Verse. 2201 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِہِمَا نَسِيَا حُوْتَہُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيْلَہٗ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا۝۶۱
Falamma balagha majmaAAa baynihima nasiya hootahuma faittakhatha sabeelahu fee albahri saraban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلما بلغا مجمع بينهما» بين البحرين «نسيا حوتهما» نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى تذكيره «فاتخذ» الحوت «سبيله في البحر» أي جعله بجعل الله «سربا» أي مثل السرب، وهو الشق الطويل لا نفاذ له، وذلك أن الله تعالى أمسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته منه.

61

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} الضمير في قوله: «بينهما» للبحرين؛ قاله مجاهد. والسَّرَب المسلك؛ قاله مجاهد أيضاً. وقال قتادة: جَمَد الماء فصار كالسَّرَب. وجمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغاً، وأن موسى مشى عليه متبعاً للحوت، حتى أفضى به الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها وجد الخضر. وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر. وقوله: «نسيا حوتهما» وإنما كان النسيان من الفتى وحده فقيل: المعنى؛ نسي أن يُعلِم موسى بما رأى من حاله فنسب النسيان إليهما للصحبة، كقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح، وقوله: {يا معشر الجِن والإنس ألم يأتِكم رسل مِنكم} وإنما الرسل من الإنس لا من الجن. وفي البخاري؛ فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلَّفتَ كبيراً؛ فذلك قوله عز وجل: {وإذ قال موسى لفتاه} يوشع بن نون ـ ليست عن سعيد ـ قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكانٍ ثَرْيَانَ إذ تضرَّب الحوتُ وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه؛ حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتَضَرَّبَ الحوتُ حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جِرْيَةَ البحرِ حتى كأنّ أثرَه في حَجَر؛ قال لي عمرو: هكذا كأنّ أثره في حَجَر وحَلَّقَ بين إبهاميه واللتين تَلِيانِهِما. وفي رواية: وأمسك الله عن الحوت جِرْية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبُه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} ولم يجد موسى النَّصَبَ حتى جاوز المكان الذي أمر الله به، فقال له فتاه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}. وقيل: إن النسيان كان منهما لقوله تعالى: «نسِيا» فنسب النسيان إليهما؛ وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسى لأنه الذي أمر به، فلما مضيا كان فتاه هو الحامل له حتى أويا إلى الصخرة نزلا؛ {فَلَمَّا جَاوَزَا} يعني الحوت هناك منسياً ـ أي متروكاً ـ فلما سأل موسى الغداء نسب الفتى النسيان إلى نفسه عند المخاطبة، وإنما ذكر الله نسيانهما عند بلوغ مجمع البحرين وهو الصخرة، فقد كان موسى شريكاً في النسيان؛ لأن النسيان التأخير؛ من ذلك قولهم في الدعاء: أنسأ الله في أجلِك. فلما مضيا من الصخرة أخّرا حوتهما عن حمله فلم يحمله واحد منهما، فجاز أن ينسب إليهما لأنهما مضيا وتركا الحوت. قوله تعالى: {آتِنَا غَدَآءَنَا} فيه مسألة واحدة، وهو اتخاذ الزاد في الأسفار، وهو ردٌّ على الصوفية الجهلة الأغمار، الذين يقتحمون المهامه والقِفار، زعماً منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار؛ هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه، وتوكله على رب العباد. وفي صحيح البخاري: إن ناساً من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزوّدون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى {أية : وَتَزَوَّدُواْ} تفسير : [البقرة: 197]. وقد مضى هذا في «البقرة». واختلف في زاد موسى ما كان؛ فقال ابن عباس: كان حوتاً مملوحاً في زنبيل، وكانا يصيبان منه غداء وعشاء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المِكتل، فأصاب الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل، فقلب المكتل وانسرب الحوت، ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى. وقيل: إنما كان الحوت دليلاً على موضع الخضر لقوله في الحديث: «حديث : احمل معك حوتاً في مِكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثَمَّ»تفسير : ، على هذا فيكون تَزوَّدا شيئاً آخر غير الحوت، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس واختاره. وقال ابن عطية: قال أبي رضي الله عنه، سمعت أبا الفضل الجوهريّ يقول في وعظه: مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بَشَر لحقه الجوع في بعض يوم. وقوله: «نَصَباً» أي تعباً، والنصب التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا الجوع، وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرضا، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط. وفي قوله: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} أن مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في «أنسانيه» وهو بدل الظاهر من المضمر، أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان؛ وفي مصحف عبد الله «وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان». وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار لقول موسى: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت؛ فقال: ما كَلَّفتَ كبيراً؛ فاعتذر بذلك القول. قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى؛ أي اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس. ويحتمل أن يكون قوله: «واتخذ سبيله في البحر» تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: «عجباً» لهذا الأمر. وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقّه الأيسر ثم حيي بعد ذلك. قال أبو شجاع في كتاب «الطبري»: رأيته ـ أتيت به ـ فإذا هو شقّ حوت وعين واحدة، وشق آخر ليس فيه شيء. قال ابن عطية: وأنا رأيته والشقّ الذي ليس فيه شيء عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة. ويحتمل أن يكون قوله: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ} إخباراً من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجباً، أي تعجب منه، وإمّا أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجباً للناس. ومن غريب ما روي في البخاريّ عن ابن عباس من قصص هذه الآية: أن الحوت إنما حَيِيَ لأنه مسّه ماء عين هناك تدعى عين الحياة، ما مست قط شيئاً إلا حَيِيَ. وفي «التفسير»: إن العلامة كانت أن يحيا الحوت؛ فقيل: لما نزل موسى بعد ما أجهده السفر على صخرة إلى جنبها ماء الحياة أصاب الحوت شيء من ذلك الماء فَحَيِيَ. وقال الترمذي في حديثه قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها شيئاً إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه فلما قطر عليه الماء عاش. وذكر صاحب كتاب «العروس» أن موسى عليه السلام توضأ من عين الحياة فقطرت من لحيته على الحوت قطرة فحيي؛ والله أعلم. قوله تعالى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِى} أي قال موسى لفتاه أمرُ الحوت وفقدُه هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثَمَّ؛ فرجعا يقصّان آثارهما لئلا يخطئا طريقهما. وفي البخاري: فوجدا خضراً على طنْفِسة خضراء على كَبِد البحر مُسَجًّى بثوبه، قد جعل طَرفَه تحت رجليه، وَطَرفه تحت رأسه، فسلّم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك من سلام؟ٰ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتُ لتعلّمني مما علّمت رشدا؛ الحديث. وقال الثعلبيّ في كتاب «العرائس»: إن موسى وفتاه وجدا الخضر وهو نائم على طِنْفِسة خضراء على وجه الماء وهو مُتَّشِح بثوب أخضر فسلّم عليه موسى، فكشف عن وجهه فقال: وأَنَّى بأرضنا السلام؟