Verse. 2200 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

وَاِذْ قَالَ مُوْسٰي لِفَتٰىہُ لَاۗ اَبْرَحُ حَتّٰۗي اَبْلُغَ مَجْـمَعَ الْبَحْرَيْنِ اَوْ اَمْضِيَ حُقُبًا۝۶۰
Waith qala moosa lifatahu la abrahu hatta ablugha majmaAAa albahrayni aw amdiya huquban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قال موسى» هو ابن عمران «لفتاهُ» يوشع بن نون كان يتبعه ويخدمه ويأخذ عنه العلم «لا أبرح» لا أزال أسير «حتى أبلغ مجمع البحرين» ملتقى بحر الروم وبحر فارس مما يلي المشرق أي المكان الجامع لذلك «أو أمضي حقبا» دهرا طويلاً في بلوغه إن بعد.

60

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي أن موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه العلم، وهذا وإن كان كلاماً مستقلاً في نفسه إلا أنه يعين على ما هو المقصود في القصتين السابقتين. أما نفع هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له وذلك يدل على أن التواضع خير من التكبر، وأما نفع هذه القصة في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة: إن أخبركم محمد عن هذه القصة فهو نبي وإلا فلا، وهذا ليس بشيء لأنه لا يلزم من كونه نبياً من عند الله تعالى أن يكون عالماً بجميع القصص والوقائع، كما أن كون موسى عليه السلام نبياً صادقاً من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى الخضر ليتعلم منه فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها، ومع ذلك فهي نافعة في تقرير المقصود في القصتين المتقدمتين. المسألة الثانية: أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس صاحب موسى بن عمران، وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وقيل هو كان نبياً قبل موسى بن عمران فقال ابن عباس كذب عدو الله، واعلم أنه كان ليوسف عليه السلام ولدان أفرائيم وميشا فولد افرائيم نون وولد نون يوشع بن نون وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا فقيل إنه جاءته النبوة قبل موسى بن عمران، ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم والخضر هو الذي خرق السفينة، وقتل الغلام، وأقام الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا هو قول جمهور اليهود، واحتج القفال على صحة قولنا إن موسى هذا هو صاحب التوراة، قال إن الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلا وأراد به صاحب التوراة فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المراد شخصاً آخر مسمى بموسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة، كما أنه لما كان المشهور في العرف من أبي حنيفة رحمه الله هو الرجل المعين فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلاً سواء لقيدناه مثل أن نقول قال أبو حنيفة الدينوري، وحجة الذين قالوا: موسى هذا غير صاحب التوراة أنه تعالى بعد أن أنزل التوراة عليه وكلمه بلا واسطة وحج خصمه بالمعجزات القاهرة العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن يبعثه بعد ذلك لتعلم الاستفادة، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن العالم الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج في تعلمها إلى من دونه وهذا أمر متعارف معلوم. المسألة الثالثة: اختلفوا في فتى موسى فالأكثرون على أنه يوشع بن نون، وروى القفال عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي هريرة عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فتاه يوشع بن نون. والقول الثاني: أن فتى موسى أخو يوشع وكان صاحباً لموسى عليه السلام في هذا السفر. والقول الثالث: روى عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ لا أَبْرَحُ } قال يعني عبده، قال القفال واللغة تحتمل ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي » تفسير : وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى والأمة فتاة. المسألة الرابعة: قيل إن موسى عليه السلام لما أعطي الألواح وكلمه الله تعالى قال: من الذي أفضل مني وأعلم؟ فقيل عبد لله يسكن جزائر البحر وهو الخضر، وفي رواية أخرى أن موسى عليه السلام لما أوتي من العلم ما أوتي ظن أنه لا أحد مثله فأتاه جبريل عليه السلام وهو بساحل البحر قال: يا موسى انظر إلى هذا الطير الصغير يهوي إلى البحر يضرب بمنقاره فيه ثم يرتفع فأنت فيما أوتيت من العلم دون قدر ما يحمل هذا الطير بمنقاره من البحر، قال الأصوليون: هذه الرواية ضعيفة لأن الأنبياء يجب أن يعلموا أن معلومات الله لا نهاية لها وأن يعلموا أن معلومات الخلق يجب كونها متناهية وكل قدر متناه فإن الزائد عليه ممكن فلا مرتبة من مراتب العلم إلا وفوقها مرتبة ولهذا قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } وإذا كانت هذه المقدمات معلومة فمن المستبعد جداً أن يقطع العاقل بأنه لا أحد أعلم مني لا سيما موسى عليه السلام مع علمه الوافر بحقائق الأشياء وشدة براءته عن الأخلاق الذميمة كالعجب والتيه والصلف. والرواية الثالثة: قيل إن موسى عليه السلام سأل ربه: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردي، فقال موسى عليه السلام: إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني عليه، فقال: اعلم منك الخضر، قال فأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال يا رب: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان ورقد موسى واضطرب الحوت وطفر إلى البحر فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فرجع من ذلك الموضع إلى الموضع الذي طفر الحوت فيه إلى البحر فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال: وأني بأرضك السلام! فعرفه نفسه، فقال: يا موسى أنا على علم علمني الله لا تعلمه أنت وأنت على علم علمك الله لا أعلمه أنا، فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر ـ أقول نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ذلك العصفور من ذلك الماء إلى كلية ماء البحر نسبة متناه إلى متناه ونسبة معلومات جميع المخلوقات إلى معلومات الله تعالى نسبة متناه إلى غير متناه، فأين إحدى النسبتين من الأخرى والله العالم بحقائق الأمور، ونرجع إلى التفسير، أما قوله تعالى: {لا أَبْرَحُ } قال الزجاج قوله: {لا أَبْرَحُ } ليس معناه لا أزول، لأنه لو كان كذلك لم يقطع أرضاً، أقول يمكن أن يجاب عنه بأن الزوال عن الشيء عبارة عن تركه والإعراض عنه، يقال: زال فلان عن طريقته في الجود أي تركها، فقوله: لا أبرح بمعنى لا أزول عن السير والذهاب بمعنى لا أترك هذا العمل وهذا الفعل ـ وأقول المشهور عند الجمهور أن قوله لا أبرح معناه لا أزول، والعرب تقول: لا أبرح ولا أزال ولا انفك ولا افتأ بمعنى واحد. قال القفال: وقالوا أصل قولهم لا أبرح من البراح كما أن أصل لا أزال من الزوال. يقال: زال يزال ويزول كما يقال دام يدام ويدوم ومات يمات ويموت إلا أن المستعمل في هذه اللفظة يزال فقوله: لا أبرح أي أقيم لأن البراح هو العدم فقوله لا أبرح يكون عدماً للعدم فيكون ثبوتاً، فقوله: لا أزال ولا أبرح يفيد الدوام والثبات على العمل فإن قيل: إذا كان قوله لا أبرح بمعنى لا أزال فلا بد من الخبر، قلنا: حذف الخبر لأن الحال والكلام يدلان عليه، أما الحال فلأنها كانت حال سفر، وأما الكلام فلأن قوله: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } غاية مضروبة تستدعي شيئاً هي غاية له فيكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ويحتمل أن يكون المعنى لا أبرح مما أنا عليه يعني ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان. وأما مجمع البحرين فهو المكان الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وقيل غيره وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح بالخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه، ومن الناس من قال: البحران موسى والخضر لأنهما كانا بحري العلم وقرىء مجمع بكسر الميم ثم قال أو أمضى حقباً أي أسير زماناً طويلاً وقيل الحقب: ثمانون سنة وقد تكلمنا في هذا اللفظ في قوله تعالى: { أية : لَّـٰبِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً } تفسير : [النبأ: 23] وحاصل الكلام أن الله عز وجل كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه موضعه بعينه، فقال موسى عليه السلام: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك ثم قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } والمعنى فانطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما والضمير في قوله بينهما إلى ماذا يعود؟ فيه قولان، الأول: مجمع بينهما أي مجمع البحرين وهو كأنه إشارة إلى (قول) موسى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أي فحقق (الله) ما قاله. والقول الثاني: أن المعنى فلما بلغ الموضع الذي يجتمع (فيه) موسى وصاحبه الذي كان يقصده لأن ذلك الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت هو الموضع الذي كان يسكنه الخضر أو يسكن بقربه ولأجل هذا المعنى لما رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت صار إليه وهو معنى حسن، والمفسرون على القول الأول، ثم قال تعالى: {نَسِيَا حُوتَهُمَا } وفيه مباحث: البحث الأول: الروايات تدل على أنه تعالى بين لموسى عليه السلام أن هذا العالم موضعه مجمع البحرين إلا أنه تعالى جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكنه المعين كمن يطلب إنساناً فيقال له: إن موضعه محلة كذا من الري فإذا انتهيت إلى المحلة فسل فلاناً عن داره وأين ما ذهب بك فاتبعه فإنك تصل إليه فكذا ههنا قيل له إن موضعه مجمع البحرين فإذا وصلت إليه رأيت الحوت انقلب حياً وطفر إلى البحر، فيحتمل أنه قيل له فهنالك موضعه ويحتمل أنه قيل له فاذهب على موافقة ذهاب ذلك الحوت فإنك تجده. إذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه لما بلغا مجمع بينهما طفرت السمكة إلى البحر وسارت وفي كيفية طفرها روايات أيضاً قيل إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملحة فطفرت وسارت وقيل إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب في الماء وقيل انفجر(ت) هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر فهذا هو الكلام في صفة الحوت. البحث الثاني: المراد من قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا } أنهما نسيا كيفية الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة فلما جعل الله حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان في هذا المعنى؟ أجاب العلماء عنه بأن يوشع كان قد شاهد المعجزات القاهرة من موسى عليه السلام كثيراً فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم فجاز حصول النسيان. وعندي فيه جواب آخر وهو أن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيهاً لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على القلب والخاطر، أما قوله: {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً } ففيه وجوه. الأول: أن يكون التقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله فاتخذ مقام قوله سرب والسرب هو الذهاب ومنه قوله: { أية : وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الرعد: 10]. الثاني: أن الله تعالى أمسك إجراء الماء على البحر وجعله كالطاق والكوة حتى سرى الحوت فيه فلما جاوز أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النسيان المذكور وذهبا كثيراً وتعبا وجاعا: {قَالَ لِفَتَـٰهُ ءاتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً قَالَ } الفتى: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } الهمزة في أرأيت همزة الاستفهام ورأيت على معناه الأصلي وقد جاء هذا الكلام على ما هو المتعارف بين الناس فإنه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قال لصاحبه أرأيت ما حدث لي؟ كذلك ههنا كأنه قال: أرأيت ما وقع لي منه إذ أوينا إلى الصخرة، فحذف مفعول أرأيت لأن قوله: {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ } يدل عليه ثم قال: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ } وفيه مباحث: البحث الأول: أنه اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير فإني نسيت الحوت واتخذ سبيله في البحر عجباً، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان. البحث الثاني: قال الكعبي: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ } يدل على أنه تعالى ما خلق ذلك النسيان وما أراده وإلا كانت إضافته إلى الله تعالى أوجب من إضافته إلى الشيطان لأنه تعالى إذا خلقه فيه لم يكن لسعي الشيطان في وجوده ولا في عدمه، أثر قال القاضي: والمراد بالنسيان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر لأن ذلك لا يصح أن يكون إلا من قبل الله تعالى. البحث الثالث: قوله {أن اذكره} بدل من الهاء في {أنسانيه} أي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان ثم قال: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } وفيه وجوه: الأول: أن قوله عجباً صفة لمصدر محذوف كأنه قيل واتخذ سبيله في البحر اتخاذاً عجباً ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل وصيرورته حياً وإلقاء نفسه في البحر على غفلة منهما. والثاني: أن يكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطاق وكالسرب. الثالث: قيل إنه تم الكلام عند قوله: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ } ثم قال بعده: عجباً والمقصود منه تعجبه من تلك العجيبة التي رآها ومن نسيانه لها وقيل إن قوله عجباً حكاية لتعجب موسى وهو ليس بقوله، ثم قال تعالى: {قَالَ ذٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } أي قال موسى ذلك الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر وقوله نبغ أصله نبغي فحذفت الياء طلباً للتخفيف لدلالة الكسرة عليه، وكان القياس أن لا يحذف لأنهم إنما يحذفون الياء في الأسماء وهذا فعل إلا أنه قد يجوز على ضعف القياس حذفها لأنها تحذف مع الساكن الذي يكون بعدها كقولك ما نبغي اليوم؟ فلما حذفت مع الساكن حذفت أيضاً مع غير الساكن ثم قال فارتدا على آثارهما أي فرجعا وقوله: {قَصَصًا } فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال أي رجعا على آثارهما مقتصين آثارهما. والثاني: أن يكون مصدراً لقوله فارتدا على آثارهما، لأن معناه فاقتصا على آثارهما. وحاصل الكلام أنهما لما عرفا أنهما تجاوزا عن الموضع الذي يسكن فيه ذلك العالم رجعا وعادا إليه، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ} الجمهور من العلماء وأهل التاريخ أنه موسى بن عِمران المذكور في القرآن ليس فيه موسى غيره. وقالت فرقة منها نَوْف البِكَاليّ: إنه ليس ابن عمران وإنما هو موسى بن منشا بن يوسف بن يعقوب وكان نبياً قبل موسى بن عمران. وقد ردّ هذا القول ابن عباس في صحيح البخاري وغيره. وفتاه: هو يوشع بن نون. وقد مضى ذكره في «المائدة» وآخر «يوسف». ومن قال هو ابن منشا فليس الفتى يوشع بن نون. «لاَ أَبْرَحُ» أي لا أزال أسِير؛ قال الشاعر:شعر : وأَبرحُ ما أدامَ اللَّهُ قَومِي بحمد الله مُنْتَطِقاً مُجِيدَا تفسير : وقيل: «لاَ أَبْرَحُ» لا أفارقك. {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي ملتقاهما. قال قتادة: وهو بحر فارس والروم؛ وقاله مجاهد. قال ابن عطية: وهو ذراع يخرج من البحر المحيط من شمال إلى جنوب في أرض فارس من وراء أَذْرَبِيجان، فالركن الذي لاجتماع البحرين مما يلي بَرّ الشام هو مجمع البحرين على هذا القول. وقيل: هما بحر الأرْدُنّ وبحر القُلْزُم. وقيل: مجمع البحرين عند طنجة؛ قاله محمد بن كعب. وروي عن أبيّ بن كعب أنه بأفريقية. وقال السدي: الكُرّوالرَّسُّ بأرمينية. وقال بعض أهل العلم: هو بحر الأندلس من البحر المحيط؛ حكاه النقاش؛ وهذا مما يذكر كثيراً. وقالت فرقة: إنما هما موسى والخضر؛ وهذا قول ضعيف؛ وحكي عن ابن عباس، ولا يصح؛ فإن الأمر بيِّن من الأحاديث أنه إنما وُسِم له بحر ماء. وسبب هذه القصة ما خرجه الصحيحان عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال: أنا فعتَب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مِكتَل فحيثما فَقدتَ الحُوت فهو ثَمَّ» تفسير : وذكر الحديث، واللفظ للبخاري. وقال ابن عباس: لما ظهر موسى وقومه على أرض مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أمره الله أن ذكرّهم بأيام الله، فخطب قومه فذكّرهم ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من آل فرعون، وأهلك عدوّهم، واستخلفهم في الأرض، ثم قال: وكلم الله نبيكم تكليما، واصطفاه لنفسه، وألقى عليّ محبة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، فجعلكم أفضل أهل الأرض، ورزقكم العز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والتوراة بعد أن كنتم جهالا؛ فقال له رجل من بني إسرائيل: عَرَفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا؛ فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبريل: أن يا موسى وما يدريك أين (أضع) علمي؟ بلىٰ إن لي عبداً بمجمع البحرين أعلم منك؛ وذكر الحديث. قال علماؤنا: وقوله في الحديث «حديث : هو أعلم منك» تفسير : أي بأحكام وقائع مفصَّلة، وحُكم نوازل معينة، لا مطلقاً، بدليل قول الخضر لموسى: إنك على علم علّمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علّمنيه لا تعلمه أنت، وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه واحد منهما ولا يعلمه الآخر، فلما سمع موسى هذا تشوقت نفسه الفاضلة؛ وهمته العالية، لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء من قيل فيه: إنه أعلم منك؛ فعزم فسأل سؤال الذليل بكيف السبيل، فأمر بالارتحال على كل حال. وقيل له احمل معك حوتاً مالحا في مِكْتل ـ وهو الزنبيل ـ فحيث يحيا وتفقده فثَمَّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهداً طالباً قائلاً: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين}. {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} بضم الحاء والقاف وهو الدهر، والجمع أحقاب. وقد تسكن قافه فيقال: حُقْب. وهو ثمانون سنة. ويقال: أكثر من ذلك. والجمع حِقاب. والحِقْبة بكسر الحاء واحدة الحقُب وهي السنون. الثانية: في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وذلك في دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام، قال البخاري: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث. الثالثة: قوله تعالى: {وَإذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} للعلماء فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان معه يخدمه، والفتى في كلام العرب الشاب، ولما كان الخدمة أكثر ما يكونون فتياناً قيل للخادم فتى على جهة حسن الأدب، وندبت الشريعة إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي وليقل فَتايَ وفتاتي» تفسير : فهذا ندبٌ إلى التواضع؛ وقد تقدم هذا في «يوسف». والفتى في الآية هو الخادم وهو يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام. ويقال: هو ابن أخت موسى عليه السلام. وقيل: إنما سمي فتى موسى لأنه لزمه ليتعلم منه وإن كان حراً؛ وهذا معنى الأوّل. وقيل: إنما سماه فتى لأنه قام مقام الفتى وهو العبد، قال الله تعالى: {أية : وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} تفسير : [يوسف: 62] وقال: {أية : تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} تفسير : [يوسف: 30] قال ابن العربي: فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد، وفي الحديث: أنه كان يوشع بن نون. وفي «التفسير» أنه ابن أخته، وهذا كله مما لا يُقطع به، والتوقف فيه أسلم. الرابعة: قوله تعالى: «أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً» قال عبد الله بن عمرو: الحُقب ثمانون سنة. مجاهد: سبعون خريفاً. قتادة: زمان. النحاس: الذي يعرفه أهل اللغة أن الحُقب والحِقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود؛ كما أن رهطاً وقوماً مبهم غير محدود: وجمعه أحقاب.

ابن كثير

تفسير : سبب قول موسى لفتاه، وهو يوشع بن نون، هذا الكلام، أنه ذكر له أن عبداً من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه، وقال لفتاه ذلك {لاۤ أَبْرَحُ} أي: لا أزال سائراً {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي: هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق:شعر : فَما بَرِحُوا حَتَّى تَهادَتْ نِساؤُهُمْ بِبَطْحاءِ ذي قارٍ عِيابَ اللَّطائِمِتفسير : قال قتادة وغير واحد: هما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب، وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة، يعني في أقصى بلاد المغرب، فالله أعلم. وقوله: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي: ولو أني أسير حقباً من الزمان. قال ابن جرير رحمه الله: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة، ثم روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون خريفاً. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} قال: دهراً، وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك. وقوله: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت، فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب وكان في مكتل مع يوشع عليه السلام، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع عليه السلام، وسقط الحوت في البحر، فجعل يسير في الماء، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى: {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَبًا} أي: مثل السرب في الأرض. قال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر. وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمسّ شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. وقال محمد ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر حديث ذلك: «حديث : ما انجاب ماء منذ كان الناس غير مسير مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه، فقال: {ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}» تفسير : وقال قتادة: سرب من البر حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه فجعل لا يسلك طريقاً فيه إلا صار ماء جامداً. وقوله: {فَلَمَّا جَاوَزَا} أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونسب النسيان إليهما، وإن كان يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من المالح على أحد القولين، فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحلة {قَالَ} موسى {لِفَتَـٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا} أي: الذي جاوزا فيه المكان {نَصَباً} يعني: تعباً {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ} قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: "وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان" ولهذا قال: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ} أي: طريقه {فِي ٱلْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} أي: هذا هو الذي نطلب {فَٱرْتَدَّا} أي: رجعا {عَلَىٰ ءَاثَارِهِمَا} أي طريقهما {قَصَصًا} أي: يقصان آثار مشيهما، ويقفوان أثرهما، {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} وهذا هو الخضر عليه السلام، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو ابن دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر عليه السلام، ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي ابن كعب رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت، فهو ثم، فأخذ حوتاً فجعله بمكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرة، وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه، فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد، قال موسى لفتاه: {ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَبًا} قال: فكان للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً، فقال: {ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا} - قال: - فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً، {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} قال له الخضر: {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئاً إمراً {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً }» تفسير : قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم: «حديث : فكانت الأولى من موسى نسياناً» تفسير : قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين،، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} قال: وهذه أشد من الأولى، {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي: مائلاً، فقال الخضر بيده {فَأَقَامَهُ} فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما» تفسير : قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: {وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً} وكان يقرأ: {وأما الغلام فكان كافراً، وكانَ أبواه مؤمنين}. ثم رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة، فذكر نحوه، وفيه: حديث : فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام، قال سفيان: وفي حديث عن عمرو قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين، فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: {ءَاتِنَا غَدَآءَنَا} قال: وساق الحديث، ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره، وذكر تمامه بنحوه.تفسير : وقال البخاري أيضاً: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما: قد سمعته يحدث عن سعيد ابن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته، إذ قال: سلوني، فقلت: أي أبا عباس جعلني الله فداك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل، أما عمرو، فقال لي: قال: كذب عدو الله، وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : موسى رسول الله ذكر الناس يوماً، حتى إذا فاضت العيون، ورقّت القلوب، ولى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى، قال: أي رب وأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب اجعل لي علماً أعلم ذلك به. قال لي عمرو: قال: حيث يفارقك الحوت، وقال لي يعلى: خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً، فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كبيراً، فذلك قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ} يوشع بن نون ليست عند سعيد بن جبير، قال: فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تَضَرَّب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتَضَرَّب الحوت حتى دخل في البحر، فأمسك الله عنه جرية الماء حتى كأن أثره في حجر، قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر، وحلق بين إبهاميه واللتين تليهما، قال: {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} قال: وقد قطع الله عنك النصب، ليست هذه عند سعيد بن جبير، أخبره فرجعا فوجدا خضراً قال: قال عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة خضراء على كبد البحر، قال سعيد بن جبير: مسجى بثوب، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه عند رأسه، فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر، حتى إذا ركبا في السفينة، وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر، عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح، قال: فقلنا لسعيد بن جبير: خضر؟ قال: نعم، لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً، قال موسى: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} قال مجاهد: منكراً، قَالَ: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، كانت الأولى نسياناً، والثانية شرطاً، والثالثة عمداً، {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً فَٱنْطَلَقَ حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ}، قال يعلى: قال سعيد: وجد غلماناً يلعبون، فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: أقتلت نفساً زكية لم تعمل الحنث؟ وابن عباس قرأها: زاكية مسلمة؛ كقولك غلاماً زكياً، فانطلقا فوجدا جداراً يريد أن ينقض فأقامه، قال: سعيد بيده هكذا، ودفع بيده فاستقام، قال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال يعلى: حسبت أن سعيداً قال: فمسحه بيده فاستقام، قال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال سعيد: أجراً نأكله، وكان وراءهم ملك: وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: أمامهم ملك يزعمون، عن غير سعيد، أنه هدّد بن بدد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور {ملك يأخذ كل سفينة غصباً}، فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزوا، أصلحوها فانتفعوا بها، منهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار، كان أبواه مؤمنين، وكان هو كافراً، فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً: أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة؛ كقوله: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً}، وقوله: {وَأَقْرَبَ رُحْماً} هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر، وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: خطب موسى عليه السلام بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى هذا الرجل، فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوف يقول هذا يا سعيد؟ فقلت له: نعم أنا سمعت نوفاً يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت نعم، قال: كذب نوف.تفسير : ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى بني إسرائيل سأل ربه، فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني، فدلّني عليه، فقال له: نعم في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت له مكانه، وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد، ولا يقارنه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا، ومس الحوت الماء، حيي، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فانطلقا، فلما جاوزا النقلة، قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، قال الفتى وذكر: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجباً، قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى عليه، فردّ عليه السلام، ثم قال له: ما جاء بك، إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً. قال: إنك لن تستطيع معي صبراً، وكان رجلاً يعلم علم الغيب، قد علم ذلك، فقال موسى: بلى. قال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} أي: إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} وإن رأيت ما يخالفني، قال: {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} وإن أنكرته {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما أطمأنا فيها، ولجَّجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى، ورأى أمراً أفظع به: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ} أي: بما تركت من عهدك {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضأ منه، فأخذه بيده، وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى أمراً فظيعاً لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له، قال: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} أي: صغيرة {بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} أي: قد أعذرت في شأني {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف، وما ليس له عليه صبر، فأقامه، قال: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عمله، قال: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } وفي قراءة ابن كعب: {كل سفينة صالحة} وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها، {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْماً}. {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أي: ما فعلته عن نفسي {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} فكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علماً، وقال العوفي عن ابن عباس قالا: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله أن ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليماً، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة، فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم إلا وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله قد عرفنا الذي تقول فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا. فبعث الله جبرائيل إلى موسى عليه السلام فقال: إن الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي على شط البحر رجلاً هو أعلم منك. قال ابن عباس: هو الخضر، فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتاً، فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطىء البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ} لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سرباً، فأعجب ذلك موسى، فرجع موسى حتى أتى الصخرة، فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء؛ يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس عنه الماء حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها، فسلم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض؟ ومن أنت؟ قال: أنا موسى، قال الخضر: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحب به وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتك {عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} يقول: لا تطيق ذلك، قال: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين شأنه، فذلك قوله: {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}. وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبي ابن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل، فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى الله إلى موسى، بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع، فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت، قال موسى: {ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا} فوجدا عبدنا خضراً، فكان من شأنهما ما قصّ الله في كتابه».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر { إِذْ قَالَ مُوسَىٰ } هو ابن عمران {لِفَتَٰهُ } يوشع بن نون كان يتبعه ويخدمه ويأخذ منه العلم {لاَ أَبْرَحُ } لا أزال أسير {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } ملتقى بحر الروم وبحر فارس مما يلي المشرق: أي المكان الجامع لذلك {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } دهراً طويلاً في بلوغه إن بعُدَ.

