١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } موسى {ذٰلِكَ } أي فقدنا الحوت {مَا } أي الذي {كُنَّا نَبْغِ } نطلبه فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه {فَٱرْتَدَّا } رجعا {عَلَىٰ ءَاثَارِهِمَا } يقصانها {قَصَصًا } فأتيا الصخرة.
البقاعي
تفسير : وفي هذا الأمر من هذه القصة قاصمة للسائلين والآمرين لهم بالسؤال، لأن المراد - والله أعلم - أن هذا الأمر وقع لنبي هؤلاء المضلين، فمر قريشاً أن يسألوهم عن هذه القصة، فإن أخبروهم عنها بمثل ما أخبرتهم فصدقوهم، لزمهم أن يؤمنوا بالبعث لأمر هذا الحوت الذي أحياه الله بعد أن كان مشوياً وصار كثير منه في البطون، وإن لم يصدقوهم في هذا وصدقوهم في غيره مما يتعنتون به عليك فهو تحكم، وإن كانوا يتهمونهم في كل أمر كان سؤالهم لهم عبثاً، ليس من أفعال من يعقل، فكأنه قيل: فما قال موسى حينئذ؟ فقيل: {قال} منبهاً على أن ذلك ليس من الشيطان، وإنما هو إغفال من الله تعالى بغير واسطة ليجدا العلامة التي أخبره الله بها كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : إنى لأنسى - أي ينسيني الله تعالى - لأسن" تفسير : : {ذلك} أي الأمر العظيم من فقد الحوت {ما كنا نبغ} أي نريد من هذا الأمر المغيب عنا، فإن الله تعالى جعله موعداً لي في لقاء الخضر {فارتدا على ءاثارهما} يقصانها {قصصاً *} وهذا يدل على أن الأرض كانت رملاً، لا علم فيها، فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط، أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته للتغذية - كما في الحديث، فإن الطير لا يشرب من الملح، ومن المشهور في بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم، وأن عندهم سمكاً ذاهب الشق يقولون: أنه من نسل تلك السمكة - والله أعلم. فاستمرا يقصان حتى انتهيا إلى موضع فقد الحوت {فوجدا عبداً من عبادنا} مضافاً إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر عليه السلام {ءاتيناه} بعظمتنا {رحمة} أي وحياً ونبوة، وكونه نبياً قول الجمهور {من عندنا} أي مما لم يجر على قوانين العادات غير أنه ليس بمستغرب عند أهل الاصطفاء {وعلمناه من لدنا} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات، فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء {علماً} قذفناه في قلبه بغير واسطة؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي: "عند" في لسان العرب لما ظهر، و " لدن" لما بطن، فيكون المراد بالرحمة ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعاً أنه خاص بحضرته سبحانه، فأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني، فإذا سعى العبد في الرياضيات يتزين الظاهر بالعبادة، وتتخلى النفس عن الأخلاق الرذيلة، وتتحلى بالأخلاق الجميلة، وتصير القوى الحسية والخيالية والوهمية في غاية القوة، وحينئذ تصير القوة العقلية قوية صافية، وربما كانت النفس بحسب أصل الفطرة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالحوادث البدنية، شديدة الاستعداد لقبول الأمور الإلهية، فتشرق فيها الأنوار الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه الكمال فتحصل المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل، فهذا هو العلم اللداني. ثم أورد سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام يرشد إليه ما قبله، وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كله، لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك: {قال له موسى} طالباً منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان: {هل أتبعك} أي اتباعاً بليغاً حيث توجهت؛ والاتباع: الإتيان لمثل فعل الغير لمجرد كونه آتياً به؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله: {على أن تعلمن} وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه الزمان بل جوامع منه يسترشد بها إلى باقيه فقال: {مما علمت} وبناه للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وللإشارة إلى سهولة كل أمر على الله عز وجل {رشداً *} أي علماً يرشدني إلى الصواب فيما أقصده، ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعي أن موسى هذا ليس موسى بن عمران عليه السلام فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في الصحيح، وأتى صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سؤاله له بهذه الأنواع من الآداب والإبلاغ في التواضع لما هو عليه من الرسوخ في العلم، لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر، كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان طلبه لها أشد، فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل. ولما أتم العبارة عن السؤال، استأنف جوابه له بقوله تعالى: {قال} أي الخضر عليه السلام: {إنك لن تستطيع} يا موسى {معي صبراً *} أي هو من العظمة على ما أريد لما يحثك على عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به، فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء الاستفعال، وأكد لما في سؤال موسى عليه السلام من التلطف المؤذن بأنه يصبر عليه ولا يخالفه في شيء أصلاً، ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير كان عليه ذكره، فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة، وذلك يمنعه من التعلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} موسى عليه السلام {ذلك} الذى ذكرت من امر الحوت {ما} اى الذى {كنا نبغ} اصله نبغى والضمير العائد الى الموصول محذوف اى نبغيه ونطلبه لكونه امارة للفوز بالمرام من لقاء الخضر عليه السلام {فارتدا} رجعا من ذلك الموضع وهو طرف نهر ينصب الى البحر {على آثارهما} طريقهما الذى جاآمنه والآثار الاعلام جمع اثر واثر وخرج فى اثره واثره اى بعده وعقبه. وبالفارسية [برنشانهاى قدم خود] {قصصا} مصدر فعل محذوف اى يقصان قصصا اى يتبعان آثارهما اتباعها ويتفحصا تفحصا حتى اتيا الصخرة التى حيى الحوت عندها وسقط فى البحر واتخذ سبيله سربا {فوجدا عبدا} التنكير للتفخيم {من عبادنا} الاضافة للتشريف وكان مسجى بثوب فسلم عليه موسى وعرفه نفسه وافاد انه جاء لاجل التعلم والاستفادة. والجمهور على انه الخضر بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد وهو لقبه وسبب تلقيبه بذلك ما جاء فى الصحيح انه عليه السلام قال "حديث : انما سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فاذا هى تهتز من خلفه خضراء"تفسير : الفروة وجه الارض اليابسة وقيل النبات اليابس المجتمع والبيضاء الارض الفارغة لا غرس فيها لانها تكون بيضاء واهتزاز النبات تحركه وكنيته ابو العباس واسمه بلياء بباء موحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناة تحت ابن ملكان بفتح الميم واسكان اللام ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح. قال ابو الليث انه عليه السلام ذكر قصة الخضر فقال "حديث : كان ابن ملك من الملوك فاراد ابوه ان يستخلفه من بعده فلم يقبل وهرب منه ولحق بجزائر البحر فلم يقدر عليه"تفسير : وتفصيله على ما فى كتاب التعريف والاعلام للامام السهيلى وهو ان اباه كان ملكا وان امه كانت بنت فارس واسمها الها وانها ولدته فى مغارة وانه ترك هنالك وشاة ترضعه فى كل يوم من غنم رجل من القرية فاخذه الرجل فرباه فلما شب وطلب الملك ابوه كاتبا وجمع اهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التى نزلت على ابراهيم وشيث كان فيمن قدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا يعرفه فلما استحسن خطه ومعرفته ونجابته سأله عن جلية امره فعرف انه ابنه فضمه لنفسه وولاه امر الناس ثم ان الخضر فر من الملك وزهد فى الدنيا وسار الى ان وجد عين الحياة فشرب منها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما الخضر ابن آدم لصلبه ونسئ له فى اجله حتى يكذب الدجال وفيه اشارة الى ان لكل دجال فى كل عصر مكذبا ومبطلا لامره: قال الحافظ شعر : كجاست صوفى دجال فعل ملحد شكل بكوبسوزكه مهدئ دين بناه رسيد تفسير : واخرج عن ابن عساكر ان آدم لما حضره الموت اوصى بنيه ان يكون جسده الشريف معهم فى غار فكان جسده فى المغارة معهم فلما بعث الله نوحا ضم ذلك الجسد فى السفينة بوصية آدم فلما خرج منها قال لبنيه ان آدم دعا بطول العمر لمن يدفنه من اولاده الى يوم القيامة فذهب اولاده الى الغار ليدفنوه وكان فيهم الخضر فكان هو الذى تولى دفن آدم فانجز الله ما وعده فهو يجيئ ما شاء الله له ان يحيى. قال فى فتح القريب ومن اغرب ما قيل انه ابن آدم لصلبه وقيل انه من الملائكة وهذا باطل ومن اعجب ما قيل انه ابن فرعون صاحب موسى كما فى تواريخ مصر وقيل انه ابن خالة ذى القرنين كان فى سفره معه وشرب من ماء الحياة مد الله عمره الى الوقت المعلوم ولا بعد فانه كان من بنى آدم من يعيش ثلاثة آلاف سنة او اكثر وقيل انه ابن عاميل بن شمالخين بن ارما بن علقما بن عيصو بن اسحاق النبى وكان عاميل ملكا. والجمهور على انه نبى غير مرسل وعند الصوفية المحققين ولى غير نبى واختلفوا فى حياته والاكثر على انه موجود بين اظهرنا وهذا متفق عليه عند الصوفية لان حكاياتهم انهم رأوه فى المواضع الشريفة وكالموه اكثر من ان يحصى نقله الشيخ الاكبر فى الفتوحات الملكية وابو طالب المكى فى كتبه والحكيم الترمذى فى نوادره وغير ذلك من المحققين من سادات الامة الذين لا يتصور اجتماعهم على الكذب والافتراء بمجرد الاخبار النقلية حاشاهم عن ذلك وقد ثبت وجوده فلا يكون عدمه الا بدليل ولا دليل على موته ولا نص فيه من كتاب ولا سنة ولا اجماع ولا نقل انه مات بارض كذا فى وقت كذا فى زمن ملك من الملوك. وفى تفسير البغوى اربعة من الانبياء احياء الى يوم ا لبعث اثنان من الارض وهما الخضر والياس اى والياس فى البر والخضر فى البحر يجتمعان كل ليلة على ردم ذى القرنين يحرسانه واكلهما الكرفس والكمأة واثنان فى السماء ادريس وعيسى عليهما السلام. وفى كتاب التمهدي لابى عمر امام الحديث فى وقته ان رسول الله صلى الله علهي وسلم حين غسل وكفن سمعوا قائلا يقول السلام عليكم يا اهل البيت ان فى الله خلفا من كل هالك وعوضا من كل تالف وعزاء من كل مصيبته فعليكم بالصبر فاصبروا واحتسبوا ثم دعا لهم ولا يرون شخصه فكانوا اى الاصحاب واهل البيت يرونه انه الخضر. وفى كتاب الهواتف ان على بن ابى طالب رضى الله عنه لقى الخضر وعلمه هذا الدعاء وذكر فيه