Verse. 2203 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

قَالَ اَرَءَيْتَ اِذْ اَوَيْنَاۗ اِلَى الصَّخْرَۃِ فَاِنِّىْ نَسِيْتُ الْحُوْتَ۝۰ۡ وَمَاۗ اَنْسٰنِيْہُ اِلَّا الشَّيْطٰنُ اَنْ اَذْكُرَہٗ۝۰ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيْلَہٗ فِي الْبَحْرِ۝۰ۤۖ عَجَـــبًا۝۶۳
Qala araayta ith awayna ila alssakhrati fainnee naseetu alhoota wama ansaneehu illa alshshaytanu an athkurahu waittakhatha sabeelahu fee albahri AAajaban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال أرأيت» أي تنبه «إذ أوينا إلى الصخرة» بذلك المكان «فإني نسيت الحوت وما أنسانيهُ إلا الشيطان» يبدل من الهاء «أن أذكره» بدل اشتمال أي أنساني ذكره «واتخذ» الحوت «سبيله في البحر عجبا» مفعول ثان، أي يتعجب منه موسى وفتاه لما تقدم في بيانه.

63

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ أَرءَيْتَ } أي تنبه {إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ } بذلك المكان {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ } يُبدل من الهاء {أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل اشتمال أي أنساني ذكره {وَٱتَّخَذَ } الحوت {سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا } مفعول ثان. أي يتعجب منه موسى وفتاه، لما تقدّم في بيانه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الصَّخْرَةِ} بشروان أرض على ساحل بحر أيلة عندها عين تسمى عين الحياة، أو الصخرة التي دون نهر الزيت على الطريق {نَسِيتُ الْحُوتَ} أن أحمله، أو أخبرك بأمره {أَنسَانِيهُ إِلآَّ الشَّيْطَانُ} بوسوسته لي وشغله لقلبي {عجباً} كان لا يسلك طريقاً في البحر إلا صار ماؤه صخراً فعجب موسى لذلك، أو رأى دائرة الحوت وأثره في البحر كالكوة فعجب من حياة الحوت، وقيل لموسى إنك تلقى الخضر حيث تنسى بعض متاعك فعلم أن مكان الحوت موضع الخضر فـ {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} {قَصَصاً} يقصان أثر الحوت.

الخازن

تفسير : {قال} يعني يوشع {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة} وهي صخرة كانت بالموضع الموعود {فإني نسيت الحوت} أي تركته وفقدته، وذلك أن يوشع حين رأى من الحوت ذلك قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره، فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد ثم قال {وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} أي وما أنساني أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان، قيل المراد من النسيان شغل قلب الإنسان بوساوس الشيطان التي هي فعله دون النسيان الذي يضاد الفكر لأن ذلك لا يصح إلا من قبل الله تعالى {واتخذ سبيله في البحر عجباً} قيل هذا من قول يوشع بن نون يعني وقع الحوت في البحر فاتخذ سبيله فيه مسلكاً. وروي في الخبر كان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً وقيل أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهراً ثم صار حياً بعد ما أكل بعضه. قوله عز وجل {قال} يعني موسى {ذلك ما كنا نبغ} نطلب {فارتدا على أثارهما قصصاً} أي رجعا يقصان الذي جاءا منه ويتبعانه {فوجدوا عبداً من عبادنا} قيل كان ملكاً من الملائكة والصحيح الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في التواريخ أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس، قيل كان من بني إسرائيل وقيل كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا والخضر لقب له، سمي به لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت. (خ) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء"تفسير : ، الفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة وقيل سمي خضراً لأنه كان إذا صلّى اخضر ما حوله. وروينا أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً. ومعنى مسجى أي مغطى بثوب وقوله وأنى بأرضك السلام معناه من أين بأرضك التي أنت فيها الآن السلام. وروي أنه لقيه على طنفسة خضراء على جانب البحر فذلك قوله سبحانه وتعالى {فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة} أي نعمة {من عندنا وعلمناه من لدنا علماً} أي علم الباطن إلهاماً ولم يكن الخضر نبياً عند أكثر أهل العلم. فإن قلت ظاهر الآيات يدل على أن الخضر كان أعلى شأناً من موسى وكان موسى يظهر التواضع له والتأدب معه. قلت لا يخلو إما أن يكون الخضر من بني إسرائيل أو من غيرهم فإن كان من بني إسرائيل فهو من أمة موسى، ولا جائز أن يكون أحد الأمة أفضل من نبيها أو أعلى شأناً منه، وإن كان من غير بني إسرائيل فقد قال الله تعالى لبني إسرائيل {أية : وإني فضلتكم على العالمين}تفسير : [البقرة: 47] أي على عالمي زمانكم {قال له موسى هل أتبعك} معناه جئت لأصحبك وأتبعك {على أن تعلمن مما علمت رشداً} أي صواباً وقيل علماً ترشدني به. وفي بعض الأخبار قال الخضر لموسى: كفى بالتوراة علماً