الشوكاني

تفسير : الظرف في قوله: {وَإِذْ قَالَ } متعلق بفعل محذوف هو أذكر. قيل: ووجه ذكر هذه القصة في هذه السورة: أن اليهود لما سألوا النبيّ عن قصة أصحاب الكهف وقالوا: إن أخبركم فهو نبيّ وإلا فلا. ذكر الله قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبيّ لا يلزمه أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار. وقد اتفق أهل العلم على أن موسى المذكور هو موسى بن عمران النبيّ المرسل إلى فرعون، وقالت فرقة لا التفات إلى ما تقوله منهم نوف البكالي: إنه ليس ابن عمران، وإنما هو موسى بن ميشى بن يوسف بن يعقوب، وكان نبياً قبل موسى بن عمران، وهذا باطل قد ردّه السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم كما في صحيح البخاري وغيره، والمراد بفتاه هنا هو: يوشع بن نون. قال الواحدي: أجمعوا على أنه يوشع بن نون، وقد مضى ذكره في المائدة، وفي آخر سورة يوسف، ومن قال: إن موسى هو ابن ميشى قال: إن هذا الفتى لم يكن هو يوشع بن نون. قال الفراء: وإنما سمي فتى موسى لأنه كان ملازماً له يأخذ عنه العلم ويخدمه، ومعنى {لا أَبْرَحُ} لا أزال، ومنه قوله: {أية : لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ }تفسير : [طه: 91]. ومنه قول الشاعر:شعر : وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقاً مجيداً تفسير : وبرح إذا كان بمعنى زال فهو من الأفعال الناقصة، وخبره هنا محذوف اعتماداً على دلالة ما بعده وهو {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } قال الزجاج: لا أبرح بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه، ولأن قوله: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ } غاية مضروبة، فلا بدّ لها من ذي غاية، فالمعنى: لا أزال أسير إلى أن أبلغ، ويجوز أن يراد: لا يبرح مسيري حتى أبلغ، وقيل: معنى {لا أبرح}: لا أفارقك حتى أبلغ مجمع البحرين، وقيل: يجوز أن يكون من برح التام، بمعنى: زال يزال، ومجمع البحرين: ملتقاهما. قيل: المراد بالبحرين: بحر فارس والروم؛ وقيل: بحر الأردن وبحر القلزم، وقيل: مجمع البحرين عند طنجة، وقيل: بإفريقية. وقالت طائفة: المراد بالبحرين موسى والخضر، وهو من الضعف بمكان. وقد حكي عن ابن عباس ولا يصح. {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } أي: أسير زماناً طويلاً. قال الجوهري: الحقب بالضم: ثمانون سنة. وقال النحاس: الذي يعرفه أهل اللغة أن الحقب والحقبة: زمان من الدهر مبهم غير محدود، كما أن رهطاً وقوماً منهم غير محدود، وجمعه أحقاب. وسبب هذه العزيمة على السير من موسى عليه السلام ما روي أنه سئل موسى من أعلم الناس؟ فقال: أنا، فأوحى الله إليه: إنّ أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين. {فَلَمَّا بَلَغَا } أي: موسى وفتاه {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي: بين البحرين، وأضيف مجمع إلى الظرف توسعاً وقيل: البين: بمعنى الافتراق أي: البحران المفترقان يجتمعان هناك، وقيل: الضمير لموسى والخضر، أي: وصلا الموضع الذي فيه اجتماع شملهما، ويكون البين على هذا بمعنى الوصل، لأنه من الأضداد، والأوّل أولى {نَسِيَا حُوتَهُمَا } قال المفسرون: إنهما تزوّدا حوتاً مملحاً في زنبيل، وكانا يصيبان منه عند حاجتهما إلى الطعام، وكان قد جعل الله فقدانه أمارة لهما على وجدان المطلوب. والمعنى أنهما نسيا بفقد أمره، وقيل: الذي نسي إنما هو فتى موسى، لأنه وكل أمر الحوت إليه، وأمره أن يخبره إذا فقده، فلما انتهيا إلى ساحل البحر وضع فتاه المكتل الذي فيه الحوت فأحياه الله، فتحرّك واضطرب في المكتل، ثم انسرب في البحر، ولهذا قال: {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً } انتصاب {سرباً} على أنه المفعول الثاني لاتخذ، أي اتخذ سبيلاً سرباً، والسرب: النفق الذي يكون في الأرض للضبّ ونحوه من الحيوانات، وذلك أن الله سبحانه أمسك جرية الماء على الموضع الذي انسرب فيه الحوت فصار كالطاق، فشبه مسلك الحوت في البحر مع بقائه وانجياب الماء عنه بالسرب الذي هو الكوّة المحفورة في الأرض. قال الفراء: لما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر فكان كالسرب، فلما جاوزا ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة وذهب الحوت فيه انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال، ولم يجدا النصب حتى جاوزا الموضع الذي فيه الخضر، ولهذا قال سبحانه: {فَلَمَّا جَاوَزَا } أي: مجمع البحرين الذي جعل موعداً للملاقاة {قَالَ لِفَتَـٰهُ ءاتِنَا غَدَاءنَا } وهو ما يؤكل بالغداة، وأراد موسى أن يأتيه بالحوت الذي حملاه معهما {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً } أي: تعباً وإعياء، قال المفسرون: الإشارة بقوله {سفرنا هذا} إلى السفر الكائن منهما بعد مجاوزة المكان المذكور، فإنهما لم يجدا النصب إلا في ذلك دون ما قبله {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } أي: قال فتى موسى لموسى، ومعنى الاستفهام: تعجيبه لموسى مما وقع له من النسيان هناك مع كون ذلك الأمر مما لا ينسى، لأنه قد شاهد أمراً عظيماً من قدرة الله الباهرة، ومفعول {أرأيت} محذوف لدلالة ما ذكره من النسيان عليه، والتقدير: أرأيت ما دهاني، أو نابني في ذلك الوقت والمكان. وتلك الصخرة كانت عند مجمع البحرين الذي هو الموعد، وإنما ذكرها دون أن يذكر مجمع البحرين لكونها متضمنة لزيادة تعيين المكان، لاحتمال أن يكون المجمع مكاناً متسعاً يتناول مكان الصخرة وغيره، وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي تقدّم ذكره لبيان أن ذلك الغداء المطلوب هو ذلك الحوت الذي جعلاه زاداً لهما، وأمارة لوجدان مطلوبهما. ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ } بما يقع منه من الوسوسة، و {أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل اشتمال من الضمير في أنسانيه، وفي مصحف عبد الله: وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } انتصاب {عجباً} على أنه المفعول الثاني كما مرّ في {سرباً}، والظرف في محل نصب على الحال، يحتمل أن يكون هذا من كلام يوشع، أخبر موسى أن الحوت اتخذ سبيله عجباً للناس، وموضع التعجب: أن يحيا حوت قد مات وأكل شقه، ثم يثب إلى البحر ويبقى أثر جريته في الماء لا يمحو أثرها جريان ماء البحر، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه لبيان طرف آخر من أمر الحوت، فيكون ما بين الكلامين اعتراضاً. {قَالَ ذٰلِكَ مَا كُنَّا نبغ} أي، قال موسى لفتاه: ذلك الذي ذكرت من فقد الحوت في ذلك الموضع هو الذي كنا نطلبه، فإن الرجل الذي نريده هو هنالك {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا قَصَصًا } أي: رجعا على الطريق التي جاءا منها يقصان أثرهما لئلا يخطئا طريقهما، وانتصاب {قصصاً} على أنه مصدر لفعل محذوف، أو على الحال، أي: قاصين أو مقتصين، والقصص في اللغة اتباع الأثر {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } هو الخضر في قول جمهور المفسرين، وعلى ذلك دلت الأحاديث الصحيحة، وخالف في ذلك من لا يعتدّ بقوله، فقال: ليس هو الخضر بل عالم آخر؛ قيل: سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضرّ ما حوله، قيل واسمه بليا بن ملكان. ثم وصفه الله سبحانه فقال: {آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} قيل: الرحمة هي النبوّة، وقيل: النعمة التي أنعم الله بها عليه {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } وهو ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي استأثر به، وفي قوله {من لدنا} تفخيم لشأن ذلك العلم، وتعظيم له. قال الزجاج: وفيما فعل موسى وهو من جملة الأنبياء من طلب العلم، والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. ثم قصّ الله سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعهما فقال: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } في هذا السؤال ملاطفة ومبالغة في حسن الأدب، لأنه استأذنه أن يكون تابعاً له على أن يعلمه مما علمه الله من العلم. والرشد الوقوف على الخير وإصابة الصواب، وانتصابه على أنه مفعول ثانٍ لـ {تعلمني} أي: علماً ذا رشد أرشد به، وقرىء "رشداً" بفتحتين، وهما لغتان كالبخل والبخل. وفي الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن الفاضل وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن. {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} أي: قال الخضر لموسى: إنك لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي، لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك، ثم أكد ذلك مشيراً إلى علة عدم الاستطاعة، فقال: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } أي: كيف تصبر على علم ظاهره منكر، وأنت لا تعلم، ومثلك مع كونك صاحب شرع لا يسوغ له السكوت على منكر والإقرار عليه، و{خبراً} منتصب على التمييز، أي: لم تحط به خبرك، والخبر: العلم بالشيء، والخبير بالأمور هو: العالم بخفاياها، وبما يحتاج إلى الاختبار منها. {قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا } أي: قال موسى للخضر: ستجدني صابراً معك، ملتزماً طاعتك {وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } فجملة: {ولا أعصي} معطوفة على {صابراً}، فيكون التقييد بقوله {إن شاء الله} شاملاً للصبر ونفي المعصية، وقيل: إن التقييد بالمشيئة مختص بالصبر، لأنه أمر مستقبل لا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزوم عليه في الحال، ويجاب عنه بأن الصبر، ونفي المعصية متفقان في كون كل واحد منهما معزوم عليه في الحال، وفي كون كل واحد منهما لا يدري كيف حاله فيه في المستقبل. {قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء } مما تشاهده من أفعالي المخالفة لما يقتضيه ظاهر الشرع الذي بعثك الله به {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } أي: حتى أكون أنا المبتدىء لك بذكره، وبيان وجهه وما يئول إليه، وهذه الجمل المعنونة بقال وقال مستأنفة، لأنها جوابات عن سؤالات مقدّرة كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها. وقد أخرج الدارقطني في الإفراد، وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال. وأخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء»تفسير : . وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عباس. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلى اخضرّ ما حوله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {لا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } قال: حتى أنتهي. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } قال: بحر فارس والروم، وهما نحو المشرق والمغرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبيّ بن كعب قال: {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } إفريقية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: طنجة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } قال: سبعين خريفاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: دهراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: {نَسِيَا حُوتَهُمَا } قال: كان مملوحاً مشقوق البطن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً } قال: أثره يابس في البحر كأنه في حجر. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا قَصَصًا } قال: عودهما على بدئهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} قال: أعطيناه الهدى والنبوّة. واعلم أنها قد رويت في قصة الخضر مع موسى المذكورة في الكتاب العزيز أحاديث كثيرة، وأتمها وأكملها ما روي عن ابن عباس ولكنها اختلفت بعض الألفاظ، وكلها مروية من طريق سعيد بن جبير عنه، وبعضها في الصحيحين وغيرهما، وبعضها في أحدهما، وبعضها خارج عنهما. وقد رويت من طريق العوفي عنه كما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ومن طريق هارون بن عنترة، عن أبيه، عنه عند ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب، وابن عساكر، فلنقتصر على الرواية التي هي أتمّ الروايات الثابتة في الصحيحين، ففي ذلك ما يغني عن غيره، وهي: قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدوّ الله. حدّثنا أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل. فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل. ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه: {آتنا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } قال: فكان للحوت سرباً، ولموسى وفتاه عجباً، فقال موسى: {ذٰلِكَ مَا كُنَّا فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا قَصَصًا }» قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة لا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش، قال: وكان الحوت قد أكل منه. فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنيّ بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى نبي إسرائيل؟ قال: نعم، قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً، قال: {إنك لن تستطيع معي صبراً} يا موسى، إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمك الله لا أعلمه، قال موسى: {ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً} فقال له الخضر: {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرّت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم ح لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً}. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكانت الأولى من موسى نسياناً". قال: "وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور الذي وقع على حرف السفينة من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } قال: وهذه أشدّ من الأولى {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ } قال: مائل، فقال الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى: قوم آتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وددنا أن موسى كان صبر حتى يقصّ الله علينا من خبرهما». قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ "وَكَانَ أمامهم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً" وكان يقرأ: "وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ كافراً وكان أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ" وبقية روايات سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب هي موافقة لهذه الرواية في المعنى وإن تفاوتت الألفاظ في بعضها فلا فائدة في الإطالة بذكرها، وكذلك روايات غير سعيد عنه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا قال موسى لفتاه} يعني يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وسمي فتاهُ لملازمته إياه، قيل في العلم، وقيل في الخدمة، وهو خليفة موسى على قومه من بعده. وقال محمد بن إسحاق: إن موسى الذي طلب الخضر هو موسى بن منشى بن يوسف، وكان نبياً في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران. والذي عليه جمهور المسلمين أنه موسى بن عمران. {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني بحر الروم وبحر فارس، أحدهما قبل المشرق، والآخر قبل المغرب وحكى الطبري أنه ليس في الأرض مكان أكثر ماء منه. والقول الثاني: هو بحر أرمينية مما يلي الأبواب. الثالث: الخضرُ وإلياس، وهما بحران في العلم، حكاه السدي. {أو أمضي حُقباً} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن الحقب ثمانون سنة، قاله عبد الله بن عمر. الثاني: سبعون سنة، قاله مجاهد. الثالث: أن الحقب الزمان، قاله قتادة. الرابع: أنه الدهر، قاله ابن عباس، ومنه قول امرىء القيس: شعر : نحن الملوك وأبناء الملوك، لنا مِلكٌ به عاش هذا الناس أحقابا تفسير : الخامس: أنه سنة بلغة قيس، قاله الكلبي. وفي قوله {لا أبْرحُ} تأويلان: أحدهما: لا أفارقك، ومنه قول الشاعر: شعر : إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانةً وتحمل أُخرى أثقلتك الودائع تفسير : الثاني: لا أزال، قاله الفراء، ومنه قول الشاعر: شعر : وأبرح ما أدام اللهُ قومي بحمد الله منتطقاً مجيداً تفسير : أي لا أزال. وقيل إنه قال {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} لأنه وعد أن يلقى عنده الخضر عليه السلام. {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حُوتَهما} قيل إنهما تزودا حوتاً مملوحاً وتركاه حين جلسا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه ضل عنهما حتى اتخذ سبيله في البحر سرباً، فسمي ضلاله عنهما نسياناً منهما. الثاني: أنه من النسيان له والسهو عنه. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن الناسي له أحدهما وهو يوشع بن نون وحده وإن أضيف النسيان إليهما، كما يقال نسي القوم زادهم إذا نسيه أحدهم. الثاني: أن يوشع نسي أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء، فصار كل واحد منهما ناسياً لغير ما نسيه الآخر. {فاتّخذ سبيله في البحر سَرَباً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: مسلكاً، قاله مجاهد وابن زيد. الثاني: يبساً، قاله الكلبي. الثالث:عجباً، قاله مقاتل. قوله عز وجل: {فلما جاوَزا} يعني مكان الحوت. {قال لفَتاهُ} يعني موسى قال لفتاه يوشع بن نون. {آتِنا غداءَنا} والغداء الطعام بالغداة كما أن العشاء طعام العشي والإنسان إلى الغداء أشد حاجة منه إلى العشاء. {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} فيه وجهان: أحدهما: أنه التعب. الثاني: الوهن. {قال أرأيت إذ أوينا الى الصخرة} فيه قولان: أحدهما: قاله مقاتل، إن الصخرة بأرض تسمى شره ان على ساحل بحر أيلة، وعندها عين تسمى عين الحياة. الثاني: أنها الصخرة التي دون نهر الزيت على الطريق. {فإني نسيت الحُوت} فيه وجهان: أحدهما: فإني نسيت حمل الحوت. الثاني: فإني نسيت أن أخبرك بأمر الحوت. {وما أنسانيه إلاّ الشيطان أن اذكُره} أي أنسانية بوسوسته إليّ وشغله لقلبي. {واتخذ سبيله في البحر عجباً} فيه قولان: أحدهما: انه كان لا يسلك طريقاً في البحر إلا صار ماؤه صخراً فلما رآه موسى عجب من مصير الماء صخراً. الثاني: أن موسى لما أخبره يوشع بأمر الحوت رجع إلى مكانه فرأى أثر الحوت في البحر ودائرته التي يجري فيها فعجب من عود الحوت حياً. {قال ذلك ما كُنّا نبغِ} أي نطلب، وذلك أنه قيل لموسى إنك تلقى الخضر في موضع تنسى فيه متاعك، فعلم أن الخضر بموضع الحوت. {فارتدَّا على آثارهما قَصصاً} أي خرجا إلى آثارهما يقصان أثر الحوت ويتبعانه. {فَوَجداَ عبْداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا} فيه أربعة تأويلات: أحدها: النبوة، قاله مقاتل: الثاني: النعمة. الثالث: الطاعة. الرابع: طول الحياة. {وعلّمناه من لدُنا عِلْماً} قال ابن عباس لما اقتفى موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد وقد سجي عليه ثوبه، فسلم عليه موسى، فكشف ثوبه عن وجهه وردّ عليه السلام وقال: من أنت؟ قال: موسى. قال صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: وما لك في بني إسرائيل شغل، قال: أمرت أن آتيك وأصحبك. واختلفوا في الخضر هل كان مَلَكاً أو بشراً على قولين: أحدهما: أنه كان ملكاً أمر الله تعالى موسى أن يأخذ عنه مما حمّله إياه من علم الباطن. الثاني: أنه كان بشراً من الإنس. واختلف من قال هذا على قولين: أحدهما: كان نبياً لأن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من هو فوقه؛ ولا يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي، قال مقاتل: هو ليسع لأنه وسع علمه ست سموات وست أرضين. الثاني: أنه لم يكن نبياً وإنما كان عبداً صالحاً أودعه الله تعالى مِن علْم باطن الأمور ما لم يودع غيره، لأن النبي هو الداعي، والخضر كان مطلوباً ولم يكن داعياً طالباً، وقد ذكرأن سبب تسميته بالخضر لأنه كانه إذا صلى في مكان اخضرّ ما حوله.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِفَتَاهُ} يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وسمي فتاه لملازمته له في العلم، أو الخدمة، وهو خليفة موسى على قومه من بعده، وهو موسى بن عمران عند الجمهور، وقال محمد بن إسحاق هو موسى بن ميشا بن يوسف كان نبياً لبني إسرائيل قبل موسى بن عمران {الْبَحْرَيْنِ} الخضر وإلياس بحران في العلم قاله السدي، أو بحر الروم وبحر فارس أحدهما في الغرب، والآخر في الشرق، أو بحر أرمينية مما يلي الأبواب، وعد أنه يلقى الخضر عند مجمعهما {لا أَبْرَحُ} لا أزال، أو لا أفارقك {حُقُباً} زماناً، أو دهراً، أو سنة بلغة قيس، أو ثمانون سنة، أو سبعون.