ٰ ثم رفع رأسه واستوى جالساً وقال: وعليك السلام يا نبيّ بني إسرائيل، فقال له موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أنّي نبيّ بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراك بي ودَلَّك عليّ؛ ثم قال: يا موسى لقد كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى: إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك، ثم جلسا يتحدّثان، فجاءت خُطَّافة وحملت بمنقارها من الماء؛ وذكر الحديث على ما يأتي. قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} العبد هو الخضر عليه السلام في قول الجمهور، وبمقتضى الأحاديث الثابتة. وخالف من لا يعتد بقوله، فقال: ليس صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر. وحكى أيضاً هذا القول القشيريّ، قال: وقال قوم هو عبد صالح، والصحيح أنه كان الخضر؛ بذلك ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله. وروى الترمذيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما سُمّي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء» تفسير : هذا حديث صحيح غريب. الفروة هنا وجه الأرض؛ قاله الخطّابي وغيره. والخضر نبيّ عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير نبيّ، والآية تشهد بنبوّته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي. وأيضاً فإن الإنسان لا يتعلم ولا يَتَّبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبيّ من ليس بنبيّ. وقيل: كان مَلَكاً أمر الله موسى أن يأخذ عنه مما حمله من علم الباطن. والأوّل الصحيح؛ والله أعلم. قوله تعالى: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} الرحمة في هذه الآية النبوة. وقيل: النعمة. {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} أي علم الغيب. ابن عطية: كان علم الخضر علم معرفة بواطن قد أوحيت إليه، لا تُعطى ظواهرُ الأحكام أفعاله بحسبها؛ وكان علم موسى علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } بين البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا } نسي يوشع حَمْلَه عند الرحيل،ونسي موسى تذكيره {فَٱتَّخَذَ } الحوت {سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ } أي جعله بجعل الله {سَرَباً } أي مثل السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ له، وذلك أن الله تعالى أمسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوَّة لم يلتئم وجَمَدَ ما تحته منه.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {بينهما} للبحرين، قاله مجاهد، وقيل هو لموسى والخضر، والأول أصوب، وقرأ عبيد الله بن مسلم "مجمِع" بكسر الميم الثانية، وقال {نسيا} وإنما كان النسيان من الفتى وحده، نسي أن يعلم موسى بما رأى من حاله من حيث كان لهما زاداً، وكانا بسبب منه فنسب فعل الواحد فيه إليهما، وهذا كما تقول فعل بنو فلان لأمر إنما فعله منهم بعض، وروي في الحديث أن يوشع رأى الحوت قد حش من المكتل إلى البحر فرآه قد اتخذ السرب، وكان موسى نائماً فأشفق أن يوقظه، وقال أوخر حتى يستيقظ، فلما استيقظ نسي يوشع أن يعلمه، ورحلا حتى جاوزا "والسبيل": المسلك و"السرب": المسلك في جوف الأرض، فشبه به مسلك الحوت في الماء حين لم ينطبق الماء بعده، بل بقي كالطاق وهذا الذي ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاله جمهور المفسرين أن الحوت بقي موضع سلوكه فارغاً، وقال قتادة، صار موضع سلوكه حجراً صلداً. وقال ابن زيد إنما اتخذ {سبيله سرباً} في البر حتى وصل إلى البحر ثم عام على العادة. قال القاضي أبو محمد: وهؤلاء يتأولون {سرباً} بمعنى تصرفاً وجولاناً من قولهم فحل سارب، أي مهمل يرعى حيث شاء، ومنه قوله تعالى: {أية : وسارب بالنهار} تفسير : [الرعد: 10]، أي متصرف وقالت فرقة اتخذ {سرباً} في التراب من المكتل إلى البحر، وصادف في طريقه حجراً فثقبه، وظاهر الأمر أن السرب، إنما كان في الماء، ومن غريب ما روي في البخاري عن ابن عباس من قصص هذه الآية أن الحوت إنما حيي لأنه مسه ماء عين هنالك تدعى عين الحياة ما مست قط شيئاً إلا حيي، ومن غريبه أيضاً أن بعض المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجراً طريقاً، وأن موسى مشى عليه متبعاً للحوت حتى أفضى ذلك الطريق إلى الجزيرة في البحر وفيها وجد الخضر، وظاهر الروايات والكتاب أنه إنما وجد الخضر في ضفة البحر، يدل على ذلك قوله تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصاً} وروي في قوله {فلما جاوزا} أن موسى عليه السلام نزل عند صخرة عظيمة في ضفة البحر، فنسي يوشع الحوت هنالك، ثم استيقظ موسى ورحلا مرحلة بقية الليل وصدر يومهما، فجاع موسى ولحقه تعب الطريق، فاستدعى الغداء، قال أبي رضي الله عنه سمعت أبا الفضل الجوهري يقول في وعظه مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام، ولما مشى إلى بشر لحقه الجوع في بعض يوم، و"النصب" التعب والمشقة، وقرأ عبد الله بن عبيد بن عمير "نُصُباً" بضم النون والصاد، ويشبه أن يكون جمع نصب وهو تخفيف نصب وقوله {أرأيت} الآية حكى الطبري عن فرقة أنهة قالت الصخرة هي الشام عند نهر الذيب، وقد تقدم ذكر الخلاف في موضع هذه القصة، وقوله {نسيت الحوت} يريد نسيت ذكر ما جرى فيه لك، وأما الكسائي وحده "أنسانيه"، وقرأت فرقة "أنسانيه" وقرأ ابن كثير في الوصل "أنسانيهي" بياء بعد الهاء، وفي مصحف عبد الله بن مسعود "وما أنسانيه أن أذكركه إلا الشيطان". وقوله {أن أذكره} بدل من {الحوت} بدل اشتمال، وقوله {واتخذ سبيله في البحر عجباً} يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى أي اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس، ويحتمل أن يكون قوله {واتخذ سبيله في البحر} تام الخبر، فاستأنف التعجب فقال من قبل نفسه: {عجباً} لهذا الأمر، وموضع العجب أن يكون حوت قد مات وأكل شقه الأيسر ثم حيي بعد ذلك، قال أبو شجاع في كتاب الطبري رأيته، أتيت به فإذا هو شقة حوت، وعين واحدة وشق آخر ليس فيه شيء. قال القاضي أبو محمد: وأنا رأيته والشق الذي فيه شيء عليه قشرة رقيقة يشق تحتها شوكة وشقه الآخر، ويحتمل أن يكون قوله {واتخذ سبيله} الآية إخبار من الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البرح عجباً أي تعجب منه، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجباً للناس، وقرأ أبو حيوة "واتخاذ سبيله" فهذا مصدر معطوف على الضمير في {أذكره}، وقوله تعالى: {قال ذلك} الآية، المعنى قال موسى لفتاه أمر الحوت وفقده هو الذي كنا نطلب، فإن الرجل الذي جئنا له ثم، فرجعا يقصان أثرهما لئلا يخطئان طريقهما، وقرأ الجمهور "نبغي" بثبوت الياء، وقرأ عاصم وقوم "نبغ" دون ياء، وكان الحسن يثبتها إذا وصل ويحذفها إذا وقف، و"قص الأثر" اتباعه وتطلبه في موضع خفائه، و"العبد" هو الخضر في قول الجمهور بمقتضى الأحاديث، وخالف من لا يعتد بقوله فقال ليس، صاحب موسى بالخضر بل هو عالم آخر، والخضر نبي عند الجمهور، وقيل هو عبد صالح غير نبي، والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي الله، وروي في الحديث أن موسى عليه السلام وجد الخضر مسجى في ثوبه مستلقياً على الأرض فقال له السلام عليك، فرفع الخضر رأسه وقال وأنى بأرضك السلام؟ ثم قال له من أنت؟ قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم، قال له ألم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفر إلى هنا؟ قال بلى، ولكني أحببت لقاءك، وأن أتعلم منك، قال له إني على علم من علم الله علمنيه، لا تعلمه أنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه أنا. قال القاضي أبو محمد: كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها. وكان علم موسى عليه السلام علم الأحكام والفتيا بظاهر أقوال الناس وأفعالهم. وروي أن موسى وجد الخضر قاعداً على تيح البحر، وسمي الخضر خضراً لأنه جلس على فروة يابسة فاهتزت تحته خضراء، روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، و"الرحمة" في هذه الآية النبوءة، وقد ذكرنا الحديث المضمن أن سبب هذه القصة أن موسى عليه السلام، قيل له تعلم أحداً أعلم منك، قال: لا، وحكى الطبري حديثاً آخر، مضمنه: أن موسى عليه السلام قال: من قبل نفسه: أي رب، أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة خير تهديه، قال رب فهل في الأرض أحد؟ قال نعم فسأل السبيل إلى لقيه، والحديث الأول في صحيح البخاري، وقرأ الجمهور "من لدنّا" بتشديد النون وقرأ أبو عمرو من "لدُنا" بضم الدال وتخفيف النون، قال أبو حاتم هما لغتان.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} إفريقية {نَسِيَا حُوتَهُمَا} عبّر بالنسيان عن ضلاله عنهما لما اتخذ سبيله في البحر، أو غفلا عنه فنسي يوشع ونسي موسى أن يأمر فيه بشيء، أو نسيه يوشع وحده فأضيف إليهما كما يقال نسي القوم أزوادهم إذا نسيها أحدهم {فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ} أحيا الله ـ تعالى ـ الحوت فطفر إلى البحر فاتخذ طريقه فيه {سَرَباً} مسلكاً، أو يبساً، أو عجباً.

