: خبر بعد خبر، وقيل: الخبر: {لو يؤاخذهم}، و {الغفور ذو الرحمة}: صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة؛ للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضًا: المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول؛ لأن التخلية قبل التحلية، و (المُهْلَك)؛ بضم الميم وفتح اللام: اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول؛ لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد صرَّفنا} أي: كررنا وأوردنا على وجوهٍ كثيرة من النظر العجيب، {في هذا القرآنِ للناس}؛ لمصلحتهم ومنفعتهم، {من كل مَثَلٍ}؛ من كل خبر يحتاجون إليه، أو: من كل مثل مضروب يعتبرون به، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين، ومثل الحياة الدنيا. أو: من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب، كالمثل المضروب، ليتلقوه بالقبول، فلم يفعلوا. {وكان الإنسانُ} بحسب جِبلَّته {أكثرَ شيءٍ جدلاً} أي: أكثر الأشياء، التي يتأتى منها الجدل، جدلاً، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل، والمعنى: أن جدله أكثر من جدل كل مجادل، وفيها ذم الجدل. وسببها: مجادلة النضر بن الحارث كما قيل، وهي عامة. {وما منع الناسَ} أي: أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم، من {أن يؤمنوا} بالله تعالى، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك، {إِذْ جاءهُم الهُدَى} أي: حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز، فيؤمنوا، {ويستغفروا ربهم} عما فرط منهم من أنواع الذنوب، التي من جملتها: مجادلتهم للحق بالباطل، {إِلا أن تأتيهم سُنَّةُ الأولين} أي: ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره، فيكون على حذف مضاف، أي: انتظار سنة الأولين، وهو الهلاك. قال ابن جزي: معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سُنَّة الأمم المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب أي: عذاب الآخرة. هـ. قلت: والظاهر أن معنى الآية: ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانًا، كعادة الأمم الماضية، فيهلكوا كما هي سُنَّة الله في خلقه، أو: عذاب ينزل بهم جهرًا، وهو معنى قوله: {أو يأتيهم العذابُ قُبُلاً} أي: مقابلة وعيانًا. قال تعالى: {وما نُرسل المرسلين} إلى الأمم {إِلا مبشرين ومنذرين} أي: مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، {ويُجادل الذين كفروا بالباطل}؛ باقتراح الآيات؛ كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك {ليُدْحِضُوا به} أي: بالجدال {الحقَّ}، أي: يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم: قولهم لرسلهم عليهم السلام: {أية : مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}تفسير : [يس: 15]، {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} تفسير : [المؤمنون: 24]، ونحوها. {واتخذوا آياتي} التي تخرّ لها صُمُّ الجبال، وهو القرآن، {وما أنذروا} أي: وإنذاري لهم، أو: الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، {هُزُوًا}؛ مهزوءًا به، أو محل استهزاء. {ومَن أظلمُ ممّن ذُكِّرَ بآياتِ ربه} وهو القرآن العظيم، {فأعْرَضَ عنها}؛ فلم يتدبرها ولم يؤمن بها، أي: لا أحد أظلم منه؛ لأنه أظلم من كل ظالم؛ حيث ضم إلى المجادلة التكذيب والإعراضَ، {ونَسِيَ ما قدمت يداه} من الكفر والمعاصي، ولم يتفكر في عاقبتها، {إِنا جعلنا على قلوبهم أكِنَّةً}: أغطية كثيرة تمنعهم من التدبر في الآيات، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، فعل ذلك بهم كراهة {أن يفقهوه}، أو: منعناهم أن يقفوا على كنهه. {و} جعلنا {في آذانهم وَقْرًا} أي: ثِقلاً يمنعهم من استماعه، {وإِن تَدْعُهُمْ إِلى الهدى فلن يهتدوا إِذًا أبدًا} أي: فلن يكون منهم اهتداء الْبتةَ مدة التكليف؛ للطبع المتقدم على قلوبهم، وهذا في قوم مخصوصين سبق لهم الشقاء. و "إذًا": حرف جزاء وجواب، وهو، هنا، عن سؤال من النبي صلى الله عليه وسلم المدلول عليه بكمال عنايته بإسلامهم، كأنه قال صلى الله عليه وسلم: حديث : ما لي لا أدعوهمتفسير : ؟ فقال: إن تدعهم... الخ. وجمع الضمير الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه، كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار اللفظ. {وربُّك الغفور}: البليغ المغفرة {ذو الرحمة} الموصوف بها، {لو يُؤاخذهم بما كسبوا} من المعاصي، التي من جملتها: ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، {لعجَّلَ لهم العذابَ} قبل يوم القيامة؛ لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد: إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، {بل لهم موعدٌ} وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل: محذوف، أي: لكنهم ليسوا بمؤاخذين، {بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه موئلاً} أي: ملجأ يلتجئون إليه، أو مَنْجىً ينجون به، يقال: وأَلَ: أي: نجا، ووأل إليه: أي: التجأ إليه. {وتلك القرى}؛ أي: قرى عاد وثمود وأضرابها، أي: وأهل تلك القرى {أهلكناهم} بالعذاب {لمَّا ظلموا} أي: وقت ظلمهم، كما فعلت قريش بما حكى عنهم، {وجعلنا لمهلكهم} أي: عَيَّنَّا لهلاكهم {موعدًا} أي: وقتًا مُعَينًا، لا محيدَ لهم عن ذلك، فلتعتبر قريش بذلك ولا تغتر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد صرّف الله في كتابه العزيز كل ما يحتاج إليه العباد، من علم الظاهر والباطن، لكن خوض القلوب فيما لا يعني، وكثرة مجادلتها بالباطل، صرفتها عن فهم أسرار الكتاب واستخراج غوامضه. فمن صفت مرآة قلبه أدرك ذلك منه. وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية؛ لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يُذكِّرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوًا ولعبًا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذُكِّر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سَبَبُ ذلك: جَعْلُ الأكنة على القلوب، وسَفْحُ رَانِ المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظًا ولا تذكيرًا، ولا يستمعون تحذيرًا ولا تبشيرًا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذًا أبدًا؛ لِمَا سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} بينا. {فِى هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} ومفعول صرفنا محذوف أى صرفنا فى هذا القرآن للناس ما يحتاجون إليه من كل مثل فمن للتبعيض متعلقة بمحذوف حال من المفعول ويجوز أن تكون للبيان أى ما يحتاجون إليه وهو حقيقة كل مثل والمثل هنا النوع. {وَكَانَ الإِنْسَانُ} الجنس الكافر. وقال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث لأنهُ يجادل فى القرآن. وقيل: أبىّ بن خلف. {أَكْثَرَ شَىْءٍ} يمكن منهُ الجدل بالباطل كالجن وأماما لا يمكن منهُ فلا يدخل فى الكلام لأن التفضيل إنما يكون بين مشتركين فى صفة. {جَدَلا} خصومة بالباطل وهو تمييز ويجوز أن يراد بالإنسان الكافر وغيره وبالجدل الجدل بالباطل وغيره بمعنى أنه أكثر خصومة فتدخل الملائكة فى لفظ شئ لأنهم قد قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} فإنها جدل عاتبهم الله عليه فيما قيل ولا نقول: إنهُ جدل معصية هذا ما ظهر لى من جواز إرادة العموم فى الإنسان والجدل ثم رأيت الخازن قال: وقيل: إن الآية على العموم وهو الأصح. روى البخارى ومسلم حديث : عن علىّ ابن أبى طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقهُ وفاطمةَ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فقال: ألا تصليان فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله تعالى فإذا شاء بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إلىّ شيئاً حتى سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: وكان الإنسان أكثر شئ جدلا .