النسفي

تفسير : {وَإِذْ } واذكر إذ {قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ } هو يوشع بن نون. وإنما قيل {فتاه} لأنه كان يخدمه ويتبعه ويأخذ منه العلم {لا أَبْرَحُ } لا أزال وقد حذف الخبر لدلالة الحال والكلام عليه، أما الأولى فلأنها كانت حال سفر وأما الثاني فلأن قوله: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ } غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له فلا بد أن يكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحر فارس والروم. وسمي خضراً لأنه أينما يصلي يخضر ما حوله {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً } أو أسير زماناً طويلاً قيل ثمانون سنة. رُوي أنه لما ظهر موسى عليه السلام على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط سأل ربه: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد موسى فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى فقال: وإني بأرضنا السلام: فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أنسانيه} بضم الهاء حفص والمفضل، وقرأ عليّ بالإمالة مع كسر الهاء: {نبغي} بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب، وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي في الوصل. الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعاً لخط المصحف. {رشداً} بفتحتين: أبو عمرو ويعقوب. بضمتين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الباقون {رشداً} بضم الراء وسكون الشين. {معي} بفتح الياء: حفص {ستجدني إن} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع {فلا تسألني} بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. بحذف الياء: ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها لأنه شاذ عن أهل الشام. الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء. {ليغرق أهلها} بياء الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل: حمزة وعلي وخلق. الباقون بتاء الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل {زاكية} على "فاعله": أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب. الآخرون {زكية} على "فعيلة" {نكراً} بضمتين حيث كان: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وبان ذكوان وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد {فلا تصحبني} من الصحبة: روح وزيد. الآخرون من المصاحبة. {من لدني} خفيفاً: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمفضل. {يضيفوهما} من الإضافة: المفضل {لتخذت} من التخذ مدغماً: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ ابن كثير بالإظهار. الباقون: {لاتخذت} من الاتخاذ. وقرأ حفص والمفضل والأعشى والبرجمي مظهراً {يبدلهما} من التبديل وكذلك في سورة التحريم ونون والقلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الآخرون من الإبدال {رحماً} بضمتين: ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب. الباقون بسكون الحاء. الوقوف: {حقباً} ه {سرباً} ه {غداءنا} ز لانقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى {نصباً} ه {الحوت} ز لتمام استفهام التعجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالاً {أن أذكره} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة. قيل: عليه تم كلام يوشع ثم ابتدأ موسى فقال عجباً أي أعجب لذلك عجباً والوصل أجوز أي سبيلاً عجباً أو اتخاذاً {عجباً} ه {نبغ} قف قد قيل: لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع على الفور {قصصاً} ه لا لاتصال النظم واتحاد الحال {علماً} ه {رشداً} ه {صبراً} ه {خبراً} ه {أمراً} ه {ذكراً} ه {فانطلقا} وقفة لأن حتى إذا للابتداء {حرقها} ط {أهلها} ج لانقطاع النظم واتحاد القائل {إمراً} ه {صبراً} ه {عسراً} ه {فانطلقا} وقفة لما مر {فقتله} لا لأن "قال" جواب "إذا" {لغير نفس} ط للفصل بين الاستخبار والإخبار {نكراً} ه {صبراً} ه {فلا تصاحبني} ج لاختلاف الجملتين {عذراً} ه {فانطلقا} وقفة {فأقامه} ط {أجراً} ه {وبينك} ج {صبراً} ه {غصباً} ه {وكفراً}، ج للعطف مع الآية {رحماً} ه {صالحاً} ج لما قلنا {من ربك} ج {عن أمري} ط {صبراً}، لانقطاع القصة. التفسير: هذه قصة أوردها الله تعالى لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في الإفادة، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا: إن أخبركم محمد عنها فهو نبي وإلا فلا، فذكر الله تعالى قصة موسى والخضر تنبيهاً على أن النبي لا يلزم أن يكون عالماً بجميع القصص والأخبار. وأما نفعها في الرد على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير من التكبر. وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران صاحب التوارة والمعجزات. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبياً قبل موسى بن عمران. فقال ابن عباس: كذب عدو الله. واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به موسى بن عمران، فلو كان المراد ههنا شخصاً آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن المشهور. حجة الأقلين - وإليه ذهب جمهور اليهود - أن موسى بن عمران بعد أن خصه الله تعالى بالمعجزات الظاهرة التي لم يتفق لمن قبله مثلها، يبعد أن يؤمر بالتعلم والاستفادة. وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها. أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون، ويروى هذا القول عن سعد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو أخو يوشع وكان مصاحباً لموسى في السفر. وعن الحسن: إنه أراد عبده ويؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي"تفسير : . قال أهل السير: إن موسى لما ظهر على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيباً فذكر نعمة الله فقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له: قد علمنا هذا فأيّ الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله حين لم يردّ العلم إلى الله، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر عليه السلام في أيام أفريدون قبل موسى عليه السلام وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر. وبقي إلى أيام موسى. ويروى أن موسى سأل ربه أيّ عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأيّ عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأي عبادك أعلم؟ الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على الهوى أو تردّه عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادلني عليه. قال: أعلم منك الخضر. قال: فأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان فرقد موسى عليه السلام فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال: وأنى بأرضنا السلام فعرفه نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر. قلت: وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلاً. ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله: {لا أبرح} بمعنى لا أزال، وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله: {حتى أبلغ} غاية مضروبة فلا بد لها من ذي غاية. فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، وجوز أن يكون المعنى لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن {حتى أبلغ} هو الخبر، وحذف المضاف وهو السير وأقيم المضاف إليه - وهو ياء المتكلم - مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم وجوز أيضاً أن يكون لا أبرح، بمعنى لا أزول من برح المكان، والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ {مجمع البحرين} يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة في تفسير قوله: {أية : الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} تفسير : [الآية: 164]. وقيل: أراد طنجة، وقيل أفريقية. ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر لأنهما بحر العلم، وهذا مع غرابته مستبشع جداً لأن البحرين إذا كان هو موسى عليه السلام فكيف يصح أن يقول: {حتى أبلغ مجمع البحرين} إذ يؤل حاصل المعنى إلى قولنا حتى أبلغ مكاناً يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا {أو أمضي حقباً} أسير زماناً طويلاً. قال جار الله: الحقب بالضم ثمانون سنة. ويقال: أكثر من ذلك. وقيل: إنه تعالى أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى: لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحراً واحداً أو أمضي دهراً طويلاً حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبار من موسى عليه السلام بأنه وطن تحمل التعب الشديد إلى أن يلقاه، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر، ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال. {فلما بلغا مجمع بينهما} قال جمهور المفسرين: الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه لقاء الخضر. ولا بد للبين من فائدة، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما امتد من البحرين طولاً. والإضافة بمعنى "في" أي مجمعاً في وسط البحرين فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب تعالى أولى منه بكلام موسى، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان يجتمعان هناك. ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي وعد اجتماع شملهما هناك، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد التأكيد كقولهم "جد جده". وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير، فإن كان صواباً فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان {نسيا حوتهما} لأنه تعالى جعل انقلاب الحوت حياً علامة على مسكن الخضر قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت مملوحة فطفرت وسارت. وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء. وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر. ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها، هو أن يوشع كان قد تعود مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده. وقيل: إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيهاً لموسى عليه السلام، على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده. وانتصاب قوله: {سرباً} على أنه مفعول ثانٍ لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلاً سرباً وهو بيت في الأرض، وذلك أن الله تعالى أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة لموسى عليه السلام وللخضر. وقيل: السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سرباً إلا أنه أقيم قوله: {واتخذ سبيله} مقام "سرب" {فلما جاوزا} أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة {قال موسى لفتاه آتنا غداءنا} وهو ما يؤكل بالغداة {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} تعباً وجوعاً. قال المفسرون: قوله {من سفرنا هذا} إشارة إلى سيرهما وراء الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك. قال الفتى متعجباً {أرأيت} ومفعوله محذوف لدلالة قوله: {فإني نسيت الحوت} عليه كأنه قال: أرأيت ما دهاني ووقع لي. {إذ أوينا إلى الصخرة} قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت {فإني نسيت الحوت} عليها ثم ذكر ما يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: {وما أنسانيه إلا الشيطان} و{أن أذكره} بدل الاشتمال من الهاء {في أنسانيه} أي وما أنساني ذكره قال الكعبي: لو كان النسيان بخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله تعالى أولى من إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر. قال القاضي: المراد بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون إلا من قبل الله تعالى. قال أهل البرهان: لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر أوّلاً فاتخذ بالفاء، ولما حيل بينهما ثانياً بجملة معترضة هي قوله: {وما أنسانيه} زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال: {واتخذ سبيله} بالواو. وانتصاب {عجباً} كما مر في {سرباً}. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً"تفسير : {قال} موسى {ذلك} يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر {ما كان ينبغي} أي إنه الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب {فارتدا على آثارهما} فرجعا على طريقهما المسلوك {قصصاً} مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعاً، أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا منه مقتصين {فوجدا عبداً من عبادنا} الأكثرون على أن ذك العبد كان نبياً لأنه تعالى وصفه بقوله: {آتيناه رحمة من عندنا} والرحمة هي الوحي والنبوّة بدليل قوله: {أية : أهم يقسمون رحمة ربك} تفسير : [الزخرف: 32] وقوله: {أية : وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} تفسير : [القصص: 86] ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا: وصفه بقوله: {وعلمناه من لدنا علماً} والعلم المختص به تعالى هو الوحي والإخبار بالغيوب. وأيضاً آخر القصة {وما فعلته عن أمري} أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي. وروي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال: السلام عليك. فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال: من عرّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي. والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية. والتحقيق فيه إذا ضعفت القوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية على جواهر العقل، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت. والأكثرون أيضاً على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفاً إلا اخضر ذلك الموقف. وقال الجبائي: روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل. فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعث بعده، وبتقدير كونه معاصراً له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً} وأن موسى أظهر التواضع له حين قال {ولا أعصي لك أمراً} مع أنه كان مبعوثاً إلى كافة بني إسرائيل، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي. وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل لم يجز أن يكون الخضر أفضل من موسى عليه السلام لأنه تعالى قال لبني إسرائيل {أية : وأني فضلتكم على العالمين} تفسير : [البقرة: 47] وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها. قال العلماء: إن موسى راعى مع الخضر في قوله: {هل أتبعك} أنواعاً من الأدب منها: أنه جعل نفسه تبعاً له مطلقاً، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال، فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير، ولهذا لسنا متبعين لليهود في قولنا "لا إله إلا الله" لأنا نقول كلمة التوحيد لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها، ولكنا متابعون في الصلوات الخمس للنبي صلى الله عليه وسلم لأنا نأتي بها لأجل أنه أتى بها. ومنها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية. ومنها أنه قال: {على أن تعلمني مما علمت} وفيه إقرار على أستاذه بالعلم، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولم يطلب. منه أن يجعله مساوياً له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءاً من أجزاء ماله لأكله، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله تعالى وإلا سمي فاعله، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه فيه ومن هنا قيل: أن عبد من علمني حرفاً. ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب المعجزات المشهورة، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال: {على أن تعلمني} فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم، وأنه لا يحسن صرف الهمة إلا إلى تحصيله. وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان حرصه على زيادتها أوفر. ومنها أنه قال {رشداً} وهو يصلح أن يكون مفعولاً لـ {تعلمني} و {علمت} أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل الضلال. ثم إنه تعالى حكى عن الخضر أنه قال: {لن تستطيع معي صبراً} نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أموراً هي في الظاهر منكرة، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعاً قلما يتمالك أن يصبر عليها. و{خبراً} تمييز أي لم يحط به. خبرك، أو هو مصدر لكونه في معنى الإحاطة. استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل وإلا لكانت الاستطاعة عل الصبر حاصلة قبل الصبر، فيكون قول الخضر بنفي الاستطاعة كذباً. وكذا قوله: {وكيف تصبر} لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا تصبر ألبتة. أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه. يقال في العرف: إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً وأن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا {قال} له موسى {ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصى} أي ستجدني غير عاص {لك أمراً} ويجوز أن يكون قوله: {ولا أعصي} جملة مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي. قال أهل السنة. في قوله: {إن شاء الله} بطريق الشك والصبر مأمور به دليل على أنه تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه. قالت المعتزلة. إنما ذكره بطريق الأدب. وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأيّ أدب في ذكر الكلام الباطل. قالت الأصوليون: في قوله: {ولا أعصي لك أمراً} دليل على أن ظاهر الأمر للوجوب، لأن تارك الأمر عاص. بهذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله: {أية : ومن يعصى الله ورسوله فإن له نار جهنم} تفسير : [الجن: 23] قال المحققون: في قوله الخضر تغليظ وتجهيل، وفي قول موسى تحمل وتواضع، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة. ثم قال: {فإن اتبعتني فلا تسألني} شرط على موسى عليه السلام في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه صحته حتى يكون الخضر هو المبتدىء بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه {فانطلقا} على ساحل البحر يطلبان السفينة، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا: هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال: أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة، فلما حصلوا في اللجة أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء. وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل موسى يسد الخرق بثيابه ويقول: {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً} أتيت شيئاً عظيماً. يقال: أمر الأمر إذا عظم. ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر إمر. احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام اعترض على الخضر بعد توكيد العهود والمواثيق وذلك ذنب. وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضاً وتوبيخاً ولكنه أحب أن يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة، أو أنه خالف الشرط بناء على النسيان ولهذا {قال لا تؤاخذني بما نسيت} ولا مؤاخذة على الناسي. و"ما" موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني. وجوز في الكشاف أن لا يكون ناسياً في الحقيقة ولكنه أوهم بقوله: {لا تؤاخذني بما نسيت} أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض. وجوز أيضاً أن يكون النسيان بمعنى الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة {ولا ترهقني} ولا تغشني {من أمري عسراً} وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر عليّ متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة. وإنما قال في هذه القصة {خرقها} بغير "فاء" لأنه جعله جزاء للشرط، وفي قصة الغلام جعل {فقتله} من جملة الشرط معطوفاً عليه بفاء التعقيب، لأن القتل يعقب لقاء الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم "رأي الشيخ خير من مشهد الغلام" وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق. وليس في القرآن أنهما كيف لقياه، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان، أو كان منفرداً، وهل كان مسلماً أو كان كافراً، وهل كان بالغاً أو كان صغيراً واسم الغلام بالصغير أليق، إلا أن {بغير نفس} بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصاً. وعن ابن عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة. وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت. ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده. قيل: النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة. وقيل: النكر أشد لأن ذلك كان خرقاً تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه. وأيضاً الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر. والنكر ما تنكره العقول فهو شر، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى واختلفوا في كيفية قتله فقيل: فتل عنقه. وقيل: ضرب برأسه الحائط. وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. ثم إنه سبحانه حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال: {ألم أقل لك} وإنما زاد ههنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى. وقيل: أكد التقرير الثاني بقوله {لك} كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني. وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا {قال} موسى {إن سألتك عن شيء بعدها} بعد هذه الكرة أو المسألة {لا تصاحبني} نهاه عن المصاحبة حينئذ مع حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال: {قد بلغت من لدني عذراً} وهذا كلام نادم شديد الندامة جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك" تفسير : {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية} هي أنطاكية: وقيل: الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء. {استطعما أهلها} وكان حق الإيجاز أن يقال: "استطعماهم" فوضع الظاهر موضع المضمر للتأكيد كقوله: شعر : ليت الغراب غداة ينعب بيننا كان الغراب مقطع الأوداج تفسير : وأيضاً لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ لما فيه من الكلفة والبشاعة والاستطالة {فأبوا أن يضيفوهما} يقال: أضافه وضيفه إذا أنزله وجعله ضيفه، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل إلى المضيف. عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : كانوا أهل قرية لئاماً. تفسير : قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه. وأيضاً الضيافة من المندوبات وترك المندوب غير منكر، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك عهد صاحبه. وقال: {لو شئت لاتخذت عليه أجراً} وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته. ولقائل أن يقول: لو كان قد بلغ الجوع إلى حدّ الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار. ولمجيب أن يقول: إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى. وقيل: أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ذراع. قال أهل الاعتبار: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حق. ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل الذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاء أي "فأتوا أن يضيفوهما" فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قوله: {يريد أن ينقض} معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه. يقال: قضضته فانقض، ويحتمل أن يكون "افعل" من النقض كاحمرّ من الحمرة، فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول. واستعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة تشبيهاً للجماد بالأحياء نظيره {أية : ولما سكت عن موسى الغضب} تفسير : [الأعراف: 154] {أية : قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11]. ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى من الحرمان ومسيس الحاجة {قال} لصاحبه {لو شئت لاتخذت عليه أجراً} لطلبت على عملك جعلاً حتى نستدفع به الضرورة. واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ على الأصح {قال} الخضر مشيراً إلى الفراق المتصور في قوله: {فلا تصاحبني} أو مشيراً إلى السؤال والاعتراض {هذا فراق بيني} الإضافة بمعنى في أي فراق أو سبب فراق في بيني {وبينك} وحكى القفال أن البين ههنا بمعنى الوصل. ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: {أما السفينة فكانت لمساكين} قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة {يعملون في البحر} وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين {وكان وراءهم ملك} وهو مسمى بجلندي والوراء ههنا بمعنى الأمام وقد مر في قوله: {أية : ومن ورائه عذاب غليظ} تفسير : [إبراهيم: 17] وقيل: أراد خلفهم وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة {يأخذ كل سفينة} أي غير معيبة {غصباً} ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية والتخريق، وإن كان تصرفاً في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعاً زائداً لم يكن به بأس. ولعل مثل هذا التصرف كان جائزاً في تلك الشريعة، أو لعله كان من مخصوصات النبي صلى الله عليه وسلم. قال جار الله. قوله: {فأردت أن أعيبها} مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور به. وأيضاً خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كون السفينة للمساكين فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في قولك "زيد ظني مقيم" في أنه يتعلق بالطرفين {وأما الغلام} فقد قيل: إنه كان بالغاً قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر والارتداد كما قال: {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً}. يقال: رهقة أي غشيه وأرهقه إياه. وقيل: إنه كان صبياً إلا أنه تعالى علم من حاله أنه لو صار بالغاً صدرت عنه هذه المفاسد، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا تأكد الظن بالوحي. وقيل: أراد فخفنا أن يغشى الوالدين طغياناً عليهما وكفراً بنعمتهما بعقوقه، أو خفنا أن يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. وجوزوا أن يكون قوله: {فخشينا} من كلام الله تعالى أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة أمر فغيره. والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفساً زاكية. والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين. يروى أنهما ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم. ويروى أنها ولدت سبعين نبياً. وقيل: أبدلهما ابناً مؤمناً. وقيل: اسم الغلام المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين. {وأما الجدار فكان لغلامين}. قيل: اسمهما أصرم وصريم. وقوله: {في المدينة} بعد قوله: {أتيا أهل قرية} فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى الاجتماع والإقامة مراعى فيهما. أما الكنز فقيل: هو المال لقوله: {ويستخرجا} ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال. وقيل: صحف فيها علم لقوله: {وكان أبوهما صالحاً} ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح. وعورض بقول قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا. وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا. وجمع بعضهم بين الأمرين فقال: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وفي قوله: {وكان أبوهما صالحاً} دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء. عن جعفر بن محمد رضي الله عنه: كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما ان الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة. قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالماً به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط و{رحمة من ربك} مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له {وما فعلته عن أمري} أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله. سؤال: لم قال في الأول: {فأردت أن أعيبها} وفي الثاني: {فأردنا} وفي الثالث {فأراد ربك}؟ الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى الله سبحانه، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التدبيل فجمع بين الأمرين. ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء بالمؤيدين بالعلوم الدينية، والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما تشاؤون إلا أن يشاء الله {ذلك} الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع {تأويل ما لم تسطع عليه صبراً} أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع} إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف. وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب " تفسير : التأويل: {وإذ قال موسى لفتاه} فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميراً والآخر مأموراً، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق. ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا. {فلما جاوزا} فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظاناً أن مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ. هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن أدركته العناية الأزلية ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق. {آتنا غداءنا} وهو همة الشيخ وبركة صحبته {لقد لقينا في سفرنا هذا} الذي جاوزنا صحبة الشيخ {نصباً} فقال رفيقه {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة} صخرة النفس وتسويلها {فإني نسيت} حوت القلب {قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل {فوجدا عبداً من عبادنا} حراً من رق غيرنا. وفي قوله: {وعلمناه من لدنّا علماً} إشارة إلى أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية، وقد ذهب موسى إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علماً يمكن تعلمه، فبين علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتنافٍ فلهذا قال الخضر: {إنك لن تستطيع معي صبراً} وفي إظهار المسائل الثلاثة إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في قول موسى: {هل أتبعك} الخ في قول الخضر. {فإن اتبعتني فلا تسألني} الخ. وجد أصول الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب "آداب المريدين" للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه {حتى إذا ركبا في السفينة} هي سفينة الشريعة {خرقها} بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من المحققين طرداً للعوام وحذراً من التباهي والعجب {أخرقتها لتغرق أهلها} في أودية الضلال إذا اقتدوا بك {حتى إذا لقيا غلاماً} هو النفس الأمارة {فقتله} بسكين الرياضة وسيف المجاهدة {حتى إذا أتيا أهل قرية} هي الجسد وهم القوى الإنسانية من الحواس وغيرها {استطعما أهلها} بطلب أفاعليها التي تختص بها {فأبوا أن يضيفوهما} بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها {فوجدا فيها جداراً} هو التعلق الحائل بين النفس الناطقة وبين عالم المجردات {يريد أن ينقض} بقطع العلاقة {فأقامه} بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك مطيتك فارفق بها. {لو شئت لاتخذت عليه أجراً} ثواباً جزيلاً أي لو شئت لصبرت على شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف. {أما السفينة فكانت لمساكين} هم العوام الذين {يعملون في} بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك حتى يصلوا إلى ملوك تحت أطمار {فأردت أن أعيبها} في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن {وكان وراءهم ملك} هو الشيطان {يأخذ كل سفينة} عبادة {غصباً} لأن كل عبادة تخلو عن الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن {وأما الغلام فكان أبواه} وهما القلب والروح {مؤمنين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة} هو النفس المطمئنة {وأقرب رحماً} أي نسبة إلى الأبوين. {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين} هما النفس المطمئنة والملهمة {وكان تحته كنز لهما} هو حصول الكمالات النظرية والعملية {وكان أبوهما} وهو العقل المفارق {صالحاً} كاملاً بالفعل فلهذا ادخر لأجلهما ما ادخر {فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما} بتربية الشيخ وإرشاده على سبيل الرفق والمداراة {ويستخرجا} ما كان كامناً فيهما.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَـٰهُ لا أَبْرَحُ...} الآية: {مُوسَىٰ } هو ابنُ عمرانَ، وفتاه هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أن موسى عليه السلام جَلَسَ يَوْماً في مَجْلِسٍ لَبني إِسْرَائيلَ، وخَطَبَ، فأَبْلَغَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لاَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، دُلَّنِي عَلَى السَّبِيلِ إِلى لقيه، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ بطُوِلِ سَيْفِ البَحْرِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، فَإِذَا فَقَدَ الحُوتَ، فإِنَّهُ هُنَالِكَ، وأُمِرَ أَنْ يَتَزَوَّدَ حُوتاً، وَيَرْتَقِبَ زَوَالَهُ عَنْهُ، فَفَعَلَ مُوسى ذَلِكَ، وَقَالَ لِفَتَاهُ على جِهَةِ إِمْضَاءِ العَزِيمَةِ: لاَ أَبْرَحُ أَسِيرُ، أي: لاَ أَزَالُ، وإِنما قال هذه المقالَةَ، وهو سائرٌ، قال السُّهَيْليُّ: كان موسى عليه السلام أعلَمَ بعلْمِ الظاهر، وكان الخَضِرُ أعلم بعلْم الباطنِ، وأسرارِ المَلَكُوتِ، فكانا بَحْرَيْن ٱجتمعاً بمجْمَعِ البَحْرَيْن، والخضرُ شَرِبَ من عَيْن الحَيَاةِ، فَهوَ حَيٌّ إِلى أن يخرج الدَّجَّال، وأنَّه الرجُلُ الذي يقتله الدَّجَّال، وقال البخاريُّ وطائفة من أهْل الحديث، منهم شيخُنا أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبيِّ رحمه اللَّه: مات الخَضِرُ قبل انقضاء المِائَةِ من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِه، فإِنَّ إِلى رَأْسِ مِائَةِ عَامٍ مِنْهَا لا يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا أَحَدُ » تفسير : يعني من كان حيًّا حين قال هذه المقالَةَ، وأما اجتماع الخِضَرِ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتعزيته لأهْل بيته، فمرويٌّ من طرقٍ صِحَاحٍ، وصحَّ عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: « حديث : إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خضراء ». تفسير : قال الخطابي: الفروة وجه الأرض، ثم أنشد على ذلك شاهداً انتهى. واختلف الناس في «مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ»، فقال مجاهد وقتادة هو مَجْمَعُ بَحْر فارس وبَحْر الروم، وقالت فرقة {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ }: هو عند طَنْجَة، وقيل غير هذا، واختلف في «الحُقُب»، فقال ابن عباس وغيره: الحُقُب: أزمانٌ غير محدودة، وقال عبد اللَّه بن عمرو ثمانون سنة، وقال مجاهد: سبعون، وقيل: سنةٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن عساكر من طريق ابن سمعان، عن مجاهد قال‏:‏ كان ابن عباس يقول في هذه الآية ‏ {‏وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح‏}‏ يقول‏:‏ لا أنفك ولا أزال ‏{‏حتى أبلغ مجمع البحرين‏} ‏ يقول‏:‏ ملتقى البحرين ‏{‏أو أمضي حقبا‏ً} ‏ يقول‏:‏ أو أمضي سبعين خريفاً ‏ {‏فلما بلغا مجمع بينهما‏} ‏ يقول‏:‏ بين البحرين ‏ {‏نسيا حوتهما‏} ‏ يقول‏:‏ ذهب منهما وأخطأهما، وكان حوتاً مليحاً معهما يحملانه فوثب من المكتل إلى الماء فكان ‏ {‏سبيله في البحر سربا‏ً} ‏ فأنسى الشيطان فتى موسى أن يذكره، وكان فتى موسى يوشع بن نون ‏{‏واتخذ سبيله في البحر عجبا‏ً} ‏ يقول‏:‏ موسى عجب من أثر الحوت ودوراته التي غار فيها ‏ {‏قال ذلك ما كنا نبغي‏} ‏ قول موسى‏:‏ فذاك حيث أخبرت أني أجد الخضر حيث يفارقني الحوت ‏ {‏فارتدا على آثارهما قصصا‏ً} ‏ يقول‏:‏ اتبع موسى ويوشع أثر الحوت في البحر وهم راجعان على ساحل البحر ‏ {‏فوجدا عبداً من عبادنا‏} ‏ يقول‏:‏ فوجدا خضراً ‏ {‏آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما‏ً} ‏ قال الله تعالى‏:‏ {أية : ‏وفوق كل ذي علم عليم‏}‏ ‏تفسير : [‏يوسف: 76‏]‏ فصحب موسى الخضر وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه‏. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ كذب عدوّ الله‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "حديث : إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل‏:‏ أي الناس أعلم‏؟‏ فقال‏:‏ أنا‏.‏ فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه‏:‏ أن لي عبداً بمجمع البحرين وهو أعلم منك‏.‏ قال موسى‏:‏ يا رب، كيف لي به‏؟‏ قال‏:‏ تأخذ معك حوتاً تجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم‏.‏ فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر سربا‏ً}‏ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد ‏ {‏قال‏} ‏ موسى ‏ {‏لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏ً}‏ قال‏:‏ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه‏ ‏ {‏أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً‏} ‏ قال‏:‏ فكان للحوت سرباً، ولموسى ولفتاه عجبا‏ً.‏ فقال موسى ‏ {‏ذلك ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصا‏ً}‏ قال سفيان‏:‏ يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش‏.‏ قال‏:‏ وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش‏.‏ قال‏:‏ فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر‏:‏ وأنى بأرضك السلام‏؟‏ قال‏:‏ أنا موسى‏.‏ قال‏:‏ موسى بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نَعَم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً ‏ {‏قال إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً}‏ يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلَمُهُ أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه‏.‏ فقال موسى ‏{‏ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمرا‏ً}‏ فقال له الخضر ‏{‏فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا‏} ‏ يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى‏:‏ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلَهَا‏؟‏‏.‏ ‏ {‏لقد جئت شيئاً إمْرَا‏} ‏ فقال‏:‏ ‏ {‏ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا‏ً}‏. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كانت الأولى من موسى نسياناً، قال‏:‏ وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر‏:‏ ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى‏:‏ ‏ {‏أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال‏‏ ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً}‏ قال‏:‏ وهذه أشد من الأولى ‏ {‏قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض‏} ‏ قال‏:‏ مائل، فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى‏:‏ قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ‏ {‏لو شئت لاتخذت عليه أجرا‏ً}‏ فقال‏:‏ ‏ {‏هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا‏ً}‏‏ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما‏ ". تفسير : قال سعيد بن جبير‏:‏ وكان ابن عباس يقرأ ‏"‏وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا‏ً"‏ وكان يقرأ ‏"‏وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين‏"‏‏. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر، عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال‏:‏ سلوني‏.‏ قلت‏:‏ أي أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل‏.‏ قال‏:‏ كذب عدوّ الله، حدثني أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ‏"حديث : ‏إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال‏:‏ أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى‏.‏ قيل‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أي رب، فأين‏؟‏ قال‏:‏ بمجمع البحرين‏.‏ قال‏:‏ أي رب، اجعل لي علماً أعلم به ذلك‏.‏ قال‏:‏ خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح‏،‏ فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، فقال لفتاه‏:‏ لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت‏.‏ قال‏:‏ ما كلفت كثيراً‏.‏ قال‏:‏ فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان ‏أن تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه‏:‏ لا أوقظه‏.‏ حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره‏.‏ وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر‏.‏ قال موسى ‏{‏لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً‏}‏ قال‏:‏ قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال‏:‏ هل بأرض من سلام‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا موسى‏.‏ قال‏:‏ موسى بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ جئت لتعلمني مما علمت رشداً‏.‏ قال‏:‏ أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى‏؟‏ إن لي علماً لا ينبغي أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه‏.‏ فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال‏:‏ والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر‏.‏ حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه فقالوا‏:‏ عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً‏.‏ قال موسى ‏{‏أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً‏}‏ كانت الأولى نسياناً والوسطى والثالثة عمداً ‏{قال ‏لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله‏}‏ ووجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال‏:‏ ‏{‏أقتلت نفساً زكية‏}‏ لم تعمل الحنث‏.‏ قال ابن عباس قرأها‏:‏ ‏{‏زكية‏}‏ زاكية مسلمة، كقولك‏:‏ غلاماً زكياً‏.‏ ‏‏فانطلقا فوجدا ‏{‏جداراً يريد أن ينقض فأقامه‏}‏ قال‏:‏ بيده هكذا، ورفع يده فاستقام ‏{‏قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً‏}‏ قال‏:‏ أجراً تأكله ‏{‏وكان وراءهم ملك‏}‏ قرأها ابن عباس ‏"‏وكان أمامهم ملك‏"‏ يزعمون مدد بن ندد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور ‏{‏ملك يأخذ كل سفينة‏}‏ صالحة ‏{‏غصباً‏}‏ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول سدوها بالقار ‏{‏فكان أبواه مؤمنين‏}‏ وكان كافراً ‏{‏فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً‏}‏ أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ‏{‏فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما‏ً}‏ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر‏.‏‏"‏ وزعم غير سعيد أنهما أُبْدِلا جارية‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده، فقال القوم‏:‏ إن نوفاً الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل، فكان ابن عباس متكئاً فاستوى جالساً فقال‏:‏ كذب نوف، حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏ ‏"حديث : ‏رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له‏:‏ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، لرأى من صاحبه عجباً ‏"‏‏. تفسير : قال‏:‏ "حديث : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبياً من الأنبياء بدأ بنفسه فقال‏:‏ ‏"‏رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد، ثم قال‏:‏ إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم، إذ قال لهم‏:‏ ما في الأرض أحد أعلم مني‏.‏ فأوحى الله إليه‏:‏ أن في الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتاً مالحاً فإذا فقدته فهو حبيب تفقده‏،‏ فتزوّد حوتاً مالحاً فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب ‏{‏فاتخذ سبيله في البحر سربا‏ً} ‏ قال فتاه‏:‏ إذا جاء نبي الله حدثته‏.‏ فأنساه الشيطان، فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به، فقال موسى‏:‏ ‏{‏لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏ً} ‏ قال فتاه‏:‏ يا نبي الله ‏ {‏أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت‏} ‏ أن أحدثك ‏ {‏وما أَنْسَانِيهُ إلا الشيطان‏}‏ ‏{‏فاتخذ سبيله في البحر سرباً‏}‏ ‏{‏قال ذلك ما كنا نبغي} ‏ فرجعا ‏ {‏على آثارهما قصصا‏ً}‏ يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه، فرفع رأسه فقال له‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ موسى‏.‏ قال‏:‏ من موسى‏؟‏ قال‏:‏ موسى بني إسرائيل‏.‏ قال‏:‏ فما لك‏؟‏ قال‏:‏ أخبرت أن عندك علماً فأردت أن أصحبك ‏ {‏قال إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً}‏ ‏{‏قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً‏}‏ ‏{‏قال‏‏ كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً‏}‏ قال‏:‏ قد أمرت أن أفعله ‏{‏قال‏ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة‏} ‏ فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها، فقال له موسى‏:‏ تخرقها ‏ {‏لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا‏ً}‏ فانطلقا، حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال ‏ {‏أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً‏} ‏ قال‏:‏ فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال ‏ {‏إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى أتيا أهل قرية} ‏وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما ‏{‏فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه‏} ‏ قال له موسى مما نزل به من الجهد‏ ‏ {‏لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} ‏ فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني: ‏ {‏أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر‏}‏ ‏{‏وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا‏ً} ‏ فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها‏.