النسفي

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } مجمع البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا } أي نسي أحدهما ــ وهو يوشع ــ لأنه كان صاحب الزاد دليله{ فإني نسيت الحوت} وهو كقولهم«نسوا زادهم» وإنما ينساه متعهد الزاد. قيل: كان الحوت سمكة مملوحة فنزلا ليلة على شاطئ عين الحياة ونام موسى. فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده عاشت ووقعت في الماء {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ } أي اتخذ طريقاً له من البر إلى البحر {سَرَباً } نصب على المصدر أي سرب فيه سرباً يعني دخل فيه واستر به{فَلَمَّا جَاوَزَا } مجمع البحرين ثم نزلا وقد سارا ما شاء الله {قَالَ } موسى {لِفَتَـٰهُ ءاتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً } تعبا ولم يتعب ولا جاع قبل ذلك {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } هي موضع الموعد {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ } ثم اعتذر فقال: {وَمَا أَنْسَانِيهُ } وبضم الهاء: حفص {إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ } بإلقاء الخواطر في القلب {أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل من الهاء في {أنسانيه} أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } وهو أن أثره بقي إلى حيث سار {قَالَ ذٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } نطلب. وبالياء: مكي، وافقه أبو عمرو وعلي ومدني في الوصل، وبغير ياء فيهما: غيرهما اتباعاً لخط المصحف و{ذلك} إشارة إلى اتخاذه سبيلاً أي ذلك الذي كنا نطلب لأن ذهاب الحوت كان علماً على لقاء الخضر عليه السلام {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا } فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه {قَصَصًا } يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً. قال الزجاج: القصص اتباع الأثر {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } أي الخضر راقداً تحت ثوب أو جالساً في البحر { ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} هي الوحي والنبوة أو العلم أو طول الحياة {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } يعني الإخبار بالغيوب. وقيل: العلم اللدني ما حصل للعبد بطريق الإلهام. {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } أي علماً ذا رشد أرشد به في ديني {رشَدا} أبو عمرو وهما لغتان كالبخل والبخل، وفيه دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وأن كان قد بلغ نهايته وإن يتواضع لمن هو أعلم منه .

الخازن

تفسير : {فلما بلغا} يعني موسى وفتاه {مجمع بينهما} أي بين البحرين {نسيا} أي تركا {حوتهما}. وإنما كان الحوت مع يوشع بن نون، وهو الذي نسيه وإنما أضاف النسيان إليهما تزواده لسفرهما وقيل المراد من قوله نسيا حوتهما أي نسيا كيفيه الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول للمطلوب. {فاتخذ} أي الحوت {سبيله في البحر سرباً} أي مسلكاً. وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال "حديث : أنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر"تفسير : . قال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى صخرة، وقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الضد وهو قوله سبحانه وتعالى {فلما جاوزوا} يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين {قال} يعني موسى {لفتاه آتنا غداءنا} أي طعامنا {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} أي تعباً وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع في طلبه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } الضمير في {بَيْنِهِمَا}: للبحرين، قاله مجاهد، وفي الحديث الصحيح: "ثُمَّ انْطَلَقَ، وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى أَتيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُؤُوَسَهُما، فَنَامَا، واضْطَربَ الحُوتُ في المكتلِ، فَخَرجَ مِنْهُ فَسَقَط في البَحْرِ، واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَباً، أي: مسلكاً في جوفِ الماءِ، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخبَرَهُ بالحُوتِ، فانْطَلَقَا بَقَّيِة يَوْمِهَما، ولَيْلَتِهِما حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قال موسى لفتاه: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً } ويعني بـ «النصب» تعب الطريق، قال: ولم يجدْ موسى النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ المَكَان الذي أمره اللَّه به، قال له فتاه: {أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ }، يريد: ذكر ما جرى فيه، {وَمَا أَنسَانِيهُ}، أي أن أذكره {إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ }، و{ٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَبًا} قال: فكان للحوتِ سَرَباً ولموسى وفتاه عَجَباً، فقال موسَى: {ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا }، قال: فرجعا يَقُصَّان آثارهما حَتَّى انتهيا إلى الصخرة، فإِذا رجُلٌ مُسَجَّى بثوبٍ، فسَلَّم عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأَنَّى بأرضِكَ السَّلاَمَ قال: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسُرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعْم، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَني ممَّا عُلِّمْتَ رُشْداً، {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } يعني: لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي لأن الظواهر التي هي عِلْمُكَ لا تعطيه، وكيف تُصْبِرُ على ما تراه خطأً، ولم تُخْبَرْ بوجه الحكمة فيه؟ يا موسى، إني على علْمٍ من علْمِ اللَّه، علَّمنيه لا تَعْلَمُه، يريد: علْم الباطنِ، وأنْتَ على علْمٍ من علمِ اللَّه علَّمكه اللَّه، لا أعلمه، يريد: علْمَ الظاهرِ، فقال له موسى: {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً }، فقال له الخضر: {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْنِي عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً }، أي: حتى أشرح لك ما ينبغي شرْحُه، فانطلقا يمشيَانِ على ساحل البَحْرِ، فمرت بهم سفينةٌ، فكلَّموهم أنْ يحملوهم، فعرفوا الخَضِرَ، فحملوهم بغَيْر نَوْلٍ، يقول: بغير أجْر، فلما ركبا في السفينة، لم يُفْجَأْ موسى إِلاَّ والخَضِرُ قد قلع لَوْحاً من ألواح السفينة بالقَدُومِ، فقال له موسى؛ قومٌ حملونا بغير نَوْلٍ، عَمِدْتَّ إلى سفينتهم، فخرقْتَها لتغرق أهلها، {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا }، أي شنيعاً من الأمور، وقال مجاهد: الإِمْرُ المُنْكَر، {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} قال أَبَيُّ بْنُ كعب، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « فكانَتِ الأُولى مِنْ مُوسَى نِسْيَاناً، قال: وَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نُقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ما عِلْمِي وعلْمُكَ مِنْ عِلْم اللَّهِ إِلاَّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ»، وفي رواية: « واللَّهِ، مَا عِلْمِي وعِلْمُكَ في جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ كما أَخَذَ هَذَا الطَّائِرُ بِمنْقَارِهِ من البَحْر »، وفي رواية:« مَا عِلْمي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلاَئِقِ في عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هذا العُصْفُورُ منقاره ». قال * ع *: وهذا التشبيهُ فيه تجوُّز؛ إِذ لا يوجد في المحْسُوسَات أقوى في القِلَّة من نقطة بالإِضافة إلى البحر، فكأنها لا شَيْءَ، ولم يتعرَّض الخَضِرُ لتحرير موازَنَةٍ بين المِثَال وبَيْنَ عِلْم اللَّه تعالى، إِذ علمه سبحانه غير متناهٍ، ونُقَطُ البحر متناهيةٌ، ثم خَرَجَ من السفينة، فبينما هما يَمْشِيَانِ على السَّاحل، إذ أبصر الخضرُ غُلاَماً يَلْعَبُ مع الغْلمَان، فأخذ الخَضِرُ رَأْسَهُ بيده، فاقتلعه فَقَتَلَهُ، فقال له موسى: أقتلت نفساً زاكية. قال * ع *: قيل: كان هذا الغلامُ لم يبْلُغ الحُلْم، فلهذا قال موسى: نَفْساً زاكية، وقالت فرقة: بل كان بالغاً. وقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ } يقتضي أنه لو كان عَنْ قَتْلِ نفْسٍ، لم يكن به بأْسٌ، وهذا يدلُّ على كِبَرِ الغلامِ، وإِلا فلو كان لم يحتلم، لم يجبْ قتله بَنَفْس ولا بغير نفْس. * ت *: وهذا إِذا كان شَرْعُهم كَشَرْعنا، وقد يكونُ شرعهم أنَّ النفْسَ بالنفْسِ عموماً في البالغ وغيره، وفي العَمْد والخطأ؛ فلا يلزم من الآية ما ذَكَرَ. وقوله: {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } معناه: شيئاً ينكر قال * ع *: ونصف القرآن بِعَدِّ الحروف. انتهى إلى النون من قوله: {نُّكْراً }.