ثوابا عظيما ومغفرة ورحمة لمن قاله فى اثر كل صلاة وهو "يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه السمائل ويا من لا يتبرم من الحاح الملحين اذقنى برد عفوك وحلاوة مغفرتك". قال الهروى ان الحضر قد جاء النبى عليه السلام مرارا واما قوله عليه السلام "حديث : لوكان حيا لزارنى"تفسير : فلا يمنع وقوع الزيارة بعده. قال فى فصل الخطاب ان الخضر قد صحب النبى عليه السلام وروى عن احاديث وفى الخصائص الصغرى ان فى غزوة تبوك اجتمع عليه السلام بالياس حديث : فعن انس رضى الله عنه فغزونا مع النبى عليه السلام حتى اذا كنا بفج الناقة عند الحجر سمعنا صوتا يقول اللهم اجعلنى من امة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها فقال عليه السلام "يا انس انظر ماهذا الصوت" فدخلت الجبل فاذا رجل عليه ثياب بياض ابيض الرأس واللحية طوله اكثر من ثلاثمائة ذراع فلما رآنى قال انت رسول النبى عليه السلام قلت نعم قال ارجع اليه واقرئه السلام وقل له هذا اخوك الياس يريد ان يلقاك فرجعت الى النبى عليه السلام فاخبرته فجاء عليه السلام يمشى وانا معه حتى اذا كنا قريبا منه تقدم النبى وتأخرت انا فتحدثا طويلا فنزل عليهما من السماء شئ يشبه السفرة ودعوانى فاكلت معهما قليلا فاذا فيها كمأة ورمان وحوت وتمر وكرفس فلما اكلت قمت فتنحيت ثم جاءت سحابة فاحتملته فانا انظر الى بياض ثيابه فيها تهوى به قبل الشام فقلت للنبى عليه السلام بابى انت وامى هذا الطعام الذى اكلنا من السماء نزل عليه قال عليه السلام "سألته عنه فقال يأتينى به جبرائيل فى كل اربعين يوما اكلة وفى كل حول شربة من ماء زمزم وربما رأيته على الجب يملأ بالدلو فيشرب وربما سقانى"تفسير : والاكثر من المحدثين على وفاة الخضر سئل البخارى عن الخضر والياس هل هما فى الاحياء قال كيف يكون ذلك وقد قال رسول الله عليه السلام "حديث : لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على وجه الارض احد"تفسير : وقد قال الله تعالى {أية : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}تفسير : والجواب ان هذا الحكم جار على الاكثر ولا حكم للنادر الذى يعيش فوق المائة فقد عاش سلمان ومعدى كرب وابو طفيل فوق المائة وكانوا موجودين فى ذلك الزمان عند اخباره عليه السلام والمراد بالخلود هو التأبيد ولا شك ان حياة الخضر وغيره منقطعة عند الصعقة قبل القيامة فيمتنع الخلود. واما من قال من العلماء لا يجوز ان يكون الخضر باقيا لانه لا نبى بعد نبينا فلا عبرة لكلامه لانه لم يتنبأ بعده بل قبله كعيسى ابقاه الله لمعنى وحكمة الى ان يرتفع القرآن من وجه الارض. وذكر الشيخ الاكبر قدس سره فى بعض كتبه انه يظهر مع اصحاب الكهف فى آخر الزمان عند ظهور المهدى ويستشهد ويكون من افضل شهداء عساكر المهدى. وفى آخر صحيح مسلم فى احاديث الدجال انه يقتل رجلا ثم يحيى قال ابراهيم بن سفيان صاحب مسلم يقال ان هذا الرجل هو الخضر وعن ابن عباس رضى الله عنهما يلتقى الخضر والياس فى كل عام فى الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان على هذه الكلمات "بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير الا الله ما شاء الله لا يصرف السوء الا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله" من قالهن ثلاث مرات حين يصبح ويمسى آمنه الله من الحرق والغرق والسرق ومن الشيطان والحية والعقرب. وزاد احمد فى الزهد انهما يصومان رمضان فى بيت المقدس. وعن على رضى الله عنه مسكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة الى باب الاسباط. قال الشاقانى الخضر كناية على البسط والياس عن القبض واما كون الخضر شخصا انسانا باقيا من زمان موسى الى هذا العهد او روحانيا يتمثل بصورته لمن يرشده فغير متحقق عندى بل قد يتمثل ويتخيل معناه له بالصفة الغالبة عليه ثم يضمحل وهو روح ذلك الشخص او روح القدس انتهى. يقول الفقير تمثل الروح بالصفة الغالبة قد وقع لكثير من اهل السلوك ولكن ليس كل مرئى فى اليقظة تمثلا كما فى المنام فقد يظهر المثال وقد يظهر حقيقته ولله فى كل شئ حكمة بالغة {آتيناه رحمة من عندنا} هى الوحى والنبوة كما يشعر به تنكير الرحمة واختصاصه بجناب الكبرياء. قال الامام مسلم ان النبوة رحمة كما قوله تعالى {أية : أهم يقسمون رحمت ربك}تفسير : ونحوه ولكن لا يلزم ان تكون الرحمة نبوة فالرحمة هنا هى طول العمر على قول من مذهب الى عدم نبوته {وعلمناه من لدنا علما} خاصا هو علم الغيوب والاخبار عنها باذنه تعالى على ما ذهب اليه ابن عباس رضى الله عنهما اوعلم الباطل. قال فى بحر العلوم انما قال من لدنا مع ان العلوم كلها من لدنه لان بعضها بواسطة تعليم الخلق فلا يسمى ذلك علما لدنيا بل العلم اللدنى هو الذى ينزله فى القلب من غير واسطة احد ولا سبب مألوف من خارج كما كان لعمر وعلى ولكثير من اولياء الله تعالى المرتاضين الذين فاقوا بالشوق والزهد على كل من سواهم كما قال سيد الاولين والآخرين عليه السلام "حديث : نفس من انفاس المشتاقين خير من عبادة الثقلين"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ركعتان من رجل زاهد قلبه خير واحب الى الله من عبادة المتعبدين الى آخر الدهر"تفسير : وقد صدق لكنه قليل كما قال {أية : وقليل من عبادى الشكور}تفسير : وقال {أية : ولكن اكثر الناس لا يعلمون}تفسير : ومن هنا يتبين لك معرفة رفعة الصحابة رضى الله عنهم وعظمهم رتبة ومكانا من الله فانهم ائمة المشتاقين والزاهدين الشاكرين ونجوم لهم يهتدون بهم انتهى. وفى التأويلات النجمية {فوجدا عبدا من عبادنا} اى حرا من رق عبودية غيرنا من احرارانا اى ممن احررناهم من رق عبودية الاغيار واصطفيناهم من الاخيار {آتيناه رحمة من عندنا} يعنى جعلناه قابلا ليفيض نور من انوار صفاتنا بلا واسطة {وعلمناه من لدنا علما} وهو علم معرفة ذاته وصفاته الذى لا يعلمه احد الا بتعليمه اياه. واعلم ان كل علم يعلمه الله تعالى عباده ويمكن للعباد ان يتعلموا ذلك العلم من غير الله تعالى فانه ليس من جملة العلم اللدنى لانه يمكن ان يتعلم من لدن غيره يدل عليه قوله {أية : وعلمناه صنعة لبوس لكم}تفسير : فان علم صنعة اللبوس مما علمه الله داود عليه السلام فلا يقال انه العلم اللدنى لانه يحتمل ان يتعلم من غير الله تعالى فيكون من لدن ذلك الغير وايضا ان العلم اللدنى ما يتعلق بلدن الله تعالى وهو علم معرفة ذاته وصفاته تعالى انتهى. قال الجنيد قدس سره العلم اللدنى ما كان تحكما على الاسرار بغير ظن فيه ولا خلاف لكنه مكاشفات الانوار عن مكنونات المغيبات وذلك يقع للعبد اذا زم جوارحه عن جميع المخلوقات وافنى حركاته عن كل الارادات وكان شبحا بين يدى الحق بلا تمن ولا مراد. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الا طهر باب الملكوت والمعارف من المحال ان ينفتح وفى القلب شهوة هذا الملكوت واما باب العلم بالله تعالى من حيث المشاهدة فلا ينفتح فى القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت [درفتوحات ازسلطان العارفين قدس سره نقل ميكندكه باجمعى دانشمندان مى كفته] اخذتم علمكم ميتا عن ميت واخذنا علمنا عن الحى الذى لا يموت شعر : كلشنى كز نقل وريد يكدمست كلشنى كز عشق رويد خرمست كلشنى كز كل دمد كردد تباه كلشنى كز دل دمد وافرحتاه علم جون بر دل زند يارى شود علم جون بر كل زند بارى شود تفسير : واعلم ان الصوفية سموا العلوم الحاصلة بسبب المكاشفات العلوم اللدنية وتفصيل الكلام انا اذا ادركنا امرا من الامور وتصورنا حقيقة من الحقائق فاما ان نحكم عليه بحكم وهو التصديق اولا نحكم وهو التصور وكل واحد من هذين القسمين فاما ان يكون ضروريا حاصلا من غر كسب وطلب واما ان يكون كسبيا اما العلوم الضرورية فهى تحصل فى النفس والعقل من غير كسب وكلب مثل تصورنا الالم واللذة والوجود والعدم ومثل تصديقنا بان النفى والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وان الواحد نصف الاثنين واما العلوم الكسبية فهى التى لا تكون حاصلة فى جوهر النفس ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به الى اكتساب تلك العلوم فان كان التوصل الى استعلام المجهولات بتركيب العلوم البديهية فهو طريق النظر وان كان بتهيئة المحل وتصفيته عن الميل الى ما سوى الله تعالى فهو طريق الكشف والكشف انواع اعلاها اسرار ذاته تعالى وانوار صفاته وآثار افعاله وهو العلم الالهى الشرعى المسمى فى مشرب اهل الله علم الحقائق اى العلم بالحق سبحانه وتعالى من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية اذ منه ما ليس فى الطاقة البشرية وهو ما وقع فيه الكمل فى ورطة الحيرة واقروا بالعجز عن حق المعرفة وهذا العلم الجليل بالنسبة الى سائر العلوم كالشمس بالنسبة الى الذرات وكالبحر بالنسبة الى القطرات فعلوم اهل الله مبنية على الكشف والعيان وعلوم غيرهم من الخواطر الفكرية والاذهان وبداية طريقهم التقوى والعمل الصالح وبداية طريق غيرهم تحصيل الوظائف والمناصب وجمع الحطام الذى لا يدوم وقال المولى الجامى شعر : جان زاهد ساحل وهم وخيال جان عارف غرقه بحر شهود تفسير : قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه الطيب وقدس سره الزكى فى كتاب اللائحات البرقيات المراد بالرحمة علم العبادة والدراسة والظاهر والشريعة ولذلك عبر عنه بالرحمة بناء على عمومه مثلها حيث قال {أية : ورحمتى وسعت كل شئ}تفسير : ولكون مقام هذا العلم الظاهرى مقام القرب الصفاتى عبر عن مقامه بما يعبر به عن مقام هذا القرب الصفاتى من قوله تعالى {من عندنا} اى من مقام واحدية صفاتنا ومرتبة قربها والمراد بالعلم علم الاشارة والواراثة والباطن والحقيقة ولذلك عبر عنه بلفظ العلم بناء على التعبير بالمطلق على الفرد الكامل اذ العلم الباطنى من العلم الظاهرى بمنزلة الروح واللب من الجسد والقشر وبمنزلة المعنى من الصورة فلا جرم ان العلم الباطنى من العلم الظاهرى بمنزلة الفرد الكامل من الفرد الناقص والعلم الظاهري من العلم الباطنى بمنزلة الفرد الناقص من الفرد الكامل من الفرد الكامل والنقصان الموهوم المعتبر فى العلم الظاهرى بحسب الاضافة والنسبة الى العلم الباطنى باعتبار المقام الذى يوجب الامتياز بينهما من جهة الصورة لا يقدح فى كماله الذاتى الحقيقى فى عينه ونفسه كما ان الكمال المعتبر فى العلم جهة التعين لا يزيدفى كماله الذاتى الحقيقى فى نفسه وذاته بل كل منهما من حيث هو بالنظر الى ذاته مع قطع النظر الى الاضافة والنسبة المعتبرة بينهما بحسب المقامات والتعلقات