١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عياناً، كما قال أولئك لنبيهم: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 187] وآخرون قالوا: {أية : ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} تفسير : [العنكبوت: 29] وقالت قريش: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الانفال:32]، {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [الحجر: 6 - 7] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. ثم قال: {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} من غشيانهم بالعذاب، وأخذهم عن آخرهم، {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} أي: يرونه عياناً مواجهة ومقابلة، ثم قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أي: قبل العذاب؛ مبشرين من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم {يُجَـٰدِلُونَ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ} أي: ليضعفوا به {الحق} الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، {وَٱتَّخَذُوۤاْ ءايَاتِى وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً} أي: اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب {هُزُوًا} أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ } أي كفار مكة {أَن يُؤْمِنُواْ } مفعول ثان {إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ } القرآن {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلاْوَّلِينَ } فاعل أي سنتنا فيهم وهي الإِهلاك المقدّر عليهم {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً } مقابلة وعياناً وهو القتل يوم بدر. وفي قراءة بضمتين جمع (قبيل) أي أنواعاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءَهم الهُدى} فيه وجهان: أحدهما: وما منع الناس أنفسهم أن يؤمنوا. الثاني: ما منع الشيطان الناس أن يؤمنوا. وفي هذا الهدي وجهان: أحدهما: حجج الله الدالة على وحدانيته ووجوب طاعته. الثاني: رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث لهداية الخلق. {إلاّ أن تأتيهم سنةُ الأولين} أي عادة الأولين في عذاب الإستئصال. {أو يأتيهم العذاب قبلاً} قرأ عاصم وحمزة والكسائي {قُبُلاً} بضم القاف والباء وفيه وجهان: أحدهما: تجاه، قاله مجاهد. الثاني: أنه جمع قبيل معناه ضروب العذاب. ويحتمل ثالثاً: أن يريد: من أمامهم مستقبلاً لهم فيشتد عليهم هول مشاهدته. وقرأ الباقون قِبَلاً بكسر القاف، وفيه وجهان: أحدهما: مقابلة. الثاني: معاينة. ويحتمل ثالثاً: من قبل الله تعالى بعذاب من السماء، لا من قبل المخلوقين، لأنه يعم ولا يبقى فهو أشد وأعظم. قوله عز وجل: {.. ليُدحضوا به الحقَّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ليذهبوا به الحق، ويزيلوه، قاله الأخفش. الثاني: ليبطلوا به القرآن ويبدلوه، قاله الكلبي. الثالث: ليهلكوا به الحق. والداحض الهالك، مأخوذ من الدحض وهو الموضع المزلق من الأرض الذي لا يثبت عليه خف ولا حافر ولا قدم، قال الشاعر: شعر : ردَيت ونجَى اليشكري حِذارُه وحادَ كما حادَ البعير عن الدحض تفسير : {واتخدوا آياتي وما أنذروا هُزُواً} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الآية البرهان، وما أنذروا القرآن. الثاني: الآيات القرآن وما أنذروا الناس. ويحتمل قوله: {هزواً} وجهين: أحدهما: لعباً. الثاني: باطلاً.
ابن عطية
تفسير : هذه آية: تأسف عليهم وتنبيه على فساد حالهم، لأن هذا المنع لم يكن بقصد منهم أن يمتنعوا ليجيئهم العذاب، وإنما امتنعوا هم مع اعتقادهم أنهم مصيبون، لكن الأمر في نفسه يسوقهم إلى هذا، فكأن حالهم تقتضي التأسف عليهم، و {الناس} يراد به كفار عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تولوا دفع الشريعة وتكذيبها، و {الهدى} هو شرع الله والبيان الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، و"الاستغفار" هنا طلب المغفرة على فارط الذنب كفراً وغيره، و {سنة الأولين} هي عذاب الأمم المذكورة من الغرق والصيحة والظلمة والريح وغير ذلك، {أو يأتيهم العذاب قبلاً} أي مقابلة عياناً، والمعنى عذاباً غير المعهود، فتظهر فائدة التقسيم وكذلك صدق هذا الوعيد في بدر، وقال مجاهد: {قبلاً} معناه فجأة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ومجاهد وعيسى بن عمر "قِبَلا" بكسر القاف وفتح الباء، وقرأ عاصم والكسائي وحمزة والحسن والأعرج "قُبُلاً" بضم القاف والباء، ويحتمل معنيين أحدهما أن يكون بمعنى قبل، لأن أبا عبيدة حكاهما بمعنى واحد في المقابلة، والآخر أن يكون جمع قبيل، أي يجيئهم العذاب أنواعاً وألواناً، وقرأ أبو رجاء والحسن أيضاً: "قُبْلاً" بضم القاف وسكون الباء، وقوله {وما نرسل المرسلين} الآية، كأنه لما تفجع عليهم وعلى ضلالهم ومصيرهم بآرائهم إلى الخسار، قال: وليس الأمر كما يظنوا، والرسل لم نبعثهم ليجادلوا، ولا لتتمنى عليهم الاقتراحات، وإنما بعثناهم مبشرين من آمن بالجنة ومنذرين من كفر بالنار، و {يدحضوا} معناه يزهقوا، و"الدحض" الطين الذي يزهق فيه، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : وردت ونجى اليشكريّ نجاؤه وحاد كما حاد البعير عن الدحض تفسير : وقوله {واتخذوا} إلى آخر الآية توعيد، و"الآيات" تجمع آيات القرآن والعلامات التي ظهرت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {وما أنذروا هزواً} يريد من عذاب الآخرة، والتقدير وما أنذروه فحذف الضمير و"الهزاء": السخر والاستخفاف، كقولهم أساطير الأولين، وقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا وقوله {ومن أظلم} استفهام بمعنى التقرير، وهذا من أفصح التقرير أن يوقف الأمر على ما لا جواب له فيه إلا الذي يريد خصمه، فالمعنى لا أحد {أظلم ممن} هذه صفته، أن يعرض عن الآيات بعد الوقوف عليها بالتذكير، وينسى ويطرح كبائره التي أسلفها هذه غاية الانهمال، ونسب السيئات إلى اليدين، من حيث كانت اليدان آلة التكسب في الأمور الجرمية، فجعلت كذلك في المعاني، استعارة، ثم