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا أو بيَّنا {فِى هذَا الْقُرْآنِ} أى فى هذا الكتاب المقروء، لأن اسم الإشارة ينعت باسم الجنس، ولو جعلناه علمًا على هذا الكتاب كان بدلا أو بيانًا، ولم يجز أن يكون نعتًا. {لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} من كل جنس يحتاجون إليه، ومفعول صرفنا محذوف منعوت بقوله:{من كل مثل}أى نوعًا ثابتًا من كل مثل، ولا نقدر معنى ثابتًا من كل مثل، لأن لفظ المعنى لا يستعمله العرب كما تستعمله، وذلك كما يقال: العرب لا تعرف المعنى، ومَن أجاز زيادة من فى الإثبات أجاز كل كون مفعولا لصرفنا، والمثل فى العرف كلام شبه مضربه بمورده، أى المعنى الذى رد فيه أولا، والمضرب ما يشبه بذلك الوارد أولا، ويستعمل مجازاً بمعنى ما يستغرب، كما شبه الله عز وجل تقرير دلائل الوحدانية والنبوة، والبعث والوعد والوعيد، والقصص بالمثل السائر لأنها أمور مهمة يحتاج إليها. {وَكَانَ الإِنْسَانُ} الجنس، وقيل: النضر بن الحارث، وقيل: ابن الزِّبَعْرى، وقيل: أُبَىّ بن خلف لعنه الله، أتى بعظم رمَّ وفقه بيده وقال: أيقدر الله تعالى على بعث هذا، يدل على الجنس ما فى البخارى عن علىّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه وفاطمة ليلا فقال: حديث : ألا تصليان؟ تفسير : فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله تعالى إن شاء أن يبعثنا، فانصرف وضرب فخذه وقال: {وكان الإنسان أكثر شئ جدلا}. قلت: كأنه صلى الله عليه وسلم يريد منه أن يقول: قصرنا يا رسول أو ادع الله لنا أو نحو ذلك، وذلك هو المتبادر، ومن الجائز على بعد أن يمثل بالآية لهما، مع أنها فى نحو أُبَىّ حاشاهما عنه، فيكون ذكرها تعجبًا من سرعة جوابه لا تشبيها له به حاشاه، فلعله عذره فى هذا الجواب. {أَكْثَرَ شَىْءٍ} يمكن منه الجدل {جَدَلاً} تمييز أى جدله أكثر من كل شئ سواه، كما يقال تمييز اسم التفضيل محول عن المبتدأ، وقولك: زيد أفضل منك أبًا، بمعنى أبو زيد أفضل من أبيك، ومن جدال الإنسان بالباطل، قوله للأنبياء: "أية : ما أنتم إلاَّ بشر مثلنا"تفسير : [يس: 15] وقوله: "أية : ما أنزل الله على بشر من شئ"تفسير : [الأنعام: 91] ومن ذلك قوله فى الناسخ والمنسوخ والمتشابه، بما لا يجوز أن يقال، وقوه بقِدم القرآن ولو قبل الحق لامتلأ نوراً، واسم التفضيل المضاف إلى النكرة يكون موصوفه داخلا فى معناها، فالإنسان داخل فى جملة الأشياء المجادلة. والجدال شدة الخصام بحق أو باطل، ولا تختص بالباطل، بل كثر استعمالها فيه، وهى من الإلقاء على الجدالة أى الأرض بالشدة، ويقال: المجادلة المقاتلة فى الأصل، وقيل: الملاواة، فكل خصم يلتوى على خصمه.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} كررنا وأوردنا على وجوه كثيرة من النظم {فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ} الجليل الشأن {لِلنَّاسِ} لمصلحتهم ومنفعتهم {مِن كُلّ مَثَلٍ} أي كل مثل على أن ـ من ـ سيف خطيب على رأي الأخفش والمجرور مفعول {صَرَفْنَا} أو مثلاً من كل مثل على أن من أصلية والمفعول موصوف الجار والمجرور المحذوف، وقيل المفعول مضمون {مِن كُلّ مَثَلٍ} أي بعض كل / جنس مثل، وأياً ما كان فالمراد من المثل إما معناه المشهور أو الصفة الغريبة التي هي في الحسن واستجلاب النفس كالمثل، والمراد أنه تعالى نوع ضرب الأمثال وذكر الصفات الغريبة وذكر من كل جنس محتاج إليه داع إلى الإيمان نافع لهم مثلاً لا أنه سبحانه ذكر جميع أفراد الأمثال، وكأن في الآية حذفاً أو هي على معنى ولقد فعلنا ذلك ليقبلوا فلم يفعلوا. {وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ} بحسب جبلته {أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً} أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل. وهو كما قال الراغب وغيره المنازعة بمفاوضة القول، والأليق بالمقام أن يراد به هنا الخصومة بالباطل والمماراة وهو الأكثر في الاستعمال. وذكر غير واحد أنه مأخوذ من الجدل وهو الفتل والمجادلة الملاواة لأن كلاً من المتجادلين يلتوي على صاحبه. وانتصابه على التمييز، والمعنى أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل وعلل بسعة مضطربه فإنه بين أوج الملكية وحضيض البهيمية فليس له في جانبـي التصاعد والتسفل مقام معلوم. والظاهر أنه ليس المراد إنساناً معيناً، وقيل المراد به النضر بن الحرث، وقيل ابن الزبعرى، وقال ابن السائب: أبـي بن خلف وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم فقال: أيقدر الله تعالى على إعادة هذا وفته بيده؟ والأول أولى، ويؤيده ما أخرجه الشيخان وابن المنذر وابن أبـي حاتم حديث : عن علي كرم الله تعالى وجهه «أن النبـي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال: ألا تصليان فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله تعالى إن شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً ثم سمعته يضرب فخذه ويقول وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً تفسير : فإنه ظاهر في حمل الإنسان على العموم، ولا شبهة في صحة الحديث إلا أن فيه إشكالاً يعرف بالتأمل، ولا يدفعه ما ذكره النووي حيث قال: ((المختار في معناه أنه صلى الله عليه وسلم تعجب من سرعة جوابه وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا ولهذا ضرب فخذه، وقيل قال صلى الله عليه وسلم ذلك تسليماً لعذرهما وأنه لا عتب [عليهما])) اهـ فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على الجمل السابقة التي ضربت فيها أمثال من قوله: { أية : واضرب لهم مثلاً رجلين } تفسير : [الكهف: 32] وقوله: { أية : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا } تفسير : [الكهف: 45]. ولما كان في ذلك لهم مقنع وما لهم منه مدفع عاد إلى التنويه بهدي القرآن عودا ناظراً إلى قوله: { أية : واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك } تفسير : [الكهف: 27] وقوله: { أية : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } تفسير : [الكهف: 29]؛ فأشار لهم أن هذه الأمثال التي قرعت أسماعهم هدي من جملة هدي القرآن الذي تبرمُوا منه. وتقدم الكلام على نظير هذه الآية عند قوله: { أية : ولقد صرفا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً } تفسير : في سورة الإسراء (89)؛ سوى أنه يتجه هنا أن يُسأل لم قُدم في هذه الآية أحد متعلِقي فعل التصريف على الآخر إذ قدم هنا قوله: {في هذا القرآن} على قوله: {للناس} عكس آية سورة الإسراء. وهو ما أشرنا إليه عند الآية السابقة من أن ذكر القرآن أهم من ذكر الناس بالأصالة، ولا مقتضي للعدول عنه هنا بل الأمر بالعكس لأن الكلام جار في التنويه بشأن القرآن وأنه ينزل بالحق لا بهوى الأنفس. والناس: اسم عام لكل من يبلغه القرآن في سائر العصور المستقبلة، والمقصود على الخصوص المشركون، كما دل عليه جملةُ {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}، فوزانه وزان قوله: { أية : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا } تفسير : [الإسراء: 89]، وسيجيء قوله: { أية : ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق } تفسير : [الكهف: 56]. وهذا يشبه العام الوارد على سبب خاص وقرائن خاصة. وجملة {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} تذييل، وهو مؤذن بكلام محذوف على وجه الإيجاز، والتقدير: فجَادلوا فيه وكان الإنسان أكثر جدلاً، فإن الإنسان اسم لنوع بني آدم، وحرف (ال) فيه لتعريف الحقيقة فهو أوسع عموماً من لفظ الناس. والمعنى: أنهم جادلوا. والجدال: خلق، منه ذميم يصد عنه تأديب الإسلام ويبقى في خلق المشركين، ومنه محمود كما في قوله تعالى: { أية : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب } تفسير : [هود: 74، 75]، فأشار بالثناء على إبراهيم إلى أن جداله محمود. وليس المراد بالإنسان الإنسان الكافر كما في قوله