وغير ذلك كمال محض لا يتصور فى واحد منهما نقصان اصلا فكما ان الجهل والغفلة فى انفسهما محض نقصان حقيقى فكذلك العلم والمعرفة فى انفسهما محض كمال حقيقى وانما الاعتبارات لئلا تبطل حقائق الاحكام ولذا قيل لولا الاعتبارات اى الاضافات والنسب المعتبرة بين الاشياء لبطلت الحقائق ولما كان مقام هذا الباطنى مقام القرب الذاتى عبر عن مقام ما يعبر به عن مقام القرب الذاتى من قوله {من لدنا} اى من مقام احدية ذاتنا ومرتبتها ولذا خص كبار الصوفية فى اصطلاحاتهم لفظ العلم اللدنى بهذا العلم الباطنى الحاصل بمحض تعليم الله تعالى من لدنه بغير واسطة عبارة ولذلك قال بعضهم شعر : تعلمنا بلا حرف وصوت قرآناه بلا سهو وفوت تفسير : يعنى بطريق الفيض الالهى والالهام الربانى لا بطريق التعليم اللفظى والتدريس القولى ولكون مقام العلم الظاهرى من مقام العلم الباطنى بمنزلة الظاهر من الباطن حيث يتعلق العلم الظاهرى بظواهر الشريعة وصورها والعلم الباطنى بمنزلة الباب من البيت ومن اراد دخول البيت فليأت من باب وبيت العلم ومدينته هو النبى عليه السلام وباب هذا البيت والمدينة هو على رضى الله عنه كمال قال عليه السلام "حديث : انا مدينة العلم وعلىّ بابها" شعر : كرتشنه فيض حق بصدقى حافظ سرجشمه آن زساقى كوثر برس تفسير : واعلم ان التحقيق الحقيق فى هذا العلم المأمور موسى عليه السلام بتعلمه من الخضر هو العلم الباطنى المتعلم بطريق الاشارة لا العلم الباطنى المتعلم بطريق المكاشفة ولا العلم الظاهرى المتعلم بطريق العبارة والدليل عليه ارسال الحق سبحانه موسى الى عبده الخضر وعدم تعليمه بواسطة امين الوحى جبرائيل وتعليم الخضر بطريق الاشارة بالامور الثلاثة لكن لما كان الظاهر بالنظر الى غلبة جانب علم الظاهر فى وجود موسى ان يطلب تعلمه بطريق العبارة لا بطريق الاشارة وطريقه طريق الاشارة لا طريق العبارة قال انك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا من طريق التعلم بالاشارة لا بالعبارة والغالب عليك انما هو طريق العبارة لا طريق الاشارة كما ان الغالب على طريق الاشارة لا طريق العبارة ولكل وجهة وهوموليها قل كل يعمل على شاكلته. ثم ان الامام الاعظم من الحسن البصرى رحمهما الله تعالى بمنزلة موسى من الخضر عليهما السلام كما ان العكس بالعكس من جهة ما هو الغالب فى نشأة كل منهما ولذلك افاد الامام الهمام العلم الظاهرى غالبا وتقيد بترتيب انوار الشريعة واحكامها عبارة وصراحة وافاد العلم الباطنى نادرا وتعرض لاسرار الحقيقة ودقائقها اشارة وكناية بخلاف الحسن البصرى فالامام شمسى المشرب والحسن قمرى المشرب ولذلك كان فلك الامام اعظم واوسع من فلك الحسن البصرى وكان الامام رحمة لاهل العموم عامة وكان الحسن البصرى رحمة لاهل الخصوص خاصة والامام مظهر اسم الرحمن والحسن مظهر اسم الرحيم ويدل على هذا كله انتشار مذهبه شرقا وغربا وهو من جميع المذاهب بمنزلة النبوة المحمدية والولاية العيسوية من جميع النبوات والولايات من جهة الخاتمية وحيث يختم به جميع المذاهب الحقة كما ختم بالنبوة المحمدية جميع النبوات ويختم بالولاية العيسوية جميع الولايات ولكون مشربه ومذهبه شمسيا سمى سراج الامة وكاشف الغمة ورافع الظلمة ودافع البدعة ومحيى الدين وحافظ الشريعة بالكتاب والسنة ولكون مشرب الحسن ومذهبه قمريا انار القلوب والنفوس والطبائع المظلمة بظلمة الغفلة والهوى بانوار المعرفة واسرار الحقيقة والهدى تبارك االذى جعل فى السماء بروحا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وفى تقديم السراج على القمر المنير اشارة الى تقديم رتبة الامام على رتبة الحسن اذ هو مظهر اسم الاول والظاهر والحسن مظهر اسم الآخر والباطن والاولان مقدمان على الثانيين بتقديم الهى فى قوله تعالى {أية : هو الاول والآخر والظاهر والباطن}تفسير : وهذا التفاوت انما هو باعتبار ترتيب المراتب واما فى اصل الكمال وحقيقة الفضل فهم كالحلقة المفرغة لا يدرى اين طرفاها لسر يعرفه من يعرف ويغفل عنه من يغفل ورئيس اهل الذكر الصوفية الحنفية هو الامام الاعظم الا كمل ورئيس اهل الذكر الصوفية هو الامام الشافعى الافضل ورئيس اهل الذكرالصوفية الحنبلية هو الامام الحنبلى التقى ورئيس اهل الذكر الصوفية المالكية هو الامام مالك الركى وهؤلاء الائمة العظماء كالخلفاء الاربعة الفخام كالنجوم بل كالاقمار بل كالشموس بايهم اقتدى السالك اهتدى الحق المبين وهم لدين الحق كالاركان الاربعة للبيت وهم ايضا من سائر الاقطاب والاولياء كالعرش والشمس من الافلاك النجوم وليس لغيرهم ممن بعدهم الى يوم القيامة بدون الاقتداء بهم اهتداء الى طريق الجنة والرؤية ومن اقتدى بهم فى الشريعة والطريقة والحقيقة وعلم علومهم وعمل اعمالهم وتأدب بآدابهم على مذهب أيهم كان بحسب وسعه فلا شك انه اقتفى اثر رسول الله عليه السلام ومن لم يقتد بهم فى ذلك فلا شك انه ضل عن اثر الرسول وخرج عن دائرة القبول هذا كله كلام حضرة شيخى وسندى مع اختصار. واما ما يلوح من كلمات بعض المشايخ من ان المجتهدين لم ينالوا العشق فله محامل ذكرنا بعضا منها فى كتابنا الموسوم بتمام الفيض والذى يظهر انها كلمات صدرت حالة السكر والغلبات فلا اعتبار بها والادب التام ان يمسك عنهم الا بخير الكلام.
