١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : { وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ } أي أهلها كعاد وثمود وغيرهما {أَهْلَكْنَٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ } كفروا {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم } لإِهلاكهم. وفي قراءة بفتح الميم أي لهلاكهم {مَّوْعِدًا }.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَهْلَكْنَاهُمْ} وكلناهم إلى سوء تدبيرهم لما ظلموا بترك الشكر، أو أهلكناهم بالعذاب لما ظلموا بالكفر {مَّوْعِداً} أجلاً يؤخرون إليه، أو وقتاً يهلكون فيه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ} أي قرى الأوَّلين: قوم نوح وعاد وغيرهم، وتلك مبتدأ، والقرى خبره. و "أهْلكْنَاهُمْ" حينئذ: إمَّا خبر ثانٍ، أو حال، ويجوز أن تكون "تِلْكَ" مبتدأ، و "القرى" صفتها لأنَّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجنس أو بيان لها، أو بدلٌ منها، و "أهْلَكنَاهَا" الخبر، ويجوز أن يكون "تِلْكَ" منصوب المحلِّ بفعلٍ مقدَّر على الاشتغال. والإضمار في "أهْلَكنَاهُمْ" عائد على "أهْل" المضاف إلى القرى، إذ التقدير: وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف، فأعاد عليه الضمير، وتقدَّم ذلك في أول الأعراف [الآية: 4]. و "لمَّا ظلموا" يجوز أن يكون حرفاً، وأن يكون ظرفاً، وقد تقدَّم. قوله: "وجعلنا لمهلكهم موعداً" قرأ عاصم "مَهْلَك" بفتح الميم، والباقون بضمها، وحفص بكسر اللام، والباقون بفتحها، فتحصَّل من ذلك ثلاث قراءاتٍ، لعاصم قراءتان؛ فتح الميم مع فتح اللام، وهي رواية أبي بكرٍ عنه، والثانية فتح الميم، مع كسر اللام، وهي رواية حفص عنه، والثالثة: ضم الميم، وفتح اللام، وهي قراءة الباقين. وأمَّا قراءة أبي بكرٍ، فـ "مَهْلَك" فيها مصدرٌ مضاف لفاعله، وجوَّز أبو عليٍّ أن يكون مضافاً لمفعوله، وقال: إنَّ "هَلَكَ" يتعدَّى دون همز، وأنشد: [الرجز] شعر : 2542- ومَهْمَهٍ هَالكِ مَنْ تعرَّجا تفسير : فـ "مَنْ" معمول لـ "هالكٍ" وقد منع النَّاسُ ذلك، وقالوا: لا دليلَ في البيت؛ لجواز أن يكون ذلك من باب الصفةِ المشبهة، والأصل: هالك من تعرَّجا. فـ "مَنْ تعرَّج" فاعل الهالك، ثم أضمر في "هَالِك" ضمير "مهمه" ونصب "من تعرَّج" نصب "الوجه" في قولك: "مررتُ برجلٍ حسنٍ الوجهَ" ثم أضاف الصفة، وهي "هَالِك" إلى معمولها، فالإضافة من نصبٍ، والنصب من رفعٍ، فهو كقولك: "زيدٌ منطلقُ اللسان، ومنبسطُ الكفِّ" ولولا تقدير النصبِ، لامتنعتِ الإضافة؛ إذ اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير النصب؛ إذ هذا جارٍ مجرى الصفة المشبهة، والصفة المشبهة تضاف إلى مرفوعها، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر، وهو: هل يفع الموصول في باب الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه، قال الشاعر: [البسيط] شعر : 3543- فَعُجْتُهَا قِبلَ الأخْيار مَنْزلةً والطَّيبِي كُلِّ ما التَاثَتْ به الأزُرُ تفسير : وقال الهذليُّ: [الطويل] شعر : 3544- أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقَاقٌ خُصورُهَا وثِيرَاتُ ما التفَّت عليها المَلاحِفُ تفسير : وقال أبو حيَّان في قراءة أبي بكرٍ هذه: "إنَّه زمانٌ" ولم يذكر غيره، وجوَّز غيره فيه الزمان و المصدر، وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعل متى كسرت عينُ مضارعه، فتحت في المفعل مراداً به المصدر، وكسرت فيه مراداً به الزمان والمكان، وكأنَّه اشتبهت عليه بقراءة حفص؛ فإنَّه بكسر اللام، كما تقدَّم، فالمفعل منه للزَّمان والمكان. وجوَّز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدراً، قال: "وشذَّ فيه الكسر كالمرجع" وإذا قلنا: إنَّه مصدر، فهل هو مضافٌ لفاعله، أو مفعوله؟ يجيء ما تقدَّم في قراءة رفيقه، وتخريجُ أبي عليٍّ، واستشهاده بالبيت، والردُّ عليه، كل ذلك عائد هنا. وأمَّا قراءة الباقين، فواضحةٌ، و "مُهْلكٌ" فيها يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله أي لإهلاكهم، وأن يكون زماناً، ويبعد أن يراد به المفعول، أي: وجعلنا للشخصِ، أو للفريقِ المهلكِ منهم. والمَوْعِدُ: مصدر، أو زمان. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ} الآية: "إذْ" منصوب بـ "اذْكُرْ" أو وقت قال لفتاه: جرى ما قصصنا عليك من خبره. قال عامة أهل العلم: إنَّه موسى بن عمران. وقال بعضهم: إنَّه موسى بن ميشا من أولاد يوسف، والأول أصحُّ، لما روى عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفاً البكاليَّ يزعم أنَّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عبَّاس: كذب عدوُّ الله، حدَّثنا أبيّ بن كعبٍ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ موسى قَامَ خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعلمُ؟ فقال: أنَا، فَعَتبَ الله عليه؛ إذْ لم يردَّ العِلْمَ إليه، فأوحَى إليه: إنَّ لِي عَبْداً بمَجْمَعِ البَحْرينِ، هو أعلم منك، فقال موسى: يا ربِّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذُ معك حوتاً، فتجعلهُ في مكتلٍ، فحيثما فقدتَّ الحوت، فهو ثمَّ؛ فأخذ حوتاً، فجعلهُ في مكتلٍ، ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاهُ يُوشعُ بن نونٍ، حتَّى أتيا الصَّخرةَ، ووضعَا رُءُوسَهُمَا، فنَامَا، واضطرب الحُوتُ في المكْتَلِ، فخرج منهُ، فسَقطَ في البَحْرِ، فاتَّخذَ سَبيلهُ في البَحْرِ سَرَباً، وأمْسَكَ الله عن الحُوت جَرية الماءِ، فصَارَ عَليْهِ كالطَّاقِ، فلمَّا اسْتيقظَ، نَسِيَ صَاحبهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ، فانْطلقَا بقيَّة يَوْمهِمَا وليْلتِهمَا، حتَّى إذا كان من الغَداةِ، قَالَ مُوسَى لفتاهُ: آتِنَا غَداءَنَا، لقَدْ لقينا من سَفرنَا هذا نصباً، قال: ولمْ يَجِدْ مُوسى النَّصب، حتَّى جَاوزَ المكان الذي أمرهُ الله تعالى، فقال له فتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخرةِ، فإنِّي نَسيتُ الحُوتَ ومَا أنْسانيه إلاَّ الشَّيطانُ أنْ أذكرهُ، واتَّخذَ سبيلهُ في البحر عجباً، قال: وكَانَ للحُوتِ سرباً ولمُوسَى وفتاهُ عجباً، قال موسى: ذلكَ ما كُنَّا نبغي فَارتدّا على آثارهما قصصاً، رجعا يقُصَّانِ آثارهما، حتى [انتهيا] إلى الصَّخرة، فإذا رجلٌ مُسَجَّى ثوباً، فسلَّم عليه مُوسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنَا مُوسَى، قال: مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نَعمْ، أتَيْتُك، لتُعَلِّمَنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً [وذكر باقي] القصة . تفسير : واعلم أنَّه كان ليوسف - عليه السلام - ولدان: أفرائيم وميشا، فولد أفرائيم نون وولد نون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، ووليُّ عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا، فقيل: إنه جاءته النُّبوَّة قبل موسى بن عمران، وأهل التَّوراة يزعمون أنَّهُ هو الذي طلب هذا العالم ليتعلَّم منه، وهو العالمُ الذي خرق السَّفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا قول جمهور اليهود. واحتجَّ القفال على صحَّة قول الجمهور بأنه موسى صاحب التَّوراة، قال: إنَّ الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلاَّ وأراد به موسى صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المراد شحصاً آخر يسمَّى موسى غيره، لعرّفه بصفةٍ تميِّزه وتزيل الشبهة كما أنَّه لما كان المشهور في العرف أنَّ أبا حنيفة هو الرجل المفتي، فلو ذكرنا هذا الاسم، وأردنا به غيره، لقيَّدناهُ، كما نقول: أبو حنيفة الدِّينوريُّ. فصل في حجة القائلين بأنه موسى بن ميشا واحتج القائلون بأنَّ موسى بن ميشا بأنَّ الله تعالى بعد أن أنزل عليه التوراة، وكلَّمه بلا واسطة، وخصَّه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتَّفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التَّعليمِ والاستفادة. [فالجواب] عنه: بأنَّه ليس ببعيدٍ أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء؛ فيحتاج إلى تعلُّمها إلى من هو دونه، وهو أمرٌ متعارفٌ. فصل في اختلافهم في فتى موسى واختلفوا في فتى موسى، فالصحيح أنه يوشعُ بن نونٍ؛ كما روي في الحديث المتقدِّم، وقيل: كان أخا يوشع. وروى عمرو بن عبيدٍ عن الحسن أنَّه عبدٌ لموسى. قال القفَّال والكعبي: يحتمل ذلك. قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا يقُولنَّ أحَدُكمْ: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي ". تفسير : وهذا يدلُّ على أنهم كانوا يسمُّون العبد فتًى، والأمة فتاةً. قوله: "لا أبْرَحُ" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون ناقصة، فتحتاج إلى خبر. والثاني: أن تكون تامة، فلا تحتاج إليه، فإن كانت الناقصة، ففيها تخريجان: أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً؛ للدلالة عليه تقديره: لا أبرح أسيرُ حتَّى أبلغ، إلاَّ أن حذف الخبر في هذا الباب نصَّ بعض النحويِّين على أنه لا يجوز ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة؛ كقوله: [الكامل] شعر : 3545- لَهفِي عَليْكَ للَهْفةٍ مِنْ خَائفٍ يَبْغِي جِوارَكَ حِينَ ليْسَ مُجِيرُ تفسير : أي: حين ليس في الدنيا مجيرٌ. والثاني: أنَّ في الكلام حذف مضافٍ، تقديره: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ، ثم حذف "مسير" وأقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحلِّ بارزة، وبقي "حتَّى أبلغ" على حاله هو الخبر. وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين، فجعلهما وجهاً واحداً، ولكن في عبارة حسنة جدًّا، فقال: "فإن قلت: "لا أبْرَحُ" إن كان بمعنى "لا أزولُ" من برح المكان، فقد دلَّ على الإقامةِ، لا على السَّفر، وإن كان بمعنى "لا أزَالُ" فلا بدَّ من خبر، قلت: هي بمعنى "لا أزَالُ" وقد حذف الخبر؛ لأنَّ الحال والكلام معاً يدلان عليه؛ أمَّا الحال، فلأنها كانت حال سفرٍ، وأمَّا الكلام، فلأن قوله "حتَّى أبلغ" غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له، فلا بدَّ أن يكون المعنى: لا أبرحُ أسير حتَّى أبلغَ، ووجه آخرُ: وهو أن يكون المعنى: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ على أنَّ "حتَّى أبلغَ" هو الخبر، فلمَّا حذف المضافُ، أقيم المضافُ إليه مقامهُ، وهو ضمير المتكلِّم، فانقلب الفعل من ضمير الغائب إلى لفظ المتكلِّم، وهو وجهٌ لطيفٌ". قال شهاب الدين: وهذا على حسنه فيه نظرٌ لا يخفى، وهو: خلوُّ الجملة الواقعة خبراً عن "مسيري" في الأصل من رابطٍ يربطها به؛ ألا ترى أنه ليس في قوله "حتَّى أبلغ" ضمير يعود على "مسيري" إنما يعود على المضاف إليه المستتر، ومثل ذلك لا يكتفى به. ويمكن أن يجاب عنه: بأن العائد محذوفٌ، تقديره: حتى أبلغ به، أي: بمسيري. وإن كانت التامة، كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزمُ المسير والطَّلبَ، ولا أفارقه، ولا أتركه؛ حتَّى أبلغ؛ كما تقول: لا أبرح المكان، فعلى هذا: يحتاجُ أيضاً إلى حذف مفعول به، كما تقدَّم تقريره فالحذف لا بدَّ منه على تقديري التَّمامِ والنقصان [في أحد وجهي النقصان]. وقرأ العامة "مجمع" بفتح الميم، وهو مكان الاجتماع، وقيل: مصدر، وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسارٍ بكسرها، وهو شاذٌّ؛ لفتح عين مضارعة. قوله: "حُقُباً" منصوبٌ على الظرف، وهو بمعنى الدَّهر. وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سنةٌ واحدةٌ بلغة قريش، وقيل: سبعون، وقرأ الحسن: "حُقْباً" بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفاً، وأن يكون لغة مستقلة، ويجمع على "أحقابٍ" كعنقٍ وأعناقٍ، وفي معناه: الحقبةُ بالكسر، قال امرؤُ القيس: شعر : 3546- فَإن تَنْأ عَنْهَا حِقبَةً لا تُلاقِهَا فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجرِّبِ تفسير : والحقبة بالضمِّ أيضاً، وتجمع الأولى على حقبٍ، بكسر الحاء كقربٍ، والثانية على حقبٍ، بضمِّها؛ كقربٍ. فإن قيل قوله: "أوْ أمْضِيَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنه منسوق على "أبْلُغَ" يعني بأحد أمرين: إمَّا ببلوغه المجمع، أو بمضيِّه حقباً. والثاني: أنه تغييةٌ لقوله "لا أبْرَحُ" فيكون منصوباً بإضمار "أنْ" بعد "أو" بمعنى "إلى" نحو "لألزَمنَّكَ أو تَقضِيَنِي حقِّي". فالجواب قال أبو حيان: "فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى أن أمضي زماناً، أتيقَّنُ معه فوات مجمع البحرين" قال شهاب الدين: فيكون الفعل المنفيُّ قد غيِّي بغايتين مكاناً وزماناً؛ فلا بدَّ من حصولهما معاً، نحو: "لأسيرنَّ إلى بيتك إلى الظَّهر" فلا بدَّ من حصولِ الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّن فيه فوات مجمع البحرين. وجعل أبو البقاء "أو" هنا بمعنى "إلاَّ" في أحد الوجهين: قال: "والثاني: أنها بمعنى: إلاَّ أن أمضي زماناً؛ أتيقَّن معه فوات مجمع البحرين" وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، ركَّبهُ مع القول بأنَّها بمعنى "إلى" المقتضيةِ للغاية، فمن ثمَّ جاء الإشكالُ. فصل في المراد بمجمع البحرين قوله: "مجمعُ البَحريْنِ"؛ الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر - عليه السلام -: هو ملتقى بحرين فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، قاله قتادة، [وقال محمد بن كعب: طنجة] وقال أبي بن كعبٍ: إفريقيَّة. وقيل: البحران موسى والخضر؛ لأنَّهما كانا بحري علمٍ. وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين؛ فإن صحَّ بالخبر الصحيح شيء فذاك، وإلاَّ فالأولى السُّكوت عنه. ثم قال: "أوْ أمضيَ حُقباً": أو أسير زماناً طويلاً. واعلم أنَّ الله تعالى كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه بموضعه بعينه، فقال موسى: لا أزالُ أمشي؛ حتَّى يجتمع البحرانِ، فيصيرا بحراً واحداً، أو أمضي دهراً طويلاً؛ حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبارٌ من موسى أنَّه وطن نفسه على تحمُّل التَّعب الشَّديد، والعناء العظيم في السَّفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيهٌ على أنَّ المتعلِّم، لو سار من المشرق إلى المغرب؛ لأجل مسألة واحدة، حقَّ له ذلك. ثم قال: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا}. أي: انطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما، والضمير في قوله: "بينهما" إلى ماذا يعود؟. فقيل: لمجمع البحرين. وقيل: بلغا الموضع الذي وقع فيه نسيانُ الحوت، وهذا الموضع الذي كان يسكنه الخضر - عليه السلام - أي: يسكن بقربه، ولأجل هذا المعنى، لمَّا رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت، صار إليه، وهو معنى حسنٌ، والمفسِّرون على القول الأوَّل. قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا}: الظاهر نسبةُ النِّسيانِ إلى موسى وفتاه، يعني نسيا تفقُّد أمره، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه، وقيل: نسيَ موسى أن يأمرهُ بالإتيان به، ونسي يوشعُ أن يفكِّره بأمره، وقيل: النَّاسِي يوشع فقط، وهو على حذف مضاف، أي: نسي أحدهما؛ كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن: 22]. قوله: "في البَحْرِ سرباً" "سَرَباً" مفعول ثانٍ لـ "اتَّخذَ" و "فِي البَحْرِ" يجوز أن يتعلق بـ "اتَّخذ" وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه محالٌ من المفعول الأول أو الثاني. والهاء في "سبيلهُ" تعود على الحوت، وكذا المرفوع في "اتَّخذَ". قوله: {جَاوَزَا}: مفعوله محذوف، أي: جاوزا الموعد، وقيل: جاوزا مجمع البحرين. قوله: "هَذَا" إشارة إلى السَّفر الذي وقع بعد تجاوزهما الموعد، أو مجمع البحرين، و "نَصباً" هو المفعول بـ "لَقِينَا" والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمِّهما، وهما لغتان من لغاتٍ أربعٍ في هذه اللفظة، كذا قال أبو الفضل الرازيُّ في "لَوامحِهِ". قوله: {أَرَأَيْتَ}: تقدم الكلام عليها مشبعاً في الأنعام، وقال أبو الحسن الأخفش هنا فيها كلاماً حسناً، وهو: "أنَّ العرب أخرجتها عن معناها بالكليَّة، فقالوا: أرَأيْتكَ، وأرَيْتكَ بحذف الهمزة، إذا كانت بمعنى: "أخْبِرْنِي" وإذا كانت بمعنى "أبْصَرْتَ" لم تحذف همزتها، وشذَّت أيضاً، فألزمها الخطاب على هذا المعنى، ولا يقال فيها أيضاً: "أرَانِي زيداً عمراً ما صَنعَ" ويقال على معنى "اعْلَمْ" وشذَّت أيضاً، فأخرجتها عن موضعها بالكليَّة؛ بدليل دخول الفاء؛ ألا ترى قوله: {أرَأيْتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإني} فمَا دخلت الفاء إلاَّ وقد أخرجت إلى معنى: "أمَّا" أو "تنبَّه"، والمعنى: أمَّا إذ أوينا إلى الصَّخرة، فإنِّي نسيتُ الحوت، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى "أخبرني" كما قدَّمنا، وإذا كانت