‏ وأما الغلام، فإنه كان طبع يوم طبع كافراً، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئاً لأرهقهما طغياناً وكفراً، فأراد ربك أن يبدلهما ‏ {‏خيراً منه زكاة وأقرب رحما‏ً} ‏ فوقع أبوه على أمه فعلقت خيراً منه زكاة وأقرب رحماً "تفسير : . وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ جلست عند ابن عباس - وعنده نفر من أهل الكتاب - فقال بعضهم‏:‏ إن نوفاً يزعم عن أبي بن كعب، أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس‏:‏ كذب نوف‏.‏‏.‏‏.‏ حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏"حديث : ‏أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال‏:‏ أي رب، إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني‏.‏ قال‏:‏ نعم، في عبادي من هو أعلم منك، فنعت له مكانه فأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل‏:‏ إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك‏.‏ فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، ماء الحياة من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي‏.‏ فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر سربا‏ً} ‏ فانطلقا ‏ {‏فلما جاوزا قال‏} ‏ موسى ‏ {‏لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏ً} ‏ قال الفتى وذكر ‏{‏أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا‏ً} ‏ قال ابن عباس‏:‏ فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسىعليه فرد عليه ثم قال له‏:‏ ما جاء بك‏؟‏ إن كان لك في قومك لشغل‏؟‏ قال له موسى‏:‏ جئتك لتعلمني مما علمت رشدا‏ً. {‏قال إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً} ‏ وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ ‏ {‏وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا‏ً} ‏ أي أن ما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم‏؟‏ ‏{‏قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً‏} ‏ وإن رأيت ما يخالفني ‏ {‏قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً‏} فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها، أخرج منقاراً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى - ورأى أمراً أفظع به - ‏ {‏أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت‏}‏ أي بما تركت من عهدك ‏ {‏ولا ترهقني من أمري عسرا‏ً} ‏ ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى أتيا قرية، فإذا غلمان يلعبون‏.‏‏.‏‏.‏ فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أوضأ منه، فأخذ بيده وأخذ حجراً فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، فرآى موسى عليه السلام أمراً فظيعاً لا صبر عليه، صبي صغير قتله لا ذنب له‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ ‏ {‏قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس‏} ‏ أي صغيرة ‏ {‏لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال‏ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا‏ً}‏ أي قد عذرت في شأني ‏{‏فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض‏}‏ فهدمه ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر، فقال ‏ {‏لو شئت لاتخذت عليه أجراً‏}‏ أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا، واستضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل في غير صنيعة‏؟‏ ولو شئت لأعطيت عليه أجراً في عملك‏.‏ ‏{‏قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة‏} ‏ صالحة ‏ {‏غصبا‏ً} ‏ - في قراءة أبي بن كعب ‏"‏كل سفينة صالحة‏"‏ وإنما عيبها لطرده عنها فَسَلِمَتْ منه حين رأى العيب الذي صنعت بها ‏ {‏وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً‏.‏ فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً‏.‏ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري‏} ‏ أي ما فعلته عن نفسي ‏ {‏ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا‏ً}‏"تفسير : فكان ابن عباس يقول‏:‏ ما كان الكنز إلا علما‏ً"‏‏. وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال‏:‏ قام موسى خطيباً لبني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وعرض في نفسه أن أحداً لم يؤت من العلم ما أوتي، وعَلِمَ الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له‏:‏ ‏"‏يا موسى، إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك‏.‏ قال‏:‏ فادللني عليه حتى أتعلم منه‏.‏ قال‏:‏ يدلك عليه بعض زادك‏"‏‏.‏ فقال لفتاه يوشع ‏{‏لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا‏ً}‏ قال‏:‏ فكان فيما تزوداه حوت مملوح وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ندى الماء فتحرك في المكتل فقلب المكتل وأسرب في البحر، فلما جاوز أحضر الغداء فقال‏:‏ ‏{‏آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً‏} ‏ فذكر الفتى ‏ {‏قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا‏ً} ‏ فذكر موسى ما كان عهد إليه، إنه يدلك عليه بعض زادك‏.‏ ‏ {‏قال ذلك ما كنا نبغي‏}‏ أي هذه حاجتنا ‏ {‏فارتدا على آثارهما قصصاً‏} ‏ يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل، فأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر العرب ‏ {‏فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمت رشدا‏ً} ‏ فأقر له بالعلم ‏ {‏قال إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ حتى أكون أنا أحدث ذلك لك ‏ {‏فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلَهَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما‏ً}‏ على ساحل البحر في غلمان يلعبون، فعهد إلى أجودهم وأصبحهم ‏{‏فقتله قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً}. قال ابن عباس‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فاستحى نبي الله موسى عند ذلك فقال‏:‏ ‏ {‏إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلَهَا‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا‏ً}‏ قال‏:‏ وهي في قراءة أبي بن كعب ‏"‏يأخذ كل سفينة صالحة غصباً‏"‏ فأردت أن أعيبها حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رقعوها فانتفعوا بها وبقيت لهم ‏ {‏وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا‏ً} ‏ قال‏:‏ فجاء طائر هذه الحمرة فبلغ فجعل بغمس منقاره في البحر، فقال له‏:‏ يا موسى، ما يقول هذا الطائر‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏ قال‏:‏ هذا يقول‏:‏ ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا كما أنقص بمنقاري من جميع ما في هذا البحر‏"‏‏. وأخرج الروياني وابن عساكر من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ بينما موسى عليه السلام يذكر بني إسرائيل، إذ حدث نفسه أنه ليس أحد من الناس أعلم منه، فأوحى الله إليه‏:‏ ‏"‏إني قد علمت ما حدثت به نفسك، فإن من عبادي رجلاً أعلم منك‏.‏‏.‏‏.‏ يكون على ساحل البحر فأته فتعلم منه واعلم أن الآية الدالة لك على مكانه زادك الذي تزوّد به، فأينما فقدته فهناك مكانه‏"‏‏. ثم خرج موسى وفتاه قد حملا حوتاً مالحاً في مكتل وخرجا يمشيان لا يجدان لغوبا ولا عنتاً، حتى انتهيا إلى العين التي كان يشرب منها الخضر، فمضى موسى وجلس فتاه فشرب منها فوثب الحوت من المكتل حتى وقع في الطين، ثم جرى فيه حتى وقع في البحر‏.‏ فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر سرباً‏}‏ فانطلق حتى لحق موسى، فلما لحقه أدركه العياء فجلس وقال لفتاه ‏ {‏آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏ً} ‏ قال‏:‏ ففقد الحوت فقال‏:‏ ‏ {‏إني نسيت الحوت‏} ‏ الآية‏.‏ يعني فتى موسى ‏ {‏اتخذ سبيله في البحر عجباً قال ذلك ما كنا نبغي‏} ‏ إلى ‏{‏قصَصَا} ‏ فانتهيا إلى الصخرة فأطاف بها موسى فلم ير شيئاً، ثم صعد فإذا على ظهرها رجل متلفف بكسائه نائم، فسلم عليه موسى، فرفع رأسه فقال‏:‏ أنى السلام بهذا المكان‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ موسى بني إسرائيل‏.‏ قال‏:‏ فما كان لك في قومك شغل عني‏؟‏ قال‏:‏ إني أمرت بك‏.‏ فقال الخضر‏:‏ ‏ {‏إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً}‏ ‏{‏قال ستجدني إن شاء الله صابراً‏} ‏ الآية‏.‏ ‏ {‏قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً‏} ‏ فخرجا يمشيان حتى انتهيا إلى ساحل البحر، فإذا قوم قد ركبوا في سفينة يريدون أن يقطعوا البحر ركبوا معهم، فلما كانوا في ناحية البحر أخذ الخضر حديدة كانت معه فخرق بها السفينة ‏ {‏قال أخرقتها لتغرق أَهْلَهَا‏}‏ الآية‏.‏ ‏ {‏قال ألم أقل‏} ‏ الآية‏.‏ ‏ {‏قال لا تؤاخذني‏}‏ الآية‏.‏ ‏{‏فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية‏} ‏ فوجدا صبياناً يلعبون يريدون القرية، فأخذ الخضر غلاماً منهم وهو أحسنهم وألطفهم فقتله قال له موسى‏:‏ ‏ {‏أقتلت نفساً زكية‏}‏ الآية‏.‏ ‏ {‏قال ألم أقل لَكَ‏} ‏ الآية‏.‏ ‏ {‏قال إن سألتك‏} ‏ الآية‏.‏ فانطلقا حتى انتهيا إلى قرية لئام وبهما جهد فاستطعموهم فلم يطعموهم، فرأى الجدار مائلاً فمسحه الخضر بيده فاستوى، فقال‏:‏ ‏{‏لو شئت لاتخذت عليه أجرا‏ً} ‏ قال له موسى‏:‏ قد ترى جهدنا وحاجتنا، لو سألتهم عليه أجراً أعطوك فنتعشى به ‏ {‏قال هذا فراق بيني وبينك‏}‏ قال‏:‏ فأخذ موسى بثوبه فقال‏:‏ أنشدك الصحبة، إلا أخبرتني عن تأويل ما رأيت‏؟‏ قال‏:‏ ‏ {‏أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر‏} ‏ الآية‏.‏ خرقتها لأعيبها فلم تؤخذ فأصلحها أهلها فامتنعوا بها، وأما الغلام، فإن الله جعله كافراً وكان أبواه مؤمنين، فلو عاش لأرهقهما ‏{‏طغياناً وكفراً فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس قال‏:‏ لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه بمصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله ‏{أية : ‏وذكرهم بأيام الله‏} ‏تفسير : [‏إبراهيم: 5‏]‏ فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعم، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض وقال: كلم الله موسى نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم من كل شيء سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرون اليوم‏. فلم يترك نعمة أنعمها الله عليهم إلا عرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل‏:‏ فهل على الأرض أعلم منك يا نبي الله‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فبعث الله جبريل إلى موسى فقال‏:‏ إن الله يقول‏ ‏"‏وما يدريك أين أضع علمي‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ بلى على ساحل البحر رجل أعلم‏"‏‏. قال ابن عباس‏:‏ هو الخضر‏.‏ فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى الله إليه‏:‏ أن ائت البحر فإنك تجد على ساحل البحر حوتاً ميتاً فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وذهب منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب‏.‏ فلما طال صعود موسى ونصب فيه، سأل فتاه عن الحوت‏:‏ ‏ {‏قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره‏}‏ لك‏.‏ قال الفتى‏.‏ لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا، فأعجب ذلك فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء ويتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلّم عليه، فقال الخضر‏:‏ وعليك السلام‏.‏‏.‏‏.‏ وأنى يكون هذا السلام بهذا الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ ومن أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا موسى‏.‏ فقال له الخضر‏:‏ أصاحب بني إسرائيل‏؟‏ فرحب به وقال‏:‏ ما جاء بك‏؟‏ قال‏:‏ جئتك ‏ {‏على أن تعلمني مما علمت رشداً قال إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ لا تطيق ذلك‏.‏ قال موسى‏:‏ ‏ {‏ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً} ‏ فانطلق به وقال له‏:‏ لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏حتى أحدث لك منه ذكرا‏ً}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب وابن عساكر من طريق هرون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس قال‏:‏ سأل موسى ربه فقال‏:‏ ‏"‏رب، أي عبادك أحب إليك‏؟‏ قال‏:‏ الذي يذكرني ولا ينساني‏.‏ قال‏:‏ فأي عبادك أقضى‏؟‏ قال‏:‏ الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى‏.‏ قال‏:‏ فأيّ عبادك أعلم‏؟‏ قال‏:‏ الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى‏.‏ قال‏:‏ وقد كان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد أعلم منه‏.‏ قال‏:‏ رب، فهل أحد أعلم مني‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فأين هو‏؟‏ قيل له‏:‏ عند الصخرة التي عندها العين‏"‏‏. فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى‏:‏ إني أريد أن تصحبني‏.‏ قال‏:‏ إنك لن تطيق صحبتي‏.‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فإن صحبتني ‏ {‏فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا‏ً}‏ فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في البحر مكان أكثر ماء منه‏.‏ قال‏:‏ وبعث الله الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى‏:‏ كم ترى هذا الخطاف رزأ بمنقاره من الماء‏؟‏ قال‏:‏ ما أقل ما رزأ‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء‏.‏ وذكر تمام الحديث في خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاح الجدار، فكان قول موسى في الجدار لنفسه شيئاً من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله عز وجل‏. وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان، عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له في أجله حتى يكذب الدجال‏. وأخرج البخاري وأحمد والترمذي وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إنما سمي الخضر خضراً؛ لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر، عن مجاهد قال‏:‏ إنما سمي الخضر، لأنه إذا صلى اخضر ما حوله‏. وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحق قال‏:‏ حدثنا أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال‏:‏ يا بني، إن الله سينزل على أهل الأرض عذاباً، فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوني وادفنوني بأرض الشام‏.‏ فكان جسده معهم، فلما بعث الله نوحاً ضم ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً، فجاء نوح حتى نزل وأوصى بنيه الثلاثة - وهم سام وحام ويافث - أن يذهبوا بجسده إلى الغار الذي أمرهم أن يدفنوه به‏.‏ فقالوا‏:‏ الأرض وحشية لا أنيس بها ولا نهتدي لطريق، ولكن كفّ حتى يعظم الناس ويكثروا‏.‏ فقال لهم نوح‏:‏ إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة‏.‏ فلم يزل جسد آدم حتى جاء الخضر عليه السلام هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله له ما وعده فهو يحيا ما شاء الله أن يحيا‏. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب‏:‏ ‏"‏أن الخضر عليه السلام أمه رومية وأبوه فارسي‏"‏. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لما لقي موسى الخضر، جاء طير فألقى منقاره في الماء، فقال الخضر لموسى‏:‏ تدري ما يقول هذا الطائر‏؟‏ قال‏:‏ وما يقول: قال‏:‏ يقول‏:‏ ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي والبزار وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي الدرداء في قوله‏:‏ ‏{‏وكان تحته كنز لهما‏} ‏ قال‏:‏ أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم، وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبزار، عن أبي ذر رفعه قال‏:‏ إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مضمن، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل‏.‏ لا إله إلا الله‏.‏‏.‏‏.‏ محمد رسول الله. وأخرج الشيرازي في الألقاب عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال‏:‏ كان اللوح الذي ذكر الله تعالى في كتابه ‏ {‏وكان تحته كنز لهما‏} ‏ حجراً منقوراً فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعلم أن القدر حق كيف يحزن‏؟‏ ‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ وعجباً لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح‏؟‏ ‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ وعجباً لمن يرى الدنيا وغرورها وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏؟‏ ‏!‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله‏. وأخرج الخرائطي في قمع الحرص وابن عساكر من طريق أبي حازم، عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وكان تحته كنز لهما‏}‏ قال‏:‏ لوح من ذهب مكتوب فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، عجباً لمن يعرف الموت كيف يفرح‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ وعجباً لمن يعرف النار كيف يضحك‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ وعجباً لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ وعجباً لمن أيقن بالقضاء والقدر كيف ينصب في طلب الرزق‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ وعجباً لمن يؤمن بالحساب كيف يعمل الخطايا‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله‏. وأخرج ابن مردويه عن علي، ‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏وكان تحته كنز لهما‏}‏ قال‏:‏ "‏لوح من ذهب مكتوب فيه‏:‏ شهدت أن لا إله إلا الله، شهدت أن محمداً رسول الله، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ عجبت لمن تفكر في تقلب الليل والنهار ويأمن فجأتهما حالاً فحالاً‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ‏ {‏وكان تحته كنز لهما‏} ‏ قال‏:‏ ما كان ذهباً ولا فضة، كان صحفاً عليها‏. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان، عن علي بن أبي طالب في قول الله عز وجل‏:‏ ‏ {‏وكان تحته كنز لهما‏} ‏ قال‏:‏ كان لوح من ذهب مكتوب فيه‏:‏ لا إله الله إلا الله محمد رسول الله‏.‏‏.‏‏.‏ عجباً لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ وعجباً لمن يذكر أن النار حق كيف يضحك‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ وعجباً لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ وعجباً لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالاً بعد حال كيف يطمئن إليها‏.‏‏.‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان أبوهما صالحاً‏}‏ قال‏:‏ كان يؤدي الأمانات والودائع إلى أهلها‏. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان أبوهما صالحا‏ً} ‏ قال‏:‏ حفظ الصلاح لأبيهما وما ذكر عنهما صلاحا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده ويحفظه في ذريته والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية‏. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏" حديث : إن الله يصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ‏"‏‏. تفسير : وأخرجه ابن المبارك وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر موقوفاً. وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال‏:‏ إن الله يخلف العبد المؤمن في ولده ثمانين عاما‏ً. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال‏:‏ بينما موسى يخاطب الخضر يقول‏:‏ ألست نبي بني إسرائيل‏؟‏ فقد أوتيت من العلم ما تكتفي به، وموسى يقول له‏:‏ إني قد أمرت باتباعك‏.‏ والخضر يقول‏:‏ ‏ {‏إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً} ‏ فبينما هو يخاطبه إذ جاء عصفور فوقع على شاطئ البحر‏.‏ فنقر منه نقرة ثم طار فذهب، فقال الخضر لموسى‏:‏ يا موسى، هل رأيت الطير أصاب من البحر‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ما أصبتُ أنا وأنت من العلم في علم الله، إلا بمنزلة ما أصاب هذا الطير من هذا البحر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏{‏لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين‏} ‏ قال‏:‏ حتى إنتهي‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏مجمع البحرين‏} ‏ قال‏:‏ بحر فارس والروم، هما بحر المشرق والمغرب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في قوله‏:‏ ‏ {‏مجمع البحرين‏}‏ قال‏:‏ أفريقية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله‏:‏ ‏ {‏مجمع البحرين‏} ‏ قال‏:‏ طنجة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏مجمع البحرين‏} ‏ قال‏:‏ الكر والرس، حيث يصبان في البحر‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏أو أمضي حقبا‏ً}‏ قال‏:‏ دهرا‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أو أمضي حقبا‏ً} ‏ قال‏:‏ سبعين خريفا‏ً.‏ وفي قوله‏:‏ ‏ {‏فلما بلغا مجمع بينهما‏} ‏ قال‏:‏ بين البحرين ‏ {‏نسيا حوتهما‏} ‏ قال‏:‏ أضلاه في البحر ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر عجبا‏ً} ‏ قال‏:‏ موسى يعجب من أثر الحوت ودوراته التي غاب فيها ‏ {‏فارتدا على آثارهما قصصا‏ً} ‏ قال‏:‏ اتباع موسى وفتاه أثر الحوت حيث يشق البحر راجعين‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏نسيا حوتهما‏} ‏ قال‏:‏ كان مملوحاً مشقوق البطن‏. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر سربا‏ً} ‏ قال‏:‏ أثره يابس في البحر كأنه حجر‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما انجاب ماء منذ كان الناس، غير بيت ماء الحوت دخل منه صار منجاباً كالكرة، حتى رجع إليه موسى فرأى إمساكه قال‏:‏ ‏{‏ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا‏ً}‏ أي، يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوت ‏". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر سرباً‏} ‏ قال‏:‏ جاء فرأى جناحيه في الطين حين وقع في الماء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏فاتخذ سبيله في البحر سربا‏ً} ‏ قال‏:‏ دخل الحوت في البطحاء بعد موته حين أحياه الله، ثم اتخذ فيها سرباً حتى وصل إلى البحر‏.‏ والسرب، طريق حتى وصل إلى الماء وهي بطحاء يابسة في البر، بعدما أكل منه دهراً طويلاً وهو زاده، ثم أحياه الله‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أن موسى عليه السلام شق الحوت وملحه وتغدى منه وتعشى، فلما كان من الغد ‏ {‏قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا‏ً}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال في قراءة أُبي ‏"‏وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكر له‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ أتى الحوت على عين في البحر يقال لها عين الحياة، فلما أصاب تلك العين ردّ الله إليه روحه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فارتدا على آثارهما قصصاً} ‏ قال‏:‏ عودهما على بدئهما‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏فوجدا عبداً من عبادنا‏} ‏ قال‏:‏ لقيا رجلاً عالماً يقال له خضر‏. وأخرج ابن عساكر عن أبي بن كعب‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏شممت ليلة أسري بي رائحة طيبة فقلت‏:‏ يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة‏؟‏ قال‏:‏ ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها، وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صومعته فيطلع عليه الراهب فيعلمه الإسلام، وأخذ عليه أن لا يعلمه أحداً‏.‏ ثم إن أباه زوجه امرأة فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، وكان لا يقرب النساء، ثم زوجه أخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلمه أحداً، ثم طلقها فأفشت عليه إحداهما وكتمت الأخرى، فخرج هارباً حتى أتى جزيرة في البحر، فرآه رجلان فأفشى عليه أحدهما وكتم الآخر‏.‏ فقيل له‏:‏ ومن رآه معك‏؟‏ قال‏:‏ فلان‏.‏ وكان في دينهم أن من كذب قتل، فسئل فكتم، فقتل الذي أفشى عليه ثم تزوج الكاتم عليه المرأة الماشطة، فبينما هي تمشط ابنة فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت‏:‏ تعس فرعون‏.‏ فأخبرت الجارية أباها فأرسل إلى المرأة وابنيها وزوجها فأرادهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا، فقال‏:‏ إني قاتلكم‏.‏ قال‏:‏ أحببنا منك إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد‏.‏ فقتلهم وجعلهم في قبر واحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ما شممت رائحة أطيب منها وقد دخلت الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ إنما سمي الخضر، لأنه كان إذا جلس في مكان اخْضَرّ ما حوله وكانت ثيابه خضراً‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏آتيناه رحمة من عندنا‏} ‏ قال‏:‏ أعطيناه الهدى والنبوة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ إنما سمي الخضر، لأنه إذا قام في مكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطي قدميه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏ركبا في السفينة‏} ‏ قال‏:‏ إنما كانت معبراً في ماء الكر فرسخ في فرسخ‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ‏"‏ليغرق أهلها‏"‏ بالياء‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لقد جئت شيئاً إمراً‏}‏ يقول‏:‏ منكرا‏ً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏شيئاً إمرا‏ً}‏ يقول‏:‏ منكرا‏ً.‏ وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏شيئاً إمراً‏}‏ قال‏:‏ عجبا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر في قوله‏:‏ ‏ {‏شيئاً إمراً‏}‏ قال‏:‏ عظيماً‏. وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب في قوله‏:‏ ‏ {‏لا تؤاخذني بما نسيت‏} ‏ قال‏:‏ لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي العالية ومن طريق حماد بن زيد، عن شعيب بن الحجاب قالا‏:‏ كان الخضر عبداً لا تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه إياه فلم يريه من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام‏.‏ قال حماد‏:‏ وكانوا يرون أن موت الفجأة من ذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز في قوله‏:‏ ‏ {‏لقيا غلاما‏ً}‏ قال‏:‏ كان غلاماً ابن عشرين سنة‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال‏:‏ لما قتل الخضر الغلام، ذعر موسى ذعرة منكرة‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏نفساً زكية‏} ‏ قال‏:‏ تائبة‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏[‏قتلت نفساً زكية‏]‏ قال سعيد‏:‏ زكية مسلمة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏نفساً زكية‏} ‏ قال‏:‏ لم تبلغ الخطايا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية أنه كان يقرأ ‏ {‏زكية‏} ‏ يقول‏:‏ تائبة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏نفساً زكية‏} ‏ قال‏:‏ تائبة‏.‏ يعني صبياً لم يبلغ‏. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لقد جئت شيئاً نكرا‏ً} ‏ قال‏:‏ النكر أنكر من العجب‏. وأخرج أحمد عن عطاء قال‏:‏ كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه‏:‏ إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن جرير قال‏:‏ كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان، ويقول في كتابه‏:‏ إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد‏.‏ قال يزيد‏:‏ أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة أنك كتبت تسأل عن قتل الولدان وتقول في كتابك أن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، ولو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد، قتلته ولكنك لا تعلم‏.‏‏.‏‏.‏ قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم فاعتزلهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم، عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ سئل ابن عباس عن الولدان في الجنة قال‏:‏ حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر‏. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه، عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفرا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏إن سألتك عن شيء بعدها‏} ‏ مهموزتين‏. وأخرج أبو داود والترمذي وعبدالله بن أحمد والبزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏{‏من لدني عذرا‏ً} ‏ مثقلة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏أتيا أهل قرية‏} ‏ قال‏:‏ كانت القرية تسمى باجروان كان أهلها لئاما‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال‏:‏ أتيا الإبلة وهي أبعد أرض الله من السماء‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏أتيا أهل قرية‏}‏‏ :‏ قال‏:‏ هي أبرقة‏.‏ قال‏:‏ وحدثني رجل أنها أنطاكية‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى قال‏:‏ بلغني أن المسألة للمحتاج حسنة، ألا تسمع أن موسى وصاحبه استطعما أهلها‏؟‏ وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏فأبوا أن يضيفوهما‏} ‏ مشددة‏. وأخرج الديلمي عن أبي بن كعب رفعه في قوله‏:‏ ‏ {‏فأبوا أن يضيفوهما‏} ‏ قال‏:‏ كانوا أهل قرية لئاما‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏يريد أن ينقض‏} ‏ قال‏:‏ يسقط‏. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه قرأ ‏{‏فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض‏} ‏ فهدمه ثم قعد يبنيه‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏فأقامه‏} ‏ قال‏:‏ رفع الجدار بيده فاستقام‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال‏:‏ في حرف عبد الله ‏"‏لو شئت لتخذت عليه أجراً‏"‏‏ . وأخرج البغوي في معجمه وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏"‏لو شئت لتخذت عليه أجرا‏ً"‏ مخففة‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب ورسول الله يحدثهم بهذا الحديث حتى فرغ من القصة‏:‏ ‏"‏يرحم الله موسى، وددنا أنه لو صبر حتى يقص علينا من حديثهما‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏رحمة الله علينا وعلى موسى - فبدأ بنفسه - لو كان صبر لقص علينا من خبره، ولكن قال‏:‏ ‏{‏إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني‏}‏‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏فأردت أن أعيبها‏} ‏ قال‏:‏ أخرقها‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ‏:‏ ‏"‏وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا‏ً"‏‏. وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه قرأ ‏"‏يأخذ كل سفينة صالحة غصبا‏ً"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ كانت تقرأ في الحرف الأول ‏"‏كل سفينة صالحة غصباً‏"‏ قال‏:‏ وكان لا يأخذ إلا خيار السفن‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي الزاهرية قال‏:‏ كتب عثمان ‏"‏وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال‏:‏ كان اسم الغلام الذي قتله الخضر جيسور‏. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏"‏وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال‏:‏ في حرف أبي ‏"‏وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله‏:‏ ‏{‏فخشينا‏}‏ قال‏:‏ فأشفقنا‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال‏:‏ هي في مصحف عبد الله ‏"‏فخاف ربك أن يرهقهما طغياناً وكفرا‏ً"‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا‏ً}‏ قال‏:‏ خشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مطر في الآية قال‏:‏ لو بقي كان فيه بوارهما واستئصالهما‏. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قتادة قال‏:‏ قال مطرف بن الشخير‏:‏ إنا لنعلم أنهما قد فرحا به يوم ولد وحزنا عليه يوم قتل، ولو عاش لكان فيه هلاكهما‏.‏ فرضي رجل بما قسم الله له، فإن قضاء الله للمؤمن خير من قضائه لنفسه، وقضاء الله لك فيما تكره خير من قضائه لك فيما تحب‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏خيراً منه زكاة‏}‏ قال‏:‏ إسلاما‏ً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطية في قوله‏:‏ ‏ {‏خيراً منه زكاة‏} ‏ قال‏:‏ ديناً ‏ {‏وأقرب رحماً‏} ‏ قال‏:‏ مودة‏.‏ فأبدلا جارية ولدت نبياً‏. وأخرج ابن المنذر من طريق بسطام بن جميل، عن عمر بن يوسف في الآية قال‏:‏ أبدلهما جارية مكان الغلام ولدت نبيين‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وكان تحته كنز لهما‏} ‏ قال‏:‏ كان كنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت الغنيمة على ما كان قبلنا وأحلت لنا، فلا تعجبن للرجل يقول‏:‏ ما شأن الكنز أحل لمن قبلنا وحرم علينا‏؟‏ فإن الله يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء، وهي السنن والفرائض‏.‏‏.‏‏.‏ تحل لأمة وتحرم على أخرى‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم، عن خيثمة قال‏:‏ قال عيسى ابن مريم عليه السلام‏:‏ طوبى لذرية مؤمن، ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده‏.‏ وتلا خيثمة ‏ {‏وكان أبوهما صالحا‏ً}‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال‏:‏ إن الله يصلح بالعبد الصالح القبيل من الناس‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق شيبة، عن سليمان بن سليم بن سلمة قال‏:‏ مكتوب في التوراة ‏"‏إن الله ليحفظ القرن إلى القرن إلى سبعة قرون، وإن الله يهلك القرن إلى القرن إلى سبعة قرون‏"‏‏. وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال‏:‏ إن الرب تبارك وتعالى قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل‏:‏ ‏"‏إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت وليس لبركتي ناهية، وإذا عصيت غضبت ولعنتي تبلغ السابع من الولد‏"‏‏. وأخرج أحمد عن وهب قال‏:‏ ‏"حديث : يقول الله‏: ‏‏اتقوا غضبي فإن غضبي يدرك إلى ثلاثة آباء، وأحبوا رضاي فإن رضاي يدرك في الأمة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وما فعلته عن أمري‏} ‏ قال‏:‏ كان عبداً مأموراً مضى لأمر الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال‏:‏ قال موسى لفتاه يوشع بن نون ‏ {‏لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين‏}‏ فاصطادا حوتاً فاتخذاه زاداً وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي أرادها، فهاجت ريح فاشتبه عليه المكان ونسيا عليه الحوت، ثم ذهبا فسارا حتى اشتهيا الطعام فقال لفتاه‏:‏ ‏ {‏آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً‏} ‏ يعني جهداً في السير‏.‏ قال الفتى لموسى‏:‏ ‏ {‏أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره‏}‏‏. قال‏:‏ فسمعنا عن ابن عباس أنه حدث عن رجال من علماء أهل الكتاب، أن موسى دعا ربه فسأله ومعه ماء عذب في سقاء، فصب من ذلك الماء في البحر وانصب على أثره فصار حجراً أبيض أجوف، فأخذ فيه حتى انتهى إلى الصخرة التي أراد فصعدها وهو متشوف‏:‏ هل يرى ذلك الرجل‏؟‏ حتى كاد يسيء الظن، ثم رآه فقال‏:‏ السلام عليك يا خضر‏.‏ قال‏:‏ عليك السلام يا موسى‏.‏ قال‏:‏ من حدثك أني أنا موسى‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏‏؟‏ قال‏:‏ حدثني الذي حدثك أني أنا الخضر‏.‏ قال‏:‏ إني أريد أن أصحبك ‏ {‏على أن تعلمني مما علمت رشدا‏ً} ‏ وأنه تقدم إليه فنصحه فقال‏:‏ ‏ {‏إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً‏}‏ وذلك بأن أحدهم لو رأى شيئا لم يكن رآه قط ولم يكن شهده ما كان يصبر حتى يسأل ما هذا، فلما أبى عليه موسى إلا أن يصحبه ‏ {‏قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا‏ً} ‏ إن عجلت عليّ في ثلاث فذلك حين أفارقك‏. فهم قيام ينظرون إذ مرت سفينة ذاهبة إلى أبلة، فناداهم خضر‏:‏ يا أصحاب السفينة، هلم إلينا فاحملونا في سفينتكم، وإن أصحاب السفينة قالوا لصاحبهم‏:‏ إنا نرى رجالاً في مكان مخوف إنما يكون هؤلاء لصوصاً فلا تحملهم‏.‏ فقال صاحب السفينة‏:‏ إني أرى رجالاً على وجوههم النور، لأحملنهم‏.‏ فقال الخضر‏:‏ بكم حملت هؤلاء‏؟‏ كل رجل حملت في سفينتك فلك لكل رجل منا الضعف‏.‏ فحملهم فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض - وقد أمر صاحب القرية‏:‏ إن أبصرتم كل سفينة صالحة ليس بها عيب فائتوني بها - وإن الخضر أمر أن يجعل فيها عيباً لكي لا يسخروها فخرقها فنبع فيها الماء، وإن موسى امتلأ غضباً ‏ {‏قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً‏} ‏ وإن موسى عليه السلام شد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر في البحر، فقال‏:‏ أردت هلاكهم فتعلّم أنك أول هالك‏:‏ فجعل موسى كلما ازداد غضباً استقر البحر، وكلما سكن كان البحر كالدهر، وإن يوشع بن نون قال لموسى عليه السلام‏:‏ ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك‏؟‏ وإن الخضر أقبل عليه ‏ {‏قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا‏ً} ‏ وإن موسى أدركه عند ذلك الحلم فقال‏:‏ ‏ {‏لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا‏ً}‏ فلما انتهوا إلى القرية قال خضر‏:‏ ما خلصوا إليكم حتى خشوا الغرق، وأن الخضر أقبل على صاحب السفينة فقال‏:‏ إنما أردت الذي هو خير لك، فحمدوا رأيه في آخر الحديث وأصلحها الله كما كانت‏. ثم إنهم خرجوا حتى انتهوا إلى غلام شاب، عهد إلى الخضر أن أقتله فقتله ‏ {‏قال أقتلت نفساً زكية بغير نفس‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا‏ً} ‏ وإن خضراً أقبل عليه فقال‏:‏ قد وفيت لك بما جعلت على نفسي ‏{‏هذا فراق بيني وبينك‏}‏ ‏{‏وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين‏} ‏ فكان لا يغضب أحداً إلا دعا عليه وعلى أبويه، فطهر الله أبويه أن يدعو عليهما أحد وأيد لهما مكان الغلام آخر خيراً منه وأبرّ بوالديه ‏ {‏وأقرب رحما‏ً}. ‏ {‏وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما‏} ‏ فسمعنا أن ذلك الكنز كان علماً فورثا ذلك العلم‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال‏:‏ قيل لابن عباس‏:‏ لم نسمع - يعني موسى - يذكر من حديث فتاه وقد كان معه‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ فيما يذكر من حديث الفتى قال‏:‏ شرب الفتى من الماء فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة‏.‏ وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه‏.‏ قال ابن كثير الحسن متروك وأبوه غير معروف‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال‏:‏ بلغني أن الخضر قال لموسى لما أراد أن يفارقه‏:‏ يا موسى، تعلم العلم لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به‏.‏ وبلغني أن موسى قال للخضر‏:‏ ادع لي‏.‏ فقال الخضر‏:‏ يسر الله عليك طاعته‏. وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال‏:‏ قال الخضر لموسى حين لقيه‏:‏ يا موسى، انزع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، والزم بيتك وابك على خطيئتك‏. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر، عن أبي عبد الله - أظنه الملطي - قال‏:‏ أراد موسى أن يفارق الخضر، فقال له موسى‏:‏ أوصني‏.‏ قال‏:‏ كن نفّاعاً ولا تكن ضراراً، كن بشاشاً ولا تكن غضباناً، ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تُعَيِّرُ امرأً بخطيئته وابك على خطيئتك يا ابن عمران‏. وأخرج ابن عساكر عن وهب، أن الخضر قال لموسى‏:‏ يا موسى، إن الناس يعذبون في الدنيا على قدر همومهم. وأخرج العقيلي عن كعب قال‏:‏ الخضر على منبر بين البحر الأعلى والبحر الأسفل، وقد أمرت دواب البحر أن تسمع له وتطيع وتعرض عليه الأرواح غدوة وعشية‏. وأخرج ابن شاهين عن خصيف قال‏:‏ أربعة من الأنبياء أحياء‏:‏ اثنان في السماء عيسى وإدريس‏.‏ وإثنان في الأرض، الخضر وإلياس‏.‏ فأما الخضر، فإنه في البحر‏.‏ وأما صاحبه فإنه في البر‏. وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ بينا أنا أطوف، إذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول‏:‏ يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا مَنْ لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك، قلت‏:‏ يا عبد الله، أعد الكلام‏.‏ قال‏:‏ وسمعته‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ والذي نفس الخضر بيده‏:‏ - وكان هو الخضر - لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة، إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية، عن كعب الأحبار قال‏:‏ إن الخضر بن عاميل ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ الهند - وهو بحر الصين - فقال لأصحابه‏:‏ يا أصحابي، أدلوني‏.‏ فدلوه في البحر أياماً وليالي ثم صعد، فقالوا له‏:‏ يا خضر، ما رأيت‏؟‏ فلقد أكرمك الله وحفظ لك نفسك في لجة هذا البحر‏.‏ فقال‏:‏ استقبلني ملك من الملائكة فقال لي‏:‏ أيها الآدمي الخطاء إلى أين‏؟‏ ومن أين‏؟‏ فقلت‏:‏ إني أردت أن أنظر عمق هذا البحر‏.‏ فقال لي‏:‏ كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام لم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة، وذلك منذ ثلثمائة سنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن بقية قال‏:‏ حدثني أبو سعيد قال‏:‏ سمعت أن آخر كلمة أوصى بها الخضر موسى حين فارقه‏:‏ إياك أن تعير مسيئاً بإساءته فتبتلى‏. وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أسامة،‏ ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه‏: ألا أحدثكم عن الخضر‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل، أبصره رجل مكاتب فقال‏:‏ تصدق عليّ بارك الله فيك‏.‏ فقال الخضر‏:‏ آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه‏.‏ فقال المسكين‏:‏ أسألك بوجه الله لما تصدقت علي، فإني نظرت السماحة في وجهك ووجدت البركة عندك‏.‏ فقال الخضر‏:‏ آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني‏.‏ فقال المسكين‏:‏ وهل يستقيم هذا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ الحق أقول، لقد سألتني بأمر عظيم‏:‏ أما أني لا أخيبك بوجه ربي تعالى‏.‏ فقدّمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء‏.‏ فقال له‏:‏ إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني أعمل بعمل‏.‏ قال‏:‏ أكره أن أشق عليك إنك شيخ كبير ضعيف‏.‏ قال‏:‏ ليس يشق عليّ قال‏:‏ فقم فانقل هذه الحجارة‏.‏ وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فخرج الرجل لبعض حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، فقال‏:‏ أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه، ثم عرض للرجل سفرة فقال‏:‏ إني احتسبتك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة‏.‏ قال‏:‏ فأوصني بعمل‏.‏ قال‏:‏ إني أكره أن أشق عليك‏.‏ قال‏:‏ ليس يشق عليّ قال‏:‏ فاضرب من اللبن لنبني حتى أقدم عليك، فمر الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه، فقال‏:‏ أسألك بوجه الله، ما سبيلك وما أمرك‏؟‏ فقال‏:‏ سألتني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية، أنا الخضر الذي سمعت به‏.‏‏.‏‏.‏ سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شيء أعطيه، فسألني بوجه الله فأمكنته من نفسي فباعني‏.‏ فأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر، وقف يوم القيامة جلدة ولا لحم له ولا عظم ليتقصع‏.‏ فقال الرجل‏:‏ آمنت بالله‏!‏‏.‏‏.‏‏.‏ شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم‏.‏ فقال‏:‏ لا بأس، أحسنت وأتقنت‏.‏ فقال الرجل‏:‏ بأبي أنت وأمي يا نبي الله، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيّرك فأخلي سبيلك‏.‏ فقال‏:‏ أحب أن تخلي سبيلي أعبد ربي‏.‏ فخلّى سبيله فقال الخضر‏:‏ الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن الحجاج بن فرافصة، أن رجلين كانا يتبايعان عند عبد الله بن عمر، فكان أحدهما يكثر الحلف، فبينما هو كذلك إذ مرّ عليهما رجل فقام عليهما فقال للذي يكثر الحلف‏:‏ مه يا عبد الله، اتق الله ولا تكثر الحلف فإنه لا يزيد في رزقك ولا ينقص من رزقك إن لم تحلف‏.‏ قال‏:‏ امض لما يعنيك‏.‏ قال‏:‏ ذا مما يعنيني - قالها ثلاث مرات وردّ عليه قوله - فلما أراد أن ينصرف قال‏:‏ اعلم أن من آية الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، ولا يكن في قولك فضل على فضلك‏.‏ ثم انصرف فقال عبد الله بن عمر‏:‏ الحقه فاستكتبه هذه الكلمات‏.‏ فقال‏:‏ يا عبد الله، اكتبني هذه الكلمات يرحمك الله‏.‏ فقال الرجل‏:‏ ما يقدر الله من أمر يكن فأعادهن عليه حتى حفظهن ثم شهده حتى وضع إحدى رجليه في المسجد، فما أدري أرض لفظته أو سماء اقتلعته، قال‏:‏ كأنهم يرونه الخضر أو إلياس عليه السلام‏. وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسندٍ واهٍ، عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الخضر في البحر واليسع في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي رواد قال‏:‏ إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل‏. وأخرج العقيلي والدارقطني في الأفراد وابن عساكر، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء‏ الكلمات‏:‏ بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله‏ "‏‏. تفسير : قال ابن عباس‏:‏ من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات، أمنه الله من الغرق والحرق والسرق ومن الشياطين والسلطان والحية والعقرب‏.

