Verse. 2197 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِاٰيٰتِ رَبِّہٖ فَاَعْرَضَ عَنْہَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدٰہُ۝۰ۭ اِنَّا جَعَلْنَا عَلٰي قُلُوْبِہِمْ اَكِنَّۃً اَنْ يَّفْقَہُوْہُ وَفِيْۗ اٰذَانِہِمْ وَقْرًا۝۰ۭ وَاِنْ تَدْعُہُمْ اِلَى الْہُدٰى فَلَنْ يَّہْتَدُوْۗا اِذًا اَبَدًا۝۵۷
Waman athlamu mimman thukkira biayati rabbihi faaAArada AAanha wanasiya ma qaddamat yadahu inna jaAAalna AAala quloobihim akinnatan an yafqahoohu wafee athanihim waqran wain tadAAuhum ila alhuda falan yahtadoo ithan abadan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه» ما عمل من الكفر والمعاصي «إنا جعلنا على قلوبهم أكنَّة» أغطية «أن يفقهوه» أي من أن يفهموا القرآن أي فلا يفهمونه «وفي آذانهم وقرا» ثقلاً فلا يسمعونه «وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا» أي بالجعل المذكور «أبدا».

57

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات الموجبة للخزي والخذلان. الصفة الأولى: قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ } أي لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات والبينات فيعرض عنها وينسى ما قدمت يداه أي مع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم. الصفة الثانية: (قوله): {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يفقهوه } وقد مر تفسير هذه الآية على الاستقصاء في سورة الأنعام، والعجب أن قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } متمسك القدرية، وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ } إلى آخر الآية متمسك الجبرية وقلما نجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر، والتجربة تكشف عن صدق قولنا. وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين ثم قال تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } الغفور البليغ المغفرة وهو إشارة إلى دفع المضار ذو الرحمة الموصوف بالرحمة، وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة، لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالى قد ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادراً عليها، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ترك ما لا نهاية له ممكن، أما فعل ما لا نهاية له فمحال ويمكن أن يقال: المراد أنه يغفر كثيراً لأنه ذو الرحمة ولا حاجة به إليها فيهبها من المحتاجين كثيراً ثم استشهد بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلاً من غير إمهال مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهو إما يوم القيامة، وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح (وقوله): {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } (أي) منجى ولا ملجأ، يقال وأل إذا لجأ، ووأل إليه إذا لجأ إليه، ثم قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } يريد قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار إليها ليعتبروا، وتلك مبتدأ، والقرى صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأصناف الأجناس وأهلكناهم خبر والمعنى، وتلك أصحاب القرى أهلكناهم لما ظلموا مثل ظلم أهل مكة: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } أي وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمهلك الإهلاك أو وقته، وقرىء لمهلكهم بفتح الميم واللام مفتوحة أو مكسورة، أي لهلاكهم أو وقت هلاكهم، والموعد وقت أو مصدر، والمراد إنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً ليكونوا إلى التوبة أقرب.

البيضاوي

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ } بالقرآن. {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} فلم يتدبرها ولم يتذكر بها. {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتهما. {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} تعليل لإِعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم. {أَن يَفْقَهُوهُ} كراهة أن يفقهوه، وتذكير الضمير وإفراده للمعنى. {وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه. {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً} تحقيقاً ولا تقليداً لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون وإذا كما عرفت جزاء وجواب للرسول صلى الله عليه وسلم على تقدير قوله ما لي لا أدعوهم، فإن حرصه صلى الله عليه وسلم على إسلامهم يدل عليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها؟ أي: تناساها، وأعرض عنها، ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالاً، {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي: من الأعمال السيئة، والأفعال القبيحة، {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي: قلوب هؤلاء {أَكِنَّةً} أي: أغطية وغشاوة {أَن يَفْقَهُوهُ} أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان {وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً} أي: صمماً معنوياً عن الرشاد {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً}. وقوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي: ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} كما قال: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45] وقال: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الرعد: 6] والآيات في هذا كثيرة شتى، ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم، فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل. وقوله: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَـٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} أي: الأمم السالفة والقرون الخالية، أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم، {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذري.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِئَايَِٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } ما عمل من الكفر والمعاصي {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية {أَن يَفْقَهُوهُ } أي أن يفهموا القرآن أي فلا يفهمونه {وَفي ءَاذَانِهِم وَقْراً} ثقلاً، فلا يسمعونه {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً } أي بالجعل المذكور {أَبَدًا }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وربُّكَ الغفور} يعني للذنوب وهذا يختص به أهل الإيمان دون الكفرة. {ذو الرّحمة...} فيها أربعة أوجه: أحدها: ذو العفو. الثاني: ذو الثواب، وهو على هذين الوجهين مختص بأهل الإيمان دون الكفرة. الثالث: ذو النعمة. الرابع: ذو الهدى، وهو على هذين الوجهين يعم أهل الإيمان وأهل الكفر لأنه ينعم في الدنيا على الكافر كإنعامه على المؤمن، وقد أوضح هذه للكافر كما أوضحه للمؤمن، وإن اهتدى به المؤمن دون الكافر. {بل لهم موعدٌ} فيه وجهان: أحدهما: أجل مقدر يؤخرون إليه. الثاني: جزاء واجب يحاسبون عليه. {لن يجدوا مِن دونه مَوْئلاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: ملجأ، قاله ابن عباس وابن زيد. الثاني: محرزاً، قاله مجاهد. الثالث: ولياً، قاله قتادة. الرابع: منجى، قاله أبو عبيدة. قال والعرب تقول: لا وألَت نفسه، أي لا نجت، ومنه قول الشاعر: شعر : لا وألت نفسك خلّيْتها للعامريّين ولم تُكْلَمِ تفسير : أحدهما: أهلكناهم بالعذاب لما ظلموا بالكفر. الثاني: أهلكناهم بأن وكلناهم إلى سوء تدبيرهم لما ظلموا بترك الشكر. {وجعلنا لمهلكهم مَوْعِداً} فيه وجهان: أحدهما: أجلا يؤخرون إليه، قاله مجاهد. الثاني: وقتاً يهلكون فيه. وقرىء بضم الميم وفتحها، فهي بالضم من أُهلك وبالفتح من هَلَك.

النسفي

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ } بالقرآن ولذلك رجع الضمير إليها مذكراً في قوله أن {يفقهوه} {فَأَعْرَضَ عَنْهَا } فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } عاقبة ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي غير متفكر فيها ولا ناظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية جمع كنان وهو الغطاء {أن يفقهوهُ وفي ءاذانهم وَقراً} ثقلاً عن استماع الحق وجمع بعد الإفراد حملاً على لفظ من ومعناه {وَإِن تَدْعُهُمْ } يا محمد {إِلَى ٱلْهُدَى } إلى الإيمان {فَلَنْ يَهْتَدُواْ } فلا يكون منهم اهتداء ألبتة {إِذَا } جزاء وجواب فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول على تقدير قوله مالي لا أدعوهم حرصاً على إسلامهم؟ فقيل {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً} {أَبَدًا } مدة التكليف كلها. {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ } البليغ المغفرة {ذُو ٱلرَّحْمَةِ } الموصوف بالرحمة {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } أي ومن رحمته ترك مؤاخذته أهل مكة عاجلاً مع فرط عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهم يوم بدر {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منجى ولا ملجأ يقال: وآل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه {وَتِلْكَ } مبتدأ {ٱلْقُرَىٰ } صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس والخبر {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } أو {تلك القرى} نصب بإضمار «أهلكنا» على شريطة التفسير، والمعنى وتلك أصحاب القرى أهلكناهم والمراد قوم نوح وعاد وثمود {لَمَّا ظَلَمُواْ } مثل ظلم أهل مكة {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته. وبفتح الميم وكسر اللام: حفص، وبفتحهما: أبو بكر أي لوقت هلاكهم أو لهلاكهم والموعد وقت أو مصدر.