بمعنى "أخبرني" فلا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، وتلزم [الجملة] التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى "أمَّا" ويكون أبداً بعدها الشرط، وظروف الزمان، فقوله "فإنِّي نسيتُ" معناه: أمَّا إذ أوينا فإنِّي، أو تنبَّه إذْ أويْنَا، وليست الفاءُ إلاَّ جواباً لـ "أرَأيْتَ" لأنَّ "إذْ" لا يصحُّ أن يجازى بها إلاَّ مقرونة بـ "ما" بلا خلافٍ". قال الزمخشري: "أرأيت" بمعنى "أخْبرنِي" فإن قلت: ما وجه التئامِ هذا الكلام، فإنَّ كلَّ واحد من "أرَأيْتَ" ومن "إذْ أويْنَا" ومن {فإنِّي نسيتُ الحوت} لا متعلق له. قلت: لمَّا طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، ودهش، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني، إذ أوينا إلى الصخرة، فإنِّي نسيتُ الحوت، فحذف ذلك. قال أبو حيَّان: وهذان مفقودان في تقدير الزمخشريِّ: "أرَأيْتَ بمعنى أخبرني" يعني بهذين ما تقدَّم في كلام الأخفش من أنَّه لا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، ولزومِ الاستفهام الجملة التي بعدها. قال النوويُّ في "التهذيب" يقال: أوى زيدٌ بالقصر: إذا كان فعلاً لازماً، وآوى غيره بالمدِّ: إذا كان متعدِّياً، فمن الأول هذه الآية قوله: {أية : إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ} تفسير : [الكهف: 10]. ومن المتعدِّي قوله تعالى: {أية : وَءَاوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ} تفسير : [المؤمنون: 50]. وقوله: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} تفسير : [الضحى: 6]. هذا هو الفصيح المشهور، ويقال في كلِّ واحدٍ بالمدِّ والقصر، لكن بالقصر في اللازمِ أفصح، والمدُّ في المتعدِّي أفصحُ وأكثر. قوله: "ومَا أنْسَانيهُ" قرأ حفص بضم الهاء، وكذا في قوله: "عَلَيْهُ الله" في سورة الفتح [آية: 10]، قيل: لأنَّ الياء هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنظر هنا إلى الأصل، وأمَّا في سورة الفتح؛ فلأنَّ الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنظر إلى الأصل أيضاً. والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظ، فإنَّها بعد ياءٍ ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضمَّ الهاء في "أنسانيه" في غير صلة، ووصلها بياءٍ في قوله: {أية : فِيهِ مُهَاناً} تفسير : [الفرقان: 69] على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وقرأ كأكثر القراء فيما سوى ذلك. وقرأ الكسائي "أنسانيه" بالإمالة. قوله: "أنْ أذكرهُ" في محلِّ نصبٍ على البدل من هاء "أنسانيه" بدل اشتمال، أي: أنساني ذكرهُ. وقرأ عبد الله: "أن أذكركه"، وقرأ أبو حيوة: "واتِّخاذَ سبيلهِ" عطف هذا المصدر على مفعول "أذكرهُ". قوله: "عَجَباً" فيه أوجهٌ: أحدها: أنه مفعول ثانٍ لـ "اتَّخذَ" و "في البحْرِ" يجوز أن يتعلق بالاتخاذِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعول الأول أو الثاني. وفي فاعل "اتَّخذَ" وجهان: أحدهما: هو الحوتُ، كما تقدَّم في "اتَّخذ" الأولى. والثاني: هو موسى. الوجه الثاني من وجهي "عَجَباً" أنه مفعول به، والعامل فيه محذوف، فقال الزمخشريُّ: "أو قال: عجباً في آخر كلامه تعجباً من حاله، وقوله: {وما أنسانيه إلاَّ الشيطان} اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه". فظاهر هذا أنَّه مفعول بـ "قال"، أي: قال هذا اللفظ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان. الثالث: أنه مصدر، والعامل فيه مقدَّر، تقديره: فتعجَّب من ذلك عجباً. الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، ناصبه "اتَّخذَ" أي: اتخذ سبيله في البحر اتِّخاذاً عجباً، وعلى هذه الأقوال الثلاثة: يكون "في البَحْرِ" مفعولا ثانياً لـ "اتَّخذَ" إن عدَّيناها لمفعولين. فصل دلَّت الرواياتُ على أنَّه تعالى بيَّن لموسى صلى الله عليه وسلم أنَّ هذا العالم موضعه مجمع البحرين، إلا أنَّه ما عيَّن موضعاً، إلا أنَّه جعل انقلاب الحوت حيًّا علامة على مسكنه المعيَّن، كمن يطلب إنساناً، فيقال له: إنَّ موضعه محلَّة كذا من كذا، فإذا انتهيت إلى المحلَّة، فسل فلاناً عن داره، فأينما ذهب بك، فاتبعه؛ فإنَّك تصل إليه، فكذا هنا قيل له: إنَّ موضعه مجمع البحرين، فإذا وصلت إليه، ورأيت انقلاب الحوت حيًّا وطفر إلى البحر، فيحتمل أنَّه قيل له: فهناك موضعه، ويحتمل أنَّه قيل له: فاذهب على موافقة ذلك الحوت؛ فإنَّك تجدهُ. وإذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه، لمَّا بلغا مجمع بينهما، طفرت السَّمكةُ إلى البحر، وسارت، وفي كيفيَّة طفرها روايات. فقيل: إن الفتى غسل السَّمكة، لأنها كانت مملحة، فطفرت وسارت. وقيل: إنَّ يوشع توضَّأ في ذلك المكان من عينٍ تسمَّى "مَاءَ الحياةِ" لا يصيبُ ذلك الماءُ شيئاً إلاَّ حيي، فانتضح الماء على الحوت المالح، فعاش ووثب في الماء. وقيل: انفجر هناك عينٌ من الجنَّة، ووصلت قطراتٌ من تلك العين إلى السَّمكة، وهي في المكتل، فاضطربت، وعاشت، فوثبت في البحر. ثم قال تعالى: {نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي: نسيا كيفيَّة الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل: انقلاب السَّمكة المالحة حيَّة [حالة] عجيبة [فلما] جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النِّسيان في هذا المعنى؟. فالجواب أنَّ يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عليه الصلاة والسلام - كثيراً، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقعٌ عظيم، فجاز حصول النِّسيان. وهذا الجواب فيه نظرٌ. قال ابن زيدٍ: أي شيءٍ أعجبُ من حوتٍ يؤكل منه دهراً، ثم صار حيًّا بعدما أكلَ بعضه. فصل في ذكر جوابٍ آخر لابن الخطيب قال ابن الخطيب: وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام - على أنَّ العلم لا يحصل ألبتَّة إلا بتعليم الله تعالى، وحفظه على القلب. وقال البغويُّ: "نَسيَا" تركا "حُوتَهُمَا"، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النِّسيان إليهما؛ لأنهما جميعاً لمَّا تزوَّداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزَّاد كذا [وإنما حملهُ واحد منهم. ثم قال: "واتخذ سبيله في البحر سرباً" قيل: تقديره سرب في البحر سرباً] إلاَّ أنه أقيم قوله: "فاتّخذ" مقام قوله: "سرباً"، والسَّرب هو الذهاب ومنه قوله تعالى: {أية : وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10]. وقيل: إن الله تعالى أمسك الماء عن الجري، وجعله كالطاق والكوَّة؛ حتَّى سرب الحوت فيه، وذلك معجزةٌ لموسى أو الخضر - عليهما السلام -. روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : انجاب الماءُ عن مسلكِ الحوت، فصار كوَّة، لم يلتئمْ، فدخل موسى الكوَّة على إثر الحوت، فإذا هو بالخضر . تفسير : وقوله: {فَلَمَّا جَاوَزَا} أي: موسى وفتاه الموعد المعين، وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النِّسيان المذكور، وذهبا كثيراً، وتعبا، وجاعا. {قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا} والغداءُ: ما يعدُّ للأكل غدوة، والعشاء: ما يعدُّ للأكل عشية {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} أي: تعباً وشدَّة، وذلك أنَّه ألقى على موسى الجوع بعد مجاوزة الصَّخرة؛ ليتذكَّر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فقال له فتاه وتذكَّر: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} الهمزة في "أرَأيْتَ" همزة الاستفهام، و "رَأيْتَ" على معناه الأصليِّ، وجاء الكلام هذا على المتعارفِ بين النَّاس؛ فإنه إذَا حدث لأحدهم أمرٌ عجيبٌ، قال لصاحبه: أرأيت ما حدث لي، كذلك هنا، كأنه قال: أرأيت ما وقع لي، إذا أوينا إلى الصَّخرة، فحذف مفعول "أرَأيْتَ" لأنَّه - أي لأنَّ قوله: "فإنِّي نسيتُ الحوت" - يدل عليه، أي: فقدته. {وَمَآ أَنسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ} أي أذكر لك أمر الحوت. {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل، وصيرورته حيًّا، وإلقاء نفسه في البحر على غفلةٍ منهما، ويكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطَّاق والسَّرب، وقيل: تمّ الكلام عند قوله: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ}، ثم قال: "عَجَباً" أي أنَّه يعجب من رؤية تلك العجيبة، ومن نسيانه لها. وقيل: إنَّ قوله "عَجَباً" حكايةٌ لتعجُّب موسى. ثم قال موسى: {ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} أي: نطلبه؛ لأنَّه أمارة الظَّفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر. قوله: {نَبْغِى}: حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء "نَبْغِي" وقفاً، وأثبتوها وصلاً، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتِّباعاً للرسم، وكان من حقِّها الثبوتُ، وإنما حذفت تشبيهاً بالفواصل، أو لأنَّ الحذف يؤنس بالحذف، فإن "ما" موصولة حذف عائدها، وهذه بخلاف التي في يوسف [الآية: 65]، فإنها ثابتة عند الجميع، كما تقدَّم. قوله: "قصصاً" فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قاصِّين. الثاني: أنه مصدر منصوب بفعل من لفظه مقدر، أي: يقصَّان قصصاً. الثالث: أنه منصوبٌ بـ "ارْتدَّا" لأنه في معنى "فقَصَّا". قوله: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} الآية. قيل: كان ملكاً من الملائكة، والصحيح ما ثبت في التَّواريخ، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه الخضر، واسمه بليا بن ملكان. وقيل: كان من نسل بني إسرائيل. وقيل: كان من أبناء الملوك الذين زهدُوا في الدنيا، والخضر لقبٌ له، سمِّي بذلك؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّما سمِّي خضراً؛ لأنَّه جلس على فَرْوةٍ بيْضاءَ، فإذا هِيَ تهتزُّ تَحْتَهُ خَضِراً ". تفسير : وقال مجاهد: إنما سمِّي خضراً؛ لأنَّه كان إذا صلَّى، اخضرَّ ما حوله. روي في الحديث أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رأى الخضر - عليه السلام - سلَّم عليه، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك؛ لتعلِّمنِي ممَّا علِّمت رشداً. فصل في بيان أن الخضر كان نبياً قال أكثر المفسرين: إنَّه كان نبيًّا، واحتجوا بوجوهٍ: الأول: قوله: {ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} والرحمة: هي النبوة؛ لقوله تعالى {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32]. وقوله: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤاْ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القصص: 86]. والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائلٍ أن يقول: سلَّمنا أن النبوَّة رحمة، ولكن لا يلزمُ بكلِّ رحمةٍ نبوةٌ. الثاني: قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} وهذا يدل على أنه علمه لا بواسطة، ومن علَّمه الله شيئاً، لا بواسطة البشر، يجب أن يكون نبيًّا، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدلُّ على النبوَّة. الثالث: قول موسى - عليه السلام -: {هل أتَّبِعُك على أن تعلِّمنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً} والنبي لا يتَّبع غير النبي في التعلُّم. وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيًّا، [أما في غير تلك العلوم فلا]. الرابع: أنَّ ذلك العبد أظهر الترفُّع على موسى، فقال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} فأما موسى، فإنه أظهر التواضع له؛ حيث قال: {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} وذلك يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبيًّا، لا يكون فوق النبيِّ، وذلك أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه يجوز أن يكون غير النبيِّ فوق النبي في علومٍ لا تتوقَّف نبوته عليها. فإن قيل: إنه يوجبُ تنفيراً. فالجواب: وتكليمه بغير واسطة يوجب التَّنفير. فإن قالوا: هذا لا يوجبُ التنفير، فكذلك فيما ذكروه. الخامس: احتجَّ الأصم بقوله: "وما فعلتهُ عن أمْرِي" أي: فعلته بوحي الله تعالى، وذلك يدلُّ على النبوة، وهذا ضعيف أيضاً. روي أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا وصل غليه، فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: من عرَّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إليَّ؛ وهذا يدلُّ على أنَّه إنما عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا إلى النبيِّ. ولقائلٍ أن يقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات؟. قال البغوي: ولم يكن الخضرُ نبيًّا عند أكثر أهل العلم. قوله: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} أي: علم الباطن إلهاماً. و "عِلْماً": مفعول ثان لـ "عَلَّمْناهُ" قال أبو البقاء: "ولو كان مصدراً، لكان تعليماً" يعني: لأنَّ فعله على "فعَّل" بالتشديد، وقياس مصدره "التَّفعيلُ". و "مِنْ لدُنَّا" يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من "عِلْماً". قوله: {على أن تعلمنِ}: في موضع الحال من الكاف في "أتَّبِعُكَ" أي: أتَّبِعك [باذلاً لي علمكَ]. قوله: "رُشْداً" مفعول ثان لـ "تُعلِّمَنِي" لا لقوله: "ممَّا عُلِّمتَ" قال أبو البقاء: "لأنَّه لا عائد إذن على الذي" يعني أنه إذا تعدَّى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدَّى لضمير الموصول؛ لئلا يتعدَّى إلى ثلاثة، ولكن لا بدَّ من عائدٍ على الموصول. وقد تقدَّم خلاف القراء في "رُشداً" في سورة الأعراف [الآية: 146]، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟. وقوله: "رشداً" أي: علماً ذا رشدٍ. قال القفَّال: قوله "رُشْداً" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون "الرُّشْدُ" راجعاً إلى الخضرِ، أي: ممَّا علمك الله، وأرشدك به. والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت. فصل في أدب موسى - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر. منها: أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله: "هَلْ أتَّبعكَ". ومنها: أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ. ومنها: قوله "على أن تعلمني" وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم. ومنها: قوله: "ممَّا علِّمتَ" وصيغة "مِنْ" للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت. ومنها: أن قوله: "مِمَّا علِّمتَ" اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم. ومنها: قوله "رُشْداً" طلب منه الإرشاد والهداية. ومنها أنَّ قوله: {تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ} طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم. ومنها: قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ} يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ. ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ. ومنها: قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ} فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم. ومنها: قوله: {هَلْ أتَّبِعُكَ} لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم. فصل روي أنه لمَّا قال موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ}، قال له الخضرُ: كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}، أي: علماً. واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين: متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، و الاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [الأستاذ] المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر الخضر بقوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض. وقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} إشارةٌ إلى كونه غير عالمٍ بالحقائقِ، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، [عسر] السُّكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النُّفرة التامة، وحصول التقاطع. قوله: "خُبْراً": فيه وجهان: الأول: أنه تمييزٌ لقوله "تُحِطْ" وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: مما لم يحطْ به خبرك. والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوَّة: لم يخبره خبراً، وقرأ الحسن "خُبُراً" بضمتين. فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل قال ابن الخطيب: احتجَّ أصحابنا بقوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل. وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل]، لكانت الاستطاعة على الصَّبْر حاصلة لموسى قبل حصول الصَّبر، فيلزم أن يكون قوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} كذباً، ولمَّا بطل ذلك، علمنا أنَّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل. أجاب الجبائيُّ بأنَّ المراد من هذا القول: أنَّه يثقل عليه الصَّبر؛ لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: "إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً، ولا أن يجالسه" إذا كان يثقل عليه ذلك. ونظيره قوله تعالى: {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} تفسير : [هود: 20] أي كان يشقُّ عليهم الاستماع. وأجيب بأنَّ هذا عدولٌ عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل. قوله: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً}. قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمةِ الأنبياء بهذه الآية؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنَّك لنْ تستطيعَ معي صبراً، وقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً، وكلُّ واحدٍ من هذين القولين مكذبٌ للآخر، فيلزمُ إلحاقُ الكذب بأحدهما، وعلى التَّقديرين، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام-. وأجيب بأنَّه يحمل قوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً} وعلى هذا، فلا يلزمُ ما ذكروه. قوله: {وَلاَ أَعْصِي} فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أنَّها لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعدٌ. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ؛ عطفاً على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحلِّ بالقول. وقال أبو حيَّان: ويجوز أن يكون معطوفاً على "ستجدني" فلا يكون لهُ محلٌّ من الإعراب، وهذا سهوٌ؛ فإنَّ "سَتجِدُنِي" منصوب المحلِّ؛ لأنه منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكنَّ الشيخ رأى كلام الزمخشريِّ كذلك، ولم يتأمَّله، فتبعه في ذلك، فمن ثمَّ جاء السَّهوُ قال الزمخشري: "ولا أعْصِي" في محلِّ النصب عطفاً على "صَابِراً" أي: ستجدني صابراً، وغير عاصٍ أو "لا" في محل رفع عطفاً على "سَتجدُنِي". الثالث: أنه في محلِّ نصب على "صَابِراً" كما تقدَّم تقريره. فصل دلَّ قوله: {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} على أنَّ ظاهر الأمر للوجوب، وأن تارك المأمور به عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقاب؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} تفسير : [الجن: 23]. فصل قوله الخضر لموسى: "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً" نسبه إلى قلة العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً تواضعٌ شديد، وإظهار للتَّحمل التَّام، وذلك يدلُّ على أنَّ الواجب على المتعلِّم إظهار التواضع بكلِّ الغايات، وأمَّا المعلم فإن رأى أنَّ في التغليظ على المتعلِّم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنَّ السُّكوت عنه يوقع المتعلِّم في الغرور، وذلك يمنع من التعلُّم. قوله: "فإن اتَّبْعتَنِي" أي صحبتني، ولم يقل: اتَّبعني، ولكن جعل الاختيار إليه، إلاَّ أنَّه شرط عليه شرطاً، فقال: "فلا تَسْألنِي" تقدَّم خلاف القرَّاء في هذا الحرفِ، في سورة "هود". وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السِّين، واللام، وتشديد النون من غير همزٍ، وبغير ياءٍ، وروي عن ابن عامرٍ، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى منِّي ما لم تعلمْ وجههُ حتَّى أكون أنا المبتدىء بتعليمك إيَّاه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي: أبتدىء بذكره، فأبين لك شأنهُ. قوله: {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} الآية. اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة. قال ابن الخطيب: لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى: {أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا} [لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ما قال]. وفي اللام وجهان: أحدهما: هي لام العلة. والثاني: هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان: "ليَغرَقَ" بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، "أهْلُهَا" بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، إلا أنَّهما شدَّدا الراء. والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ؛ نحو: ثمر [وقمح]، إلا أنه هذا في المصنوع قليلٌ جدًّا، نحو: جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3547- مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ تفسير : واشتقاقها من السَّفن، وهو القشر؛ لأنَّها تقشر الماء، كما سميت "بِنْتَ مخرٍ" لأنها تمخرُ الماء، أي: تشقُّه. قوله: "إمْراً" أي شيئاً عظيماً، يقال: أمِرَ الأمْرُ، أي: عظم وتفاقم، قال: [الرجز] شعر : 3548- دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا تفسير : والإمرُ في كلام العرب: الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم. ومعنى الآية: لقد جئت شيئاً منكراً. وقال القتيبيُّ: "إمْراً" أي عظيماً عجيباً منكراً. روي أنَّ الخضر، لمَّا [خرق] السَّفينة لم يدخلها الماءِ. وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق قوله: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي: قال ذلك الخضر، قال موسى {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}. قال ابن عبَّاس: إنَّه لم ينس، ولكنَّه من معاريض الكلام، فكأنَّه نسي شيئاً آخر. وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنِّسيان التَّرك. وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً ". تفسير : فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء قال ابن الخطيب: احتجَّ الطَّاعنون في عصمة الأنبياءِ بهذه الآية من وجهين: أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيًّا، ثم قال موسى: "أخَرقتهَا، لتُغْرِقَ أهْلهَا"، فإن صدق موسى في هذا القول، دلَّ ذلك على صدور الذَّنْب العظيم من ذلك النبيِّ، وإن كذب، دلَّ ذلك على صدور الذنب [العظيم] من موسى. والثاني: أنه التزم أنَّه لا يعترض على ذلك العالمِ، وجرت العهود المذكورة بذلك، ثم إنَّه خالف تلك العهود، وذلك ذنبٌ. فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادةِ، قال هذا الكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل إنَّه أحبَّ أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنَّه إمرٌ. وعن الثاني: أنَّه إنما خالف الشَّرط؛ بناءً على النِّسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنَّه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، فعندها اعتذر موسى بقوله: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} أراد أنه نسي وصيَّته، ولا مؤاخذة على الناسي، {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} أي: لا تكلِّفني مشقَّة، يقال: أرهقهُ عسراً وأرهقته عسراً، أي: كلَّفتهُ ذلك. لا تضيِّق عليَّ أمري، لا تعسِّر متابعتك [ويسرها عليّ] بالإغضاء، وترك المناقشة، و عاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر. و "عُسْراً": مفعول ثانٍ لـ "تُرهِقْنِي" من أرهقه كذا، إذا حمَّله إيَّاه، وغشَّاه به، و "ما" في "بِمَا نسيتُ" مصدرية، أو بمعنى "الذي" والعائد محذوف. وقرأ أبو جعفر: "عُسُراً" بضمِّ السين، حيث وقع. قوله: {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ} الآية. اعلم أنَّ لفظ الغلام قد يتناول الشابَّ البالغ، وأصله من الاغتلامِ، وهو شدَّة الشَّبقِ، وذلك إنما يكون في الشَّباب، وقد يتناولُ هذا اللفظُ الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعبُ مع الغلمان، أو كان منفرداً؟ أو هل كان مسلماً، أو كان كافراً؟ أو هل كان بالغاً، أو صغيراً؟ لكن اسم الغلام بالصَّغير أليقُ، وإن احتمل الكبير، إلاَّ أن قوله: "بغير نفسٍ" أليق بالبالغ منه بالصبيِّ؛ لأن الصبيِّ لا [يقتل]. قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكيَّة بغير نفس إلاَّ وهو صبيٌّ لم يبلغ. وكيفيَّة قتله، هل كان بحزِّ رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ فليس في لفظ القرآن ما يدلُّ على شيءٍ من هذه الأقسام، لكنَّه روي في الحديث عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الغلام الذي قتله الخضرُ، طبع كافراً، ولو عاش، لأرهق والديه طغياناً وكفراً ". تفسير : فإن قيل: إنَّ موسى استبعد أن يقتل النَّفس إلاَّ لأجل القصاصِ، وليس الأمر كذلك، لأنه قد يحلُّ دمه بسبب آخر. فالجواب: أنَّ السَّبب الأقوى هو ذاك. قوله: {زَكِيَّةً}: قرأ "زَاكِية" بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ "زاكيةً" فهو اسمُ فاعلٍ على أصله، ومَنْ قرأ "زَكِيَّةً" فقد أخرجه إلى فعيلة للمبالغة. قال الكسائيُّ والفراء: معناهما واحدٌ؛ مثل القاسيةِ والقسيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكيةُ: التي لم تذنبْ قطُّ، والزكيَّة: التي أذنبت ثم تابت. [والغلام: من لم يبلغْ]. وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازاً باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل] شعر : 3549- شَفاهَا مِنَ الدَّاءِ الذي قَدْ أصَابهَا غُلامٌ إذَا هزَّ القَناةَ شَفاهَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 3550- تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني غُلامٌ إذا هو جيتُ لستُ بِشاعرِ تفسير : وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشَّبق، وذلك إنما يكون في الشاب المحتلمِ، والذي يظهرُ أنه حقيقةٌ فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد أحدهما، قيد كقوله: "لغُلامَيْنِ يَتيمينِ" وقد تقدَّم ترتيب أسماءِ الآدميِّ من لدن هو جنينٌ إلى أن يصير شيخاً، ولله الحمد، في آل عمران. قال الزمخشري: "فإن قلت: لم قال: "حتى إذا ركبا في السفينة خرقها" بغير فاءٍ، و "حتَّى إذا لقيا غلاماً، فقتله" بالفاء؟ قلت: جعل "خَرقهَا" جزاء للشرط، وجعل "قتلهُ" من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء "قال: أقتلت" فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخرق لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتل لقاء الغلام". قوله: "بغَيْرِ نفسٍ" فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنها متعلقة بـ "قَتلْتَ". الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: قتلته ظالماً، أو مظلوماً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو بعيد جدًّا. الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلاً بغير نفسٍ. قوله: "نُكْراً" قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمَّتين، والباقون بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصلٌ، و "شَيْئاً": يجوز أن يراد به المصدر، أي: مجيئاً نكراً، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمراً منكراً، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمرُ أبلغُ؛ لأنَّ قتل أنفسٍ بسبب الخرقِ أعظم من قتل نفسٍ واحدة وأيضاً: فالإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النُّكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك قال: "ألَمْ أقُلْ لَكَ" ولم يأتِ بـ "لَكَ" مع "إمْراً"؛ لأن هذه اللفظة تؤكِّد التَّوبيخ. وقيل: زاد ذلك، لأنَّه نقض العهد مرَّتين، فقال الخضرُ لموسى - عليهما السلام -: {ألَمْ أقُل لكَ إنَّكَ لنْ تَسْتطيعَ معي صَبْراً} فعند ذلك قال موسى: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} وهذا كلام نادمٍ. قوله: {فَلاَ تُصَاحِبْنِي}: العامة على "تُصاحِبْني" من المفاعلة، وعيسى ويعقوب: "فلا تَصْحبنِّي" من صحبه يصحبه. وأبو عمرو في رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ "فلا تصحبني علمك" فأظهر المفعول. قوله: "مِنْ لدُنِّي" العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على "لَدُن" لتقيها من الكسر؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون "مِنْ" و "عَنْ" فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون: منِّي وعنِّي بالتشديد. ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنَّه لم يلحقُ نون الوقاية لـ "لَدُن" إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال: "لا يجوز أن تأتي بـ "لَدُنْ" مع ياء المتكلم، دون نون وقاية" وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت بـ "لَدُ" لغة في "لَدُنْ" حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصحُّ ذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقيَ الكلمة الكسر؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون. الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: "لَدُنِي" بالتخفيف. وقد حذفت النون من "عَنْ" و "مِنْ" في قوله: [الرمل] شعر : 3551- أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني تفسير : وقرأ أبو بكر بسكون الدَّال، وتخفيف النون، لكنَّه ألزم الدال الضمة منبهة على الأصل. ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على "لد" الساكنة الدال، لغة في "لدُنْ" فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد "عضدٍ" وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله {أية : لاَ تَأْمَنَّا} تفسير : [يوسف: 11]، وفي قوله في هذه السورة "من لدنه" في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا. وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية "عُذُراً" بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً "عذري" مضافاً لياءِ المتكلم. و "مِنْ لدُنَّي" متعلق بـ "بَلغْتَ" أو بمحذوف على أنَّه حال من "عُذْراً". فصل في معنى الآية قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك. وقيل: حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً. وقيل: اتَّضح لك العذر في مفارقتي. والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً. روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى" تفسير : وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال: "إنْ سَألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً؛ فلو صبر، لرأي العجب". قوله: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا} الآية. قال ابن عباس: هي أنطاكية. وقال ابن سيرين: هي [الأبلة]، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل: بَرْقَة. وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس. {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} قال أبي بن كعبٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم: حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما. وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما. قال قتادة: شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف. وروي عن أبي هريرة: "أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم". قوله: {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا}: جواب "إذا" أي: سألاهم الطعام، وفي تكرير "أهلها" وجهان: أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 3552- لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 3553- لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ تفسير : والثاني: أنَّه للتأسيس؛ وذلك أنَّ الأهل المأتيِّين ليسوا جميع الأهل، إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقتٍ واحدٍ، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحداً واحداً، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أنَّ الضمير يعودُ على ذلك البعضِ المأتيِّ، دون غيره، فكرَّر الأهل لذلك. فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: {أية : إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} تفسير : [القصص: 24]. فالجواب: أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد. فإن قيل: إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي}. وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله؟. فالجواب: أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ليلة]، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم. فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك؛ بدليل أنَّه قال: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة؟. فالجواب: لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك. قوله: "أنْ يُضيِّفُوهمَا" مفعولٌ به لقوله "أبَوْا" والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: أضافه يضيفه وهما مثل: ميَّله وأماله. رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذَّهب، وقالوا: يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة "فأتوا أن يضيفوهما"، أي: أتوا [لأجل أن] يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: "تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة". قوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي: فرأيا في القرية حائطاً مائلاً. وقوله: "أنْ ينْقَضَّ" مفعول للإرادة، و "انقضَّ" يحتمل أن يكون وزنه "انفعل" من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى: يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه "افْعَلَّ" كـ "احمَرَّ" من النقض، يقال: نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش "يُرِيدُ ليُنْقَضَ" مبنيًّا للمفعول؛ واللام كهي في قوله {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 28]. وما قرأ به أبيٌّ "يُرِيدُ أن ينقض" بغير لامِ كيْ. وقرأ الزهريُّ "أن ينقاضَ" بألف بعد القاف. قال الفارسي: "هو من قولهم قضته فانقاضَ" أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل: "انْقيضَ" فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء هذه القراءة قال: "مثل: يَحمارُّ" ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون وزنه "يفعالَّ" ونقل أبو البقاء: أنه قُرىء كذلك بتخفيف الضاد، قال: "هو من قولك: انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم". وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين "يَنقَاصُ" بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: "وتقول العرب: انقاصتِ السِّنُّ: إذا انشقَّت طولاً" وأنشد لذي الرّمّة: شعر : 3554-................ ......... مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ تفسير : وقيل: إذا تصدَّعتْ، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيبٍ: [الطويل] شعر : 3555- فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ تفسير : ونسبة الإرادة إلى الجدار مجازٌ، وهو شائع جدًّا. وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر: [الوافر] شعر : 3556- يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ تفسير : والآية من هذا القبيل. وكذا قوله: {أية : وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} تفسير : [الأعراف: 154] وقوله: {أية : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب. وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا. قوله: "فأقَامهُ" قيل: [نقضه]، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس. وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير. واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} فلا جرم قال: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر: "هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ". قوله: {لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو "لتخِذْتَ" بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ كـ "تَعِبَ يَتْعَبُ". والباقون "لاتَّخذتَ" بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ من "اتَّقَى" نحو قوله: [الطويل] شعر : 3557-............... تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو تفسير : أم هما من تخذَ، والتاء أصيلةٌ، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدَّم تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى الكسب. قوله: {فِرَاقُ بَيْنِي}: العامة على الإضافة؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل] شعر : 3558-................. وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ تفسير : وحكى القفال عن بعض أهل العربيَّة أنَّ البين هو الوصل؛ لقوله {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94]، فيكون المعنى هذا فراقُ اتصالنا، كقول القائل: أخزى الله الكاذب بيني وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج. وقرأ ابن أبي عبلة "فِراقُ" بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة "بين" إلى غير متعددٍ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك: "المَالُ بيني" لم يكن كلاماً؛ حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلانٍ. وقوله: "هذا" أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرَّق بيننا. وقيل: إنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا شرط أنَّه إنْ سأله بعد ذلك سؤالاً آخر، حصل الفراق بقوله: [{إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال]: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} أي: هذا الفراق [الموعود]، ثم قال: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}. قرأ ابن وثَّاب "سَأنْبِيكَ" بإخلاص الياء بدل الهمزة. قوله تعالى: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ}: العامة على تخفيف السين، جمع "مِسْكين". وقرأ عليٌّ أميرالمؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع "مسَّاك" وفيه قولان: أحدهما: أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة. والثاني: أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع "مَسْكٍ" بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ؛ لقوله: {يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و "يَعْملُونَ" صفة لمساكين. قوله: {وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} "وَرَاء" هنا بمعنى المكان. وقيل: "وَراءَهُمْ" بمعنى "أمَامَهُمْ"؛ كقوله: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} تفسير : [إبراهيم: 16] وقيل: "وَراءَهُمْ" خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ؛ لقوله: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ}تفسير : [إبراهيم: 16] ويؤيِّده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ: [الطويل] شعر : 3559- أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا تفسير : وقال تعالى: {أية : وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} تفسير : [الإنسان: 27] وتحقيقه: أنَّ كلَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت عنه، وقيل: إنَّ تحقيقه أنَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوارٍ عنه، فكلُّ ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائباً عنك، متوارياً عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة "وراء" عليه، ويراد بها الزَّمان؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3560- ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي تفسير : وقال لبيد: [الطويل] شعر : 3561- أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ تفسير : قوله: "غَصْباً" فيه أوجه: الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال: "فإن قلت: قوله: "فأردتُّ أن أعيبها" مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب؛ فلمَ قُدِّم عليه؟ قلتُ: النيةُ به التأخيرُ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ". قوله: {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ}: التثنية للتغليب، يريد: أباه وأمَّه، فغلَّب المذكَّر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدَّم [في يوسف]: أنَّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقربُ. والعامة على "مُؤمنين" بالياء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، والجحدريُّ "مُؤمنانِ" بالألف، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم. الثاني: أن في "كان" ضمير الشَّأن، و "أبواهُ مُؤمِنانِ" مبتدأ وخبر في محل النصب؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3562- إذَا مِتُّ كان النَّاسُ صِنفَانِ شَامتٌ ............... تفسير : فهذا أيضاً محتمل للوجهين. الثالث: أن في "كان" ضمير الغلام، أي: فكان الغلامُ، والجملة بعده الخبر، وهو أحسن الوجوه. قوله: {فَخَشِينَآ} أي: فعلمنا {أَن يُرْهِقَهُمَا} يفتنهما. وقال الكلبيُّ: يكلِّفهما طغياناً وكفراً. وقال سعيد بن جبيرٍ: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه. قيل: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدِّي ذلك الفسق إلى الكفر. وقيل: كان صبيًّا إلا أن الله تعالى علم منه أنَّه لو صار بالغاً، لحصلت منه تلك المفاسد. وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظنِّ، والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنِّه تولُّد المفاسد منه. فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظنِّ؟ فالجواب: أنَّه إذا تأكَّد ذلك الظنُّ بوحي الله تعالى إليه، جاز. قوله: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا}: قرأ نافع، وأبو عمرو بفتح الباء، وتشديد الدال من "بدَّل" هنا، وفي التحريم [الآية: 5] {أية : أَن يُبْدِلَهُ} تفسير : وفي القلم [الآية: 32] {أية : أَن يُبْدِلَنَا} تفسير : والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من "أبْدلَ" في المواضع الثلاثة، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلبٌ: الإبدال تنحيةُ جوهرةٍ، واستئناف أخرى؛ وأنشد: [الرجز] شعر : 3563- عَزْلَ الأميرِ للأمِيرِ المُبدَلِ تفسير : قال: ألا تراه نحَّى جسماً، وجعل مكانه آخر، والتبديل: تغيير الصورة إلى غيرها، والجوهرة باقية بعينها؛ واحتجَّ الفراء بقوله تعالى: {أية : يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} تفسير : [الفرقان: 70] قال: والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّهم يجعلون "أبدلتُ" بمعنى "بدَّلتُ" قال شهاب الدين: ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ} تفسير : [إبراهيم: 48]: هل يتغير الجسمُ والصفة، أو الصفة دون الجسم؟. قوله: {يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَٰوةً} أي: يرزقهما الله ولداً خيراً من هذا الغلام "زَكَاةً" أي: ديناً، وصلاحاً. وقيل: ذكر الزكاة تنبيهاً على مقابلة قول موسى - عليه السلام - "أقتَلْتَ نفساً زكيَّة بغيرِ نفسٍ" فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً، بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه بما ذكره من الزَّكاة، ويكون المراد من الزَّكاة الطهارة، وكان قول موسى: "أقَتَلْتَ نَفْساً زكيَّة"، أي: طاهرة، لأنَّها ما وصلت إلى حدِّ البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم: إن تلك النفس، وإن كانت طاهرة زاكية في الحال، إلاَّ أنه تعالى علمَ منها أنَّها إذا بلغتْ، أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولدٌ عظيمٌ، أي: أعظم زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلمُ الله منه أنَّه عند البلوغ لا يقدم على شيءٍ من هذه المحظورات. ومن قال: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، قال: المراد من وصف نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله. قوله: "رُحْماً" قرأ ابن عامر "رُحُماً" بضمتين، والباقون بضة وسكون، وهما بمعنى الرحمة؛ قال رؤبة: [الرجز] شعر : 3564- يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسَا ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبْليسَا تفسير : وقيل: الرُّحُم بمعنى الرَّحم، وهو لائِقٌ هنا من أجلِ القرابةِ بالولادة؛ ويؤيِّده قراءة ابن عباس "رَحِماً" بفتح الراءِ، وكسر الحاء، و "زَكاةً ورُحْماً" منصوبان على التمييز. والمعنى: هذا البدل يكون [أقرب] عطفاً ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما. فصل في المبدل به قال الكلبيُّ: أبدلهما الله جارية تزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم. قوله: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} وكان اسمهما "أصْرَم" و "صَرِيم". واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: {أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: "يَتيميْنِ في المدينةِ" فدلَّ على جواز [تسمية] إحداهما بالأخرى، ثم قال: "وكَان تحته كنزٌ لهُمَا". روى أبو الدرداء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "كَانَ ذهباً، وقضَّة". وقال عكرمة: كان مالاً، ويدلُّ على ذلك أنّ المفهوم من لفظ الكنز هو المالُ. وعن ابن عباس قال: "كَانَ لوحاً من ذهبٍ مكتوباً فيه: عجباً لمن أيقن بالموتِ، كيف يفرحُ، عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصبُ، عجباً لمن أيقن بالرزقِ كيف يتعب، عجباً لمن يؤمنُ بالحساب كيف يغفل، عجباً لمن أيقن بزوالِ الدُّنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنُ إليها، لا إله إلا الله، محمدُ رسول الله، وفي الخطاب الجانب الآخر: أنا الله، لا إله إلا أنا، وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشرَّ فطوبى [لمن] خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشرِّ، وأجريته على يديه". وهذا قول أكثر المفسِّرين وروي أيضاً مرفوعاً، قال الزجاج: والكنزُ إذا أطلق إنما ينصرفُ إلى كنز المال، ويجوز عند التَّقييد لكنز العلم، يقال: عنده كنز علم. وهذا اللوح كان جامعاً لهما. "وكان أبُوهمَا صالحاً" قيل: كان [اسمه] "كَاشِحٌ" وكان من الأنبياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولهذا قيل: إنَّ الرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال، قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء وهذا يدل على أنَّ صلاح الإنسان يفيد العناية بأحوال أبنائه، فإن قيل: اليتيمان، هل أحد منهما عرف حصول الكنز تحت ذلك الجدار، أو ما عرف أحد منهما ذلك؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن كان الثاني فكيف يمكنه بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به؟. الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلاَّ أن وصيَّهما كان عالماً به، إما أن ذلك الوصيَّ غاب، وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السُّقوطِ، ثم قال: "فأرادَ ربُّك أن يبلغا أشدَّهُما" أي: يبلغا ويعقلا، وقيل: يدركا شدَّتهما وقوتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، ويستخرجا حينئذ كنزهما "رحْمةً من ربِّك" أي: نعمة من ربِّك. وفي نصب "رَحْمَةً" ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مفعول له. الثاني: أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: أراد ذلك راحماً، وهي حالٌ لازمة. الثالث: أن ينتصب انتصاب المصدر؛ لنَّ معنى "فأراد ربُّك أن يبلغا" معنى: "فرحمهما" ثم قال: "وما فعلتهُ عن أمْرِي" أي: ما فعلته باختيارِي ورأيي، بل فعلتهُ بأمر الله وإلهامه، بأنَّ الإقدامَ على تنقيص أموالِ النَّاسِ وإراقةِ دمائهم، لا يجوز إلاَّ بالوحي والنفي القاطع، "وذلِكَ تأويلُ ما لمْ تَسْطِع عليه صبراً" أي: لم تطقْ عليه صبراً. قوله: "تَسْطِعْ" قيل أصله "اسْتطاعَ" فحذفت تاء الافتعال، وقيل: المحذوف الطاء الأصلية، ثم أبدلت تاءُ الافتعال طاء بعد السِّين، وهذا تكلف بعيدٌ. وقيل: السِّين مزيدة عوضاً من قلب الواو ألفاً، والأصل: أطاع، ولتحقيق القول فيه موضعٌ غير هذا، ويقال: استتاع - بتاءين، واستاع - بتاء واحدة، فهذه أربع لغاتٍ حكاها ابن السِّكيتِ. فصل اعلم أنَّ أحكام الأنبياء - عليهم السلام - مبنيةٌ على الظواهر؛ كما قال - عليه السلام -: "حديث : نَحْنُ نحكمُ بالظَّاهرِ والله يتولَّى السَّرائرَ" تفسير : وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لنَّ الظاهر في أموال النَّاس، وفي أرواحهم في المسالة الأولى والثانية من غير سببٍ ظاهرٍ لا يبيح ذلك التصرف؛ لأن تخريق السفينة تنقيصٌ لملك الغير من غير سبب ظاهر يبيحُ ذلك التصرُّف، والإقدام على قتل الغلامِ إلحاقٌ بضررِ القتل به من غير سبب ظاهر والإقدامُ على إقامةِ الجدار المائل تحملٌ للتَّعَب والمشقَّة من غير سبب ظاهر، فهذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنيًّا على الأسباب الظاهرة، بل كان مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان قد آتاهُ الله قوة عقلية يقدر بها أن يشرفَ على بواطن الأمور، ويطَّلع بها على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى - عليه السلام - في معرفةِ شرائع الأحكام بناء على الظواهر، وهذا العالم مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائقها، فلهذا كانت مرتبته في العلم فوق مرتبة موسى. إذا عرف هذا؛ فنقول: هذه المسائل الثلاثة مبنيةٌ على حرف واحد، وهو أنه: إذا تعارض ضرران يجب تحمل الأولى، لدفع الأعلى، فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة، أمَّا الأولى: فلأنَّ ذلك العالم علم أنَّه لو لم يعب السفينة بالتخريقِ، لغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها بالكليَّة على ملاَّكها، فوقع التعارضُ بين أن يخرقها ويعيبها، ويبقى مع ذلك العيب على ملاَّكها وبين ألاَّ يخرقها، فيغصبها الملك، وتفوت منافعها على ملاكها بالكلِّية، ولا شكَّ أن الضرر الأوَّل أقلُّ؛ فوجب تحمُّله؛ لدفع الضرر الثاني؛ لكونه أعظم ضرراً. وأمَّا المسألة الثانية فكذلك؛ لأنَّ بقاء ذلك الغلام كان مفسدة للوالدين في دينهم، وفي أبنائهم، ولعلَّه علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسدِ للأبوين؛ فلهذا السَّبب أقدم على قتله. والمسألة الثالثة - أيضاً - كذلك؛ لأنَّ المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على بناء الجدار المائل أسهل من المضارِّ الحاصلة بسبب ترك إقامته، لأنَّ ذلك الجدار لو سقط، لضاع مال أولئك الأيتام، وفيه ضررٌ شديدٌ، فالحاصل أنَّ ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام على حقائقها، وأنّ موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، فبهذا ظهر التفاوتُ بينهما في علمه. فإن قيل: فحاصل الكلام أنَّه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء، وهذا النَّوعُ من العلم ما يمكنُ تعلُّمه، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكنُ تعلُّمه، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه، فما الفائدة في إظهارها؟ فالجواب: أنَّ العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأمَّا العلم بحقائق الأشياء، فإنَّه لا يمكن تحصيله إلاّ بناءً على تصفية الباطن، وتطهير القلب عن العلائق الجسمانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: {وعلَّمناهُ من لدُنَّا علماً} ثم إن موسى - عليه السلام - لمَّا كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله تعالى إلى ذلك العالم، ليعلِّم موسى أنَّ كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظَّواهر إلى علوم البواطنِ المبنية على الإشراف على حقيقة الأمور. فصل احتجُّوا بهذه الآية على أن الفقير أشدُّ حاجة من المسكين؛ لأنَّه تعالى سمَّاهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة. واعلم أن العالم بيَّن مراده من تخريق السفينة، وأنه لم يكن مقصوده تغريق أهلها؛ بل كان مقصوده تعييبها، لئلاَّ يأخذها ذلك الملك الظَّالم؛ لأنه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب، وضرر هذا التخريق أسهل من ضرر الغصب. فإن قيل: هل يجوز للأجنبيِّ أن يتصرَّف في ملك الغير لمثل هذا الغرض؟. فالجواب: هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع، فلعلَّ هذا كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيدٍ، فإنَّا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطَّريق بعض ذلك المال سلم الباقي، فحينئذ يحسنُ منَّا أن ندفع بعض مال ذلك الإنسان إلى قاطع الطريق؛ ليسلم الباقي، وكان هذا إحساناً منا لذلك المالك. كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق، وأنه إذا ألقي منها شيءٌ في البحر خفَّت وسلم ما فيها جاز الإلقاء، بل يجب كذلك، وكذلك مسألة التترُّس بالمسلمين. واعلم بأنَّ هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة بالكلِّية، إذ لو كان كذلك، لم يكن الضَّررُ الحاصل من غصبها أعظم من الضَّرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً. فصل اعلم أنَّه قال: {فأردتُ أن أعيبها} وقال: {فأردْنَا أن يبدلهما ربُّهما خيراً منهُ}، وقال: {فأرَادَ ربُّك أن يبلُغا أشدَّهما} فاختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة، وهي كلها قضيَّة واحدة، وفائدة ذلك أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: {فأرَدْتُ أن أعيبها} ولمَّا ذكر القتل، عبَّر عن نفسه بلفظِ الجمع تنبيهاً على أنَّه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلاَّ لحكمةٍ عاليةٍ، ولمَّا ذكر رعاية صالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى، لأنَّ المتكفِّل بمصالح الأبناء برعاية حقِّ الآباء ليس إلاَّ الله تعالى. فصل اختلفوا: هل الخضر حيٌّ أم لا؟ فقيل: إنَّ الخضر وإلياس حيَّان يلتقيان كلَّ سنةٍ بالموسم، قيل: وسبب حياته أنَّ ذا القَرنَيْنِ دخل الظلمات، لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدِّمته، فوقع الخضر على عين الحياة، فنزل، واغتسل، وشرب، وقيل: وأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد. وقيل: إنه ميتٌ، لقول الله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34] وقال عليه الصلاة والسلام بعدما صلى العشاءَ ليلة: "حديث : أرَأيْتكُمْ ليْلتَكُم هذه، فإنه على رأس مائة سنةٍ لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرضِ أحدٌ" تفسير : ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده. رُويَ أنَّ موسى لمَّا أراد أن يفارقه قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدِّث به، واطلبه لتعمل به.
البقاعي
تفسير : ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية، قال تعالى عاطفاً على قوله "لهم موعد" مروعاً لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة لدمارهم: {وتلك القرى} أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم {أهلكناهم} أي حكمنا بإهلاكهم بما لنا من العظمة {لما ظلموا} أي أول ما ظلموا، أو أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله، بل أمهلناهم إلى حين تناهيه وبلوغه الغاية، فليحذر هؤلاء مثل ذلك {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة {لمهلكهم} أي إهلاكهم بالفعل {موعداً *} أي وقتاً نحله بهم فيه ومكاناً لم نخلفه، كما أنا جعلنا لهؤلاء موعداً في الدنيا بيوم بدر والفتح وحنين ونحو ذلك، وفي الآخرة لن نخلفه، وكذا كل أمر يقوله نبي من الأنبياء عنا لا يقع فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك، بخلاف ما يقوله من نفسه غير مسند إلينا فإنه يمكن وقوع الخلف فيه، كما وقع في الوعد بالإخبار عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها على حسب فهمهم أن {غدا} على حقيقته. ولما قدم الكلام على البعث، واستدل عليه بابتداء الخلق، ثم ذكر بعض أحواله، ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثال، وصرف من وجوه الاستدلال، وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة، عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند المسرة، فلكل شيء عنده كتاب، وكل قضاء بقدر وحساب، فذكر قصة موسى مع الخضر عليهما السلام وما اتفق له في طلبه، وجعله سبحانه له الحوت آية وموعداً للقائه، ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء، مع ما فيها من الخارق الدال على البعث، ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن يعترض عليه إلا من كان على ثقة مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن، ومن الإرشاد إلى ذم الجدل بغير علم، ووجوب الانقياد للحق عند بيانه، وظهور برهانه، ومن إرشاد من استنكف أن يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه السلام من أنه - وهو كليم الله - أتبع الخضر عليه السلام ليقتبس من علمه، ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إن لم يخبركم فليس بنبي" الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئاً أن من شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء، مع ما يعلمون من أن موسى عليه السلام خفي عليه جميع ما فعله الخضر عليه السلام، وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه السلام بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أو نقرتين" حديث : ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر"تفسير : وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السلام جعل نفسه تابعاً للخضر عليه السلام، تكذيباً لهم في ادعائهم أنه ليس أحد أعلى من موسى عليه السلام في وصف من الأوصاف، وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره، ومن جوابهم عما لعلهم يقولون للعرب بهتاً وحسداً "لو كان نبياً ما قال: أخبركم غداً، وتأخر عن ذلك" بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام بالصبر، وبما خفي عليه مما اطلع عليه الخضر عليهما السلام، فقال تعالى عاطفاً على قوله سبحانه { وإذ قلنا للملائكة }: {وإذ} أي واذكر لهم حين {قال موسى} أي ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل، أي قوله الذي كان في ذلك الحين {لفتاه} يوشع بن نون عليهما السلام: {لا أبرح} أي لا أزال سائراً في طلب العبد الذي أعلمني ربي بفضله - كما دل عليه ما يأتي {حتى أبلغ مجمع البحرين} أي ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي، فتعينت البداءة به فألقاه ثَمّ {أو أمضي حقباً *} إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعداً لي في لقائه؛ والحقب - قال في القاموس - ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو السنون - انتهى. وما أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم وتزودهما بالنون الذي قرنه الله بالقلم وما يسطرون، وعين الحياة لأن العلم حياة القلوب، فسارا وتزودا حوتاً مشوياً في مكتل كما أمر به، فكانا يأكلان منه إلى أن بلغا المجمع {فلما بلغا مجمع بينهما} أي البحرين، فلم يكن هناك بين أصلاً لصيرورتهما شيئاً واحداً {نسيا حوتهما} فلم يعلم موسى عليه السلام شيئاً من حاله ونسي أن يسأل عنه، وعلم يوشع عليه السلام بعض حاله فنسي أن يذكر ذلك له {فاتخذ} أي الحوت معجزة في معجزة {سبيله} أي طريقه الواسع الواضح {في البحر سرباً *} أي خرقاً في الماء غير ملتئم، من السرب الذي هو جحر الوحشي، والحفير تحت الأرض، والقناة يدخل منها الماء الحائط. وقد ورد في حديثه في الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع جريه في الماء، فصار طاقاً لا يلتئم. ويوشع عليه السلام ينظر ذلك، وكأن المجمع كان ممتداً، فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار {فلما جاوزا} أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع تعب، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمر به معجزةً أخرى، فلما جاع وتعب {قال لفتاه ءاتنا} أي أحضر لنا {غداءنا} أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء، ولذلك وصل به قوله تعالى: {لقد لقينا من سفرنا} أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى: {هذا نصباً *} وكان الحوت زادهم فلم يكن معه، فكأنه قيل: فما كان عن أمره؟ فقيل: {قال} لموسى عليه السلام معجباً له: {أرءيت} ما دهاني؟ {إذ أوينا إلى الصخرة} التي بمجمع البحرين {فإني} أي بسبب أني {نسيت الحوت} أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك؛ ثم زاد التعجيب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملاً وبين تفصيل أمره وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى: {وما أنسانيه} مع كونه عجيباً {إلا الشيطان} بوساوسه. ولما كان المقام للتدريب في عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ونفيه وإن كان ضرورياً، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره قوله تعالى: {أن أذكره} لك فإنه عاش فانساب من المكتل في البحر {واتخذ سبيله} أي طريقه الذي ذهب فيه {في البحر عجباً *} وذكره له الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتاً لطاعة، بل فيه ترقية لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه البغية، وحفظ الماء منجاباً على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقان، وقوله تعالى {أية : إنما سلطانه على الذين يتولونه}تفسير : [النحل:100] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي، وقد كان في هذه القصة خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، وإمساك الماء عن مدخله، وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أو أتباعه ببركته مثل ذلك. أما إعادة ما أكل من الحوت المشوي - وهو جنبه - فقد روى البيهقي في أواخر دلائل النبوة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الحجة التي حجها حتى إذا كنا ببطن الروحاء - فذكر قصة المرأة التي أبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولدها من الجنون إلى أن قال: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجته انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء أتته تلك المرأة بشاة قد شوتها، فأمر بأخذ تلك الشاة منها ثم قال: يا أسيم - وكان إذا دعاه رخمه! ناولني ذراعاً، وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدمها، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعاً! فناولته، ثم قال: يا أسيم! ناولني ذراعاً! فقلت: يا رسول الله! إنما هما ذراعان وقد ناولتك، فقال: والذي نفسي بيده لو سكتَّ ما زلت تناولني ذراعاً ما قلت لك: ناولني ذراعاًتفسير : . فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله لها ذراعاً ثم ذراعاً وهكذا، وقوله الحق الذي لا فرق بينه وهو في عالم الغيب وبين ما وجد في عالم الشهادة. وأما حياة الحوت المشوي فقد مضى عند {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [ المائدة: 67] ما هو أكبر من ذلك في قصة الشاة المشوية المسمومة، وهو أن ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسموم فهو أعظم من عود الحياة من غير نطق، وكذا حنين الجذع، وسلام الحجر، وتسبيح الحصا، وتأمين أسكفة الباب وحوائط البيت ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان حياً، فقد روى البيهقي في الدلائل عن عمرو بن سواد قال: قال لي الشافعي: ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى؟ فقال: أعطى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجذع - الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيىء له المنبر، فلما هيىء له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته - فهذا أكبر من ذاك - انتهى. على أنه قد تقدم في آل عمران وفي آخر البقرة في قصة إبراهيم عليه السلام أشياء من إحياء الموتى له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولبعض أمته. وأما آية الماء فمرجعها إلى صلابته، ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق، وقد روى البيهقي في ذلك ما فيه آية من الإحياء بسند منقطع عن أنس رضي الله عنه قال: كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياماً ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: ائت أمه فأعلمها، فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما، ثم قالت: اللهم إني أسلمت لك طوعاً، وخلعت الأوثان زهداً، وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فوالله ما تقضي كلامها حتى حرك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى هلكت أمه؛ ثم جهز عمر بن الخطاب رضي الله عنه - يعني جيشاً، واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد تدروا بنا، فعفوا آثار الماء، قال: وكان حر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا، وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده وما نرى في السماء شيئاً، فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم! ثم قال: أجيزوا باسم الله! فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدو غيلة فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا. وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار نا الحسن بن علي بن عفان أنبأنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه، قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة، والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم أقحم فرسه فاندفع على الماء، فقال الناس: بسم الله بسم الله، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فلما نظر إليهم الأعاجم قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم، فما فقدوا إلا قدحاً كان معلقاً بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو محمد عبد الله بن محمد السمذي ثنا أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى الدجلة وهي ترمي بالخشب من مدها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئاً فندعو الله - قال البيهقي: هذا إسناد صحيح.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} [الآية: 59]. قال أبو بكر بن طاهر: لما لم يشكروا نعم الله عليهم ولم يقابل البلاء بالصبر والرضا. قال الواسطى فى قوله: {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ}: قال: وكلناهم إلى سؤتك بيسرهم حين سخطوا حسن اختيارنا لهم.