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا} الفاءُ فصيحة كما أشير إليه {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي مجمعَ البحرين، وبـينِهما ظرفٌ أضيف إليه اتساعاً أو بمعنى الوصل {نَسِيَا حُوتَهُمَا} الذي جُعل فقدانُه أمارةَ وُجدانِ المطلوب أي نسيا تفقّد أمره وما يكون منه، وقيل: نسي يوشع أن يقدّمه وموسى عليه السلام أن يأمره فيه بشيء، روي أنهما لما بلغا مجمع البحرين وفيه الصخرةُ وعينُ الحياة التي لا يصيب ماؤها ميْتاً إلا حيِـيَ وضعا رؤوسَهما على الصخرة فناما فلما أصاب الحوتَ بردُ الماء ورَوحُه عاش، وقد كانا أكلا منه وكان ذلك بعد ما استيقظ يوشع عليه السلام، وقيل: توضأ عليه السلام من تلك العينِ فانتضح الماءُ على الحوت فعاش فوقع في الماء {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً} مسلَكاً كالسرب وهو النفق، قيل: أمسك الله عز وجل جريةَ الماء على الحوت فصار كالطاق عليه معجزةً لموسى أو للخضر عليهما السلام، وانتصابُ سَرباً على أنه مفعولٌ ثانٍ لاتخذ وفي البحر حال منه أو من السبـيل ويجوز أن يتعلق باتخذ. {فَلَمَّا جَاوَزَا} أي مجمعَ البحرين الذي جُعل موعداً للملاقاة، قيل: أدلجا وسارا الليلةَ والغدَ إلى الظهر وأُلقي على موسى عليه السلام الجوعُ فعند ذلك {قَالَ لِفَتَـٰهُ ءاتِنَا غَدَاءنَا} أي ما نتغدى به وهو الحوتُ كما ينبىء عنه الجواب {لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا} إشارةٌ إلى ما سارا بعد مجاوزةِ الموعد {نَصَباً} تعباً وإعياءً، قيل: لم ينصَبْ ولم يجُعْ قبل ذلك، والجملةُ في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء إما باعتبار أن النصَبَ إنما يعتري بسبب الضعفِ الناشىء عن الجوع وإما باعتبار ما في أثناء التغدي من استراحة ما.

اسماعيل حقي

تفسير : {فلما بلغا} قال الكاشفى [موسىا عليه السلام فرمودكه اى يوشع توبامن موافقت نماى درطلب اين بنده صالح يوشع فرمود آرى من بتو موافقم ورفاقت تومغتنم مى شمارم شعر : خوشست آوراكى آنراكه همراهى جنين باشد تفسير : بس يوشع عليه السلام تهى جندان وما هى برداشته باتفاق موسى روانه شد] والفاء فصيحة اى فذهب موسى ويوشع يمشيان فلما بلغا {مجمع بينهما} بينهما ظرف اضيف له اتساعا فالمعنى مكانا يكاد يلتقى وسط ما امتد من البحرين طولا. قال الكاشفى [بمجمع كه ميان دو درياست آنجا بر صحره بركنار جشمه حيات بود نشستند موسى عليه السلام درخواب رفته بود ويوشع دران جشمه وضو ساخت وقطره برآن ماهى بريان جكيد فى الحال زنده شد روى بدريا نهاد ويوشع متحيرشد وموسى ازخواب در آمده تفقد حال يوشفع وما هى تنموده روى براه نهاد وازغايت تعجيل سفر] {نسيا حوتهما} الذى جعل فقدانه امارة وجدان المطلوب اى نسى موسى تذكر الحوت لصاحبه وصاحبه نسى الاخبار بامره فلا يخالفه ما فى حديث الصحيحين من اسناد النسيان الى صاحبه وفى الاسئلة المقحمة كانا جميعا قد زوداه لسفرهما فجاز اضافة ذلك اليهما وان كان الناسى احدهما وهو يوشع يقال خرج القوم وحملوا معهم الزاد وانما حمله بعضهم {فاتخذ} الحوت. ان قلت كيف اتى بالفاء وذهاب الحوت مقدم على النسيان. قلت الفاء فصيحة ولا يلزم ان يكون المعطوف عليه الذى يفصح عنه الفاء معطوفا على نسيا بالفاء بل بالواو والتقدير وحيى الحوت فسقط فى البحر فاتخذ {سبيله} اى طريق الحوت {فى البحر سربا} مفعول ثان لاتخذ وفى البحر حال منه اى مسلكا كالسرب وهو بيت فى الارض وثقب تحتها وهو خلاف النفق لانه اذا لم يكن له منفذ يقال له سرب واذا كان له منفذ يقال له نفق وذلك ان الله تعالى امسك جرية الماء علىالحوت فصار كالطاق عليه وهو ما عقد من اعلى البناء وبقى ما تحته خاليا يعنى انه انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم تلتئم هكذا فسر النبى صلى الله عليه وسلم هذا المقام كما فى حديث الصحيحين. وبالفارسية [سربا مثل سردابه كه درانتوان رفت هرجا كه ما هى بريان المفسرين كالقاضى ومن يتبعه سربا اى مسلكا يسلك فيه ويذهب من قوله {أية : وسارب بالنهار}تفسير : وهو الذاهب على وجهه فى الارض.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {بينهما}: ظرف مضاف إليه؛ اتساعًا، أو بمعنى الوصل، و {سَرَبًا}: مفعول ثان لاتخذ، و {إذ أوينا}: متعلق بمحذوف، أي: أخبرني ما دهاني حين أويتُ إلى الصخرة حتى لم أخبرك بأمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره. و {أن أذكره}: بدل من الهاء في {أنسانيه}؛ بدل اشتمال؛ للمبالغة، و {عجبًا}: مفعول ثان لاتخذ، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: {في البحر}، ثم ابتدأ التعجب فقال: {عجبًا} أي: أَعْجَبُ عَجَبًا، وهو بعيد. قاله ابن جزي. قلت: وهذا البعيد هو الذي ارتكب الهبطي. و {قصصًا}: مصدر، أي: يقصان قصصًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: ثم إن موسى ويوشع - عليهما السلام - حملا حوتًا مشويًا وخُبزًا، وسارا يلتمسان الخضر، {فلما بلغا مَجْمَعَ بينهما}؛ بين البحرين، أو مجمع وصل بعضهما ببعض، وجدا صخرة هناك، وعندها عين الحياة، لا يصيب ذلك الماءُ شيئًا إلا حَيِيَ بإذن الله، وكانا وَصَلاَ إليها ليلاً، فناما، فلما أصاب السمكة رَوْحُ الماء وبردُه اضطرب في المِكْتَلِ، ودخل البحر، وقد كانا أَكَلاَ منه، وكان ذلك بعد استيقاظ يوشع، وقيل: توضأ عليه السلام من تلك العين، فانتضح الماء على الحوت، فحيى ودخل البحر، فاستيقظ موسى، وذهبا، و {نَسِيَا حوتَهما} أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه، أو نسي يوشع أن يعلمه، وموسى عليه السلام أن يأمر فيه بشيء، {فاتخذ} الحوت {سبيله} أي: طريقه {في البحر سَرَبًا}؛ مسلكًا كالطّاق، قيل: أمسك الله جرية الماء على الحوت فجمد، حتى صار كالطاق في الماء؛ معجزة لموسى أو الخضر - عليهما السلام -. فلما جاوزا مجمع البحرين، الذي جُعل موعدًا للملاقاة، وسارا بقية ليلتهما ويومهما إلى الظهر، وجد موسى عليه السلام حَرَّ الجوع، فـ {قال لفتاه آتنا غداءنا} أي: ما نتغدى به، وهو الحوت، كما يُنبئ عنه الجواب، {لقد لَقِينا من سفرنا هذا نصبًا}: تعبًا وإعياء. قيل: لم يَنْصَبْ موسى ولم يَجُعْ قبل ذلك، ويدل عليه الإتيان بالإشارة، وجملة {لقد لقينا}: تعليل للأمر بإيتاء الغذاء، إما باعتبار أن النَّصَب إنما يعتري بسبب الضعف الناشئ عن الجوع، وإمَّا باعتبار ما في أثناء التغذي من استراحة مَّا. {قال} فتاه عليه السلام: {أرأيت إذ أوينا إِلى الصخرة} أي: التجأنا إليها ونِمنا عندها، {فإني نسيتُ الحوت} أي: أخبرني ما دهاني حتى لم أذكر لك أمر الحوت، فإني نسيتُ أن أذكر لك أمره، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه من النسيان، مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، {وما أنسانيهُ إِلا الشيطانُ} بوسوسته الشاغلة له عن ذلك، {أن أذكره}، ونسبته للشيطان؛ هضمًا لنفسه، واستعمال الأدب في نسبة النقائص إلى الشيطان، وإن كان الكل من عند الله. وهذه الحالة، وإن كانت غريبة لا يعهد نسيانها، لكنه قد تعَوَدَّ بمشاهدة أمثالها من الخوارق مع موسى عليه السلام، وأَلِفَهَا قبل اهتمامه بالمحافظة عليها، أو لاستغراقه وانجذاب سره إلى جناب القدس، حتى غاب عن الإخبار بها. {قلت}: والظاهر أن نسيانه كان أمرًا إلهياً قهريًا بلا سبب، وحكمتُه ما لقي من النصب؛ لتعظُم حلاوة العلم الذي يأخذه عن الخضر عليه السلام، فإن المُساق بعد التعب ألذ من المساق بغير تعب، ولذلك: "حفت الجنة بالمكاره". ثم قال: {واتخذ} الحوتُ {سبيلَه في البحر عَجَبًا}، فيه حذف، أي فحيى الحوت، واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجبًا، أو اتخاذًا عجبًا يُتعجب منه، وهو كون مسلكه كالطاق، {قال} موسى عليه السلام: {ذلك ما كنا نبغ} أي: ذلك الذي ذكرت من أمر الحوت هو الذي كُنا نطلبه؛ لكونه أمارة للفوز بالمرام، {فارتدَّا} أي: رجعا {على} طريقهما الذي جاءا منه، يَقُصَّان. يتبعان {آثارِهما قَصَصًا}، حتى أتيا الصخرة {فوجدا عبدًا من عبادنا}، التنكير؛ للتفخيم والإضافة؛ للتعظيم، وهو الخضر عليه السلام عند الجمهور، واسمه: بَلْيَا بن مَلْكَان يُعْصوا، والخضر لقب له؛ لأنه جلس على فروةٍ بيضاء فاهتزّت تحته خضراء، كما في حديث أبي هريرة - عنه - صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: سمي خضرًا؛ لأنه كان إذا صلى خضر ما حوله، ثم قال: وهو ابن عابر بن شالِخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكًا. هـ. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قصة الخضر، فقال: حديث : كان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فأبى وهرب، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليهتفسير : . قيل إنه شرب من عين الحياة؛ فمُتع بطول الحياة. رُوِيَ أن موسى عليه السلام حين انتهى إلى الصخرة رأى الخضر عليه السلام على طنْفَسَةٍ - أي: بساط - على وجه الماء، فسلم عليه. وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: حديث : انتهى موسى إلى الخضر، وهو نائم مُسَجى عليه ثوب، فسلَّمَ عليه فاستوى جالسًا، وقال: عليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال موسى: من أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ قال: الذي أدراكَ بي، ودلك عليَّ تفسير : . قال تعالى في حق الخضر: {آتيناه رحمةً من عندنا}، هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سر الخصوصية، وهي الولاية. {وعلَّمناه من لَّدُنَّا عِلْمًا} خاصًا، لا يكتنه كُنْهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة، أو علم الذات والصفات، علمًا حقيقيًا. فالخضر عليه السلام قيل: إنه نبي؛ بدليل قوله فيما يأتي: {وما فعلته عن أمري}، وقيل: وَلِيٌّ، واخْتلف: هل مات، أو هو حي؟ وجمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته. والله تعالى أعلم. الإشارة: إنما صار الحوت دليلاً لسيدنا موسى عليه السلام بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لَمَّا أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالاً على الله، وإمامًا يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إمامًا ودليلاً موصلاً إليه، ويَظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطَّاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرًا لحاله في تلك القصة. قاله في الحاشية بمعناه. وقال قبل ذلك في قوله: واتخذ سبيله في البحر عَجَبًا: أي اتخذ الحوتُ، وجوِّزَ كونُ فاعلِ (اتخذ): موسى، أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا وخرقَ عادةٍ؛ بأن مشى على الماء في طريق الحوت، حتى وجد الخضر على كبد البحر. ثم قال: وعلى الجملة: فالقضية تشير من جهة الخضر: للاقتدار وإسقاط الأسباب، ومن جهة موسى: لإثبات الأسباب؛ حكمة، وحالة الاقتدار أشرف، وصاحب الحكمة أكمل ونفعه عام، بخلاف الآخر، فإن نفعه خاص. هـ. وقوله تعالى: {وعلّمناه من لدُنَّا علمًا}، العلم اللدني: هو الذي يفيض على القلب من غير اكتساب ولا تعلم، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللهُ علمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"تفسير : . وذلك بعد تطهير القلب من النقائص والرذائل، وتفرغه من العلائق والشواغل، فإذا كمل تطهير القلب، وانجذب إلى حضرة الرب، فاضت عليه العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، منها ما تفهمها العقول وتدخل تحت دائرة النقول، ومنها ما لا تفهمها العقول ولا تحيط بها النقول، بل تُسلم لأربابها، من غير أن يقتدى بهم في أمرها، ومنها ما تفيض عليهم في جانب علم الغيوب؛ كمواقع القدر وحدوث الكائنات المستقبلة، ومنها ما تفيض عليهم في علوم الشرائع وأسرار الأحكام، ومنها في أسرار الحروف وخواص الأشياء، إلى غير ذلك من علوم الله تعالى. وبالله التوفيق. ثمَّ تمَّم قصتهما بعد التقائهما