تعالى: { أية : يقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حياً } تفسير : [مريم: 66] ولا المراد بالجدل الجدل بالباطل، لأن هذا سيجيء في قوله تعالى: {ويجادل الذين كفروا بالباطل} الآية، فقوله هنا: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} تمهيد لقوله بعده { أية : ويجادل الذين كفروا بالباطل } تفسير : [الكهف: 56]. و (شيء) اسم مفرد متوغل في العموم. ولذلك صحت إضافة اسم التفضيل إليه، أي أكثر الأشياء. واسم التفضيل هنا مسلوب المفاضلة مثل قوله: { أية : رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه } تفسير : [يوسف: 33]، وإنما أتي بصيغته لقصد المبالغة في شدة جدل الإنسان وجنوحه إلى المماراة والنزاع حتى فيما تَرْك الجدال في شأنه أحسن، بحيث إن شدة الوصف فيه تشبه تفوقه في الوصف على كل من يعرض أنه موصوف به. وإنما ألجئنا إلى هذا التأويل في اسم التفضيل لظهور أن غير الإنسان من أنواع ما على الأرض لا يتصور منه الجَدل. فالجدل خاص بالإنسان لأنه من شُعب النطق الذي هو فَصْل حقيقة الإنسانية، أما الملائكة فجدلهم محمود مثل قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها إلى قوله: { أية : ونقدس لك } تفسير : [البقرة: 30]. وأما الشياطين فهم أكثر جدلاً من الإنسان، ولكن لما نبا المقام عن إرادتهم كانوا غير مرادين بالتفضيل عليهم في الجدل. و{جدلاً} تمييز لنسبة الأكثرية إلى الإنسان. والمعنى: وكان الإنسان كثيراً من جهة الجدل، أي كثيراً جدله. ويدل لهذا المعنى ما ثبت في «الصحيح» حديث : عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمةَ ليلاً فقال: ألاَ تصليان؟ فقال علي: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثَنا، قال: فانصرف رسول الله حين قلت له ذلك ولم يرجع إليّ شيئاً، ثم سمعته يَضرب فخذه ويقول: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}تفسير : . يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأولى بعلي أن يحمد إيقاظ رسول الله إياه ليقوم من الليل وأن يحرص على تكرر ذلك وأن يُسَرّ بما في كلام رسول الله من مَلام، ولا يستدل بما يحبذ استمرار نومه، فذلك محل تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جواب علي ــــ رضي الله عنه ــــ. ولا يحسن أن يحمل التفضيل في الآية على بابه بأن يرد أن الإنسان أكثر جدلاً من الشياطين والجن مما يجوز على حقيقته الجدل لأنه محمل لا يراد مثله في مثل هذا. ومن أنبأنا أن للشياطين والجن مقدرة على الجدل؟. والجدل: المنازعة بمعاوضة القول، أي هو الكلام الذي يحاول به إبطال ما في كلام المخاطب من رأي أو عزم عليه: بالحجة أو بالإقناع أو بالباطل، قال تعالى: { أية : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } تفسير : [العنكبوت: 46]، وقال: { أية : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله } تفسير : [المجادلة: 1]، وقال: { أية : يجادلنا في قوم لوط } تفسير : [هود: 74]، وقال: { أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } تفسير : [النساء: 107]، وقال: { أية : يجادلونك في الحق بعد ما تبين } تفسير : [الأنفال: 6]. والمراد هنا مطلق الجدل وبخاصة ما كان منه بباطل، أي أن كل إنسان في طبعه الحرص على إقناع المخالف بأحقية معتقده أو عمله. وسياق الكلام يقتضي إرادة الجدل الباطل.

الشنقيطي

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} أي رددنا وكثرنا تصريف الأمثال بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة في هذا القرآن للناس. ليهتدوا إلى الحق، ويتعظوا. فعارضوا بالجدل والخصومة. والمثل: هو القول الغريب السائر في الآفاق. وضرب الأمثال كثير في القرآن جداً. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}تفسير : [البقرة: 26] ومن أمثلة ضرب المثل فيه {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ}تفسير : [الحج: 73] الآية، وقوله: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 41]، وقوله: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}تفسير : [الأعراف:176-177] الآية، وكقوله: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}[الجمعة: 5] الآية، وقوله: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ}تفسير : [الكهف: 45] الآية، وقوله: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 75]، وقوله: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }تفسير : [النحل: 76]، وقوله: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [الروم: 28] الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جداً. وفي هذه الأمثال واشباهها في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمة جداً، لا لبس في الحق معها. إلا أنها لا يعقل معانيها إلا أهل العلم. كما قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 43]. ومن حكم ضرب المثل: أن يتذكر الناس. كما قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الحشر: 21]. وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي بها الله قوماً، ويضل بها قوماً آخرين. كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [البقرة: 26]، وأشار إلى هذا المعنى في سورة "الرعد". لأنه لما ضرب المثل بقوله: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ}تفسير : [الرعد: 17] - أتبع ذلك بقوله: {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}تفسير : [الرعد: 18]. ولا شك أن الذين استجابوا لربهم هم العقلاء الذين عقلوا معنى الأمثال، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق. وأن الذين لم يستجيبوا له هم الذين لم يعقلوها، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق. فالفريق الأول - هم الذين قال الله فيهم {ويهدي به كثيراً}، والفريق الثاني - هم الذين قال فيهم {يضل به كثيراً} وقال فيهم {وما يضل به إلا الفاسقين}. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاً} قال بعض العلماء: مفعول "صرفنا" محذوف، تقديره: البينات والعبر. وعلى هذا فـ "من" لابتداء الغاية أي ولقد صرفنا الآيات والعبر من أنواع ضرب المثل للناس في هذا القرآن ليذكروا، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام. ولذا قال: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في البحر، ثم قال: وقال ابن عطية يجوز أن تكون "من" زائدة للتوكيد. فالتقدير: ولقد صرفنا كل مثل. فيكون مفعول "صّرَّفْنَا": "كل مثل" وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش، لا على مذهب جمهور البصريين. انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط. وقال الزمخشري: "من كل مثل" من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه اهـ, وضابط ضرب المثل الذي يرجع إليه كل معانيه التي يفسر بها: هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره. لأن النظير يعرف بنظيره. وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكوراً في آيات أخر. كقوله في "الإسراء": {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}تفسير : [الإسراء: 89]، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً}تفسير : [الإسراء: 41]، وقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}تفسير : [طه: 113]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}تفسير : [الزمر: 27-28]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ}تفسير : [الروم: 58]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقوله في هذه الآية: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي أكثر الأشياء التي من شأنها الخصومة إن فصلتها واحداً بعد واحد. "جدلاً" أي خصومة ومماراة بالباطل لقصد إدحاض الحق. ومن الآيات الدالة على خصومة الإنسان بالباطل لإدحاض الحق - قوله هنا: {أية : وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ}تفسير : [الكهف: 56]، وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [الشورى: 16] الآية، وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ}تفسير : [يس: 77]، إلى غير ذلك من الآيات. وما فسّرنا به قوله تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54] من أن معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السباق الذي نزلت فيه الآية الكريمة، لأن قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم: بدليل قوله: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ}تفسير : [الإسراء: 41]، وقوله {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الحشر: 21] فلما أتبع ذلك بقوله: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} - علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصومة والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل. ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته فيما مضى. ولأجل هذا حديث : لما طرق النَّبي صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة رضي الله عنهما ليلة فقال: "ألا تصليان؟" وقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. انصرف النَّبي صلى الله عليه وسلم راجعاً وهو يضرب فخذه ويقول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً"تفسير : والحديث مشهور متفق عليه. فإيراده صلى الله عليه وسلم الآية على قول علي رضي الله عنه "إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا" - دليل على عموم الآية الكريمة، وشمولها لكل خصام وجدل، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق، كقوله تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل: 125]، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [العنكبوت: 46]. وقوله "جدلاً" منصوب على التمييز، على حد قوله في الخلاصة: شعر : والفاعل المعنى انصبن بأفعلا مفضلاً كانت أعلى منزلا تفسير : وقوله {أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلاً كما تقدم. وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه الآية، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام - لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله: شعر : وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيراً وأن يوحدا تفسير : وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة مبيناً بعض الآيات المبينة للمراد بجدل الإنسان في الآية الكريمة، بعد أن ساق سنده إلى ابن زيد في قوله {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} قال: الجدل الخصومة - خصومة القوم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاؤوا به. وقرأ {أية : مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}تفسير : [المؤمنون: 33] وقرأ:{أية : يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ }تفسير : [المؤمنون: 24]، وقرأ "حتى توفى" الآية، {أية : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }تفسير : [الأنعام: 7]، وقرأ: {أية : وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}تفسير : [الحجر: 14-15] انتهى من تفسير الطبري. ولا شك أن هذه الآيات التي ذكر عن ابن زيد أنها مفسرة لجدل الإنسان المذكور في الآية أنها كذلك، كما قدمنا أن ذلك هو ظاهر السياق وسبب النزول، والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة في القرآن العظيم. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: صرفنا: أي بيّنا وكررنا البيان. من كل مثل: المثل الصفة المستغربة العجيبة. جدلاً: أي مخاصمة بالقول. سنة الأولين: أي العذاب بالإِبادة الشاملة والاستئصال التام. قبلا: عياناً ومشاهدة. ليدحضوا به الحق: أي يبطلوا به الحق. هزواً: أي مهزوءاً به. أكنة: أغطية. وفي آذانهم وقراً: أي ثقلاً فهم لا يسمعون. موئلاً: أي مكاناً يلجأون إليه. لمهلكهم موعداً: أي وقتاً معيناً لإِهلاكهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان حجج الله تعالى على عباده ليؤمنوا به ويعبدوه وحده فينجوا من عذابه ويدخلوا دار كرامته فقال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي ضربنا فيه الأمثال الكثيرة وبيّنا فيه الحجج العديدة، {صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} من الوعد والوعيد ترغيباً وترهيباً، وقابلوا كل ذلك بالجحود والمكابرة، {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} فأكثر هم الإنسان يصرفه في الجدل والخصومات حتى لا يذعن للحق ويسلم به ويؤديه إن كان عليه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى: [54] أما الآية الثانية فقد أخبر تعالى فيها أن الناس ما منعهم {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} وهو بيان طريق السعادة والنجاة بالإِيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الكفر والشرك وسوء الأعمال {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} بعذاب الاستئصال والإِبادة الشاملة، {أَوْ يَأْتِيَهُمُ} عذاب يوم القيامة معاينة وهو معنى قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} وحينئذ لا ينفع الإِيمان. وقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي دعاة هداة يبشرون من آمن وعمل صالحاً بالجنة وينذرون من كفر، وعمل سوءاً بالنار. فلم نرسلهم جبارين ولم نكلفهم بهداية الناس أجمعين، لكن الذين كفروا يتعامون عن هذه الحقيقة ويجادلون {لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ}. {وَٱتَّخَذُوۤاْ} آيات الله وحججه {وَمَآ أُنْذِرُواْ} به من العذاب اللازم لكفرهم وعنادهم اتخذوه سخرية وهزءاً يهزءون به ويسخرون منه وبذلك أصبحوا من أظم الناس. وهو ما قررته الآية [57] إذ قال تعالى فيها: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي من الإِجرام والشر والشرك. اللهم إنه لا أحد أظلم من هذا الإِنسان الكافر العنيد. ثم ذكر تعالى سبب ظلم وإعراض ونسيان هؤلاء الظلمة المعرضين الناسين وهو أنه تعالى حسب سنته فيمن توغل في الشر والظلم والفساد يجعل على قلبه كناناً يحيطه به فيصبح لا يفقه شيئاً. ويجعل في أذنيه ثقلاً فلا يسمع الهدى. ولذا قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً} أي بعد ما جعل على قلوبهم من الأكنة وفي آذانهم من الوقر {أَبَداً}. وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ} أي لو يؤاخذ هؤلاء الظلمة المعرضين {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ}، ولكن مغفرته ورحمته تأبيان ذلك وإلا لعجل لهم العذاب فأهلكهم أمامكم وأنتم تنظرون. ولكن {لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} يئلون إليه ولا ملجأ يلجأون إليه. ويرجح أن يكون يكون ذلك يوم بدر لأن السياق في الظلمة المعاندين المحرومين من هداية الله كأبي جهل وعقبة ابن أبي معيط والأخنس بن شريق، هذا أولاً. وثانياً قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} يريد أهل القرى من قوم هود وقوم صالح وقوم لوط. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} أي لهلاكهم موعداً محدداً فكذلك هؤلاء المجرمون من قريش، وقد أهلكهم ببدر ولعنهم إلى الأبد. هداية الآيات: 1- لقد أعذر الله تعالى إلى الناس بما يبين في كتابه من الحجج وما ضرب فيه من الأمثال. 2- بيان غريزة الجدل في الإِنسان والمخاصمة. 3- بيان مهمة الرسل وهي البشارة والنذارة وليست إكراه الناس على الإِيمان. 4- بيان عظم ظلم من يُذَكَّرُ بالقرآن فيعرض ويواصل جرائمه ناسياً ما قدمت يداه. 5- بيان سنة الله في أن العبد إذا واصل الشر والفساد يحجب عن الإِيمان والخير ويحرم الهداية أبداً حتى يهلك كافراً ظالماً فيخلد في العذاب المهين.