وبني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذٍ {قال} الخضر لموسى {إنك لن تستطيع معي صبراً} وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أموراً منكرة ولا يجوز للأنبياء الصبر مع المنكرات ثم بين عذره في ترك الصبر فقال {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً} أي علماً {قال} موسى {ستجدني إن شاء الله صابراً} إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر {ولا أعصي لك أمراً} أي أخالفك فيما تأمرني به قال {فإن اتبعتني} أي فإن صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه شرط عليه ثم شرطاً فقال {فلا تسألني عن شيء} أي مما أعلمه مما تنكره ولا تعترض عليه {حتى أحدث لك منه ذكراً} معناه حتى أبتدأ بذكره فأبين لك شأنه. قوله سبحانه وتعالى {فانطلقا} أي يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة فركباها فقال أهل السفينة هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج فقال صالح السفينة ما هم بلصوص ولكن أرى وجوه الأنبياء. وروينا عن أبي بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم "حديث : مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، أي بغير عوض ولا عطاء، فلما لججوا في البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحاً من ألواح السفينة فذلك"تفسير : قوله تعالى {حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال} يعني موسى له {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً} أي أتيت شيئاً عظيماً منكراً. روي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء وروي أن موسى لما رآى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} أي فتاه عليه السلام: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} أي التجأنا إليها وأقمنا عندها. وذكرُ الإِواءِ إليها مع أن المذكور فيما سبق مرتين بلوغُ مجمعِ البحرين لزيادة تعيـينِ محلِّ الحادثة، فإن المجمَع محلٌ متسعٌ لا يمكن تحقيقُ المراد المذكور بنسبة الحادثةِ إليه ولتمهيد العذر فإن الإِواءَ إليها والنومَ عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة، والرؤيةُ مستعارةٌ للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملةِ، ومرادُه بالاستفهام تعجيبُ موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، وقد جُعل فقدانُه فقدانُه علامةً لوجدان المطلوب وهذا أسلوبٌ معتادٌ فيما بـين الناس، يقول أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب: أرأيتَ ما نابني؟ يريد بذلك تهويلَه وتعجيبَ صاحبه منه وأنه مما لا يعهد وقوعُه لا استخبارُه عن ذلك كما قيل، والمفعولُ محذوفٌ اعتماداً على ما يدل عليه من قوله عز وجل: {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} وفيه تأكيدٌ للتعجيب وتربـيةٌ لاستعظام المنسيِّ، وإيقاعُ النسيان على اسم الحوتِ دون ضمير الغَداءِ مع أنه المأمورُ بإتيانه للتنبـيه من أول الأمر على أنه ليس من قبـيل نِسيان المسافرِ زادَه في المنزل وأن ما شاهده ليس من قبـيل الأحوالِ المتعلقة بالغداء من حيث هو غَداءٌ وطعامٌ، بل من حيث هو حوتٌ كسائر الحِيتان مع زيادة أي نسِيتُ أن أذكر لك أمرَه وما شاهدتُ منه من الأمور العجيبة {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ} بوسوسته الشاغلةِ عن ذلك وقوله تعالى: {أَنْ أَذْكُرَهُ} بدلُ اشتمال من الضمير أي ما أنساني أن أذكرَه لك، وفي تعليق الإنساء بضمير الحوتِ أولاً وبذكره له ثانياً على طريق الإبدالِ المنبىء عن تنحية المبدَل منه إشارةٌ إلى أن متعلَّقَ النسيان أيضاً ليس نفسَ الحوتِ بل ذكرُ أمره، وقرىء أن أذكّره، وإيثارُ أن أذكُرَه على المصدر للمبالغة فإن مدلوله نفسُ الحدث عند وقوعه، والحالُ وإن كانت غريبةً لا يُعهد نسيانُها لكنه لما تعوّد بمشاهدة أمثالِها عند موسى عليه السلام وألِفَها قل اهتمامه بالمحافظة عليها {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا} بـيانٌ لطرف من أمر الحوتِ منبىءٌ عن طرف آخرَ منه، وما بـينهما اعتراضٌ قُدم عليه للاعتناء بالاعتذار، كأنه قيل: حَيِـيَ واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبـيله فيه سبـيلاً عجباً، فعجباً ثاني مفعولَي اتخَذ والظرفُ حالٌ من أولهما أو ثانيهما، أو هو المفعولُ الثاني وعجباً صفةُ مصدرٍ محذوفٍ أي اتخاذاً عحباً وهو كونُ مسلَكه كالطاق والسرَب، أو مصدرُ فعلٍ محذوف أي أتعجب منه عجباً، وقد قيل: إنه من كلام موسى عليه الصلاة والسلام وليس بذاك. {قَالَ} أي موسى عليه السلام {ذٰلِكَ} الذي ذكرتَ من أمر الحوت {مَا كُنَّا نَبْغِ} وقرىء بإثبات الياء، والضميرُ العائد إلى الموصول محذوفٌ، أصلُه نبغيه أي نطلبه لكونه أَمارةً للفوز بالمرام {فَٱرْتَدَّا} أي رجعا {عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا} طريقِهما الذي جاءا منه {قَصَصًا} يقُصان قَصصاً أي يتّبعان آثارَهما اتباعاً أو مقتصّين حتى أتيا الصخرة.