الجنابذي

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} تركاه غفلة منه او نسيا امره حين حيي ودخل البحر ونسى يوشع (ع) ان يخبر موسى (ع) بأمره وقد كان علامة لقائه العالم حياة الحوت المملوح كما سيجيء الاشارة اليه، ونسبة النّسيان اليهما مع انّه كان من يوشع (ع) من باب التّغليب وهو تغليبٌ شائعٌ كثيرٌ غالبٌ على لسان العرف {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} سلوكاً او سالكاً، مصدر من غير لفظ الفعل او حال، وقد اختلف الاخبار اختلافاً كثيراً فى ذكر الحوت وكونه علامة للوصول الى العالم وكيفيّة حياته وانفلاته الى البحر وكيفيّة نسيانه، والسّرّ فى اختلافهما الاشعار بالتّأويل وانّ صورة التّنزيل عنوان لحقيقة التّأويل فأن تنزيله كما يستفاد من مجموع الاخبار ما حاصله انّ موسى (ع) قال لجبرئيل (ع) باىّ علامة اعرف الوصول الى مجمع البحرين؟ - قال: آيتك ان تحمل معك حوتاً فاذا انتعش وحيى دلّك على وصولك فحملا حوتاً وسارا ومرّا برجلٍ ولم يعرفاه فقام موسى (ع) يصلّى واخرج يوشع (ع) الحوت ووضعه على حجرٍ فحيى او غسّله فى ماء عين الحيوان فحيى وافلت من يده ودخل البحر، او قطر قطرة فى المكتل فاصابه وحيى ونسي يوشع (ع) ان يخبر موسى (ع) او تركاه على الصّخرة وسارا من ذلك الموضع.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا} موسى وفتاه. {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أى مجمع بين البحرين وإضافة مجمع إلى الظرف وهو بين إنما هى اتساع وذكر بين إنما هو تأكيد والأصل: فلما بلغا مجمعهما أى مجمع البحرين ولك أن تقول إضافة بيان وإضافة عام لخاص وإن بين هنا ليس ظرفا بل مصدر بمعنى الوصل وأن تقول مجمع مصدر وبين ظرف أو مصدر بمعنى الفصل. {نَسِيَا حُوتَهُمَا} فمضيا ولم يحمله يوشع كعادته ولم يخطر ببال موسى فيقول له: هل حملته فالنسيان واقع عَلَى نفس الحوت وكذا إن قلنا: إن يوشع نسيه ورآه موسى متروكا فى موضعهما أو معدوما من محمله أو نسيا أن يذكر فيه يوشع. وقيل: نسى موسى أن يطلبه ويتعرف حاله ونسى يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه فى البحر. وقيل: الناسى يوشع وأضيف النسيان إليهما تزوداه لسفرهما وقيل: حكم على المجموع لا على الجميع. وقيل: نسيا أمر حوتهما وهو أنه حيث يفقد فثَم الخضر. والمعنى: أن هذه العلامة التى نصبها الله الرحمن الرحيم له لم تخطر بباله حين بلغا المجمع. ويجوز أن يكون النسيان الترك فليس مقابل الحفظ لكنه على غير عمد كما تقول: زيد حيوان وتريد من جملة الحيوان الناطق. {فَاتَّخَذَ} الحوت بعد أن حيى وانقلب إلى البحر. {سَبِيلَهُ} مفعول أول. {فىِ الْبَحْرِ} متعلق باتخذ أو بمحذوف حال من سبيل أو من المفعول الثانى وهو قوله: {سَرَباً}. ويجوز كون اتخذ متعديا لواحد وسربا حال من سبيل وهو مسلك يسلكه من مشى فيه ولا يغرق لأن الله سبحانه أمسك الماء عن موضع سلوكه وكان واسعا وعاليا بقدر ما يمشى فيه الإنسان ولم يلتم كما رواه كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يكون السرب بمعنى الموضع المتجوف المستطيل كما يحفر فى الأرض غير جهة السفل. روى عن ابن عباس: حديث : اضطرب الحوت فى الطين وتسحَّب حتى وقع فى الماء وجعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة . تفسير : وعن ابن عباس عن أُبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت فى المكتل وخرج منه فسقط فى البحر واتخذ سبيله فيه سربا . تفسير : وعن قتادة: رد الله تعالى على الحوت روحه فخرج من المكتل حتى أفضى إلى البحر فجعل لا يسلك مكانا إلا صار جامدا طريقا يبسا. وعن الكلبى: توضأ يوشع بن نون من عين الحياة عند الصخرة ولا علم له بأنه عين الحياة فانتضح على الحوت المكتل ماء من ذلك فحيى فخرج منه حتى وقع فى البحر فكان يضرب بذنَبه فى الماء وهو يجرى ولا يضرب شيئا إلا تيبس. قال عبد الرحمن بن زيد: أىّ شئ أعجب من حوت كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثم صار حيا وكان شق حوت لأن تأكل نصفه وأهل ذلك البحر يرونه ويصطادونه ويتبركون به وكان مشويا وذلك معجزة لموسى أو الخضر. قال أبو حامد الأندلسى: رأيت سمكة تعرف بنسل الحوت فى مدينة سبتة وهو الحوت الذى صحبه موسى ويوشع حين سافرا فى طلب الخضر طولها ذراع وعرضها شبر وترى نصفا بجنب واحد ونصف رأس وعين واحدة من رآها من الجانب المأكول استقذوها ومن رآها من الجانب الصحيح أعجبته جدا والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الرؤساء ولا سيما اليهود. وعن محمد بن كعب: سار إلى الصخرى التى دون نهر الزيت وعندها عين تسمى عين الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا صار حيا فلما أصاب السمكة دوى الماء وبرده ورشاشه اضطربت فى المكتل وحييت ودخلت فى البحر.

