١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ } البليغ المغفرة. {ذُو ٱلرَّحْمَةِ } الموصوف بالرحمة. {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } استشهاد على ذلك بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} وهو يوم بدر أو يوم القيامة. {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منجاً ولا ملجأ، يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } يعني قرى عاد وثمود وأضرابهم، {وَتِلْكَ } مبتدأ خبره. {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } أو مفعول مضمر مفسر به، و {ٱلْقُرَىٰ } صفته ولا بد من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضمائر. {لَمَّا ظَلَمُواْ } كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } لإِهلاكهم وقتاً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وقرأ أبو بكر {لِمَهْلِكِهِم } بفتح الميم واللام أي لهلاكهم، وحفص بكسر اللام حملاً على ما شذ من مصادر يفعل كالمرجع والمحيض. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ } مقدر باذكر. {لِفَتَـٰهُ } يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه وقيل لعبده. {لا أَبْرَحُ } أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر وقوله: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه، ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير والفعل وأن يكون {لا أَبْرَحُ } هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر، و {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه. وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن. وقرىء «مِجْمَعَ» بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } أو أسير زماناً طويلاً، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون. روي: أن موسى عليه الصلاة والسلام خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة فأعجب بها فقيل له: هل تعلم أحداً أعلم منك فقال: لا، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى. وقيل إن موسى عليه السلام سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى، قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه، قال أعلم منك الخضر قال: أين أطلبه، قال على الساحل عند الصخرة، قال كيف لي به قال تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان. {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي مجمع البحرين و {بَيْنَهُمَا} ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل. {نَسِيَا حُوتَهُمَا} نسي موسى عليه الصلاة والسلام أن يطلبه ويتعرف حاله، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر. روي: أن موسى عليه السلام رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر. وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء. وقيل نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً} فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً من قوله {أية : وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ }تفسير : [الرعد: 10] وقيل أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ. {فَلَمَّا جَاوَزَا} مجمع البحرين. {قَالَ لِفَتَـٰهُ ءاتِنَا غَدَاءنَا } ما نتغذى به. {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب. وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإِشارة. {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا } أرأيت ما دهاني إذ أوينا. {إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} يعني الصخرة التي رقد عندها موسى. وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت. {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ } فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه. {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ } أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن {أَنْ أَذْكُرَهُ} بدل من الضمير، وقرىء «أن أذكركه». وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان. {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } سبيلاً عجباً وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجباً، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه، أو موسى في جوابه عجباً تعجباً من تلك الحال. وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجباً. {قَالَ ذَلِكَ } أي أمر الحوت. {مَا كُنَّا نَبْغِ} نطلب لأنه أمارة المطلوب. {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا } فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه. {قَصَصًا } يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة. {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } الجمهور على أنه الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان. وقيل اليسع. وقيل إلياس. {ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} هي الوحي والنبوة. {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب. {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ} على شرط أن تعلمني، وهو في موضع الحال من الكاف. {مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } علماً ذا رشد وهو إصابة الخير، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل، وهو مفعول {تُعَلّمني} ومفعول {عَلِمَتِ} العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون رشداً علة لأتبعك أو مصدراً بإضمار فعله، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم } في الدنيا {بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ } فيها {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهو يوم القيامة {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} ملجأ.