أخبر الله عز وجل عنهم وعن فعله بهم، جزاء على إعراضهم وتكسبهم القبيح، فإنه تعالى: {جعل على قلوبهم أكنة} وهي جمع كنان، وهو كالغلاف الساتر واختلف الناس في هذا وما أشبهه من الختم والطبع ونحوه، هل هو حقيقة أو مجاز، والحقيقة في هذا غير مستيحلة، والتجوز أيضاً فصيح، أي لما كانت هذه المعاني مانعة في الأجسام وحاملة، استعيرت للقلوب التي قد أقساها الله تعالى وأقصاها عن الخير، وأما "الوقر" في الآذان، فاستعارة بينة لأنا نحس الكفرة يسمعون الدعاء إلى الشرع سماعاً تاماً، ولكن لما كانوا لا يؤثر ذلك فيهم إلا كما يؤثر في الذي به وقر، فلا يسمع، وشبهوا به، وكذلك العمى والصم والبكم، كلها استعارات، وإنما الخلاف في أوصاف القلب، هل هي حقيقة أو مجاز، و"الوقر": الثقل في السمع، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم، وإن دعوا إلى الهدى فإنهم لا يهتدون أبداً، وهذا يخرج على أحد تأويلين: أحدهما أن يكون هذا اللفظ العام يراد به الخاص، ممن حتم الله عليه أن لا يؤمن ولا يهتدي أبداً، ويخرج عن العموم كل من قضى الله بهداه في ثاني حال، والآخر أن يريد: وإن تدعهم إلى الهدى جميعاً فلن يؤمنوا جميعاً أبداً، أي إنهم ربما آمن الأفراد، ويضطرنا إلى أحد هذين التأويلين، أنا نجد المخبر عنهم بهذا الخبر قد آمن منهم واهتدى كثير.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ} أنفسهم، أو الشياطين أن يؤمنوا {سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} عادتهم في عذاب الاستئصال {قُبُلاً} تجاهاً، أو جمع قبيل يريد أنواعاً من العذاب {قِبَلا} مقابلة، أو معاينة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} الآية. تقدم إعراب نظيرها في آخر السورة قبلها. فإن قلت: قالت المعتزلةُ: الآية دالةٌ على أنَّه لم يوجد ما يمنع عن الإقدام على الإيمانِ، وذلك يدلُّ على فساد قول من يقول: إنه حصل المانعُ. [فالجواب] بأن العلم بأنه لا يؤمنُ مضادٌّ لوجود الإيمان، وإذا كان ذلك العلم قائماً، كان المانعُ قائماً. وأيضاً: قول الداعي إلى الكفر مانعٌ من حصول الإيمان. وإذا ثبت هذا، ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة. فصل في معنى الآية المعنى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ}: القرآن والإسلام والبيان من الله عزَّ وجلَّ. وقيل: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} ويتوبوا. قوله: {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} وهو عذاب الاستئصال وقيل: إلا طلب أن يأتيهم سنَّة الأولين من معاينة العذاب، كما قالوا: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32]. قوله: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً}. قال ابن عباس: أي عياناً من المقابلة. وقال مجاهد: فجأة. قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، وأبو جعفر بضمِّ القاف والباء، جمع قبيل: أي أصناف العذاب نوعاً نوعاً، والباقون بكسر القاف، وفتح الباء، أي عياناً. وروى الزمخشري: "قَبَلاً" بفتحتين، أي: [مستقبلاً، والمعنى:] أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نُزُول العذاب. واعلم أنَّهم لا يوقفون الإقدام على الإيمان على أحد هذين الشرطين؛ لأنَّ العاقل لا يرضى بحُصُول الأمرين إلا أنَّ حالهم بحال من وقف العمل على أحد هذين الشَّرطين. ثم بيَّن تعالى أنه إنما أرسل الرُّسُل مبشِّرين ومُنْذرين بالعقاب على المعصية؛ لكي يؤمنوا طوعاً، ومع هذه الأحوال يوجد من الكُفَّار المجادلة بالباطل؛ لغرض دحض الحقِّ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّ الأنبياء كانوا يجادِلُونهم، كما تقدَّم من أنَّ المجادلة إنَّما تحصُلُ من الجانبين، ومجادلتُهُمْ قولهم: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]، وقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. قوله: {ليُدْحِضُوا}: متعلِّقٌ بـ "يُجادِلُ" والإدْحاض: الإزلاقُ، يقال: أدحض قدمه، أي: أزلقها، وأزلَّها من موضعها. والحجَّة الداحضة الَّتي لا ثبات لها لزلزلة قدمها، والدَّحضُ: الطِّين؛ لأنه يُزلقُ فيه، قال: [الطويل] شعر : 3539- أبَا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوَفَاءَ وَهِبْتَهُ وَحِدْتَ كَمَا حَادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 3540- [وَرَدْتُ وَنَجَّى اليَشْكُرِيّ حِذَارُهُ وَحَادَ كَمَا حَادَ البَعيرُ عَنِ الدَّحْضِ] تفسير : و "مكانٌ دَحْضٌ" مِنْ هذا. قوله: "وَمَا أُنْذِرُوا" يجوزُ في "مَا" هذه أَنْ تكون مصدريَّةً، وأَنْ تكون بمعنى "الَّذي" والعائد محذوف، وعلى التقديرين، فهي عطفٌ على "آياتي". و "هُزُواً" مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ، وتقدَّم الخلافُ في "هُزُواً" في قوله {وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً} وفيه إضمار أي وما أنذروا به، وهو القرآن "هُزُواً" أي استهزاء. قوله تعالى: {وَمَنْ أظْلَمُ} الآية. تقدم إعراب نظيرها في الأنعام، واعلم أنَّه تعالى لمَّا حكى عن الكفَّار جدالهم بالباطل، وصفهم بالصِّفات الموجبة للخزي والخذلان، فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ}. أي: لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات، فيعرض عنها، ويتركها، ولم يؤمن بها ونسي ما قدَّمت يداه، أي: مع إعراضه عن التأمُّل في الدلائلِ والبيِّنات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة، والمراد [بالنِّسيان] التَّشاغل والتغافل عن كفره المتقدِّم. قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أي: أغطية. قوله: {أَن يَفْقَهُوهُ} لئلاَّ يفقهوه. قوله: {وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} صمماً وثقلاً. قوله: {وَإِن تَدْعُهُمْ} يا محمد {إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} إلى الدين. قوله: {فَلَن يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} وهذا في أقوام، علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. وتقدَّم