اطفيش

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ} موضع الجمع {بَيْنِهِمَا} بين البحرين، وأصل المجمع أن يضاف إِلى البحرين لا إِلى بين، لكن أضيف إلى بين توسعًا أو نقول: بين بمعنى الوصل، وكنت أقول الهاء عائدة إلى موسى والخضر، ثم تذكرت أنه لم يجر للخضر ذكر، أو عائدة إلى موسى وفتاه، أى موضع اجتماعهما مع غيرهما وهو الخضر، ولم يذكر غيرهما، وذلك على الوجوه كلها هو الموضع الذى قضى الله أن يجتمعا فيه مع الخضر عليهم السلام، سكن فيه الخضر، أو فى قريب منه. {نَسِيَا حُوتَهُمَا} نسى موسى أن يطلبه من فتاه أن يحضره له، ونسى أن يأكل منه ويتعرَّف حاله، ونسى يوشع أن يذكر له حياته ووقوعه فى البحر، وارتحلا على ذلك النسيان. وحاصل ذلك أنهما نسيا شأن الحوت، كل واحد نسى ما من شأَنه أن يذكره، وجه قريب أن موسى عليه السلام أخبر فتاه بما قال له الله جل وعلا فى الحوت، ونسى يوشع أن يخبره. وقد قيل إنه قال: لا أذكر له حتى يستيقظ، وما استيقظ إلا وقد نسى، وذلك كله أولى من أن يقال النسيان لموسى، وجمع الله معه فتاه حكماً على المجموع، وأولى من تقدير مضاف، أى نسى أحدهما وهو موسى. {فَاتَّخَذَ} أى الحوت {سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ} متعلق باتخذ، أو حال من سبيل، أو من قوله {سَرَبًا} مسلكاً صار الماء له جحراً وسقفاً، كما فعل الله لموسى عليه السلام فى البحر حين اتبعه فرعون، إلا أنه يسقف على موسى، بل بدأ طريقه للسماء، كما أنه سئل على أى موضع طلعت عليه الشمس مرة واحدة، فأجاب بطرق موسى وبنى إسرائيل فى بحر القلزم. روى الطبرى وابن أبى حاتم، من طريق العوفى عن ابن عباس رضى الله عنهما: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إِلا يبس، حتى كان صخرة وكذا روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى أن الله جل وعلا أمسك جرية الماء عن الحوت، فصار عليه مثل الطلق أى القوس. قال أبو حامد الأندلسى: رأيت سمكة بقرب مدينة سبته من نسل الحوت الذى تزوَّده موسى وفتاه عليهما السلام، وأكلا منه، وهى سمكة طولها أكثر من ذراع، وعرضها شِبْر، وحدّ جنبيها شوك وعظم وجلد رقيق على أحشائها، ولها عين واحدة، ونصف رأس مَن رآها من جانب استقذرها وحسبها مأكولة، ومن جانب آخر صحيحة يتبرك بها، ويُهدى إلى المراضع. وقال أبو شجاع فى كتاب الطبرى: أتانى به رجل فرأيته، فإذا هو شق حوت، وليس له إلا عين واحدة. قال ابن عطية: وأنا رأيته، وعلى شقّه قشرة رقيقة ليس تحتها شوكة. فنقول: لعل بعضا كما قال أبو حامد، وبعضا كما قال ابن عطية، ولعل ذلك انقطع بعد أو غفل الناس وجهلوا، ولم يتعرفوا ذلك. ونص محمد بن كعب القرظى كما مر على أن البحرين بحر طنجة التقى هناك المحيط مع البحر الآخر المذكور، ويقوى ذلك مدينة الجدار فى الغرب وشح أهل تلمسان، حتى لم يضيِّفوهما، وأيضا لا مجمع بين بحرى فارس والروم، ولو تقاربا إِلا فى المحيط أعنى أنه أصلهما.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا بَلَغَا} الفاء / فصيحة أي فذهبا يمشيان إلى مجمع البحرين فلما بلغا {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي البحرين، والأصل في بين النصب على الظرفية. وأخرج عن ذلك بجره بالإضافة اتساعاً والمراد مجمعهما، وقيل: مجمعاً في وسطهما فيكون كالتفصيل لمجمع البحرين، وذكر أن هذا يناسب تفسير المجمع بطنجة أو إفريقية إذ يراد بالمجمع متشعب بحر فارس والروم من المحيط وهو هناك، وقيل: بين اسم بمعنى الوصل. وتعقب بأن فيه ركاكة إذ لا حسن في قولك مجمع وصلهما، وقيل إن فيه مزيد تأكيد كقولهم جد جده؛ وجوز أن يكون بمعنى الافتراق أي موضع اجتماع افتراق البحرين أي البحرين المفترقين. والظاهر أن ضمير التثنية على الاحتمالين للبحرين. وقال الخفاجي: يحتمل على احتمال أن يكون بمعنى الافتراق عوده لموسى والخضر عليهما السلام أي وصلا إلى موضع وعد اجتماع شملهما فيه، وكذا إذا كان بمعنى الوصل انتهى، وفيه ما لا يخفى. و {مَجْمَعَ} على سائر الاحتمالات اسم مكان، واحتمال المصدرية هنا مثله فيما تقدم. {نَسِيَا حُوتَهُمَا} الذي جعل فقدانه أمارة وجدان المطلوب، فقد صح أن الله تعالى حين قال لموسى عليه السلام: إن لي بمجمع البحرين من هو أعلم قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتاً وجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه حتى إذا أتيا الصخرة وكانت عند مجمع البحرين وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر. والظاهر نسبة النسيان إليهما جميعاً وإليه ذهب الجمهور. والكلام على تقدير مضاف أي نسيا حال حوتهما إلا أن الحال الذي نسيه كل منهما مختلف فالحال الذي نسيه موسى عليه السلام كونه باقياً في المكتل أو مفقوداً والحال الذي نسيه يوشع عليه السلام ما رأى من حياته ووقوعه في البحر، وهذا قول بأن يوشع شاهد حياته وفيه خبر صحيح، ففي حديث رواه الشيخان وغيرهما أن الله تعالى قال لموسى: خذ نوناً ميتاً فهو حيث ينفخ فيه الروح فأخذ ذلك فجعله في مكتل فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال: ما كلفت كثيراً فبينما هما في ظل صخرة إذ اضطرب الحوت حتى دخل البحر وموسى نائم فقال فتاه: لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره. وفي حديث رواه مسلم وغيره أن الله تعالى قال له: آية ذلك أن تزود حوتاً مالحاً فهو حيث تفقده ففعل حتى إذا انتهيا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب ودخل البحر فقال فتاه: إذا جاء نبـي الله تعالى حدثته فأنساه الشيطان، وزعم بعض أن الناسي هو الفتى لا غير نسي أن يخبر موسى عليه السلام بأمر الحوت، ووجه نسبة النسيان إليهما بأن الشيء قد ينسب إلى الجماعة وإن كان الذي فعله واحداً منهم، وما ذكر هنا نظير نسي القوم زادهم إذا نسيه متعهد أمرهم، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي نسي أحدهما والمراد به الفتى وهو كما ترى. وسبب حياة هذا الحوت على ما في بعض الروايات عن ابن عباس أنه كان عند الصخرة ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه ميت إلا حيي فأصاب شيء منه الحوت فحيي، وروي أن يوشع عليه السلام توضأ من ذلك الماء فانتضح شيء منه على الحوت فعاش، وقيل: إنه لم يصبه سوى روح الماء وبرده فعاش بإذن الله تعالى، وذكر هذا الماء وأنه ما أصاب منه شيء إلا حيي / وأن الحوت أصاب منه جاء في «صحيح البخاري» فيما يتعلق بسورة الكهف أيضاً لكن ليس فيه أنه من شرب منه خلد كما في بعض الروايات السابقة. ويشكل على هذا البعض أنه روى أن يوشع شرب منه أيضاً مع أنه لم يخلد اللهم إلا أن يقال: إن هذا لا يصح والله تعالى أعلم. ثم إن هذا الحوت كان على ما سمعت فيما مر مالحاً وفي رواية مشوياً، وفي بعض أنه كان في جملة ما تزوداه وكانا يصيبان منه عند العشاء والغداء فأحياه الله تعالى وقد أكلا نصفه. {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ سَرَباً} مسلكاً كالسرب وهو النفق فقد صح من حديث الشيخين والترمذي والنسائي وغيرهم أن الله تعالى أمسك عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، والمراد به البناء المقوس كالقنطرة. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق العوفي عن الحبر جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة، وهذا وكذا ما سبق من الأمور الخارقة للعادة التي يظهرها سبحانه على من شاء من أنبيائه وأوليائه. ونقل الدميري بقاء أثر الخارق الأول قال: قال أبو حامد الأندلسي رأيت سمكة بقرب مدينة سبتة من نسل الحوت الذي تزوده موسى وفتاه عليهما السلام وأكلا منه وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبر واحد جنبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها ولها عين واحدة ورأسها نصف رأس، من رآها من هذا الجانب استقذرها وحسب أنها مأكولة ميتة ونصفها الآخر صحيح والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة انتهى. وقال أبو شجاع في «كتاب الطبري»: أتيت به فرأيته فإذا هو شق حوت وليس له إلا عين واحدة، وقال ابن عطية: وأنا رأيته أيضاً وعلى شقه قشرة رقيقة ليس تحتها شوكة، وفيه مخالفة لما في كلام أبـي حامد، وأنا سألت كثيراً من راكبـي البحار ومتتبعي عجائب الآثار فلم يذكروا أنهم رأوا ذلك ولا أهدي إليهم في مملكة من الممالك فلعل أمره إن صح كل من الإثبات والنفي صار اليوم كالعنقاء كانت فعدمت والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. والفاء على ما يقتضيه كلامهم فصيحة أي فحيي وسقط في البحر فاتخذ، وقدر بعضهم المعطوف عليه الذي تفصح عنه الفاء بالواو على خلاف المألوف ليدفع به الاعتراض على كون