البقاعي

تفسير : ولما حكي عنهم هذا الجدال، والاستهزاء والضلال، وصفهم بما يموجب الخزي فقال - عاطفاً على ما تقديره: فكانوا بذلك أظلم الظالمين: {ومن أظلم} منهم - استفهاماً على سبيل التقرير، ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب للإنكار على من شك في أنهم أظلم. فقال تعالى: {ممن ذكر} أي من أيّ مذكر كان {بأيات} أي علامات {ربه} المحسن إليه بها؛ قال الأصبهاني: وهذا من أفصح التقرير أن يوقف الرجل على ما لا جواب فيه إلا الذي يريد خصمه. ولما كان التذكير سبباً للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى: {فأعرض عنها} تاركاً لما يعرف من تلك العلامات العجيبة وما يوجبه ذلك الإحسان من الشكر {ونسي ما قدمت يداه} من الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر فيما ينفعه - أن الحكمة تقتضي جزاءه عليه، وأفرد الضمير في جميع هذا على لفظ { من} إشارة إلى أن من فعل مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا، والأحسن أن يقال: إنهم لما كانوا قد سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشير إليه عند { أية : ويسألونك عن الروح} تفسير : [ الإسراء: 85] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة على صدقه، فلم يؤثر ذلك فيهم، واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب، شرح حالهم بالتعقيب بالفاء، فكان المعنى: من أظلم منهم، لأنهم ذكروا فأعرضوا ونسوا ما اعتقدوا أنه دليل الصدق، وأنه لا جدال بعده، وسيأتي لموقع الفاء في آخر السجدة مزيد بيان، وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده إليهم حقيقة مما لهم من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة بما له من الخلق. ولما كان كأنه قيل: ما لهم فعلوا ذلك؟ أيجهل قبح هذا أحد؟ قيل: {إنا جعلنا} بما لنا من القدرة على إعماء البصائر والأبصار {على قلوبهم} فجمع رجوعاً إلى أسلوب { واتخذوا ءاياتي } لأنه أنص على ذم كل واحد {أكنة} أي أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا يدع شيئاً من الحيز يصل إليها، فهي لا تعي شيئاً من آياتنا، ودل بتذكير الضمير على أن المراد بالآيات القرآن فقال تعالى: {أن} أي كراهة أن {يفقهوه} أي يفهموه {وفي ءاذانهم وقراً} أي ثقلاً فهم لا يسمعون حق السمع، ولا يعون حق الوعي {وإن تدعهم} أي تكرر دعاءهم كل وقت {إلى الهدى} لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد {فلن يهتدوا} أي كلهم بسبب دعائك {إذاً} أي إذا دعوتهم {أبداً *} لأن من له العظمة التامة - وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليها بالضلال، أي أنه لا يكون الدعاء وحده هادياً لأكثرهم، بل لا بد معه من السيف كما سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم، وقد يكون المراد أن من كان هكذا معانداً على هذا الوجه مؤبد الشقاء، وقد نفى آخر هذه الآية الفعل عن العباد وأثبته لهم أولها، وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها أخرى تثبته لله وتنفيه عنهم، ابتلاء من الله لعباده ليتميز الراسخ - الذي ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف، ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش الذي يقول بالجبر أو التفويض. ولما كان هذا مقتضياً لأخذهم، عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة قولَه تعالى: {وربك} مشيراً بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من الإحسان بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من أوصافه فقال: {الغفور} أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما بالحلم عنها إلى وقت {ذو الرحمة} أي الذي يعامل - وهو قادر - مع موجبات الغضب معاملة الراحم بالإكرام؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى: {لو يؤاخذهم} أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك، وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو يعاملهم معاملة المؤاخذ {بما كسبوا} حين كسبهم {لعجل لهم العذاب} واحداً بعد واحد، ولكنه لا يعجل لهم ذلك {بل لهم موعد} يحله بهم فيه، ودل على أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالاً على كمال قدرته: {لن يجدوا من دونه} أي الموعد {موئلاً *} أي ملجأ ينجيهم منه، فإذا جاء موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [الآية: 57]. قال ابن عطاء: من أجهل ممن تبين له الحق فلم يقبله. وقال بعضهم: أحق الناس تسمية بالظلم من يرى الآيات ولا يعتبر بها، ويرى طرق الخير فيعرض عنها، ويرى مواقع الشر فيتبعها ولا يجتنب منها.

القشيري

تفسير : لا أحدَ أظلمُ مِمَّنْ ذُكرِّ ووُعِظَ بما لوَّح له من الآيات، وبما شاهده وعرفه من أمرٍ أُصْلِحَ أو شُغْلٍ كُفِيَ أو دعاءٍ أُجِيب له، أو سوءِ أدبٍ حصل منه، فأُدِّبَ بما يكون تنبيهاً له، أو حصلت منه طاعة وكوفئ في العاجل إمَّا بمعنى وَجَدَه في قلبه من بَسْطٍ أو حلاوةٍ أو أُنْسِ، وإما بكفاية شُغْلٍ أو إصلاح أمرٍ... ثم إذا استقبله أمرٌ نَسِيَ ما عُومل به، أو أعرض عن تَذَكُّرِه، ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يداه من خيره وشرِّه، فوجدَ في الوقت موجبه.. ومَنْ كانت هذه صِفَتُه جعل على قلبه ستراً وغفلة وقسوة حتى تنقطع عنه بركاتُ ما وُهِبَه. ويقال مَنْ أظلم ممن يستقبله أمرٌ مجازاةً لما أسلفه من تَرْكِ أَرَبِه فَيَتَّهِمُ رَبَّه، ويشكو مِما يلاقيه، وَيْنسَى حُرْمة الذي بسببه أصابه ما أصابه؟ وكما قيل: شعر : وعاجزُ الرأيِ مِضياعٌ لِفُرصته حتى إذا فاتَ أمرٌ عَاتَبَ القَدَرَا