الكلام على هذه الآية في سورة الأنعام. والعجب أنَّ قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} متمسَّكُ القدريَّة. وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ} متمسَّك الجبرية، وقلما تجد آية في القرآن لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق هذا، وما ذاك إلا امتحانٌ من الله ألقاه على عباده، ليتميَّز العلماء الراسخُون عن المقلِّدين. ثم قال: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ}. "الغَفورُ": البليغ المغفرة، وهو إشارة غلى دفع المضارِّ {ذُو ٱلرَّحْمَةِ}: الموصوف بالرحمة، وإنَّما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة، لا في الرحمة؛ لأنَّ [المغفرة] ترك [الإضرار]. قوله: {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ}: يجوز في "المَوعِد" أن يكون مصدراً أو زماناً أو مكاناً. والمَوئِلُ: المرجعُ، من وأل يَئِلُ، أي: رجع، وهو من التأويل، وقال الفراء: "المَوْئِلُ: المنجى، وألَتْ نفسه، أي: نَجَتْ" قال الأعشى: [البسيط] شعر : 3541- وقَدْ أخَالِسُ ربَّ البيتِ غَفْلتهُ وقَدْ يُحَاذِرُ منِّي ثمَّ ما يَئِلُ تفسير : أي: ما ينجو، وقال ابن قتيبة: "المَوْئِلُ: الملجأ". يقال: وأل فلانٌ إلى فلانٍ يئلُ وألاً، وَوُءُولاً، إذا لجأ إليه، وهو هنا مصدر. و "مِنْ دُونهِ" متعلق بالوجدان؛ لأنه متعدٍّ لواحدٍ، أو بمحذوف على أنه حال من "مَوْئِلاً". وقرأ أبو جعفر "مَوِلاً" بواو مكسورة فقط، والزهري: بواو مشددة فقط، والأولى أقيس تخفيفاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {إلا أن تأتيهم سنة الأوّلين} قال: عقوبة الأولين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد أنه قرأ {أو يأتيهم العذاب قبلاً} قال: قبائل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {أو يأتيهم العذاب قبلاً} قال: فجأة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة أنه قرأ {أو يأتيهم العذاب قبلاً} أي عياناً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأعمش في قوله: {قبلاً} قال: جهاراً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {أو يأتيهم العذاب قبلاً} قال: مقابلهم فينظرون إليه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {ونسي ما قدمت يداه} أي نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {بما كسبوا} يقول: بما علموا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {بل لهم موعد} قال: الموعد يوم القيامة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس في قوله: {لن يجدوا من دونه موئلاً} قال: ملجأ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله {لن يجدوا من دونه موئلاً} قال: مجوزاً. وفي قوله: {وجعلنا لمهلكهم موعداً} قال: أجلاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن العباس بن عزوان أسنده في قوله: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً} قال: قضى الله العقوبة حين عصي، ثم أخرها حتى جاء أجلها، ثم أرسلها.
التستري
تفسير : قوله: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ}[55] قال: جاءهم الهدى وطرق الهداية كانت مسدودة عليهم، فمنهم الهدى والإيمان الحكم الذي جرى عليهم في الأزل.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} [الآية: 55]. قال سهل: جاءهم الهدى ولكن طرق الهداية كانت مسدودة عليهم فمنعهم عن الهدى والإيمان الحكم الجارى عليهم فى الأزل.
القشيري
تفسير : لا عُذرَ لهم إذا لجأوا إلى ما تعاطوه من العصيان وترْكِ المبادرة إلى المأمور، ولا توفيقَ يساعدهم فيخرجهم عن حوار الداعي إلى عزم الفعل، فَهُمْ - وإن لم يكونوا بنعت الاستطاعة على ما ليسوا يفعلونه - ليسوا عاجزين عن ذلك؛ ولكنهم بحيث لو أن العبدَ منهم أراد ما أُمِرَ به لَتَأَبَّى منه ذلك، وتعذَّر عليه؛ ففي الحال ليس بقادرٍ على ما ليس يفعله ولا هو عاجزٌ عنه، وهذا يسميه القوم حال التخلية وهي واسطة بين القدرة والعجز.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما منع الناس} اى لم يمنع اهل مكة من {ان يؤمنوا} بالله تعالى ويترك الشرك الذى هم عليه {اذ جاءهم الهدى} وهو الرسول الكريم الداعى والقرآن العظيم الهادى {و} من ان {يستغفروا ربهم} من انواع الذنوب {الا} انتظار {ان تأتيهم سنة الاولين} اى سنة الله وعادته فى الامم الماضية وهو الاستئصال لما كان تعنتهم مفضيا اليه جعلوا كأنهم منتظرون له {او} انتظار ان {يأتيهم العذاب} عذاب الآخرة حال كونه {قبلا} انواعا جمع قبيل اوعيانا لهم اى معاينا. وبالفارسية [روى باروى]. قال فى الجلالين يعنى القتل يوم بدر. وقال فى الاسئلة المقحمة كيف وعدهم فى هذه الآية باحدى العقوبتين ان لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بمن لم يؤمنوا منهم الجواب انما وعدهم بذلك ان تركوا الايمان كلهم فقد آمن اكثرهم يوم فتح مكة.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} كلمة ما نافية او استفهاميّة، والاتيان بالنّاس للاشعار بانّ مادّة الانكار وعدم الاستغفار هى النّسيان {أَن يُؤْمِنُوۤاْ} بالايمان الخاصّ والبيعة مع علىّ (ع) بقرينة {إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} فانّ الهداية خاصّة بشأن الولاية كما انّ الانذار خاصّ بشأن النّبوّة كما قال: انّما انت منذرٌ ولكلّ قومٍ هادٍ {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} بالاستغفار الحاصل فى ضمن البيعة والايمان فيكون تفصيلاً لان يؤمنوا باعتبار بعض اجزائه او بالاستغفار العامّ الحاصل بالنّدم على المساوى وطلب المغفرة لساناً {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} الاّ انتظار ان تأتيهم سنّة الله فى الاوّلين من احلال العذاب بهم فى الدّنيا او استعداد ان تأتيهم سنّة الاوّلين من العناد واللّجاج مع اهل الحقّ، وعلى هذا فلا حاجة فى قوله {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ} الى التّخصيص بعذاب الآخرة {قُبُلاً} مقابلاً مشهوداً.