الحال الذي نسيه يوشع ما رأى من حياته ووقوعه في البحر بأن الفاء تؤذن بأن نسيانه عليه السلام كان قبل حياته ووقوعه في البحر واتخاذه سرباً فلا يصح اعتبار ذلك في الحال المنسي. وأجيب بأن المعتبر في الحال هو الحياة والوقوع في البحر أنفسهما من غير اعتبار أمر آخر والواقع بعدهما من حيث ترتب عليهما الاتخاذ المذكور فهما من حيث أنفسهما متقدمان على النسيان ومن حيث ترتب الاتخاذ متأخران وهما من هذه الحيثية معطوفان على {نَسِيَا} بالفاء التعقيبية، ولا يخفى أنه سيأتي في الجواب إن شاء الله تعالى ما يأبـى هذا الجواب إلا أن يلتزم فيه خلاف المشهور بين الأصحاب فتدبر. وانتصاب {سَرَباً} على أنه مفعول ثان لاتخذ و {فِى ٱلْبَحْرِ} حال منه ولو تأخر كان صفة أو من السبيل، ويجوز أن يتعلق باتخذ، و {فِى} في جميع ذلك ظرفية. وربما يتوهم من كلام ابن زيد حيث قال: إنما اتخذ سبيله في البر حتى وصل إلى البحر فعام على العادة أنها تعليلية مثلها في «أن امرأة دخلت النار في هرة» فكأنه قيل فاتخذ سبيله في البر سرباً لأجل وصوله إلى البحر، ووافقه في كون اتخاذ السرب في البر قوم، وزعموا أنه صادف في طريقه في البر حجراً فنقبه، ولا يخفى / أن القول بذلك خلاف ما ورد في «الصحيح» مما سمعت والآية لا تكاد تساعده. وجوز أن يكون مفعولاً اتخذ {سَبِيلِهِ} و{فِي ٱلْبَحْرِ} و{سرباً} حال من السبيل وليس بذاك، وقيل حال من فاعل اتخذ وهو بمعنى التصرف والجولان من قولهم فحل سارب أي مهمل يرعى حيث شاء، ومنه قوله تعالى: {أية : وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10] وهو في تأويل الوصف أي اتخذ ذلك في البحر متصرفاً، ولا يخفى أنه نظير سابقه.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتفريع والفصيحة لأنها تفصح عن كلام مقدر، أي فسارا حتى بلغا مجمع البحرين. وضمير {بينهما} عائد إلى البحرين، أي محلا يجمع بين البحرين. وأضيف (مجمع) إلى (بين) على سبيل التوسع، فإن (بين) اسم لمكان متوسط شيئين، وشأنه في اللغة أن يكون ظرفاً للفعل، ولكنه قد يستعمل لمجرد مكان متوسط إما بالإضافةِ كما هنا، ومنه قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } تفسير : [المائدة: 106]، وهو بمنزلة إضافة المصدر أو اسم الفاعل إلى معمولة؛ أو بدون إضافة توسعاً كقوله تعالى: { أية : لقد تقطع بينكم } تفسير : [الأنعام: 94] في قراءة من قرأ برفع بينكم. والحوت هو الذي أمر الله موسى باستصحابه معه ليكون له علامة على المكان الذي فيه الخضر كما تقدم في سياق الحديث. والنسيان تقدم في قوله تعالى: { أية : أو ننسها } تفسير : في سورة البقرة (106). ومعنى نسيانهما أنهما نسيا أن يراقبا حاله أباقٍ هو في مِكتله حينئذٍ حتى إذا فقداه في مقامهما ذلك تحققا أن ذلك الموضع الذي فقداه فيه هو الموضع المؤقت لهما بتلك العلامة فلا يزيدا تعباً في المشي، فإسناد النسيان إليهما حقيقة، لأن يوشع وإن كان هو الموكل بحفظ الحوت فكان عليه مراقبته إلا أن موسى هو القاصد لهذا العمل فكان يهمه تعهده ومراقبته. وهذا يدل على أن صاحب العمل أو الحاجة إذا وَكَله إلى غيره لا ينبغي له ترك تعهده. ثم إن موسى عليه السلام نام وبقي فتاه يقظان فاضطرب الحوت وجعل لنفسه طريقاً في البحر. والسرَب: النفق. والاتخاذ: الجعل. وقد انتصب سرباً} على الحال من {سبيله} مراداً بالحال التشبيه، كقول امرىء القيس: شعر : إذا قامتا تضوّع المسك منهما نسيمَ الصبا جاءت بِريّا القرَنفل تفسير : وقد مر تفسير كيف اتخذ البحر سرباً في الحديث السابق عن أبَيّ بن كعب. وحذف مفعول {جاوزا} للعلم، أي جاوزا مجمع البحرين. والغداء: طعام النهار مشتق من كلمة الغدوة لأنه يُؤكل في وقت الغَدوة، وضده العشاء، وهو طعام العشي. والنصب: التعب. والصخرة: صخرة معهودة لهما، إذ كانا قد أويا إليها في سيرهما فجلسا عليها، وكانت في مجمع البحرين. قيل: إن موضعها دون نهر يقال له: نهر الزيت، لكثرة ما عنده من شجر الزيتون. وقوله: {نسيت الحوت} أي نسيت حفظه وافتقاده، أي فانفلت في البحر. وقوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره}. هذا نسيان آخر غير النسيان الأول، فهذا نسيان ذكر الإخبار عنه. وقرأ حفص عن عاصم {وما أنسانيه} ــــ بضم هاء ــــ الضمير على أصل الضمير وهي لغة. والكسر أشهر لأن حركة الكسرة بعد الياء أخف. و{أن أذكره} بدل اشتمال من ضمير {أنسانيه} لا من الحوت، والمعنى: ما أنساني أن أذكره لك إلا الشيطان. فالذكر هنا ذكر اللسان. ووجه حصره إسناد هذا الإنساء إلى الشيطان أن ما حصل له من نسيان أن يخبر موسى بتلك الحادثة نسيان ليس من شأنه أن يقع في زمن قريب مع شدة الاهتمام بالأمر المنسي وشدة عنايته بإخبار نبيئه به. ومع كون المنسي أعجوبة شأنها أن لا تنسى يتعين أن الشيطان ألهاه بأشياء عن أن يتذكر ذلك الحادث العجيب وعلم يوشع أن الشيطان يَسوءه التقاء هذين العبدين الصالحين، وما له من الأثر في بث العلوم الصالحة فهو يصرف عنها ولو بتأخير وقوعها طمعاً في حدوث العوائق. وجملة {واتخذ سبيله في البحر} عطف على جملة {فإني نسيت الحوت} وهي بقية كلام فتى موسى، أي وأنه اتخذ سبيله في البحر، أي سبح في البحر بعد أن كان ميتاً زمناً طويلاً. وقوله: {عجباً} جملة مستأنفة، وهي من حكاية قول الفتى، أي أعجبُ له عجباً، فانتصب على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وفتاه نصبا حوتهما لما بلغ مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى، لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي نسيه. وإنما أسند النسيان إليهما، لأن إطلاق المجموع مراداً بعضه - أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي {أية : فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ}تفسير : [البقرة: 191] من القتل في الفعلين لا من القتال، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر. والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما: {أية : فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}تفسير : [الكهف: 62-63] الآية، لأن قول موسى: "آتنا غداءنا" يعني به الحوت - فهو يظن أن فتاه لم ينسه، كما قاله غير واحد. وقد صرح فتاه: بأنه نسيه بقوله: {فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ} الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ} دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر. كقوله تعالى: {أية : وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 68] وقوله تعالى: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ}تفسير : [المجادلة: 19] الآية. وفتى موسى هو يوشع بن نون. والضمير في قوله تعالى: {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} عائد إلى "البحرين" المذكورين في قوله تعالى: {أية : لاۤ أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ}تفسير : [الكهف: 60] الآية. والمجمَع: اسم مكان على القياس، أي مكان اجتماعهما. والعلماء مختلفون في تعيين "البحرين" المذكورين. فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب. وقال محمد بن كعب القرظي: "مجمع البحرين" عند طنجة في أقصى بلاد المغرب وروى ابن أبي حاتم من طريق السدى قال: هما الكر والرأس حيث يصبان في البحر. وقال ابن عطية: " مجمع البحرين" ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط من شماله إلى جنوبه، وطرفيه مما يلي بر الشام. وقيل: هما بحر الأردن والقلزم. وعن ابن المبارك قال: قال بعضهم بحر أرمينية. وعن أبي بن كعب قال: بإفريقية. إلى غير ذلك من الأقوال. ومعلوم أن تعيين "البحرين" من النوع الذي قدمنا أنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وليس في معرفته فائدة، فالبحث عنه تعب لا طائل تحته، وليس عليه دليل يجب الرجوع إليه. وزعم بعض الملاحدة الكفرة المعاصرين: أن موسى لم يسافر إلى مجمع البحرين، بدعوى أنه لم يعرف ذلك في تاريخه - زعم في غاية الكذب والبطلان. ويكفي في القطع بذلك أنه مناقض لقوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} الآية. مع التصريح بأنه سفر فيه مشقة وتعب، وذلك لا يكون إلا في بعيد السفر، ولذا قال تعالى عن موسى: {أية : لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً}تفسير : [الكهف: 62]. ومعلوم أن ما ناقض القرآن فهو باطل، لأن نقيض الحق باطل بإجماع العقلاء لاستحالة صدق النقيضين معاً. وقوله في هذه الآية الكريمة: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الكهف: 63] قرأه عامة القراء ما عداً حفصاً "أنسانيه" بكسر الهاء. وقرأة حفص عن عاصم "أنسانيه" بضم الهاء.