القطان

تفسير : {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}. لقد وضحنا للناس كلَّ ما هم في حاجة إليه من أمورِ دينِهم ودنياهم، ليتذَّكروا ويعتبروا، لكنهم لم يقبلوا ذلك. {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} كان الانسان بمقتضى جِبِلَّتِه اكثرَ شيء مِراءً وخصومة، لا يُنيب الى حق، لا يزدَجِر بموعظة. {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ..} وما منع هؤلاءَ المشركين من الإيمان، حين جاءهم الحقُّ وهو الرسول والقرآن، الا تعنُّتهم وطلبهم من الرسول أن يأتيَهم بالهلاك، وهي سُنَّةُ الاولين، أو يأتيَهم العذابُ مواجهة وعيانا. قراءات: قرأ اهل الكوفة: "قُبُلا" بضم القاف والباء. والباقون: "قبلا" بكسر القاف وفتح الباء. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ...}. وما نرسل الرسلَ والأنبياء الا ليبشّروا بالإيمان والتصديق بالله ورسُله وبجزيل ثوابه، وينذِروا الناسَ بعظيم عقابه وأليم عذابه. ويجادل الذين أشركوا بالباطل، ليُبْطِلوا الحق، واتخذوا آيات الله وحُجَجَهُ والنذُرَ التي انذرهم بها استهزاء وسخريّة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنِ} {ٱلإِنْسَانُ} (54) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ بَيَّنَ للنَّاسِ فِي هذا القُرْآنِ كُلَّ مَا هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، وَفَصَّلَهُ لِكَيْلا يَضِلُّوا عَنِ الحَقِّ، وَيَخْرُجُوا عَنْ طَرِيقِ الهُدَى وَالصَّوَابِ، وَلِيَذْكُرُوا فَيُنِيبُوا إِلَى رَبِّهِمْ وَيَعْتَبِرُوا، وَيَزْدَجِرُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَسُوءِ العَمَلِ. وَمَعَ هذا البَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ فَإِنَّ الكَافِرِينَ طَلَبُوا مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى غَيْرَ القُرْآنِ، وَالإِنْسَانُ فِي طَبِيعَتِهِ حُبُّ الجَدَلِ، وَمُعَارَضَةُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، إِلاَّ مَنْ هَدَى اللهُ. صَرَّفْنَا - كَرَّرْنَا القَوْلَ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ. كُلِّ مَثَلٍ - مَعْنًى غَرِيبٍ كَالمَثَلِ فِي غَرَابَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن تكلمنا عن تصريف الآيات، وقلنا: إن التصريف معناه تحويل الشيء إلى أشياء متعددة، كما يصرّف الله الرياح مثلاً، فلا تأتي من ناحية واحدة، بل تأتي مرة من هنا، ومرة من هناك، كذلك صَرّف الله الأمثال. أي: أتى بأحوال متعددة وصُور شتى منها. والحق سبحانه يضرب الأمثال كأنه يقرع بها آذان الناس لأمر قد يكون غائباً عنهم، فيمثله بأمر واضح لهم مُحَسٍّ ليتفهموه تفهّماً دقيقاً. وما دام أن الحق سبحانه صرّف في هذا القرآن من كل مثَل، فلا عُذْر لمن لم يفهم، فالقرآن قد جاء على وجوه شتّى ليُعلم الناس على اختلاف أفهامهم ومواهبهم؛ لذلك ترى الأمي يسمعه فيأخذ منه على قدر فَهْمه، والنصف مثقف يسمعه فيأخذ منه على قدر ثقافته، والعالم الكبير يأخذ منه على قدر علمه ويجد فيه بُغْيته، بل وأكثر من ذلك، فالمتخصص في أيِّ علم من العلوم يجد في كتاب الله أدقّ التفاصيل؛ لأن الحق سبحانه بيَّن فيه كل شيء. ثم يقول تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54] أي: كثير الخصومة والتنازع في الرأي، والجدل: هو المحاورة ومحاولة كل طرف أن يثبت صِدْق مذهبه وكلامه، والجدل إما أن يكون بالباطل لتثبيت حجة الأهواء وتراوغ لتبرر مذهبك ولو خطأً، وهذا هو الجَدل المعيب القائم على الأهواء. وإما أن يكون الجدل بالحق وهو الجدل البنّاء الذي يستهدف الوصول إلى الحقيقة، وهذا بعيد كل البعد عن التحيّز للهوى أو الأغراض. ولما تحدَّث القرآن الكريم عن الجدل قال تعالى: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..}تفسير : [العنكبوت: 46] وقال: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..}تفسير : [النحل: 125]. حديث : والنبي صلى الله عليه وسلم لما مرَّ على عليٍّ وفاطمة - رضي الله عنهما - ليوقظهما لصلاة الفجر، وطرق عليهما الباب مرة بعد أخرى، ويبدو أنهما كانا مستغرقيْن في نوم عميق، فنادى عليهما صلى الله عليه وسلم "ألا تصلون؟" فردَّ الإمام علي قائلاً: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، إن شاء أطلقها وإن شاء أمسكها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} تفسير : [الكهف: 54]. لأن الإنسان له أهواء متعددة وخواطر متباينة، ويحاول أنْ يُدلّل على صحة أهوائه وخواطره بالحجة، فيقارع الحق ويغالط ويراوغ. ولو دققتَ في رأيه لوجدتَ له هوىً يسعى إليه ويميل إلى تحقيقه، وترى ذلك واضحاً إذا اخترتَ أحد الطرق تسلكه أنت وصاحبك مثلاً لأنه أسهلها وأقربها، فإذا به يقترح عليك طريقاً آخر، ويحاول إقناعك به بكل السُّبل، والحقيقة أن له غرضاً في نفسه وهوىً يريد الوصول إليه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ضرب تعالى المثل في قصة صاحب الجنتين، وضرب المثل للحياة الدنيا وما فيها من نعيم خادع ومتاع زائل، نبَّه تعالى إلى الغاية من ذكر هذه الأمثال وهي "العظةُ والاعتبار" ثم ذكر القصة الثالثة "قصة موسى مع الخضر" وما فيها من أمور غيبيَّة عجيبة. اللغَة: {قُبُلاً} مقابلةً وعياناً {مَوْئِلاً} ملجأ ومنجى قال ابن قتيبة: وأل فلان إلى كذا لجأ إليه وألاً ووءولاً والموئل: الملجأ قال الأعشى: شعر : وقد أُخالِسُ ربَّ البيت غفلتَه وقد يحاذِرُ مني ثم لا يئلُ تفسير : {حُقُباً} جمع حقبة وهي السنة والمراد بالحُقُب هنا الزمان الطويل {سَرَباً} السَّرب: المسلك في جوف الأرض {نَصَباً} النَّصب: التعب والمشقة {أمْراً} أمراً عظيماً يقال: إمِر الأمر إِذا عظم {نُّكْراً} منكراً فظيعاً جداً. التفسِير: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي بيّنا في هذا القرآن الأمثال وكرَّرنا الحجج والمواعظ {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} أي وطبيعة الإِنسان الجدلُ والخصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي ما منع الناسَ من الإِيمان حين جاءهم الهُدى من الله {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} أي ومن الاستغفار من الذنوب والآثام {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِين}َ أي إلا انتظارهم أن تأتيهم سنة الأولين وهي الإِهلاك {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} أي يأتيهم عذاب الله عياناً ومقابلة ومعنى الآية أنه ما منعهم من الإِيمان والاستغفار إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وُعدوا به عياناً ومواجهة كقولهم {أية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32] {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي ما نرسل الرسل إلا لغرض التبشير والإِنذار لا للإِهلاك والدمار، مبشرين لأهل الإِيمان ومنذرين لأهل العصيان {وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} أي ومع وضوح الحق يجادل الكفار بالباطل ليغلبوا به الحق ويبطلوه فهم حين يطلبون الخوارق ويستعجلون العذاب لا يريدون الإِيمان وإِنما يستهزئون ويسخرون {وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً} أي أتخذوا القرآن وما خُوّفوا به من العذاب سخرية واستهزاءً {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} أي لا أحد أظلمُ ممن وُعظ بآيات الله البينة، وحججه الساطعة، فتعامى عنها وتناساها ولم يُلقِ لها بالاً {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي نسي ما عمله من الجرائم الشنيعة، والأفعال القبيحة، ولم يتفكر في عاقبتها {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} أي جعلنا على قلوبهم أغطية تحول دون فقه هذا القرآن وإدراك أسراره، والانتفاع بما فيه من المواعظ والأحكام {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} أي وفي آذانهم صمماً معنوياً يمنعهم أن يسمعوه سماع تفهم وانتفاع {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} أي وإِن دعوتهم إلى الإِيمان والقرآن فلن يستجيبوا لك أبداً لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون، فللهدى قلوبٌ متفتحة مستعدة لقبول الإِيمان وهؤلاء كالأنعام {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي وربك يا محمد واسع المغفرة عظيم الرحمة بالعباد مع تقصيرهم وعصيانهم {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} أي لو يعاقبهم بما اقترفوا من المعاصي والإِجرام لعجَّل لهم عذاب الدنيا، ولكنه تعالى يمهلهم ويؤخر عنهم العذاب الذي يستعجلونه به رحمةً بهم، وقد جرت سنته بأن يمهل الظالم ولكن لا يهمله {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} أي لهم موعد آخر في القيامة يرون فيه الأهوال لن يجدوا لهم فيه ملجأ ولا منجى {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} أي تلك هي أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية كقوم هود وصالح ولوط وشعيب أهلكناهم حين ظلموا {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} أي جعلنا لهلاكهم وقتاً محدَّداً معلوماً، أفلا يعتبر هؤلاء المكذبون المعاندون؟ والآية وعيد وتهديد لكفار قريش قال ابن كثير: والمعنى احذروا أيها المشركون أن يصيبكم ما أصابهم فقد كذبتم أعظم نبيٍّ وأشرف رسول، ولستم بأعزَّ علينا منهم فخافوا عذابي ونُذري {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة الكريمة والمعنى اذكر حين قال موسى الكليم لفتاة "يوشع بن نون" لا أزال أسير وأتابع السير حتى أصل الى ملتقى بحر فارس وبحر الروم مما يلي جهة المشرق وهو مجمع البحرين {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي أسير زماناً إلى أن أبلغ ذلك المكان {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي فلما بلغ موسى وفتاه مجمع البحرين نسي "يوشع" أن يخبر موسى بأمر الحوت وما شاهده منه من الأمر العجيب، روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأخذ معه حوتاً فيجعله في مِكْتل فحيثما فقد الحوت فهناك الرجل الصالح {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} أي اتخذ الحوت سبيله في البحر مسلكاً قال المفسرون: كان الحوت مشوياً فخرج من المِكْتل ودخل في البحر وأمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه وجمد الماء حوله وكان ذلك آيةً من آيات الله الباهرة لموسى عليه السلام {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا} أي فلما قطعا ذلك المكان وهو مجمع البحرين الذي جُعل موعداً للملاقاة قال موسى لفتاه أعطنا طعام الغذاء {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} أي لقينا في هذا السفر العناء والتعب، وكان قد سار ليلة وجزءاً من النهار بعد أن جاوز الصخرة {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} أي قال الفتى "يوشع بن نون" حين طلب موسى منه الحوت للغذاء أرأيت حين التجأنا إلى الصخرة التي نمت عندها ماذا حدث من الأمر العجيب؟ لقد خرج الحوتُ من المكتل ودخل البحر وأصبح عليه مثل الكوة وقد نسيتُ أن أذكر لك ذلك حين استيقظتَ {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} أي وقد أنساني الشيطان أن أخبرك عن قصته الغريبة {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} أي واتخذ الحوتُ طريقه في البحر وكان أمره عجباً، يتعجب الفتى من أمره لأنه كان حوتاً مشوياً فدبَّت فيه الحياة ودخل البحر {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} أي قال موسى هذا الذي نطلبه ونريده لأنه علامة على غرضنا وهو لُقْيا الرجل الصالح {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} أي رجعا في طريقهما الذي جاءا منه يتتبعان أثرهما الأول لئلا يخرجا عن الطريق {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} أي وجدا الخضر عليه السلام عند الصخرة التي فقد عندها الحوت، وفي الحديث أن موسى وجد الخضر مسجَّى بثوبه مستلقياً على الأرض فقال له: السلام عليك فرفع رأسه وقال: وأنّى بأرضك السلام؟ {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي وهبناه نعمة عظيمة وفضلاً كبيراً وهي الكرامات التي أظهرها الله على يديه {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} أي علماً خاصاً بنا لا يُعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب قال العلماء: هذا العلم الرباني ثمرة الإخلاص والتقوى ويسمى "العلم اللدُنِّي" يورثه الله لمن أخلص العبودية له، ولا ينال بالكسب والمشقة وإِنما هو هبة الرحمن لمن خصَّه الله بالقرب والولاية والكرامة {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} أي هل تأذن لي في مرافقتك لأقتبس من علمك ما يرشدني في حياتي؟ قال المفسرون: هذه مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع من نبي الله الكريم وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي قال الخضر: إنك لا تستطيع الصبر على ما ترى قال ابن عباس: لن تصبر على صنعي لأني علمتُ من غيب علم ربي {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} أي كيف تصبر على أمرٍ ظاهرة منكرٌ وأنت لا تعلم باطنه؟ {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} أي قال موسى ستراني صابراً ولا أعصي أمرك إن شاء الله {قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} شرط عليه قبل بدء الرحلة ألا يسأله ولا يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له سرها، فقبل موسى شرطه رعايةً لأدب المتعلم مع العالم، والمعنى لا تسألني عن شيء مما أفعله حتى أبيّنه لك بنفسي {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} أي انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فعرفوا الخضر فحملوهما بدون أجر فلما ركبا السفينة عمد الخضر إلى فأس فقلع لوحاً من ألواح السفينة بعد أن أصبحت في لجة البحر {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} أي قال له موسى مستنكراً: أخرقت السفينة لتغرق الركاب؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} أي فعلت شيئاً عظيماً هائلاً، يروى أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فجعله مكان الخرق ثم قال للخضر: قومٌ حملونا بغير أجرٍ عمدتَ إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهل السفينة لقد فعلت أمراً منكراً عظيماً!! {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي ألم أخبرك من أول الأمر أنك لا تصبر على ما ترى من صنيعي؟ ذكَّره بلطفٍ في مخالفته الشرط {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} أي لا تؤاخذني بمخالفتي الشرط ونسياني العهد {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} أي لا تكلفني مشقةً في صحبتي إياك وعاملني باليُسر لا بالعُسر {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ} أي فقبل عذره وانطلقا بعد نزولهما من السفينة يمشيان فمرَّا بغلمانٍ يلعبون وفيهم غلام وضيء الوجه جميل الصورة فأمسكه الخضر واقتلع رأسه بيده ثم رماه في الأرض {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي قال موسى: أقتلت نفساً طاهرةً لم ترتكب جرماً ولم تقتل نفساً حتى تقتل به {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} أي فعلت شيئاً منكراً عظيماً لا يمكن السكوت عنه.. لم يكن موسى ناسياً في هذه المرة ولا غافلاً ولكنه قاصدٌ أن يُنكر المنكر الذي لا يصبر على وقوعه بالرغم من تذكره لوعده، وقال هنا {نُّكْراً} أي منكراً فظيعاً وهو أبلغ من قوله {أمْراً} في الآية السابقة، ذكر القرطبي أن موسى عليه السلام لما قال للخضر {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} غضب واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه فإِذا مكتوب في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله أبداً {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي ألم أقل لك أنثَ على التعيين والتحديد لن تستطيع الصبر على ما ترى مني؟ قال المفسرون: وقَّره في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بقوله {لَّكَ} لعدم العذر هنا، ويعود موسى لنفسه ويجد أنه خالف وعده مرتين، فيندفع ويقطع على نفسه الطريق ويجعلها آخر فرصةٍ أمامه {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} أي إن أنكرت عليك بعد هذه المرة واعترضتُ على ما يصدر منك فلا تصحبني معك {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} أي قد أعذرت إليَّ في ترك مصاحبتي فأنت معذورٌ عندي لمخالفتي لك ثلاث مرات {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} أي مشيا حتى وصلا إلى قرية قال ابن عباس: هي انطاكية فطلبا طعاماً وكان أهلها لئاماً لا يطعمون جائعاً، ولا يتسضيفون ضيفاً، فامتنعوا عن إضافتهما أو إطعامهما {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي وجدا في القرية حائطاً مائلاً يوشك أن يسقط ويقع {فَأَقَامَهُ} أي مسحه الخضر بيده فاستقام، وقيل إنه هدمه ثم بناه وكلاهما مرويٌ عن ابن عباس {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي قال له موسى لو أخذت منهم أجراً نستعين به على شراء الطعام!! أنكر عليه موسى صنيع المعروف مع غير أهله، روي أن موسى قال للخضر: قومٌ استطعمناهم فلم يطعمونا، وضِفناهم فلم يضيّفونا ثم قعدت تبني لهم الجدار لو شئتَ لاتخذت عليه أجراً! {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} أي قال الخضر: هذا وقت الفراق بيننا حسب قولك {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاث التي أنكرتها عليَّ ولم تستطع عليها وفي الحديث "حديث : رحم الله أخي موسى لوددت أنه صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما ولو لبث مع صاحبه لأبصر العجب تفسير : {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} هذا بيانٌ وتفصيل للأحداث العجيبة التي رآها موسى ولم يطق لها صبراً والمعنى أما السفينة التي خرقتها فكانت لأناس ضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظَّلمة يشتغلون بها في البحر بقصد التكسب {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي أردتُ بخرقها أن أجعلها معيبة لئلا يغتصبها الملك الظالم {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} أي كان أمامهم ملك كافر ظالمٌ {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} أي يغتصب كل سفينة صالحة لا عيب فيها {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} أي وأما الغلام الذي قتلتُه فكان كافراً فاجراً وكان أبواه مؤمنين وفي الحديث "حديث : إِن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً"تفسير : {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} أي فخفنا أن يحملهما حبُّه على اتّباعه في الكفر والضلال {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي فأردنا بقتله أن يرزقهما الله ولداً صالحاً خيراً من ذلك الكافر وأقربَ براً ورحمة بوالديه {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} أي وأما الجدار الذي بنيتُه دون أجر والذي كان يوشك أن يسقط فقد خبئ تحته كنزٌ من ذهب وفضة لغلامين يتيمين {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} أي وكان والدهما صالحاً تقياً فحفظ الله لهما الكنز لصلاح الوالد قال المفسرون: إن صلاح الأباء ينفع الأبناء، وتقوى الأصول تنفع الفروع {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} أي فأراد الله بهذا الصنيع أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما من تحت الجدار {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي رحمةً من الله بهما لصلاح أبيهما {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أي ما فعلتُ ما رأيتَ من خرْقِ السفينة، وقتل الغلام، وإِقامة الجدارعن رأيي واجتهادي، بل فعلته بأمر الله وإِلهامه {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} أي ذلك تفسير الأمور التي لم تستطع الصبر عليها وعارضت فيها قبل أن أخبرك عنها. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الطباق بين {مُبَشِّرِينَ.. وَمُنذِرِينَ} وبين {نَسِيتُ.. وَأَذْكُرَ}. 2- اللف والنشر المرتَّب {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ} {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ} {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ} فقد جاء بها مرتبة بعد ذكر ركوب السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بطريق اللف والنشر المرتب وهو من المحسنات البديعية. 3-الحذف بالإِيجاز {كُلَّ سَفِينَةٍ} أي صالحةٍ حذف لدلالة لفظ "أعيبها" وكذلك حذف لفظ كافر من {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ} لدلالة قوله تعالى {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ}. 4- التغليب {أَبَوَاهُ} المراد باللفظ أبوه وأمه. 5- الاستعارة {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} لأن الإِرادة من صفات العقلاء وإِسنادها إِلى الجدار من لطيف الاستعارة وبليغ المجاز كقول الشاعر: شعر : يريد الرمحُ صدر أبي براءٍ ويرغب عن دماء بني عقيل تفسير : 6- التنكير للتفخيم والإِضافة للتشريف {عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ}. 7- السجع مراعاة لرءوس الآيات مثل {نَصَباً.. سَرَباً.. عَجَباً}. 8- تعليم الأدب {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} وهناك قال {فَأَرَادَ رَبُّكَ} حيث أسند ما ظاهره شر لنفسه وأسند الخير إلى الله تعالى، وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله جل وعلا. "قصة موسى والخضر كما في الصحيحين" عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عز وجل عليه إذْ لم يرُدَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أنَّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مِكْتل فحيثما فقدتَ الحوت فهو ثمَّ، فانطلق موسى: ومعه فتاه "يوشع بن نون" حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المِكْتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرَباً، وأمسك الله عن الحوت جريه الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً - قال ولم يجد موسى النَّصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به - فقال فتاه {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} قال فكان للحوت سَرَباً ولموسى وفتاه عجَباً فقال موسى {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإِذا هو مسجَّى بثوب فسلَّم عليه موسى فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما عُلمت رُشداً {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}.. يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علَّمنيه، وأنت على علمٍ من علم الله علّّمكه لا أعلمه، فقال موسى {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} فقال الخضر {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نوْل - أي بدون أجر - فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قومٌ قد حملونا بغير نوْل عمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكانت الأولى من موسى نسياناً، وجاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمي وعلمكَ من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذْ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال سُفيان: وهذه أشدُّ من الأولى {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} فانطلقا {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} فقال الخضر بيده هكذا - أي أشار بيده - فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} قال الخضر: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص الله علينا من أخبارهما"تفسير : !! أخرجه الشيخان. تنبيه: قال العلامة القرطبي: "كرامات الأنبياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث هزَّت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ويدل أيضاً ما ظهر على يد الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإِقامة الجدار" أ هـ. القرطبي 11/28.