اطفيش
تفسير : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ} أراد الحقيقة الصادقة بالأكثر أو يقدر مضاف أى وما منع أكثر الناس وأراد الكفار أو كفار مكة. {أَنْ يُؤْمِنُوا} أى من أن يؤمنوا. {إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى} وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن والوحى. وتسمية ذلك هدى مبالغة فى اتصاف ذلك بتسببه فى الاهتداء حتى إنه نفس الهدى أو الهدى الإرشاد بذلك أعنى برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن والوحى وإذ متعلق بمنع أو بيؤمنوا. {وَيسْتَغْفِرُوا} معطوف على يؤمنوا أى ومن أن يستغفروا {رَبَّهُمْ} من ذنوبهم كأنه قيل: وما منع الناسَ من الإيمان والاستغفار ولك أن لا تقدر من فيكون المصدران مفعولين لمنع لكن ثانيهما بواسطة العطف وهو مصدر يستغفروا فإن منع يجوز تعدية لاثنين والأول الناس. {إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ} فاعل منع فى تأويل المصدر. {سُنَّةُ الأَوَّلينَ} هذه الإضافة بمعنى فى أو لام الاستحقاق ويقدر مضاف آخر بل الاثنان أى إلا طلب إتيان مثل سنتنا فى الأولين وهو عذاب الاستئصال. {أَوْ يَاْتِيَهُمُ الْعَذَابُ} عذاب الآخرة أو عذاب يوم بدر. {قُبُلا} وقرأ الكوفيون قبلا بضمتين وقرئ بفتحتين وهما لغتان فيه ومعنى الثلاثة واحدة وهى المعاينة والمقابلة وهن مصادر والنصب على المفعولية المطلقة أى إتيان مقابلة فحذف المضاف أو يضمَّن يأتى معنى يقابل أو حال مبالغة أو بالتأْويل بالوصف أو بتقدير مضاف أى ذا قُبل وذوى قُبل صاحب الحال العذاب أو الهاء فى يأتيهم. ويجوز فى قراءة الكوفيين كونه جمع قبيل كرسول ورسل ونذير ونذر فيكون حالا من الهاء ومعناه أنواع. وزعم بعض أن معنى قبلا بكسر ففتح أو فتحتين أو ضمتين فجاءة وليس ذلك المنع جبرا لولاهم قاصدين إتيان سنة الأولين أو إتيان العذاب قبلا ولكن المعنى أنه قد أوضح الله عز وجل لهم ما يأتون وما يذرون وزال عذرهم وبقى أن تأتيهم سنة الأولين أو العذاب قبلا ثم جعلوا كأنهم عالمون بإتيان سنة الأولين أو العذاب وأن انتظار ذلك هو المانع لوضوح الأمر ويقدر لفظ قبلا لتأتى الأول أو يجعل المذكور له ويقدر مثله ليأتى.
اطفيش
تفسير : {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا} من أن يؤمنوا أى من الإيمان أو إِيمانًا، فلا تقدر من فإنه يقال منعه من طعام ومنعه طعامًا {إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى} البيان على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن، وسائر الوحى، ولا داعى إِلى جعل الهدى بمعنى القرآن كما قيل: إِنه القرآن، وكما قيل: إِنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مبالغة. {وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ} أى يطلبوا المغفرة من ربهم لذنوبهم، وهى عدم العقاب عليها، حتى كأنها الشئ المستور، أى من أن يستغفروا أو استغفار ربهم على حد ما مر فى أن يؤمنوا، أو المراد بالناس الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائلين بتلك الأباطيل أو ما يعمهم وغيرهم، لا ما يعم من قبله لذكر من قبله فى قوله: {إِلاّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} وهو فاعل منع أى ما منعهم إلا إتيان مثل سُنَّة الأوَّلِين، وسُنَّة الأولين إهلاك الأولين المصرِّين على الكفر، والمعنى سُنَّة الله فيهم وأضافها إِليهم لوقوعها فيهم، والمراد إلا طلب إتيان سُنَّة الأولين، أو انتظار إتيان سُنَّة الأوَّلين، أو تقدير إتيان سُنَّة الأولين، ومع ذلك ليسوا بطالبين إتيانها، ولا منتظرينه ولا مرتقبينه إلا مجازاً تشبيهاً، وحقيقة الآية أن إصرارهم على الكفر يوجب لهم سُنَّة الأولين، إلا أن الله سبحانه وتعالى أخرها عنهم، ثم إنه إذا جائتهم السنَّة لم يمكنهم الإيمان، فالمراد استفراغ ما قبل الإتيان بالكفر. ويجوز أن يكون المراد إلا تقدير ربهم وقضاءه أن لا يؤمنوا حتى يستأصلهم بمثل سُنَّة الأولين، وهو عذاب بدر، وقدر بعض إلا تقدير الله عذابهم كالأولين، وفسره بعذاب بدر وأُحد، والمراد الذنوب مطلقا لا خصوص الشرك، فالآية دليل على خطاب المشركين بالفروع، واستدل بعضهم بها على أن الإيمان بدون استغفار لا يجُبُّ ما قبله، والظاهر غير ذلك، ذكر الله عز وجل ما هو أحسن إشارة إلى أن الإيمان النافع، ما يصاحب صاحبه الاستغفار. {أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً} حال من العذاب، أى مواجها أو من الهاء أى مواجهين له، وهو عذب الآخرة مصدر بمعنى الوصف، أو يقدر مضاف أى ذا قبل أو ذوى قبل، أو مفعول مطلق على تضمين يأتى معنى يقابل، أو منصوب بمقابلا، أو مقابلين مقداراً، والحصر إضافى لقوله تعالى: "أية : وما منع الناس أن يؤمنوا إذْ جاءهم الهدى إلاَّ أنْ قالوا أَبَعَثَ الله بشراً رسولا"تفسير : [الإسراء: 94] فإن المانع هنا إِرادة الله تعالى، وهى الحقيقة بالمنع، وفى الآية الأخرى مانع عادى وهو استغراب بعث البشر رسولا، أى الاستغراب لبعث البشر رسولا.