الواحدي

تفسير : {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حُوْتَهُما} أراد: نسي أحدهما، وهو يوشع ابن نون {فاتخذ سبيله} اتَّخذ الحوت سبيله {في البحر سرباً} ذهاباً، والمعنى: سرب سرباً، والآية على التّقديم والتَّأخير؛ لأنَّ ذهاب الحوت كان قد تقدَّم على النِّسيان. {فلما جاوزا} ذلك المكان الذي ذهب الحوت عنه {قال لفتاه ءاتنا غداءنا} ما نأكله بالغداة {لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} عناءً وتعباً، ولم يجد النَّصب في جميع سفره حتى جاوز الموضع الذي يريده، فقال الفتى: {أرأيت إذْ أوينا إلى الصخرة} يعني: حيث نزلا {فإني نسيت الحوت} نسيت قصَّة الحوت أن أُحدِّثكها، ثمَّ اعتذر بإنساء الشَّيطان إيَّاه؛ لأنَّه لو ذكر ذلك لموسى عليه السَّلام ما جاوز ذلك الموضع، وما ناله النَّصب، ثمَّ ذكر قصَّته فقال: {واتخذ سبيله في البحر عجباً} أَي: أعجب عجباً، أخبر عن تعجُّبه من ذلك، فقال موسى عليه السَّلام: {ذلك ما كنا نبغي} نطلب ونريد من العلامة {فارتدا على آثارهما} رجعا من حيث جاءا {قصصاً} يقصَّان آثارهما حتى انتهيا إلى الصَّخرة التي فعل الحوت عندها ما فعل. {فوجدا عبداً من عبادنا} يعني: الخضر عليه السَّلام {آتيناه رحمة من عندنا} نبوَّة {وعلمناه من لدنا علماً} أعطيناه علماً من علم الغيب.وقوله: {رشداً} أَيْ: علماً ذا رشدٍ، والتَّقدير: على أن تعلِّمني علماً ذا رشدٍ ممَّا عُلِّمته.

د. أسعد حومد

تفسير : (61) - وَكَانَ قِيلَ لِمُوسَى أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ حُوتاً مُمَلَّحاً، وَفِي المَكَانِ الذِي يَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ فَإِنَّهُ يَلْتَقِي بِذلِكَ الرَّجُلِ العَالِمِ. فَسَارَ مَعَ فَتَاهُ حَتَّى بَلَغَا مَجْمَعَ البَحْرَينِ، فَسَقَطَ الحُوتُ فِي المَاءِ، فَأَخَذَ يَسْبَحُ فِيهِ، وَكَانَ يَشُقُّهُ شَقّاً، وَيَتْرُكُ وَرَاءَهُ مِثْلَ السَّرَبِ (النَّفَقِ). سَرَباً - مَسْلَكاً وَمَنْفَذاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {بَلَغَا} أي: موسى وفتاه {مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي: مجمع البحرين {نَسِيَا حُوتَهُمَا} أي: حدث النسيان منهما معاً، وإنْ كان حمل الحوت منوطاً بفتى موسى وقد نسيه، فكان على موسى أنْ يُذكِّره به، فرئيس القوم لا بُدَّ أن يتنبه لكل جزئية من جزئيات الرَّكْب، وكانت العادة أنْ يكون هو آخر المبارحين للمكان ليتفقده وينظر لعل واحداً نسي شيئاً، إذن: كان على موسى أن يعقب ساعة قيامهم لمتابعة السير، ويُذكِّر فتاهُ بما معهم من لوازم الرحلة. والحوت: نوع من السمك معروف، وفي بعض البلاد يُطلِقون على كل سمك حُوتاً، وقد أعدُّوه للأكل إذا جاعوا أثناء السير، وكان الفتى يحمله وهو مشوي في مكتل. وقوله تعالى: {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} [الكهف: 61] أي: خرج الحوت المشوي من المكتل، وتسرَّب نحو البحر، والسَّرَب: مثل النفق أو السرداب، أو هو المنحدر، كما نقول: تسرب الماء من القِرْبة مثلاً؛ ذلك لأن مستوى الماء في القِرْبة أعلى فيتسرَّب منها، وهذه من عجائب الآيات أن يقفز الحوت المشويّ، وتعود له الحياة، ويتوجّه نحو البحر؛ لأنه يعلم أن الماء مسكنه ومكانه. ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً} يعني مَسلَكاً وَمذْهباً. تفسير : وقوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} قال: هو أَفرِيقيا.