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن اظلم} استفهام على سبيل التوبيخ اى من اشد ظلما {ممن ذكر بآيات ربه} اى وعظ بالقرآن الكريم {فاعرض عنها} لم يتدبرها ولم يتفكرها {ونسى ما قدمت يداه} ولما كان الانسان يباشر اكثر اعماله بيديه غلب الاعمال باليدين على الاعمال التى تباشر بغيرهما حتى قيل فى عمل القلب هو مما عملت يداك وحتى قيل لمن لا يدين له يداك. قال بعضهم احق الناس تسمية بالظلم من يرى الآيات فلا يعتبر بها ويرى طريق الخير فيعرض عنها ويرى مواقع الشر فيتبعها ولا يجتنب عنها {انا جعلنا} اعمالهم كما فى تفسير الشيخ {على قلوبهم اكنة} اغطية جمع كنان وهو تعليل لاعراضهم ونسيانهم بانهم مطبوع على قلوبهم {ان يفقهوه} كراهة ان يقفوا على كنه الآيات وتوحيد الضمير باعتبار القرآن {و} جعلنا {فى آذانهم وقرا} ثقلا وصمما يمنعهم عن استماعه. وفيه اشارة الى ان اهل اللغو والهذيان لا يصيخون الى القرآن: قال الكمال الخجندى قدس سره شعر : دل ازشنيدن قرآن بكير درهمه وقت جوباطلان زكلام حقت ملولى جيست تفسير : {وان تدعهم الى الهدى} اى الى طريق الفلاح وهو دين الاسلام {فلن يهتدوا اذا أبدا} اى فلن يكون منهم اهتداء البتة مدة التكليف كلها لانه محال منهم. قال الكاشفى [مراد جمع اند از كفار مكة كه علم حق بعدم ايمان ايشان متعلق بود] وان جواب عن سؤال النبى صلى الله عليه وسلم وجزاء للشرط اما كونه جوابا فلان قوله {انا جعلنا على قلوبهم اكنة} فى معنى لا تدعهم الى الهدى ثم نزل حرصه عليه السلام على اسلامهم منزلة قوله مالى لا ادعوهم فاجيب بقوله {وان تدعهم} الآية واما كونه جزاء فلانه على انتفاء الاهتداء لدعوة الرسول على معنى انهم جعلوا ما هو سبب لوجود الاهتدآء سببا لانتفائه بالاعراض عن دعوته.

الجنابذي

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ} من الانبياء والاولياء (ع) وكتبهم السّماوية ومواعظهم الوافية وسائر الآيات الآفاقيّة والانفسيّة، والمقصود ههنا الانبياء والاولياء (ع) فانّهم الآيات العظمى واسباب ظهور سائر الآيات من حيث انّها آيات {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} لعدم الاقبال على الانبياء (ع) وعدم قبول مواعظهم والعناد معهم وعدم التّدبّر لسائر الآيات وعدم التّنبّه بها {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من المساوى فانّ التّوجّه الى الانبياء والاولياء (ع) سبب ظهور المساوى وهو سبب كلّ خير كما ورد: اذا اراد الله بعبدٍ خيراً بصّره عيوب نفسه واعماه عن عيوب غيره، واذا اراد الله بعبدٍ شرّاً بصّره عيوب غيره وأعماه عن عيوب نفسه، والاعراض عنهم سبب للغفلة عن سائر الآيات ونسيان المساوى عن نفسه وظهور مساوى غيره {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} استاراً، تعليلٌ للاعراض عن الآيات وتسلية له (ص) لانّه كان يتحسّر على اعراضهم وعدم قبولهم، او جوابٌ للسّؤال عن حالهم وعمّا ادّى اليه اعراضهم {أَن يَفْقَهُوهُ} كراهة ان يفقهوه او لان لا يفقهوه بحذف اللاّم ولا النّافية، وتذكير الضّمير وافراده باعتبار القرآن الّذى هو مصداق الآيات ومظهرها ومُظهرها، ويحتمل ان يكون قوله: انّا جعلنا، جواباً عن السّؤال عن علّة عدم التّدبّر فى القرآن الّذى به يهتدى الى سائر الآيات ويتنبّه لها كأنّه قيل: لم لا يتدبّرون القرآن حتّى يتذكّروا بسائر الآيات ويُقبلوا عليها؟ - فقال: انّا جعلنا على قلوبهم اكّنة ان يفقهوا القرآن، ويحتمل ان يكون كلاماً منقطعاً عن سابقه من قبيل المخاطبات التى تكون بين الاحباب بحيث لا يطّلع عليها رقيب ويكون جواباً عن تحيّره فى عدم قبولهم قوله (ص) فى علىّ (ع) وولايته كأنّه قال: مالك تتحيّر فى عدم قبولهم قولك فى ولاية علىٍّ (ع) انّا جعلنا، او مالك تتحسّر على اعراضهم عن علىٍّ (ع) انّا جعلنا، ولمّا كان طريق النّجاح منحصراً فى التّحقيق والتّفقّه الّذى هو شأن القلب والتّقليد من صادقٍ والتّسليم الّذى يحصل بالسّماع والانقياد للمسموع كما اشار اليهما بقوله: {أية : لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق:37] قال تعالى كراهة ان يفقهوه تحقيقاً {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} يمنعهم عن السّماع والتّقليد كراهة ان يسمعوه ويقبلوه تقليداً {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} كالنّتيجة للسّابق يعنىاذا كان على قلوبهم اكنّة وفى آذانهم وقر، فان تدعهم الى الهدى {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} لانحصار طريق الهداية فى التّحقيق والتّقليد وهم ممنوعون من كليهما.

الأعقم

تفسير : {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} هذا استفهام والمراد التقرير، يعني ليس أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه، قيل: بالقرآن، وقيل: سائر حجج الله فأعرض عنها {ونسي ما قدمت يداه} من الذنوب {إنا جعلنا على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه} أغطية، وقوله: أن يفقهوه: يعلموه {وفي آذانهم وقرا} وهذا على وجه التشبيه أي أعرضوا عن الدين إعراض من جعل على قلبه أكنَّة وكان في أذنيه وقرا، وقيل: المراد بالأكنة والوقر الختم، علامة يجعلها على قلب الكافر لتميزه الملائكة {وان تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذاً أبداً} أي لا يقبلون الحق {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم} يعاقبهم {بما كسبوا} من الذنوب {لعجّل لهم العذاب} في الدنيا {بل لهم موعد} وهو القيامة إذا بعثوا {لن يجدوا من دونه موئلاً} يعني ملجأ، وقيل: منجا، ومتى قيل: وما معنى قوله: {وربك الغفور ذو الرحمة}؟ قالوا: غفوراً لذنب التائب، ذو الرحمة للمصرّ يمهل ولا يعاجل، وقيل: غفور يستر عليهم، ذو الرحمة منعم عليهم بالنعم، وقيل: غفور لا يؤاخذهم عاجلاً وبالرحمة يؤخرهم ليتوبوا ويقبل توبتهم {وتلك القرى} إشارة إلى القرى التي تنزل بهم العذاب {أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً} أي أجلاً وميقاتاً، والأجل: الوقت الذي وعدوا فيه بالإِهلاك، أي كما جعلنا لأولئك موعداً أأخذناهم اليه للمصلحة التي علمنا كذلك هؤلاء، ثم ذكر قصة موسى (عليه السلام) فقال سبحانه: {وإذ قال موسى لفتاه}، قيل: عبده، وقيل: يوشع بن نون لأنه كان يحدثه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ منه العلم {لا أبرح حتى أبلغ} يعني لا أبرح أسير {حتى أبلغ مجمع البحرين} وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر، (عليهما السلام) وهو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق، أو أسر زماناً طويلاً، والحقب: ثمانون سنة، تدل الآية على أن موسى (عليه السلام) سافر لمرض واختلفوا في سنّه، روي أنه لما ظهر موسى (عليه السلام) على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكرهم الله وقال: إنه اصطفا نبيكم وكلّمه، فقالوا له: قد علمنا ذلك فأي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه حيث لم يردّ العلم إلى الله فأوحى إليه بل أعلم منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخضر (عليه السلام)، وروي أن موسى سأل ربه: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى وترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه، قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فاخبرني، فذهبا يمشيان حتى بلغا البحر فرقد موسى فاضطرب الحوت فوقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة فإذا رجل متسجي بثوبه فسلم عليه، وقيل: رآه على طنفسة خضراء فسلم عليه، فقال: وعليك السلام يا نبي بني اسرائيل، فقال له موسى: وما أدراك أني نبي، قال: من ذلك عليَّ، وقيل: وصل إليه وهو يصلي فلما صلاَّ تحدثا، فقال: يا موسى أنا على علم علّمْنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم لا أعلمه أنا، فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع فنقر في الماء، فقال الخضر: ما نقص علمي وعلمك مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر، وقيل: كانت سمكة مملوحة، وقيل: أن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل فنزلا على عين تسمى عين الحياة، فلما نام موسى أصاب السمكة روح الماء وبرده فعاشت، وروي أنهما أكلا منها، وروي أن يوشع توضأ من تلك العين فانفض الماء على الحوت فعاش، قيل: تركاه، وقيل: نسياه من النسيان، ومتى قيل: كيف نسياه والحوت مع يوشع؟ قالوا: كما يقال نسي القوم زادهم، وإنما نسي واحد، ويقال: نسي يوشع حمل الحوت، ونسي موسى أن يذكره {فاتخذ سبيله في البحر سرباً} أي مسلكاً يذهب فيه، قيل: قاما عند الصخرة فاضطرب السمك وخرجت من المكتل وسقطت في البحر، فلما استيقظ موسى من نومه نسي صاحبه أن يخبره به.