الالوسي
تفسير : {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ} قال ابن عطية وغيره: المراد بهم كفار قريش الذين حكيت أباطيلهم، و(ما) نافية. وزعم بعضهم وهو من الغرابة بمكان أنها استفهامية أي أي شيء منعهم {أَن يُؤْمِنُواْ} أي من إيمانهم بالله تعالى وترك ما هم فيه من الإشراك {إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي القرءان العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبة له أو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإطلاق الهدى على كل للمبالغة {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} بالتوبة عما فرط منهم من أنواع الذنوب التي من جملتها مجادلتهم الحق بالباطل، وفائدة ذكر هذا بعد الإيمان التعميم على ما قيل. واستدل به من زعم أن الإيمان إذا لم ينضم إليه الاستغفار لا يجب ما قبله وهو خلاف ما اقتضته الظواهر. وقال بعضهم: لا شك أن الإيمان مع الاستغفار أكمل من الإيمان وحده فذكر معه لتفيد الآية ما منعهم من الاتصاف بأكمل ما يراد منهم، ولا يخفى أنه ليس بشيء. وقيل ذكر الاستغفار بعد الإيمان لتأكيد أن المراد منه الإيمان الذي لا يشوبه نفاق فكأنه قيل ما منعهم أن يؤمنوا إيماناً حقيقياً {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} وهم من أهلك من الأمم السالفة، وإضافة السنة إليهم قيل لكونها جارية عليهم وهي في الحقيقة سنة الله تعالى فيهم، والمراد بها الإهلاك بعذاب الاستئصال، وإذا فسرت السنة بالهلاك لم تحتج لما ذكر، وأن وما بعدها في تأويل المصدر وهو فاعل {مَنَعَ} والكلام بتقدير مضاف أي / ما منعهم من ذلك إلا طلب الهلاك في الدنيا قاله الزجاج، وجوز صاحب «الغينان» تقدير انتظار أي ما منعهم إلا انتظار الهلاك، وقدر الواحدي تقدير أي ما منعهم إلا تقدير الله تعالى إتيان الهلاك عليهم، وقال: إن الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين، ويأباه بحسب الظاهر كون السورة مكية إلا ما استثنى، والداعي لتقدير المضاف أنه لو كان المانع من إيمانهم واستغفارهم نفس إتيان الهلاك كانوا معذورين وأن عذاب الآخرة المعد للكفار المراد من قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} منتظر قطعاً، وقيل لأن زمان إتيان العذاب متأخر عن الزمان الذي اعتبر لإيمانهم واستغفارهم فلا يتأتى ما نعيته منهما. واعترض تقدير الطلب بأن طلبهم سنة الأولين لعدم إيمانهم وهو لمنعهم عن الإيمان فلو كان منعهم للطلب لزم الدور. ودفع بأن المراد بالطلب سببه وهو تعنتهم وعنادهم الذي جعلهم طالبين للعذاب بمثل قولهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء} تفسير : [الأنفال: 23] الخ. وتعقب بأن فيهم من ينكر حقية الإسلام كما أن فيهم المعاند، ولا يظهر وجه كون الطلب ناشئاً عن إنكار الحقية وكذا لا يظهر كونه ناشئاً عن العناد. واعترض أيضاً بأن عدم الإيمان متقدم على الطلب مستمر فلا يكون الطلب مانعاً. وأجيب بأن المتقدم على الطلب هو عدم الإيمان السابق وليس الطلب بمانع منه بل هو مانع مما تحقق بعد وهو كما ترى. وقيل المراد من الطلب الطلب الصوري اللساني لا الحقيقي القلبـي فإن من له أدنى عقل لا يطلب الهلاك والعذاب طلباً حقيقياً قلبياً ومن الطلب الصوري منشؤه وما هو دليل عليه وهو تكذيب النبـي صلى الله عليه وسلم بما أوعد به من العذاب والهلاك من لم يؤمن بالله عز وجل فكأنه قيل ما منعهم من الإيمان بالله تعالى الذي أمر به النبـي عليه الصلاة والسلام إلا تكذيبهم إياه بما أوعد على تركه، ولا يخلو عن دغدغة. وقيل الحق أن الآية على تقدير الطلب من قولك لمن يعصيك أنت تريد أن أضربك وهو على تنزيل الاستحقاق منزلة الطلب فكأنه قيل ما منعهم من ذلك إلا استحقاق الهلاك الدنيوي أو العذاب الأخروي. وتعقب بأن عدم الإيمان والاتصاف بالكفر سبب للاستحقاق المذكور فيكون متقدماً عليه ومتى كان الاستحقاق مانعاً منه انعكس أمر التقدم والتأخر فيلزم اتصاف الواحد بالشخص بالتقدم والتأخر وأنه باطل. وأجيب بمنع كون عدم الإيمان سبباً للاستحقاق في الحقيقة وإنما هو سبب صوري والسبب الحقيقي سوء استعداداتهم وخباثة ماهياتهم في نفس الأمر، وهذا كما أنه سبب للاستحقاق كذلك هو سبب للاتصاف بالكفر، وإن شئت فقل: هو مانع من الإيمان، ومن هنا قيل إن المراد من الطلب الطلب بلسان الاستعداد وإن مآل الآية ما منعهم من ذلك إلا استعداداتهم وطلب ماهياتهم لضده، وذلك لأن طلب استعداداتهم للهلاك أو العذاب المترتب على الضد استعداد للضد وطلب له، وربما يقال بناءً على هذا أن المفهوم من الآيات أن الكفار لو لم يأتهم رسول ينبههم من سنة الغفلة يحتجون لو عذبوا بعدم إتيانه فيقولون منعنا من الإيمان أنه لم يأتنا رسول ومآله منعنا من ذلك الغفلة ولا يجدون حجة أبلغ من ذلك وأنفع في الخلاص، وأما سوء الاستعداد وخباثة الذات فبمراحل من أن يحتجوا به ويجعلوه مانعاً فلا بعد في أن يقدر الطلب ويراد منه ظاهره وتكون الآية من قبيل قوله:شعر : / ولا عيب فيهم تفسير : البيت. والمراد نفي أن يكون لهم مانع من الإيمان والاستغفار بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم يصلح أن يكون حجة لهم أصلاً كأنه قيل لا مانع لهم من أن يؤمنوا أو يستغفروا ربهم ولا حجة بعد مجيء الرسول الذي بلغ ما بلغ من الهدى إلا طلب ما أوعدوا به من إتيان الهلاك الدنيوي أو العذاب الأخروي وحيث أن ذلك على فرض تحققه منهم لا يصلح للمانعية والحجية لم يبق مانع وحجة عندهم أصلاً انتهى. ولا يخفى أنه بعد الإغضاء عما يرد عليه بعيد وإنكار ذلك مكابرة، والأولى تقدير التقدير وهو مانع بلا شبهة إلا أن القائلين بالاستعداد حسبما تعلم يجعلون منشأه الاستعداد، وفي معناه تقدير الإرادة أي إرادته تعالى وعليه اقتصر العز بن عبد السلام، ودفع التنافي بين الحصر المستفاد من هذه الآية والحصر المستفاد من قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94] بأن الحصر