القشيري

تفسير : طال عليهما السفر لأنهما احتاجا إلى الانصرافِ إلى مكانهما، ثم قال يوشع: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}: الله - سبحانه - أَدْخَلَ عليه النسيانَ ليكونَ الصَّيْدُ من تكلفِه، ثم قال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ}: يعني دخول السمك الماء وكان مشوياً؛ فصار ذلك معجزة له، فلما انتهيا إلى الموضع الذي دخل السمك فيه الماء لَقِيَا الخضر.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} فتاه {أرأيت}[خبردارى] قال ابن ملك هو يجيئ بمعنى اخبرنى وهنا بمعنى التعجب ومفعوله محذوف وذلك المحذوف عامل فى قوله {اذ اوينا الى الصخرة} يعنى عجبت ما اصابنى حين وصلنا الى الصخرة ونزلنا عندها {فانى نسيت الحوت} ان اذكر لك امره وما شاهدت منه من الامور العجيبة ثم اعتذر بانساء الشيطان اياه لانه لو ذكر ذلك لموسى ما جاوز ذلك المكان وما ناله النصب فقال {وما انسانيه الا الشيطان} بوسوسته الشاغلة عن ذلك {ان اذكره} بدل اشتمال من الضمير اى وما انسانى ان اذكره لك {واتخذ سبيله فى البحر} سبيلا {عجبا} وهو كون مسلكه كالطاق والسرب فعجبا ثانى مفعولى اتخذ والظرف حال من اولهما او ثانيهما وهو بيان لطرف من امر الحوت منبئ عن طرف آخر وما بينهما اعتراض قدم عليه للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حيى واضطرب ووقع فى البحر واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا يعنى ان قوله وما انسانيه اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه سببه ما يجرى مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان. قال الامام فان قيل انقلاب السمكة المالحة حية حالة عجيبة جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلا على الوصول الى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان فى هذا المعنى اجاب العلماء عنه بان يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرة من موسى كثيرة فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم فجاز حصول النسيان وعندى فيه جواب آخر وهو ان موسى لم استعظم علم نفسه ازال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلم الضرورى تنبيها لموسى على ان العلم لا يحصل الا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب الخاطر انتهى. وقال بعضهم لعله نسى ذلك لاستغراقه فى الاستبصار وانجذاب شراشره الى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة وهى حياة السمكة المملوحة المأكول بعضها وقيام الماء وانتصابه مثل الطاق ونفوذها فى مثل السرب منه وانما نسبه الى الشيطان هضما لنفسه اى لمقتضى نفسه من الاغترار والافتخار بامثاله. وفى الآيات اشارات. منها ان الطالب الصادق اذا قصد خدمة شيخ كامل يسلكه طريق الحق يلزمه مرافقة رفيق التوفيق ومعه حوت قلبه الميت بالشهوات النفسانية المملح بملح حب الدنيا وزينتها ومجمع البحرين هو الولاية بين الطالب وبين الشيخ ولم يظفر المريد بصحبة الشيخ ما لم يصل الى مجمع ولايته فافهم جدا وعند مجمع الولاية عين الحياة الحقيقية فباول قطرة من تلك العين تقع على حوت قلب المريد يحيى ويتخذ سبيله فى البحر عن الولاية سربا. ومنها ان الله يحول بين المرء وقلبه فينسى المريد قلبه حين فقده وينسى القلب المريد اذا وجد الشيخ: وفى المثنوى شعر : اى خنك آن مرده كزخودرسته شد دروجود زنده بيوشته شد واى آن زندهكه بامرده نشست مرده كشت وزنده كى ازوى برست تفسير : ومنها ان المريد لو تطرق اليه الملالة فى اثناء السلوك واصابت قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن خدمة الشيخ وترك صحبته حتى يظن ان لو سافر عن خدمته واشتغل بطاعة ربه وجاهد نفسه فى طلب الحق تعالى لعله يصل مقصده ويحصل مقصوده بلا واسطة الشيخ والاقتداء به هيهات فانه ظن فاسد ومتاع كاسد وانه يضيع عمره ويتعب نفسه ويضل عن سبيل الرشاد ويبعد عن طريق السداد الا ان ادركته العناية الازلية التى هىالكفاية الابدية وردت اليه صدق الارادة: وفى المثنوى شعر : آن رهى كه بارها تورفته بى فلاوز اندرآن آشفته بس رهى راكه نرفتستى توهيج هين مروتنها زرهب سرميج هين مبرالاكه بايرهاى شيخ تابينى عون ولشكرهاى شيخ تفسير : ومنها ان صحبة الشيخ المرشد غداء للمريد لاشتمالها على ما يجرى مجرى الغداء للروح من الاقوال الطيبة والافعال الحسنة ومتى جاوز صحبته اتعب نفسه بلا فائدة الوصول ونيل المقصود ولا يحمل على هذا الا شيطان الخذلان فيلزم الرجوع والعود الى ملازمة الخدمة فى مرافقة رفيق التوفيق كما رجع موسى ويوشع عليهما السلام قال الله تعالى {أية : يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}تفسير : اى فى صحبتهم ولا تكونوا مع الكاذبين: وفى المثنوى شعر : هرطرف غولى همى خواند ترا كابى بردرراه خواهى هين بيا رهنمايم هم رهت باشم رفيق من قولاوزم درين راه دقيق نى قلاوزست ونى ره دانداو يوسفاكم روسوى آن كرك خو تفسير : نسال الله العصمة والتوفيق.