اطفيش

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ} الاستفهام إنكارى أى لا أظلم لنفسه. {مِمَّنْ ذُكِّرَ} وعظ. {بِآيَاتِ رَبِّهِ} القرآن {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} لم يتذكر بها فلم يؤمن. {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من الكفر والمعاصى ولم يتفكر فى عاقبتهما وفى أن المحسن والمسئ لا بد لهما من جزاء والنسيان نسيان ترك وعدم مبالاة لا زوال عن الحافظة لأنهم يتذكرون كثيرا مما عملوا ويحفظون كثيرا إلا أن يشبه عدم المبالاة به بنسيانه. وأسند التقديم لليدين لأن أكثر الأعمال فى الجملة باليدين فأسند التقديم إليها ولو فيما هو فعل قلب أو حاسة أو جارحة أخرى. {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةَ} جمع كنان أى غطاء جمع قلة بوزن أفعلة أصلهُ أكننة نقلت كسرة النون الأولى للكاف وأدغمت النون فى النون والمراد الكثرة وليس جبرا على المعصية وعن أن يفقهوا القرآن سبحان الله وتعالى بل خذلان لسوء اختيارهم لأنفسهم كما يقول: {أية : وطبع على قلوبهم} تفسير : أى خذلوا. والجملة مستأنفة لتعليل قوله: أعرض وقوله: نسى وضمير الجماعة فى قوله على قلوبهم وما بعده عائدة إلى مَن نظراً لمعناها من عدد الأفراد لا نظراً للفظها. {أَنْ يَفْقَهُوهُ} أى عن أن يفقهوه أو من أن يفقهوه لتضمن أكنة معنى موانع أُولئك أن يفقهوه فحذفت لام التعليل ولا النافية وفيه تكلف. وأولى منه أن يجعل مفعولا لأجله على حذف مضاف أى كراهة أن يفقهوه ومعنى يفقهوه يعلموه والهاء عائدة إلى آيات ربه وذكرت وأفردت لأنها بمعنى القرآن. {وَفِى آذَانِهِمْ وَقْراً} صمما يمنعهم أن يستمعوه حق استماع وهو الاستماع الموصول للقلب المترتب عليه العمل بمقتضى المسموع وفى آذانهم معطوف على قوله: على قلوبهم ووقراً معطوف على أكنة عطف معمولين على معمولى عامل. {وَإِنْ تَدْعُهُمْ} يا محمد {إِلَى الْهُدَى} الحق والقرآن والوحى. {فَلَنْ يَهْتَدُوا} أى لن يطاوعوكم فيما دعوتموهم إليه لجعل الأكنة على قلوبهم والوقر فى آذانهم. {إذًا} جواب لدعائه صلى الله عليه وسلم إياهم وجزاء له على تقدير قوله: ما لى لا أدعوهم فإن حرصه على إيمانهم يدل عليه. {أَبداً} تحقيقاً لا تقليداً لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون لجعل الأكنة والوقر المذكورين وذلك فى أقوام علم الله أنهم لا يؤمنون.

اطفيش

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} القرآن أو جنس الآيات، قال بعضهم: العاصى ظالم لنفسه ولغيره، ضال مضل، ولو كانت المعصية فى نفسه، لأنه يجسِّر الناس على المعاصى. {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} لم يتفكر فيها احتقاراً لها، فلم يتذكر بها، والمراد هؤلاء المعاندون المعهودون، أو أعلم أو من علم الله تعالى أنه يموت بلا إِيمان. {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} من المعاصى مطلقا لا أظلم منه، لأنه ظلم نفسه، والنبى صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وأعان على كل كفر وإشراك، وكل معصية. {إِنَّا جَعَلْنَا} وضعنا {عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} جمع كِنان أى أثبتنا على قلوبهم أغطية باختيارهم لا بإجبار، لأنهم قادرون على التوحيد والإسلام، والجملة تعليل للإعراض والنسيان {أَنْ يَفْقَهُوهُ} أى عن أن يفقهوه، أو كراهة أن يفقهوه، أو لئلا يفقهوه أفرد ضمير الآيات أنها بمعنى القرآن، أو عاد الضمير إليه لظهور المراد، وجمع ضمير من نظر إلى معناها، بعد أن أفرد نظراً إلى لفظها وكذا ضمائر الجمع بعد. ويجوز جعل قوله: {إنا جعلنا} إلخ على نسق قوله: "أية : ويجادل الذين كفروا" تفسير : [الكهف: 56] إلخ لا على قوله {ومن أظلم} إلخ فلا يكون قوله: {إنا جعلنا} تعليلا للإعراض والنسيان، بل هذا أَولى، لأن قوله: {ومن أظلم} إلى قوله: {يداه} سيق معترضًا للتوبيخ. {وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا} ثقل سمع شبه عدم انتفاعهم بما يسمعون بعدم السمع لجامع عدم تولد شئ، وقوله: {آذانهم} عطف على قوله: {على قلوبهم} وقوله: {وقرأ} عطف على قوله: {أكنة}، ولو اختلف الحرفان على وفى، ويجوز جعل فى بمعنى على. {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى} إِلى الاهتداء أو إلى ما به الاهتداء {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} إِدراكا للحجة، وعملا بها، ولا تقليداً، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصًا علىإيمانهم كما قال الله جل وعلا: "أية : فلعلك باخع نفسك على آثارهم"تفسير : [الكهف: 6] إلخ وكأنه قال: لا أترك دعاءهم إِلى الإسلام، ولو جعل على قلوبهم أَكِنَّة، وفى آذانهم وقرا، ومن شأنى الدعاء فلا أتركه ما لم ينْهَن الله عز وجل، فأجابه الله عز وجل بقوله: {وإن تدعهم إلى الهدى} إلخ من غير منع عن الدعاء، فإِذَا حرف جواب وجزاء، فإن الجواب اشتمل على الشرط الذى هو سبب، فكان ما بعد إذًا جزاء مسببًا عنه.