القشيري

تفسير : لما صَحَّتْ صحبة يوشع مع موسى عليهما السلام استحقَّ اسم الفتوة، ولذا قال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ} وهو اسم كرامة لا اسم علامة. جعل دخول السمك الماء علامة لوجود الخضر هنالك، ثم أدخل النسيان عليهما ليكون أبلغَ في الآية، وأَبْعَدَ من اختيار البَشَر.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قال موسى} - روى - ان موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بنى اسرائيل بعد هلاك القبط امره الله ان يذكر قومه انعام الله عليهم فخطب خطبة بليغة رقت بها القلوب وذرفت العيون فقال واحد من علماء بنى اسرائيل يا موسى من اعلم قال انا فعتب الله عليه اذ لم يرد العلم اليه تعالى فاوحى اليه بل اعلم منك عبد لى عند مجمع البحرين وهو الخضر وكان فى ايام افريدون الملك العادل العاقل قبل موسى وكان على مقدمة ذى القرنين الاكبر وبقى الى ايام موسى وهو قد بعث فى ايام كشتاسف بن لهراسب كما قاله ابن الاثير فى تاريخه فقال يا رب اين اطلبه وكيف يتيسر لى الظفر به والاجتماع معه قال اطلبه على ساحل البحر عند الصخرة وخذ حوتا مملوحا فى مكتل يكون زادا لك فحيث فقدته اى غاب عنك فهو هناك فاخذ حوتا فجعله فى مكتل فقال لفتاه اذا فقدت الحوت فاخبرنى. والمعنى اذكر وقت قول موسى بن عمران لما فيه من العبرة وزعم اهل التوراة ان موسى هذا هو موسى بن ميشا بن يوسف النبى عليه السلام وانه كان نبيا قبل موسى بن عمران لاستبعادهم ان يكون كليم الله المختص بالمعجزات الباهرة مبعوثا للتعلم والاستفادة ممن هو دونه فلهذا لا يبعد عن العامل الكامل ان يجهل بعض الاشياء فالفاضل قد يكون مفضولا من وجه بل المراد منه صاحب التوراة واطلاق هذا الاسم يدل عليه لانه لو اراد غيره لقيده كما يقال قال ابو حنيفة الدينورى تمييزا عن ابى حنيفة الامام {لفتاه} وهو يوشع بن نون بن افراييم بن يوسف وهو ابن اخت موسى وكان من اكبر اصحابه ولم يزل معه الى ان مات وخلفه فى شريعته وكان من اعظم بنى اسرائيل بعد موسى سمى فتاه اذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه ويسمى الخادم والتلميذ فتى وان كان شيخا واليه يشير القول المشهور (تعلم يا فتى فالجهل عار) وهو عبد الحكمى كما قال شعبة من كتبت عنه اربعة احاديث فانا عبده الى ان اموت وقيل لعبده وانما قال لفتاه تعليما للادب قال عليه السلام "حديث : ليقل احدكم فتاى وفتاتى ولا يقل عبدى وامتى"تفسير : قال ابو يوسف من قال انا فتى فلان كان اقرارا منه بالرق. يقول الفقير المشهور وهو الوجه الاول وتأبى جلالة هذا السفر الا ان يكون الصاحب من اولى الخطر ونظيره ان نبينا صلى الله عليه وسلم لما اراد الهجرة لم يرض برفقته فى سفره الا الصديق رضى الله عنه لكونه اعز اصحابه وخليفته بعده كما ان يوضع صار خليفة موسى بعده {لا ابرح} من برح الناقص كزال يزال اى لا ازال اسير فحذف الخبر اعتمادا على قرينة الحال. كان ذلك عند التوجه الى السفر ويدل عليه ايضا ذكر السفر فى قوله {أية : لقد لقينا من سفرنا}تفسير : فقول سعدى المفتى لا دلالة فى نظم القرآن على هذا ولعله علم من الاثر اومن اخبار المؤرخين ذهول عما بعد الآية {حتى ابلغ مجمع البحرين} هو ملتقى بحر فارس والروم مما يلى المشرق وهو المكان الذى وعد الله موسى بلقاء الخضر فيه. قال سعدى المفتى بحرا فارس والروم انما يلتقيان فى المحيط على ما سيجئ فى سورة الرحمن اعنى المحيط الغربى فان الالتقاء هناك كما لا يخفى على من يعرف وضع البحار فالمراد بملتقاهما هنا موضع يقرب التقاؤهما فيه مما يلى المشرق ويعطى لما يقرب من الشئ حكم ذلك الشئ ويعبر به عنه انتهى. وفيه اشارة الى ان موسى والخضر عليهما السلام بحران لكثرة علمهما احدهما وهو موسى بحر الظاهر والباطن والغالب عليه الظاهر اى الشريعة والآخر وهو الخصر بحرهما والغالب عليه الباطن اى الحقيقة اذ تتفاوت الانبياء عليهم السلام بحسب غلبة الجمال والجلال على نشأتهم وسيأتى التحقيق ان شاء الله تعالى فملتقاهما اذا المكان الذى يتفق اجتماعهما فيه لا موضع معين {او امضى} من مضى فى الامر بمعنى نفذ وامضاه انفذه {حقبا} هو بضم القاف وسكونه ثمانون سنة. والمعنى اسير زمانا طويلا اتيقن معه فوات المطلب يعنى حتى يقع اما بلوغ المجمع او مضى الحقب. وفى بعض التفاسير اسير دهرا طويلا حتى اجد هذا العالم. قال الكاشفى [موسى فرمود كه مدام ميروم تابرسم بمنزل او ياميروم زمان درازكه هشتاد سال باشد يعنى بهيج وجهى روى ازسفر نمى تابم تا اورا بيابم شعر : دست از طلب ندارم تاكام من بر آيد تفسير : وفى المثنوى شعر : كر كران وكر شتابنده بود آنكه جو ينده است يا بنده بود درطلب زن دائما توهردو دست كه طلب در راه نيكو رهبرست تفسير : قال الامام فى تفسيره هذا اخبار من موسى بانه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم فى السفر لاجل طلب العلم وذلك تنبيه على ان المتعلم لو سار من المشرق الى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له ذلك انتهى. قال فى روضة الخطيب رجل جاء من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لم يعد احد كاملا الا بعد رحلته ولا وصل مقصده الا بعد هجرته. وقالوا كل من لم يكن له استاذ يصله بسلسلة الاتباع ويكشف عن قلبه القناع فهو فى هذا الشأن لقيط لا اب له دعى لا نسب له انتهى. ومن كلام ابى يزيد البسطامى قدس سره من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان: وفى المثنوى شعر : بير را بكزين كه بى بير اين سفر هست بس بر آفت وخوف وخطر جون كرفتى ببرهين تسليم شو همجو موسى زير حكم خضر رو تفسير : قال فى التأويلات النجمية فى الآية اشارات. منها ان شرط المسافر ان يطلب الرفيق ثم يأخذ الطريق. ومنها ان من شرط الرفيقين ان يكون احدهما اميرا والثانى مأمورا له ومتابعا. ومنها ان يعلم الرفيق عزيمته ومقصده ويخبر عن مدة مكثه فى سفره ليكون الرفيق واقفا على احواله فان كان موافقا له يرافقه فى ذلك. ومنها ان من شرط الطالب الصادق ان يكون نيته فى طلب شيخ يقتدى به ان لا يبرح حتى يبلغ مقصوده ويظفر به فان طلب الشيخ طلب الحق تعالى على الحقيقة انتهى كلامه قدس سره.

ابن عجيبة

تفسير : ولمَّا ذكر الحق جلّ جلاله قصة أهل الكهف، وكان وقع فيها عتاب للرسول - عليه الصلاة والسلام - حيث لم يستثن بتأخير الوحي، وبقوله: {ولا تقولن لشيء...} الخ، ذكر هنا قصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - وكان سَبَبُها عتابَ الحق لموسى عليه السلام؛ حيث لم يردَّ العلم إليه، حين قال له القائل: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا، فذكر الحق تعالى قصتهما؛ تسليةً لنبينا عليه الصلاة والسلام بمشاركة العتاب. قلت: {لا أبرح}: ناقصة، وخبرها: محذوف: اعتمادًا على قرينة الحال؛ إذ كان ذلك عن التوجه إلى السفر، أي: لا أبرح أسير في سفري هذا، ويجوز أن تكون تامة، من زال يزول، أي: لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ... الخ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكر {إذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف عليه السلام، وكان ابن أخته، سُمي فتاه؛ إذ كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه العلم. والفتى في لغة العرب: الشاب، ولمَّا كانت الخدمة أكثر ما تكون من الفتيان، قيل للخادم: فتى، ويقال للتلميذ: فتى، وإن كان شيخًا، إذا كان في خدمة شيخه، فقال موسى عليه السلام: {لا أبرحُ}: لا أزال أسير في طلب هذا الرجل، يعني: الخضر عليه السلام، {حتى أبلغَ مَجْمَعَ البحرين}، وهو ملتقى بحر فارس والروم مما يلي المشرق، وهذا مذهب الأكثر. وقال ابن جزي: مجمع البحرين: عند "طنجة"؛ حيث يتجمع البحر المحيط والبحر الخارج منه، وهو بحر الأندلس. قلت: وهو قول كعب بن محمد القرضي. {أو أَمْضِيَ حُقُبًا} أي: زمنًا طويلاً أتيقن معه فوات الطلب. والحقب: الدهر، أو ثمانون سنة، أو سبعون. وسبب هذا السفر: أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر، بعد هلاك القبط، أمره الله تعالى أن يُذّكر قومه هذه النعمة، فقام فيهم خطيبًا بخطبة بليغة، رقَّت بها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا له: من أعلم الناس؟ فقال: أنا. وفي رواية: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال: لا. فعَتَب الله عليه؛ إذ لم يَرُدَّ العلم إليه عزّ وجلّ، فأوحى الله إليه: حديث : أعلم منك عبدٌ لي بمجمع البحرين، وهو الخضرتفسير : ، وكان قبل موسى عليه السلام، وكان في مُقَدَّمَةِ ذي القرنين، فبقي إلى زمن موسى عليه السلام، وسيأتي ذكر التعريف به في محله، إن شاء الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن موسى عليه السلام سأل ربه: أيُّ عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يستقي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمةً تدله على هدى، أو ترده عن ردى، قال: يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم مني فدلني عليه؟ قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على ساحل البحر عند الصخرة. قال: يا رب، كيف لي به؟ قال: خُذ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فحيثما فقدتَه فهو هناك، فأخذ حُوتًا مشويًا، فجعله في مِكْتَلٍ، فقال لفتاه: إذا فقدتَّ الحوت فأخبرني، وذهبا يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر، على ما يأتي تمامه، إن شاء الله تعالى. وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري وغيره. والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان. الإشارة: قصة سيدنا موسى مع الخضر - عليهما السلام - هي السبب في ظهور التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر، وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن. أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع، وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق. قيل: هو المراد بمجمع البحرين، حيث اجتمع سيدنا موسى، الذي هو بحر الشرائع، والخضر عليه السلام، الذي هو بحر الحقائق، ولا يُفهم أن سيدنا موسى عليه السلام خال من بحر الحقائق، بل كان جامعًا كاملاً، وإنما أراد الحق تعالى أن يُنزله إلى كمال الشرف، بالتواضع في طلب زيادة العلم؛ تأديبًا له وتربية، حيث ادعى القوة في نسبته العلم إلى نفسه، وفي الحِكَم: "منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أَفَيُبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين!". وهذه عادة الله تعالى مع خواصِّ أحبائه، إذا أظهروا شيئًا من القوة، أو خرجوا عن حد العبودية، ولو أنملة، أدبهم بأصغر منهم علمًا وحالاً؛ عناية بهم، وتشريفًا لهم؛ لئلا يقفوا دون ذروة الكمال، كقضية الشاذلي مع المرأة التي قالت له: تَمُنُّ على ربك بجوع ثمانين يومًا، وأنا لي تسعة أشهر ما ذقت شيئًا. وكقضية الجنيد والسَّرِي في جماعة من الصوفية، حيث تكلموا في المحبة، وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها، فقامت امرأة بالباب، عليها جُبة صوف، فردت على كل واحد ما قال، حيث أظهروا قوة علمهم، فأدبهم بامرأة. ويؤخذ من طلب موسى الخضر - عليهما السلام - والسفر إليه: الترغيب في العلم، ولا سيما علم الباطن، فطلبه أمر مؤكد. قال الغزالي رضي الله عنه: هو فرض عين؛ إذ لا يخلو أحد من عيب إو إصرار على ذنب، إلا الأنبياء - عليهم السلام - وقد قال الشاذلي رضي الله عنه: من لم يغلغل في علمنا هذا مات مُصرًا على الكبائر وهو لا يشعر. وبالله التوفيق. ثمَّ ذكر بقية القصة

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ} واذكر تعلّماً او ذكّر تعليماً. اعلم، انّ فى قصّة موسى (ع) وخضر (ع) انواعاً من العبر وتعليماً لكيفيّة الطّلب وانّ الطّالب لطريق الآخرة ينبغى ان يكون همّته الوصول الى الانسان الكامل الّذى هو مجمع بحرى الوجوب والامكان ومرآة تمام الاسماء والصّفات الحقّّيّة وجميع الحدود والتّعيّنات الخلقيّة وان يكون له عزم فى الطّلب الى انقضاء عمره، وتعليماً لكيفيّة المسئلة بعد الوصول ليحصل له القبول، ولكيفيّة الصّحبة بعد القبول، وبياناً لاوصاف الشّيخ وانّ الشّيخ كيف ينبغى ان يربّى ويروّض، وبياناً لتمام مقامات السّالكين الى الله كما يأتى كلّ فى مقامه. والفتى والفتاة يقالان للعبد والامة، وللخادم والخادمة، وللمطيع والمطيعة، وللمؤمن والمؤمنة، ولصاحب الفتوّة الّذى يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وللشّابّ والشّابّة، والمراد به ههنا يوشع بن نونٍ (ع) وصّى موسى (ع) ودليل ارشاده وواسطة بيعته وخليفة نبوّته وكان فتاه بتمام معانيه حيث انّه باع نفسه من الله بواسطته، وكان خادمه ومطيعه، ومؤثراً له على نفسه وشابّاً بروحه، وكان سبب طلب موسى (ع) بعد مقام الرّسالة وفضل العزم كما يستفاد من الاخبار انّه لمّا كلّمه الله وآتاه الالواح وفيها كما قال الله: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف:145] رجع الى بنى اسرائيل فصعد المنبر واخبرهم بما اعطاه الله، فدخل فى نفسه انّه ما خلق الله خلقاً أعلم منه فأوحى الله الى جبرئيل: ادرك موسى (ع) فقد هلك وأعلمه انّ عند ملتقى البحرين عند الصّخرة رجلاً اعلم منك فصر اليه وتعلّم من علمه، فنزل بجرئيل (ع) واخبره وذلّ موسى (ع) فى نفسه وعلم أنّه اخطأ ودخله الرّعب وامر فتاه يوشع (ع) ان يتزوّد لطلب ذلك الرّجل. اعلم، انّ العجب ورؤية الكمال من النّفس من اعظم المهلكات فانّه اصل معظم المعاصى واوّل معصية وقعت فى الارض لانّه الّذى منع ابليس من السّجود واوقعه فى الاستكبار، ثمّ الحقد والعداوة، ثمّ المكر والخديعة اعاذنا الله منه وجميع المؤمنين، بل نقول: ارسال الرّسل وانزال الكتب ومعاناة الانبياء (ع) ومقاساة الاولياء (ع) وطاعات الخلق ومجاهداتهم وامتحان الله لهم وابتلاؤهم بانواع البلاء لخروجهم من الانانيّة ورؤية النّفس ولذلك قيل: تمام اهتمام المشايخ فى تربية السّلاّك لان يخرجوا من الانانيّة ونسبة شيءٍ من الافعال والاوصاف الى انفسهم فاذى رأى الشّيخ من السّالك رؤية النّفس والاعجاب بها انزجر منه كمال الانزجار {لاۤ أَبْرَحُ} عن السّير والطّلب {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} بحرى الرّوم والفارس الّذى وعد الله تعالى موسى (ع) لقاء مجمع بحرى الامكان والوجوب عنده {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} الحقب الدّهر والزّمان لكنّ المراد كما فسّر فى الخبر ثمانون سنةً دلّ موسى (ع) بلفظ لا ابرح الّذى يدلّ على دوام السّير ولفظ الحقب الّذى هو منتهى ما يمكن من عمره على ثبات عزمه على الطّلب بحيث لا يشغل بغيره حتّى يصل الى مطلوبه او يفنى عمره فى طلبه، والمقصود من نقله تعليم طريق الطّلب وثبات العزم عليه وانّ الطّالب لطريق الآخرة ينبغى ان يكون كذلك والاّ رجع بخفىّ حنينٍ.

الهواري

تفسير : قوله: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} وهو يوشع بن نون، وهو اليسع { لاَ أَبْرَحُ} أي: لا أزال أمضي قدماً { حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ} بحر فارس والروم حيث التقيا، وهما محيطان بالخلق. وبعضهم يقول: الرسّ والكرّ، وهما بالرومية. والعامة على أنهما بحر فارس والروم. وبحر الروم نحو المغرب، وبحر فارس نحو المشرق. { أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي: سبعين سنة في تفسير مجاهد. وبعضهم يقول: الحقب ثمانون سنة. وذلك أن موسى عليه السلام قام في بني إسرائيل مقاماً فقال: ما بقي اليوم أحد أعطاه الله مثل ما أعطاكم: أنجاكم من آل فرعون، وقطع بكم البحر، وأنزل عليكم التوراة. ورأى في نفسه حين فعل الله ذلك به وعلمه أنه لم يبقَ أحد أعلم منه. فَأوحى الله إليه: إن لي عبداً أعلم منك يقال له الخضر، فاطلبه. فقال له موسى: رب كيف لي بلقائه. فأوحى الله إليه أن يجعل حوتاً في متاعه، ويمضي حتى يبلغ مجمع البحرين، بحر فارس والروم. وجعل العلم على لقائه أن يفتقد الحوت، فإذا فقدت الحوت فاطلب صاحبك عند ذلك. فانطلق هو وفتاه، وهو يوشع بن نون. وحملا معهما مكتلاً فيه حوت مملوح. قال: فسايرا البحر زماناً، ثم أويا إلى صخرة على ساحل البحر الذي عند مجمع البحرين؛ عندها عن ماء، فباتا بها. وأكلا نصف الحوت، وبقي نصفه. فانسرب الحوت في العين. وقال بعضهم: أدنى فتاه المكتل من العين فأصابه الماء فعاش الحوت فدخل في البحر. [وذلك قوله: { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً} ]. وارتحل موسى وفتاه فسايرا البحر حتى أصبحا. {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً} أي: شدة، يعني نصب السفر.