الهواري
تفسير : { قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} أي: قال: قيل لي: إذا فقدت الحوت فيحنئذٍ تلقى الخَضِر. قال: { فَارْتَدَّا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصاً} أي: عودهما على بدئهما راجعين حتى أتيا الصخرة. فاتبعا أثر الحوت في البحر. وكان الحوت حيث مر ببدنه ييبس، فصار كهيئة الطريق في البحر. فاتبعا آثاره حتى خرجا إلى جزيرة، فإذا هما بالخضر في روضة يصلي. فأتياه من خلفه، فسلم عليه موسى. فأنكر الخضر السلام في ذلك الموضع. فرفع رأسه فإذا بموسى، فعرفه فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال موسى: وما يدريك أني نبيّ بني إسرائيل؟ فقال: أدراني بك الذي أدراك بي. قوله: { فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} أي: أن ترشدني.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} موسى {ذَلِكَ} أى نسيان الحوت أو ما قصصت علىَّ يا يوشع من انقلاب الحوت الميت حيا إلى البحر متخذا سبيله فيه سربا. {مَا} أى الذى {كُنَّا نَبْغِ} نطلب لأنه دليل على مطلوبنا وهو لقاء العبد الصالح. أثبت الياء فى الوصل نافع وحذفها فى الوقف وكذا أبو عمرو والكسائى وأثبتها فى الوصل والوقف ابن كثير وقراءة نافع أولى اتباعا لخط المصحف. {فَارْتَدَّا} أى رجع موسى ويوشع وهو مطاوع رد أى ردهما الله فارتدا أو ردهما ذلك المذكور من أمر الحوت فارتدا. {عَلَى آثَارِهِمَا} عودهما على بدئهما فى الطريق الذى جاءا فيه يطآن آثارهما. {قَصَصاً} حال من ألف ارتد أى مقتصين أو مفعول مطلق لحال محذوفة أى يقصان آثارهما أو قاصين أثارهما قصصا أى يتبعانها اتباعا أو مفعول مطلق لارتدا لتضمنه معنى اقتصا أى رجعا فى طريقهما حتى أتيا الصخرة التى كانا عندها.
اطفيش
تفسير : {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} ذلك الذى ذكرت من أمر الحوت هو الذى كنا نطلبه {فَارْتَدَّا} رجعا {عَلَى آثَارِهِمَا} مواضع أقدامهما التى جاءا منها {قَصَصًا} مفعول مطلق لحال محذوفة، أى يقصانها قصصا، أو قاصين لها قصصا أو حال أى قاصين.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} أي موسى عليه السلام {ذٰلِكَ} الذي ذكرت من أمر الحوت {مَا كُنَّا نَبْغِ} أي الذي كنا نطلبه من حيث إنه أمارة للفوز / بما هو المطلوب بالذات. وقرىء {نَبْغِ} بغير ياء في الوصل وإثباتها أحسن وهي قراءة أبـي عمرو والكسائي ونافع، وأما الوقف فالأكثر فيه طرح الياء اتباعاً لرسم المصحف، وأثبتها في الحالين ابن كثير {فَٱرْتَدَّا } أي رجعا {عَلَىٰ ءاثَارِهِمَا} الأولى، والمراد طريقهما الذي جاءا منه {قَصَصًا} أي يقصانه قصصاً أي يتبعانها اتباعاً فهو من قص أثره إذا اتبعه كما هو الظاهر، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر من لفظه، وجوز أن يكون حالاً مؤولاً بالوصف أي مقتصين حتى أتيا الصخرة التي فقد الحوت عندها.
ابن عاشور
تفسير : {قال ذلك} الخ.. جواب عن كلامه، ولذلك فصلت كما بيناه غير مرة. والإشارة بــــ {ذلك} إلى ما تضمنه خبر الفتى من فقْد الحوت. ومعنى كونه المبتغى أنه وسيلة المبتغى. وإنما المبتغى هو لقاء العبد الصالح في المكان الذي يفقد فيه الحوت. وكتب {نبغ} في المصحف بدون ياء في آخره، فقيل: أراد الكاتبون مراعاة حالة الوقف، لأن الأحسن في الوقف على ياء المنقوص أن يوقف بحذفها. وقيل: أرادوا التنبيه على أنها رويت محذوفة في هذه الآية. والعرب يميلون إلى التخفيف. فقرأ نافع، وأبو عمرو، والكسائي، وأبو جعفر ــــ بحذف الياء ــــ في الوقف وإثباتها في الوصل، وقرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر بحذف الياء في الوصل والوقف. وقرأ ابن كثير، ويعقوب بإثباتها في الحالين، والنون نون المتكلم المشارك، أي ما أبغيه أنا وأنت، وكلاهما يبغي ملاقاة العبد الصالح. والارتداد: مطاوع الرد كأن راداً رَدّهما. وإنما ردتهما إرادتهما، أي رجعا على آثار سيرهما، أي رجعا على طريقهما الذي أتيا منه. والقصص: مصدر قص الأثر، إذا توخى متابعته كيلا يخطئا الطريق الأول. والمراد بالعبد: الخضر، ووصف بأنه من عباد الله تشريفاً له، كما تقدم عند قوله تعالى: { أية : سبحان الذي أسرى بعبده } تفسير : [الإسراء: 1]. وعدل عن الإضافة إلى التنكير والصفة لأنه لم يسبق ما يقتضي تعريفه، وللإشارة إلى أن هذا الحال الغريب العظيم الذي ذكر من قصته ما هو إلا من أحوال عباد كثيرين لله تعالى. وما منهم إلا له مقام معلوم. وإيتاء الرحمة يجوز أن يكون معناه: أنه جُعل مرحوماً، وذلك بأن رفق الله به في أحواله. ويجوز أن يكون جعلناه سبب رحمة بأن صرفه تصرفاً يجلب الرحمة العامة. والعلم من لدن الله: هو الإعلام بطريق الوحي. و (عند) و (لدن) كلاهما حقيقته اسمُ مكان قريب. ويستعملان مجازاً في اختصاص المضاف إليه بموصوفهما. و (من) ابتدائية، أي آتيناه رحمةً صدرت من مكان القُرب، أي الشرف وهو قرب تشريف بالانتساب إلى الله، وعلماً صدر منه أيضاً. وذلك أن ما أوتيه من الولاية أو النبوءة رحمة عزيزة، أو ما أوتيه من العلم عزيز، فكأنهما مما يدخر عند الله في مكان القرب التشريفي من الله فلا يُعطى إلا للمصطفيَن. والمخالفة بين {من عندنا} وبين {من لدنا} للتفنن تفادياً من إعادة الكلمة. وجملة {قال له موسى} ابتداء محاورة، فهو استئناف ابتدائي، ولذلك لم يقع