القشيري
تفسير : لمَّا لم يشكروا النِّعم ولم يصبروا في المحن عَجَّلنا لهم العقوبة. ويقال لمَّا غَفَلُوا عن شهود التقدير، وحُرِمُوا رَوْح الرضا وَكَلْناهم إلى ظُلُماتِ تدبيرهم، فطاحوا في أودية غفلاتهم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} قرى الحقائق لبعضهم نفوس ولبعضهم قلوب ولبعضهم عقول ولبعضهم ارواح ولبعضهم اسرار وللعموم صدور ولعموم العموم اشباح فاهل الاشباح لما لم يستعملوا الحواس مبا خلق الله لها من طاعته وخدمته مسخها كقوله كونوا قردة خاسئين واهل الصدور لما لم يراعوا انوار الاسلام بتقديسها عن شوب النفاق خربها الله بجند الوسواس واهل النفوس لما لم يزكوها بصفاء المجاهدة تركها فى شهواتها وحجبها عن صفاء الذكر واهل القلوب لما لم يراقبوا انوار الغيوب ولم يدفعوا عنها الخواطر المذمومة حجبها عن رؤية ملك الآخرة واهل العقول لما لم يستعملوها بالجولان فى الافكار ولطائف الاذكار حجبها عن غرائب الانوار واهل الارواح لما لم يحيلوها فى ميادين الملكوت لطلب مشاهدة الجبروت حجبها الحق بشواغل الرسوم واهل الاسرار لما لم يعرفوا حقايقها وماهيتها بانها طروق لطائف علومه الغيبية تركها خالية عن كشوف احكام الربوبية واهل الظاهر لما لم يعرفوا المنعم باشتغالهم بالنعمة اهلكهم الله بان شغلهم بالنعمة عن طلب المنعم قال ابو بكر بن طاهر لما لم يشكروا نعم الله عندهم ولما يقابلوا البلاء بالصبر والرضا قال الواسطى وكلناهم الى سوء تدبيرهم حين يخطوا حسن اختبارنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتلك القرى} اى قرى عاد وثمود واضرابهما وهى مبتدأ على تقدير المضاف اى واهل تلك القرى خبره قوله تعالى {اهلكناهم لما ظلموا} اى وقت ظلمهم مثل ظلم اهل مكة بالتكذيب والجدال وانواع المعاصى ولما اما حرف كما قال ابن عصفور واما ظرف استعمل للتعليل وليس المراد به الوقت المعين الذى عملوا فيه الظلم بل زمان من ابتداء الظلم الى آخره {وجعلنا لمهلكهم} اى عينا لهلاكهم لان المهلك بفتح اللام وكسرها الهلاك {موعدا} ممتدا لا يتأخرون عنه [بس جرا قريش عبرت نكيرند وازشرك ونافر مانى دست باز نمى دارند (السعيد من وعظ بغيره). ورشيد الدين وطواط درترجمه اين كلام سعادت فرموده شعر : نيكبخت آن كسى بودكه دلش آنجه نيكو تراست ببذيرد ديكرانرا جوبنده داده شود او ازان بند بهره بر كيرد تفسير : وفى الآيات اشارات. منها ان اسباب الهداية وان اجتمعت بالكلية لا يهتدى بها الناس ولا يؤمنون الا بجذبات العنايات كما قال عليه السلام "حديث : لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا"تفسير : قال المولى الجامى شعر : سالكان بى كشش دوست بجايى نرسند سالها كرجه درين راه تك وبوى كنند تفسير : فالاهتداء بهداية الله تعالى وبالسيف كما قال عليه السلام "حديث : امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله"تفسير : وكما قال "حديث : انا نبى السيف ونبى الملحمة " تفسير : ومنها ان اهل الباطل يرون الحق باطلا والباطل حقا وذلك من عمى قلوبهم وسخافة عقولهم فيجادلون الانبياء والاولياء جهلا منهم وضلالة ويسعون فى ابطال الحق واما اهل الحق فينقادون للانبياء والاولياء ويستسلمون لهم من غير عناد وجدال وذلك لانهم ينظرون بنور الله فيرون الحق حقا ويتبعونه ويرون الباطل باطلا ويجتنبونه لا جرم انهم يتخذون آيات الله جدا لا هزؤا فيأتمرون بما امروا به وينتهون عما نهوا عنه. ومنها ان رحمة الله تعالى فى الدنيا تعم المؤمن والكافر لانه لا يؤاخذهم بما كسبوا فى الدنيا بقطع الرزق ونحوه وتخص يوم القيامة بالمؤمن والعذاب يخص الكافر فقوله تعالى {وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا} اى انما اهلكنا اهل تلك القرى بعد ان كان من سنتنا ان تعم رحمتنا المؤمن والكافر فى الدنيا لانهم ضموا مع كفرهم الظلم ومن سنتنا ان لا نمهل الظالم ولا نهمله كما قال عليه السلام "حديث : الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم"تفسير : وقال تعالى {أية : وكذلك نولى بعض الظالمين بعضا}تفسير : وذلك لان همم المظلومين المضطرين مؤثرة ودعاؤهم مستجاب قال عليه السلام "حديث : اتقوا دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب"تفسير : ومن هذا المقام يعرف سر قوله عليه السلام "حديث : ولدت فى زمن الملك العادل"تفسير : فان اطلاق العادل على انوشروان بالنسبة الى انتفاء الظلم الآفاقى عنه وقد كان فى نفسه مجوسيا والشرك ظلم عظيم: قال الشيخ سعدى شعر : مهازورمندى مكن بركهان كه بريك نمط مى نماند جهان بريشانئ خاطر داد خواه بر اندازد ازمملكت يادشاه خنك روز محشرتن داد كر كه در سايه عرش دارد مقر
الطوسي
تفسير : قرأ عاصم {لمهلكهم} بفتح الميم واللام، في رواية أبي بكر عنه. وفي رواية حفص - بفتح الميم وكسر اللام - الباقون بضم الميم وفتح اللام، من فتح الميم واللام جعله مصدراً، لهلك يهلك مهلكا، مثل طلع مطلعاً، ومن كسر اللام جعله وقت هلاكهم أو موضع هلاكهم مثل مغرب الشمس. وحكى سيبويه عن العرب: أتت الناقة على مضربها ومنتجها - بالكسر - أي وقت ضرابها ونتاجها. وإنّ فى الف (لمضربا) بفتح الراء أي ضرباً جعلها مصدراً ومن ضم الميم وفتح اللام - وهو الاختيار - فلان المصدر من (أفعل) والمكان يجيء على (مفعل) كقوله {أية : أدخلني مدخل صدق} تفسير : كذلك: أهلكه الله مهلكاً. وكل فعل كان على (فعل يفعل) مثل ضرب يضرب فالمصدر مضرب بالفتح، والزمان والمكان (مفعل) بكسر العين، وكل فعل كان مضارعه (يفعل) بالفتح نحو يشرب ويذهب، فهو مفتوح أيضاً نحو المشرب والمذهب. وكل فعل كان على (فعل يفعل) بضم العين في المضارع نحو يدخل ويخرج، فالمصدر والمكان منه بالفتح نحو المدخل والمخرج إلا ما شذ منه نحو المسجد، فانه من سجد يسجد، وربما جاء في (فعل يفعل) المصدر بالكسر كقوله {أية : إلى الله مرجعكم} تفسير : أي رجوعكم، ونحو قوله {أية : ويسئلونك عن المحيض} تفسير : ونحو قوله {أية : وجعلنا النهار معاشاً} تفسير : فهذا مصدر وربما جاء على المعيش مثل المحيض كما قال الشاعر: شعر : اليك أشكوا شدة المعيش ومرّ ايام نتفن ريشي تفسير : اخبر الله تعالى أن تلك القرى أهلكناهم يعني أهل القرية، ولذلك قال: (هم): ولم يقل (ها) لأن القرية هي المسكن مثل المدينة والبلدة. والبلدة لا تستحق الهلاك، وانما يستحق العذاب اهلها، ولذلك قال {لما ظلموا} يعني أهل القرية الذين أهلكناهم. والاهلاك اذهاب الشيء بحيث لا يوجد، فقيل هؤلاء أهلكوا بالعذاب. والاهلاك والاتلاف واحد، وقولهم الضائع هالك من ذلك لانه بحيث لا يوجد. وقوله {وجعلنا لمهلكهم} أي لوقت اهلاكهم - فى من ضم الميم - أو لوقت هلاكهم - فى من فتحها - {موعداً} أي ميقاتاً وإجلاً فلما بلغوه جاءهم العذاب. والموعد الوقت الذي وعدوا فيه بالاهلاك. وقوله {وإذ قال موسى لفتاه} معناه واذكر اذ قال موسى لفتاه لما في قصته من العبرة بأنه قصد السفر فوفق الله (عز وجل) فى رجوعه أكثر مما قصد له ممن أحب موسى أن يتعلم منه ويستفيد من حكمته التي وهبها الله له. وقيل إن فتى موسى (ع) كان يوشع بن نون. وقيل ابن يوشع، وسمي فتاه لملازمته إياه {لا أبرح} أي لا ازال كما قال الشاعر: شعر : وابراح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقاً مجيداً تفسير : أي لا ازال، ولا يجوز أن يكون بمعنى لا أزول، لان التقدير، لا أزال أمشي حتى أبلغ. ومعنى (لا يزال يفعل كذا) أي هو دائب فيه. وقيل انه كان وعد بلقاء الخضر عند مجمع البحرين. وقوله {أو أمضي حقباً} معناه لا أبرح حتى ابلغ مجمع البحرين الى أن امضي حقباً. قال ابن عباس: والحقب الدهر. وقيل هو سنة بلغة قيس. وقيل سبعون سنة - ذكره مجاهد - وقال عبد الله بن عمر: هو ثمانون سنة. وقال قتادة: الحقب الزمان. وقال قتادة: مجمع البحرين: بحر فارس والروم. وقوله {فلما بلغا مجمع بينهما} يعني بين البحرين {نسيا حوتهما} وانما نسيه يوشع بن نون وأضافه اليهما، كما يقال نسي القوم زادهم، وانما نسيه بعضهم. وقيل نسي يوشع أن يحمل الحوت، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء. وقوله {فاتخذ سبيله} يعني الحوت { في البحر سرباً} قال ابن عباس وابن زيد ومجاهد: أحيا الله الحوت، فاتخذ طريقه في البحر مسلكَاً. وقيل ان الحوت كانت سمكة مملحة فطفرت من موضعها الى البحر ذاهبة. وقال الفراء: كان مالحاً، فلما حيي بالماء الذي أصابه من العين، وقع في البحر. ووجد مذهبه، فكان كالسرب. وروي عن أبي بن كعب أن مجمع بينهما أفريقية، وأراد الله أن يعلم موسى أنه وإن آتاه التوراة، فانه قد آتى غيره من العلم ما ليس عنده، فوعده بلقاء الخضر. وقوله {مجمع بينهما} يعني موسى وفتاه بلغا مجمع البحرين. وقال قتادة قيل لموسى آية لقياك إياه أن تنسى بعض متاعك، وكان موسى وفتاه تزودا حوتاً مملوحاً حتى إذا كانا حيث شاء الله، رد الله الى الحوت روحه فسرب فى البحر، فذالك قوله {فاتخذ سبيله في البحر سرباً} أي مذهباً يقال سرب يسرب سرباً إذا مضى لوجهه فى سفر غير بعيد ولا شاق وهي السربة فاذا كانت شاقة، فهي (السبأ) ة بالهمزة. وروي ان الله تعالى بعث ماء من عين الجنة، فاصاب ذلك الماء تلك السمكة فحييت وطفرت الى البحر، ومضت. وروي عن ابن عباس أنه قال: لما وفد موسى الى طور سيناء، قال رب أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبغي علم الناس الى علمه، لعله يجد كلمة تهديه الى هدى أو ترده عن ردى. قال رب من هو؟ قال الخضر تلقاه عند الصخرة التي عندها العين التي تنبع من الجنة. وقال الحسن: كان موسى سأل ربه هل أحد أعلم مني من الآدميين فأوحى الله اليه: نعم عبدي الخضر (ع)، فقال موسى (ع): كيف لي بلقائه؟ فاوحى الله اليه أن يحمل حوتاً في متاعه ويمضي على وجهه حتى يبلغ مجمع البحرين، بحر فارس والروم، وهما المحيطان بهذا الخلق. وجعل العلم على لقائه أن يفقد حوته، فاذا فقدت الحوت فاطلب حاجتك عند ذلك فانك تلقى الخضر عند ذلك. وقال الحسن كان الحوت طرياً. وقال ابن عباس: كان مملوحاً. قال الحسن: فمضى على وجهه هو وفتاه حتى {بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سرباً} يعنى الحوت. ثم {قال لفتاه آتنا غداءنا} ففتش متاعه ففقد الحوت، قال {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة} وكانت الصخرة عند مجمع البحرين {فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره فاتخذ سبيله في البحر} يعني الحوت وانقطع الكلام. فقال موسى (ع) عند ذلك {عجباً} كيف كان ذلك. وقال لفتاه {ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصاً} وقال الزجاج: يحتمل أن يكون ذلك من قول صاحبه فانه أخبر بأن اتخاذ الحوت طريقاً في البحر كان عجباً.
الجنابذي
تفسير : {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} اى قرى الامم الماضية {أَهْلَكْنَاهُمْ} من قبيل الاستخدام او بتقدير المضاف فى المرجع، او بارادة الاهل من القرى مجازاً {لَمَّا ظَلَمُواْ} انفسهم بالمعاصى والاعراض عن الآيات او ظلموا الآيات بالعناد او الخلق بالصّدّ والمنع من الآيات وهو تعريض بامّة محمّدٍ (ص) وتحذير عن الاعراض عن الآيات وترغيب فى الاقبال عليها وقبول قوله (ص) فى علىٍّ (ع) {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} اى لهلاكهم او اهلاكهم على قراءة فتح الميم وضمّه {مَّوْعِداً} لا يتجاوزون عنه فلا تغترّوا يا امّة محمّدٍ (ص) بالامهال وعدم التّعجيل فى المؤاخذة، وفسّر المهلك بنار الآخرة، والموعد بالقيامة.