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف يجدون مصرفاً سواها، ومن أين يتأتى لهم الانصراف اليوم؛ إذْ هم فوَّتوا على أنفسهم المصرف، وسبب الانصراف في النشأة الأولى مع أنا {لَقَدْ صَرَّفْنَا} وكررنا {فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} المرشد إلى الهداية، الصارفِ عن الضلالة والغواية {لِلنَّاسِ} المنهمكين في الغفلة والنسيان {مِن كُلِّ مَثَلٍ} أي: من كل شيءٍ مثلاً موضحاً ينبههم إلى الهدى، ويجنبهم عن الغفلة والهوى، فلم ينتبهوا ولم يتفطنوا بل قابلوا الباطلَ بالحق وجادلوا {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ} المجبول على النسيان والكفران {أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54] أي: جداله ومكابرته أكثر من جدال سائر المخلوقات، وأن رشده وإيمانه أكثر أيضً منها أيضاً. ثم قال سبحانه: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} عن الإيمان وصَرَفهُم {أَن يُؤْمِنُوۤاْ} أي: يوقنوا ويصدّقوا {إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي: النبيُ الهادي المؤيدُ بالكتاب المعجز المرشد {وَ} صرفهم أيضاً أن {يَسْتَغْفِرُواْ} ويتوبوا عن ظهر القلب عقيبَ كل معصيةٍ، نادمين عنها بلا إصرارٍ وإدمان؛ ليسقط عنهم الأخذ والانتقام {رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ} ويحيط بهم {سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} من الإهلاك والاستئصال بغتةً {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} [اكهف: 55] أي: أنواعاً وأصنافاً منه، مترادفةً متواليةً كالكسف والخسف والمسخ وغير ذلك، فيهلكهم على سبيل التدريج. {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ} بأنواع الفتوحات والفيوضات الروحانية، والكشوفات والشهودات اللدنية النورانية {وَمُنذِرِينَ} عن أنواع العذاب والعقاب والنكبات، والبليات المورثة لأنواع الخذلان الخسران والطرد والحرمان والخلود في النيران إصلاحاً لأحوال الأنام، وإرشاداً لهم إلى دار السلام، وحثاً لهم إلى سلوك طريق التوحيد المنجي عن ظلمات الشكوك والأوهام. {وَ} مع ذلك {يُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله ورسله، ويخاصمون معهم متشبثين {بِٱلْبَٰطِلِ} الزائغ الزائل {لِيُدْحِضُواْ} أن ينزعوا {بِهِ ٱلْحَقَّ} ويزلقوا الثابت المستقر المطابق للواقع عن مقره {وَ} لذلك {ٱتَّخَذُوۤاْ ءَايَٰتِي} الدالة على عظمة ذاتي، ووفور حكمتي، وكمال قدرتي وقوتي {وَمَآ أُنْذِرُواْ} أي: ما اشتملت عليه من الإنذارات والتخويفات وأنواع الوعيدات {هُزُواً} [الكهف: 56] أي: موضع استهزاءٍ وسخريةٍ، ومحلَ هزلٍ وضحكةٍ؛ لذلك نسبوها إلى ما لا يليق بشأنه من السحر الشعر والأساطير الكاذبة، وغيرها من أنواع الهذيانات والأباطيل الزائغة افتراءً ومراءً. {وَمَنْ أَظْلَمُ} على الله وأسوأ أرباباً لنسبته إليه سبحانه {مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ} ليتعظ بها ويصلح بسببها {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} وانصرف من سماعها، فكيف عن قبولها امتثالها استنكاراً واستكباراً {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ} أي: كسبت واقترفت {يَدَاهُ} من الجرائم والآثام وأنواع الكفر والشرك والطغيان، ولو اتعظوا به وعملوا بمقتضاها لذهبت سيئاتهم وتضاعفت حسناتهمه، وكيف يتذكرون بها ولا يمكنهم التذكر {إِنَّا} بمقتضى قهرنا وسُخْطِنا عليهم {جَعَلْنَا} أي: طبعنا وختمنا {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} التي هي وعاء التذّكر والقبول {أَكِنَّةً} حُجباً غليظةٌ كثيفةً مانعةً {أَن يَفْقَهُوهُ} أي: القرآن ويفهموا معانية ومقاصده، فكيف بغوامض رُموزه وإشاراته {وَ} ختمنا أيضاً {فِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} صمماً بمنعهم عن الاستماع والإصغاء إليه، فيكف عن فهمه والعمل به. {وَ} من غلظ غشاوتهم، وشدة قساوتهم وصممهم {إِن تَدْعُهُمْ} يا أكمل الرسل {إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} وترشدهم إلى الفلاح والفوز بالنجاح {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ} ويفوزوا {إِذاً} أي: حين ختم قولبهم ووقر صماخهم {أَبَداً} [الكهف: 57] في أي حالٍ من الأحوال؛ إذ لا يُعارض فعلنا ولا يُبدَّل قولنا إلا بأمرنا وتوفيقنا. وتكذيبهم الرسل والكتب، وإصرارُهم على الكفر والشرك، وإن كان يستدعي نزول العذاب عليهم فجأةً لاستخفافهم بنزوهل إلا أنه يمهلهم {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ} المبالغ في ستر ذنوب عباده وعيوبهم؛ لأنه {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} الوسعة والحكمة الكاملة لعلهم يتنبهوا بقبح صنيعهم، ويتأملوا في وخامة عواقبهم، فانصرفوا عما هم عليه نادمين؛ إذ {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} على الفور، لكنْ أمهلهم بمقتضى رحمته وحكمته زماناً لا دواماً رجاء أن يتوبوا، ويرجعوا حوه تائبين آيبين {بَل لَّهُم} أي: بل لهلاكهم {مَّوْعِدٌ} لا نفع فيه التلافي والتوبة، وهو يوم الحشر والجزء، وقيل: يوم بدر {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف: 58] منجيّ ومَخْلصاً بل يُعذبون ويُهلكون فيه حتماً، بحيث لا يسع لهم التقدم والتأخر أصلاً. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} التي في مرآك أطلالهم، وآثار منازلهم ومزارعهم {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} أي: حين خرجوا عن مقتضى حدودنا وأوامرنا ونواهينا المنزلة في كتبنا لرسلنا وكذبوهم وأنكروا عليهم {وَ} من سنتنا القديمة أنَّا متى أردنا إهلاك قريةٍ من المستوجبين للمقت والهلاك {جَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} أي: هلاكهم وإهلاكهم {مَّوْعِداً} [الكهف: 59] وقتاً معيناً حين وصلوا إليها هلكوا حتماً مقضياً؛ إذ لا مردّ لقضائنا المبرم، ولا معقّب لحكمنا المحكم. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل قصة موسى الكليم عليه السلام وإعجباه لنفسه حين خطب على المنبر بعد هلاك القبط، ودخوله ملك مصر خطبةً عجيبةً بليغةً إلى حيث رقّت القلوب وذرفت العيون، فقيل له، هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا. فعتب عليه سبحانه لإعجابه، فقال سبحانه: "إن لنا في مجمع البحرين عبداً هو أعلم منك". فقال موسى عليه السلام: دلني عليه يا ربي؛ لأخدمه وأتعلم منه، وأستفيد من فتوحات أنفاسه الشريفة. فقال له سبحانه: "خذ حوتاً مملوحاً يكون زاداً لك واطلبه، فحيث فقدت الحوت فهو ثمة" فأخذ ومضى على الوجه المأمور. اذكر وقت: {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَٰهُ} وهو يوشع بن نون، وكان خادمه {لاۤ أَبْرَحُ} أي: لا أقعد ولا أستريح من السفر {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} ملتقى بحر فارس والروم. وأجد عنده من دلني الله عليه {أَوْ أَمْضِيَ} وأسير {حُقُباً} [الكهف: 6] زماناً طويلاً ومدةً مديدةً إن لم أجده هناك حتى أجده وأستفيد منه، فرمى الحوت المشوي المملوح في مكتلٍ، وحمله يوشع فذهبا، وأوصى موسى لفتاه متى فقدت الحوت أخبرني. {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي: بين البحرين {نَسِيَا} عند المجمع {حُوتَهُمَا} يعني: نسي موسى التفقد والاستخبار من يوشع عنه، ونسي يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من أمر الحوت وحياته ووقوعه في الماء. وذلك أنه عزم يوشع التوضؤ عند المجمع، وكان على شاطئ البحر صخرةُ، فتمكن يوشع عليها ليتوضأ، فانتضح الماء على مكتله، فترشح على الحوت، فوثب من المكتل، ورمى نفسه في البحر {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} [الكهف: 61] أي: صار الماء كالطاق يسري الحوت تحته بسهولةٍ، فتعجب يوشع من حياته ووثبته في الماء وسلوكه، فارتحلا متجاوزين من البحر تلك الليلة والغد إلى الظهر فنسي يوشع ذكرَ ما رأى لموسى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن، وجلالته، وعمومه، وأنه صرف فيه من كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، وكل طريق يعصم من الشر والهلاك، ففيه أمثال الحلال والحرام، وجزاء الأعمال، والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب، اعتقادا، وطمأنينة، ونورا، وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر من الأمور، ومع ذلك، كان كثير من الناس يجادلون في الحق بعد ما تبين، ويجادلون بالباطل {أية : لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ } تفسير : ولهذا قال: { وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا } أي: مجادلة ومنازعة فيه، مع أن ذلك، غير لائق بهم، ولا عدل منهم، والذي أوجب له ذلك وعدم الإيمان بالله، إنما هو الظلم والعناد، لا لقصور في بيانه وحجته، وبرهانه، وإلا فلو جاءهم العذاب، وجاءهم ما جاء قبلهم، لم تكن هذه حالهم، ولهذا قال: { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [54] 325 : أنا قُتيبة بن سعيد، نا الليث، عن عقيل، عن الزُّهري، عن علي بن حُسين، أن حُسين بن علي، حدَّثهُ عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة (رضي الله عنهما) فقال: "ألا تُصلون؟" قلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُدبر، يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} .

همام الصنعاني

تفسير : 1691- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على علي وفاطمة وهما نائمان فقال: ألا تصلون؟ فقال علي: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها، قال: فانصرف وهو يقول: {وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}: [الآية: 54].