التعبير بــــ (قال) مجردة عن العاطف. والاستفهام في قوله: {هل أتبعك} مستعمل في العَرْض بقرينة أنه استفهام عن عمل نَفس المستفهم. والاتباع: مجاز في المصاحبة كقوله تعالى: { أية : إن يتبعون إلا الظن } تفسير : [النّجم: 28]. و (على) مستعملة في معنى الاشتراط لأنه استعلاء مجازي. جعل الاتباع كأنه مستعمل فوق التعليم لشدة المقارنة بينهما. فصيغة: أَفْعَلُ كذا على كذا، من صيغ الالتزام والتعاقد. ويؤخذ من الآية جواز التعاقد على تعليم القرآن والعلم، كما في حديث تزويج المرأة التي عرضت نفسها على النبي فلم يقبلها، فزوجها مَن رغب فيها على أن يعلمها ما معه من القرآن. وفيه أنه التزام يجب الوفاء به. وقد تفرع عن حكم لزوم الالتزام أن العرف فيه يقوم مقام الاشتراط فيجب على المنتصب للتعليم أن يعامل المتعلمين بما جرى عليه عرف أقاليمهم. وذكر عياض في باب صفة مجلس مالك للعلم من كتاب المدارك: أن رجلاً خراسانياً جاء من خراسان إلى المدينة للسماع من مالك فوجد الناس يعرِضون عليه وهو يسمع ولا يسمعون قراءة منه عليهم، فسأله أن يَقرأ عليهم فأبى مالك، فاستعدى الخراساني قاضيَ المدينة. وقال: جئت من خراسان ونحن لا نرى العرض وأبى مالك أن يقرأ علينا. فحكم القاضي على مالك: أن يقرأ له، فقيل لمالك: أأصاب القاضي الحق؟ قال: نعم. وفيه أيضاً إشارة إلى أن حق المعلم على المتعلم اتباعه والاقتداء به. وانتصب {رشداً} على المفعولية لــــ {تعلمن} أي ما به الرشد، أي الخير. وهذا العلم الذي سأل موسى تعلمه هو من العلم النافع الذي لا يتعلق بالتشريع للأمة الإسرائيلية، فإن موسى مستغن في علم التشريع عن الازدياد إلا من وحي الله إليه مباشرة، لأنه لذلك أرسله وما عدا ذلك لا تقتضي الرسالة علمه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الذين وجدهم يأبّرونَ النخل « حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم ». تفسير : ورجع يوم بدر إلى قول المنذر بن الحارث في أن المنزل الذي نزله جيشُ المسلمين ببدر أولَ مرة ليس الأليقَ بالحرب. وإنما رام موسى أن يَعلم شيئاً من العِلم الذي خص الله به الخضر لأن الازدياد من العلوم النافعة هو من الخير. وقد قال الله تعالى تعليماً لنبيه { أية : وقل رب زدني علماً } تفسير : [طه: 114]. وهذا العلم الذي أوتيه الخضر هو علم سياسة خاصة غيرِ عامة تتعلق بمعينين لِجلب مصلحة أو دفع مفسدة بحسب ما تهيئه الحوادث والأكوان لا بحسب ما يناسب المصلحة العامة. فلعل الله يسره لنفع معينين من عنده كما جعل محمداً رحمة عامة لكافة الناس، ومن هنا فارق سياسةَ التشريع العامة. ونظيره معرفة النبي أحوال بعض المشركين والمنافقين، وتحققه أن أولئك المشركين لا يؤمنون وهو مع ذلك يدعوهم دوماً إلى الإيمان، وتحققه أن أولئك المنافقين غيرُ مؤمنين وهو يعاملهم معاملة المؤمنين، وكان حذيفة بن اليمان يعرفهم بأعيانهم بإخبار النبي إياه بهم. وقرأ الجمهور {رشداً} ــــ بضم الراء وسكون الشين ــــ. وقرأه أبو عمرو، ويعقوب ــــ بفتح الراء وفتح الشين ــــ مثل اللفظين السابقين، وهما لغتان كما تقدم. وأكد جملة {إنك لن تستطيع معي صبراً} بحرف (إن) وبحرف (لَن) تحقيقاً لمضمونها من توقع ضيق ذرع موسى عن قبول ما يبديه إليه، لأنه علم أنه تصدر منه أفعال ظاهرها المنكر وباطنها المعروف. ولما كان موسى ــــ عليه السلام ــــ من الأنبياء الذين أقامهم الله لإجرء الأحكام على الظاهر علم أنه سينكر ما يشاهده من تصرفاته لاختلاف المشربين لأن الأنبياء لا يقرون المنكر. وهذا تحذير منه لموسى وتنبيه على ما يستقبله منه حتى يُقدم على متابعته إن شاء على بصيرة وعلى غير اغترار، وليس المقصود منه الإخبار. فمناط التأكيدات في جملة {إنك لن تستطيع معي صبراً} إنما هو تحقيق خطورة أعماله وغرابتها في المتعارف بحيث لا تتحمل، ولو كان خبراً على أصله لم يقبل فيه المراجعة ولم يجبه موسى بقوله: {ستجدني إن شاء الله صابراً}. وفي هذا أصل من أصول التعليم أن ينبِه المعلمُ المتعلمَ بعوارض موضوعات العلوم الملقنة لا سيما إذا كانت في معالجتها مشقة. وزادها تأكيداً عموم الصبر المنفي لوقوعه نكرةً في سياق النفي، وأن المنفي استطاعته الصبر المفيد أنه لو تجشم أن يصبر لم يستطع ذلك، فأفاد هذا التركيبُ نفي حصول الصبر منه في المستقبل على آكد وجه. وزيادة {معي} إيماء إلى أنه يجد من أعماله ما لا يجد مثله مع غيره فانتفاء الصبر على أعماله أجدر. وجملة {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً} في موضع الحال من اسم (إن) أو من ضمير {تستطيع}، فالواو واو الحال وليست واو العطف لأن شأن هذه الجملة أن لا تعطف على التي قبلها لأن بينهما كمال الاتصال إذ الثانية كالعلة للأولى. وإنما أوثر مجيئها في صورة الجملة الحالية، دون أن تفصل عن الجملة الأولى فتقع علة مع أن التعليل هو المراد، للتنبيه على أن مضمونها علة ملازمة لِمضمون التي قبلها إذ هي حال من المسند إليه في الجملة قبلها. و (كيف) للاستفام الإنكاري في معنى النفي، أي وأنت لا تصبر على ما لم تحط به خُبراً. والخُبر ــــ بضم الخاء وسكون الباء ــــ: العِلم. وهو منصوب على أنه تمييز لنسبة الإحاطة في قوله: {ما لم تحط به}، أي إحاطة من حيث العلم. والإحاطةُ: مجاز في التمكن، تشبيهاً لقوة تمكن الاتصاف بتمكن الجسم المحيط بما أحاط به. وقوله: {ستجدني