اطفيش
تفسير : {وَتِلْكَ الْقُرَى} قرى عاد وثمود ونحوهم. القرى نعت تلك أو بيانه أو بدله كما لا يخفى. وتلك مبتدأ خبره {أَهْلَكْنَاهُمْ} أو منصوب على الاشتغال بمحذوف يفسره أهلكناهم. وإن قلت: كيف صح الإخبار بأهلكناهم أو الاشتغال فيه مع أن الهاء فيه ليست لتلك القرى؟ قلت: الهاء لتلك القرى على أن تلك القرى بمعنى الناس الساكنين فيها تسمية للحالّ باسم المحل ولأحد المتجاوريْن باسم الآخر أو يقدر مضاف أى وأهل تلك القرى قبل. أو التقدير: وتلك أهل القرى على أن أهل بدل لتلك وبيان فحذف فناب عنه المضاف إليه وزاد بوجه آخر هو النعت. {لَمَّا ظَلَمُوا} أنفسهم بالشرك والمعاصى كما ظلمت قريش أنفسها بذلك. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ} مصدر ميمى من أهلك أى لإهلاكهم أو زمان أو مكان أى لموضع إهلاكهم أو زمانه ويدل للمصدر قراءة أبى بكر هنا كالنمل بفتح الميم وإبقاء اللام على الفتح بعد الهاء فإنه لما فتح اللام كالميم على أنه من هلك على أنه مصدر لأن المصدر من يفعل بكسر العين كيهلك قياسه الفتح كما قال ابن مالك: فى غير ذا عينه افتح مصدرا. وقرأ حفص هنا والنمل بفتح الميم وكسر اللام شذوذا لأن القياس فتح اللام لأنه مصدر من هلك يهلك. ويحتمل أن يكون اسم مكان أو زمان فلا يشذ الكسر لقول ابن مالك: وسواه اكسر. {مَوْعِداً} أى موعدا لمهلكهم لا يتخلف بتبديل ولا تأخير ولا تقديم فاعتبروا بهم ولا تغتروا بالإمهال فإذا جعلنا المهلك مصدرا فالموعد مصدر أو مكان أو زمان وإذا جعلناه مكاناً أو زماناً فالموعد مصدر كمهلك جعل أحدهما مكاناً والآخر زماناً والزمان أنسب بالسياق السابق لأن الكلام مسوق لعدم التعجيل وقد فسر مجاهد الموعد بالأجل وهو زمان.
اطفيش
تفسير : {وَتِلْكَ} مبتدأ على حذف مضاف، أى وأهل تلك {الْقُرَى} أى وأهل تلك القرى عاد وثمود، وقوم لوط ونحوهم، وخبر ا لمبتدأ قوله {أَهْلَكْنَاهُمْ} والإشارة للقرى المعهودة لقريش، ويجوز أن تكون للأقوام المذكورين، فالقرى خبر المبتدأ على حذف مضاف، أى وتلك الأقوام أصحاب القرى، فأهلكناهم خبر ثان، وأصحاب المقدر، ناب عنه القرى، وأهلكناهم خبر أى وأصحاب تلك القرى أهلكناهم، أو القرى اسم لأهلها، والإشارة تنزيل للمشار إليه منزلة المحسوس. {لَمَّا ظَلَمُوا} كظلم قريش بالإشراك وغيره {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ} زمان إهلاكهم {مَوْعِدًا} واعداً أو مهلك بمعنى الإهلاك، وموعداً زمان فلا تغتر قريش، فقد يهلكون كما أهلك من قبلهم، فمهلك اسم زمان أو مصدر ميمى من الرباعى بالزيادة، وكذا موعد من الثلاثى.
الالوسي
تفسير : {وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} أي قرى عاد وثمود وقوم لوط وأشباههم. والكلام على تقدير مضاف أي أهل القرى لقوله تعالى: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ} والإشارة لتنزيلهم لعلمهم بهم منزلة المحسوس، وقدر المضاف في «البحر» قبل {تِلْكَ} وكلا الأمرين جائز. وتلك يشار بها للمؤنث من العقلاء وغيرهم، وجوز أن تكون القرى عبارة عن أهلها مجازاً، وأياً ما كان فاسم الإشارة مبتدأ و {ٱلْقُرَىٰ} صفته والوصف بالجامد في باب الإشارة مشهور والخبر جملة {أَهْلَكْنَـٰهُمْ} واختار أبو حيان كون {ٱلْقُرَىٰ} هو الخبر والجملة حالية كقوله تعالى: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}تفسير : [النمل: 52] وجوز أن تكون {تِلْكَ} منصوباً بإضمار فعل يفسره ما بعده أي وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم {لَمَّا ظَلَمُواْ} أي حين ظلمهم كما فعل مشركو مكة ما حكي عنهم من القبائح. وترك المفعول إما لتعميم الظلم أو لتنزيله منزلة اللازم أي لما فعلوا الظلم. و {لَّمّا} عند الجمهور ظرف كما أشير إليه وليس المراد به الحين المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمان ممتد من ابتداء الظلم إلى آخره. وقال أبو الحسن بن عصفور: هي حرف، ومما استدل به على حرفيتها هذه الآية حيث قال: إنها تدل على أن علة الإهلاك الظلم والظرف لا دلالة له على العلية، واعترض بأن قولك أهلكته وقت الظلم يشعر بعلية الظلم وإن لم يدل الظرف نفسه على العلية، وقيل لا مانع من أن يكون ظرفاً استعمل للتعليل. {وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم} لهلاكهم {مَّوْعِدًا} وقتاً معيناً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فمفعل الأول مصدر والثاني اسم زمان، والتعيين من جهة أن الموعد لا يكون إلا معيناً وإلا فاسم الزمان مبهم والعكس ركيك. وزعم بعضهم أن المهلك على هذه القراءة وهي قراءة حفص في الرواية المشهورة عنه ـ أعني القراءة بفتح الميم وكسر اللام ـ من المصادر الشاذة كالمرجع والمحيض وعلل ذلك بأن المضارع يهلك بكسر اللام وقد صرحوا بأن مجيء المصدر الميمي مكسوراً فيما عين مضارعه مكسورة شاذ. وتعقب بأنه قد صرح في «القاموس» بأن هلك جاء من باب ضرب ومنع وعلم فكيف يتحقق الشذوذ فالحق أنه مصدر غير شاذ وهو مضاف للفاعل ولذا فسر بما سمعت، وقيل: إن هلك يكون لازماً ومتعدياً فعن تميم هلكني فلان فعلى تعديته يكون / مضافاً للمفعول، وأنشد أبو علي في ذلك:شعر : ومهمـه هـالك من تعـرجـا تفسير : أي مهلكه، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يتعين ذلك في البيت بل قد ذهب بعض النحويين إلى أن هالكاً فيه لازم وأنه من باب الصفة المشبهة والأصل هالك من تعرجا بجعل من فاعلاً لهالك ثم أضمر في هالك ضمير مهمه وانتصب من على التشبيه بالمفعول ثم أضيف من نصب، والصحيح جواز استعمال الموصول في باب الصفة المشبهة، وقد ثبت في أشعار العرب قال عمر بن أبـي ربيعة:شعر : أسيلات أبدان دقاق خصورها وثيرات ما التفت عليها الملاحف تفسير : وقرأ حفص وهارون وحماد ويحيـى عن أبـي بكر بفتح الميم واللام، وقراءة الجمهور بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر أيضاً، وجعله اسم مفعول على معنى وجعلنا لمن أهلكناه منهم في الدنيا موعداً ننتقم فيه منه أشد انتقام وهو يوم القيامة أو جهنم لا يخفى ما فيه. والظاهر أن الآية استشهاد على ما فعل بقريش من تعيين الموعد ليعتبروا ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وهي ترجح حمل الموعد فيما سبق على يوم بدر فتدبر والله تعالى أعلم وأخبر. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ} تفسير : [الكهف: 28] أمر بصحبة الفقراء الذين انقطعوا لخدمة مولاهم، وفائدتها منه عليه الصلاة والسلام تعود عليهم وذلك لأنهم عشاق الحضرة وهو صلى الله عليه وسلم مرآتها وعرش تجليها ومعدن أسرارها ومشرق أنوارها فمتى رأوه صلى الله عليه وسلم عاشوا ومتى غاب عنهم كئبوا وطاشوا، وأما صحبة الفقراء بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم ففائدتها تعود إلى من صحبهم فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وقال عمرو المكي: صحبة الصالحين والفقراء الصادقين عيش أهل الجنة يتقلب معهم جليسهم من الرضا إلى اليقين ومن اليقين إلى الرضا. ولأبـي مدين من قصيدته المشهورة التي خمسها الشيخ محي الدين قدس سره:شعر : ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا هم السلاطين والسادات والأمرا فأصحبهم وتأدب في مجالسهم وخل حظك مهما قدموك ورا واستغنم الوقت واحضر دائماً معهم واعلم بأن الرضا يختص من حضرا ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل لا علم عندي وكن بالجهل مستترا تفسير : إلى أن قال:شعر : وإن بدا منك عيب فاعترف وأقم وجه اعتذارك عما فيك منك جرا وقل عبيدكم أولى بصفحكم فسامحوا وخذوا بالرفق يا فقرا هم بالتفضل أولى وهو شيمتهم فلا تخف دركاً منهم ولا ضررا تفسير : وعنى بهؤلاء السادة الصوفية وقد شاع إطلاق الفقراء عليهم لأن الغالب عليهم الفقر بالمعنى المعروف وفقرهم مقارن للصلاح وبذلك يمدح الفقر، وأما إذا اقترن بالفساد فالعياذ بالله تعالى منه فمتى سمعت الترغيب في مجالسة الفقير فاعلم أن المراد منه الفقير الصالح، والآثار متظافرة في الترغيب في ذلك فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما موقوفاً «تواضعوا وجالسوا المساكين تكونوا من كبار عبيد الله تعالى وتخرجوا من الكبر»، وفي «الجامع» «الجلوس مع الفقراء من التواضع وهو من أفضل الجهاد»، وفي رواية «أحبوا الفقراء وجالسوهم»، ومن فوائد مجالستهم أن العبد يرى نعمة الله تعالى عليه ويقنع باليسير من الدنيا ويأمن في مجالستهم من المداهنة والتملق / وتحمل المن وغير ذلك. نعم إن مجالستهم خلاف ما جبلت عليه النفس ولذا عظم فضلها، وقيل: إن في قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ} الخ دون ودم مع الذين الخ إشارة إلى ذلك ولكن ذلك بالنسبة إلى غيره صلى الله عليه وسلم فإن نفسه الشريفة فطرت على أحسن فطرة وطبعت على أحسن طبيعة. وقال بعض أهل الأسرار: إنما قيل: واصبر نفسك دون واصبر قلبك لأن قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم كان مع الحق فأمر صلى الله عليه وسلم بصحبة الفقراء جهراً بجهر واستخلص سبحانه قلبه له سراً بسر {تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي تطلب مجالسة الأشراف والأغنياء وأصحاب الدنيا وهي مذمومة مع الميل إليهم والتواضع لغناهم، وقد جاء في الحديث {حديث : من تذلل لغني لأجل غناه ذهب ثلثا دينه فليتقِ الله تعالى في الثلث الآخر }تفسير : ومضار مجالستهم كثيرة، ولا تخفى على من علم فوائد مجالسة الفقراء، وأدناها ضرراً تحمل منهم فإنه قلما يسلم الغني من المن على جليسه الفقير ولو بمجرد المجالسة وهو حمل لا يطاق، ومن نوابغ الزمخشري طعم الآلاء أحلى من المن وهي أمر من الآلاء عند المن، وقال بعض الشعراء:شعر : لنا صاحب ما زال يتبع بره بمن وبذل المن بالبر لا يسوى تركناه لا بغضاً ولا عن ملالة ولكن لأجل المن يستعمل السلوى {أية : وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}تفسير : [الكهف: 28] نهى عن إطاعة المحجوبين الغافلين وكانوا في القصة يريدون طرد الفقراء وعدم مجالسة النبـي صلى الله عليه وسلم لهم لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يطاع عند أهل الإشارة الغافل المحجوب في كل شيء فيه هوى النفس، وعدوا من إطاعته التواضع له فإنه يطلبه حالاً وإن لم يفصح به مقالاً {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29] قالوا: فيه إشارة إلى عدم كتم الحق وإن أدى إلى إنكار المحجوبين وإعراض الجاهلين، وعد من ذلك في «أسرار القرآن» كشف الأسرار الإلٰهية وقال: إن العاشق الصادق لا يبالي تهتك الأسرار عند الأغيار ولا يخاف لومة لائم ولا يكون في قيد إيمان الخلق وإنكارهم فإن لذة العشق بذلك أتم ألا ترى قول القائل:شعر : ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وبح باسم من أهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونها ستر تفسير : ولا يخفى أن هذا خلاف المنصور عند الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم فإنهم حافظوا على كتم الأسرار عن الأغيار وأوصوا بذلك، ويكفي حجة في هذا المطلب ما نسب إلى زين العابدين رضي الله تعالى عنه وهو:شعر : إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا فرب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمى يرون أقبح ما يأتونه حسناً تفسير : نعم المغلوب وكذا المأمور معذور وعند الضرورة يباح المحظور، وما أحسن قول الشهاب القتيل:شعر : وارحمتا للعاشقين تكلفوا ستر المحبة والهوى فضاح بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح / وإذا هم كتموا يحدث عنهم عند الوشاة المدمع السحاح تفسير : وما ذكر أولاً يكون مستمسكاً في الذب عن الشيخ الأكبر قدس سره وأضرابه فإنهم لم يبالوا في كشف الحقائق التي يدعونها بكونه سبباً لضلال كثير من الناس وداعياً للإنكار عليهم. وقد استدل بعض بالآية في الرد عليهم بناء على أن المعنى الحق ما يكون من جهته تعالى وما جاؤا به ليس من جهته سبحانه لأنه لا تشهد له آية ولا يصدقه حديث ولا يؤيده أثر. وأجيب بأن ذلك ليس إلا من الآيات والأحاديث إلا أنه لا يستنبط منها إلا بقوة قاسية وأنوار إلٰهية فلا يلزم من عدم فهم المنكرين لها من ذلك لحرمانهم تلك القوة واحتجابهم عن هاتيك الأنوار عدم حقيتها فكم من حق لم تصل إليه أفهامهم. واعترض بأن لو كان الأمر كذلك لظهر مثل تلك الحقائق في الصدر الأول فإن أرباب القوى القدسية والأنوار الإلٰهية فيه كثيرون والحرص على إظهار الحق أكثر. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون هناك مانع أو عدم مقتض لإظهار ما أظهر من الحقائق، وفيه نوع دغدغة ولعله سيأتيك إن شاء الله تعالى ما عسى أن ينفعك هنا، وبالجملة أمر الشيخ الأكبر وأَضرابه قدس الله تعالى أسرارهم فيما قالوا ودونوا عندي مشكل لا سيما أمر الشيخ فإنه أتى بالداهية الدهياء مع جلالة قدره التي لا تنكر، ولذا ترى كثيراً من الناس ينكرون عليه ويكرون، وما ألطف ما قاله فرق جنين العصابة الفاروقية والراقي في مراقي التنزلات الموصلية في قصيدته التي عقد إكسيرها في مدح الكبريت الأحمر فغدا شمساً في آفاق مدائح الشيخ الأكبر وهو قوله:شعر : ينكر المرء منه أمراً فينها ه نهاه فينكر الإنكارا تنثني عنه ثم تثني عليه ألسن تشبه الصحاة سكارى تفسير : {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} قيل هي إشارة إلى أنهم يحلون حقائق التوحيد الذاتي ومعاني التجليات العينية الأحدية {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} إشارة إلى أنهم متصفون بصفات بهيجة حسنة نضرة موجبة للسرور {مِن سُندُسٍ} الأحوال والمواهب وعبر عنها بالسندس لكونها ألطف {وَإِسْتَبْرَقٍ} الأخلاق والمكاسب، وعبر عنها بالإستبرق لكونها أكثف {أية : مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ } تفسير : [الكهف: 31] قيل أي أرائك الأسماء الإلٰهية {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} الخ فيه من تسلية الفقراء المتوكلين على الله تعالى وتنبيه الأغنياء المغرورين ما فيه، وقال النيسابوري: الرجلان هما النفس الكافرة والقلب المؤمن {جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا} وهو النفس {جَنَّتَيْنِ} هما الهوى والدنيا {مّنْ أَعْنَـٰبٍ} الشهوات {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} حب الرياسة{أية : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا }تفسير : [الكهف: 32] من التمتعات البهيمية {أية : وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَراً}تفسير : [الكهف: 33] من القوى البشرية والحواس {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} من أنواع الشهوات {وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ} أي يجاذب النفس {أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً} أي ميلاً {أية : وَأَعَزُّ نَفَراً}تفسير : [الكهف: 34] من الأوصاف المذمومة {أية : وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ }تفسير : [الكهف: 35] في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى {أية : لأجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا} تفسير : [الكهف: 36] قال ذلك غروراً بالله تعالى وكرمه {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } تفسير : [الكهف: 42] من العمر وحسن الاستعداد انتهى. وقد التزم هذا النمط في أكثر الآيات ولا بدع فهو شأن كثير من المؤولين {هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا} قال ابن عطاء: للطالبين له سبحانه لا للجنة {أية : وَخَيْرٌ عُقْبًا } تفسير : [الكهف: 44] للمريدين {أية : وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَات }تفسير : [الكهف: 46] قيل هي المحبة الدائمة والمعرفة الكاملة والأنس بالله تعالى والإخلاص في توحيده سبحانه والإنفراد به جل وعلا عن غيره فهي باقية للمتصف بها وصالحة لا اعوجاج فيها وهي خير المنازل، وقد تفسر بما يعمها وغيرها / من الأعمال الخالصة والنيات الصادقة {أية : وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً}تفسير : [الكهف: 47] قال ابن عطاء: دل سبحانه بهذا على إظهار جبروته وتمام قدرته وعظيم عزته ليتأهب العبد لذلك الموقف ويصلح سريرته وعلانيته لخطاب ذلك المشهد وجوابه {وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا} إخبار عن جميع بني آدم وإن كان المخاطب في قوله سبحانه {بَلْ زَعَمْتُمْ} الخ بعضهم، ذكر أنه يعرض كل صنف صفاً، وقيل الأنبياء عليهم السلام صف والأولياء صف وسائر المؤمنين صف والمنافقون والكافرن صف وهم آخر الصفوف فيقال لهم: {أية : لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الكهف: 48] على وصف الفطرة الأولية عاجزين منقطعين إليه سبحانه {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ} أي الكتب فيوضع كتاب الطاعات للزهاد والعباد وكتاب الطاعات والمعاصي للعموم وكتاب المحبة والشوق والعشق للخصوص، ولبعضهم:شعر : وأودعت الفؤاد كتاب شوق سينشر طيه يوم الحساب {أية : وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا} تفسير : [الكهف: 49] قال أبو حفص: أشد آية في القرآن على قلبـي هذه الآية {أية : مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [الكهف: 51] قيل أي ما أشهدتهم أسرار ذلك والدقائق المودعة فيه وإنما أشهد سبحانه ذلك أحباءه وأولياءه {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً}تفسير : [الكهف: 54] لأنه مظهر الأسماء المختلفة والعالم الأصغر الذي انطوى فيه العالم الأكبر، هذا والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.