ابن عطية
تفسير : لما أخبر تعالى عن القوم الذين حتم بكفرهم، أنهم لا يهتدون أبداً، عقب ذلك بأنه للمؤمنين، {الغفور ذو الرحمة}، ويتحصل للكفار من صفته تعالى بالغفران والرحمة، ترك المعاجلة، ولو أخذوا بحسب ما يستحقونه لبادرهم بالعذاب المبيد لهم، ولكنه تعالى أخرهم إلى موعد لا يجدون عنه منجي، قالت فرقة هو أجل الموت، وقالت فرقة هو عذاب الآخرة، وقال الطبري هو يوم بدر، والحشر و"الموثل" المنجى يقال: وأل الرجل يئل إذا نجا. ومنه قول الشاعر: شعر : لا وألت نفسك خيلتها للعامريين ولم تكلم تفسير : ومنه قول الأعشى: [البسيط] شعر : وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل تفسير : ثم عقب تعالى توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء بمثله، وفي قوله {وتلك القرى} حذف مضاف تقديره {وتلك} أهل {القرى} يدل على ذلك قوله {أهلكناهم} فرد الضمير على أهل القرى، و {القرى}: المدن، وهذه الإشارة إلى عاد وثمود ومدين وغيرهم. {وتلك} ابتداء، و {القرى} صفته، و {أهلكناهم} خبر، ويصح أن يكون {تلك} منصوباً بفعل يدل عليه {أهلكناهم}. وقرأ الجمهور "لَمُهلكهم" بضم الميم وفتح اللام، من أهلك، ومفعل في مثل هذا يكون لزمن الشيء، ولمكانه، ويكون مصدراً فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر "لَمَهلكهم" بفتح الميم واللام وقرأ في رواية حفص "لِمَهلكهم" بفتح الميم وكسر اللام، وهو مصدر من هلك، وهو في مشهور اللغة غير متعد، فالمصدر على هذا مضاف إلى الفاعل، لأنه بمعنى: وجعلنا لأن هلكوا موعداً، وقالت فرقة إن هلك يتعدى، تقول أهلكت الرجل وهلكته بمعنى واحد، وأنشد أبو علي في ذلك: [الرجز] شعر : ومَهْمَهٍ هالك من تعرجا تفسير : فعلى هذا يكون المصدر في كل وجه مضافاً إلى المفعول، وقوله {وإذ قال موسى} الآية ابتداء قصة ليست من الكلام الأول، المعنى: اذكر واتل، و {موسى} هو موسى بن عمران بمقتضى الأحاديث والتواريخ وبظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غير واحد، وهو ابن عمران ولو كان في هذه الآية غيره لبينه، وقالت فرقة منها نوف البكالي أنه ليس موسى بن عمران، وهو موسى بن مشنى، ويقال ابن منسى، وأما "فتاه" فعلى قول من قال موسى بن عمران، فهو يوشع بن نون بن إفراييل بن يوسف بن يعقوب، وأما من قال هو موسى بن مشنى فليس الفتى يوشع بن نون، ولكنه قول غير صحيح، رده ابن عباس وغيره و"الفتي" في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتياناً، قيل للخادم فتى، على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فتاي وفتاتي"تفسير : ، فهذا اندب إلى التواضع، و"الفتى" في الآية هو الخادم، ويوشع بن نون يقال هو ابن أخت موسى عليه السلام، وسبب هذه القصة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى جلس يوماً في مجلس لبني إسرائيل، وخطب فأبلغ، فقيل له هل تعلم أحداً أعلم منك قال لا، فأوحى الله إليه بلى: عبدنا خضر، فقال يا رب دلني على السبيل إلى لقيه، فأوحى الله إليه أن يسير بطول سيف البحر حتى يبلغ {مجمع البحرين} فإذا فقدت الحوت فإنه هنالك، وأمر أن يتزود حوتاً، ويرتقب زواله عنه، ففعل موسى ذلك وقال لفتاه على جهة إمضاء العزيمة {لا أبرح} أسير، أي لا أزال، وإنما قال هذه المقالة وهو سائر، ومن هذا قول الفرزدق: [الطويل] شعر : فما برحوا حتى تهادت نساؤهم ببطحاء ذي قار عياب اللطائم تفسير : وذكر الطبري عن ابن عباس: قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت الحال خطب يوماً، فذكر بآلاء الله وأيامه عند بني إسرائيل، ثم ذكر نحو ما تقدم، وما مر بي قط أن موسى عليه السلام أنزل قومه بمصر إلا في هذا الكلام، وما أراه يصح، بل المتظاهر أن موسى مات بفحص التيه قبل فتح ديار الجبارين، وفي هذه القصة من الفقه الرحلة في طلب العلم، والتواضع للعالم، وقرأ الجمهور "مَجمَع" بفتح الميمين، وقرأ الضحاك "مَجمِع" بكسر الميم الثانية، واختلف الناس في {مجمع البحرين} أين هو؟ فقال مجاهد وقتادة هو مجتمع بحر فارس وبحر الروم. قال القاضي أبو محمد: وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أذربيجان فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بر الشام، هو {مجمع البحرين} هو عند طنجة وهو حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه السائر من دبور إلى صبا. وروي عن أبي بن كعب أنه قال {مجمع البحرين} بإفريقية، وهذا يقرب من الذي قبله، وقال بعض أهل العلم هو بحر الأندلس من البحر المحيط، وهذا كله واحد حكاه النقاش وهذا مما يذكر كثيراً، ويذكر أن القرية التي أبت أن تضيفهما هي الجزيرة الخضراء، وقالت فرقة {مجمع البحرين} يريد بحراً ملحاً وبحراً عذباً، فعلى هذا إنما كان الخضر عند موقع نهر عظيم في البحر، وقالت فرقة البحران إنما هما كناية عن موسى والخضر، لأنهما بحرا علم، وهذا قول ضعيف والأمر بين من الأحاديث أنه إنما رسم له ماء بحر، وقوله {أو أمضي حقباً} معناه أو أمضي على وجهي زماناً، واختلف القراء، فقرأ الحسن والأعمش وعاصم "حقباً" بسكون القاف، وقرأ الجمهور "حقباً" بضمه، وهو تثقيل حقب، وجمع الحقب أحقاب، واختلف في الحقب، فقال عبد الله بن عمرو ثمانون سنة، وقال مجاهد سبعون، وقال الفراء "الحقب" سنة واحدة وقال ابن عباس وقتادة أزمان غير محدودة وقالت فرقة "الحقب" جمع حقبة، وفي السنة كأنه قال أو أمضي سنين.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذُو الرَّحْمَةِ} العفو، أو الثواب، أو النعمة، أو الهدى. {مَّوْعِدٌ} أجل، أو جزاء يحاسبون عليه {مَوْئِلاً} ملجأ، أو محرزاً، أو ولياً أو منجى، لا وألت نفسه: لا نجت.