إن شاء الله صابراً} أبلغ في ثبوت الصبر من نحو: سأصبر، لأنه يدل على حصول صبر ظاهر لرفيقه ومتبوعه. وظاهر أن متعلق الصبر هنا هو الصبر على ما من شأنه أن يثير الجزع أو الضجر من تعب في المتابعة، ومن مشاهدة ما لا يتحمله إدراكه، ومن ترقب بيان الأسباب والعلل والمقاصد. ولما كان هذا الصبر الكامل يقتضي طاعة الآمِر فيما يأمره به عطف عليه ما يفيد الطاعة إبلاغاً في الاتسام بأكمل أحوال طالب العلم. فجملة {ولا أعصي لك أمراً} معطوفة على جملة {ستجدني}، أو هو من عطف الفعل على الاسم المشتق عطفاً على {صابراً} فيؤوَّل بمصدر، أي وغير عاص. وفي هذا دليل على أن أهم ما يتسم به طالب العلم هو الصبر والطاعة للمعلم. وفي تأكيده ذلك بالتعليق على مشيئة الله ــــ استعانةً به وحرصاً على تقدم التيْسير تأدباً مع الله ــــ إيذانٌ بأن الصبر والطاعة من المتعلم الذي له شيء من العلم أعسر من صبر وطاعة المتعلم الساذج، لأن خلو ذهنه من العلم لا يحرجه من مشاهدة الغرائب، إذ ليس في ذهنه من المعارف ما يعارض قبولها، فالمتعلم الذي له نصيب من العلم وجاء طالباً الكمال في علومه إذا بدا له من علوم أستاذه ما يخالف ما تقرر في علمه يبادر إلى الاعتراض والمنازعة. وذلك قد يثير النفرة بينه وبين أستاذ، فلتجنب ذلك خشي الخضر أن يلقَى من موسى هذه المعاملة فقال له: {إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً}، فأكد له موسى أنه يصبر ويطيع أمره إذا أمره. والتزام موسى ذلك مبني على ثقته بعصمة متبوعه لأن الله أخبره بأنه آتاه علماً. والفاء في قوله: {فإن اتبعتني} تفريع على وعد موسى إياه بأنه يجده صابراً، ففرع على ذلك نهيه عن السؤال عن شيء مما يشاهده من تصرفاته حتى يبينه له من تلقاء نفسه. وأكد النهي بحرف التوكيد تحقيقاً لحصول أكمل أحوال المتعلم مع المعلم، لأن السؤال قد يصادف وقت اشتغال المسؤول بإكمال عمله فتضيق له نفسه، فربما كان الجواب عنه بدون شَرَهِ نفس، وربما خالطه بعض القلق فيكون الجواب غير شافٍ، فأراد الخضر أن يتولى هو بيان أعماله في الإبان الذي يراه مناسباً ليكون البيان أبسط والإقبال أبهج فيزيد الاتصال بين القرينين. والذكر، هنا: ذكر اللسان. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } تفسير : في سورة البقرة (40). أعني بيان العلل والتوجيهات وكشف الغوامض. وإحداث الذكر: إنشاؤه وإبرازه، كقول ذي الرمة: شعر : أحْدَتْنا لخالقهَا شُكراً تفسير : وقرأ نافع {فَلاَ تَسْأَلَنِّي} ــــ بالهمز وبفتح اللام وتشديد النون ــــ على أنه مضارع سأل المهموز مقترناً بنون التوكيد الخفيفة المدغمة في نون الوقاية وبإثبات ياء المتكلم. وقرأ ابن عامر مثله، لكن بحذف ياء المتكلم. وقرأ البقية {تسألني} ــــ بالهمز وسكون اللام وتخفيف النون ــــ. وأثبتوا ياء المتكلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آثَارِهِمَا} (64) - فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ذلِكَ هُوَ الّذِي كُنَّا نَبْغِيهِ وَنُرِيدُهُ مِنْ سَفَرِنَا - وَهُوَ فَقْدُ الحُوتِ - لأَنَّنا وُعِدْنا بِلِقَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فِي المَكَانِ الذِي نَفْقِدُ فِيهِ الحُوتَ، فَرَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا فِي السَّيّرِ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلى الصَّخْرَةِ. مَا كُنَّا نَبْغِ - الذِي كُنَّا نَطْلُبُهُ وَنَلْتَمِسُهُ. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِما - رَجَعَا فِي طَرِيقِهِمَا الذِى جَاءَا فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: قال موسى - عليه السلام {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ..} [الكهف: 64] أي: نطلب، فهذا المكان الذي فُقِد فيه الحوت هو المكان المراد، فكأن الحوت كان أعلم بالموعد من موسى، وهكذا عُرف عنوان المكان، وهو مَجْمع البحرين، حتى يلتقي البحران فيصيران بحراً واحداً. وهذه الصورة لا توجد إلاَّ في مسرح بني إسرائيل في سيناء. وهناك خليج العقبة وخليج السويس، ويلتقيان في بحر واحد عند رأس محمد. ثم يقول تعالى: {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [الكهف: 64] أي: عادا على أثر الأقدام كما يفعل قَصَّاصُو الأثر، ومعنى: {قَصَصاً} [الكهف: 64] أي: بدقة إلى أنْ وصلاَ إلى المكان الذي تسرَّب فيه الحوت، وهو الموعد الذي ضربه الله تعالى لموسى - عليه السلام - حيث سيجد هناك العبد الصالح. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} [الآية: 64]. يقول: اتبع موسى وفتاه أَثر الحوت يشقان البحر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 42و / في قوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} [الآية: 71]. قال: منكراً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الآية: 79]. قال: أَخرقها. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} [الآية: 82]. يعني: صحفاً فيها علم. نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الآية: 64]. قال: هذا قول موسى. قال: وكذلك أَخبرت أَني واجد الخضر حيث يفوتني الحوت.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً} معناه يَقُصَّانُ الأَثرَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):