اطفيش

تفسير : {وَإذْ} واذكر إذ {قَالَ مُوسَى} هو ابن عمران أن أخو هارون نبى بنى إسرائيل صاحب التوارة على نبينا وعليهما الصلاة والسلام. روى الحسن بن حماد عن سعيد بن جبير أنه جلس عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم: إن نوفل يزعم عن أبيه كعب أن موسى الذى طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا من ولد يوسف بن يعقوب تنبأ قبل موسى ابن عمران قال ابن عباس: كذب حدثنى أبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما أنه موسى بنى إسرائيل أخو هارون انتهى بالمعنى. وذكر البخارى ومسلم عن سعيد بن جبير قلت لابن عباس: إن نوفل البكالى يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى أخا هارون فقال: كذب عدو الله حدثنا أبىّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه موسى أخو هارون انتهى بالمعنى وهو الحق. ويدل له أن الله عز وجل لم يذكر فى القرآن موسى إلا أراد به أخا هارون صاحب التوراة ولو أراد به هنا غيره لميزه. وفى رواية: إن سعيد بن جبير قال لابن عباس: إن نوفل ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران بل هو موسى بن ميشا فقال: كذب عدو الله انتهى. قيل: سبب قول من قال: إنه ليس موسى بن عمران أن موسى بن عمران أعلم أهل زمانه وأن النبى يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه فى أبواب الدين ونقول: لا بدع فى أن يأخذ نبى عن نبى وإنما الذى لا يتصور هو أن يأخذ عن غير نبى ما هو من أمر الدين. وإن قيل: إن الخضر ليس نبيًّا كما هو مذهب أكثر أهل العلم لم يرد علينا لأن الله سبحانه هو الذى أمره بالاجتماع مع الخضر ووصفه له بالعلم وأوحى إليه أنه أعلم منك. وأيضاً علم الخضر علم الباطن وعلم موسى علم الظاهر فلم يتخذ فلم يمتنع أن يكون واحد من الأمة أعلم من نبيها فى غير العلم المتعبد به نبيها ثم إن الخضر إن كان من بنى إسرائيل فهو من أمة موسى إذا قلنا بقول الأكثر: إنه غير نبى ولا يكون أحد من الأمة أفضل من نبيها ولو اختص بشئ عنه وإن لم يكن من بنى إسرائيل فقد قال الله لبنى إسرائيل: {أية : وأنى فضلتكم على العالمين}تفسير : أى عالمى زمانكم. {لِفَتَاهُ} يوشع بن لون بن أفراثيم بن يوسف على الأصح وهو ولى عهد موسى بعد موته وإنما سماء فتى له لأنه كان يتبعه يخدمه ويأخذ منه العلم. وقيل: فتاة هو أخو يوشع. وقيل: فتاه: عبده. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : ليقل أحدكم فتاى وفتاتى ولا يقل: عبدى وأمتى . تفسير : ويدل للأول ما وراه البخارى ومسلم عن سعيد بن جبير قلت لابن عباس: إن نوفا البسكالى يزعم أن موسى الخضر ليس موسى بنى إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله حديث : حدثنى أبىّ بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن موسى قام خطيبا فى بنى إسرائيل فسئل: أى الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه أى إذ لم يقل: الله أعلم أكان أحد أعلم منى أم لا فأوحى الله إليه: إن لى عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: يا رب فكيف لى به؟ فقال: تأخذ معك حوتا فتجعله فى مكتل وهو الزنبيل. وقيل: الزنبيل: الذى يسع خمسة صاعا. وأقول: هو متاع يعمل من الخوص ونحوه يحمل فيه التراب ونحوه . تفسير : وروى: تجعله فى متاعك فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم فأخذ الحوت فجعله فى مكتمل فانطلق ومعه فتاه يوشع بن نون ففسر الفتى بيوشع. وروى الحسن بن حماد عن سعيد بن جبير: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب. فقال بعضهم: يا ابن عباس إن نوفل بن كعب يزعم عن كعب أن موسى النبى الذى طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا. قال ابن عباس: كذب حديث : حدثنى أبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما أن موسى بنى إسرائيل سأل ربه. قال: يا رب إن كان فى عبادك أحد هو أعلم منى فدلنى عليه فقال: نعم فى عبادى من هو أعلم منك وهو الخضر فأذن له فى لقائه . تفسير : وروى هارون بن عبيدة عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه قال: يا رب أى عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يذكرنى ولا ينسانى. قال: فأى عبادك أقضى؟ قال: الذى يقضى الحق ولا يتبع الهوى. قال: فأى عبادك أعلم؟ قال: الذى يبتغى علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى. فقال: فهل فى الأرض أعلم منى؟ قال:نعم. قال: يا رب من هو؟ قال: الخضر. قال: فأين أطلبه؟ قال: أطلبه على الساحل عند الصخرة التى ينقلب عندها الحوت حيَّاً فتزوَّد سمكا مملحا وخبزاً تأخذ حوتا فى مكتل فحيث فقدنه فهو ثَم. وروى عن العوفى عن ابن عباس: لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر فأنزل الله سبحانه عليه أن ذكِّرهم بأيام الله فخطب قومه وذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة إذ نجاهم من عدوهم واستخلفهم فى الأرض وقال: كلم الله نبيكم تكليما واصطفاه لنفسه وألقى عليه محبة منه وآتاكم من كل ما سألتموه فنبيكم نبى أهل الأرض وأنتم تقرأون التوراة فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم بها إلا ذكرها. فقال له رجل من بنى إسرائيل: قد عرفنا الذى تقول فهل على وجه الأرض أعلم منك؟ قال: لا. فعاب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله فبعث الله إليه جبريل عليه السلام فقال له: يا موسى يقول الله لك: يا موسى ما يدريك أين أضع علمى؟ إن لى عبدا بمجمع البحرين أعلم منك. فسأل موسى الله أن يريه إياه فأوحى الله إليه: أن ائت البحر فإنك تجد على شاطئ البحر حوتا فخذه وادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر فإذا نسيت الحوت وذهب منك ثَم تجد العبد الصالح فذهب فأخذ الحوت وملحه ودفعه لفتاه ولزما شاطئ البحر يمشيان يوماً وليلة. وروى أنه لما خطبهم وذكَّرهم بالنعم وقع فى قلبه أنه لا أعلم منه. فعاب الله عز وجل عليه فكان ذلك. وروى: أنه لما فرغ من الخطبة مضى فاتبعه رجل فقال: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: لا. فعاب الله عليه وقال: عبدى الخضر أعلم منك فأَذن له فى لقائه. وعن أبىّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ذَكَّر موسى الناس يوما حتى فاضت العيون ورقَّت القلوب ثم ولّى فأدركه رجل فقال: يا رسول الله هل فى الأرض أعلم منك؟ قال: لا. فعاب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه سبحانه وتعالى وقال: بلى. قال موسى: أى ربى أين هو؟ قال: بمجمع البحرين خذ حوتا ميتا فحيث ينفخ فيه الروح فهو ثَم . تفسير : وفى رواية: حديث : تزوَّد حوتا مالحا فإنه حيث تفقد الحوت ففعل ذلكتفسير : . وقال لفتاه كما قال الله: {لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ} خبر أَبرح محذوف أى لا أبرح أسير أو لا أبرح سائراً لدلالة حاله وهو السفر عليه ولدلالة حتى فإنها تستدعى المغيّا. ويجوز أن يكون من برح الذى لا خبر له. والأول معناه لا أزال أفعل كذا والثانى معناه لا أزول عن السير والطلب ولا أفارقهما. ويجوز عن الوجهين أن يقدر مضاف أى لا يبرح مسيرى موجودا أو عن الوجوه فكأن الفعل بياء الغيبة لأن المسير ظاهر والظاهر من قبيل الغيبة ولما حذف وناب عنهُ المضاف وهو ياء المتكلم كان الفعل بهمزة التكلم. {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} موضع الجمع بين البحرين أى الموضع الذى جمع الله فيه بين البحرين هو أيضاً الموضع الذى أراد أن يجتمع فيه موسى والخضر ومجمع اسم مكان على القياس. وقرئ بكسر الميم الثانية على خلاف القياس كالمشرق والمطلع بكسر الراء واللام. والبحران: بحر فارس والروم مما يلى المشرق قاله قتادة وهو المشهور. وقال محمد بن كعب: بحر طنجة. ويبحث بأنه لا بحر يومئذ عند طنجة وإنما كان عندها فى زمان ذى القرنين بعد ذلك. أخرجه إليها ذو القرنين من بحر الشام ليفصل به بين أهل الأندلس وأهل السوس وكانوا يضرون أهل الأندلس إلا إن صح أن مخرجه هو رجل يسمى ذا القرنين كان فى زمان إبراهيم لا ذو القرنين المتأخر. وعليه فلعله سمى الموضع مجمع البحرين لأنه سمى ما يلى السدين اللذين بناهما ذو القرنين هناك مما يلى الجزائر بحرا وما يليهما مما يلى السوس بحرا ولكن أحد السدين احتمله الماء والآخر باق إلى الآن فيما أظن. وذكر القزوينى أن فى آخر الأندلس مجمع البحرين الذى ذكر الله سبحانه فى القرآن وأن عرض مجمع البحرين ثلاثة فراسخ وطوله خمسة وعشرون فرسخاً اهـ وقلبى مائل إلى هذا وإلى الفضائل المنسوبة إلى الأندلس كلها. وقيل: بحر أفريقية: ونسب هذا القول لابّى بن كعب. وقيل: البحران: موسى أخو هارون وموس الخضر فموسى أخو هارون بحر العلم الظاهر وموسى الخضر بحر العلم الباطن فكأنه قال: لا أبرح حتى أبلغ موضعاً نجتمع فيه أنا والخضر. وعندى أن هذا وأضرابه لا يجوز القول به وأراه باطلا. {أَوْ أَمْضِىَ} أسير أو أثبت فى السير ولا أنفك عنه والعطف على أبلغ أو على مجمع أى أو أبلغ مضىّ حقب. {حُقُباً} ظرف أى زمانا طويلا فإذا مضيت حقباً ولم أجد المطلوب رجعت. وقال ابن عمر: الحقب: ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون. وقيل: سنة. وقيل: مائة وهو مفرد.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى} هو ابن عمران، ولعن ابن عباس فوفا البكالى إِذ قال: إِنه غيره كما فى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى، وكذا زعم بعض المحدثين والمؤرخين أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب. وقيل: موسى بن أفرائيم ابن يوسف، وكذا قال اليهود، أنكروا أن يأخذ عن نبى وأن يكون الخضر أعلم من موسى بن عمران، وأن يكون خرج من التيه. قلت: لا مانع من تعلّم نبى من نبى، ومن تعلّم نبى ممن هو دونه، كما قيل: إِن الخضر ليس نبيا، وأنه لا مانع من خروجه، ثم رجوعه إلى التيه، وأنه لا مانع من التقائه مع الخضر قبل التيه، وقد يخرج من التيه ولا يخبرهم أو يقول لهم: أخرج إلى عبادة وأرجع، وإذ عطف على إذ الأولى، فاذكر المقدر هنالك مسلط عليه، كأنه قيل: واذكر إذ قال موسى لِفَتَاهُ هو يوشع ابن نون بن أفرائيم بن يوسف، فإنه كان يخدمه ويتبعه، فسماه فتاه، وهذا هو المشهور. والعرب تسمى الخادم فتى، لأن الخدم أكثر ما تكون فى سن الفتوة، وقيل: هو ابن أخت موسى، وقيل: هو أخو يوشع، وأنكر اليهود أن يكون له أخ، وقيل: فتاه عبده، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليقل أحدكم فتاى وفتاتى ولا يقل عبدى وأمتى" تفسير : وهذا خلاف الأولى، لا محرم ولا مكروه، وقيل: القول بأنه عبده، قول باطل، اذكر يا محمد لهؤلاء المتكبرين على الفقراء الذين آمنوا قصة موسى وتواضعه للخضر فى تعلمه منه، وفيها تلويح بمدح المؤمنين على تواضعهم للنبى صلى الله عليه وسلم، وتقريع لأهل الكتاب والمشركين على عدم التعلّم من النبى صلى الله عليه وسلم، كما ارتحل موسى إلى التعلم. {لاَ أَبْرَحُ} لا أزال، والخبر محذوف تقديره لا أبرح سائراً أو لا أبرح أسيراً، ولا خبر له بمعنى لا أنتقل عن السير والطلب أى لا أتركهما، ويدل على تقدير السير الحال، وهى أنه فى السفر واللفظ وهو قوله: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ} ولا مانع من حذف باب كان لدليل، مثل أن يقال مَن كان بوابًا فتقول: كان عمرو أى كان عمرو بوابًا ومجمع البحرين هو الموعود له من الله عز وجل، بحر الروم الجارى على الجزائر وأعمالها، وأندلس والبحر المحيط وعليه سبتة، ومجمعها ما بين سبتة وطنجة من البحر، إِذ فتح ذو القرنين إِلى ذلك الموضع، وكان عبر البحر المحيط، أو فتحه إلى المحيط، فاتصل البحران، ودع عنك التفسير ببحر الروم، وبحر فارس الذى فى المشرق، وكما روى عن مجاهد وقتادة، وعليه فما معنى التقائهما، وأين يلتقيان فيتكلف له أنهما فى موضع يقرب التقاؤهما، وإلا فلا يلتقيان إِلا فى المحيط بخلاف ما بين طنجة وسبتة، فإنه كان برا، فاشتكى أهل أندلس من أهل السوس فحجز بينهما ذو القرنين بخلط البحرين. وبهذا قال محمد بن كعب القرظى، وقيل: بحر ملح، وبحر عذب، وملتقاهما فى الجزيرة الخضراء فى الأندلس قلت: نعرف بحراً عذبًا فى ذلك إِلا أن يراد به نهر عظيم جار، فلا بأس وقيل: الكر والرس بأَرمينية، وقيل: بحر القلزم، وبحر الأزرق، وقيل: بأَفريقية. قلت: لا نعرف هذا إِلا إن أراد ما يشمل طنجة، أو ما يشمل الإسكندرية فالنيل ينصب فى البحر الملح، وهذا المجمع جار أيضاً على أندلس لأن جزيرة أندلس طويلة مما يلى سبتة من تلك العدوة إِلى مرسية، والذى يليها جبل طارق من تلك العدوة، وسبتة من عدوتنا هذه، وبقى مسيرة ثلاثة أيام أو خمسة، لم يغلقه الماء، يخرج منها إلى البر الكبير، وهو بر وراء بحر الجزائر هذا، وفى عدوته من تلك الجهة باريز، ويقال: بربش وهو الأصل، وحرف ودع عنك لمخالفة الظاهر تفسير البحرين بموسى والخضر، ولو كان كالبحر فى علم الباطن، وموسى كالبحر فى علم الظاهر. {أَوْ أَمْضِىَ} أسير {حُقُبًا} مفرد لا جمع له دهراً طويلا، أو ثمانين سنة أو سبعين أو سنة، ولم أبلغه وأيست فأرجع أو عجزت، ولا بد من هذا التقدير أو نحوه، على أن العطف على أبلغ. ويجوز أن تكون أو بمعنى إلا أو إلى أى ليكونن منى بلوغ مجمع البحرين، أو أمضى حقبا فى سيرى أعجز بها أو آيس، ومعنى كون أو بمعنى إِلى أى أزال أسير حتى أبلغ المجمع، أو إِلى أن يحصل لى زمان أعجز عن السير فيه، خطب موسى عليه السلام فى مصر بعد غرق فرعون خطبة عجيبة مشتملة على علوم كثيرة، وأعجب بها فقيل له: هل تعلم أحداً أعلم منك، قال: لا. فأَوحى الله عز وجل إليه: عبدى الخضر أعلم منك، وهو بمجمع البحرين، ومعنى كون الخضر أعلم من موسى أن الله عز وجل أعطاه ما لم يعط موسى من الغيوب، فهو أعلم من موسى بالباطن، وموسى أعلم منه بالظاهر. أو لما كان أصل العلم إِدراك ما غاب أطلق أنه أعلم منه، ولموسى طرف من الباطن، وللخضر طرف من الظاهر، بل ورد التفضيل باعتباريْن، لو لم يشترك الطرفان نحو الخل فى حموضته أشد من العسل فى حلاوته، وما يلزم فى الرسول أن يكون أعلم أمته فى أمر الشرع، والخضر من أمته، وهو أعلم منه فيه، قيل: هو نبى مستقل، وقيل: غير نبى؛ وهل هو إسرائيلى قولان. وقيل: سأل ربه أىُّ عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يذكرنى ولا ينسانى، قال: فأىُّ عبادك أقضى؟ قال: الذى يقضى بالحق، ولا يتبع الهوى، قال: فأىُّ عبادك أعلم؟ قال: الذى يبتغى علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تدله إلى هدى، أو ترده عن ردًى، قال: إن كان فى عبادك أعلم منى فادللنى عليه؟ قال: أعلم منك الخضر، قال: أين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة، قال: كيف لى به؟ قال: تأخذ حوتًا مملحاً مشوبًا فى مكتل، فحيث فقدته تجده، فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرنى، ولا أكلفك سوى هذا، قال: ما كلفتنى كثيراً. فذهبا يمشيان حتى بلغا مجمع بينهما، فرقد موسى للعياء، فاضطرب الحوت وهو مشوى عند الصخرة، فاضطرب إلى البحر، ويقال: توضأ يوشع فى ذلك المكان من عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ماؤها شيئًا إلا حيى، فأَصاب الماء الحوت فحيى، فاضطرب إلى البحر من المكتل. وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة، وصلته قطرات فحيى ووثب إلى البحر، وكان الخضر فى أيام أفريدون، وكان على مقدمة ذى القرنين الأكبر، وبقى إِلى أيام موسى ويحيى إِلى أن يرفع القرآن والكعبة، وهو نبى على الصحيح غير رسول، وعليه الجمهور. وقيل: ولىّ، وقيل: رسول، وهو من ولد سام بن نوح، لقى إبراهيم عليه السلام، وطاف الدنيا والخضر على مقدمته، وسد على يأجوج ومأجوج، وبنى الإسكندرية. وأما ذو القرنين الأصغر، فهو الإسكندر بن فيلبوس اليونانى، الذى قتل دارى وسلب مُلكه، وتزوَّج بنته، واجتمع له مُلك الروم وفارس، وطاف الدنيا، وبلغ الظلمات، وبلغ المغرب، كما ذكر الله عز وجل بعد، والمشرق وأقصى الشمال، لأن فيه السدود، وفى داخله الروم. لما مات أبوه فيلبوس جمع ملك الروم بعد أن كانوا طغاة، ثم جميع ملوك الغرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، وبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، وهو إسكندر كان الناس ينسبونها إِليه، وتركوا كونه اسمًا لها، ثم دخل الشام، وقصد بنى إسرائيل، وورد بيت المقدس، وذبح فى مذابحهم، وانعطف إلى أرمينية، وباب الأبواب، ودان له أَهل العراق والبربر والقبط، وتوجه إلى دار ابن دارى وهزمه مراراً حتى قتله صاحب حرسه، فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد إلى اليمن والهند، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى خراسان، وبنى مدائن كثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض فى شهر زور، ومات فيها، وكان تلميذاً لأرسطاطاليس الكافر بعد أن أسلم على يد الخضر.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} هو ابن عمران نبـي بني إسرائيل عليه السلام على الصحيح، فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي وجماعة من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل فقال: كذب عدو الله ثم ذكر حديثاً طويلاً فيه الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو نص في أنه موسى بني إسرائيل. وإلى إنكار ذلك ذهب أيضاً أهل الكتاب وتبعهم من تبعهم من المحدثين والمؤرخين وزعموا أن موسى هنا هو موسى بن ميشا بالمعجمة ابن يوسف بن يعقوب، وقيل: موسى بن افراثيم بن يوسف وهو موسى الأول، قيل وإنما أنكره أهل الكتاب لإنكارهم تعلم النبـي من غيره. وأجيب بالتزام أن التعلم من نبـي ولا غضاضة في تعلم نبـي من نبـي. وتعقب بأنه ولو التزموا ذلك وسلموا نبوة الخضر عليه السلام لا يسلمون أنه موسى بن عمران لأنهم لا تسمح أنفسهم بالقول بتعلم نبيهم الأفضل ممن ليس مثله في الفضل فإن الخضر عليه السلام على القول بنبوته بل القول برسالته لم يبلغ درجة موسى عليه السلام، وقال بعض المحققين: ليس إنكارهم لمجرد ذلك بل لذلك ولقولهم إن موسى عليه السلام بعد الخروج من مصر حصل هو وقومه في التيه وتوفي فيه ولم يخرج قومه منه إلا بعد وفاته؛ والقصة تقتضي خروجه عليه السلام من التيه لأنها لم تكن وهو في مصر بالإجماع، وتقتضي أيضاً الغيبة أياماً ولو وقعت لعلمها كثير من بني إسرائيل الذين كانوا معه ولو علمت لنقلت لتضمنها أمراً غريباً تتوفر الدواعي على نقله فحيث لم يكن لم تكن. وأجيب بأن عدم سماح نفوسهم / بالقول بتعلم نبيهم عليه السلام ممن ليس مثله في الفضل أمر لا يساعده العقل وليس هو إلا كالحمية الجاهلية إذ لا يعبد عقلاً تعلم الأفضل الأعلم شيئاً ليس عنده ممن هو دونه في الفضل والعلم. ومن الأمثال المشهورة قد يوجد في الأسقاط ما لا يوجد في الأسفاط. وقالوا: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل. وقال بعضهم: لا مانع من أن يكون قد أخفى الله سبحانه وتعالى علم المسائل التي تضمنتها القصة عن موسى عليه السلام على مزيد علمه وفضله لحكمة ولا يقدح ذلك في كونه أفضل وأعلم من الخضر عليه السلام وليس بشيء كما لا يخفى، وبأنه سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً القول بأن القصة كانت بعد أن ظهر موسى عليه السلام على مصر مع بني إسرائيل واستقر بعد هلاك القبط فلا إجماع على أنها لم تكن بمصر. نعم اليهود لا يقولون باستقرارهم في مصر بعد هلاك القبط وعليه كثير منا وحينئذ يقال: إن عدم خروج موسى عليه السلام من التيه غير مسلم، وكذلك اقتضاء ذلك الغيبة أياماً لجواز أن يكون على وجه خارق للعادة كالتيه الذي وقعوا فيه وكنتق الجبل عليهم وغير ذلك من الخوارق التي وقعت فيهم. وقد يقال: يجوز أن يكون عليه السلام خرج وغاب أياماً لكن لم يعلموا أنه عليه السلام ذهب لهذا الأمر وظنوا أنه ذهب يناجي ويتعبد ولم يوقفهم على حقيقة غيبته بعد أن رجع لعلمه بقصور فهمهم فخاف من حط قدره عندهم فهم القائلون {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] و {أية : أرِنا الله جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] وأوصى فتاه بكتم ذلك عنهم أيضاً، ويجوز أن يكون غاب عليه السلام وعلموا حقيقة غيبته لكن لم يتناقلوها جيلاً بعد جيل لتوهم أن فيها شيئاً مما يحط من قدره الشريف عليه السلام فلا زالت نقلتها تقل حتى هلكوا في وقت بختنصر كما هلك أكثر حملة التوراة، ويجوز أن يكون قد بقي منهم أقل قليل إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم فتواصوا على كتمها وإنكارها ليوقعوا الشك في قلوب ضعفاء المسلمين ثم هلك ذلك القليل ولم تنقل عنه، ولا يخفى أن باب الاحتمال واسع؛ وبالجملة لا يبالى بإنكارهم بعد جواز الوقوع عقلاً وإخبار الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الآية ظاهرة في ذلك، ويقرب من هذا الإنكار إنكار النصارى تكلم عيسى عليه السلام في المهد وقد قدمنا أنه لا يلتفت إليه بعد إخبار الله تعالى به فعليك بكتاب الله تعالى ودع عنك الوساوس. و{إِذْ} نصب على المفعولية باذكر محذوفاً والمراد قل قال موسى: {لفَتَـٰهُ} يوشع بن نون بن افراثيم بن يوسف عليه السلام فإنه كان يخدمه ويتعلم منه ولذا أضيف إليه، والعرب تسمي الخادم فتى لأن الخدم أكثر ما يكونون في سن الفتوّة، وكان فيما يقال ابن أخت موسى عليه السلام، وقيل: هو أخو يوشع عليه السلام، وأنكر اليهود أن يكون له أخ، وقيل: لعبده فالإضافة للملك وأطلق على العبد فتى لما في الحديث الصحيح حديث : ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي تفسير : وهو من آداب الشريعة، وليس إطلاق ذلك بمكروه خلافاً لبعض بل خلاف الأولى، وهذا القول مخالف للمشهور وحكم النووي بأنه قول باطل وفي حل تملك النفس في بني إسرائيل كلام، ومثله في البطلان القول الثاني لمنافاة كل الأخبار الصحيحة {لا أَبْرَحُ} من برح الناقص كزال يزال أي لا أزال أسير فحذف الخبر اعتماداً على قرينة الحال إذ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالاً على ما يعقبه من قوله {حَتَّىٰ أَبْلُغَ} إذ الغاية لا بد لها من مغيا والمناسب لها هنا السير وفيما بعد أيضاً ما يدل على ذلك؛ وحذف الخبر فيها قليل كما ذكره الرضي، ومنه قول الفرزدق:شعر : فما برحوا حتى تهادت نساؤهم ببطحاء ذي قار عياب اللطائم تفسير : / وقال أبو حيان: نص أصحابنا على أن حذف خبر كان وأخواتها لا يجوز وإن دل الدليل على حذفه إلا ما جاء في الشعر من قوله:شعر : لهفي عليك كلهفة من خائف يبغي جوارك حين ليس مجير تفسير : أي حين ليس في الدنيا. وجوز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون الأصل لا يبرح سيري حتى أبلغ فالخبر متعلق حتى مع مجرورها فحذف المضاف إليه وهو سير فانقلب الضمير من البروز والجر إلى الرفع والاستتار وانقلب الفعل من الغيبة إلى التكلم، قيل وكذا الفعل الواقع في الخبر وهو {أَبْلُغُ} كأن أصله يبلغ ليحصل الربط؛ والإسناد مجازي والا يخل الخبر من الرابط إلا أن يقدر حتى أبلغ به أو يقال إن الضمير المستتر في كائن يكفي للربط أو أن وجود الربط بعد التغيير صورة يكفي فيه وإن كان المقدر في قوة المذكور، وعندي لا لطف في هذا الوجه وإن استلطفه الزمخشري. وجوز أيضاً أن يكون {أَبْرَحُ} من برح التام كزال يزول فلا يحتاج إلى خبر، نعم قيل لا بد من تقدير مفعول ليتم المعنى أي لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} وتعقبه في «البحر» بأنه يحتاج إلى صحة نقل. والمجمع الملتقى وهو اسم مكان، وقيل مصدر وليس بذاك. والبحران بحر فارس والروم كما روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما، وملتقاهما مما يلي المشرق، ولعل المراد مكان يقرب فيه التقاؤهما وإلا فهما لا يلتقيان إلا في البحر المحيط وهما شعبتان منه. وذكر أبو حيان أن مجمع البحرين على ما يقتضيه كلام ابن عطية مما يلي بر الشام، وقالت فرقة منهم محمد بن كعب القرظي: هو عند طنجة حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج منه من دبور إلى صبا، وعن أبـي أنه بإفريقية، وقيل البحران الكر والرس بأرمينية وروي ذلك عن السدي، وقيل بحر القلزم وبحر الأزرق، وقيل هما بحر ملح وبحر عذب وملتقاهما في الجزيرة الخضراء في جهة المغرب، وقيل هما مجاز عن موسى والخضر عليهما السلام لأنهما بحرا علم، والمراد بملتقاهما مكان يتفق فيه اجتماعهما، وهو تأويل صوفي والسياق ينبو عنه وكذا قوله تعالى: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ} إذ الظاهر عليه أن يقال حتى يجتمع البحران مثلاً. وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار {مجمع} بكسر الميم الثانية،والنضر عن ابن مسلم {مجمع} بالكسر لكلا الحرفين وهو شاذ على القراءتين لأن قياس اسم المكان والزمان من فعل يفعل بفتح العين فيهما الفتح كما في قراءة الجمهور. {أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً} عطف على {أَبْلُغَ} وأو لأحد الشيئين، والمعنى حتى يقع إما بلوغي المجمع أو مضى حقباً أي سيري زماناً طويلاً. وجوز أن تكون أو بمعنى إلا والفعل منصوب بعدها بأن مقدرة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا زلت أسير في كل حال حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع. ونقل أبو حيان جواز أن تكون بمعنى إلى وليس بشيء لأنه يقتضي جزمه ببلوغ المجمع بعد سيره حقباً وليس بمراد. والحقب بضمتين ويقال بضم فسكون وبذلك قرأ الضحاك اسم مفرد وجمعه كما في «القاموس» أحقب وأحقاب، وفي «الصحاح» أن الحقب بالضم يجمع على حقاب مثل قف وقفاف، وهو على ما روي عن ابن عباس وجماعة من اللغويين الدهر / وروي عن ابن عمر وأبـي هريرة أنه ثمانون سنة، وعن الحسن أنه سبعون، وقال الفراء: إنه سنة بلغة قريش وقال أبو حيان: الحقب السنون واحدها حقبة قال الشاعر:شعر : فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها فإنك مما أحدثت بالمجرب تفسير : اهـ. وما ذكره من أن الحقب السنون ذكره غير واحد من اللغويين لكن قوله واحدها حقبة فيه نظر لأن ظاهر كلامهم أنه اسم مفرد وقد نص على ذلك الخفاجي ولأن الحقبة جمع حقب بكسر ففتح، قال في «القاموس»: ((الحقبة بالكسر من الدهر مدة لا وقت لها والسنة وجمعه (حقب) كعنب و(حقوب) كحبوب))، واقتصر الراغب والجوهري على الأول. وكان منشأ عزيمة موسى عليه السلام على ما ذكر ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبـي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا فعتب الله تعالى عليه إذ لم يرد العلم إليه سبحانه فأوحى الله تعالى إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك» تفسير : الحديث، وفي رواية أخرى عنه عن أبـي أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه فقال له: نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والخطيب وابن عساكر من طريق هارون عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه السلام ربه سبحانه فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني قال: فأي عبادك أقضىٰ؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال: وكان حدث موسى نفسه أنه ليس أحد أعلم منه فلما أن قيل له الذي يبتغي علم الناس إلى علمه قال: يا رب فهل في الأرض أحد أعلم مني؟ قال: نعم قال: فأين هو؟ قيل له: عند الصخرة التي عندها العين فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله تعالى. ثم إن هذه الأخبار لا دلالة فيها على وقوع القصة في مصر أو في غيرها، نعم جاء في بعض الروايات التصريح بكونها في مصر، فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى عليه السلام وقومه على مصر أنزل قومه بمصر فلما استقرت بهم البلد أنزل الله تعالى أن ذكرهم بأيام الله تعالى فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله تعالى من الخير والنعم وذكرهم إذ أنجاهم الله تعالى من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله سبحانه في الأرض وقال: كلم الله تعالى نبيكم تكليماً واصطفاني لنفسه وأنزل عليَّ محبة منه وآتاكم من كل شيء ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرؤن التوراة فلم يترك نعمة أنعمها الله تعالى عليهم إلا عرفهم إياها فقال له رجل من بني إسرائيل: فهل على الأرض أعلم منك يا نبـي الله؟ قال: لا فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى موسى عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن على ساحل البحر رجلاً أعلم منك ثم كان ما قص الله سبحانه. وأنكر ذلك ابن عطية فقال: ما يرى قط أن موسى عليه السلام أنزل قومه بمصر إلا في هذا الكلام وما أراه يصح بل المتظافر أن موسى عليه السلام توفي في أرض التيه قبل فتح ديار الجبارين اهـ وما ذكره من عدم إنزال موسى عليه السلام قومه بمصر هو الأقرب إلى القبول عندي وإن تعقب الخفاجي كلامه بعد نقله بقوله فيه نظر. ثم إن الأخبار المذكورة ظاهرة في أن العبد الذي أرشد إليه موسى عليه السلام كان أعلم منه، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك.

سيد قطب

تفسير : هذه الحلقة من سيرة موسى ـ عليه السلام ـ لا تذكر في القرآن كله إلا في هذا الموضع من هذه السورة. والقرآن لا يحدد المكان الذي وقعت فيه إلا بإنه {مجمع البحرين} ولا يحدد التاريخ الذي وقعت فيه من حياة موسى، هل كان ذلك هو في مصر قبل خروجه ببني إسرائيل أم بعد خروجه بهم منها؟ ومتى بعد الخروج: قبل أن يذهب بهم إلى الأرض المقدسة، أم بعد ما ذهب بهم إليها فوقفوا حيالها لا يدخلون لأن فيها قوماً جبارين؟ أم بعد ذهابهم في التيه، مفرقين مبددين؟ كذلك لا يذكر القرآن شيئاً عن العبد الصالح الذي لقيه موسى. من هو؟ ما اسمه؟ هل هو نبي أو رسول؟ أم عالم؟ أم ولي؟ وهناك روايات كثيرة عن ابن عباس وعن غيره في هذه القصة. ونحن نقف عند نصوص القصة في القرآن. لنعيش "في ظلال القرآن" ونعتقد أن لعرضها في القرآن على النحو الذي عرضت به، دون زيادة، ودون تحديد للمكان والزمان والأسماء، حكمة خاصة. فنقف نحن عند النص القرآني نتملاه.. {وإذ قال موسى لفتاه: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا}.. والأرجح ـ والله أعلم ـ أنه مجمع البحرين: بحر الروم وبحر القلزم. أي البحر الأبيض والبحر الأحمر.. ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح. أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر. فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر. وعلى أي فقد تركها القرآن مجملة فنكتفي بهذه الإشارة. ونفهم من سياق القصة فيما بعد ـ أنه كان لموسى ـ عليه السلام ـ هدف من رحلته هذه التي اعتزمها، وأنه كان يقصد من ورائها أمراً، فهو يعلن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة، ومهما يكن الزمن الذي ينفقه في الوصول. وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه القرآن من قوله: {أو أمضي حقبا} والحقب قيل عام، وقيل ثمانون عاماً. على أية حال فهو تعبير عن التصميم، لا عن المدة على وجه التحديد. {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا. فلما جاوزا قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هـذا نصبا. قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا..}.. والأرجح كذلك أن هذا الحوت كان مشوياً، وأن إحياءه واتخاذه سبيله في البحر سرباً كان آية من آيات الله لموسى، يعرف بهما موعده، بدليل عجب فتاه من اتخاذه سبيله في البحر، ولو كان يعني أنه سقط منه فغاص في البحر ما كان في هذا عجب. ويرجح هذا الوجه أن الرحلة كلها مفاجآت غيبية. فهذه إحداها. وأدرك موسى أنه جاوز الموعد الذي حدده ربه له للقاء عبده الصالح. وأنه هنالك عند الصخرة ثم عاد على أثره هو وفتاه فوجداه: {قال: ذلك ما كنا نبغ. فارتدا على آثارهما قصصا. فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما}.. ويبدو أن ذلك اللقاء كان سر موسى وحده مع ربه، فلم يطلع عليه فتاه حتى لقياه. ومن ثم ينفرد موسى والعبد الصالح في المشاهد التالية للقصة: {قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا؟}. بهذا الأدب اللائق بنبي، يستفهم ولا يجزم، ويطلب العلم الراشد من العبد الصالح العالم. ولكن علم الرجل ليس هو العلم البشري الواضح الأسباب القريب النتائج، إنما هو جانب من العلم اللدني بالغيب أطلعه الله عليه بالقدر الذي أراده، للحكمة التي أرادها. ومن ثم فلا طاقة لموسى بالصبر على الرجل وتصرفاته ولو كان نبياً رسولاً. لأن هذه التصرفات حسب ظاهرها قد تصطدم بالمنطق العقلي، وبالأحكام الظاهرة، ولا بد من إدراك ما وراءها من الحكمة المغيبة؛ وإلا بقيت عجيبة تثير الاستنكار. لذلك يخشى العبد الصالح الذي أوتي العلم اللدني على موسى ألا يصبر على صحبته وتصرفاته: {قال: إنك لن تستطيع معي صبراً. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً؟}.. ويعزم موسى على الصبر والطاعة، ويستعين الله، ويقدم مشيئته: {قال: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً}.. فيزيد الرجل توكيداً وبياناً، ويذكر له شرط صحبته قبل بدء الرحلة، وهو أن يصبر فلا يسأل ولا يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له عن سرها: {قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً}. ويرضى موسى.. وإذا نحن أمام المشهد الأول لهما: {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها}.. سفينة تحملهما وتحمل معهما ركاباً، وهم في وسط اللجة؛ ثم يجيء هذا العبد الصالح فيخرق السفينة! إن ظاهر الأمر هنا أن هذه الفعلة تعرض السفينة وركابها لخطر الغرق وتؤدي بهم إلى هذا الشر؛ فلماذا يقدم الرجل على هذا الشر؟ لقد نسي موسى ما قاله هو وما قاله صاحبه، أمام هذا التصرف العجيب الذي لا مبرر له في نظر المنطق العقلي! والإنسان قد يتصور المعنى الكلي المجرد، ولكنه عندما يصطدم بالتطبيق العملي لهذا المعنى والنموذج الواقعي منه يستشعر له وقعاً غير التصور النظري. فالتجربة العملية ذات طعم آخر غير التصور المجرد. وها هو ذا موسى الذي نبه من قبل إلى أنه لا يستطيع صبراً على ما لم يحط به خبراً، فاعتزم الصبر واستعان بالمشيئة وبذل الوعد وقبل الشرط. ها هو ذا يصطدم بالتجربة العملية لتصرفات هذا الرجل فيندفع مستنكراً. نعم إن طبيعة موسى طبيعة انفعالية اندفاعية، كما يظهر من تصرفاته في كل أدوار حياته. منذ أن وكز الرجل المصري الذي رآه يقتتل مع الإسرائيلي فقتله من اندفاعه. ثم أناب إلى ربه مستغفراً معتذراً حتى إذا كان اليوم الثاني ورأى الإسرائيلي يقتتل مع مصري آخر، هم بالآخر مرة أخرى! نعم إن طبيعة موسى هي هذه الطبيعة. ومن ثم لم يصبر على فعلة الرجل ولم يستطع الوفاء بوعده الذي قطعه أمام غرابتها. ولكن الطبيعة البشرية كلها تلتقي في أنها تجد للتجربة العملية وقعاً وطعماً غير التصور النظري. ولا تدرك الأمور حق إدراكها إلا إذا ذاقتها وجربتها. ومن هنا اندفع موسى مستنكراً: {قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا}. وفي صبر ولطف يذكره العبد الصالح بما كان قد قاله منذ البداية: {قال: ألم أقل: إنك لن تستطيع معي صبراً؟}. ويعتذر موسى بنسيانه، ويطلب إلى الرجل أن يقبل عذره ولا يرهقه بالمراجعة والتذكير: {قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً؟}. ويقبل الرجل اعتذاره، فنجدنا أمام المشهد الثاني: {فانطلقا. حتى إذا لقيا غلاماً فقتله..}. وإذا كانت الأولى خرق سفينة واحتمال غرق من فيها؛ فهذه قتل نفس. قتل عمد لا مجرد احتمال. وهي فظيعة كبيرة لم يستطع موسى أن يصبر عليها على الرغم من تذكره لوعده: {قال: أقتلت نفساً زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئاً نكرا}. فليس ناسياً في هذه المرة ولا غافلاً؛ ولكنه قاصد. قاصد أن ينكر هذا النكر الذي لا يصبر على وقوعه ولا يتأول له اسباباً؛ والغلام في نظره بريء. لم يرتكب ما يوجب القتل، بل لم يبلغ الحلم حتى يكون مؤاخذاً على ما يصدر منه. ومرة أخرى يرده العبد الصالح إلى شرطه الذي شرط ووعده الذي وعد، ويذكره بما قال له أول مرة. والتجربة تصدقه بعد التجربة: {قال: ألم أقل لك: إنك لن تستطيع معي صبرا}.. وفي هذه المرة يعين أنه قال له: {ألم أقل لك؟} لك أنت على التعيين والتحديد. فلم تقتنع وطلبت الصحبة وقبلت الشرط. ويعود موسى إلى نفسه، ويجد أنه خالف عن وعده مرتين، ونسي ما تعهد به بعد التذكير والتفكير. فيندفع ويقطع على نفسه الطريق، ويجعلها آخر فرصة أمامه: {قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني. قد بلغت من لدني عذراً}. وينطلق السياق فإذا نحن أمام المشهد الثالث: {فانطلقا. حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه}.. إنهما جائعان، وهما في قرية أهلها بخلاء، لا يطعمون جائعاً، ولا يستضيفون ضيفاً. ثم يجد أن جداراً مائلاً يهم أن ينقض. والتعبير يخلع على الجدار حياة وإرادة كالأحياء فيقول: {يريد أن ينقض} فإذا الرجل الغريب يشغل نفسه بإقامة الجدار دون مقابل!!! وهنا يشعر موسى بالتناقض في الموقف. ما الذي يدفع هذا الرجل أن يجهد نفسه ويقيم جداراً يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان، وقد أبوا أن يستضيفوهما؟ أفلا أقل من أن يطلب عليه أجراً يأكلان منه؟ {قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا}! وكانت هي الفاصلة. فلم يعد لموسى من عذر، ولم يعد للصحبة بينه وبين الرجل مجال: {قال: هـذا فراق بيني وبينك. سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً}. وإلى هنا كان موسى ـ ونحن الذين نتابع سياق القرآن ـ أمام مفاجآت متوالية لا نعلم لها سراً. وموقفنا منها كموقف موسى. بل نحن لا نعرف من هو هذا الذي يتصرف تلك التصرفات العجيبة، فلم ينبئنا القرآن باسمه، تكملة للجو الغامض الذي يحيط بنا. وما قيمة اسمه؟ إنما يراد به أن يمثل الحكمة الإلهية العليا، التي لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة، بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة. فعدم ذكر اسمه يتفق مع الشخصية المعنوية التي يمثلها. وإن القوى الغيبية لتتحكم في القصة منذ نشأتها. فها هو ذا موسى يريد أن يلقى هذا الرجل الموعود. فيمضي في طريقه؛ ولكن فتاه ينسى غداءهما عند الصخرة، وكأنما نسيه ليعودا. فيجد هذا الرجل هناك. وكان لقاؤه يفوتهما لو سارا في وجهتهما، ولو لم تردهما الأقدار إلى الصخرة كرة أخرى.. كل الجو غامض مجهول، وكذلك اسم الرجل الغامض المجهول في سياق القرآن. ثم يأخذ السر في التجلي.. {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت أن أعيبها؛ وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا}. فبهذا العيب نجت السفينة من أن يأخذها ذلك الملك الظالم غصباً؛ وكان الضرر الصغير الذي أصابها اتقاء للضرر الكبير الذي يكنه الغيب لها لو بقيت على سلامتها. {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا. فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكـاة وأقرب رحما}.. فهذا الغلام الذي لا يبدو في حاضره ومظهره أنه يستحق القتل، قد كشف ستر الغيب عن حقيقته للعبد الصالح، فإذا هو في طبيعته كافر طاغ، تكمن في نفسه بذور الكفر والطغيان، وتزيد على الزمن بروزاً وتحققاً.. فلو عاش لأرهق والديه المؤمنين بكفره وطغيانه، وقادهما بدافع حبهما له أن يتبعاه في طريقه. فأراد الله ووجه إرادة عبده الصالح إلى قتل هذا الغلام الذي يحمل طبيعة كافرة طاغية، وأن يبدلهما الله خلفاً خيراً منه، وأرحم بوالديه. ولو كان الأمر موكولاً إلى العلم البشري الظاهر، لما كان له إلا الظاهر من أمر الغلام، ولما كان له عليه من سلطان، وهو لم يرتكب بعد ما يستحق عليه القتل شرعاً. وليس لغير الله ولمن يطلعه من عباده على شيء من غيبه أن يحكم على الطبيعة المغيبة لفرد من الناس. ولا أن يرتب على هذا العلم حكماً غير حكم الظاهر الذي تأخذ به الشريعة. ولكنه أمر الله القائم على علمه بالغيب البعيد. {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحاً، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما، رحمة من ربك وما فعلته عن أمري.. ذلك تأويل ما لم تسطـع عليه صبرا}.. فهذا الجدار الذي أتعب الرجل نفسه في إقامته، ولم يطلب عليه أجراً من أهل القرية ـ وهما جائعان وأهل القرية لا يضيفونهما ـ كان يخبئ تحته كنزاً، ويغيب وراءه مالاً لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة. ولو ترك الجدار ينقض لظهر من تحته الكنز فلم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه.. ولما كان أبوهما صالحاً فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما، فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما، ويستخرجا كنزهما وهما قادران على حمايته. ثم ينفض الرجل يده من الأمر. فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف. وهو أمر الله لا أمره. فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة وفيما قبلها، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه من غيبه {رحمة من ربك وما فعلته عن أمري}.. فالآن ينكشف الستر عن حكمة ذلك التصرف، كما انكشف عن غيب الله الذي لا يطلع عليه أحداً إلا من ارتضى. وفي دهشة السر المكشوف والستر المرفوع يختفي الرجل من السياق كما بدا. لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول. فالقصة تمثل الحكمة الكبرى. وهذه الحكمة لا تكشف عن نفسها إلا بمقدار. ثم تبقى مغيبة في علم الله وراء الأستار. وهكذا ترتبط ـ في سياق السورة ـ قصة موسى والعبد الصالح، بقصة أصحاب الكهف في ترك الغيب لله، الذي يدبر الأمر بحكمته، وفق علمه الشامل الذي يقصر عنه البشر، الواقفون وراء الأستار، لا يكشف لهم عما وراءها من الأسرار إلا بمقدار...