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ أَرَأَيْتَ} كلمة تعجّب فى العرب والعجم بلفظها وترجمتها والاصل: ارأيت ما دهانى؟ {إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} فحذف الموصول وصلته واقيم الظّرف مقامه، او الاصل ارأيت بليّة اذ اوينا، فحذف المضاف وابقى المضاف اليه، او الظّرف بنفسه مفعول على طريق المجاز العقلىّ، او المفعول محذوف، واذ أوينا مستأنف مفسّر للمفعول المحذوف، ولفظة اذ متعلّق بمحذوفٍ مفسّر بقوله {فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} اى تركته على الصّخرة او نسيت امره الغريب ان اذكره لك حين حيى وافلت الى البحر، وذكر انّه للكثرة ما كان يرى من امثاله من موسى (ع) لم يكن يبالى به وبذكره {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} لك او اتذكّره {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً قَالَ ذَلِكَ} اى امر الحوت لانّه كان دليلاً على المطلوب، او الرّجل المستلقى عند الصّخرة {مَا كُنَّا نَبْغِ} حذف اللاّم للوصل بنيّة الوقف اشعاراً بعدم تمام الطّلب والسّلوك مع الخضر (ع) {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا} فى الطّريق الّذى جاء فيه طلباً للموضع والرّجل الّذى كان فى ذلك الموضع {قَصَصاً} يقتصّان آثارهما قصصاً، او مقتصّين، او هو مصدر من غير لفظ الفعل.

الهواري

تفسير : { قَالَ} فتاه: { أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَن أَذْكُرَهُ} وفي بعض القراءات {أَن أُدْرِكَهُ}. وقال بعضهم: إن موسى لما قطع البحر، وأنجاه الله من آل فرعون جمع بني إسرائيل فخطبهم فقال: أنتم اليوم خير أهل الأرض وأعلمهم. قد أهلك الله عدوكم، وأقطعكم البحر، وأنزل عليكم التوراة. قال: فقيل له: إن ها هنا رجلاً هو أعلم منك. فانطلق هو وفتاه يوشع بن نون يطلبانه. وتزوّدا بحوت مملوح في مكتل لهما. وقيل لهما: إذا نسيتما بعض ما معكما لقيتما رجلاً عالماً يقال له: خضر. فلما أتيا ذلك المكان ردّ الله إلى الحوت روحه فسرب لهما من المكتل حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك فيه. فجعل لا يسلك فيه طريقاً إلا صار الماء جامداً. ومضى موسى وفتاه. فلما جاوزا قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، يعني إذ انتهينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: أن أدركه. فرجعا عودهما على بدئهما فارتدا على آثارهما قصصاً. فلقيا الخضر. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إنما سمي الخضر خضراً لأنه جلس على قردد بيضاء فاهتزّت به خضراء تفسير : قال: { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباًً}. أي: موسى اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً. وهو تفسير مجاهد.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} فتاه {أَرَأَيْتَ} انتبه أو أخبرنى ما أصابنى {إِذْ أَوَيْنَا} ملنا. {إلَى الصَّخْرَةِ} وضممنا أنفسنا إليها وهى صخرة المجمع التى رقدا عندها. قيل: هى الصخرة التى دون نهر الزيت كما رأيت وإذ متعلقة بمحذوف أى ما أصابنى إذ أوينا إليها. {فَإِنِّى} الفاء للتعليل أو رابطة لمحذوف. قلت: ما بالك فإنى. {نَسِيتُ الحوتَ} عند الصخرة أى فقدته أو قد رأيت انقلابه حيا ورجوعه فى البحر فنسيت أن أذكر ذلك لك قيل: لما رأى ذلك قام ليخبر موسى فنسى حتى سار إلى ظهر غد وصليا الظهر. {وَمَا أَنْسَانِيهُ} أى الحوت تعدى نسى إلى الاثنين بالهمزة أى ما صيرنى ناسيا إياه {إلاّ الشَّيْطَانُ} ليوسوس لى وليس تصييره ناسيا خلق النسيان فيه؛ فإن الخالق الله لا سواه ولكن المعنى: ما نسيت فى نسيانى إياه إلا الشيطان بوساوسه. {أَنْ أَذْكُرَهُ} أتفكر فيه فأجده مفقوداً فأخبر موسى بفقده لأن فقده دليل المطلوب أو أن أذكر أمره لموسى وهو انقلابه حيا إلى البحر. وقد قرئ أن أذكركه. وقرأ ابن مسعود: أن أذكره له وأن مصدرية والمصدر بدل اشتمال من هاء الإنسانية. وقرأ حفص: وما أنسانيه بضم الهاء كما قرئ بضمها فى سورة الفتح فى قوله تعالى: {أية : عليه الله} تفسير : فإنه ضم هاء عليه. ووجه قوله: أرأيت أنه لما طلب موسى الحوت ليتغدى ذكر يوشع ما رأى من أمر الحوت أو ذكر نسيانه إلى تلك الغاية وهى ظهر الغد أو غدوه فدهش فطفق يسأل موسى: ما أصابنى حتى نسيت ذلك ثم رجع على نفسه فقال: ما أنسانيه إلا الشيطان. وإن قلت: كيف نسى الأمر العظيم من انقلاب حوت مشوى مأكول نصفه مضى عليه زمان مجعول فى المكتل حتى مضت تلك المدة مع ما جعل لهما من أمره أمارة على المطلوب الذى سافرا من أجله؟ قلت: اعتاد مشاهدة أمثال ذلك من العجائب وأكبر منها عند موسى وأستأنس بهن فأعانهُ ذلك على قلة الاهتمام فتأثرت فيه وساوس الشيطان فاعتذر بإنساء الشيطان إياء أو لما رأى ذلك استغرق فى التفكر فى كمال قدرة الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا الوجه الأخير إنما نسب الإنسان إلى الشيطان هضما لنفسه بأنه لا يقوى على الشيطان فى الجملة أو لأن عدم جمعه بين التفكر فى كمال قدرة الله جل وعلا وذكر أمر الحوت معدود من النقصان البشرى. {وَاتَّخَذَ} الحوت. {سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَباً} مثل {أية : فاتخذ سبيله فى البحر سربا}تفسير : أى اتخذ الحوت سبيله فى البحر سبيلا يحار فيه الناظر حتى إن ذلك السبيل نفس العجب مبالغة أو عجبا بمعنى معجوب به أو ذا عجب أى يتعجب منه الناظر وذلك من كلام الله سبحانه وتعالى معترض بين كلام يوشع وكلام موسى قيل: كان المسلك للحوت سربا ولموسى عجبا. وأجاز القاضى أن يقدر اتخاذاً عجباً على الفعولية المطلقة وهو وجه كريم. وقيل: اتخذ موسى سبيل الحوت فى البحر عجبا بعد رجوعهما إلى الصخرة أى اتخذه سبيلا عظيما يوصله إلى الخضر أو اتخذه اتخاذاً عجباً أو اتخذه حال كونه متعجبا منه على أَن عجبا حال من المستتر العائد إلى موسى. ويجوز أن يكون تم كلام يوشع فى قوله: {فى البحر} ثم زاد يوشع قوله: عجبا مفعولا مؤكداً للجملة وعامله محذوف أى أعجب عجبا وأن يكون قوله عجبا من كلام موسى أى قال موسى عجبا. وإن قلت: كيف صح أَن يكون المعنى: اتخذ موسى سبيل الحوت فى البحر عجبا ولما يرجع إلى المجمع؟ قلت: المراد عند صاحب هذا القول أنه فعل ذلك بعد الرجوع وأن قوله: {فارتدا على آثارهما} لا ينافيه جواز الإخبار عن شئ متأخر قبل الإخبار عن شئ متقدم ولكن غير هذا القول أولى.

اطفيش

تفسير : {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا} أخبرنى ما دهانى إذ أوينا {إِلَى الصَّخْرَةِ} هى التى رقد عندها موسى، وهذا عند بحر طنجة، ألا ترى قصة وجود حوت كالمأكول فى بحرها، وألا ترى أن فى ذلك المغرب مدينة يقال لها مدينة الجدار، وغير ذلك مما تذكره المغاربة، وشهر أن ذلك عند بحر الشام، ويقال: إن الصخرة هى التى دون نهر الزيت، سمى لكثرة أشجار الزيت على شاطئه. ويروى أنهما خرجا من الشام إلى جهة أرمينية، فانتهيا إلى الصخرة التى قال الله لموسى: إنك تجد عندها العبد الصالح الذى تطلبه، ولما انتهيا إليها توسدها وقام، فاضطرب الحوت بمس ماء الحياة، فدخل البحر بمرأى فتاه، وأشفق أن يوقظه، ونسى بعد استيقاظه ولم يشتد حفظه لكثرة ما عاهد عند موسى من أمثال ذلك. {فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ} إذ أوينا إلى الصخرة، أى نسيت شأن الحوت الذى جعل لى علامة. {وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاّ الشَّيْطَانُ} وقوله {أَنْ أَذْكُرَهُ} بدل اشتمال من الهاء، والمنسى هو الله جلا جلاله، وإنما نسب الانساء إلى الشيطان هضمًا لنفسه، كأنه قصر فخدعه الشيطان، مع أنه مستغرق القلب فى أمر الله، ولم يتحمل هذا الاستغراق مع مراعاة شأن الحوت لنقصان البشر طبعاً. {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَجَبًا} الحق أن هذا من كلام الله، وفاعل اتخذ ضمير موسى والهاء له أو للحوت، أو كلاهما للحوت سبيلا عجبا كأنه نفس العجب، أو معجوبا به أَو ذا عجب، وهو طريق فى البحر لا ماء فيه سقفه وجدره ماء، بقى كذلك من حين سلك حوته فى البحر، وهاء سبيله للحوت، ويجوز عوده لموسى، وفى البحر متعلق باتخذ، وسبيل مفعول أول، وعجبا ثان أو اتخذ له مفعول واحد أو ثانيه فى البحر، وعجبا حال أو مفعول مطلق، أى اتخاذاً عجبا.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} أي فتاه، والاستئناف بياني كأنه قيل فما صنع الفتى حين قال له موسى عليه السلام ما قال؟ فقيل قال: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} أي التجأنا إليها وأقمنا عندها. وجاء في بعض الروايات الصحيحة أن موسى عليه السلام حين قال لفتاه: {أية : لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} تفسير : [الكهف: 62] قال: قد قطع الله عنك النصب، وعلى هذا فيحتمل أنه بعد أن قال ذلك قال: {أَرَأَيْتَ} الخ. قال شيخ الإسلام: وذكر الإواء إلى الصخرة مع أن المذكور فيما سبق بلوغ مجمع البحرين لزيادة تعيين محل الحادثة فإن المجمع محل متسع لا يمكن تحقيق المراد بنسبة الحادثة إليه ولتمهيد العذر فإن الإواء إليها والنوم عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة انتهى. وهذا الأخير إنما يتم على بعض الروايات من أنهما ناما عند الصخرة. وذكر أن هذه الصخرة قريبة من نهر الزيت وهو نهر معين عنده كثير من شجر الزيتون. و {أَرَأَيْتَ} قيل بمعنى أخبرني؛ وتعقبه أبو حيان بأنها إذا كانت كذلك فلا بد لها من أمرين كون الاسم المستخبر عنه معها ولزوم الجملة التي بعدها الاستفهام وهما مفقودان هنا، ونقل هو ناظر الجيش في «شرح التسهيل» عن أبـي الحسن الأخفش أنه يرى أن {أَرَأَيْتَ} إذا لم ير بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بالفاء كما هنا مخرجة عن بابها ومضمنة معنى اما أو تنبه فالفاء جوابها لا جواب (إذ) لأنها لا تجازى إلا مقرونة بما بلا خلاف فالمعنى إما أو تنبه إذ أوينا إلى الصخرة. {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} وقال شيخ الإسلام: الرؤية مستعارة للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملة، ومراده بالاستفهام تعجيب موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى، وقد / جعل فقدانه علامة لوجدان المطلوب وهذا أسلوب معتاد بين الناس يقول أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب: أرأيت ما نابني يريد بذلك تهويله وتعجيب صاحبه منه وأنه مما لا يعهد وقوعه لا استخباره عن ذلك كما قيل، والمفعول محذوف اعتماداً على ما يدل عليه من قوله {فَإِنّي} الخ وفيه تأكيد للتعجيب وتربية لاستعظام المنسي اهـ. وفيه من القصور ما فيه. والزمخشري جعله استخباراً فقال: إن يوشع عليه السلام لما طلب منه موسى عليه السلام الغداء ذكر ما رأى من الحوت وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية فدهش فطفق يسأل عن سبب ذلك كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت فحذف ذلك اهـ، وفيه إشارة إلى أن مفعول {أَرَأَيْتَ} محذوف وهو إما الجملة الاستفهامية إن كانت ما في ما دهاني للاستفهام وإما نفس ما إن كانت موصولة، وإلى أن إذ ظرف متعلق بدهاني وهو سبب لما بعد الفاء في {فَإِنّي} وهي سببية، نظير ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْا لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} تفسير : [الأحقاف: 11] فإن التقدير وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون الخ وهو قول بأن {أَرَأَيْتَ} بمعنى أخبرني وقد سمعت ما قيل عليه، وفي تقديره أيضاً على الاحتمال الثاني ما في حذف الموصول مع جزء الصلة بناءً على أن {فَإِنّى نَسِيتُ} من تتمتها، وعلى العلات ليس المراد من الاستخبار حقيقته بل تهويل الأمر أيضاً. ثم لا يخفى أن رأى إن كانت بصرية أو بمعنى عرف احتاجت إلى مفعول واحد والتقدير عند بعض المحققين أأبصرت أو أعرفت حالي إذ أوينا وفيه تقليل للحذف ولا يخفى حسنه، وإن كانت علمية احتاجت إلى مفعولين وعلى هذا قال أبو حيان: يمكن أن تكون مما حذف منه المفعولان اختصاراً والتقدير أرأيت أمرنا إذ أوينا ما عاقبته. وإيقاع النسيان على اسم الحوت دون ضمير الغداء مع أنه المأمور بإيتائه قيل للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نسيان زاده في المنزل وأن ما شاهده ليس من قبيل الأحوال المتعلقة بالغداء من هو غداء وطعام بل من حيث هو حوت كسائر الحيتان مع زيادة؛ وقيل للتصريح بما في فقده إدخال السرور على موسى عليه السلام مع حصول الجواب فقد تقدم رواية أنه قال له: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. ثم الظاهر أن النسيان على حقيقته وهو ليس متعلقاً بذات الحوت بل بذكره. وجوز أن يكون مجازاً عن الفقد فيكون متعلقاً بنفس الحوت، والأكثرون على الأول أي نسيت أن أذكر لك أمر الحوت وما شاهدت من عجيب أمره. {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَـٰنُ} لعله