ابن عاشور
تفسير : بعد أن أزيل غرُورهم بتأخر العذاب، وأبطل ظنهم الإفلات منه ببيان أن ذلك إمهال من أثر رحمة الله بخلقه، ضرب لهم المثل في ذلك بحال أهل القرى السالفين الذين أُخر عنهم العذاب مدة ثم لم ينجوا منه بأخَرة، فالجملة معطوفة على جملة { أية : بل لهم موعد } تفسير : [الكهف: 58]. والإشارة ب تلك إلى مقدر في الذهن، وكاف الخطاب المتصلة باسم الإشارة لا يراد به مخاطب ولكنها من تمام اسم الإشارة، وتجري على ما يناسب حال المخاطب بالإشارة من واحد أو أكثر، والعرب يعرفون ديار عاد وثمود ومدين ويسمعون بقوم لوط وقوم فرعون فكانت كالحاضرة حين الإشارة. والظلم: الشرك وتكذيب الرسل. والمُهلك بضم الميم وفتح اللام مصدر ميمي من أهلك، أي جعلنا لإهلاكنا إياهم وقتاً معيناً في علمنا إذا جاء حلَّ بهم الهلاك. هذه قراءة الجمهور. وقرأه حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام على أنه اسم زمان على وزن مَفعل. وقرأه أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام على أنه مصدر ميمي لِهَلَك.
الشنقيطي
تفسير : بين في هذه الآية الكريمة: أن القرى الماضية لما ظلمت بتكذيب الرسل والعناد واللجاج في الكفر والمعاصي أهلكهم الله بذنوبهم. وهذا الإجمال في تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك التي وقعت بها - جاء مفصلاً في آيات أخر كثيرة، كما جاء في القرآن من قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى، كما تقدم بعض تفاصيله. والقرى: جمع قرية على غير قياس، لأن جمع التكسير على "فعل" - بضم ففتح - لا ينقاس إلا في جمع "فعلة" - بالضم - اسماً كغرفة وقربة. أو "فعلى" إذا كانت أنثى الأفعل خاصة، كالكبرى والكبر، كما أشار لذلك في الخلاصة بقوله: شعر : وفعل جمعاً لفعلة عرف ونحو كبرى..الخ تفسير : أي وأما في غير ذلك فسماع يحفظ ولا يقاس عليه. وزاد في التسهيل نوعاً ثالثاً ينقاس فيه "فعل" بضم ففتح، وهو الفعلة بضمتين إن كان اسماً كجمعة وجمع. واسم الإشارة في قوله: {وتلك القرى} إنما أشير به لهم لأنهم يمرون عليها في أسفارهم، كقوله: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وَبِٱلْلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137 -138]، وقوله: {أية : وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}تفسير : [الحجر: 76]، وقوله: {أية : وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الحجر: 79] ونحو ذلك من الآيات. وقوله "وتلك" مبتدأ و"القرى" صفة له. أو عطف بيان. وقوله: "أهلكناهم" هو الخبر. ويجوز أن يكون الخبر هو "القرى" وجملة "أهلكناهم" في محل حال، كقوله: {أية : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ}تفسير : [النمل: 52]. ويجوز أن يكون قوله: "وتلك" في محل نصب بفعل محذوف يفسره العامل المشتغل بالضمير، على حد قوله في الخلاصة: شعر : إن مضمر اسم سابق فعلا شغل عنه بنصب لفظه أو المحل فالسابق انصبه بفعل أضمرا حتما موافق لما قد أظهرا تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة: {ولِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} قرأه عامة السبعة ما عدا عاصماً بضم الميم وفتح اللام على صيغة اسم المفعول. وهو محتمل على هذه القراءة أن يكون مصدراً ميمياً، أي جعلنا لإهلاكهم موعداً. وأن يكون اسم زمان، أي وجعلنا لوقت إهلاكهم موعداً. وقد تقرر في فن الصرف أن كل فعل زاد ماضيه على ثلاثة أحرف مطلقاً فالقياس في مصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه - أن يكون الجميع بصيغة اسم المفعول. والمهلك - بضم الميم - من أهلكه الرباعي. وقرأه حفص عن عاصم "لمهلكهم" بفتح الميم وكسر اللام. وقرأه شعبة عن عاصم "لمهلكهم" بفتح الميم واللام معاً. والظاهر أنه على قراءة حفص اسم زمان، أي وجعلنا لوقت هلاكهم موعداً. لأنه من هلك يهلك بالكسر. وما كان ماضيه على "فعل" بالفتح ومضارعه "يفعل" بالكسر كهلك يهلك، وضرب يضرب، ونزل ينزل فالقياس في اسم مكانه وزمانه المفعل بالكسر. وفي مصدره الميمي المفعل بالفتح. تقول هذا منزله - بالكسر - أي مكان نزوله أو وقت نزوله، وهذا "منزله" بفتح الزاي. أي نزوله، وهكذا. منه قول الشاعر: شعر : أأن ذكرتك الدار منزلها جمل بكيت فدمع العين منحدر سجل تفسير : فقوله "منزلها جمل" بالفتح. أي نزول جمل إياها وبه تعلم أنه على قراءة شعبة "لمهلكهم" بفتح الميم واللام أنه مصدر ميمي. أي وجعلنا لهلاكهم موعداً. والموعد: الوقت المحدد لوقوع ذلك فيه. تنبيه لفظة "لما" ترد في القرآن وفي كلام العرب على ثلاثة أنواع: الأول - لما النافية الجازمة للمضارع. نحو قوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم}تفسير : [البقرة: 214]، وقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ}تفسير : [آل عمران: 142] الآية. وهذه حرف بلا خلاف، وهي مختصة بالمضارع. والفوارق المعنوية بينها وبين لم النافية مذكورة في علم العربية، وممن أوضحها ابن هشام وغيره. الثاني - أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا. فتدخل على الجملة الاسمية. كقوله تعالى: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}تفسير : [الطارق: 4] في قراءة من شدد "لما" أي ما كل نفس إلا عليها حافظ. ومن هذا النوع قول العرب: أنشدك الله لما فعلت. أي ما أسألك إلا فعلك. ومنه قول الراجز: شعر : قالت له لله يا ذا البردين لما غنثت نفساً أو نفسين تفسير : فقولها "غنثت" بعين معجمة ونون مكسورة وثاء مثلثة مسنداً لتاء المخاطب. والمراد بقولها "غنث" تنفست في الشرب. كنت بذلك عن الجماع، تريد عدم متابعته لذلك، وأن يتنفس بين ذلك. وهذا النوع حرف أيضاً بلا خلاف. وبعض أهل العلم يقول: إنه لغة هذيل. الثالث - من أنواع "لما" هو النوع المختص بالماضي المقتضي جملتين، توجد ثانيتهما عند وجود أولاهما، كقوله: {لما ظلموا} أي لما ظلموا أهلكناهم، فما قبلها دليل على الجملة المحذوفة. وهذا النوع هو الغالب في القرآن وفي كلام العرب. "ولما" هذه التي تقتضي ربط جملة بجملة اختلف فيها النحويون: هل هي حرف، أو اسم، وخلافهم فيها مشهور، وممن انتصر لأنها حرف ابن خروف وغيره. وممن انتصر لأنها اسم ابن السراج والفارسي وابن جني وغيرهم. وجواب "لما" هذه يكون فعلاً ماضياً بلا خلاف. كقوله: {أية : فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ} تفسير : [الإسراء: 67] الآية، ويكون جملة اسمية مقرونة بـ "إذا" الفجائية. كقوله: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}تفسير : [العنكبوت: 65]، أو مقرونة بالفاء كقوله: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ}تفسير : [لقمان: 32] الآية، ويكون جوابها فعلاً مضارعاً كما قاله ابن عصفور. كقوله: {أية : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}تفسير : [هود: 74] الآية. وبعض ما ذكرنا لا يخلو من مناقشة عند علماء العربية، ولكنه هو الظاهر. هذه الأنواع الثلاثة، هي التي تأتي لها "لما" في القرآن وفي كلام العرب. أما "لما" المتركبة من كلمات أو كلمتين - فليست من "لما"التي كلامنا فيها، لأنها غيرها. فالمركبة من كلمات كقول بعض المفسرين في معنى قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ}تفسير : [هود: 111] في قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد نون "إن" وميم "لما" على قول من زعم أن الأصل على هذه القراءة: لمن ما بمن التبعيضية، وما بمعنى من، أي وإن كلا لمن جملة ما يوفيهم ربك أعمالهم، فأبدلت نون "من" ميما وأدغمت في ما، فلما كثرت الميمات حذفت الأولى فصار لما. وعلى هذا القول: فـ "لما" مركبة من ثلاث كلمات: الأولى الحرف الذي هو اللام، والثانية من، والثالثة ما، وهذا القول وإن قال بعض به أهل العلم - لا يخفى ضعفه وبعده، وأنه لا يجوز حمل القرآن عليه. وقصدنا مطلق التمثيل لـ"لما" المركبة من كلمات على قول من قال بذلك. وأما المركبة من كلمتين فكقول الشاعر. شعر : لما رأيت أبا يزيد مقاتلاً أدع القتال وأشهد الهيجاء تفسير : لأن قوله "لما" في هذا البيت، مركبة من "لن" النافية الناصبة للمضارع و "ما" المصدرية الظرفية، أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً، أي مدة رؤيتي له مقاتلاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَهْلَكْنَاهُمْ} (59) - لَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ السَّالِفَةَ: عَاداً وَثَمُودَ وَقَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ وَأَصْحَابَ الأَيْكَةِ .. وَدَمَّرَ قُراهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَعِنَادِهِمْ، وَجَعَلَ لِمَهْلِكِهِمْ وَقْتاً مُعَيَّناً (مَوْعِداً)، لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ، فَاحْذَرُوا، أَيُّها المُشْرِكُونَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِنْ تَمَادَيْتُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. لِمَهْلِكِهِمْ - لِهَلاَكِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تلك: أداة إشارة لمؤنث هي القرى، والكاف للخطاب، والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمتُه مُنْضوية في خطابه؛ لأن خطابَ الرسول خطاب لأمته. لكن الإشارة لا تكون إلا لشيء معلوم موجود مُحَسٍّ، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17]. فأين هذه القُرَى؟ وهل كان لها وجود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم، كان لهذه القرى آثار وأطلال تدل عليها ويراها النبي صلى الله عليه وسلم ويراها الناس في رحلاتهم إلى الشام وغيرها مثل: قُرَى ثمود قوم صالح، وقرى قوم لوط، وقد قال تعالى عنها: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137-138]. إذن: فتلك إشارة إلى موجود مُحَسٍّ دَالٍّ بما تبقّى منه على ما حاق بهذه القرى من عذاب الله، وما حلَّ بها من بَأْسِه الذي لا يُرَدُّ عن القوم الظالمين. وكلمة {ٱلْقُرَىٰ} جمع قرية، وتُطلَق على المكان الذي تتوفّر فيه مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، بل بها ما يزيد على الضروريات ومُقوّمات الحياة العادية؛ لأن القرية لا تُطلَق إلا على مكان تتسع فيه مُقوِّمات الحياة اتساعاً يكفي لمن يطرأ عليها من الضيوف فيجد بها قِرَى. فإنْ كانت قرية كبيرة يأتيها الرزق الوفير من كل مكان كأنها أُمٌّ، نسميها (أم القرى). ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):