ابن عاشور

تفسير : لما جرى ذكر قصة خلق آدم وأمر الله الملائكة بالسجود له، وما عرض للشيطان من الكبر والاعتزاز بعنصره جهلاً بأسباب الفضائل ومكابرةً في الاعتراف بها وحسداً في الشرف والفضل، فَضرب بذلك مثلاً لأهل الضلال عبيد الهوى والكبر والحسد، أعقبَ تلك القصة بقصة هي مَثل في ضدها لأن تطلب ذي الفضل والكمال للازدياد منهما وسعيه للظفر بمن يبلغه الزيادة من الكمال، اعترافاً للفاضل بفضيلته. وفي ذلك إبداء المقابلة بين الخُلُقين وإقامة الحجة على المماثلة والمخالفة بين الفريقين المؤمنين والكافرين، وفي خلال ذلك تعليم وتنويه بشأن العلم والهدى، وتربية للمتقين. ولأن هذه السورة نزلت بسبب ما سأل المشركون والذين أمْلَوا عليهم من أهل الكتاب عن قصتين قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. وقد تقضى الجواب عن القصة الأولى وما ذيلت به، وآن أن ينتقل إلى الجواب عن القصة الثانية فتختم بذلك هذه السورة التي أنزلت لبيان القصتين. قدمت لهذه القصة الثانية قصة لها شبه بها في أنها تَطواف في الأرض لطلب نفع صالح، وهي قصة سفر موسى ــــ عليه السلام ــــ لطلب لقاء من هو على علم لا يعلمه موسى. وفي سوق هذه القصة تعريض بأهل الكتاب بأن الأولى لهم أن يدُلوا الناس على أخبار أنبياء إسرائيل وعلى سفر لأجل تحصيل العلم والحكمة لا سفر لأجل بسط الملك والسلطان. فجملة {وإذ قال موسى} معطوفة على جملة { أية : وإذ قلنا للملائكة } تفسير : [الكهف: 50] عطف القصة على القصة. والتقدير: واذكر إذ قال موسى لفتاه، أي اذكر ذلك الزمن وما جرى فيه. وناسبها تقدير فعل اذكر لأن في هذه القصة موعظة وذكرى كما في قصة خلق آدم. فانتصب (إذ) على المفعولية به. والفتى: الذكَر الشاب، والأنثى فتاة، وهو مستعمل مجازاً في التابع والخادم. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : تراود فتاها } تفسير : في سورة [يوسف: 30]. وفتى موسى: خادمه وتابعه، فإضافة الفتى إلى ضمير موسى على معنى الاختصاص، كما يقال: غُلامه. وفتى موسى هو يوشع بن نون من سبط أفرايم. وقد قيل: إنه ابن أخت موسى، كان اسمه الأصلي هُوشع فدعاه موسى حين بعثه للتجسس في أرض كنعان يوشع. ولعل ذلك التغير في الاسم تلطف به، كما قال رسول الله لأبي هريرة يا أبا هِرّ. وفي التوراة: أن إبراهيم كان اسمه أبرام فلما أمره الله بخصال الفطرة دعاه إبراهَام. ولعل هذه التغييرات في العبرانية تفيد معاني غير معاني الأسماء الأولى فتكون كما دعا النبي زيْد الخَيل زيدَ الخير. ويوشع أحد الرجال الإثني عشر الذين بعثهم موسى عليه السلام ليتجسسوا في أرض كنعان في جهات حلب وحبرون ويختبروا بأس أهلها وخيرات أرضها ومكثوا أربعين يوماً في التجسس. وهو أحد الرجلين اللذين شجعا بني إسرائيل على دخول أرض كنعان اللذين ذكرهما القرآن في آية { أية : قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } تفسير : [المائدة: 23]. كان ميلاد يوشع في حدود سنة 1463 قبل المسيح ووفاته في حدود سنة 1353 وعمَّر مائة وعشر سنين، وكان موسى عليه السلام قد قربه إلى نفسه واتخذه تلميذاً وخادماً، ومثل ذلك الاتخاذ يوصف صاحبه بمثِل فتى أو غلام. ومنه وصفهم الإمام محمد بن عبد الواحد المطرز النحْوي اللغوي غلامَ ثعلب، لشدة اتصاله بالإمام أحمد بن يحيى الشيباني الملقب بثعلب. وكان يوشع أحد الرجلين اللذين عهد إليهما موسى عليه السلام بأن يقسما الأرض بين أسباط بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام. وأمر الله موسى بأن يعهد إلى يوشع بتدبير أمر الأمة الإسرائيلية بعد وفاة موسى عليه السلام فعهد إليه موسى بذلك فصار نبيئاً من يومئذٍ. ودبر أمر الأمة بعد موسى سبعاً وعشرين سنة. وكتاب يوشع هو أول كتب الأنبياء بعد موسى عليه السلام. وابتدئت القصة بحكاية كلام موسى عليه السلام المقتضي تصميماً على أن لا يزول عما هو فيه، أي لا يشتغل بشيء آخر حتى يبلغ مجمع البحرين، ابتداء عجيباً في باب الإيجاز، فإن قوله ذلك يدل على أنه كان في عَمل نهايته البلوغ إلى مكان، فعلم أن ذلك العلم هو سَيْرُ سَفر. ويدل على أن فتاهُ استعظم هذه الرحلة وخشي أن تنالهما فيها مشقة تعوقهما عن إتمامها، أو هو بحيث يستعظمها للعلم بأنها رحلة بعيدة، وذلك شأن أسباب الأمور المهمة، ويدل على أن المكان الذي يسير إليه مكان يجد عنده مطلبه. و{أبرح} مضارع بَرِح بكسر الراء، بمعنى زال يزول. وتقدم في سورة يوسف ــــ عليه السلام ــــ. واستعير {لا أبرح} لِمعنى: لا أترك، أو لا أكف عن السير حتى أبلغ مجمع البحرين. ويجوز أن يكون مضارع بَرح الذي هو فعل ناقص لا يستعمل ناقصاً إلا مع النفي ويكون الخبر محذوفاً بقرينة الكلام، أي لا أبرح سائراً. وعن الرضيّ أن حذف خبرها قليل. وحُذف ذكر الغرض الذي سار لأجله موسى ــــ عليه السلام ــــ لأنه سيُذكر بعدُ، وهو حذف إيجاز وتشويق، له موقع عظيم في حكاية القصة، لإخراجها عن مطروق القصص إلى أسلوب بديع الحِكم والأمثال قضاء لِحق بلاغة الإعجاز. وتفصيل هذه القصة وارد في «صحيح البخاري» من حديث: « عمرو بن دينار ويعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أُبَيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : أن موسى ــــ عليه السلام ــــ قام خطيباً في بني إسرائيل فسُئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتَب الله عليه إذ لمْ يَردّ العلمَ إليه. فأوحى الله إليه: بلى عبدُنا خَضِرٌ هو أعلم منك. قال: فأين هو؟ قال: بمجمع البحرين. قال موسى ــــ عليه السلام ــــ: يا رب اجعل لي علَماً أعلم ذلك به. قال: تَأخذ معك حُوتاً في مِكَتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثَمّ، فأخذ حوتاً فجعله في مِكتل وقال لفتاه يوشع بن نون: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال (أي فتاه): ما كلّفتَ كثيراً. ثم انطلق وانطلق بفتاه حتى إذا أتيا الصخرة وضعَا رؤوسهما فنامَا واضطرب الحوت في المِكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سَربَا وموسى نائم، فقال فتاه (وكان لم ينم): لا أوقظه وأمسك اللّهُ عن الحوت جَرية الماء فصار الماء عليه مثلَ الطاق، فلما استيقظ (موسى) نسي صاحبُه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى ــــ عليه السلام ــــ لفتاه: آتنا غداءنَا لقد لَقينا من سفرنا هذا نصبَاً. قال: ولم يجد موسى النصَب حتى جاوزَ المكان الذي أمره الله به (أي لأن الله ميسر أسباب الامتثال لأوليائه: فقال له فتاه: أرأيتَ إذ أَوَيْنا إلى الصخرة فإني نسيِتُ الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره وأتخذ سبيله في البحر عجباً. قال: فكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً. فقال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصاً، قال: رجعا يَقُصّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى ثوباً فسَلّم عليه موسى. فقال الخَضر: وأنى بأرضك السلام... الحديثتفسير : . قوله: «وأنى بأرضك السلام» استفهام تعجب، والكاف خطاب للذي سلم عليه فكانَ الخضر يظن ذلك المكان لا يوجد به قوم تحيتهم السلام، إما لكون ذلك المكان كان خلاء وإما لكونه مأهولاً بأمة ليست تحيتهم السلام. وإنما أمسك الله عن الحوت جَرية الماء ليكون آية مشهودة لموسى ــــ عليه السلام ــــ وفتاه زيادة في أسباب قوة يقينهما، ولأن المكان لما كان ظرفاً لظهور معجزات عِلم النبوءة ناسب أن يحف به ما هو خارق للعادة إكراماً لنزلاء ذلك المكان. ومجمع البحرين لا ينبغي أن يختلف في أنه مكان من أرض فلسطين. والأظهر أنه مصب نهر الأردن في بحيرة طبرية فإنه النهر العظيم الذي يمر بجانب الأرض التي نزل بها موسى ــــ عليه السلام ــــ وقومه. وكانت تسمى عند الإسرائيليين بحر الجليل، فإن موسى ــــ عليه السلام ــــ بلغ إليه بعد مسير يوم وليلة راجلاً فعلمنا أنه لم يكن مكاناً بعيداً جداً. وأراد موسى أن يبلغ ذلك المكان لأن الله أوحى إليه أن يجد فيه العبد الذي هو أعلم منه فجعله ميقاتاً له. ومعنى كون هذا العبد أعلم من موسى ــــ عليه السلام ــــ أنه يعلم علوماً من معاملة الناس لم يعلّمها الله لموسى. فالتفاوت في العلم في هذا المقام تفاوت بفنون العلوم، وهو تفاوت نسبي. والخضر: اسم رجل صالح. قيل: هو نبيء من أحفاد عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام. فهو الخضر بن ملكان بن فالغ بن عابر، فيكون ابن عم الجد الثاني لإبراهيم ــــ عليه السلام ــــ. وقيل: الخضر لقبه. وأما اسمه فهو (بليا) بموحِدة أو إيليا بهمزة وتحتية. واتفق الناس على أنه كان من المعمرين، ثم اختلفوا في أنه لم يزل حياً اختلافاً لم يبن على أدلة مقبولة متعارفة ولكنه مستند إلى أقوال بعض الصوفية، وهي لا ينبغي اعتمادها لكثرة ما يقع في كلامهم من الرموز والخلط بين الحياتين الروحية والمادية، والمشاهدات الحسية والكشفية، وقد جعلوه رمز العلوم الباطنية كما سيأتي. وزعم بعض العلماء أن الخضر هو جرجس: وقيل: هو من ذرية عيسو بن إسحاق. وقيل: هو نبيء بعث بعد شعيب. وجرجس المعني هو المعروف باسم مَار جرجس. والعرب يسمونه: مارَ سَرجس كما في «كتاب سيبويه». وهو من أهل فلسطين ولد في الرملة في النصف الآخر من القرن الثالث بعد مولد عيسى ــــ عليه السلام ــــ وتوفي سنة 303 وهو من الشهداء. وهذا ينافي كونه في زمن موسى ــــ عليه السلام ــــ. والخضر لقب له، أي الموصوف بالخضرة، وهي رمز البركة، قيل: لقب خضراً لأنه كان إذا جلس على الأرض اخضرَّ ما حوله، أي اخضرَّ بالنبات من أثر بركته. وفي «دائرة المعارف الإسلامية» ذكرت تخرصات تُلصق قصة الخضر بقصص بعضها فارسية وبعضها رومانية وما رَائدهُ في ذلك إلا مجرد التشابه في بعض أحوال القصص، وذلك التشابه لا تخلو عنه الأساطير والقصص فلا ينبغي إطلاق الأوهام وراء أمثالها. والمحقق أنّ قصة الخضر وموسى يهودية الأصل ولكنّها غير مسطورة في كتب اليهود المعبر عنها بالتوراة أو العهد القديم. ولعل عدم ذكرها في تلك الكتب هو الذي أقدم نَوفاً البِكالي على أن قال: إن موسى المذكور في هذه الآيات هو غير موسى بني إسرائيل كما ذكر ذلك في «صحيح البخاري» وأن ابن عباس كذب نَوفاً، وسَاق الحديث المتقدم. وقد كان سبب ذكرها في القرآن سؤال نفر من اليهود أو من لقنهم اليهودُ إلقاء السؤال فيها على الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: { أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } تفسير : [الإسراء: 85]. واختلف اليهود في أن صاحب الخضر هو موسى بن عمران الرسول وأن فتاه هو يوشع بن نون، فقيل: نعم، وقد تأيد ذلك بما رواه أبي بن كعب عن النبي وقيل: هو رجل آخر اسمه موسى بن ميشا (أو مِنسه) ابن يوسف بن يعقوب. وقد زعم بعض علماء الإسلام أن الخضر لقي النبي وعُدّ من صحابته. وذلك توهم وتتبع لخيال القصاصين. وسمي الخضر بليا بن ملكان أو إيليا أو إلياس، فقيل: إن الخضر هو إلياس المذكور في سورة يس. ولا يصح أن يكون الخضر من بني إسرائيل إذ لا يجوز أن يكون مكلفاً بشريعة موسى ويقره موسى على أفعال لا تبيحها شريعته. بل يتعين أن يكون نبيئاً موحى إليه بوحي خاص، وعَلِم موسى أنه من أمة غير مبعوث موسى إليها. ولما علم موسى ذلك مما أوحى الله إليه من قوله: بلَى عبدنا خضر هو أعلم منك. كما في حديث أبَي بن كعب، لم يَصرفه عنه ما رأى من أعماله التي تخالف شريعة التوراة لأنه كان على شريعة أخرى أمةً وحده. وأما وجوده في أرض بني إسرائيل فهو من السياحة في العبادة، أو أمره الله بأن يحضر في المكان الذي قدره للقاء موسى رفقاً بموسى عليه السلام. ومعنى {أو أمضي} أو أسير. والمضي: الذهاب والسير. والحُقُب ــــ بضمتين ــــ اسم للزمان الطويل غير منحصر المقدار، وجمعه أحقاب. وعطف {أمضي} على {أبلغ} بــــ (أو) فصار المعطوف إحدى غايتين للإقلاع عن السير، أي إما أن أبلغ المكان أو أمضي زمناً طويلاً. ولما كان موسى لا يخامره الشك في وجود مكان هو مجمع للبحرين وإلفاء طلبته عنده، لأنه علم ذلك بوحي من الله تعالى، تعين أن يكون المقصود بحرف الترديد تأكيد مضيه زمناً يتحقق فيه الوصول إلى مجمع البحرين. فالمعنى: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين بسير قريب أو أسير أزماناً طويلة فإني بالغ مجمع البحرين لا محالة، وكأنه أراد بهذا تأييس فتاه من محاولة رجوعهما، كما دل عليه قوله بعد { أية : لقد لَقِينا من سفرنا هذا نصباً } تفسير : [الكهف: 62]. أو أراد شحْذ عزيمة فتاه ليساويه في صحة العزم حتى يكونا على عزم متحد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذ قال موسى لفتاه: أي أذكر إذ قال موسى بن عمران نبي بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف عليه السلام. مجمع البحرين: أي حيث ألتقى البحران بحر فارس وبحر الروم. حقبا: الحقب الزمن وهو ثمانون سنة والجمع أحقاب. سبيله في البحر سرباً: أي طريقه في البحر سرباً أي طريقاً كالنفق. فلما جاوزا: أي المكان الذي فيه الصخرة ومنه اتخذ الحوت طريقه في البحر سرباً. في البحر عجباً: أي عجباً لموسى حيث تعجب من إحياء الحوت واتخاذه في البحر طريقاً كالنفق في الجبل. قصصاً: أي يتتبعان آثار أقدامهما. عبداً من عبادنا: هو الخضر عليه السلام. مما علمت رشداً: أي ما هو رشاد إلى الحق ودليل على الهدى. ما لم تحط به خبراً: أي علماً. ولا أعصي لك أمراً: أي انتهى إلى ما تأمرني به وإن لم يكن موافقاً هواي. معنى الآيات: هذه قصة موسى مع الخضر عليهما السلام وهي تقرر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتؤكدها. إذ مثل هذا القصص الحق لا يتأتى لأحد أن يقصه ما لم يتلقه وحياً من الله عزوجل. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} أي أذكر يا رسولنا تدليلاً على توحيدنا ولقائنا ونبوتك. إذ قال موسى بن عمران نبينا إلى بني إسرائيل لفتاه يوشع بن نون {لاۤ أَبْرَحُ} أي سائراً {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} حيث أرشدني ربي إلى لقاء عبدٍ هناك من عباده هو أكثر مني علماً حتى أتعلم منه علماً ازيده على علمي، {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} أي أواصل سيري زمناً طويلاً حتى أظفر بهذا العبد الصالح لأتعلم عنه. قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي بين البحرين وهما بحر الروم وبحر فارس عند باب المندب حيث التقى البحر الأحمر والبحر الهندي. أو البحر الأبيض والأطلنطي عند طنجة والله أعلم بأيها أراد. وقوله {نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي نسي الفتى الحوت، إذ هو الذي كان يحمله، ولكن نسب النسيان إليهما جرياً على المتعارف من لغة العرب، وهذا الحوت قد جعله الله تعالى علامة لموسى على وجود الخضر حيث يفقد الحوت، إذ القصة كما في البخاري تبتدئ بأن موسى خطب يوماً في بنى إسرائيل فأجاد وأفاد فأعجب به شاب من بني إسرائيل فقال له: هل يوجد من هو أعلم منك يا موسى؟ فقال: لا. فأوحى إليه ربه فوراً بلى عبدنا خضر، فتاقت نفسه للقياه للتعلم عنه، فسأل ربه ذلك، فأرشده إلى مكان لقياه وهو مجمع البحرين، وجعل له الحوت علامة فأمره أن يأخذ طعامه حوتاً وأعلمه أنه إذا فقد الحوت فثم يوجد عبدالله خضر ومن هنا لما بلغا مجمع البحرين واستراحا فنام موسى والفتى شبه نائم وإذا بالحوت يخرج من المكتل (وعاء) ويشق طريقه إلى البحر فينجاب عنه البحر فيكون كالطاق أو النفق آية موسى. ويغلب النوم على يوشع فينام فلما استراحا قاما مواصلين سيرهما ونسي الفتى وذهب من نفسه خروج الحوت من المكتل ودخوله في البحر لغلبة النوم فلما مشيا مسافة بعيدة وشعرا بالجوع وقد جاوزا المنطقة التي هي مجمع البحرين قال موسى للفتى {آتِنَا غَدَآءَنَا} وعلل ذلك بقوله: {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} أي تعباً. هنا قال الفتى لموسى ما قصَّ الله تعالى: قال مجيباً لموسى {أَرَأَيْتَ} أي أتذكر {إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} التي استراحا عندها {فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} وقال كالمعتذر، {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ} أي طريقه {فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} أي حيي بعد موت ومشى حتى انتهى إلى البحر وانجاب له البحر فكان كالسرب فيه أي النفق فأجابه موسى بما قص تعالى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} وذلك لأن الله تعالى جعل لموسى فقدان الحوت علامة على مكان الخضر الذي يوجد فيه {فَٱرْتَدَّا} أي رجعا {عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} أي يتتبعان آثار أقدامهما {فَوَجَدَا} خضراً كما قال تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} وهو خضر {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي نبوة {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} وهو علم غيب خاص به {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} مستعطفاً له {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} أي مما علمك الله رشداً أي رشاداً يَدُلّنِي على الحق وتحصل لي به هداية فأجابه خضر بما قال تعالى: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} يريد أنه يرى منه أموراً لا يقره عليها وخضر لا بد يفعلها فيتضايق موسى لذلك ولا يطيق الصبر، وعلل له عدم استطاعته الصبر بقوله {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} أي علماً كاملاً. فأجابه موسى وقد صمم على الرحلة لطلب العلم مهما كلفه الثمن فقال {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} أي سأنتهي إلى ما تأمرني وإن لم يكن موافقاً لما أحب وأهوى. هداية الآيات: 1- عتب الله تعالى على رسوله يا موسى عليه السلام عندما سئل هل هناك من هو أعلم منك فقال لا وكان المفروض أن يقول على الأقل الله أعلم. فعوقب لذلك فكلف هذه الرحلة الشاقة. 2- استحباب الرفقة في السفر، وخدمة التلميذ للشيخ، إذ كان يوشع يخدم موسى بحمل الزاد. 3- طروء النسيان على الانسان مهما كان صالحاً. 4- مراجعة الصواب بعد الخطأ خير من التمادي على الخطأ {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً}؟ 5- تجلي قدرة الله تعالى في إحياء الحوت بعد الموت، وانجياب الماء عليه حتى كان كالطاق فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً. وبه استدل موسى أي بهذا العجب على مكان خضر فوجده هناك. 6- استحباب طلب المزيد من العلم مهما كان المرء عالماً وهنا أورد الحديث التالي وهو خير من قنطار ذهباً لمن حفظه وعمل به وهو قول ابن عباس رضي الله عنه قال سأل موسى ربه: قال رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبيدك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علم نفسه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى، وللأثر بقية ذكره ابن جرير عند تفسير هذه الآيات.

القطان

تفسير : فتاه: خادمه، تلميذه. لا ابرح: لا ازال سائرا. مجمع البحرين: مكان اجتماعهما. حقبا: مدة طويلة. سربا: مسلكا. نصيبا: تعبا. اوينا: التجأنا. ذلك ما كنا نبغي: ذلك ما كنا نريد. فارتدا على آثارهما قصصا: رجعا في نفس الطريق التي جاءا منها. الحوت: السمكة الكبيرة. هذه القصة الثالثة التي اشتملت عليها سورة الكهف، وهي قصة موسى مع الرجل الصالح الذي آتاه الله علما. وهذه القصة وردت هنا في سورة الكهف ولم تكرر في القرآن. وموسى هذا اختلف المفسرون فيه: هل هو موسى بن عمران النبي المرسل صاحب التوراة، او موسى آخر؟ واكثر المفسرين على انه موسى بن عمران. وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: ان نوفا البكالي من اصحاب امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، يزعم ان موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني اسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله. ونوف البكالي هذا كان من التابعين ومن اصحاب سيدنا علي بن ابي طالب وإمام اهل الشام في عصره. وكان ابن زوجة كعب الاحبار، وكان راويا للقصص، توفي نحو سنة 95 هـ. وعند اهل الكتاب وبعض المحدّثين والمؤرخين ان موسى هذا ليس موسى بن عمران، بل موسى آخر، وهو متقدم في التاريخ. والقرآن الكريم لم يحدد الاسماء ولا زمن الحادثة، ونحن لا يهمنا الاشخاص وانما نقف مع نصوص القرآن، والعبرة من القصص، وما نستفيد منها. وفتاه: يقول المفسرون انه يوشع بن نون تلميذه وخليفته. ومجمع البحرين لم يحدَّد مكانهما، وهناك اقوال كثيرة منها انهما البحر الاحمر والبحر الابيض، او مجمع البحرين عند طنجة وغير ذلك. قال البقاعي في "نظم الدرر": الظاهر واللهُ اعلم ان مجمع البحرين عند دمياط او رشيد من بلاد مصر، حيث مجمع النيل والبحر الابيض. وكلها اقوال بدون دليل او خبر قطعي. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً... }. اذكر ايها الرسول حين قال موسى لفتاه خادمه وتلميذه: سأظل اسير حتى ابلغ ملتقى البحرين او أسير زمنا طويلا حتى التقي به. وسبب ذلك كما في كتب الحديث: "حديث : عن ابي كعب رضي الله عنه أَنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إِن موسى قام خطيبا في بني إِسرائيل، فسُئِل أَي الناس اعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه اذ لم يردّ العلم إِليه، فأوحى الله إِليه أَن لي عبدا بمجمع البحرين هو أَعلم منك. قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو هناك"تفسير : . المِكتَل: الزنبيل، القفة. فلما وصل موسى وفتاه المكان الجامع بين البحرين نسيا حوتهما الذي حملاه معهما، وكان الحوت سقط في الماء وغاص فيه. فلما ابتعدا عن ذلك المكان، أحس موسى بالجوع والتعب، فقال لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا في هذا السفر تعبا ومشقة. فقال له فتاه: اتذكر حين جلسنا نستريح عند الصخرة، فاني نسيت الحوت هناك. ان الحوت سقط في البحر، ونسيت ان اذكر لك ذلك، وما انساني ذلك الا الشيطان. فقال له موسى: ان هذا الذي حدث هو ما اريده لحكمة ارادها الله. فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يتتبعان اثرهما حتى أتيا الصخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِفَتَاهُ لاۤ} (60) - قِيلَ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ: إِنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللهِ مَوْجُوداً فِي مَجْمَعِ البَحْرِينِ، عِنْدَهُ عِلْمٌ لَمْ تُحِطْ بِهِ أَنْتَ، فَأَحَبَّ مُوسَى الرَّحِيلَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ. فَقَالَ لِفَتَاهُ (وَقِيلَ إِنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَهُوَ مِنْ نَسْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) إِنَّي سَأَسِيرُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وَأَلْتَقِي بِالرَّجُلِ، وَلَوْ سِرْتُ أَمَداً طَوِيلاً. مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ - مُلْتَقَاهُمَا. أُمْضِيَ حُقُباً - أَسيرَ زَمَناً طَوِيلاً.