الأول في المانع الحقيقي فإن إرادة الله تعالى هي المانعة على الحقيقة والثاني في المانع العادي وهو استغراب بعث رسول لأن المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب ذلك، وقد تقدم في الإسراء ما ينفعك في الجمع بين الحصرين فتذكر فما في العهد من قدم. وادعى الإمام تعدد الموانع وأن المراد من الآية فقدان نوع منها فقال: قال الأصحاب إن العلم بعدم إيمانهم مضاد لوجود إيمانهم فإذا كان ذلك العلم قائماً كان المانع قائماً، وأيضاً حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا لما حصل لأن حصول الفعل الاختياري بدون الداعي محال ووجود الداعي إلى الكفر مانع من حصول الإيمان فلا بد أن يقال: المراد فقدان الموانع المحسوسة انتهى فليتأمل فيه. والقبل بضمتين جمع قبيل وهو النوع أي أو يأتيهم العذاب أنواعاً وألواناً أو هو بمعنى قبلاً بكسر القاف وفتح الباء كما قرأ به غير واحد أي عياناً فإن أبا عبيدة حكاهما معاً بهذا المعنى؛ وأصله بمعنى المقابلة فإذاً دل على المعاينة، ونصبه على الحال فإن كان حالاً من الضمير المفعول فمعناه معاينين بكسر الياء أو بفتحها أو معاينين للناس ليفتضحوا، وإن كان من العذاب فمعناه معايناً لهم أو للناس. وقرأت طائفة {قبلاً} بكسر القاف وسكون الباء وهو كما في «البحر» تخفيف قبل على لغة تميم. وذكر ابن قتيبة والزمخشري أنه قرىء {قبلاً} بفتحتين أي مستقبلاً. وقرأ أبـي بن كعب وابن غزوان عن طلحة {قبيلاً} بقاف مفتوحة وباء مكسورة بعدها ياء ساكنة أي عياناً ومقابلة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : ولقد صرفنا في هذا القرآن } تفسير : [الكهف: 54] الخ. ومعناها متصل تمام الاتصال بمعنى الجملة التي قبلها بحيث لو عطفت عليها بفاء التفريع لكان ذلك مقتضى الظاهر وتعتبر جملة { أية : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً } تفسير : [الكهف: 54] معترضة بينهما لولا أن في جعل هذه الجملة مستقلة بالعطف اهتماماً بمضمونها في ذاته، بحيث يعدّ تفريعه على مضمون التي قبلها يحيد به عن الموقع الجدير هُو به في نفوس السامعين إذ أريد أن يكون حقيقة مقررة في النفوس. ولهذه الخصوصية فيما أرى عُدل في هذه الجملة عن الإضمار إلى الإظهار بقوله: وما منع الناس} وبقوله: {إذ جاءهم الهدى} دون أن يقول: وما منعهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى قصداً لاستقلال الجملة بذاتها غير مستعانة بغيرها، فتكون فائدة مستقلة تسْتأهل توجه العقول إلى وعيها لذاتها لا لأنها فرع على غيرها. على أن عموم {الناس} هنا أشمل من عموم لفظ {الناس} في قوله: { أية : ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس } تفسير : [الكهف: 54] فإن ذلك يعم الناس الذين يسمعون القرآن في أزمان ما بعد نزول تلك الآية، وهذا يعم الناس كلهم الذين امتنعوا من الإيمان بالله. وكذلك عموم لفظ {الهدى} يشمل هدى القرآن وما قبله من الكتب الإلهية وأقوال الأنبياء كلها، فكانت هذه الجملة قياساً تمثيلياً بشواهد التاريخ وأحوال تلقي الأمم دعوات رسلهم. فالمعنى: ما منع هؤلاء المشركين من الإيمان بالقرآن شيء يَمنع مثلُه، ولكنهم كالأمم الذين قبلهم الذين جاءهم الهدى بأنواعه من كتب وآيات وإرشاد إلى الخير. والمراد بــــ {الأولين} السابقون من الأمم في الضلال والعناد. ويجوز أن يراد بهم الآباء، أي سنة آبائهم، أي طريقتهم ودينهم، ولكل أمة أمةٌ سبقتها. و{أن تأتيهم} استثناء مفرغ هو فاعل {وما منع}. «ولن يؤمنوا» منصوب على نزع الخافض، أي من أن يؤمنوا. ومعنى {تأتيهم سنة الأولين} تحل فيهم وتعتريهم، أي تُلقى في نفوسهم وتسول إليهم. والمعنى: أنهم يُشبهون خلق من كانوا قبلهم من أهل الضلال ويقلدونهم، كما قال تعالى: { أية : أتواصوا به بل هم قوم طاغون } تفسير : [الذاريات: 53]. وسنة الأولين: طريقتهم في الكفر. وإضافة (سنة) إليهم تشبه إضافة المصدر إلى فاعله، أي السنة التي سَنّها الأولون. وإسناد مَنْعهم من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين استعارة. والمعنى: ما منع الناس أن يؤمنوا إلا الذي منع الأولين قبلهم من عادة العناد والطغيان وطريقتهم في تكذيب الرسل والاستخفاف بهم. وذكر الاستغفار هنا بعد ذكر الإيمان تلقين إياهم بأن يبادروا بالإقلاع عن الكفر وأن يتوبوا إلى الله من تكذيب النبي ومكابرته. و (أو) هي التي بمعنى (إلى)، وانتصاب فعل يأتيهم العذاب} (بأن) مضمرة بعد(أو). و (أو) متصلة المعنى بفعل {منع}، أي منعهم تقليدُ سنة الأولين من الإيمان إلى أن يأتيهم العذاب كما أتى الأولين. هذا ما بدا لي في تفسير هذه الآية وأراه أليق بموقع هاته الآية من التي قبلها. فأما جميع المفسرين فقد تأولوا الآية على خلاف هذا على كلمة واحدة فجعلوا المراد بالناس عينَ المراد بهم في قوله: { أية : ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل } تفسير : [الكهف: 54]، أي ما منع المشركين من الإيمان بالله ورسوله. وجعلوا المراد بالهدى عين المراد بالقرآن، وحملوا سنة الأولين على معنى سنة الله في الأولين، أي الأمم المكذبين الماضين، أي فإضافة {سنة} إلى {الأولين} مِثل إضافة المصدر إلى مفعوله، وهي عادة الله فيهم، أي يعذبهم عذاب الاستيصال. وجعلوا إسناد المنع من الإيمان إلى إتيان سنة الأولين، بتقدير مضاف، أي انتظار أن تأتيهم سنة الله في الأولين، أي ويكون الكلام تهكماً وتعريضاً بالتهديد بحلول العذاب بالمشركين، أي لا يؤمنون إلا عند نزول عذاب الاستيصال، أي على معنى قوله تعالى: { أية : فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا } تفسير : [يونس: 102]. وجعلوا قوله: {أو يأتيهم العذاب قبلاً} قسيماً لقوله: {إلا أن تأتيهم سنة الأولين}، فحرف (أو) للتقسيم، وفعل {يأتيهم} منصوب بالعطف على فعل {أن تأتيهم سنة الأولين} بالاستيصال المفاجىء أو يأتيهم العذاب مواجهاً لهم. وجعلوا {قِبلاً} حالاً من {العذاب}، أي مقابلاً. قال