الالوسي

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايِـٰتِ رَبّهِ} الأكثرون على أن المراد بها القرآن العظيم لمكان {أَن يَفْقَهُوهُ} فالإضافة للعهد. وجوز أن يراد بها جنس الآيات ويدخل القرآن العظيم دخولاً أولياً. والاستفهام إنكاري في قوة النفي، وحقق غير واحد أن المراد نفي أن يساوي أحد في الظلم من وعظ بآيات الله تعالى {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} فلم يتدبرها ولم يتعظ بها، ودلالة ما ذكر على هذا بطريق الكناية وبناء الأظلمية على ما في حيز الصلة من الإعراض للإشعار بأن ظلم من يجادل في الآيات ويتخذها هزواً خارج عن الحد {وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي عمله من الكفر والمعاصي التي من جملتها المجادلة بالباطل والاستهزاء بالحق. ونسيان ذلك كناية عن عدم التفكر في عواقبه. والمراد {مِمَّنْ} عند الأكثرين مشركو مكة. وجوز أن يكون المراد منه المتصف بما في حيز الصلة كائناً من كان ويدخل فيه مشركو مكة دخولاً أولياً. والضمير في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} لهم على الوجهين، ووجه الجمع ظاهر. والجملة استئناف بياني كأنه قيل ما علة الإعراض والنسيان؟ فقيل علته أنا جعلنا على قلوبهم {أَكِنَّةً} أي أغطية جمع كنان. والتنوين على ما يشير إليه كلام البعض للتكثير {أَن يَفْقَهُوهُ} الضمير المنصوب عند الأكثرين للآيات، وتذكيره وإفراده باعتبار المعنى المراد منها وهو القرآن. وجوز أن يكون للقرآن لا باعتبار أنه المراد من الآيات وفي الكلام حذف والتقدير كراهة أن يفقهوه، وقيل لئلا يفقهوه أي فقهاً نافعاً {وَفِى ءاذَانِهِمْ} أي وجعلنا فيها {وَقْراً} ثقلاً أن يسمعوه سماعاً كذلك. {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً} أي مدة التكليف كلها، و {إِذن} جزاء وجواب كما حقق المراد منه في موضعه فتدل على نفي اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سبباً في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول عليه الصلاة والسلام على تقدير قوله صلى الله عليه وسلم مالي لا أدعوهم حرصاً على اهتدائهم وإن ذكر له صلى الله عليه وسلم من أمرهم ما ذكر رجاء أن تنكشف تلك الأكنة وتمزق بيد الدعوة فقيل / وإن تدعهم الخ قاله الزمخشري. وفي «الكشف» في بيان ذلك أما الدلالة فصريح تخلل {إِذن} يدل على ذلك لأن المعنى إذن لو دعوت وهو من التعكيس بلا تعسف، وأما إنه جواب على الوجه المذكور فمعناه أنه صلى الله عليه وسلم نزل منزلة السائل مبالغة في عدم الاهتداء المرتب على كونهم مطبوعاً على قلوبهم فلا ينافي ما آثروه من أنه على تقدير سؤال لم لم يهتدوا؟ فإن السؤال على هذا الوجه أوقع اهـ، وهو كلام نفيس به ينكشف الغطا ويؤمن من تقليد الخطا ويستغني به المتأمل عما قيل: إن تقدير مالي لا أدعوهم يقتضي المنع من دعوتهم فكأنه أخذ من مثل قوله تعالى: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} تفسير : [النجم: 29] وقيل أخذ من قوله تعالى: {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} وقيل من قوله سبحانه: {إن تَدْعُهُمْ} هذا ولا يخفى عليك المراد من الهدى وقد يراد منه القرآن فيكون من إقامة الظاهر مقام الضمير، ولعل إرادة ذلك هنا ترجح إرادة القرآن في الهدى السابق، والله تعالى أعلم. والآية في أناس علم الله تعالى موافاتهم على الكفر من مشركي مكة حين نزولها فلا ينافي الأخبار بالطبع وأنهم لا يؤمنون تحقيقاً ولا تقليداً إيمان بعض المشركين بعد النزول، واحتمال أن المراد جميع المشركين على معنى وإن تدعهم إلى الهدى جميعاً فلن يهتدوا جميعاً وإنما يهتدي بعضهم كما ترى. واستدلت الجبرية بهذه الآية على مذهبهم والقدرية بالآية التي قبلها، قال الإمام: وقل ما تجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين إلا ومعها آية للفريق الآخر وما ذاك إلا امتحان شديد من الله تعالى ألقاه الله تعالى على عباده ليتميز العلماء الراسخون من المقلدين.