شغله بوساوس في الأهل ومفارقة الوطن فكان ذلك سبباً للنسيان بتقدير العزيز العليم وإلا فتلك الحال مما لا تنسى. وقال بعضهم: إن يوشع كان قد شاهد من موسى عليه السلام المعجزات القاهرات كثيراً فلم يبق لهذه المعجزة وقع عظيم لا يؤثر معه الوسوسة فنسي. وقال الإمام: إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله تعالى عن قلب صاحبه هذا العلم الضروري تنبيهاً لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل إلا بتعليم الله تعالى وحفظه على القلب والخاطر، وأنت تعلم أنه لو جعل الله تعالى المشاهد الناسي هو موسى عليه السلام كان أتم في التنبيه، وقد يقال: إنه أنسي تأديباً له بناءً على ما تقدم من أن موسى عليه السلام لما قال له: لا أكلفك الخ قال له ما كلفت كثيراً حيث استسهل الأمر ولم يظهر الالتجاء فيه إلى الله تعالى بأن يقول: أخبرك إن شاء الله تعالى، وفيه أيضاً عتاب لموسى عليه السلام حيث اعتمد عليه في العلم بذهاب الحوت فلم يحصل له حتى نصب. ثم إن هذه الوسوسة لا تضر بمقام يوشع عليه السلام وإن قلنا إنه كان نبياً وقت وقوع هذه القصة. / وقال بعض المحققين: لعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما اعتراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان مع أن فاعله الحقيقي هو الله تعالى والمجازي هو الاستغراق المذكور هضماً لنفسه بجعل ذلك الاستغراق والانجذاب لشغله عن التيقظ للموعد الذي ضربه الله تعالى بمنزلة الوساوس ففيه تجوز باستعارة الشيطان لمطلق الشاغل، وفي الحديث «حديث : إنه ليغان على قلبـي فأستغفر الله تعالى في اليوم سبعين مرة» تفسير : أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان صاحبها وتركه المجاهدات والتصفية فيكون قد تجوز بذلك عن النقصان لكونه سببه. وضم حفص الهاء في {أنسانيه} وهو قليل في مثل هذا التركيب قلة النسيان في مثل هذه الواقعة، والجمهور على الكسر وأمال الكسائي فتحة السين. وقوله تعالى: {أَنْ أَذْكُرَهُ} بدل اشتمال من الهاء أي ما أنساني ذكره لك إلا الشيطان، قيل وفي تعليق الفعل بضمير الحوت أولاً وبذكره له ثانياً على طريق الإبدال المنبـىء عن تنحيته المبدل منه إشارة إلى أن متعلق النسيان ليس نفس الحوت بل ذكر أمره. وفي مصحف عبد الله وقراءته {أن أذكركه}. وفي إيثار أن والفعل على المصدر نوع مبالغة لا تخفى. {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى ٱلْبَحْرِ عَجَبًا} الظاهر الذي عليه أكثر المفسرين أن مجموعه كلام يوشع وهو تتمة لقوله: {فَإِنّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} وفيه إنباء عن طرف آخر من أمره وما بينهما اعتراض قدم عليه للاعتناء بالاعتذار كأنه قيل حي واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجباً، فسبيله مفعول أول لاتخذ و {فِى ٱلْبَحْرِ} حال منه و {عَجَبًا} مفعول ثان، وفي ذكر السبيل ثم إضافته إلى ضمير الحوت ثم جعل الظرف حالاً من المضاف تنبيه إجمالي على أن المفعول الثاني من جنس الأمور الغريبة، وفيه تشويق للمفعول الثاني وتكرير مفيد للتأكيد المناسب للمقام، فهذا التركيب في إفادة المراد أو في لحق البلاغة من أن يقال واتخذ في البحر سبيلاً عجباً. وجوز أن يكون {فِى ٱلْبَحْرِ} حالاً من {عَجَبًا} وأن يكون متعلقاً باتخذ، وأن يكون المفعول الثاني له و {عَجَبًا} صفة مصدر محذوف أي اتخاذاً عجباً وهو كون مسلكه كالطاق والسرب، وجوز أيضاً على احتمال كون الظرف مفعولاً ثانياً أن ينصب {عَجَبًا} بفعل منه مضمر أي أعجب عجباً، وهو من كلام يوشع عليه السلام أيضاً تعجب من أمر الحوت بعد أن أخبر عنه، وقيل إن كلام يوشع عليه السلام قد تم عند {ٱلْبَحْرِ} وقول أعجب عجباً كلام موسى عليه السلام كأنه قيل: وقال موسى: أعجب عجباً من تلك الحال التي أخبرت بها، وأنت تعلم أنه لو كان كذلك لجيء بالجملة الآتية بالواو العاطفة على هذا المقدر، وقيل يحتمل أن يكون المجموع من كلامه عز وجل وحينئذٍ يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون إخباراً منه تعالى عن الحوت بأنه اتخذ سبيله في البحر عجباً للناس، وثانيهما أن يكون إخباراً منه سبحانه عن موسى عليه السلام بأنه اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً يتعجب منه، و {عَجَبًا} على هذا مفعول ثان ولا ركاكة في تأخير {أية : قَالَ} تفسير : [الكهف: 64] الآتي عنه على هذا لأنه استئناف لبيان ما صدر منه عليه السلام بعد، ويؤيد كونه من كلام يوشع عليه السلام قراءة أبـي حيوة {واتخاذ} بالنصب على أنه معطوف على المنصوب في {أَذْكُرَهُ}.