الثعلبي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ} الآية قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلّما استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ:{أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم: 5] فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة؛ إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: "وكلّم الله نبيكم تكليماً، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وآتاكم من كل ما سألتموه، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة". فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلاّ ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل: قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: "لا". فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: "يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبداً بمجمع البحرين أعلم منك". فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: "ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتاً، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح". وقال ابن عباس في رواية أُخرى: سأل موسى ربّه فقال: "ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟". قال: "الذي يذكرني فلا ينساني". قال: "فأي عبادك أقضى؟". قال: "الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى". قال: "ربّي فأي عبادك أعلم؟". قال: "الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدًى أو ترده عن ردًى". قال: "إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه". فقال له: "نعم، في عبادي من هو أعلم منك". قال: "من هو؟". قال: "الخضر". قال: "وأين أطلبه؟". قال: "على الساحل عند الصخرة". وجعل الحوت له آية، وقال: "إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك". وكانا قد تزودا سمكاً مالحاً فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ} بن عمران {لِفَتَاهُ}: صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل: فتاه عبده ومملوكه: {لاۤ أَبْرَحُ}: لا أزال أسير {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ}، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة. وقال أُبّي بن كعب: أفريقية، {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} وجمعه أحقاب: دهراً أو زماناً. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم. فحملا خبزاً وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلاً، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئاً إلاّ حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَلَمَّا بَلَغَا}، يعني: موسى وفتاه {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} يعني: بين البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا}: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك؛ لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أُضيف إليهم. {فَٱتَّخَذَ} الحوت {سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً}، أي مسلكاً ومذهباً يسرب ويذهب فيه. واختلفوا في كيفية ذلك؛ فروى أُبّي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ". تفسير : وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئاً إلاّ يبس حتى صار صخرة. وروى ابن عباس عن أُبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ} موسى {لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا} ". تفسير : وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقاً إلاّ صار ماء جامداً طريقاً يبساً. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئاً من الماء وهو ذاهب إلاّ يبس. {فَلَمَّا جَاوَزَا}، يعني ذلك الموضع {قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا}: أعطنا {غَدَآءَنَا}: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلاّ يومئذ حين جاوز الموضع الذّي أُمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً}، أي شدة وتعباً، وذلك أنه أُلقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ}: رجعنا {إِلَى ٱلصَّخْرَةِ}، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت {فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ}؟ أي تركته وفقدته. وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}، يعني: أنسانيه ألاّ أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلاّ الشيطان، {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} ، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتخذ الحوت سبيله في البحر عجباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكاً، فعجبت من ذلك عجباً. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ}، فأجابه موسى: {عَجَباً} كأنه قال: أعجب عجباً. وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهراً من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّاً حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأُخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام)، فذلك قوله: {قَالَ} موسى لفتاه: { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} أي نطلب، يعني الخضر {فَٱرْتَدَّا}: فرجعا {عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً}: يقصان الأثر: يتبعانه. {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} يعني الخضر واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما [أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن]معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما سُمي الخضر خضراً؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء ". تفسير : [قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات]. وقال مجاهد: إنما سمي الخضر؛ لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه. وقال ابن عباس عن أُبيّ بن كعب عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىً، فسلّم عليه؛ فاستوى جالساً قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك علّي ". تفسير : وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟ ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلاّ أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ}: للعالم {مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}: صواباً؟ {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} ؛ لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، {وَكَيْفَ تَصْبِرُ} يا موسى {عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس: وذلك أنه كان رجلاً يعمل على الغيب. {قَالَ} موسى: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} . قال: {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} مما تنكر { حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً}: حتى ابتدئ لك بذكره، وأُبيّن لك شأنه. {فَٱنْطَلَقَا} يسيران يطلبان سفينة يركبانها {حَتَّىٰ إِذَا} أصابها {رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ}، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء. وقال أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأساً فخرق لوحاً من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} "تفسير : . وقرأ أهل الكوفة (ليغرق) بالياء المفتوحة (أهلها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} أي منكراً. قال القتيبي: عجباً. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز: شعر : قد لقيَ الأقران منّي نُكْراً داهية دهياء إدًّا إمرا تفسير : وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم. قال العالم {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ} موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} [أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروَروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كانت الأُولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص ". تفسير : وقال أُبي بن كعب: أما إنه لم ينسَ، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، {وَلاَ تُرْهِقْنِي}: تعجلني: وقيل: لا تغشني {مِنْ أَمْرِي عُسْراً}، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك. {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً}، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلماناً يلعبون، وأخذ غلاماً ظريفاً وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم. وقال الضحّاك: كان غلاماً يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاسَ، واسم أمه رُحمى. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله. [أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أُبّي بن كعب قال: سمعت النبّي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً فلمّا قتله قال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً}؟". تفسير : أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أي من غير أن قتلت نفساً أوجب عليها القود، {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}: منكراً؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي هذه المرّة {فَلاَ تُصَاحِبْنِي}: فارقني؛ {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} في فراقي. [أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أُبّي بن كعب قال:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: "رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب]، ولكنه قال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} " . تفسير : {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} قال ابن عباس: يعني أنطاكية.وقال ابن سيرين: أيلة، وهي أبعد أرض الله من السّماء {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا}، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف؛ وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما. [أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أُبّي بن كعب أنه سمع "حديث : رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} قال: كانوا أهل قرية لئاماً ". تفسير : وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تُضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه. {فَوَجَدَا فِيهَا}، أي في القرية {جِدَاراً}، قال وهب: كان جداراً طوله في السماء مئة ذراع، {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} تفسير : [مريم: 90] . قال ذو الرمّة: شعر : قد كاد أو [قد] هم بالبيود تفسير : وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: {أية : وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} تفسير : [الأعراف: 154] وإنما يسكت صاحبه. وقال: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} تفسير : [محمد: 21] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي: شعر : يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل تفسير : وقال عقيل: شعر : إنّ دهراً يلف شمل سليمى لزمان يهّم بالإحسان تفسير : {أَن يَنقَضَّ}، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ: انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولاً، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولاً. {فَأَقَامَهُ}: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه. وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ}، وقرأ أبو عمرو: (لتَخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و(تبِع)، و(اتّقى) و(تقى)، قال الشاعر: شعر : وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها نسيفاً كأفحوص القطاة المطرّق تفسير : وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قول أبي شمام الصبابي: شعر : تخذوا الحديد من الحديد معاولاً سكانها الأرواح والأجساد تفسير : {عَلَيْهِ}، أي على إصلاحه وإقامته {أَجْراً}، أي جَعْلاً وأُجرة. وقيل: قرىً وضيافة. فقال الخضر (عليه السلام): {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} قرأ لاحق بن حميد: (فراق) بالتنوين، {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله: {مَسَاكِينَ} دليل على أن المسكين وإن كان مَلَكَ شيئاً فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. (وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم) بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ}، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم} أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} تفسير : [إبراهيم: 16] و{أية : وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ} تفسير : [المؤمنون: 100] أي أمامهم. قال الشاعر: شعر : أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : وقيل: {وَرَآءَهُم}: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. {مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً). فخرقها وعيّبها، لئلاّ يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافراً. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد. {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ}، أي فعلمنا. وفي مصحف أُبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرجّلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. {أَن يُرْهِقَهُمَا} ، أي يهلكهما. وقيل: يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما {طُغْيَاناً وَكُفْراً}، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه. {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً}: صلاحاً وإسلاماً {وَأَقْرَبَ رُحْماً} هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحَم ورحُم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج: شعر : ولم تعوَّج رحمُ من تعوّجا تفسير : قال ابن عباس: {وَأَقْرَبَ رُحْماً} يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيراً، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبّي من الأنبياء، فولدت له نبياً فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أُمّة من الأُمم. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوّهاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبياً». وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافراً وكذلك هو في حرف اُبي: (فأما الغلام فكان كافراً، وكان أبواه مؤمنين). وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرضَ امرؤ بقضاء الله؛ فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ} واسمهما أصرم وصريم {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلاّ علماً، وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله». وقد روي "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول مرفوعاً في بعض الروايات أنه كان مكتوباً في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: يا أيُّها المهتم هماً لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [...] علوت شاهقاً من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟ ". تفسير : وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالاً. [أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] مكحول عن [أبي] الدرداء قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}، قال: كان ذهباً وفضّة ". تفسير : {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً}، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحاً. [وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره. وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يُدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أُختي قالت: أُختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيراً؟ قالت: خير، أُتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها. {فَأَرَادَ رَبُّكَ} يا موسى {أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا}، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} المكنوز تحت الجدار، {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْر} و(اسطاع) و(استطاع) بمعنى واحد.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ ..} [الكهف: 60] أي: اذكر يا محمد وقت أنْ قال موسى لفتاه، وفتى موسى هو خادمه يوشع ابن نون، وكان من نَسْل يوسف - عليه السلام - وكان يتبعه ويخدمه ليتعلم منه. {لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ ..} [الكهف: 60]. لكن، ما حكاية موسى مع فتاه؟ وما مناسبتها للكلام هنا؟ مناسبة قصة موسى هنا أن كفار مكة بعثوا ليهود المدينة يسألونهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أهل كتاب وأعلم بالسماء، فأرادوا رأيهم في محمد: أهو مُحِقٌّ أم لا؟ فقال اليهود لوفد مكة: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو نبي: اسألوه عن الفتية الذين ذهبوا في الدهر، والرجل الطواف الذي طاف البلاد، وعن الروح، فما كان منهم إلا أن سألوا رسول الله هذه الأسئلة، فقال لهم: "في الغد أجيبكم". إذن: إجابة هذه الأسئلة ليست عنده، وهذه تُحسَب له لا عليه، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم يضرب الكلام هكذا دون علم لأجابهم، لكنه سكت إلى أن يأتي الجواب من الله تعالى، وهذا من أدبه صلى الله عليه وسلم مع ربه الذي أدَّبه فأحسن تأديبه. ومرَّتْ خمسة عشر يوماً دون أن يُوحَى لرسول الله في ذلك شيء، حتى شَقَّ الأمر عليه، وفرح الكفار والمنافقون؛ لأنهم وجدوا على رسول الله مأخذاً فاهتبلوا هذه الفرصة لينددوا برسول الله، إنما أدب الله لرسوله فوق كل شيء ليبين لهم أن رسول الله لن يتكلم في هذه المسألة إلا بوحي من الله؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يصدر عن رأيه. ولو كان لهؤلاء القوم عقول لفهموا أن البُطْءَ في هذه المسألة دليلُ صِدق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاءت قصة موسى هنا لتردَّ على مهاترات القوم، وتُبيِّن لهم أن النبي لا يعلم كل شيء، وهل المفروض فيه أن يجيبكم عن كل شيء؟ وهل يقدح في مكانته أنه لا يعرف مسألة ما؟ جاءت هذه الآيات لتقول لليهود ومَنْ لَفَّ لَفَّهم من كفار مكة: أنتم متعصبون لموسى وللتوراة ولليهودية، وها هو موسى يتعلم ليس من الله، بل يتعلم من عبد مثله، ويسير تابعاً له طلباً للعلم. جاءت الآيات لتقول لهم: يا مَنْ لقنتم كفار مكة هذه الأسئلة وأظهرتم الشماتة بمحمد حينما أبطأ عليه الوحي، اعلموا أن إبطاء الوحي لتعلموا أن محمداً لا يقول شيئاً من عند نفسه، فكان من الواجب أنْ تلفتكم هذه المسألة إلى صدق محمد وأمانته، وما هو على الغيب بضنين. وسبب قصة موسى عليه السلام - يُقال: إنه سأل الله - وكان له دلال على ربه: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأعراف: 143] والذي أطمعه في هذا المطلب أن الله كلَّمه: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 17] فأطال موسى الكلام مع ربه، ومَنْ الذي يكلمه الله ولا يطيل أمد الأُنْس بكلام الله؟ لذلك قال موسى: {أية : هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]. وهكذا أطال موسى مدة الأنس بالله والحديث معه سبحانه، لذلك سأله: يا ربّ، أيوجد في الأرض أعلم مني؟ فأجابه ربُّه تبارك وتعالى: نعم في الأرض مَنْ هو أعلم منك، فاذهب إلى مجمع البحرين، وهناك ستجد عبداً من عبيدي هو أعلم منك، فأخذ موسى فتاه وذهب إلى مَجْمع البحرين. وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى - عليه السلام - خطب مرة فسُئِل: مَنْ أعلم؟ فقال: أنا - يعني من البشر، فأخبره الله تعالى: لا بل في الأرض من هو أعلم منك من البشر حتى لا يغتَرَّ موسى - عليه السلام - بما أعلمه الله. ثم يقول تعالى: {لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ ..} [الكهف: 60]. لا أبرح: أي لا أترك، والبعض يظن أن لا أبرح تعني: لا أترك مكاني الذي أنا فيه، لكنها تعني: لا أترك ما أنا بصدده، فإنْ كنتُ قاعداً لا أترك القعود، وإنْ كنتُ ماشياً لا أترك المشي، وقد قال موسى - عليه السلام - هذا القول وهو يبتغي بين البحرين، ويسير متجهاً إليه، فيكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان حتى أبلغ مجمع البحرين. وقد وردت مادة (برح) في قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ ..} [يوسف: 80] قالها كبيرهم بعد أن أخذ يوسف أخاه بنيامين ومنعه من الذهاب معهم، فهنا استحى الأخ الأكبر من مواجهة أبيه الذي أخذ عليهم العهد والميثاق أنْ يأتوا به ويُعيدوه إليه. و"مجْمَع البحرين" أي: موضع التقائهما، حيث يصيران بحراً واحداً، كما يلتقي مثلاً دجلة والفرات في شَطِّ العرب. وقوله: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} [الكهف: 60]. الحُقُب: جمع حِقْبة، وهي الفترة الطويلة من الزمن، وقد قدَّروها بحوالي سبعين أو ثمانين سنة، فإذا كان أقل الجمع ثلاثة، فمعنى ذلك أن يسير موسى - عليه السلام - مائتين وعشرة سنين، على اعتبار أن الحِقْبة سبعون سنة. ويكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان ولو سِرْتُ مائتين وعشرة سنين؛ لأن موسى عليه السلام كان مَشُوقاً إلى رؤية هذا الرجل الأعلم منه، كيف وهو النبي الرسول الذي أوحى الله إليه؛ لذلك أخبره ربه أن عِلْم هذا الرجل علم من لدنا، علم من الله لا من البشر. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: وهو بَحرُ فَارس وبَحر الرّوم. وقالَ الخِضرُ واليَاسُ هما بَحران فِي العِلمِ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} معناه دهرٌ وجَمعهُما أَحقابٌ. والحِقَبُ: السّنونُ. واحدُها حِقْبَةٌ. وقال: حَولاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن نبيه موسى عليه السلام، وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال لفتاه - أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو " يوشع بن نون " الذي نبأه الله بعد ذلك:- { لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } أي: لا أزال مسافرا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدا من عباد الله العالمين، عنده من العلم، ما ليس عندك، { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } أي: مسافة طويلة، المعنى: أن الشوق والرغبة، حمل موسى أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه. { فَلَمَّا بَلَغَا } أي: هو وفتاه { مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا } وكان معهما حوت يتزودان منه ويأكلان، وقد وعد أنه متى فقد الحوت فثم ذلك العبد الذي قصدته، فاتخذ ذلك الحوت سبيله، أي: طريقه في البحر سربا وهذا من الآيات. قال المفسرون إن ذلك الحوت الذي كانا يتزودان منه، لما وصلا إلى ذلك المكان، أصابه بلل البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار مع حيواناته حيا. فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه: { آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصلا به إلى مجمع البحرين لم يجدا مس التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالة لموسى، على وجود مطلبه، وأيضا فإن [ ص 482 ] الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان، سهل لهما الطريق، فلما تجاوزا غايتهما وجدا مس التعب، فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة، قال له فتاه: { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ }. أي: ألم تعلم حين آوانا الليل إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما { فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان } لأنه السبب في ذلك { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } أي: لما انسرب في البحر ودخل فيه، كان ذلك من العجائب. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربا، ولموسى وفتاه عجبا، فلما قال له الفتى هذا القول، وكان عند موسى وعد من الله أنه إذا فقد الحوت، وجد الخضر، فقال موسى: { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } أي: نطلب { فَارْتَدَّا } أي: رجعا { عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي رجعا يقصان أثرهما إلى المكان الذي نسيا فيه الحوت فلما وصلا إليه، وجدا عبدا من عبادنا، وهو الخضر، وكان عبدا صالحا، لا نبيا على الصحيح. آتيناه [رحمة من عندنا أي: أعطاه الله رحمة خاصة بها زاد علمه وحسن عمله { وَعَلَّمْنَاهُ } ] { مِنْ لَدُنَّا } [أي: من عندنا] عِلْمًا، وكان قد أعطي من العلم ما لم يعط موسى، وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه بأكثر الأشياء، وخصوصا في العلوم الإيمانية، والأصولية، لأنه من أولي العزم من المرسلين، الذين فضلهم الله على سائر الخلق، بالعلم، والعمل، وغير ذلك، فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة، والإخبار عن مطلبه. { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } أي: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله، ما به أسترشد وأهتدي، وأعرف به الحق في تلك القضايا؟ وكان الخضر، قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة، ما به يحصل له الاطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفيت، حتى على موسى عليه السلام، فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك { لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } أي: لا تقدر على اتباعي وملازمتي، لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر، وباطنها غير ذلك، ولهذا قال: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } أي: كيف تصبر على أمر،ما أحطت بباطنه وظاهره ولا علمت المقصود منه ومآله؟ فقال موسى: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } وهذا عزم منه، قبل أن يوجد الشيء الممتحن به، والعزم شيء، ووجود الصبر شيء آخر، فلذلك ما صبر موسى عليه السلام حين وقع الأمر. فحينئذ قال له الخضر: { فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا } أي: لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار، حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله، في الوقت الذي ينبغي إخبارك به، فنهاه عن سؤاله، ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر. { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا } أي: اقتلع الخضر منها لوحا، وكان له مقصود في ذلك، سيبينه، فلم يصبر موسى عليه السلام، لأن ظاهره أنه منكر، لأنه عيب للسفينة، وسبب لغرق أهلها، ولهذا قال موسى: { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أي: عظيما شنيعا، وهذا من عدم صبره عليه السلام، فقال له الخضر: { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } أي: فوقع كما أخبرتك، وكان هذا من موسى نسيانا فقال: { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } أي: لا تعسر علي الأمر، واسمح لي، فإن ذلك وقع على وجه النسيان، فلا تؤاخذني في أول مرة. فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنه ما ينبغي لك أيها الخضر الشدة على صاحبك، فسمح عنه الخضر. { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا } أي: صغيرا { فَقَتَلَهُ } الخضر، فاشتد بموسى الغضب، وأخذته الحمية الدينية، حين قتل غلاما صغيرا لم يذنب. { قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا } وأي: نكر مثل قتل الصغير، الذي ليس عليه ذنب، ولم يقتل أحدًا؟! وكانت الأولى من موسى نسيانا، وهذه غير نسيان، ولكن عدم صبر. { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } . فقال له الخضر معاتبا ومذكرا: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا }. فقال [له] موسى: { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ } بعد هذه المرة { فَلا تُصَاحِبْنِي } أي: فأنت معذور بذلك، وبترك صحبتي { قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } أي: أعذرت مني، ولم تقصر. { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا } أي: استضافاهم، فلم يضيفوهما { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } أي: قد عاب واستهدم { فَأَقَامَهُ } الخضر أي: بناه وأعاده جديدا. فقال له موسى: { لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } أي: أهل هذه القرية، لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرة، وأنت تقدر عليها؟. فحينئذ لم يف موسى عليه السلام بما قال، واستعذر الخضر منه، فقال له: { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } فإنك شرطت ذلك على نفسك، فلم يبق الآن عذر، ولا موضع للصحبة، { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } أي: سأخبرك بما أنكرت عليَّ، وأنبئك بما لي في ذلك من المآرب، وما يئول إليه الأمر. { أَمَّا السَّفِينَةُ } التي خرقتها { فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } يقتضي ذلك الرقة عليهم، والرأفة بهم. { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم، فكل سفينة صالحة تمر عليه ما فيها عيب غصبها وأخذها ظلما، فأردت أن أخرقها ليكون فيها عيب، فتسلم من ذلك الظالم. { وَأَمَّا الْغُلامُ } الذي قتلته { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا } وكان ذلك الغلام قد قدر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه أو يحدهما على ذلك، أي: فقتلته، لاطلاعي على ذلك، سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟" وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع لذريتهما، فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية، ما هو خير منه، ولهذا قال: { فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا } أي: ولدا صالحا، زكيا، واصلا لرحمه، فإن الغلام الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق بحملهما على الكفر والطغيان. { وَأَمَّا الْجِدَارُ } الذي أقمته { فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما أباهما، وحفظهما الله أيضا بصلاح والدهما. { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا } أي: فلهذا هدمت الجدار، واستخرجت ما تحته من كنزهما، وأعدته مجانا. { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله، آتاها الله عبده الخضر { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } أي: أتيت شيئا من قبل نفسي، ومجرد إرادتي، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره. { ذَلِكَ } الذي فسرته لك { تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل. ومنها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن، وطلب الراحة، كما فعل موسى. ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه، وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه، فإن في إظهاره فوائد من الاستعداد له عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهارًا لشرف هذه العبادة الجليلة، كما قال موسى: { لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا }. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجهه، مع أن عادته التورية، وذلك تبع للمصلحة. ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ }. ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا }. ومنها: استحباب كون خادم الإنسان، ذكيا فطنا كيسا، ليتم له أمره الذي يريده. ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: { آتِنَا غَدَاءَنَا } إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعا. ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله، لأنه هو السفر على الحقيقة. وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم، لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه { آتِنَا غَدَاءَنَا } فحينئذ تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده. ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره. وأما قوله في آخر القصة: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ } {أية : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا }. تفسير : ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله [لعباده] نوعان: علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدني، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله { وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }. ومنها: التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى عليه السلام: { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يظهر للمعلم افتقارهم إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هم وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدا، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، من أنفع شيء للمتعلم. ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر. ومنها: تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه، ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة. فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر، ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه. فعلى هذا، لا ينبغي للفقيه المحدث، إذا كان قاصرا في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها. ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: { تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ } أي: مما علمك الله تعالى. ومنها: أن العلم النافع، هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: { أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }. ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه. ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر، إحاطة الإنسان علما وخبرة، بذلك الأمر، الذي أمر بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } فجعل الموجب لعدم صبره، وعدم إحاطته خبرا بالأمر. ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود. ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول " إِنْ شَاءَ اللَّهُ ". ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل. ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالا لا يتعلق في موضع البحث. ومنها: جواز ركوب البحر، في غير الحالة التي يخاف منها. ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ }. ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر. ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار. ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما، أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته، وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها، داخل في هذا. ومنها: القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير " كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن. ومنها: أن العمل يجوز في البحر، كما يجوز في البر لقوله: { يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } ولم ينكر عليهم عملهم. ومنها: أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة، لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين، لهم سفينة. ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا }. ومنها: أن القتل قصاصا غير منكر لقوله { بِغَيْرِ نَفْسٍ }. ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته. ومنها: أن خدمة الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح. ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } كما قال إبراهيم عليه السلام {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : وقالت الجن: {أية : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } تفسير : مع أن الكل بقضاء الله وقدره. ومنها: أنه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يعتبه، ويعذر منه، كما فعل الخضر مع موسى. ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه، في غير الأمور المحذورة، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة. ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره المكروهة.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَٰهُ لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ} [60]. 326 - أنا إبراهيم بن المُستمر، نا الصلت بن محمد، نا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن عبد الله بن عبيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قام موسى خطيبا في بني إسرائيل فأبلغ في الخُطبة، فعرض في نفسه أن أحداً لم يؤت من العلم ما أُتي، وعَلِمَ الله الذي حدث نفسه من ذلك، قال له: يا موسى، إن من عبادي من آتيتُهُ من العلم ما لم أُوتك، قال: أي رب، من عبادك؟ قال: نعم. قال: فادلُلني على هذا الرجل الذي آتيتَهُ من العلم ما لم تُؤتني حتى أتعلم منه، قال: يدلك عليه بعض زادك. قال لفتاه يوشع: {لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً} وكان مما تزود حوتٌ مُملح في زنبيل، وكانا يُصيبان منه عند العشاء والغداة، فلما انتهيا إلى الصخرة عند ساحل البحر وضع فتاه المكتل على ساحل البحر فأصاب الحوت ثرى البحر، فتحرك في المكتل، فقلب المكتل، وانسرب في البحر. {فَلَمَّا جَاوَزَا} حضر الغادةُ، قال: {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا/ هَـٰذَا نَصَباً} [62] ذكر الفتى قال: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} [63] فذكر موسى عليه السلام ما كان عُهد إليه أنه: يَدُلُّكَ عليه بعض زادك، فقال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} لِي هذه حاجتنا {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [64] يقصان آثارهما، حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوتُ ما فعل، وأبصر موسى عليه السلام أثر الحوت، فأخذ إثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر البحر {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [65] قال له موسى {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [66-68] إلى قوله: {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} [70] أي: حتى أكون أنا أُحدث لك ذلك، {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} [71] إلى قوله: {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً} [74] [على ساحل البحر غلمانٌ يلعبون، فعهد إلى أصبحهم (وأجودهم)] {فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [74-75] قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فاستحيى عند ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم موسى، فقال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [76-77]" قرأ إلى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ [يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا]} [78-79] قرأ إلى {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [79] وفي قراءة أُبي [بن كعب]: {يَأْخُذُ كُلَّ سِفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْباً} {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رقعوها/ وانتفعوا بها وبقيت لهم {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} [80] قرأ إلى {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} [82] فجاء طائرٌ فجعل يغمس منقاره في البحر، فقال [له: يا موسى] تدري ما يقول هذا الطائرُ؟. قال لا [أدري]، قال: فإن هذا يقول: ما علمكما الذي تعلمان في علم الله إلا مثل ما أُنقصُ به بمنقاري من جميع هذا البحر. {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَٰهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} [62] 327 - أنا محمد بن عبد الأعلى، نا المُعتمر، عن أبيه، عن رقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: قيل لابن عباس: إن نَوفاً يزعم أن موسى عليه السلام الذي ذهب يلتمس العلم ليس بموسى بني إسرائيل، قال: أسَمعتهُ يا سعيدُ؟. قال: نعم، قال: كذب نوفٌ، (حدثنا) أُبي بن كعبٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنه بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيامِ اللهِ - وأيامُ اللهِ: نعماؤُهُ وبلاؤُهُ - قال: ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً مني وأعلمُ مني، قال: "فأوحى الله إليه: إنني أعلم بالخير منه - أو: عند من هو - إن في الأرض رجلاً هو أعلمُ منك، قال: يا رب، فدُلني عليه، فقيل له: تزود حوتاً مالحاً فإنه حيث تفقدِ الحوتَ، قال: فانطلق هو وفتاه حتى انتهيا إلى الصخرة، فعُمي فانطلق وترك فتاهُ، فاضطرب الحوت في الماء فجعل لا يلتمم عليه إلا صار مثل الكوةِ. فقال فتاه: ألا ألحقُ بنبي الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرهُ؟ قال: فنسي، فلما تجاوزا {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} قال: ولم يُصبهم نصبٌ حتى تجاوزا. قال: فتذكر فقال {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [63-64]/ فأراهْ مكان الحوت. فقال: ههُنا وُصِفَ لي. قال: السلام عليكم. فكشف الثوب عن وجههِ. فقال: وعليكم السلام، من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: ومن موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: ما جاء بك؟ قال: جئت لتُعلمني {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [66-68] شيىءٌ أُمرتُ أن أفعلهُ، إذا رأيتني لم تصبر {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} [69-71] قال: انْتَحَي عليها. قال له موسى عليه السلام: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا} [71-74] غلماناً يلعبون، قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرأي فقتله، قال: فذعر عندها موسى ذعرة مُنكرة {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} [74] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا المكان: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا عَجِلَ لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامةٌ" قال: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} [76] ولو صبر لرأى العَجَبَ. قال: وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه: رحمة الله علينا وعلى أخي، هذا، رحمةُ الله عليناتفسير : ، قال: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ } [77] لِئاماً فطافا في المجالس فـ {ٱسْتَطْعَمَآ [أَهْلَهَا] فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي/ وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} [77-79] إلى آخر الآية. فإذا جاء الذي يتخيرها وجدها منخرقةً، فَيُجاوِزُها، وأصلحوها بخشيةٍ، {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ} فَطُبع يوم طُبع كافراً، كان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك أرهقهما {طُغْيَاناً وَكُفْراً* فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ} [80-82] الآيةُ. {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً}. 328 - أنا قُتيبةُ بن سعيد - في حديثه - عن سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: ٌقلت لاِبن عباس إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر، قال: كذب عدو الله، [حَدَّثنا] أُبي بن كعبٍ، حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: قام موسى عليه السلام خطيباً في بني إسرائيل، فقيل له،: أيُّ الناس أعلمُ؟ قال: أنا. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه؛ بل عبدٌ من عبادي بمجمع البحرين هو أعلمُ منك. قال: أي رب، فكيف السبيل إليه؟. قال: تأخُذ حوتاً في مكتلٍ فحيث ما فقدت الحوت فاتبعه، فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بنُ نونٍ، ومعهما الحوتُ، حتى انتهيا إلى صخرةٍ فنزلا عندها، فوضع موسى عليه السلام رأسه فنام، قال سفيان: في غير حديث عمرو: وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة، لا يصيبُ شيءٌ من مائها شيئاً إلا حيي؛ فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسلَّ من المكتل، فدخل البحر، فلما استيقظ موسى {قَالَ لِفَتَٰهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} [62] قال: فلم يجد النَّصَبَ حتى جاوز ما أُمر به. فقال له فتاه يوشع بن نونٍ: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى/ ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ} [63] قال له موسى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [64] فرجعا يقصان آثارهما وجدا سربا في البحر كالطاق ممر الحوت، فكان لهما عجباً وللحوت سرباً، فلما انتهيا إلى الصخرة إذا هما برجلٍ مُسجًّى بثوبٍ، فسلم عليه موسى عليه السلام، قال: وأني بأرضك السلامُ؟ قال أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم قَالَ: {أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [66] قال له الخضر: يا موسى إنك على علم من علم الله علَّمكهُ اللهُ؛ وأنا على علمٍ من علمِ الله علمنيه الله لا تعلمه، قال: بل أَتَّبِعُكَ {قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَٱنْطَلَقَا} [70-71] يمشيان على السَّاحلِ فمرت بهم سفينةٌ فَعُرف الخضر فحملوهم في السفينة، فركبا، فوقع عُصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العُصفورُ منقاره. قال: فلم يفجأْ موسى إذ عمد الخضر إلى قدام السفينة فخرق السفينة فقال موسى: قوم حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَٱنْطَلَقَا} [71-74] فإذا هما بغلام يلعب مع الغلمانِ فأخذ الخضر رأْسه فقطعه، قال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} [74-77] فمرَّ الخضر بجدارٍ {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} [77] قال له موسى: إنا دخلنا / هذه القرية فلم يُطعمونا ولم يُضيفونا {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [77-78] قال: وقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وددنا أن موسى صبر حتى يُقصَّ علينا من أمرهما" تفسير : وكان ابنُ العباس يقرؤُها: ’’وكان أمامهم ملكٌ يأخذُ كلَّ سفينةٍ غصباً. وأما الغلامُ فكان كافراً‘‘ {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [64] 329 - أخبرني عمرانُ بنُ يزيد، نا إسماعيلُ بن عبد الله بن سماعة، عن الأوزاعي، قال أخبرني ابن شهابٍ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباسٍ، أنهُ تمارى هو والحُرُّ بن قيس حصنٍ الفزاريُّ في صاحب موسى. قال ابن عباسٍ: هو خضرٌ، فمرَّ بهما أُبي بن كعبٍ الأنصاريُّ، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريتُ وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقائهِ. هل سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شيئاً؟ قال: أي نعم. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : بينا موسى في ملإٍ من بني إسرائيل إذ جاءهُ رجل، فقال: هل تعلم أحداً أعلمُ منك؟. فقال موسى عليه السلام: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل موسى عليه السلام السبيل إلى لُقيه، فجعل الله له الحوتَ آيةً، وقيل: إذا فقدت الحوت، فارجع فإنك ستلقاه. فكان موسى عليه السلام يتبعُ أثر الحوت في البحر. قال فتى موسى لموسى: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [63] قال موسى عليه السلام: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا} [64-65] خضراً فكان من شأْنهما ما قص اللهُ في كتابِهِ ". تفسير : {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} [77] 330 - أنا محمدُ بنُ عليِّ / بن ميمونٍ، نا الفريابيُّ، نا إِسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، عن أُبي بن كعبٍ قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأَ بنفسه، فقال ذات يومٍ: "رحمةُ اللهِ علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبهِ لأبصر العجبَ العاجبَ، ولكنه قال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً}تفسير : [76]. ذيل التفسير قوله تعالى: [{إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} [76]] 15/ 750- (عن) أحمد بن خليل، (عن) حجَّاج بن محمد، (عن) حمزة الزيَّات، (عن) أبي إسحاق، (عن) سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيَّ بن كعب قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب العاجب، ولكنه قال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} ". تفسير : قوله تعالى: [ {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} [77]] 16/ 751- أنا محمد بن علي بن ميمون، نا الفِريابي، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن أُبيَّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} قال: "حديث : كانوا أهل قرية لِئاماً ".

همام الصنعاني

تفسير : 1693- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ}: [الآية: 60]، قال: بحر فارس وبحر الروم. 1694- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال: {حُقُباً}: [الآية: 60]، قال: زماناً. 1695- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خطب موسى بني إسرائيل فقال: ما أحدٌ أعلمَ بالله وبأمره مني، فأُمر أن يلقى هذا الرجل يعني الخضر.