ابو السعود
تفسير : {وَرَبُّكَ} مبتدأ وقوله تعالى: {ٱلْغَفُورُ} خبرُه وقوله تعالى: {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي الموصوفُ بها، خبرٌ بعد خبرٍ، وإيرادُ المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبـيه على كثرة الذنوب، ولأن المغفرةَ تركُ المضارّ وهو سبحانه قادرٌ على ترك ما لا يتناهى من العذاب، وأما الرحمةُ فهي فعل وإيجادٌ ولا يدخل تحت الوجود إلا ما يتناهى، وتقديمُ الوصف الأولِ لأن التخليةَ قبل التحلية أو لأنه أهمُّ بحسب الحال إذ المقامُ مقامُ بـيانِ العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يُعرب عنه قوله عز وجل: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم} أي لو يريد مؤاخذتهم {بِمَا كَسَبُواْ} من المعاصي التي من جملتها ما حُكي عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضِهم عن آيات ربهم وعدمِ المبالاة بما اجترحوا من المُوبقات {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} لاستيجاب أعمالِهم لذلك، وإيثارُ المؤاخذةِ المنبئة عن شدة الأخذِ بسرعة على التعذيب والعقوبةِ ونحوهما للإيذان بأن النفيَ المستفادَ من مقدَّم الشرطية متعلقٌ بوصف السرعة كما ينبىء عنه تاليها، وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضيّ لإفادة أن انتفاءَ تعجيلِ العذاب لهم بسبب استمرار عدمِ إرادة المؤاخذة فإن المضارعَ الواقعَ موقعَ الماضي يفيد استمرارَ انتفاءِ الفعل فيما مضى كما حُقق في موضعه {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} اسمُ زمان هو يومُ القيامة، والمجلةُ معطوفةٌ على مقدر كأنه قيل: لكنهم ليسوا بمؤاخذين بغتةً {لَّن يَجِدُواْ} البتةَ {مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} منْجى أو ملجأً، يقال: وأل أي نجا ووأل إليه أي لجأ إليه. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} أي قرى عاد وثمودَ وأضرابِها، وهي مبتدأٌ على تقدير المضافِ أي وأهلُ تلك القرى خبرُه قوله تعالى: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ} أو مفعولٌ مضمرٌ مفسر به {لَمَّا ظَلَمُواْ} أي وقت ظلمِهم كما فعلت قريشٌ بما حُكي عنهم من القبائح، وتركُ المفعول إما لتعميم الظلم أو لتنزيله منزلةَ اللازم أي لما فعلوا الظلم، ولمّا إما حرفٌ كما قال ابنُ عصفور، وإما ظرفٌ استعمل للتعليل وليس المرادُ به الوقتَ المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمانٌ ممتدٌ من ابتداء الظلم إلى آخره {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} أي عيّنّا لهلاكهم {مَّوْعِدًا} أي وقتاً معيناً لا محيدَ لهم عن ذلك، وهذا اسشهاد على ما فُعل بقريش من تعيـين الموعد ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب، وقرىء بضم الميم وفتح اللام أي إهلاكهم وبفتحهما. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} نصب بإضمار فعل، أي اذكر وقت قوله عليه السلام {لِفَتَـٰهُ} وهو يوشعُ بن نونٍ بنِ أفرايمَ بنِ يوسفَ عليه السلام، سُمّي فتاه إذ كان يخدُمه ويتبعه، وقيل: كان يتعلم منه ويسمى التلميذُ فتًى وإن كان شيخاً، ولعل المرادَ بتذكيره ـ عَقيب بـيانِ أن لكل أمة موعداً ـ تذكيرُ ما في القصة من موعد الملاقاة مع ما فيها من سائر المنافعِ الجليلة {لا أَبْرَحُ} من برِح الناقصِ كزال يزال، أي لا أزال أسير فحُذف الخبر اعتماداً على قرينة الحالِ إذْ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالاً على ما يعقُبه من قوله: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ} فإن ذلك غايةٌ تستدعي ذا غايةً يؤدّي إليها، ويجوز أن يكون أصلُ الكلام لا يبرَح مسيري حاصلاً حتى أبلُغ فيُحذف المضافُ ويقام المضافُ إليه مُقامَه فينقلب الضمير البارزُ المجرورُ المحلِّ مرفوعاً مستكنًّا، والفعلُ من صيغة الغَيبة إلى التكلم. ويجوز أن يكون من برح التامِّ كزال يزول أي لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} هو ملتقى بحرِ فارسَ والروم مما يلي المشرِق، وقيل: طَنْجَةُ، وقيل: هما الكر والرس بإرْمِيْنِيةَ، وقيل: إِفْرِيقِيَّة، وقرىء بكسر الميم كمشرق {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً} أسير زماناً طويلاً أتيقن معه فواتَ المطلب والحُقب الدهرُ أو ثمانون سنة، وكان منشأُ هذه العزيمة أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بني إسرائيلَ واستقروا بها بعد هلاكِ القِبْط أمره الله عز وجل أن يذكّر قومَه النعمةَ فقام فيهم خطيباً بخطبة بديعةٍ رقت بها القلوبُ وذرَفت العيون، فقالوا له: مَنْ أعلمُ الناس؟ قال: أنا. فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردّ العلم إليه عز وجل فأوحى إليه: « حديث : بل أعلمُ منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخِضْرُ عليه السلام »تفسير : . وكان في أيام أفريذون قبل موسى عليه السلام وكان على مقدّمة ذي القرنين وبقي إلى أيام موسى. وقيل: (إن موسى عليه السلام سأل ربه: أيُّ عبادِك أحبُّ إليك؟ قال: « حديث : الذي يذكرُني ولا ينساني »تفسير : ، قال: فأيُّ عبادك أقضىٰ؟ قال: « حديث : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى »تفسير : ، قال: فأيُّ عبادك أعلمُ؟ قال: « حديث : الذي يبتغي علمَ الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمةً تدله على هدى، أو تردّه عن ردَى »تفسير : ، فقال: إن كان في عبادك من هو أعلمُ مني فدلَّني عليه، قال: « حديث : أعلمُ منك الخِضْرُ »تفسير : ، قال: أين أطلبه؟ قال: « حديث : على ساحل البحر عند الصخرة »تفسير : ، قال: يا رب كيف لي به؟ قال: « حديث : تأخذ حوتاً في مِكْتل فحيثما فقَدته فهو هناك »تفسير : . فأخذ حوتاً فجعله في مِكتل، فقال لفتاه: إذا فقدتَ الحوتَ فأخبرني فذهبا يمشيان).
القشيري
تفسير : {ٱلْغَفُورُ} لأنه ذو الرحمة، ورحمته الأزلية أوجَبَتْ المغفرةَ لهم. ويقال {ٱلْغَفُورُ}: للعاصين من عباده، و {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} بجميعهم فَيُصلح أحوالَ كافتهم. {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ}: لعجَّل لهم العذابَ؛ أي عَامَلَهم بما استوجبوه من عصيانهم، فعجَّلَ لهم العقوبة، لكنه يؤخرها لمقتضى حكمته، ثم في العاقبة يفعل ما يفعل على قضية إرادته وحكمه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وربك} مبتدأ خبره قوله {الغفور} البليغ فى المغفرة وهى صيانة العبد عما استحقه من العقاب للتجاوز عن ذنوبه من الغفر وهو الباس الشئ ما يصونه من الدنس {ذو الرحمة} الموصوف بالرحمة وهى الانعام على الخلق خبر بعد خبر وايراد المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب وان المغفرة ترك المضار وهو سبحانه قادر على ترك ما لا يتناهى من العذاب واما الرحمة فهى فعل وايجاد ولا يدخل تحت الوجود الا ما يتناهى وتقديم الوصف الاول لان التخلية قبل التحلية {لو يؤاخذهم} لو يريد مؤاخذتهم {بما كسبوا} من الذنوب {لعجل لهم العذاب} فى الدنيا من غير امهال لاستيجاب اعمالهم لذلك ولكنه لم يعجل ولم يؤاخذ بغتة {بل لهم موعد} بالفارسية [زمان وعد] فهو اسم زمان والمراد يوم بدر او يوم القيامة فيعذبون فيه و{لن يجدوا} البتة حين مجيئ الموعد {من دونه} من غيره تعالى {موئلا} منجى وملجأ يقال وأل اى نجا ووأل اليه اى لجأ اليه وقيل من دون العذاب. قال سعدى المفتى هو اولى وفيه دلالة على ابلغ وجه على ان لا ملجأ لهم ولا منجى فان من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة انتهى. ويجوز ان يكون المعنى لن يجدوا عند حلول الموعد موئلا بالفارسية [يناهى وكريز كاهى] وهو اللائح والله اعلم.
الجنابذي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} يعنى انّ طبع القلوب ووقر الاذان بسبب عملهم ومن رحمته لا يعجّل لهم العذاب {بَل لَّهُم} اى لعذابهم {مَّوْعِدٌ} يعنى القيامة او حين الموت او يوم بدرٍ كما قيل ان كان الاضراب عمّا يتوهّم من عدم العذاب رأساً، او المعنى بل لمغفرتهم ونزول الرّحمة بهم بحيث يظهر لكلّ احدٍ موعد هو يوم القيامة ان كان الاضراب عمّا يتوهّم من العذاب بعد عدم التّعجيل {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ} من دون الله او من دون الموعد {مَوْئِلاٍ} ملجأً، وهو استيناف او حال او صفة لموعد.
اطفيش
تفسير : {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ} البليغ المغفرة كثيرة وعِظَما. {ذُو الرَّحْمَةِ} المتصف برحمة الدنيا والآخرة. {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ} فى الدنيا. {بِمَا كَسَبُوا} من الذنوب. {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} فى الدنيا ألا ترى يا محمد كيف أصرت قريش على الكفر وعداوة الرسول والقرآن والوحى فلم أعجل لهم العذاب واللام فى لهم بمعنى إلى أو للاستحقاق. {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} وعد أو زمان يوعدون إليه أو مكان يوعدون أن يعذبوا فيه فموعد مصدر أو اسم مكان أو زمان وذلك وعد بدر أو وقته أو بدر أو وعد القيامة أو زمانه أو مكان يحشرون إليه من الموقف وهو النار واللام للاستحقاق ولهم خبر وموعد مبتدأ أى لهم موعد للعذاب أو لعذابهم موعد. {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا} منجىً أى نجاة أو مكان نجاة أو زمانا يقال: وأل بهمزة مفتوحة أى نجا. ويقال: وأل إليه كذلك أى التجأ فكأنه قيل ملجأ أى التجاء أو مكانه أو زمانه والهاء فى من دونه راجعة لموعد. والجملة نعت موعد.
اطفيش
تفسير : {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ} لكل ذنب ما لم يصرّ عليه لا يعاظمه ذنب، وصفة المبالغة لعظم غفرانه وكثرته تقول: زيد ضروب أى ضربه عظيم شديد غليظ، ومن يضر به كثير. {ذُو الرَّحْمَةِ} ذو الإنعام أو منتفى القسوة كالحى بمعنى انتفاء الاتصاف بالموت لا حقيقة الحياة، ولا حقيقة ما يقبل اللين والقسوة، تعالى الله عن ذلك، وقدم الغفران على الرحمة، لأنه تخلية وهى تحلية، وأل فى الرحمة للكمال أو لعهد الرحمة التى وسعت كل شئ، وذو فعل كذا أبلغ من فاعل كذا، لأنه أدل على الرسوخ، كأنه قيل: ذو ماهية كذا فذو الرحمة أبلغ من الغفور. {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا} من الذنوب خصوصا السعى فى الجدال، والإعراض والاقتراح، وإطفاء نور الله جل وعلا، والإفراط فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بما كسبوه أو بأشياء كسبوها، أو بكسبهم، هكذا قل فى نحو الآية، وأغنى عن التكرير. {لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} لكن قضى الله تأخيره ورحمته سبقت غضبه، فأمهل لهم {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ} زمان وعد مستقبل، والوعد سابق فى الأزل ولو حدث كتبه فى اللوح المحفوظ، وذلك الزمان يوم بدر، وليس المراد يوم القيامة كما ذكر إهلاك القرى بوقت فى الدنيا بعد، وقيل: المراد يوم القيامة، وأجيز أن يكون اسم مكان هو جهنم أو أرض بدر. {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً} موضع رجوع يرجعون إِليه قبل مجيئه، أو عند مجيئه، أو زمان ورجوع، أو رجوعاً، والهاء للموعد، وقيل: للعذاب، فلا تكن الجملة حينئذ نعتا لموعد، أو هو أبلغ، لأن من ملجؤه العذاب لا يتصور أن ينجو مع أن نفس ملجئه هو العذاب، وقيل: لله سبحانه وتعالى.