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتَ} {أَنْسَانِيهُ} {ٱلشَّيْطَانُ} (63) - فَقَالَ الفَتَى لِمُوسَى: لَقَدْ نَسِيتُ الحُوتَ حِينَمَا جَلَسْنَا نَرْتَاحُ إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ (إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَة)، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ لَكَ لأَِنَّ الشَّيْطَانَ أَنْسَانِيهِ، فَاتَّخَذَ الحُوتُ طَرِيقَهُ فِي البَحْرِ بِصُورَةٍ عَجِيبَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ، لأَِنَّهُ حُوتٌ مَيِّتٌ، وَكَانَ يَشُقُّ المَاءَ، وَهُوَ يَسْبَحُ، فَيَكُونُ المَاءُ فَوْقَهُ كَالنَّفَقِ، أَوِ الشَّقِّ فِي الأَرْضِ (السَّرَبِ). أَوَيْنَا - جَلَسْنَا لِلاسْتِرَاحَةِ. عَجَباً - سَبِيلاً أَوِ اتِّخَاذاً يُتَعَجَّبُ مِنْهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا كلام فتى موسى: أرأيت: أخبرني إِذْ لجأنا إلى الصخرة عند مَجْمع البحرين لنستريح {فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ ..} [الكهف: 63] ونلحظ أنه قال هنا {نَسِيتُ} وقال في الآية السابقة {أية : نَسِيَا ..}تفسير : [الكهف: 61] ذلك لأن الأولى إخبار من الله، والثانية كلام فتى موسى. فكلام الله تبارك وتعالى يدلُّنا على أن رئيساً متبوعاً لا يترك تابعه ليتصرف في كل شيء؛ لأن تابعه قد لا يهمه أمر المسير في شيء، وقد ينشغل ذِهْنه بأشياء أخرى تُنسِيه ما هو منُوط به من أمر الرحلة. ثم يعتذر الفتى عما بَدَر منه من نسيان الحوت، ويقول: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ..} [الكهف: 63] فالشيطان هو الذي لعب بأفكاره وخواطره حتى أنساه واجبه، وأنساه ذِكْر الحوت. وقوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} [الكهف: 63] أي: اتخذ الحوتُ طريقه في البحر عَجَباً، في الآية السابقة قال: {أية : سَرَباً }تفسير : [الكهف: 61] وهذه حال الحوت، وهنا يقول {عَجَباً} لأنه يحكي ما حدث ويتعجب منه، وكيف أن الحوت المشويّ تدبّ فيه الحياة حتى يقفز من المكتل، ويتجه صَوْبَ الماء، فهذا حقاً عجيبة من العجائب؛ لأنها خرجتْ عن المألوف. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : فقال رفيقه: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ} [الكهف: 63] صخرة النفس وتسويلها جاوزنا صحبة الشيخ {فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ} [الكهف: 63] حوت القلب {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ} [الكهف: 63] شيطان الخذلان {أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] أي: أذكر لك أنا نسينا حوت القلب. {وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً} [الكهف: 63] منا أن نمشي بلا قلب، قال - يعني: المريد-: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: 64] من قلبي أن نتخذ سبيله في بحر ولاية الشيخ الكامل وتحسر على فوات صحبة الشيخ {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [الكهف: 64] أي: رجع عما كان عليه من تلك الصحبة وعاد إلى ملازمة الخدمة في مرافقة رفيق التوفيق. {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} [الكهف: 65] أي: حراً من رق عبودية غيرنا من أحرارنا أي: ممن أحررناهم من رق عبودية غيرنا من أحرارنا أي: ممن أحررناهم من رق عبودية الأغيار واصطفيناهم من الأخيار، {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} [الكهف: 65] يعني: جعلناه قابلاً لفيض نور من أنوار صفائنا بلا واسطة، {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65] وهو علم معرفة ذاته وصفاته الذي لا يعلمه أحد إلا بتعليمه إياه. واعلم أن كل علم يعلمه الله تعالى عباده ويمكن للعباد أن يتعلموا ذلك العلم من غير الله فإنه علم صنعة اللبوس ليس من جملة العلم اللدني؛ لأنه يمكن أن يتعلم من لدن غيره يدل عليه قوله: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ} تفسير : [الأنبياء: 80] فإن علم صنعة اللبوس مما علمه الله داود عليه السلام فلا يقال: إنه العلم اللدني؛ لأنه يحتمل أن يتعلم من غير الله تعالى فيكون من لدن ذلك الغير، وأيضاً أن العلم اللدني ما يتعلق بلدن الله - جل وعلا - وهو علم المعرفة ذاته وصفاته تعالى.