ابن عاشور

تفسير : لما بين حالهم من مجادلة الرسل لسوء نية، ومن استهزائهم بالإنذار، وعَرّض بحماقتهم أتبع ذلك بأنه أشد الظلم. ذلك لأنه ظلم المرء نفسه وهو أعجب الظلم، فالذين ذُكِروا ما هم في غفلة عنه تذكيراً بواسطة آيات الله فأعرضوا عن التأمل فيها مع أنها تنذرهم بسوء العاقبة. وشأن العاقل إذا سمع مثل ذلك أن يتأهب للتأمل وأخذ الحذر، كما حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش «إذا أخبرتكم أن العدو مصبحكم غداً أكنتم مُصدِّقي؟ فقالوا: ما جربنا عليك كذباً» فقال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» تفسير : . و(مَنْ) المجرورةُ موصولة. وهي غير خاصة بشخص معين بقرينة قوله: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة}. والمراد بها المشركون من العرب الذين ذكروا بالقرآن فأعرضوا عنه. وعطف إعراضهم عن الذكر على التذكير بفاء التعقيب إشارة إلى أنهم سارعوا بالإعراض ولم يتركوا لأنفسهم مهلة النظر والتأمل. ومعنى نِسيان ما قدمتْ يداه أنه لم يَعرض حاله وأعماله على النظر والفكر ليعلم: أهي صالحة لا تخشى عواقبها أم هي سيئة من شأنها أن لا يسلم مقترفها من مؤاخذة، والصلاحُ بَيّنٌ والفساد بينٌ، ولذلك سمي الأول معروفاً والثاني منكَراً، ولا سيما بعد أن جاءتهم الذكرى على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فهم بمجموع الحالَين أشد الناس ظلماً، ولو تفكروا قليلاً لعلموا أنهم غير مفلَتين من لقاء جزاء أعمالهم. فــــ(مَن) استفهام مستعمل في الإنكار، أي لا أحد أظلم من هؤلاء المتحدث عنهم. والنسيان: مستعمل في التغاضي عن العمل. وحقيقة النسيان تقدم عند قوله تعالى: { أية : ما ننسخ من آية أو ننسها } تفسير : في سورة البقرة (106). ومعنى {ما قدمت يداه} ما أسلفه من الأعمال. وأكثر ما يستعمل مثل هذا التركيب في القرآن في العمل السيء، فصار جارياً مَجرى المثل، قال تعالى: {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد}، وقال: {وما أصابكم من مصيبة فبما قدمت أيديكم}. والآية مصوغة بصيغة العموم، والمقصود الأول: منها مشركو أهل مكة. وجملة {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} مستأنفة بيانية نشأت على جملة {ونسي ما قدمت يداه}، أي إن لم تعلم سبب نسيانه ما قدمت يداه فأعلم أنا جعلنا على قلوبهم أكنة. وهو يفيد معنى التعليل بالمآل، وليس موقع الجملة موقع الجملة التعليلية. والقلوب مرادُ بها: مَدارك العلم. والأكنة: جمع كِنان، وهو الغِطاء، لأنه يُكن الشيء، أي يَحجبه. و{أن يفقهوه} مجرور بحرف محذوف، أي مِنْ أن يفقهوه، لتضمين {أكنة} معنى الحائل أو المانع. والوقر: ثقل السمع المانع من وصول الصوت إلى الصماخ. والضمير المفرد في {يفقهوه} عائد إلى القرآن المفهوم من المقام والمعبر عنه بالآيات. وجملة {وإن تدعهم إلى الهدى} عطف على جملة {إنا جعلنا على قلوبهم}، وهي متفرعة عليها، ولكنها لم تعطف بالفاء لأن المقصود جعل ذلك في الإخبار المستقل. وأكد نفي اهتدائهم بحرف توكيد النفي وهو (لن)، وبلفظ (أبدا) المؤكد لمعنى (لن)، وبحرف الجزاء المفيد تسبب الجواب على الشرط. وإنما حصل معنى الجزاء باعتبار تفرع جملة الشرط على جملة الاستئناف البياني، أي ذلك مسبب على فطر قلوبهم على عدم قبول الحق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}. الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد أظلم. أي أكثر ظلماً لنفسه ممن ذكر. أي وعظ بآيات ربه، وهي هذا القرآن العظيم "فأعرض عنها" أي تولى وصد عنها. وإنما قلنا: إن المراد بالآيات هذا القرآن العظيم لقرينة تذكير الضمير العائد إلى الآيات في قوله {أن يفقهوه}، أي القرآن المعبر عنه بالآيات. ويحتمل شمول الآيات للقرآن وغيره، ويكون الضمير في قوله {أن يفقهوه} أي ما ذكر من الآيات، كقول رؤبة: شعر : فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق تفسير : ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: {أية : قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ}تفسير : [البقرة: 68] أي ذلك الذي ذكر من الفارض والبكر. ونظيره من كلام العرب قول ابن الزبعري: شعر : إن للخير وللشر مدى وكلا ذلك وجه وقبل تفسير : أي كلا ذلك المذكور من خير وشر. وقد قدمنا إيضاح هذا. وقوله {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي من المعاصي والكفر، مع أن الله لم ينسه بل هو محصيه عليه ومجازيه، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوۤاْ أَحْصَاهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [المجادلة: 6]، وقال تعالى: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم: 64]، وقال تعالى: {أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى}تفسير : [طه: 52]. وقال بعض العلماء في قوله {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي تركه عمداً ولم يتب منه. وبه صدر القرطبي رحمه الله تعالى. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الإعراض عن التذكرة بآيات الله من أعظم الظلم، قد زاد عليه في مواضع أخر بيان أشياء من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة الناشئة من الإعراض عن التذكرة. فمن نتائجه السيئة: ما ذكره هنا من أن صاحبه من أعظم الناس ظلماً. ومن نتائجه السيئة جعل الأكنة على القلوب حتى لا تفقه الحق، وعدم الاهتداء أبداً كما قال هنا مبيناً بعض ما ينشأ عنه من العواقب السيئة: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} [الكهف: 57] ومنها انتقام الله جل وعلا من المعرض عن التذكرة، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}تفسير : [السجدة: 22]. ومنها كون المعرض كالحمار، كما قال تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ}تفسير : [المدثر: 49-50] الآية. ومنها الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، كما قال تعالى: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}تفسير : [فصلت: 13] الآية. ومنها المعيشة الضنك والعمى، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [طه: 124]. ومنها سلكه العذاب الصعد، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً}تفسير : [الجن: 17] ومنها تقبيض القرناء من الشياطين، كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}تفسير : [الزخرف: 36] إلى غير ذلك من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة، الناشئة عن الإعراض عن التذكير بآيات الله جل وعلا. وقد أمر تعالى في موضع آخر بالإعراض عن المتولي عن ذكره، القاصر نظره على الحياة الدنيا. وبين أن ذلك هو مبلغه من العلم، فلا علم عنده بما ينفعه في معاده، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [النجم: 29-30]. وقد نهى جل وعلا عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر الغافل عنه في قوله: {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}تفسير : [الكهف: 28] كما تقدم إيضاحه. وقوله في هذه الآية: {ما قدمت يداه} أي ما قدم من أعمال الكفر. ونسبة التقديم إلى خصوص اليد لأن اليد أكثر مزاولة للأعمال من غيرها من الأعضاء، فنسبت الأعمال إليها على عادة العرب في كلامهم، وإن كانت الأعمال التي قدمها منها ما ليس باليد كالكفر باللسان والقلب، وغير ذلك من الأعمال التي لا تزاول باليد كالزنى. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ} الآية، وقوله {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}تفسير : [الأنعام: 21] ونحو ذلك من الآيات. وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان: أحدهما - أن كل من قال الله فيه: ومن أظلم ممن فعل كذا، لا أحد أظلم من واحد منهم. وإذاً فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضاً، فلا إشكال في كون كل واحد منهم لا أحد أظلم منه. والثاني - أن صلة الموصول تعين كل واحد في محله. وعليه فالمعنى في قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا}. لا أحد أظلم ممن ذكر فأعرض أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها. وفي قوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}تفسير : [الأنعام: 21]، لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً، وهكذا. والأول أولى. لأنه جار على ظاهر القرآن ولا إشكال فيه. وممن اختاره أبو حيان في البحر. قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن آيات الله إذا ذكروا بها - أكنة أي أغطية تغطي قلوبهم فتمنعها من إدراك ما ينفعهم مما ذكروا به. وواحد الأكنة كنان، وهو الغطاء. وأنه جعل في آذانهم وقراً، أي ثقلاً يمنعها من سماع ما ينفعهم من الآيات التي ذكروا بها. وهذا المعنى أوضحه الله تعالى في آيات أخر. كقوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}تفسير : [البقرة: 7]، وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية: 23] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً}تفسير : [الإسراء: 45-46]، وقوله: {أية : أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}تفسير : [محمد: 23]، وقوله: {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}تفسير : [هود: 20]. والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. فإن قيل: إذا كانوا لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ولا يفقهون، لأن الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم. والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم فهم مجبورون. فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟! فالجواب - أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم: أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة، ونحو ذلك - إنما جعلها عليهم جزاء وفاقاً لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك، جزاء على كفرهم، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}تفسير : [النساء: 155] أي بسبب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم. وقوله: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}تفسير : [الصف: 5] وهو دليل أيضاً واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق. وقوله: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}تفسير : [المنافقون: 3] وقوله تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}تفسير : [البقرة: 10] الآية، وقوله: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [الأنعام: 110]، وقوله تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك. وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم. وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضاً عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا: وهو أن يقول: قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله عند التذكير بها، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب، لأن "إن" من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، كقولك: اقطعه إنه سارق، وعاقبه إنه ظالم، فالمعنى: اقطعه لعلة سرقته، وعاقبه لعلة ظلمه. وكذلك قوله تعالى: {فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [الكهف: 57] أي أعرض عنها لعلة جعل الأكنة على قلوبهم. لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع، وتارة بالختم، وتارة بالأكنة، ونحو ذلك - سببه الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه. وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان: الأول - أن يقال: ما مفسر الضمير في قوله: {أن يفقهوه} وقد قدمنا أنه الآيات في قوله {ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ} بتضمين الآيات معنى القرآن. فقوله {أن يفقهوه} أي القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريباً. السؤال الثاني - أن يقال: ما وجه إفراد الضمير في قوله {ذكر} وقوله: {أعرض عنها} وقوله {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد، وهو الاسم الموصول في قوله: {مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ} الآية. والجواب - هو أن الإفراد باعتبار لفظ "من" والجمع باعتبار معناها، وهو كثير في القرآن العظيم. والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقاً. خلافاً لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح. والدليل على صحة قوله تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً}تفسير : [الطلاق: 11] فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ "من" أولاً فأفرد الضمير في قوله {يؤمن} وقوله "ويعمل" وقوله "يُدْخِلْهُ" وراعى المعنى في قوله: {خالدين} فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله: {قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزْقاً} وقوله: {أن يفقهوه} فيه وفي كل من يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعماء التفسير: أحدهما - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها. وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. والثاني - أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ}تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا. وقوله: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَالَةٍ}تفسير : [الحجرات: 6] أي لئلا تصيبوا، أو كراهة أن تصيبوا، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم. وقوله تعالى: {أن يفقهوه} أي يفهموه. فالفقه: الفهم، ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}تفسير : [النساء: 78] أي يفهمونه، وقوله تعالى {أية : قَالُواْ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ}تفسير : [هود: 91] أي ما نفهمه. والوقر: الثقل. وقال الجوهري في صحاحه: الوقر - بالفتح، الثقل في الأذن. والوقر - بالكسر: الحمل، يقال جاء يحمل وقره، وأوقر بعيره وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغال والحمال اهـ وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن، قال في ثقل الأذن: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} وقال في الحمل: {أية : فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً}تفسير : [الذاريات: 2]. قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} الآية. بين في هذه الآية الكريمة: أن الذين جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبداً، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى. وهذا المعنى الذي اشار له هنا من أن من اشقاهم الله لا ينفع فيهم التذكير جاء مبيناً في مواضع أخر، كقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 96-97]، وقوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [الشعراء: 200-201]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }تفسير : [يونس: 100]، وقوله تعالى: {أية : إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}تفسير : [النحل: 37]. وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء. أحدهما - أنها في الذين سبق لهم في علم الله أنهم أشقياء، عياذاً بالله تعالى. والثاني - أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر. فإن هداهم الله إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع، والأول أظهر والعلم عند الله تعالى. والفاء في قوله: {فلن يهتدوا} لأن الفعل الذي بعد "لن" لا يصلح أن يكون شرطاَ لـ "إن" ونحوها. والجزاء إذا لم يكن صالحاً "لأن" يكون شرطاً لـ "إن" ونحوها - لزم اقترانه بالفاء. كما عقده في الخلاصة بقوله: شعر : واقرن بفاحتما جواباً لو جعل شرطاً لأن أو غيرها لم ينجعل تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة "إذا" جزاء وجواب. فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سبباً للاهتداء سبباً لانتفائه. لأن المعنى: فلن يهتدوا إذا دعوتهم - ذكر هذا المعنى الزمخشري، وتبعه أبو حيان في البحر. وهذا المعنى قد غلطا فيه، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم. وإيضاح ذلك - أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله: {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} شرط وجزاء، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه. ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله: {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ} مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله: {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ} المشار إليه أيضاً بقوله "إذاً" فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط. لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط، بل هي شرطية اتفاقية، والشرطية الاتفاقيه لا ارتباط أصلاً بين طرفيها، فليس أحدهما سبباً في الآخر، ولا ملزوماً ولا لازماً له، كما لو قلت: إن كان الإنسان ناطقاً فالفرس صاهل - فلا ربط بين الطرفين، لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور، كقولك: لو لم يخف الله لم يعصه، لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط، بل هو شيء آخر غير مذكور، وهو تعظيم الله جل وعلا، ومحبته المانعة من معصيته. وكذلك قوله هنا: {فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} سببه الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله "وإن تدعهم" كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما. بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلاً. ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 154] لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية. وكذلك قوله تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ}تفسير : [الكهف: 109] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي: شعر : مقدم الشرطية المتصلة مهما تكن صحبة ذاك التال له لموجب قد اقتضاها كسبب فهي اللزومية ثم إن ذهب موجب الاصطحاب ذا بينهما فالاتفاقية عند العلما تفسير : ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك: كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، لظهور التلازم بين الطرفين، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين، كقولك: كلما كان الشيء إنساناً كان حيواناً، إذا لا يصدق عكسه. فلو قلت: كلما كان الشيء حيواناً كان إنساناً لم يصدق، لأن اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية. ومثالها: كما كان الإنسان ناطقاً كان الحمار ناهقاً. وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية، والشرطية الاتفاقية - ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى "لو" لأنهم أرادوا أن يجمعوا في المعنى بين قولك: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجوداً. وبين قولك: لو لم يخف الله لم يعصه، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول، لأنها شرطية لزومية، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية. ولا شك أن من أراد أن يجمع بين المفترقين ارتبك، والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {ومن أظلم ممن ذكّر} وُعظ {بآيات ربه فأعرض عنها} فتهاون بها {ونسي ما قدَّمت يداه} ما سلف من ذنوبه، وباقي الآية سبق تفسيره. وقوله: {بل لهم موعد} يعني: البعث والحساب {لن يجدوا من دونه مَوْئِلاً} ملجأ. {وتلك القرى} يريد: القرى التي أهلكها بالعذاب {أهلكناهم} أهلكنا أهلها {لما ظلموا} أشركوا وكذَّبوا الرُّسل {وجعلنا لمهلكهم} لإِهلاكهم {موعداً}. {وإذ قال موسى} واذكر إذ قال موسى، لما في قصَّته من العبرة {لفتاه} يوشع بن نون: {لا أبرح} لا أزال أسير {حتى أبلغ مجمع البحرين} حيث يلتقي بحر الروم وبحر فارس {أو أمضي} إلى أن أمضي {حقباً} دهراً طويلاَ، وذلك أنَّ رجلاً أتى إلى موسى عليه السَّلام، فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال: لا، فأوحى الله تعالى إليه: بلى عبدنا خضر، فسأل موسى عليه السَّلام السبيل إلى لُقيِّه، فجعل الله تعالى له الحوت آيةً، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنَّك ستلقاه، فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصَّخرة التي عند مجمع البحرين، فقال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع في البحر، فقال فتاه: إذا جاء نبيُّ الله حدَّثته، فأنساه الشَّيطان.