الالوسي
تفسير : {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ} مبتدأ وخبر وقوله تعالى: {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أي صاحبها والموصوف بها خبر بعد خبر. قال الإمام: وإنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار والرحمة إيصال النفع وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول لأنه ترك مضار لا نهاية لها ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال. وتعقبه النيسابوري بأنه فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله تعالى: {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} لا يخلو عن مبالغة وفي القرآن {أية : غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [البقرة: 173] بالمبالغة في الجانبين كثيراً. وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي نظر لأن مقدراته تعالى متناهية لا فرق بين المتروك وغيره اهـ، وقيل عليه إنهم فسروا الغفار بمريد إزالة العقوبة عن مستحقها والرحيم بمريد الإنعام على الخلق وقصد المبالغة من جهة في مقام لا ينافي تركها في آخر لعدم اقتضائه لها، وقد صرحوا بأن مقدوراته تعالى غير متناهية وما دخل منها في الوجود متناه ببرهان التطبيق اهـ، وهو كلام حسن اندفع به ما أورد على الإمام. وزعمت الفلاسفة أن ما دخل في الوجود من المقدورات غير متناه أيضاً ولا يجري فيه برهان التطبيق عندهم لاشتراطهم الاجتماع والترتب. ولعمري لقد قف شعري من ظاهر قول النيسابوري أن مقدوراته تعالى متناهية فإن ظاهره التعجيز تعالى الله سبحانه عما يقوله الظالمون علواً كبيراً ولكن يدفع بالعناية فتدبر. ثم إن تحرير نكتة التفرقة بين الخبرين هٰهنا على ما قاله الخفاجي أن المذكور بعد عدم مؤاخذتهم بما كسبوا من الجرم العظيم وهو مغفرة عظيمة وترك التعجيل رحمة منه تعالى سابقة على غضبه لكنه لم يرد سبحانه إتمام رحمته عليهم وبلوغها الغاية إذ لو أراد جل شأنه ذلك لهداهم وسلمهم من العذاب رأساً، وهذه النكتة لا تتوقف على حديث التناهي وعدم التناهي الذي ذكره الإمام وإن كان صحيحاً في نفسه كما قيل، والاعتراض عليه بأنه يقتضي عدم تناهي المتعلقات في كل ما نسب إليه تعالى بصيغ المبالغة وليس بلازم إذ يمكن أن تعتبر المبالغة في المتناهي بزيادة الكمية وقوة الكيفية ولو سلم ما ذكر لزم عدم صحة صيغ المبالغة في / الأمور الثبوتية كرحيم ورحمن ولا وجه له مدفوع بأن ما ذكره نكتة لوقوع التفرقة بين الأمرين هنا بأنه اعتبرت المبالغة في جانب الترك دون مقابله لأن الترك عدمي يجوز فيه عدم التناهي بخلاف الآخر ألا ترى أن ترك عذابهم دال على ترك جميع أنواع العقوبات في العاجل وإن كانت غير متناهية كذا قيل وفيه نظر. وربما يقال في توجيه ما قاله النيسابوري من أن {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} لا يخلو عن المبالغة إن ذلك إما لاقتران الرحمة بأل فتفيد الرحمة الكاملة أو الرحمة المعهودة التي وسعت كل شيء وإما لذو فإن دلالته على الاتصاف في مثل هذا التركيب فوق دلالة المشتقات عليه ولا يكاد يدل سبحانه على اتصافه تعالى بصفة بهذه الدلالة إلا وتلك الصفة مرادة على الوجه الأبلغ وإلا فما الفائدة في العدول عن المشتق الأخصر الدال على أصل الاتصاف كالراحم مثلاً إلى ذلك، ولا يعكر على هذا أن المبالغة لو كانت مرادة فلم عدل عن الأخصر أيضاً المفيد لها كالرحيم أو الرحمن إلى ما ذكر لجواز أن يقال: إن أريد أن لا تقيد الرحمة المبالغ فيها بكونها في الدنيا أو في الآخرة وهذان الاسمان يفيدان التقييد على المشهور ولذا عدل عنهما إلى {ذُو ٱلرَّحْمَةِ}، وإذا قلت: هما مثله في عدم التقييد قيل: إن دلالته على المبالغة أقوى من دلالتهما عليها بأن يدعى أن تلك الدلالة بواسطة أمرين لا يعدلهما في قوة الدلالة ما يتوسط في دلالة الإسمين الجليلين عليها، وعلى هذا يكون {ذُو ٱلرَّحْمَةِ} أبلغ من كل واحد من الرحمن والرحيم وإن كانا معاً أبلغ منه ولذا جيء بهما في البسملة دونه، ومن أنصف لم يشك في أن قولك فلان ذو العلم أبلغ من قولك فلان عليم بل ومن قولك فلان العليم من حيث إن الأول يفيد أنه صاحب ماهية العلم ومالكها ولا كذلك الأخيران، وحينئذ يكون التفاوت بين الخبرين في الآية بأبلغية الثاني ووجه ذلك ظاهر فإن الرحمة أوسع دائرة من المغفرة كما لا يخفى. والنكتة فيه هٰهنا مزيد إيناسه صلى الله عليه وسلم بعد أن أخبره سبحانه بالطبع على قلوب بعض المرسل إليهم وآيسه من اهتدائهم مع علمه جل شأنه بمزيد حرصه عليه الصلاة والسلام على ذلك؛ وهو السر في إيثار عنوان الربوبية مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم انتهى. وهو كلام واقف في أعراف الرد والقبول في النظر الجليل، ومن دقق علم ما فيه من الأمرين. وإنما قدم الوصف الأول لأن التخلية قبل التحلية أو لأنه أهم بحسب الحال والمقام إذ المقام على ما قاله المحققون مقام بيان تأخير العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يعرب عنه قوله تعالى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم} أي لو يريد مؤاخذتهم {بِمَا كَسَبُواْ} أي فعلوا، وكسب الأشعري لا تفهمه العرب. وما إما مصدرية أي بكسبهم وإما موصولة أي بالذي كسبوه من المعاصي التي من جملتها ما حكى عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضهم عن آيات ربهم وعدم المبالاة بما اجترحوا من الموبقات {لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} لاستيجاب أعمالهم لذلك. قيل وإيثار المؤاخذة المنبئة عن شدة الأخذ بسرعة على التعذيب والعقوبة ونحوهما للإيذان بأن النفي المستفاد من مقدم الشرطية متعلق بوصف السرعة كما ينبى عنه تاليها، وإيثار صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضي لإفادة أن انتفاء تعجيل العذاب لهم بسبب استمرار عدم إرادة المؤاخذة فإن المضارع الواقع موقع الماضي يفيد استمرار [انتفاء] الفعل فيما مضى. {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ} وهو يوم بدر أو يوم القيامة على أن الموعد اسم زمان، وجوز أن يكون اسم مكان والمراد منه جهنم. والجملة معطوفة على مقدر كأنه قيل لكنهم ليسوا مؤاخذين / بغتة بل لهم موعد {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} قال الفراء: أي منجا يقال وألت نفس فلان نجت وعليه قول الأعشى:شعر : وقد أخالس رب الدار غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل تفسير : وقال ابن قتيبة: هو الملجأ يقال: وأل فلان إلى كذا يئل وألاً ووؤولاً إذا لجأ والمعنى واحد والفرق إنما هو بالتعدي بإلى وعدمه، وتفسيره بالملجأ مروي عن ابن عباس، وفسره مجاهد بالمحرز، والضحاك بالمخلص والأمر في ذلك سهل. وهو على ما قاله أبو البقاء: يحتمل أن يكون اسم زمان وأن يكون اسم مكان، والضمير المجرور عائد على الموعد كما هو الظاهر، وقيل: على العذاب وفيه من المبالغة ما فيه لدلالته على أنهم لا خلاص لهم أصلاً فإن من يكون ملجأه العذاب كيف يرى وجه الخلاص والنجاة. وأنت تعلم أن أمر المبالغة موجود في الظاهر أيضاً؛ وقيل: يعود على الله تعالى وهو مخالف للظاهر مع الخلو عن المبالغة. وقرأ الزهري {مولاً} بتشديد الواو من غير همز ولا ياء، وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه {مولاً} بكسر الواو خفيفة من غير همز ولا ياء أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : جرى القرآن على عادته في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكسِ، فلما رماهم بقوارع التهديد والوعيد عطف على ذلك التعريضَ بالتذكير بالمغفرة لعلهم يتفكرون في مرضاته، ثم التذكير بأنه يشمل الخلق برحمته في حين الوعيد فيؤخر ما توعدهم به إلى حد معلوم إمهالاً للناس لعلهم يرجعون عن ضلالهم ويتدبرون فيما هم فيه من نعم الله تعالى فلعلهم يشكرون، موجهاً الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مفتتحاً باستحضار الجلالة بعنوان الربوبية للنبيء صلى الله عليه وسلم إيماءً إلى أن مضمون الخبر تكريم له، كقوله: { أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } تفسير : [الأنفال: 33]. والوجه في نظم الآية أن يكون {الغفور} نعتاً للمبتدأ ويكون {ذو الرحمة} هو الخبر لأنه المناسب للمقام ولما بعده من جملة {لو يؤاخذهم}، فيكون ذكر {الغفور} إدماجاً في خلال المقصود. فخُص بالذكر من أسماء الله تعالى اسم {الغفور} تعريضاً بالترغيب في الاستغفار. والغفور: اسم يتضمن مبالغة الغفران لأنه تعالى واسع المغفرة إذ يغفر لمن لا يُحصَون ويغفر ذنوباً لا تُحصى إن جاءه عبده تائباً مقلعاً منكسراً، على أن إمهاله الكفارَ والعصاةَ هو أيضاً من أثر المغفرة إذ هو مغفرة مؤقتة. وأما قوله: {ذو الرحمة} فهو المقصود تمهيداً لجملة {لو يؤاخذهم بما كسبوا}، فلذلك كانت تلك الجملة بياناً لجملة {وربك الغفور ذو الرحمة} باعتبار الغفور الخبر وهو الوصف الثاني. والمعنى: أنهم فيما كسبوه من الشرك والعناد أحرياء بتعجيل العقوبة لكن الله يمهلهم إلى أمد معلوم مقدر. وفي ذلك التأجيل رحمة بالناس بتمكين بعضهم من مهلة التدارك وإعادة النظر، وفيه استبْقاؤهم على حالهم زمناً. فوصف {ذو الرحمة} يساوي وصف (الرحيم) لأن (ذو) تقتضي رسوخ النسبة بين موصوفها وما تضاف إليه. وإنما عدل عن وصف (الرحيم) إلى {ذو الرحمة} للتنبيه على أنه خبر لا نعت تنبيهاً بطريقة تغيير الأسلوب، فإن اسم (الرحيم) صار شبيهاً بالأسماء الجامدة، لأنه صيغ بصيغة الصفة المشبهة فبعُد عن ملاحظة الاشتقاق فيه واقترب من صنف الصفة الذاتية. و (بل) للإضراب الإبطالي عن مضمون جواب (لو)، أي لم يعجل لهم العذاب إذْ لهم موعد للعذاب متأخرٌ، وهذا تهديد بما يحصل لهم يوم بدر. والموْئل: مَفْعل من وَأَلَ بمعنى لَجَأ، فهو اسم مكان بمعنى الملْجأ. وأكد النفي بــــ (لن) رداً على إنكارهم، إذ هم يحسبون أنهم مفلتون من العذاب حين يرون أنه تأخر مدةً طويلة، أي لأن لا ملجأ لهم من العذاب دون وقت وَعده أو مكان وَعده، فهو مَلجؤهم. وهذا من تأكيد الشيء بما يشبه ضده، أي هم غير مُفلَتِين منه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ}الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غفور، أي كثير المغفرة، وأنه ذو الرحمة يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة، ويرحم الخلائق في الدنيا. وبين في مواضع أخر: أنه هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته جل وعلا إلا الشرك. كقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48]، وقوله: {أية : إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [المائدة: 72]. وبين في موضع آخر: أن رحمته واسعة، وأنه سيكتبها للمتقين. وهو قوله: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ}تفسير : [الأعراف: 156] الآية. وبين في مواضع أخر سعة مغفرته ورحمته: كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ}تفسير : [النجم: 32]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}تفسير : [الزمر: 53]. ونحو ذلك من الآيات. وبين في مواضع أخر أنه مع سعة رحمته ومغفرته: شديد العقاب. كقوله: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الرعد: 6] وقوله: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [غافر: 3]، وقوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}تفسير : [الحجر: 49-50]، إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} الآية. بين في هذه الآية الكريمة: أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب كالكفر والمعاصي لعجل لهم العذاب لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة. فهو يمهل ولا يهمل. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [النحل: 61]، وقوله: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [فاطر: 45] وقد قدمنا هذا في سورة "النحل" مستوفى. قوله تعالى: {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ} الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه وإن لم يعجل لهم العذاب في الحال فليس غافلاً عنهم ولا تاركاً عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعداً يعذبهم فيه، لا يتأخر العذاب عنه ولا يتقدم. وبين هذا في مواضع أخر، كقوله في "النحل": {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [النحل: 61]، وقوله في آخر سورة "فاطر": {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً}تفسير : [فاطر: 45]، وكقوله: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ}تفسير : [إبراهيم: 42]، وكقوله: {أية : وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [العنكبوت: 53] الآية. وقد دلت آيات كثيرة على أن الله لا يؤخر شيئاً عن وقته الذي عين له ولا يقدمه عليه، كقوله: {أية : وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ }تفسير : [المنافقون: 11]، وقوله: {أية : يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الأعراف: 34]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ}تفسير : [نوح: 4] الآية، وقوله: {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ}تفسير : [الرعد: 38]، وقوله: {أية : لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌَّ}تفسير : [الأنعام: 67] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاٍ} أي ملجأ يلجؤون إليه فيعتصمون به من ذلك العذاب المجعول له الموعد المذكور. وهو اسم مكان، من وأل يئل وألا ووؤلا بمعنى لجأ. ومعلوم في فن الصرف أن واوي الفاء من الثلاثي ينقاس مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه - على المفعل بكسر العين كما هنا، ما لم يكن معتل اللام فالقياس فيه الفتح كالمولى. والعرب تقول: لا وألت نفسه، أي لا وجدت منجى تنجو به، ومنه قول الشاعر: شعر : لا وألت نفسك خليتها للعامرين ولم تكلم تفسير : وقال الأعشى: شعر : وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل تفسير : أي ما ينجو. وأقوال المفسرين في "الموئل" راجعة إلى ما ذكرنا، كقول بعضهم: موئلاً محيصاً، وقول بعضهم منجى. وقول بعضهم محرزاً،إلى غير ذلك فكله بمعنى ما ذكرنا.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 58- وربك العظيم المغفرة لذنوب عباده، صاحب الرحمة الواسعة لمن أناب إليه منهم، ولو شاء أن يؤاخذهم بما اجترحوا من السيئات لعجَّل لهم العذاب كما سلف لغيرهم، ولكنه - لحكمة قدَّرها - أخرهم لموعد يذوقون فيه أشد العقاب، ولن يجدوا ملجأ يحفظهم منه. 59- وها هى ذى القرى الماضية التى دمرناها لما ظلم أهلها بتكذيب رسلهم، وجعلنا لهلاكهم موْعدا لا يتخلف، فكذلك حال المكذبين من قومك إذا لم يؤمنوا. 60- وإن علم الله لا يحيط به أحد، إلا أن يعطيه نبياً أو صالحاً، واذكر - أيها الرسول - أن موسى ابن عمران قال لفتاه - خادمه وتلميذه -: لا أزال أسير حتى أبلغ ملتقى البحرين أو أسير زمناً طويلاً. 61- فلما بلغ موسى وفتاه المكان الجامع بين البحرين، نسيا فيه حوتهما الذى حملاه بأمر الله، فانحدر فى البحر واتخذ طريقه فى الماء. 62- فلما ابتعد موسى وفتاه عن المكان، وأحسا بالجوع والتعب، قال موسى لفتاه: آتنا ما نتغذى به، لقد لقينا فى سفرنا هذا تعبا ومشقة. 63- قال له فتاه: أتذكر حين التجأنا إلى الصخرة، فإنى نسيت الحوت، وما أنسانى ذلك إلا الشيطان، ولا بد أن يكون الحوت قد اتخذ سبيله فى البحر، وإنى لأعجب من نسيانى هذا. 64- قال له موسى: إن هذا الذى حدث هو ما كنا نطلبه لحكمة أرادها الله، فرجعا فى الطريق الذى جاءا منه يتتبعان أثر سيرهما.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَوْئِلاً} (58) - وَرَبُّكَ هُوَ اللهُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، يُمْهِلُ النَّاسَ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيُؤْمِنُونَ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ، فَيَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَيَرْحَمَهُمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُ آخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، لَعَجَّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ وَلأَهْلَكَهُمْ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً مُعَيَّناً لاَ مَهْرَبَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلاَ مُحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ. مَوْئِلاً - مَنْجًى أَوْ مَلْجَأً أَوْ مَخْلَصاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فمن رحمة الله بالكفار أنه لم يعاجلهم بعذاب يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم؛ لأن لهم موعداً لن يهربوا منه، ولن يُفلِتوا، ولن يكون لهم مَلْجأ يحميهم منه، ولا شكَّ أن في إمهالهم في الدنيا حكمة لله بالغة، ولعل الله يُخرِج من ظهور هؤلاء مَنْ يؤمن به، ومَنْ يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث هذا كثيراً في تاريخ الإسلام، فمِنْ ظَهْر أبي جهل جاء عكرمة، وأمهل الله خالد بن الوليد، فكان أعظمَ قائد في الإسلام. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مَوْئِلاً } [الآية: 58] قال: محرزاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} [الآية: 59]. قال: أَجلاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الْحُقُبُ" [الآية: 62]. سبعون خريفاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} [الآية: 61]. يعني: بين البحرين. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الآية: 61]. يقول: أَضلاَّ حوتهما. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} [الآية: 63]. قال: عجب موسى من أَثر الحوت ودوارته التي غاب فيها.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} يعني مَلجأً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلْعَذَابَ} [الكهف: 58] يشير إلى أن رحمة الله في الدنيا تعم المؤمن والكافر؛ لأنه لا يؤاخذهم بما كسبوا {بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف: 58] أي: ملجأ من العذاب وفيه إشارة إلى أن الرحمة تختص يوم القيامة بالمؤمن دون الكافر والعذاب يختص بالكافر دون المؤمن، وإن كان في الدنيا يعم المؤمن والكافر. {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} [الكهف: 59] أي: إنما أهلكنا أهل تلك القرى بعد أن كان من سنتنا أن تعم رحمتنا المؤمن والكافر في الدنيا؛ لأنهم ضموا مع كفرهم الظلم ومن سنتنا أن يمهل الظالم ولا يهمله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم ". تفسير : وقال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً} تفسير : [الأنعام: 129] وذلك لأن دعوة المظلومين المضطرين مؤثرة دعاءهم مستجاب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتقوا دعوة المظلوم، فإنه ليس لها عند الله حجاب" تفسير : قوله: {لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} [الكهف: 59] أي: جعلنا موعد هلاك الكافر غلوه في الظلم، والظلم مرتعه وخيم. ثم أخبر عن أهل الصحبة وآدابهم بالخدمة والحرمة بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَٰهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [الكهف: 60] اعلم أن في قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} [الكهف: 60] إشارات: منها: أن شرط المسافر أن يطلب الرفيق، ثم يأخذ الطريق. ومنها: أن من شرط الرفيقين أن يكون أحدهما أميراً، والثاني مأموراً له ومتابعاً. ومنها: أن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده ويخبره عن مدة مكثه في سفره ليكون الرفيق واقفاً على أحواله، فإن كان موافقاً يرافقه في ذلك. ومنها: أن من شرط الطالب الصادق أن تكون نيته في طلب شيخ يقتدي به وألا يبرح حتى يبلغ مقصوده ويظفر به، وإلا سيكون بقية عمره طالباً له فإن طلب الشيخ طلب الحق تعالى على الحقيقة. وبقوله: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} [الكهف: 61] يشير إلى أن الطالب الصادق إذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق التوفيق ومعه حوت قلبه الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدنيا وزينتها. {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} [الكهف: 61] المجمع هو ولاية الشيخ وبينهما أي: بين الطالب وبين الشيخ ولا يظفر المريد بصحبة الشيخ ما لم يصل إلى مجمع ولايته فافهم جدّاً، وعند مجمع الولاية عين الحياة الحقيقية فبأول قطرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يحيا ويتخذ سبيله في البحر عن الولاية {سَرَباً} [الكهف: 61]. ومنها: أن الله يحول بين المرء وقلبه فنسي المريد قلبه حين فقده وينسى القلب المريد إذا وجد الشيخ. وفي قوله: {فَلَمَّا جَاوَزَا} [الكهف: 62] إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة وأصابت قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن خدمة الشيخ وترك صحبته حتى يظن أنه لو سافر عن خدمته واشتغل بطاعة ربه وجاهد نفسه في طلب الحق تعالى لعله يصل مقصده ويحصل مقصوده بلا واسطة الشيخ والاقتداء به هيهات، فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد، وأنه يضيع عمره ويتعب نفسه ويقع على سبل الرشاد، ويبعد عن طريق السداد إلى أن أدركته العناية الأزلية التي هي الكفاية الأبدية ورد إليه صدق الإرادة. {قَالَ لِفَتَٰهُ} [الكهف: 62] فيقول لرفيق التوفيق: {آتِنَا غَدَآءَنَا} [الكهف: 62] أي: صحبة الشيخ {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا} [الكهف: 62] الذي جاوزنا عن صحبة الشيخ {نَصَباً} [الكهف: 62] أي: تعباً ولقيناً نصباً كثيراً بلا فائدة الوصول ونيل المقصود.
همام الصنعاني
تفسير : 1692- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَوْئِلاً}: [الآية: 58]، قال: ملجأ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):