الكلبي: وهو عذاب السيف يوم بدر. ولعله يريد أنه عذاب مقابلةٍ وجهاً لوجه، أي عذاب الجلاد بالسيوف. ومعناه: أن المُشركين منهم من ذاق عذاب السيف في غزوات المسلمين، ومنهم من مات فهو يرى عذاب الآخرة. وعلى هذا التفسير الذي سلكوه ينسلخ من الآية معنى التذييل، وتُقصر على معنى التهديد. والإتيان: مجاز في الحصول في المستقبل، لوجود (أن) المصدرية التي تخلص المضارع للاستقبال، وهو استقبال نسبي فلكل أمة استقبال سنة من قبلها. والسنة: العادة المألوفة في حال من الأحوال. وإسناد منعهم الإيمان إلى إتيان سنة الأولين أو إتيان العذاب إسناد مجاز عقلي. والمراد: ما منعهم إلا سبب إتيان سنة الأولين لهم أو إتيان العذاب. وسبب ذلك هو التكبر والمكابرة والتمسك بالضلال، أي أنه لا يوجد مانع يمنعهم الإيمان يخولهم المعذرة به ولكنهم جروا على سنن من قبلهم من الضلال. وهذا كناية عن انتفاء إيمانهم إلى أن يحل بهم أحد العذابين. وفي هذه الكناية تهديد وإنذار وتحذير وحث على المبادرة بالاستغفار من الكفر. وهو في معنى قوله تعالى: { أية : إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } تفسير : [يونس: 96، 97]. و{قِبَلاً} حال من العذاب. وهو ــــ بكسر القاف وفتح الباء ــــ في قراءة الجمهور بمعنى المقابل الظاهر. وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف {قبلاً} ــــ بضمتين ــــ وهو جمع قبيل، أي يأتيهم العذاب أنواعاً.
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم، وكلاهما تدل على مقتضاه آيات من كتاب الله تعالى، وأحد الوجهين أظهر عندي من الآخر. الأول منهما - أن معنى الآية: وما منع الناس من الإيمان والاستغفار إذ جاءتهم الرسل بالبينات الواضحات، إلا ما سبق في علمنا: من أنهم لا يؤمنون، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين أي سنتنا في إهلاكهم بالعذاب المستأصل. أو يأتيهم العذاب قبلاً. والظاهر أن "أو" في هذه الآية مانعة خلو، فهي تجوز الجمع لإمكان إهلاكهم بالعذاب المستأصل في الدنيا كسنة الله في الأوبين من الكفار، وإتيان العذاب إياهم يوم القيامة قبلاً. وعلى هذا القول فالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جداً، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 96-97]، وقوله: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101]، وقوله تعالى: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [النحل: 37]، وكقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [المائدة:41]. والآيات في مثل هذا المعنى كثيرة. القول الثاني - أن في الآية الكريمة مضافاً محذوفاً، تقديره: وما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلبهم أن تأتيهم سنة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبلاً. والآيات الدالة على طلبهم الهلاك والعذاب عناداً وتعنتاً كثيرة جداً، كقوله عن قوم شعيب: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [الشعراء: 187]، وكقوله عن قوم هود: {أية : قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [الأحقاف: 22]، وكقوله عن قوم صالح: {أية : وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [الأعراف: 77] وكقوله عن قوم لوط: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [العنكبوت: 29] وكقوله عن قوم نوح: {أية : قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [هود: 32]. فهذه الآيات وأمثالها في القرآن - ذكر الله فيها شيئاً من سنة الأولين: أنهم يطلبون تعجيل العذاب عناداً وتعنتاً. وبين تعالى أنه أهلك جميعهم بعذاب مستأصل، كإهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم لوط بجعل عالي قراهم سافلها. وإرسال حجارة السجيل عليهم، كما هو مفصل في الآيات القرآنية. وبين في آيات كثيرة: أن كفار هذه الأمة كمشركي قريش سألوا العذاب كما سأله من قبلهم، كقوله: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الأنفال: 32]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [ص: 16] وأصل القط، كتاب الملك الذي فيه الجائزة، وصار يطلق على النصيب: فمعنى {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} أي نصيبنا المقدر لنا من العذاب الذي تزعم وقوعه بنا إن لم نصدقك ونؤمن بك، كالنصيب الذي يقدره الملك في القط الذي هو كتاب الجائزة، ومنه قول الأعشى: شعر : ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق تفسير : وقوله "يأفق" أي يفضل بعضاً على بعض في العطاء. والآيات بمثل ذلك كثيرة. والقول الأول أظهر عندي، لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر. والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين قوله تعالى هنا: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} [الكهف:55] الآية وبين قوله تعالى:{أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94] بما حاصله باختصار: أن المانع المذكور في سورة "الإسراء" مانع عادي يجوز تخلفه، لأن استغرابهم بعث رسول من البشر مانع عادي يجوز تخلفه لإمكان أن يستغرب الكافر بعث رسول من البشر ثم يؤمن به مع ذلك الاستغراب. فالحصر في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} حصر في المانع العادي. وأما الحصر في قوله هنا {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} فهو حصر في المانع الحقيقي، لأن إرادته جل وعلا عدم إيمانهم، وحكمه عليهم بذلك، وقضاءه به مانع حقيقي من وقوع غيره. وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} قرأه الكوفيون: وهم عاصم وحمزة والكسائي "قبلاً" بضم القاف والباء. وقرأه الأربعة الباقون من السبعة: وهم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر "قبلاً" بكسر القاف وفتح الباء. أما على قراءة الكوفيين فقوله "قبلاً" بضمتين جمع قبيل. والفعيل إذا كان اسماً يجمع على فعل كسرير وسرر، وطريق وطرق، وحصير وحصر، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله: شعر : وفعل لاسم رباعي بمد قد زيد قبل لام اعلالاً فقد تفسير : ما لم يضاعف في الأعم ذو الألف..إلخ. وعلى هذا، فمعنى الآية {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} أي أنواعا مختلفة، يتلو بعضها بعضاً. وعلى قراءة من قرأوا "قبلاً" كعنب، فمعناه عياناً، أي أو يأتيهم العذاب عياناً. وقال مجاهد رحمه الله "قبلاً" أي فجأة. والتحقيق: أن معناه عياناً وأصله من المقابلة، لأن المتقابلين يعاين كل واحد منهما الآخر. وذكر أبو عبيد: أن معنى القراءتين واحد، وأن معناهما عياناً، وأصله من المقابلة. وانتصاب "قبلاً" على الحال على كلتا القراءتين. وهو على القولين المذكورين في معنى "قبلاً" إن قدرنا أنه بمعنى عياناً، فهو مصدر منكر حال كما قدمنا مراراً. وعلى أنه جمع قبيل: فهو اسم جامد مؤول بمشتق، لأنه في تأويل: أو يأتيهم العذاب في حال كونه أنواعاً وضروباً مختلفة. والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها في قوله { أن يؤمنوا} في محل نصب. لأنه مفعول "منع" الثاني، والمنسبك من "أّنْ" وصلتها في قوله {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} في محل رفع، لأنه فاعل "منع" لأن الاستثناء مفرغ، وما قبل "إلا" عامل فيما بعدها، فصار التقدير: منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين، على حد قوله في الخلاصة: شعر : وإن يفرغ سابق إلا لما بعد يكن كما لو إلا عدما تفسير : والاستغفار في قوله {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ} هو طلب المغفرة منه جل وعلا لجميع الذنوب السالفة بالإنابة إليه، والندم على ما فات، والعزم المصمم على عدم العود إلى الذنب.
د. أسعد حومد
تفسير : (55) - وَمَا مَنَعَ هؤُلاَءِ الكَافِرِينَ مِنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ، وَكُتُبِهِ، حِينَ جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ، وَعَلِمُوا صِحَّةَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَمَّا فَرَطَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، إِلاَّ تَعَنُّتهُمْ وَعِنَادُهُمْ، الذِي جَعَلَ بَعْضَهُمْ يَطْلُبُ مُشَاهَدَةَ العَذَابِ الَّذِي أَوْعَدَهُمْ بِهِ اللهُ، فَقَالُوا: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. تفسير : وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الآخَرُ يَطْلُبُ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ العَذَابِ وَالبَلاءِ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضاً، وَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَهُمْ يُشَاهِدُونَ ذلِكَ، وَيَرَوْنَهُ عِيَاناً، أَوْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ اللهِ فِي الأَوَّلِينَ، وَهِيَ الهَلاَكُ المُسْتَأَصِلُ، الذِي أَتَى الأَوَّلِينَ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لوطٍ. سُنَّةُ الأَوَّلِينَ - عَذَابُ الاسْتِئْصَالِ إِذا لَمْ يُؤْمِنُوا. قُبُلاً - أَنْوَاعاً وَأَلْواناً، أَوْ عِيَاناً وَمُقَابَلَةً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما الذي منعهم أن يؤمنوا بعد أن أنزل عليهم القرآن، وصرّفنا فيه من الآيات والأمثال، وبعد أن جاءهم مطابقاً لكل الأحوال؟ وفي آية أخرى، أوضح الحق سبحانه سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً * وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ ..}تفسير : [الإسراء: 89-93]. فكُلُّ هذه التعنّتات وهذا العناد هو الذي حال بينهم وبين الإيمان بالله، والحق سبحانه وتعالى حينما يأتي بآية طلبها القوم، ثم لم يؤمنوا بها يُهلكهم؛ لذلك قال بعدها: {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ..} [الكهف: 55] فهذه هي الآية التي تنتظرهم: أن تأتيهم سُنَّة الله في إهلاك مَنْ كذَّب الرسل. فقبل الإسلام، كانت السماء هي التي تتدخل لنُصْرة العقيدة، فكانت تدكُّ عليهم قُراهم ومساكنهم، فالرسول عليه الدعوة والبلاغ، ولم يكن من مهمته دعوة الناس إلى الحرب والجهاد في سبيل نَشْر دعوته، إلا أمة محمد فقد أَمِنها على أن تحمل السيف لتُؤدِّب الخارجين عن طاعة الله. وقوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ ..} [الكهف: 55] أي: على ما فات من المهاترات والتعنُّتات والاستكبار على قبول الحق {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ ..} [الكهف: 55] أي: بهلاك المكذبين {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً ..} [الكهف: 55] أي مُقابِلاً لهم، وعياناً أمامهم، أو {قُبُلاً} جمع قبيل، وهي ألوان متعددة من العذاب، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ ..}تفسير : [الطور: 47] أي: لهم عذاب غير النار، فألوان العذاب لهم متعددة. ثم يُسلِّي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا يأبه لعمل الكفار، ولا يهلك نفسه أَسَفاً على إعراضهم، فيقول سبحانه: {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ قُبُلاً} معناه مُقابَلَةٌ. وقُبُلاً يعني أَولاً. وقبلةٌ معناه مُعاينةٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ما منع الناس من الإيمان، والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق، بين الهدى والضلال، والحق والباطل، قد وصل إليهم، وقامت عليهم حجة الله، فلم يمنعهم عدم البيان، بل منعهم الظلم والعدوان، عن الإيمان، فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله، وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا، عوجلوا بالعذاب، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم، ورأوه مقابلة ومعاينة، أي: فليخافوا من ذلك، وليتوبوا من كفرهم، قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):