القطان

تفسير : اكنة: أغطية، واحدها كنان. ان يفقهوه: ان يفهموه. وقرا: ثقلاً. موئلا: ملجأ، يقال وَأَلَ يَئِل وَأْلاً وَوُؤلاً: لجأ. ليس هناك أظلمُ ممن وُعظ بآيات الله فلم يتدبّرها، ونسي عاقبةَ ما عمل من المعاصي، وبسبب مَيْلِهم الى الكفر جعلْنا على قلوبهم أغطية، فلا تعقِل، وفي آذانهم صَمماً فلا تسمع، وإن تدْعُهم ايها الرسول الى دين الله الحق فلن يهتدوا ابدا. ثم بين الله تعالى انه لا يعجِّل العقوبة لعباده على ما يقترفون من السيئات والآثام، لعلّهم يرجعون اليه ويتوبون فقال: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ... }. إن ربك ايها الرسول عظيمُ المغفرة لذنوب عباده، فهو يرحمهم ويتجاوز عن خطاياهم. ولو شاء ان يؤاخذَهم على أعمالهم السيئة لعجَّل لهم العذاب، لكنّه لحكمة قدّرها إنما أخّرهم لموعدٍ ليس لهم عنه مهرب ولا ملجأ. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً}. وتلك القرى من عاد وثمود واصحاب الأيكة وغيرهم دمرناهم لما ظلم اهلها بتكذيب رسلهم، وجعلنا لهلاكهم موعدا، وكذلك نفعل بالمكذبين من قومك اذا لم يؤمنوا. قراءات: قرأ حفص: لمهلكهم: بفتح الميم وبكسر اللام والكاف. وقرأ ابو بكر: لمهلكهم: بفتح الميم واللام: والباقون: لمهلكهم: بضم الميم وكسر اللام.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَٰتِ} {آذَانِهِمْ} (57) - وَلاَ أَحَدَ مِنْ خَلْقِ اللهِ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ وُعِظَ بِآيَاتِ اللهِ، وَدُلَّ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الهُدَى وَالرَّشَادِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَدَبَّرْها، وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهَا، وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِي عَوَاقِبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَالكُفْرِ، وَالمَعَاصِي (نَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ)، فَلَمْ يُنِبْ إِلَى اللهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ تَائِباً مُسْتَغْفِراً. وَقَدْ كَانَ إِعْرَاضُ الكَافِرِينَ عَمَّا ذَكِّرُوا بِهِ لأَنَّ اللهَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةً وَأَغْلِفَةً لِكَيْلاَ يَفْقَهُوا مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ (أَكْنَّةً) وَلأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَثِقَلاً لِكَيْلا يَسْمَعُوهُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ دَعْوَتَكَ إِيَّاهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلى الهُدَى وَالإِيمَانِ بِاللهِ وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِهِ، لَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِمْ، وَلَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهَا أَبَداً. أَكِنَّةً - أَغْطِيَةً كَثِيرَةً مَانِعَةً. وَقْراً - صَمَماً ثَقِيلاً فِي السَّمْعِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ ..} [الكهف: 57] جاء الخبر على صورة الاستفهام لتأكيد الكلام، كأنْ يدَّعي صاحبك أنك لم تصِلْه، ولم تصنع معه معروفاً، فمن الممكن أن تقول له: صنعتُ معك كذا وكذا على سبيل الخبر منك، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب. إنما لو عرضْتَ المسألة على سبيل الاستفهام فقُلْتَ له: ألم أصنع معك كذا؟ فسوف تجتذب منه الإقرار بذلك، وتقيم عليه الحجة من كلامه هو، وأنت لا تستفهم عن شيء من خَصْم إلا وأنت واثق أن جوابه لا يكون إلا بما تحب. وهكذا أخرج الحق سبحانه الخبر إلى الاستفهام: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ ..} [الكهف: 57]؟ وترك لنا الجواب لنقول نحن: لا أحدَ أظلمُ ممَّنْ فعل ذلك، والإقرار سيد الأدلة. وقوله {فَأَعْرَضَ عَنْهَا ..} [الكهف: 57] تركها {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ..} [الكهف: 57] نسى السيئات، وكان من الواجب أن يتنبه إلى هذه الآيات فيؤمن بها، لعل الله يتوب عليه بإيمانه، فيُبدِّل سيئاته حسنات. ثم يقول تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ..} [الكهف: 57]. أكنة: أغطية جمع كِنّ، فجعل الله على قلوبهم أغطية، فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر، وليس هذا اضطهاداً منه تعالى لعباده، تعالى الله عن ذلك، بل استجابة لما طلبوا وتلبية لما أحبُّوا، فلما أحبُّوا الكفر وانشرحتْ به صدورهم زادهم منه؛ لأنه رَبٌّ يعطي عبده ما يريد. كما قال عنهم في آية أخرى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}تفسير : [البقرة: 10]. وقال تعالى في هذا المعنى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ..}تفسير : [البقرة: 7]. ومعنى: {أَن يَفْقَهُوهُ ..} [الكهف: 57] أي: يفهموه، يفهموا آيات الله؛ لأنهم سبق أنْ ذُكِّرُوا بها فأعرضوا عنها، فحرَمهم الله فقهها وفهمها. وقوله تعالى: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً ..} [الكهف: 57] أي: صمم فلا يسمعون {وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} [الكهف: 57] وهذا أمر طبيعي، بعد أن ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم، وسَدَّ عليهم منافذ العلم والهداية؛ لأن الهدى ناشىء من أن تسمع كلمة الحق، فيستقبلها قلبُكَ بالرضا، فتنفعل لها جوارحك بالالتزام، فتسمع بالأذن، وتقبل بالقلب، وتنفعل بالجوارح طاعةً والتزاماً بما أُمِرَتْ به. وما دام في الأذن وَقْر وصَمَمٌ فلن تسمع، وإنْ سمعتْ شيئاً أنكره القلب، والجوارح لا تنفعل إلا بما شُحِن به القلب من عقائد. ويقول الحق سبحانه: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب ورغب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ونسى ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلما من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، وإن كان ظالما، فإنه أخف ظلما من هذا، لكون العاصي على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك، ولكن الله تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه، حالة الشر مع علمه بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعتها، فليس في إمكانها الفقه الذي يصل إلى القلب، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } أي: صمما يمنعهم من وصول الآيات، ومن سماعها على وجه الانتفاع وإذا كانوا بهذه الحالة، فليس لهدايتهم سبيل، { وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى من ليس عالما، وأما هؤلاء، الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق فتركوه، وطريق الضلال فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها، فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه، أن يحال بينهم وبينه، ولا يتمكن منه بعد ذلك، ما هو أعظم مرهب وزاجر عن ذلك. ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن تأخرت عنها مدة طويلة، ولهذا قال: { بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا } أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه، ولهذا قال: { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } أي: بظلمهم، لا بظلم منا { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } أي: وقتا مقدرا، لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون.