Verse. 2205 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَاۗ اٰتَيْنٰہُ رَحْمَۃً مِّنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنٰہُ مِنْ لَّدُنَّا عِلْمًا۝۶۵
Fawajada AAabdan min AAibadina ataynahu rahmatan min AAindina waAAallamnahu min ladunna AAilman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(فوجدا عبدا من عبادنا) هو الخضر (آتيناه رحمة من عندنا) نبوة في قول وولاية في آخر وعليه أكثر العلماء (وعلمناه من لدنا) من قبلنا (علما) مفعول ثان أي معلوما من المغيبات، روى البخاري حديث "" إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى: يا رب فكيف لي به قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقد الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة ووضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر "" فاتخذ سبيله في البحر سربا "" وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغداة قال موسى لفتاه آتنا غداءنا إلى قوله واتخذ سبيله في البحر عجبا قال وكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا إلخ "".

65

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } فيه بحثان: البحث الأول: قال الأكثرون إن ذلك العبد كان نبياً واحتجوا عليه بوجوه. الأول: أنه تعالى قال: {آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } والرحمة هي النبوة بدليل قوله تعالى: { أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } تفسير : [الزخرف: 32] وقوله: { أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } تفسير : [القصص: 86] والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائل أن يقول نسلم أن النبوة رحمة أما لا يلزم أن يكون كل رحمة نبوة. الحجة الثانية: قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله لا بواسطة البشر وجب أن يكون نبياً يعلم الأمور بالوحي من الله. وهذا الاستدلال ضعيف لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله وذلك لا يدل على النبوة. الحجة الثالثة: أن موسى عليه السلام قال: { أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تعلمني } تفسير : [الكهف: 66] والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم وهذا أيضاً ضعيف، لأن النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبياً أما في غير تلك العلوم فلا. الحجة الرابعة: أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى حيث قال له: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } وأما موسى فإنه أظهر التواضع له حيث قال: {لا أَعْصِى لَكَ أمْراً } وكل ذلك يدل على أن ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبياً لا يكون فوق النبي وهذا أيضاً ضعيف لأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها. فلم قلتم إن ذلك لا يجوز فإن قالوا لأنه يوجب التنفير. قلنا فارسال موسى إلى التعلم منه بعد إنزال الله عليه التوراة وتكليمه بغير واسطة يوجب التنفير، فإن قالوا: إن هذا لا يوجب التنفير فكذا القول فيما ذكروه. الحجة الخامسة: احتج الأصم على نبوته بقوله في أثناء القصة: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } ومعناه فعلته بوحي الله، وهو يدل على النبوة. وهذا أيضاً دليل ضعيف وضعفه ظاهر. الحجة السادسة: ما روي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال السلام عليك، فقال وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال موسى عليه السلام من عرفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي. قالوا وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحي والوحي لا يكون إلا مع النبوة، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات والإلهامات. البحث الثاني: قال الأكثرون إن ذلك العبد هو الخضر، وقالوا إنما سمي بالخضر لأنه كان لا يقف موقفاً إلا أخضر ذلك الموضع، قال الجبائي قد ظهرت الرواية أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل. فإن صح ذلك لم يجز أن يكون هذا العبد هو الخضر. وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العبد هو الخضر، وقد ثبت أنه يجب أن يكون نبياً فهذا يقتضي أن يكون الخضر أعلى شأناً من موسى صاحب التوراة، لأنا قد بينا أن الألفاظ المذكورة في هذه الآيات تدل على أن ذلك كان يترفع على موسى، وكان موسى يظهر التواضع له إلا أن كون الخضر أعلى شأناً من موسى غير جائز لأن الخضر إما أن يقال إنه كان من بني إسرائيل أو ما كان من بني إسرائيل، فإن قلنا: إنه كان من بني إسرائيل (فقد) كان من أمة موسى لقوله تعالى: حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون: { أية : أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [الشعراء: 17] والأمة لا تكون أعلى حالاً من النبي، وإن قلنا إنه ما كان من بني إسرائيل لم يجز أن يكون أفضل من موسى لقوله تعالى لبني إسرائيل: { أية : وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] وهذه الكلمات تقوي قول من يقول: إن موسى هذا غير موسى صاحب التوراة. المسألة الثالثة: قوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } يفيد أن تلك العلوم حصلت عنده من عند الله من غير واسطة، والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية، وللشيخ أبي حامد الغزالي رسالة في إثبات العلوم اللدنية، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن نقول: إذا أدركنا أمراً من الأمور وتصورنا حقيقة من الحقائق فإما أن نحكم عليه بحكم وهو التصديق أو لا نحكم وهو التصور، وكل واحد من هذين القسمين فإما أن يكون نظرياً حاصلاً من غير كسب وطلب، وإما أن يكون كسبياً، أم العلوم النظرية فهي تحصل في النفس والعقل من غير كسب وطلب، مثل تصورنا الألم واللذة، والوجود والعدم، ومثل تصديقنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن الواحد نصف الإثنين. وأما العلوم الكسبية فهي التي لا تكون حاصلة في جوهر النفس ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم، وهذا الطريق على قسمين. أحدهما: أن يتكلف الإنسان تركب تلك العلوم البديهية النظرية حتى يتوصل بتركبها إلى استعلام المجهولات. وهذا الطريق هو المسمى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروي والاستدلال، وهذا النوع من تحصيل العلوم هو الطريق الذي لا يتم إلا بالجهد والطلب. والنوع الثاني: أن يسعى الإنسان بواسطة الرياضات والمجاهدات في أن تصير القوى الحسية والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية في جوهر العقل، وحصلت المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب في التفكر والتأمل، وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية، إذا عرفت هذا فنقول: جواهر النفس الناطقة مختلفة بالماهية فقد تكون النفس نفساً مشرقة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالجواذب البدنية والنوازع الجسمانية فلا جرم كانت أبداً شديدة الاستعداد لقبول الجلايا القدسية والأنوار الإلهية، فلا جرم فاضت عليها من عالم الغيب تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام، وهذا هو المراد بالعلم اللدني وهو المراد من قوله: {آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } وأما النفس التي ما بلغت في صفاء الجوهر وإشراق العنصر فهي النفس الناقصة البليدة التي لا يمكنها تحصيل المعارف والعلوم إلا بمتوسط بشري يحتال في تعليمه وتعلمه والقسم الأول بالنسبة إلى القسم الثاني كالشمس بالنسبة إلى الأضواء الجزئية وكالبحر بالنسبة إلى الجداول الجزئية وكالروح الأعظم بالنسبة إلى الأرواح الجزئية. فهذا تنبيه قليل على هذا المأخذ، ووراءه أسرار لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب. ثم قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو ويعقوب {رَشَدًا } بفتح الراء والشين وعن ابن عباس رضي الله عنهما بضم الراء والشين والباقون بضم الراء وتسكين الشين قال القفال وهي لغات في معنى واحد يقال رَشَد ورُشْد مثل نكر ونكر كما يقال سقم وسقم وشغل وشغل وبخل وبخل وعدم وعدم وقوله {رَشَدًا } أي علماً ذا رشد قال القفال قوله: {رَشَدًا } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الرشد راجعاً إلى الخضر أي مما علمك الله وأرشدك به. والثاني: أن يرجع ذلك إلى موسى ويكون المعنى على أن تعلمني وترشدني مما علمت. المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر. فأحدها: أنه جعل نفسه تبعاً له لأنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ }. وثانيها: أن استأذن في إثبات هذا التبعية فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع. وثالثها: أنه قال على أن: {تعلمني} وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم. ورابعها: أنه قال: {مِمَّا عُلّمْتَ } وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله، وهذا أيضاً مشعر بالتواضع كأنه يقول له لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزأً من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزأً من أجزاء ماله. وخامسها: أن قوله: {مِمَّا عُلّمْتَ } اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم. وسادسها: أن قوله: {رَشَدًا } طلب منه للإرشاد والهداية والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال. وسابعها: أن قوله: {تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ } معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهاً بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه حرفاً. وثامنها: أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير، فإنا إذا قلنا: لا إله إلا الله فاليهود الذين كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة فلا يجب كوننا متبعين لهم في ذكر هذه الكلمة، لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها بل إنما نقولها لقيام الدليل على أنه يجب ذكرها، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام أتى بها لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ثبت هذا فنقول قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ } يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتياً بها. وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض. وتاسعها: أن قوله: {ٱتَّبَعَكَ } يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء. وعاشرها: أنه ثبت بالإخبار أن الخضر عرف أولاً أنه نبي بني إسرائيل وأنه هو موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه الله عز وجل من غير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع وذلك يدل على كونه عليه السلام آتياً في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة وهذا هو اللائق به لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر فكان طلبه لها أشد وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد. والحادي عشر: أنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تعلمني} فأثبت كونه تبعاً له أولاً ثم طلب ثانياً أن يعلمه وهذا منه ابتداء بالخدمة ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم. والثاني عشر: أنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تعلمني} فلم يطلب على تلك المتابعة على التعليم شيئاً كان قال لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لي إلا طلب العلم ثم إنه تعالى حكى عن الخضر أنه قال: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ولم يمارس القيل والقال ولم يتعود التقرير والاعتراض، ومتعلم حصل العلوم الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض. ثم إنه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم في هذا القسم الثاني شاق شديد، وذلك لأنه إذا رأى شيئاً أو سمع كلاماً فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكراً إلا أنه كان في الحقيقة حقاً صواباً، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود الكلام والجدال يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته، وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة، وهذا هو الذي أشار إليه الخضر بقوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال والاستدلال والاعتراض، وقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي، وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول التقاطع والتنافر. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } على أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل. قالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى عليه السلام قبل حصول الصبر فيلزم أن يصير قوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } كذباً، ولما بطل ذلك علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل. أجاب الجبائي عنه: أن المراد من هذا القول أنه يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: إن فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً و(لا) أن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ونظيره قوله تعالى: {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ } أي كان يشق عليهم الاستماع، فيقال له: هذا عدول عن الظاهر من غير دليل وإنه لا يجوز. وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذي ذكره الأصحاب قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } استبعد حصول الصبر على ما لم يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل، ولما حكم الله باستبعاده علمنا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل. ثم حكى الله تعالى عن موسى أنه قال: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الله الأنبياء بهذه الآية فقالوا: إن الخضر قال لموسى: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } وقال موسى: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء عليهم السلام، والجواب أن يحمل قوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } على الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ما ذكروه. المسألة الثانية: لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا } معناه ستجدني صابراً إن شاء الله كوني صابراً، وهذا يقتضي وقوع الشك في أن الله هل يريد كونه صابراً أم لا. ولا شك أن الصبر في مقام التوقف واجب، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه، وهذا يدل على صحة قولنا: إن الله تعالى قد يأمر بالشيء مع أنه لا يريده، قالت المعتزلة: هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الإنسان أن يفعله في المستقبل فيقال لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب، وإن فسد فأي أدب في ذكر هذا الكلام الباطل؟ المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله تعالى: { أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } تفسير : [الجن: 23] وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب. المسألة الرابعة: قول الخضر لموسى عليه السلام: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } نسبة إلى قلة العلم والخبر، وقول موسى له: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع الشديد، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى الغايات، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير. فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال: {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه حتى أكون أنا المبتدىء لتعليمك إياه وإخبارك به، وفي قراءة ابن عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء. وروى عنه لا تسألني مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع، وفي قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى واحد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَآ } هو الخضر {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَءَاتيْنَاهُ } نبوّة في قول وولاية في آخر، وعليه أكثر العلماء {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا } من قبلنا {عِلْمًا } مفعول ثان أي معلوماً من المغيبات روى البخاري حديث «حديث : أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسُئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثمّ، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه: يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة ووضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر (فاتخذ سبيله في البحر سرباً)، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت. فانطلقا بَقِيَّةَ يومهما وليلتهما، حتى إذا كانا من الغداة قال موسى لفتاه (ءَاتنا غَدَآءَنَا) إلى قوله {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَباً} قال: وكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً...» الخ.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَحْمَةً} نبوة، أو نعمة، أو طاعة، أو طول الحياة، وكان مَلَكاً، أمر الله ـ تعالى ـ موسى أن يأخذ عنه علم الباطن، أو نبياً، قيل هو اليسع سمي به لأنه وسع علمه ست سموات وست أرضين، أو عبداً صالحاً عالماً ببواطن الأمور سمي خضراً لأنه كان إذا صلى في مكان اخضرّ ما حوله.

ابو السعود

تفسير : {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا} التنكيرُ للتفخيم والإضافةُ للتشريف والجمهور على أنه الخِضْرُ واسُمه بَلْيَا بنُ مَلْكَان، وقيل: اليسع، وقيل: إلياس عليهم الصلاة والسلام {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} هي الوحيُ والنبوةُ كما يُشعِرُ به تنكيرُ الرحمة واختصاصُها بجناب الكبرياء {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} خاصاً لا يُكتنه كُنهُه ولا يقادر قدرُه وهو علمُ الغيوب. {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من السباق، كأنه قيل: فماذا جرى بـينهما من الكلام؟ فقيل: قال له موسى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ} استئذاناً منه في اتّباعه له على وجه التعلم {مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً} أي علماً ذا رُشدٍ أرشُد به في ديني، والرشدُ إصابةُ الخير، وقرىء بفتحتين وهو مفعولُ تعلّمنِ ومفعول عُلّمت محذوفٌ وكلاهما منقولٌ من عِلم المتعدي إلى مفعول واحد، ويجوز كونُه علةً لأتبعُك أو مصدراً بإضمار فعله، ولا ينافي نبوتَه وكونَه صاحبَ شريعةٍ أن يتعلم من نبـي آخرَ ما لا تعلقَ له بأحكام شريعتِه من أسرار العلومِ الخفية، ولقد راعىٰ في سَوق الكلام غايةَ التواضع معه عليهما السلام. {قَالَ} أي الخِضْر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} نفىٰ عنه استطاعةَ الصبر معه على وجه التأكيد كأنه مما لا يصِحّ ولا يستقيم وعلله بقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} إيذاناً بأنه يتولى أموراً خفيةَ المدارِ مُنْكَرةَ الظواهرِ، والرجلُ الصالح لا سيما صاحبِ الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها. وفي صحيح البخاري قال: « حديث : يا موسى إنى على علمٍ من علم الله تعالى علَّمنيه لا تعلَمُه وأنت على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه » تفسير : ، وخبراً تميـيز أي لم يحط به خبرك. {قَالَ} موسى عليه الصلاة والسلام: {سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا} معك غيرَ معترضٍ عليك، وتوسيطُ الاستثناء بـين مفعولَي الوُجدان لكمال الاعتناءِ بالتيمّن ولئلا يُتوهّم بالصبر {وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً} عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغيرَ عاصٍ، وفي وعد هذا الوُجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبرِ وتركِ العصيان، أو على ستجدني فلا محلَّ له من الإعراب والأولُ هو الأولى لما عرفته ولظهور تعلقِه بالاستثناء حينئذ، وفيه دليلٌ على أن أفعالَ العبادِ بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} [الآية: 65]. قال الجنيد رحمه الله: العبودية خارجة من الأفعال والأحوال ولكنها موجودة تحت الخفيات. قال الواسطى رحمه الله: إضافات من أراد أن ينسى النعوت لا تصل إليه بالعبادات والإشارات ألجأ موسى إلى الخضر صلى الله عليهما ليريه صدق الفاقة لئلا يقول: أنا عند نظرة إلى الله وإلى الناس، لأن الخضر شاهد أنوار الملك وشاهد موسى الواسطات. قال النبى صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "حديث : إذا سألت فاسأل الله ". تفسير : فأخبر الخضر موسى أن السؤال من الناس هو السؤال من الله، فقال: لا تغضب من المنع حين أبوا أن يضيفوهما. قوله عز وجل: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الآية: 65]. قال ذو النون: العلم اللَّدُنى هو الذى يحكم على الخلق بمواقع التوفيق والخذلان. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت يوسف بن الحسن يقول: سمعت ذا النون رحمه الله يقول: إن الله بسط العلم ولم يقبضه ودعا الخلق إليه من طرق كثيرة، ولكل طريق منها علم مفرد، ودليل واضح فتلك الأدلة يدلون على المناهل، وبنور ذلك العلم وتلك الأعلام يهتدون ولكل أهل طريق منها علم فهو بعلمهم مستعملون، ومتى ضلوا فى طرق هذه العلوم أو أخطؤوا فإن صاحب العلم اللدنى يردهم إلى المحجة. قال الله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الآية: 65]. ليكون ذلك لعلماء الوسائط. قال ابن عطاء: فى قوله: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} قال بلا واسطة المكشوف، ولا بتلقين الحروف لكنه الملقى إليه بمشاهدة الأرواح. قال فارس: العلم اللدنى ما وقع على حسه بالاستيفاء بلا واسطة. قال الحسين: العلم اللدنى إلهام أخلد الحق الأسرار فلم يملكها الانصراف. قال الهيثم: علم الاستنباط بكلفة ووسائط، وعلم اللدنى بلا كلفة ولا واسطة. قال الجنيد رحمه الله: العلم اللدنى ما كان محكمًا على رسوله من غير ظن فيه ولا خلاف واقع لكنه مكاشفات الأنوار عن مكنون المغيبات وذلك يقع للعبد إذا لزم جوارحه عن جميع المخالفات وأفنى حركاته كل الإيرادات وكان شيخًا بين يدى الحق بلا تمنٍ ولا مراد.

القشيري

تفسير : إذا سَمَّى الله إنساناً بأنه عَبْدُه جَعَلَه من جملة الخواص؛ فإذا قال: "عبدي" جعله من خاص الخواص. {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا}: أي صار مرحوماً من قِبَلِنا بتلك الرحمة التي خصصناه بها من عندنا، فيكون الخضر بتلك الرحمة مرحوماً، ويكون بها راحماً على عبادنا. {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً}: قيل العلم من لدن الله ما يتحصل بطريق الإلهام دون التكلف بالتّطَلُّب. ويقال ما يُعرَّف به الحقُّ - سبحانه - الخواصَ من عباده. ويقال ما يعرَّف به الحق أولياءَه فيما فيه صلاح عباده. وقيل هو ما لا يعود منه نَفْعٌ إلى صاحبه، بل يكون نفعُه لعباده مِمَّا فيه حقُّ الله - سبحانه. ويقال هو ما لا يَجِد صاحبُه سبيلاً إلى جحده، وكان دليلاً على صحة ما يجده قطعاً؛ فلو سألتَه عن برهانه لم يجد عليه دليلاً؛ فأقوى العلوم أبعدها من الدليل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} فيه اشارة خفية ان لله سبحانه خواصا من عباده وهم الذين اصطفاهم لمعرفة ما استاثر لنفسه من علوم الربوبية واسرار الوحدانية وحقائق الحكمة ولطائف ملكوته وجبروته وهم اهل الغيب وغيب الغيب والسر وسر السر الذين غيبهم الله فى غيبه وسترهم عن خلقه شفقة عليهم فيما يظهرون من سر الله وهم العباد بالحقيقة الذين بلغوا حقيقة العبودية بحيث جعل الله عبوديتهم محاذيا لربوبيته والا فالكل عباده من حيث الخليقة لكن هم العباد بالحقيقة من حيث المعرفة ولولا تلك الخاصية المحضة لما قال عليه السّلام انا العبد لا اله الا الله انا العبد بالحقيقة لا غير واى تشريف اشرف لخضر عليه السّلام من هذه الخاصية له سماه عبدا ومن بالحقيقة عبده لولا رحمته الكافية التى سبقت فى الازل لعباده لما يجترى احد من خلقه ان يقول انا عبدك لانه منزه عن ان يعبده الحدثان بالحقيقة وقوله تعالى {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} ولاية وقربا ومشاهدة {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} معرفة كاملة وعلما من علومه المجهولة الغيبية التى مكتومة عن كثير من الاخيار وهو علم اللدنى الخاص الذى استأثره اله لنفسه والخواص خواصه وذلك العلم حكم الغيب على صورة مجهولة حقايقها مقرونة بمنافع الخلق وهذا يتعلق بعلم عالم الافعال التى براهينها لاستحكام العبودية واخص من ذلك الوقوف على بعض سر القدر قبل وقوع واقعته واخص من ذلك علم الاسماء والنعوت الخاصة واخص من ذلك علم الصفات واخص من ذلك علم الذات وعلم المتشابه خاص فى العلم المجهول فكل ما يتعلق هذه العلوم يكون بالمكاشفات وظهور المغيبات والعلم القدم الذى هو وصف الحق تعالى من علم الربوبية يتعلق بالالهام الخاص وسماع كلام القديم بغير الواسطة وفوق ذلك ما استاثر الحق لنفسه خاصة وليس للخلق اليه سبيل بحال قال ذو النون العلم اللدنى هو الذى محكم على الخلق بمواقع التوفيق والخذلان قال ابن عطا علم بلا واسطة للكشوف ولا بتلقين الحروف لكنه الملقى اليه بمشاهدة الارواح قال الحسين العلم اللدنى الهام اخلد الحق الاسرار فلم يملكها انصراف وقال القاسم علم الاستنباط بكلفة ووسائط وعلم اللدنى بلا كلفة ولا وسائط وقال الجنيد العلم اللدنى ما كان محكما على الاسرار من غير ظرفية ولا خلاف واقع لكنه مكاشفات الانوار عن مكنون المغيبات وذلك يقع للعبد اذا ذم جوارحه عن جميع المخالفات وافنى حركاته عن كل الارادات وكان شبحا بين يدى الحق بلا تمن ولا مراد قال سهل الالهام ينوب عن الوحى كما قال واوحى ربّك الى النحل واوحينا الى === وكلاهما الهام وقال الاستاد اذا سمى الله انسانا بانه عبده جعله من جملة الخواص فاذا قال عبدى جعله من خواص الخواص وقال العلم اللدنى ما يحصل من طريق الالهام دون التكلف بالطلب ويقال ما يعرف به الحق اولياءه مما فيه صلاح عباده.

الطوسي

تفسير : قوله {فوجدا عبداً من عبادنا} أي صادفاه وادركاه، وهو الوجود، ومنه وجدان الضالة أي مصادفتها وادراكها. والعبد المملوك من الناس، فكل انسان عبد لله، لانه مالك له، وقادر عليه وعلى أن يصرّفه اتم التصريف، وهو يملك الانسان وما يملك وقوله {آتيناه رحمة من عندنا} أي اعطيناه رحمة أي نعمة من عندنا {وعلمناه من لدنا علماً} والتعلم تعريض الحي لأن يعلم، إما بخلق في قلبه، وإما بالبيان الذي يرد عليه كما أن من أرى الانسان شيئاً فقد عرضه، لان يراه، إما بوضع الرؤية في بصره عند من قال الادراك معنى، أو بالكشف له عن المرئي.

الجنابذي

تفسير : {فَوَجَدَا} بعد الانتهاء الى الموضع {عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ} شرّفه تعالى بالعبديّة والاضافة الى نفسه {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} ثمّ وصفه بايتاء الرّحمة وخصّها بكونها من عنده اشارة الى الرّحمة الخاصّة الّتى هى مقام الولاية، فانّ الرّحمة العامّة الّتى هى من اظلال اسم الرّحمن يؤتيه لكلّ احدٍ بل لكلّ موجودٍ لانّ ظهور الاشياء ووجودها وقوامها وبقاءها تكون بها، والرّحمة الخاصّة الّتى هى من اظلال اسم الرّحيم تكون لكلّ من قبل الدّعوة العامّة وباع البيعة النّبويّة، ولكلّ من قبل الدّعوة الخاصّة وباع البيعة الولويّة؛ لكنّها لا تكون من عند الله بل من عند خلفائه فلا توصف بكونها من عند الله، والرّحمة الموصوفة بكونها من عند الله هى الّتى تحصل للسّالك بعد انتهاء سلوكه بحسب استعداده وفنائه عن ذاته وبقائه بالله بعد فنائه واستخلاف الله ايّاه لدعوة عباده الدّعوة الباطنة او الدّعوة الظّاهرة وهى المسمّاة بالولاية والموصوفة بكونها من عند الله، وفيه اشارة الى كون الخضر وليّاً داعياً الى الله بخلافته، وامّا كونه نبيّاً فلا يستفاد منه، وفى بعض الاخبار انّه كان نبيّاً ايضاً، ويمكن حمل ما فى الاخبار من كونه نبيّاً على خلافة النّبوّة فانّ الولىّ من حيث تعليمه للعباد احكام القالب له خلافة النّبوّة كما قيل: الشّيخ فى قومه كالنّبىّ فى امّهته {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} وصفه بتشريف تعليمه وكون التّعليم من لدنه وكون ما علّمه من لدنه علماً لا صنعةً فانّ تعليم الانبياء والاولياء (ع) تعليم الله لكنّه ليس من لدنه بل من لدن خلفائه وكون التّعليم من لدنه قد يتعلّق بالصّنعة كما فى قوله تعالى: وعلّمناه صنعة لبوسٍ لكم؛ فقد اشار تعالى الى اوصاف سبعةٍ للخليفة والشّيخ: اوصاف الولىّ وهى سبعة وانّ الداعى الى الله ينبغى ان يكون متّصفاً بتلك الاوصاف،الاوّل العبديّة والخروج من حكم نفسه والدّخول فى حكم غيره، والثّانى العبديّة لله تعالى فانّ الخروج من حكم النّفس والدّخول فى حكم الغير اعمّ من الدّخول فى حكم الله فانّ المريد داخل فى حكم المراد والمطيع فى حكم المطاع وليس بداخلٍ فى حكم الله بلا واسطةٍ، والثّالث ايتاء الرّحمة، والرّابع ايتاء الرّحمة الخاصّة الموصفة بكونها من عنده، والخامس تعليم الله، والسادس كون التّعليم من لدنه، والسّابع تعلّق التّعليم بالعلم لا بالصّنعة وقد ذكر الاوصاف على ترتيبها الحاصل للسّالك فانّ العبديّة لخلفاء الله مقدّمة على العبديّة له بلا واسطةٍ، والعبديّة له مقدّمة على ايتاء الرّحمة، وايتاء الرّحمة مطلقةً مقدّم على صيرورتها من عنده، وصيرورة الرّحمة من عند الله مقدّمة على التّعليم، فانّ المراد بالتّعليم ههنا تعليم احكام الكثرة من حيث الدّعوة والتّأدية الى الله, وصيرورة التّعليم لدُنيّاً متأخّرة عن التّعليم المطلق ومقدّمة على تعليم العلم من لدن الله، وقد ذكر قصّة ملاقاتهما ومخاطباتهما فى المفصّلات.

اطفيش

تفسير : {فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا} وهو الخضر عند الجمهور. وقيل: اليسع. وقيل: إلياس. وقيل: هو ملك من الملائكة. والصحيح الأول وهو الذى ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب التواريخ. حديث : وسمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هى تهتز تحته خضراء تفسير : والفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة. رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: لأنه إذا صلى اخضر ما حوله وروى عنه إذا مشى. قيل: ذلك لقبه وكنيته أو العباس واسمه بليا بن ملكان كان من بنى إسرائيل. وقيل: من أبناء الملوك التاركين للدنيا وملك آباؤهم وجده ثالع بن يقطن بن عامر ابن شانح بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام والمشهور أن اسمه موسى. روى أن موسى وفتاه وجداه عند الصخرة بعد الرجوع إليها متغطيا بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأَتَّى بأرضك أى أرضك هذه. وروى: بأرضنا السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بنى إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمنى مما علمت رشداً. قال: إن لك فى بنى إسرائيل شغلا وفى التوراة كفاية أمرنى ربى بذلك. وقيل: وجداه على طنفسة خضراء على وجه الماء متوشحا بثوب أخضر قائما يصلى. وقيل: اتبعا سبيل الحوت فى البحر فوجداه يصيلى على طنفسة خضراء فى وسط الماء. وقيل: اتبعا الحوت سبيله فى البحر حتى خرج بهما إلى جزيرة فإذا هما بالخضر فى روضة يصلى فأتياه من خلفه فسلم عليه موسى فأنكر الخضر السلام فى ذلك الموضع فرفع رأسه فعرفه فقال: وعليك السلام يا نبى بنى إسرائيل. فقال: وما يدريك أنى نبى بنى إسرائيل؟ قال: أدرانى بك الذى أدراك بى. وقيل: وجد مصليا على الماء كما مر فسلم عليه فقال: بأرضنا السلام ثم رفع رأسه واستوى جالساً فقال: وعليك السلام يا نبى بنى إسرائيل الخ. فقال: لقد كان لك فى بنى إسرائيل شغل. قال موسى: إن ربى أرسلنى إليك لأتبعك وأتعلم من علمك ثم جلسا يتحدثان فجاءت خطافة فحملت بمنقارها من الماء. قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض وما عِملك وعِلم الأولين والآخرين فى جنب علم الله إلا أقل من الماء الذى حملته الخطافة فى منقارها. وقيل: إنما كان المذكور من قصة الخطافة بعد ما كانوا فى السفينة وجلسوا فى قرقورها. وعن الكلبى: بلغنا أنهم لم يتفرقوا حتى بعث الله طائراً فطار إلى المشرق ثم طار إلى المغرب ثم طار إلى السماء ثم هبط إلى البحر فتناول من البحر بمنقاره وهما ينظران فقال الخضر لموسى: أعلم ما يقول هذا الطائر؟ فقال موسى: وما يقول؟ قال: يقول: ورب المشرق ورب المغرب ورب السماوات السبع ورب الأرضين السبع ما علمك يا خضر وعلم موسى فى علم الله إلا قدر الماء الذى تناولته من البحر فى البحر. {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً} الوحى أو النبوة وقال الأكثر: الولاية ولم يكن نبيّاً عند الأكثر وهو الصحيح. واستدل من قال بأنه نبى بقوله: {وما فعلته عن أمرى} أى بل بالوحى. وأجيب بأن المراد بل بإلهام واختار الشيخ عمرو التلانى أنه نبى والمراد بالولاية هنا كونه وليّاً لله سبحانه وتعالى. وجملة آتيناه رحمة {مِنْ عِنْدِنَا} نَعت لعبد أو حال منه. أو من الضمير المستقر فى قوله: {من عبادنا} لأنه متعلق بمحذوف نعت. {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} عندنا. المعنى: مما يختص بنا ولا يعلم بتعلم واكتساب وهو علم الباطن وهو علم الغيب يلهمه الله إلهاماً.

اطفيش

تفسير : {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا} عند الصخرة، وقيل: فى مدخل الحوت {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} ينبغى لمن قرأ هذه الآية أن يقول: اللهم آتنا رحمة من عندك، وعلمنا من لدنك علما، والعبد المذكور هو الخضر - بفتح الخاء وكسر الضاد، أو إسكانها، أو بكسرها أو بكسرها وإسكان الضاد - أبو العباس بليا بفتح فإسكان، وقصر أو مد، وقيل: أبليا، وقيل: اسمه عامر، ويضعف القول أنه أحمد بأنه لم يسم أحد بأحمد قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وعن الضحاك: أن الخضر ابن آدم. وعن سعيد بن المسيب أن أمه رومية وأباه فارسى، وقيل: إنه ابن فرعون موسى، وهو ضعيف. وعن كعب الأحبار أنه ابن عاميل، وقيل: ابن العيص، وقيل: ابن كليان بفتح الكاف وإسكان اللام. وعن وهب بن مبنه أنه ابن ملكان بذلك الوزن بن فالغ بن عامر ابن شالخ بن أربخشد بن سام بن نوح، ولا أعرف صحة شئ من هذه الأقوال، وصحح النووى فيما يظهر من عبارته أنه بَلْيَا بن ملكا، ونسب للجمهور، وشهر أنه موسى، وزعم بعض أنه إِلياس، وبعض أنه اليسع وبعض أنه ملَك. ولقب بالخضر لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هى تهتز من خلفه خضراء. وعن مجاهد: لأنه إذا صلى اخضر ما حوله. وعن عكرمة: لأنه إذا جلس فى مكان اخضر ما حوله، ولأنه كانت ثيابه خُضْراً. وعن السدى: لأنه إذا قام بمكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطى قدميه، وقيل: لإشراقه وحسنه والصحيح الأول للحديث. وصح من حديث البخارى وغيره أنهما رجعا إلى الصخرة، وإذا رجل مسجى بثوب، أى مغطى جعل طرفه تحت رأسه، وطرفه تحت قدميه. وفى مسلم: أتيا جزيرة، فوجد الخضر قائما يصلى على طنفسة خضراء، على كبد البحر، أى خالص الماء وذكر الثعالبى أنهما انتهيا إليه وهو قائم على طنفسة خضراء على وجه الماء مسجى بثوب أخضر. وقيل: إن سبيل الحوت عاد حجراً، فلما جاءا إليه مشيا عليه حتى وصلا إلى جزيرة فيها الخضر، وصح أنه سلّم عليه موسى حين انتهيا إليه، فقال الخضر: وأَنِّى بأرضك السلام، فقال: أَنا موسى، فقال: موسى بنى إسرائيل؟ قال: نعم. وروى أَنه لما سلّم عليه وهو مسجى عرف أنه موسى، فجلس وقال: وعليك السلام يا نبى بنى إسرائيل، فقال موسى: وما أدراك بى؟ ومَن أخبرك؟ فقال: الذى أعلمك بى، أما يكفيك أن التوراة بيدك، وأن الوحى يأتيك، فقال: إن ربى أرسلنى إليك لأتبعك وأتعلم من عندك. ونكر عبداً ورحمة وعلما للتعظيم، والرحمة الوحى والنبوة عند الجمهور، على أنه نبى، وقيل: رسول، وقيل: ولىّ، وقيل: الرزق الواسع، وقيل: العزلة عن الناس، وعدم الحاجة إِليهم، قيل طول الحياة مع الصحة، والعلم علم الغيب بتكليم الملّك، أو بإشارته المعبَّر عنها بالنفث كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب"تفسير : والإلهام من هذا، وملك الإلهام للأنبياء وغيرهم، أو بتعليم الله بلا واسطة، بل يلقى فى قلبه. وعلم الخضر بإيحاء الله على لسان الملَك، أو بإشارة الملَك من الله دون نطق، والأول هو الوحى الظاهر، والثانى يسمى نفثا أو بالإلهام، وقيل: الإلهام من الثانى، وله ملك يسمى ملك الإلهام، ولا يختص بالأنبياء، وكل ذلك غير علم الحروف. ويجوز تعاطى غير الوحى مما لا يخالف الشرع. وقد ندم ابن عباس عن تركه علم التنجيم الذى لا يخالف الشرع، وقال: إن الناس عطلونى بالمنع عنه، وكأنه قيل: ما جرى بينهما؟ فقال الله عز وجل: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ} إلخ استفهم مع أن الله عز وجل أرسله إليه للتعلم، بل طلب التعلم منه، فأجابه ولم يقل له اجبره، فجرى على سنن مريد التعلم من الطلب والخضوع، أى هل تبيح لى أن أتبعك. {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا} قال الأصوليون: تأتى على للشرط كما هنا، قيل: وفى قوله تعالى: "أية : يبايعنك على أن لا يشركن" تفسير : [الممتحنة: 12] وفى قوله: "أية : على أن تأجرنى"تفسير : [القصص: 27] وهو حقيقة عند الفقهاء، وتردد السبكى فى وقوعه فى كلام العرب. والصحيح وقوعه. قيل: ولم يذكره النحاة، وهو فى آية السورة قلت: هو داخل فى الاستعلاء المجازى، وليس معنى حقيقيا لها، وزعم السرخسى أنه حقيقة، وليس كذلك، كأنه قيل: هل أتبعك بانياً على أن تعلمنى مما علمت رشداً، أى علماً ذا رشد. وهو إصابة الخير، وهو مفعول ثان، وثانى علمت محذوف أى علمته. ويجوز أن يكون الثانى محذوفًا منعوتًا بقوله مما علمت، أى بعضًا مما علمت فرشداً بدل من البعض أو مفعول مطلق لمحذوف مستأنف أى أرشد رشداً أو مفعول لأجله لأتبعك أى لأكون رشيداً أو التعلم بمعنى الإرشاد، ولا إشكال في تعلم موسى مع كثرة علمه بالتوراة وغيرها من الخضر الذى هو دونه، لأن أعلم الناس مَن يجمع علم غيره إليه، ولاختلاف العِلْمين. روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، "حديث : أن الخضر قال: يا موسى إنى على علم من الله تعالى علَّمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من الله تعالى علَّمكه الله سبحانه لا أعلمه"تفسير : . ومعنى قوله تعالى: لى عبد أعلم منك، أن الخضر أعلم من موسى بعلم الحقيقة، ولموسى علم بعض الحقيقة، كما أن للخضر ما يكتفى به من علم الشريعة. قال السيوطى: ما جمعت الشريعة والحقيقة إلا لنبينا صلى الله عليه السلام، ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما على معنى ما جمعت على الوجه الأكمل إلا له صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى تبليغه الشريعة، وأما تبليغه الحقيقة فقد يكون منه لبعض المستعدين، تأمل. ويظهر لى وجه آخر وهو أن المراد يكون الخضر أعلم، أن علم الحقيقة أدخل فى حقيقة العلم من غيره، فيتم الكلام، ولو لم يكن لموسى شئ من علم الحقيقة ألبتة.

الالوسي

تفسير : {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا} الجمهور على أنه الخضر بفتخ الخاء وقد تكسر وكسر الضاد وقد تسكن، وقيل اليسع، وقيل إلياس، وقيل ملك من الملائكة وهو قول غريب باطل كما في «شرح مسلم»، والحق الذي تشهد له الأخبار الصحيحة هو الأول، والخضر لقبه ولقب به كما أخرج البخاري وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. وأخرج ابن عساكر وجماعة عن مجاهد أنه لقب بذلك لأنه إذا صلى اخضر ما حوله، وأخرج ابن أبـي حاتم عن عكرمة أن ذلك لأنه كان إذا جلس في مكان اخضر ما حوله وكانت ثيابه خضراً، وأخرج عن السدي أنه إذا قام بمكان نبت العشب تحت رجليه حتى يغطي قدميه، وقيل لإشراقه وحسنه، والصواب كما قال النووي الأول، وكنيته أبو العباس واسمه بليا بموحدة مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتية، وفي آخره ألف قيل ممدودة، وقيل إبليا بزيادة همزة في أوله، وقيل عامر، وقيل أحمد ووهاه ابن دحية بأنه لم يسم قبل نبينا صلى الله عليه وسلم أحد من الأمم السالفة بأحمد، وزعم بعضهم أن اسم الخضر اليسع وأنه إنما سمي بذلك لأن علمه وسع ست سمٰوات وست أرضين ووهاه ابن الجوزي، وأنت تعلم أنه باطل لا واه، ومثله القول بأن اسمه إلياس. واختلفوا في أبيه فأخرج الدارقطني في «الإفراد» وابن عساكر من طريق مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس أنه ابن آدم لصلبه، وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أن أمه رومية وأباه فارسي، ولم يذكر اسمه وذكر أن إلياس أخوه من هذه الأم وهذا الأب، وأخرج أيضاً عن أسباط عن السدي أنه ابن ملك من الملوك وكان منقطعاً في عبادة الله تعالى وأحب أبوه أن يزوجه فأبـى ثم أجاب فزوجه بامرأة بكر فلم يقربها سنة ثم بثيب فلم يقربها ثم فر فطلبه فلم يقدر عليه ثم تزوجت امرأته الأولى وكانت قد آمنت وهي ماشطة امرأة فرعون، ولم يذكر أيضاً اسم أبيه، وقيل أنه ابن فرعون على ما قيل أنه أبوه وسبحان من يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأخرج أبو الشيخ في «العظمة» وأبو نعيم في «الحلية» عن كعب الأحبار أنه ابن عاميل وأنه ركب في نفر من أصحابه حتى بلغ بحر الهند وهو بحر الصين فقال: يا أصحابـي دلوني فدلوه في البحر أياماً وليالي ثم صعد فقال: استقبلني ملك فقال لي: أيها الآدمي الخطاء إلى أين ومن أين؟ فقلت: أردت أن أنظر عمق هذا البحر فقال لي: كيف وقد أهوى رجل من زمان داود عليه السلام، ولم يبلغ ثلث قعره حتى الساعة وذلك ثلثمائة سنة، وأظنك لا تشك بكذب هذا الخبر وإن قيل حدث عن البحر ولا حرج، وقيل هو ابن العيص وقيل هو ابن كليان بكاف مفتوحة ولام ساكنة وياء مثناة تحتية بعدها ألف ونون. وقال ابن قتيبة في «المعارف»: قال وهب بن منبه أنه ابن ملكان بفتح الميم وإسكان اللام ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ / ابن سام بن نوح عليه السلام. ولم يصح عندي شيء من هذه الأقوال بيد أن صنيع النووي عليه الرحمة في «شرح مسلم» يشعر باختيار أنه بليا بن ملكا وهو الذي عليه الجمهور والله تعالى أعلم. وصح من حديث البخاري وغيره أنهما رجعا إلى الصخرة وإذا رجل مسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه الآخر تحت رأسه. وفي «صحيح مسلم» فأتيا جزيرة فوجد الخضر قائماً يصلي على طنفسة خضراء على كبد البحر، وقال الثعلبـي: انتهيا إليه وهو نائم على طنفسة خضراء على وجه الماء وهو مسجى بثوب أخضر. وقيل إن سبيل الحوت عاد حجراً فلما جاءا إليه مشيا عليه حتى وصلا إلى جزيرة فيها الخضر. وصح أنهما لما انتهيا إليه سلم موسى فقال الخضر: وأنّي بأرضك السلام. فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل قال: نعم، وروي أنه لما سلم عليه وهو مسجى عرفه أنه موسى فرفع رأسه فاستوى جالساً وقال: وعليك السلام يا نبـي بني إسرائيل فقال موسى: وما أدراك بـي ومن أخبرك أني نبـي بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بـي ودلك علي ثم قال: يا موسى أما يكفيك أن التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك؟ قال موسى: إن ربـي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم من علمك، والتنوين في {عَبْداً} للتفخيم والإضافة في {عِبَادِنَا} للتشريف والاختصاص أي عبداً جليل الشأن ممن اختص بنا وشرف بالإضافة إلينا. {ءاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} قيل المراد بها الرزق الحلال والعيش الرغد، وقيل العزلة عن الناس وعدم الاحتياج إليهم وقيل طول الحياة مع سلامة البنية، والجمهور على أنها الوحي والنبوة وقد أطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم عن ابن عباس، وهذا قول من يقول بنبوته عليه السلام وفيه أقوال ثلاثة، فالجمهور على أنه عليه السلام نبـي وليس برسول، وقيل هو رسول، وقيل هو ولي وعليه القشيري وجماعة، والمنصور ما عليه الجمهور. وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة وبمجموعها يكاد يحصل اليقين. وكما وقع الخلاف في نبوته وقع الخلاف في حياته اليوم فذهب جمع إلى أنه ليس بحي اليوم، وسئل البخاري عنه وعن إلياس عليهما السلام هل هما حيان؟ فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبـي صلى الله عليه وسلم أي قبل وفاته بقليل «حديث : لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد»تفسير : ، والذي في «صحيح مسلم» عن جابر قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذٍ حية تفسير : وهذا أبعد عن التأويل، وسئل عن ذلك غيره من الأئمة فقرأ: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34]. وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخضر حياً لوجب عليه أن يأتي إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بين يديه ويتعلم منه. وقد قال النبـي صلى الله عليه وسلم يوم بدر «حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»تفسير : فكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين كان الخضر حينئذٍ؟. وسئل إبراهيم الحربـي عن بقائه فقال: من أحال على غائب لم ينتصف منه وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان. ونقل في «البحر» عن شرف الدين أبـي عبد الله محمد بن أبـي الفضل المرسي القول بموته أيضاً. ونقله ابن الجوزي عن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى عنهما أيضاً، وكذا عن إبراهيم بن إسحاق الحربـي، وقال أيضاً: كان أبو الحسين بن المنادي يقبح قول من يقول إنه حي. وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد. وكيف يعقل وجود الخضر ولا يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة والجماعة ولا يشهد معه الجهاد مع قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني» تفسير : وقوله عز وجل: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81] وثبوت أن عيسى عليه السلام إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف إمام هذه الأمة ولا يتقدم عليه في مبدأ الأمر، وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر عليه السلام وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة ثم قال: وعندنا من المعقول وجوه على عدم حياته، أحدها أن الذي قال بحياته قال إنه ابن آدم عليه السلام لصلبه وهذا فاسد لوجهين، الأول: أنه يلزم أن يكون عمره اليوم ستة آلاف سنة أو أكثر ومثل هذا بعيد في العادات في حق البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من أولاده كما زعموا أنه وزير ذي القرنين لكان مهول الخلقة مفرط الطول والعرض، ففي «الصحيحين» من حديث أبـي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : خلق آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص بعده» تفسير : وما ذكر أحد ممن يزعم رؤية الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة وهو من أقدم الناس، والوجه الثاني أنه لو كان الخضر قبل نوح عليه السلام لركب معه في السفينة ولم ينقل هذا أحد. الثالث: أن العلماء اتفقوا على أن نوحاً عليه السلام لما خرج من السفينة مات من معه ولم يبق غير نسله ودليل ذلك قوله سبحانه {أية : وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ} تفسير : [الصافات: 77]. الرابع: أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لكان ذلك من أعظم الآيات والعجائب وكان خبره في القرآن مذكوراً في مواضع لأنه من آيات الربوبية وقد ذكر سبحانه عز وجل من استحياه ألف سنة إلا خمسين عاماً وجعله آية فكيف لا يذكر جل وعلا من استحياه أضعاف ذلك، الخامس: أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم وهو حرام بنص القرآن، أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى فلان حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر؟ وهذه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه، وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته، السادس: أن غاية ما يتمسك به في حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر فيالله تعالى العجب هل للخضر علامة يعرفه بها من رآه؟ وكثير من زاعمي رؤيته يغتر بقوله أنا الخضر ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله تعالى فمن أين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب؟ السابع: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه وقال: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف: 78] فكيف يرضى لنفسه بمفارقة مثل موسى عليه السلام ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم وكل منهم يقول: قال لي الخضر جاءني الخضر أوصاني الخضر فيا عجباً له يفارق الكليم ويدور على صحبة جاهل لا يصحبه إلا شيطان رجيم سبحانك هذا بهتان عظيم. الثامن: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول أنا الخضر لو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا لم يلتفت إلى قوله ولم يحتج به في الدين ولا مخلص للقائل بحياته عن ذلك إلا أن يقول: إنه لم يأت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بايعه أو يقول: إنه لم يرسل إليه وفي هذا من الكفر ما فيه، التاسع: أنه لو كان حياً لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله تعالى ومقامه في الصف ساعة وحضوره الجمعة والجماعة وإرشاد جهلة الأمة أفضل بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات إلى غير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ماله وما عليه. وشاع الاستدلال بخبر «لو كان الخضر حياً لزارني» وهو كما قال الحفاظ خبر موضوع لا أصل له ولو صح لأغنى عن القيل والقال ولانقطع به الخصام والجدال. وذهب جمهور العلماء إلى أنه حي / موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية قدست أسرارهم قاله النووي، ونقل عن الثعلبـي المفسر أن الخضر نبـي معمر على جميع الأقوال محجوب عن أبصار أكثر الرجال، وقال ابن الصلاح: هو حي اليوم عند جماهير العلماء [والصالحين] والعامة معهم في ذلك وإنما ذهب إلى إنكار حياته بعض المحدثين واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة: منها ما أخرجه الدارقطني في «الأفراد» وابن عساكر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسىء له في أجله حتى يكذب الدجال ومثله لا يقال من قبل الرأي، ومنها ما أخرجه ابن عساكر عن ابن إسحٰق قال: حدثنا أصحابنا أن آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني إن الله تعالى منزل على أهل الأرض عذاباً فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بـي وادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم فلما بعث الله تعالى نوحاً ضم ذلك الجسد وأرسل الله تعالى الطوفان على الأرض فغرقت زماناً فجاء نوح حتى نزل بابل وأوصى بنيه الثلاثة أن يذهبوا بجسده إلى المغار الذي أمرهم أن يدفنوه به فقالوا: الأرض وحشة لا أنيس بها ولا نهتدي الطريق ولكن كف حتى يأمن الناس ويكثروا فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله تعالى أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه فأنجز الله تعالى له ما وعده فهو يحيا إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيـى، وفي هذا سبب طول بقائه وكأنه سبب بعيد وإلا فالمشهور فيه أنه شرب من عين الحياة حين دخل الظلمة مع ذي القرنين وكان على مقدمته، ومنها ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل متعلق بأستار الكعبة يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قلت: يا عبد الله أعد الكلام قال: أسمعته؟ قال: نعم قال: والذي نفس الخضر بيده ـ وكان هو الخضر ـ لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج وعدد المطر وورق الشجر. ومنها ما نقله الثعلبـي عن ابن عباس قال: قال علي كرم الله تعالى وجهه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي وأخذنا في جهازه خرج الناس وخلا الموضع فلما وضعته على المغتسل إذا بهاتف يهتف من زاوية البيت بأعلى صوته لا تغسلوا محمداً فإنه طاهر طهر فوقع في قلبـي شيء من ذلك وقلت: ويلك من أنت فإن النبـي صلى الله عليه وسلم بهذا أمرنا وهذه سنته وإذا بهاتف آخر يهتف بـي من زاوية البيت بأعلى صوته غسلوا محمداً فإن الهاتف الأول كان إبليس الملعون حسد محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدخل قبره مغسولاً فقلت: جزاك الله تعالى خيراً قد أخبرتني بأن ذلك إبليس فمن أنت؟ قال أنا الخضر حضرت جنازة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها ما أخرجه الحاكم في «المستدرك» عن جابر قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الصحابة دخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت إلى الصحابة فقال: إن في الله تعالى عزاء من كل مصيبة وعوضاً من كل فائت وخلفاً من كل هالك فإلى الله تعالى فأنيبوا وإليه تعالى فارغبوا ونظره سبحانه إليكم في البلاء فانظروا فإنما المصاب من لم يجبر فقال أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما: هذا الخضر عليه السلام؛ ومنها ما أخرجه ابن عساكر أن إلياس والخضر يصومان شهر رمضان في بيت المقدس ويحجان في كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل، ومنها ما أخرجه ابن عساكر أيضاً والعقيلي والدارقطني في «الأفراد» عن ابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: يلتقي الخضر وإلياس كل عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هذه الكلمات باسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله. / ومنها ما أخرجه ابن عساكر بسنده عن محمد بن المنكدر قال: بينما عمر بن الخطاب يصلي على جنازة إذا بهاتف يهتف من خلفه لا تسبقنا بالصلاة يرحمك الله تعالى فانتظره حتى لحق بالصف الأول فكبر عمر وكبر الناس معه فقال الهاتف: إن تعذبه فكثيراً عصاك وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك فنظر عمر وأصحابه إلى الرجل فلما دفن الميت وسوي عليه التراب قال: طوبى لك يا صاحب القبر أن لم تكن عريفاً أو جابياً أو خازناً أو كاتباً أو شرطياً فقال عمر: خذوا لي الرجل نسأله عن صلاته وكلامه هذا عمن هو فتوارى عنهم فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع فقال عمر: هذا والله الذي حدثنا عنه النبـي صلى الله عليه وسلم. والاستدلال بهذا مبني على أنه عنى بالمحدث عنه الخضر عليه السلام إلى غير ذلك. وكثير مما ذكر وإن لم يدل على أنه حي اليوم بل يدل على أنه كان حياً في زمنه صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من حياته إذ ذاك حياته اليوم إلا أنه يكفي في رد الخصم إذ هو ينفي حياته إذ ذاك كما ينفي حياته اليوم، نعم إذا كان عندنا من يثبتها إذ ذاك وينفيها الآن لم ينفع ما ذكر معه لكن ليس عندنا من هو كذلك، وحكايات الصالحين من التابعين والصوفية في الاجتماع به والأخذ عنه في سائر الأعصار أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر. نعم أجمع المحدثون القائلون بحياته عليه السلام على أنه ليس له رواية عن النبـي صلى الله عليه وسلم كما صرح به العراقي في «تخريج أحاديث الأحياء» وهذا خلاف ما عند الصوفية فقد ادعى الشيخ علاء الدين استفادة الأحاديث النبوية عنه بلا واسطة. وذكر السهروردي في «السر المكتوم» أن الخضر عليه السلام حدثنا بثلثمائة حديث سمعه من النبـي صلى الله عليه وسلم شفاهاً. واستدل بعض الذاهبين إلى حياته الآن بالاستصحاب فإنه قد تحققت من قبل بالدليل فتبقى على ذلك إلى أن يقوم الدليل على خلافها ولم يقم. وأجابوا عما استدل به الخصم مما تقدم. فأجابوا عما ذكره البخاري من الحديث الذي لا يوجب نفي حياته في زمانه صلى الله عليه وسلم وإنما يوجب بظاهره نفيها بعد مائة سنة من زمان القول بأنه لم يكن حينئذ على ظهر الأرض بل كان على وجه الماء. وبأن الحديث عام فيما يشاهده الناس بدليل استثناء الملائكة عليهم السلام وإخراج الشيطان، وحاصله انخرام القرن الأول، نعم هو نص في الرد على مدعي التعمير كرتن بن عبد الله الهندي التبريزي الذي ظهر في القرن السابع وادعى الصحبة وروى الأحاديث. وفيه أن الظاهر ممن على ظهر الأرض من هو من أهل الأرض ومتوطن فيها عرفاً ولا شك أن هذا شامل لمن كان في البحر ولو لم يعد من في البحر ممن هو على ظهر الأرض لم يكن الحديث نصاً في الرد على رتن وأضرابه لجواز أن يكونوا حين القول في البحر بل متى قبل هذا التأويل خرج كثير من الناس من عموم الحديث، وضعف العموم في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسِبُوا مَّا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45] ولينظر في قول من قال: يحتمل أنه كان وقت القول في الهواء ففيه أيضاً ما لا يخفى على الناظر. ويرد على الجواب الثاني أن الخضر لو كان موجوداً لكان ممن يشاهده الناس كما هو الأمر المعتاد في البشر. وكونه عليه السلام خارجاً عن ذلك لا يثبت إلا بدليل وأنى هو فتأمل. وأجابوا عما قاله الشيخ ابن تيمية بأن وجوب الإتيان ممنوع فكم من مؤمن به صلى الله عليه وسلم في زمانه لم يأته عليه الصلاة والسلام فهذا خير التابعين أويس القرني رضي الله تعالى عنه لم يتيسر له الإتيان والمرافقة في الجهاد ولا التعلم من غير واسطة وكذا النجاشي رضي الله تعالى عنه. على أنا نقول: إن الخضر عليه السلام كان يأتيه ويتعلم منه صلى الله عليه وسلم لكن على وجه الخفاء لعدم كونه مأموراً بإتيان العلانية لحكمة / إلٰهية اقتضت ذلك. وأما الحضور في الجهاد فقد روى ابن بشكوال في كتاب «المستغيثين بالله تعالى» عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كنت في غزوة فوقع فرسي ميتاً فرأيت رجلاً حسن الوجه طيب الرائحة قال: أتحب أن تركب فرسك؟ قلت: نعم فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره وقال: أقسمت عليك أيتها العلة بعزة عزة الله وبعظمة عظمة الله وبجلال جلال الله وبقدرة قدرة الله وبسلطان سلطان الله وبلا إلٰه إلا الله وبما جرى به القلم من عند الله وبلا حول ولا قوة إلا بالله إلا انصرفت فوثب الفرس قائماً بإذن الله تعالى وأخذ الرجل بركابـي وقال: اركب فركبت ولحقت بأصحابـي فلما كان من غداة غد وظهرنا على العدو فإذا هو بين أيدينا فقلت: ألست صاحبـي بالأمس؟ قال: بلى فقلت: سألتك بالله تعالى من أنت؟ فوثب قائماً فاهتزت الأرض تحته خضراء فقال: أنا الخضر فهذا صريح في أنه قد يحضر بعض المعارك. وأما حديث : قوله صلى الله عليه وسلم في بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» تفسير : فمعناه لا تعبد على وجه الظهور والغلبة وقوة الأمة وإلا فكم من مؤمن كان بالمدينة وغيرها ولم يحضر بدراً، ولا يخفى أن نظم الخضر عليه السلام في سلك أويس القرني والنجاشي وأضرابهما ممن لم يمكنه الإتيان إليه صلى الله عليه وسلم بعيد عن الإنصاف وإن لم نقل بوجوب الإتيان عليه عليه السلام، وكيف يقول منصف بإمامته صلى الله عليه وسلم لجميع الأنبياء عليهم السلام واقتداء جميعهم به ليلة المعراج ولا يرى لزوم الإتيان على الخضر عليه السلام والاجتماع معه صلى الله عليه وسلم مع أنه لا مانع له من ذلك بحسب الظاهر، ومتى زعم أحد أن نسبته إلى نبينا صلى الله عليه وسلم كنسبته إلى موسى عليه السلام فليجدد إسلامه، ودعوى أنه كان يأتي ويتعلم خفية لعدم أمره بذلك علانية لحكمة إلٰهية مما لم يقم عليها الدليل، على أنه لو كان كذلك لذكره صلى الله عليه وسلم ولو مرة وأين الدليل على الذكر؟ وأيضاً لا تظهر الحكمة في منعه عن الإتيان مرة أو مرتين على نحو إتيان جبريل عليه السلام في سورة دحية الكلبـي رضي الله تعالى عنه، وإن قيل إن هذه الدعوى مجرد احتمال، قيل لا يلتفت إلى مثله إلا عند الضرورة ولا تتحقق إلا بعد تحقق وجوده إذ ذاك بالدليل ووجوده كوجوده عندنا، وأما ما روي عن ابن المبارك فلا نسلم ثبوته عنه، وأنت إذا أمعنت النظر في ألفاظ القصة استبعدت صحتها، ومن أنصف يعلم أن حضوره عليه السلام يوم قال النبـي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله تعالى عنه: ارم فداك أبـي وأمي كان أهم من حضوره مع ابن المبارك، واحتمال أنه حضر ولم يره أحد شبه شيء بالسفسطة، وأما ما ذكروه في معنى الحديث فلقائل أن يقول: إنه بعيد فإن الظاهر منه نفي أن يعبد سبحانه إن أهلك تلك العصابة مطلقاً على معنى أنهم إن أهلكوا والإسلام غض ارتد الباقون ولم يكد يؤمن أحد بعد فلا يعبده سبحانه أحد من البشر في الأرض حينئذ، وقد لا يوسط حديث الارتداد بأن يكون المعنى اللهم إن تهلك هذه العصابة الذين هم تاج رأس الإسلام استولى الكفار على سائر المسلمين بعدهم فأهلكوهم فلا يعبدك أحد من البشر حينئذ، وأياً ما كان فالاستدلال بالحديث على عدم وجود الخضر عليه السلام له وجه، فإن أجابوا عنه بأن المراد نفى أن يشاهد من يعبده تعالى بعد والخضر عليه السلام لا يشاهد ورد عليه ما تقدم. وأجابوا عن الاستدلال بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34] بأن المراد من الخلد الدوام الأبدي والقائلون بوجوده اليوم لا يقولون بتأبيده بل منهم من يقول: إنه يقاتل الدجال ويموت، ومنهم من يقول: إنه يموت زمان رفع القرآن، ومنهم من يقول: إنه يموت في آخر الزمان ومراده أحد هذين الأمرين أو ما يقاربهما. وتعقب بأن الخلد بمعنى الخلود وهو على ما يقتضيه ظاهر قوله تعالى: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} تفسير : [النساء: 57] حقيقة في / طول المكث لا في دوام البقاء فإن الظاهر التأسيس لا التأكيد، وقد قال الراغب: كل ما يتباطأ عنه التغير والفساد تصفه العرب بالخلود كقولهم للأثافي خوالد وذلك لطول مكثها لا لدوامها وبقائها انتهى. وأنت تعلم قوة الجواب لأن المكث الطويل ثبت لبعض البشر كنوح عليه السلام. وأجابوا عما نقل عن ابن الجوزي من الوجوه العقلية، أما عن الأول من وجهي فساد القول بأنه ابن آدم عليه السلام بعد تسليم صحة الرواية فبأن البعد العادي لا يضر القائل بتعميره هذه المدة المديدة لأن ذلك عنده من خرق العادات، وأما على الثاني فبأن ما ذكر من عظم خلقة المتقدمين خارج مخرج الغالب وإلا فيأجوج ومأجوج من صلب يافث بن نوح وفيهم من طوله قدر شبر كما روي في الآثار، على أنه لا بدع في أن يكون الخضر عليه السلام قد أعطي قوة التشكل والتصور بأي صورة شاء كجبريل عليه الصلاة والسلام، وقد أثبت الصوفية قدست أسرارهم هذه القوة للأولياء ولهم في ذلك حكايات مشهورة، وأنت تعلم أن ما ذكر عن يأجوج ومأجوج من أن فيهم من طوله قدر شبر بعد تسليمه لقائل أن يقول فيه: إن ذلك حين يفتح السد وهو في آخر الزمان ولا يتم الاستناد بحالهم إلا إذا ثبت أن فيهم من هو كذلك في الزمن القديم، وما ذكر من إعطائه من قوة التشكل احتمال بعيد وفي ثبوته للأولياء خلاف كثير من المحدثين. وقال بعض الناس: لو أعطي أحد من البشر هذه القوة لأعطيها صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة فاستغنى بها عن الغار وجعلها حجاباً له عن الكفار، وللبحث في هذا مجال. «وعن الثاني» من الوجوه بأنه لا يلزم من عدم نقل كونه في السفينة إن قلنا بأنه عليه السلام كان قبل نوح عليه السلام عدم وجوده لجواز أنه كان ولم ينقل مع أنه يحتمل أن يكون قد ركب ولم يشاهد وهذا كما ترى. وقال بعض الناس: إذا كان احتمال إعطاء قوة التشكل قائماً عند القائلين بالتعمير فليقولوا يحتمل أنه عليه السلام قد تشكل فصار في غاية من الطول بحيث خاض في الماء ولم يحتج إلى الركوب في السفينة على نحو ما يزعمه أهل الخرافات في عوج بن عوق، وأيضاً هم يقولون: له قدرة الكون في الهواء فما منعهم من أن يقولوا بأنه يحتمل أنه لم يركب وتحفظ عن الماء بالهواء كما قالوا باحتمال أنه كان في الهواء في الجواب عن حديث البخاري. وأيضاً ذكر بعضهم عن العلامي في «تفسيره» أن الخضر يدور في البحار يهدي من ضل فيها وإلياس يدور في الجبال يهدي من ضل فيها هذا دأبهما في النهار وفي الليل يجتمعان عند سد يأجوج ومأجوج يحفظانه فلم لم يقولوا: إنه عليه السلام بقي في البحر حين ركب غيره السفينة ولعلهم إنما لم يقولوا ذلك لأن ما ذكر قد روى قريباً منه الحرث بن أبـي أسامة في «مسنده» عن أنس مرفوعاً ولفظه: «حديث : إن الخضر في البحر وإلياس في البر يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين» تفسير : الخبر، وقد قالوا: إن سنده واه أو لأنهم لا يثبتون له هذه الخدمة الإلٰهية في ذلك الوقت، ويوشك أن يقولوا في إعطائه قوة التشكل والكون في الهواء كذلك. «وعن الثالث» بأنه لا نسلم الاتفاق على أنه مات كل أهل السفينة ولم يبق بعد الخروج منها غير نسل نوح عليه السلام والحصر في الآية إضافي بالنسبة إلى المكذبين بنوح عليه السلام. وأيضاً المراد أنه مات كل من كان ظاهراً مشاهداً غير نسله عليه السلام بدليل أن الشيطان كان أيضاً في السفينة. وأيضاً المراد من الآية بقاء ذريته عليه السلام على وجه التناسل وهو لا ينفي بقاء من عداهم من غير تناسل ونحن ندعي ذلك في الخضر. على أن القول بأنه كان قبل نوح عليهما السلام قول ضعيف والمعتمد كونه بعد ذلك ولا يخفى ما في بعض ما ذكر من الكلام. / وعن الرابع: بأنه لا يلزم من كون تعميره من أعظم الآيات أن يذكر في القرآن العظيم كرات، وإنما ذكر سبحانه نوحاً عليه السلام تسلية لنبينا صلى الله عليه وسلم بما لاقى من قومه في هذه المدة مع بقائهم مصرين على الكفر حتى أغرقوا ولا توجد هذه الفائدة في ذكر عمر الخضر عليه السلام لو ذكر، على أنه قد يقال: من ذكر طول عمر نوح عليه السلام تصريحاً يفهم تجويز عمر أطول من ذلك تلويحاً. وتعقب بأن لنا أن نعود فنقول: لا أقل من أن يذكر هذا الأمر العظيم في القرآن العظيم مرة لأنه من آيات الربوبية في النوع الإنساني، وليس المراد أنه يلزم عقلاً من كونه كذلك ذكره بل ندعي أن ذكر ذلك أمر استحساني لا سيما وقد ذكر تعمير عدو الله تعالى إبليس عليه اللعنة فإذا ذكر يكون القرآن مشتملاً على ذكر معمر من الجن مبعد وذكر معمر من الإنس مقرب ولا يخفى حسنه، وربما يقال: إن فيه أيضاً إدخال السرور على النبـي صلى الله عليه وسلم، وبأن التجويز المذكور في حيز العلاوة مما لا كلام فيه إنما الكلام في الوقوع ودون إثباته الظفر بماء الحياة، وأجاب بعضهم بأن في قوله تعالى: {آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} إشارة إلى طول عمره عليه السلام على ما سمعت عن بعض في تفسيره. ورد بأن تفسيره بذلك مبني على القول بالتعمير فإن قبل قبل وإلا فلا. وعن الخامس: بأنا نختار أنه ثابت بالسنة وقد تقدم لك طرف منها. وتعقب بما نقله عن القارىء عن ابن قيم الجوزية أنه قال: إن الأحاديث التي يذكر فيها الخضر عليه السلام وحياته كلها كذب ولا يصح في حياته حديث واحد ومن ادعى الصحة فعليه البيان، وقيل: يكفي في ثبوته إجماع المشايخ العظام وجماهير العلماء الأعلام. وقد نقد هذا الإجماع ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الأجلة الفخام. وتعقب بأن إجماع المشايخ غير مسلم فقد نقل الشيخ صدر الدين إسحٰق القونوي في «تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي» أن وجود الخضر عليه السلام في عالم المثال. وذهب عبد الرزاق الكاشي إلى أن الخضر عبارة عن البسط وإلياس عن القبض، وذهب بعضهم إلى أن الخضرية رتبة يتولاها بعض الصالحين على قدم الخضر الذي كان في زمان موسى عليهما السلام، ومع وجود هذه الأقوال لا يتم الإجماع وكونها غير مقبولة عند المحققين منهم لا يتممه أيضاً، وإجماع جماهير العلماء على ما نقل ابن الصلاح والنووي مسلم لكنه ليس الإجماع الذي هو أحد الأدلة الشرعية والخصم لا يقنع إلا به وهو الذي نفاه فأنى#1648; بإثباته، ولعل الخصم لا يعتبر أيضاً إجماع المشايخ قدست أسرارهم إجماعاً هو أحد الأدلة. وعن السادس: بأن له علامات عند أهله ككون الأرض تخضر عند قومه وأن طول قدمه ذراع وربما يظهر منه بعض خوارق العادات بما يشهد بصدقه، على أن المؤمن يصدق بقوله بناء على حسن الظن به، وقد شاع بين زاعمي رؤيته عليه السلام أن من علاماته أن إبهام يده اليمنى لا عظم فيه وأن بؤبؤ إحدى عينيه يتحرك كالزئبق، وتعقب بأنه بأي دليل ثبت أن هذه علاماته قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. والذي ثبت في الحديث الصحيح أنه إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء وأين فيه ثبوت ذلك له دائماً، وكون طول قدمه ذراعاً إنما جاء في خبر محمد بن المنكدر السابق عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولا نسلم صحته، على أن زاعمي رؤيته يزعمون أنهم يرونه في صور مختلفة ولا يكاد يستقر له عليه السلام قدم على صورة واحدة، وظهور الخوارق مشترك بينه وبين غيره من أولياء الأمة فيمكن أن يظهر ولي خارقاً ويقول: أنا الخضر مجازاً لأنه على قدمه أو لاعتبار آخر ويدعوه لذلك / داع شرعي، وقد صح في حديث الهجرة أنه صلى الله عليه وسلم لما قيل له ممن القوم؟ قال: من ما فظن السائل أَن ما اسم قبيلة ولم يعن صلى الله عليه وسلم إلا أنهم خلقوا من ماء دافق، وقد يقال للصوفي: إن أنا الخضر مع ظهور الخوارق لا تيقن منه أن القائل هو الخضر بالمعنى المتبادر في نفس الأمر لجواز أن يكون ذلك القائل ممن هو فان فيه لاتحاد المشرب، وكثيراً ما يقول الفاني في شيخه أنا فلان ويذكر اسم شيخه، وأيضاً متى وقع من بعضهم قول: أنا الحق وما في الجبة إلا الله لم يبعد أن يقع أنا الخضر، وقد ثبت عن كثير منهم نظماً ونثراً قول: أنا آدم أنا نوح أنا إبراهيم أنا موسى أنا عيسى أنا محمد إلى غير ذلك مما لا يخفى عليك وذكروا له محملاً صحيحاً عندهم فليكن قول: أنا الخضر ممن ليس بالخضر على هذا الطرز، ومع قيام هذا الاحتمال كيف يحصل اليقين؟ وحسن الظن لا يحصل منه ذلك. وعن السابع: بأنا لا نسلم اجتماعه بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة ولا يلتفت إلى قولهم فالكذابون الدجالون يكذبون على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يبعد أن يكذبوا على الخضر عليه السلام ويقولوا قال وجاء إنما القول باجتماعه بأكابر الصوفية والعباد المحافظين على الحدود الشرعية فإنه قد شاع اجتماعه بهم حتى أن منهم من طلب الخضر مرافقته فأبى، وروي ذلك عن علي الخواص رحمة الله تعالى عليه في سفر حجه، وسئل عن سبب آبائه فقال: خفت من النقص في توكلي حيث اعتمدت على وجوده معي. وتعقب بأن اجتماعه بهم واجتماعهم به يحتمل أن يكون من قبيل ما يذكرونه من اجتماعهم بالنبـي صلى الله عليه وسلم واجتماعه عليه الصلاة والسلام بهم، وذلك أن الأرواح المقدسة قد تظهر متشكلة ويجتمع بها الكاملون من العباد، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم رأى موسى عليه السلام قائماً يصلي في قبره ورآه في السماء ورآه يطوف بالبيت. وادعى الشيخ الأكبر قدس سره الاجتماع مع أكثر الأنبياء عليهم السلام لا سيما مع إدريس عليه السلام فقد ذكر أنه اجتمع به مراراً وأخذ منه علماً كثيراً بل قد يجمع الكامل بمن لم يولد بعد كالمهدي، وقد ذكر الشيخ الأكبر أيضاً اجتماعه معه، وهذا ظاهر عند من يقول: إن الأزل والأبد نقطة واحدة والفرق بينهما بالاعتبار عند المتجردين عن جلابيب أبدانهم، ولعل كثرة هذا الظهور والتشكل من خصوصيات الخضر عليه السلام، ومع قيام هذا الاحتمال لا يحصل يقين أيضاً بأن الخضر المرئي موجود في الخارج كوجود سائر الناس فيه كما لا يخفى. ومما يبني على اجتماعه عليه السلام بالكاملين من أهل الله تعالى بعض طرق إجازتنا بالصلاة البشيشية فإني أرويها من بعض الطرق عن شيخي علاء الدين علي أفندي الموصلي عن شيخه ووالده صلاح الدين يوسف أفندي الموصلي عن شيخه خاتمة المرشدين السيد علي البندينجي عن نبـي الله تعالى الخضر عليه السلام عن الولي الكامل الشيخ عبد السلام بن بشيش قدس سره. وعن الثامن: بأنا لا نسلم أن القول بعدم إرساله صلى الله عليه وسلم إليه عليه السلام كفر، وبفرض أنه ليس بكفر هو قول باطل إجماعاً، ونختار أنه أتى وبايع لكن باطناً حيث لا يشعر به أحد؛ وقد عده جماعة من أرباب الأصول في الصحابة، ولعل عدم قبول روايته لعدم القطع في وجوده وشهوده في حال رؤيته وهو كما ترى. وعن التاسع: بأنه مجازفة في الكلام فإنه من أين يعلم نفي ما ذكره من حضور الجهاد وغيره عن الخضر عليه السلام مع أن العالم بالعلم اللدني لا يكون مشتغلاً إلا بما علمه الله تعالى في كل مكان وزمان بحسب ما يقتضي الأمر والشأن. وتعقب بأن النفي مستند إلى عدم الدليل فنحن نقول به / إلى أن يقوم الدليل ولعله لا يقوم حتى يقوم الناس لرب العالمين، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في العلم اللدني والعالم به. وبالجملة قد ظهر لك حال معظم أدلة الفريقين وبقي ما استدل به البعض من الاستصحاب، وأنت تعلم أنه حجة عند الشافعي والمزني وأبـي بكر الصيرفي في كل شيء نفياً وإثباتاً ثبت تحققه بدليل ثم وقع الشك في بقائه إن لم يقع ظن بعدمه، وأما عندنا وكذا عند المتكلمين فهو من الحجج القاصرة التي لا تصلح للإثبات وإنما تصلح للدفع بمعنى أن لا يثبت حكم وعدم الحكم مستند إلى عدم دليله والأصل في العدم الاستمرار حتى يظهر دليل الوجود فالمفقود يرث عنده لا عندنا لأن الإرث من باب الإثبات فلا يثبت به ولا يورث لأن عدم الإرث من باب الدفع فيثبت به، ويتفرع على هذا الخلاف فروع أخر ليس هذا محل ذكرها، وإذا كان حكم الاستصحاب عندنا ما ذكر فاستدلال الحنفي به على إثبات حياة الخضر عليه السلام اليوم وأنها متيقنة لا يخلو عن شيء بل استدلال الشافعي به على ذلك أيضاً كذلك بناء على أن صحة الاستدلال به مشروط بعدم وقوع ظن بالعدم فإن العادة قاضية بعدم بقاء الآدمي تلك المدة المديدة والأحقاب العديدة، وقد قيل: إن العادة دليل معتبر ولولا ذلك لم يؤثر خرق العادة بالمعجزة في وجوب الاعتقاد والاتباع فإن لم تفد يقيناً بالعدم فيما نحن فيه أفادت الظن به فلا يتحقق شرط صحة الاستدلال، وعلى هذا فالمعول عليه الخالص من شوب الكدر الاستدلال بأحد الأدلة الأربعة وقد علمت حال استدلالهم بالكتاب والسنة وما سموه إجماعاً، وأما الاستدلال بالقياس هنا فمما لا يقدم عليه عاقل فضلاً عن فاضل. ثم اعلم: بعد كل حساب أن الأخبار الصحيحة النبوية والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته عليه السلام أي مساعدة وتعاضدهم على دعواهم أي معاضدة، ولا مقتضي للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية والله تعالى أعلم بصحتها عن بعض الصالحين الأخبار وحسن الظن ببعض السادة الصوفية فإنهم قالوا بوجوده إلى آخر الزمان على وجه لا يقبل التأويل السابق، ففي الباب الثالث والسبعين من «الفتوحات المكية» ((اعلم أن لله تعالى في كل نوع من المخلوقات خصائص وصفوة، وأعلى الخواص فيه من العباد الرسل عليهم السلام ولهم مقام الرسالة والنبوة والولاية والإيمان فهم أركان بيت هذا النوع، والرسول أفضلهم مقاماً وأعلاهم حالاً بمعنى أن المقام الذي أرسل منه أعلى منزلة عند الله تعالى من سائر المقامات وهم الأقطاب والأئمة والأوتاد الذين يحفظ الله تعالى بهم العالم ويصون بهم بيت الدين القائم بالأركان الأربعة الرسالة والنبوية والولاية والإيمان، والرسالة هي الركن الجامع وهي المقصودة من هذا النوع فلا يخلو من أن يكون فيه رسول كما لا يزال دين الله تعالى، وذلك الرسول هو القطب الذي هو موضع نظر الحق وبه يبقى النوع في هذه الدار ولو كفر الجميع، ولا يصح هذا الاسم على إنسان إلا أن يكون ذا جسم طبيعي وروح ويكون موجوداً في هذا النوع في هذه الدار بجسده وروحه يتغذى، وهو مجلى الحق من آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قرر الدين الذي لا ينسخ والشرع الذي لا يبدل، ودخل الرسل كلهم عليهم السلام في ذلك الدين وكانت الأرض لا تخلو من رسول حسي بجسمه لأنه قطب العالم الإنساني وإن تعدد الرسل كان واحد منهم هو المقصود أبقى الله تعالى بعد وفاته عليه الصلاة والسلام من الرسل الأحياء بأجسادهم في هذه الدار أربعة إدريس وإلياس وعيسى والخضر عليهم السلام، والثلاثة الأول متفق عليهم والأخير مختلف فيه عند غيرنا لا عندنا؛ فأسكن / سبحانه إدريس في السماء الرابعة، وهي سائر السماوات السبع من الدار الدنيا لأنها تتبدل في الدار الأخرى كما تتبدل هذه النشأة الترابية منا بنشأة أخرى، وأبقى الآخرين في الأرض فهم كلهم باقون بأجسامهم في الدار الدنيا، وكلهم الأوتاد، وإثنان منهم الإمامان، وواحد منهم القطب الذي هو موضع نظر الحق من العالم، وهو ركن الحجر الأسود من أركان بيت الدين، فما زال المرسلون ولا يزالون في هذه الدار إلى يوم القيامة وإن كانوا على شرع نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بالواحد منهم يحفظ الله تعالى الإيمان وبالثاني الولاية وبالثالث النبوة وبالرابع الرسالة وبالمجموع الدين الحنيفي، والقطب من هؤلاء لا يموت أبداً أي لا يصعق. وهذه المعرفة لا يعرفها من أهل طريقتنا إلا الأفراد الأمناء، ولكل واحد منهم من هذه الأمة في كل زمان شخص على قلبه مع وجودهم ويقال لهم النواب، وأكثر الأولياء من عامة أصحابنا لا يعرفون إلا أولئك النواب ولا يعرفون أولئك المرسلين، ولذا يتطاول كل واحد من الأمة لنيل مقام القطبية والإمامية والوتدية فإذا خصوا بها عرفوا أنهم نواب عن أولئك المرسلين عليهم السلام. ومن كرامة نبينا صلى الله عليه وسلم أن جعل من أمته وأتباعه رسلاً وإن لم يرسلوا فهم من أهل هذا المقام الذي منه يرسلون وقد كانوا أرسلوا، فلهذا صلى صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء عليهم السلام لتصح له الإمامة على الجميع حيا بجسمانيته وجسمه، فلما انتقل عليه الصلاة والسلام بقي الأمر محفوظاً بهؤلاء الرسل عليهم السلام، فثبت الدين قائماً بحمد الله تعالى وإن ظهر الفساد في العالم إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وهذه نكتة فاعرف قدرها فإنك لا تراها في كلام أحد غيرنا. ولولا ما ألقي عندي من إظهارها ما أظهرتها لسر يعلمه الله تعالى ما أعلمنا به. ولا يعرف ما ذكرناه إلا نوابهم دون غيرهم من الأولياء، فاحمدوا الله تعالى يا إخواننا حيث جعلكم الله تعالى ممن قرع سمعه أسرار الله تعالى المخبوءة في خلقه التي اختص بها من شاء من عباده. فكونوا لها قابلين وبها مؤمنين ولا تحرموا التصديق بها فتحرموا خيرها)) انتهى. وعلم منه القول برسالة الخضر عليه السلام وهو قول مرجوح عند جمهور العلماء والقول بحياته وبقائه إلى يوم القيامة وكذا بقاء عيسى عليه السلام، والمشهور أنه بعد نزوله إلى الأرض يتزوج ويولد له ويتوفى ويدفن في الحجرة الشريفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولينظر ما وجه قوله قدس سره بإبقاء عيسى عليه السلام في الأرض وهو اليوم في السماء كإدريس عليه السلام، ثم إنك إن اعتبرت مثل هذه الأقوال وتلقيتها بالقبول لمجرد جلالة قائلها وحسن الظن فيه فقل بحياة الخضر عليه السلام إلى يوم القيامة، وإن لم تعتبر ذلك وجعلت الدليل وجوداً وعدماً مداراً للقبول والرد ولم تغرك جلالة القائل إذ كل أحد يؤخذ من قوله ويرد ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: لا تنظر إلى من قال وانظر ما قال فاستفت قلبك بعد الوقوف على أدلة الطرفين وما لها وما عليها ثم اعمل بما يفتيك. وأنا أرى كثيراً من الناس اليوم بل في كثير من الأعصار يسمون من يخالف الصوفية في أي أمر ذهبوا إليه منكراً ويعدونه سيء العقيدة ويعتقدون بمن يوافقهم ويؤمن بقولهم الخير، وفي كلام الصوفية أيضاً نحو هذا فقد نقل الشيخ الأكبر قدس سره في الباب السابق عن أبـي يزيد البسطامي قدس سره أنه قال لأبـي موسى الدبيلي: يا أبا موسى إذا رأيت من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة فقل له يدعو لك فإنه مجاب الدعوة. وذكر أيضاً أنه سمع / أبا عمران موسى بن عمران الإشبيلي يقول لأبـي القاسم بن عفير الخطيب وقد أنكر ما يذكر أهل الطريقة يا أبا القاسم لا تفعل فإنك إن فعلت هذا جمعنا بين حرمانين لا ندري ذلك من نفوسنا ولا نؤمن به من غيرنا وما ثم دليل يرده ولا قادح يقدح فيه شرعاً أو عقلاً انتهى. ويفهم منه أن ما يرده الدليل الشرعي أو العقلي لا يقبل وهو الذي إليه أذهب وبه أقول، وأسأل الله تعالى أن يوفقني وإياك لكل ما هو مرضي لديه سبحانه ومقبول. والتنوين في قوله تعالى: {رَحْمَةً} للتفخيم وكذا في قوله سبحانه: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} أي علماً لا يكتنه كنهه ولا يقادر قدره وهو علم الغيوب وأسرار العلوم الخفية، وذكر {لَّدُنَّـا} قيل لأن العلم من أخص صفاته تعالى الذاتية وقد قالوا: إن القدرة لا تتعلق بشيء ما لم تتعلق الإرادة وهي لا تتعلق ما لم يتعلق العلم فالشيء يعلم أولاً فيراد فتتعلق به القدرة فيوجد. وذكر أنه يفهم من فحوى {مّن لَّدُنَّـا} أو من تقديمه على {عِلْمًا} اختصاص ذلك بالله تعالى كأنه قيل علماً يختص بنا ولا يعلم إلا بتوقيفنا، وفي اختيار {عَلَّمْنَـٰهُ}على آتيناه من الإشارة إلى تعظيم أمر هذا العلم ما فيه، وهذا التعليم يحتمل أن يكون بواسطة الوحي المسموع بلسان الملك وهو القسم الأول من أقسام الوحي الظاهري كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الغيب الذي أوحاه الله تعالى إليه في القرآن الكريم، وأن يكون بواسطة الوحي الحاصل بإشارة الملك من غير بيان بالكلام وهو القسم الثاني من ذلك ويسمى بالنفث كما في حديث حديث : إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله تعالى واجملوا في الطلب تفسير : - والإلهام على ما يشير إليه بعض عبارات القوم من هذا النوع، ويثبتون له ملكاً يسمونه ملك الإلهام، ويكون للأنبياء عليهم السلام ولغيرهم بالإجماع، ولهم في الوقوف على المغيبات طرق تتشعب من تزكية الباطن. والآية عندهم أصل في إثبات العلم اللدني، وشاع إطلاق علم الحقيقة والعلم الباطن عليه ولم يرتض بعضهم هذا الإطلاق، قال العارف بالله تعالى الشيخ عبد الوهاب الشعراني عليه الرحمة في كتابة المسمى «بالدرر المنثورة في بيان زبد العلوم المشهورة» ما لفظه: وأما زبدة علم التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة فمن عمل بما علم تكلم بما تكلموا وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الأفهام، حتى قال بعضهم لشيخه: إن كلام أخى فلان يدق عليَّ فهمه فقال: لأن لك قميصين وله قميص واحد فهو أعلى مرتبة منك، وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بالعلم الباطن وليس ذلك بباطن إذ الباطن إنما هو علم الله تعالى وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من العلم الظاهر لاْنه ظهر للخلق فاعلم ذلك انتهى. والحق أن إطلاق العلم الباطن اصطلاحاً على ما وقفوا عليه صحيح ولا مشاحة في الاصطلاح، ووجهه أنه غير ظاهر على أكثر الناس ويتوقف حصوله على القوة القدسية دون المقدمات الفكرية وإن كان كل علم يتصف بكونه باطناً وكونه ظاهراً بالنسبة للجاهل به والعالم به، وهذا كإطلاق العلم الغريب على علم الأوفاق والطلسمات والجفر وذلك لقلة وجوده والعارفين به فاعرف ذلك. وزعم بعضهم أن أحكام العلم الباطن وعلم الحقيقة مخالفة لأحكام الظاهر وعلم الشريعة وهو زعم باطل عاطل وخيال فاسد كاسد، وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل نصوص القوم فيما يرده وأنه لا مستند لهم في قصة موسى والخضر عليهما السلام. / وقرأ أبو زيد عن أبـي عمرو {لَّدُنَّـا} بتخفيف النون وهي إحدى اللغات في لدن.

الشنقيطي

تفسير : هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر عليه السلام بإجماع العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة على ذلك من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما لم يبين هنا هل هما رحمة النبوة وعلمها، أو رحمة الولاية وعلمها. والعلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول أو ولي. كما قال الراجز: شعر : واختلفت في خضر أهل العقول قيل نبي أو ولي أو رسول تفسير : وقيل ملك. ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة. وأن هذا العلم اللدني علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء. اعلم أولاً - أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن. وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في "الزخرف": {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ}تفسير : [الزخرف: 31-32] الآية. أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة "الدخان": {أية : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}تفسير : [الدخان: 4] {أية : أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [الدخان: 5-6] الآية، وقوله تعالى في آخر "القصص" {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القصص: 86] الآية. ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى:{أية : وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113]، وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}تفسير : [يوسف: 68] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}تفسير : [الكهف: 82] أي وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا. وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل و علا. ولا سيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها. لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ}تفسير : [الأنبياء: 45] و "إنما " صيغة حصر. فإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام - فالجواب - أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به. بل لوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به، وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضاً من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}تفسير : [الأنعام: 125]، وبخبر "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" كله باطل لا يعول عليه، لعدم اعتضاده بدليل. وغير المعصوم لا ثقة بخواطره، لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كالإلهام غيرهم، لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال: شعر : وينبذ الإلهام بالعراء أعني به إلهام الأولياء وقد رآه بعض من تصوفا وعصمة النَّبي توجب اقتفا تفسير : وبالجمله، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك -إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، ما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة - فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15] ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاماً. وقال تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [النساء: 165]. قال: {أية : وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ}تفسير : [طه: 134] الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جداً. وقد بينا طرفا من ذلك في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}تفسير : [الإسراء: 15]. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى - زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره. قال القرطبي رحمه الله في تفسيره ما نصه: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة. وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص. بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزيئات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون". قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب. لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالتهم وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}تفسير : [الحج: 75]، وقال تعالى: أية : {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124] {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}تفسير : [البقرة: 213]، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال إن هناك طريقاً أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل - فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول. وبيان ذلك - أن من قال: يأخذ عن قلبه. وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة- فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة. فإن هذا نحو ما قاله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن روح القدس نفث في روعي.."تفسير : الحديث. انتهى من تفسير القرطبي. وما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة "آل عمران". وما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث "حديث : استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك" تفسير : - لا دليل فيه ألبتة على اعتبار الإلهام: لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل من الحديث: التحذير من الشبه، لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعملها كل الناس. فقد يفتيك المفتي بحلية شيء وأنت تعلم من طريق أخرى أنه يحتمل أن يكون حراماً، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة، والحديث، كقوله حديث : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" تفسير : رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، حديث : وحديث وابصة بن معبد رضي الله عنه المشار إليه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "جئت تسأل عن البر؟" قلت: نعم قال: "استفت قلبك. البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك" تفسير : قال النووي في (رياض الصالحين): حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه - الحث على الورع وترك الشبهات، فلو التبست مثلاً ميتة بمذكاة، أو امرأة محرم بأجنبية، وأفتاك بعض المفتين بحلية إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول، والأجنبية في الثاني. فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو الأخت، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض - لا يتحقق إلا بتجنب الجميع، لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. فهذا يحيك في النفس ولا تنشرح له، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى. وكل ذلك مستند لنصوص الشرح لا للالهام. ومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح - قول الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري رحمه الله: (مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة)، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه رحمه الله، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق، فلا أمر ولا نهي إلا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام وبهذا كله تعلم أن قتل الخضر للغلام وخرقه للسفينة وقوله: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}تفسير : [الكهف: 82] دليل ظاهر على نبوته. وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى عليه الصلاة والسلام له في قوله: {أية : قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}تفسير : [الكهف: 66]، وقوله: {أية : سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً}تفسير : [الكهف: 69] مع قول الخضر له {أية : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}تفسير : [الكهف: 68]. مسألة اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: أو هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، وابن الصلاح، والنقاش وغيرهم. قال ابن عطية: وأطنب النقاش له هذا المعنى، يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم القيامة. وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق - انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر. ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية. كل ذلك معروف. ومستند القائلين بذلك ضعيف جداً. لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح. ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة. ومن أقواه عند القائلين به - آثار التعزية حين توفي النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر ابن عبد البر في تمهيده عن علي رضي الله عنه قال: لما توفي النَّبي صلى الله عليه وسلم وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم أهل البيت {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [العنكبوت: 57] الآية. إن في الله خلقاً من كل هالك، وعوضاً من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة - فبالله فثقوا، وإياه فارجو. فإن المصاب من حرم الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام. يعني أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره. قال مقيدة عفا الله عنه: والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفاً - مردود من وجهين: الأول - أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح. قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه. وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف اهـ. منه. الثاني - أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح لا يلزم من ذلك عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاناً أن يكون ذلك المعزي هو الخضر. بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن. لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}تفسير : [الأعراف: 27]. ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بل دليل. وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر ليس حجة يجب الرجوع إليها. لاحتمال أن يخطؤوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفي، وذلك لعدة أدلة: الأول - ظاهر عموم قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 34]، فقوله "لبشر" نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر - فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله. والخضر بشر من قبله. فلو كان شرب من عين الحياة وصار حياً خالداً إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد. الثاني - قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"تفسير : فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا هناد بن السري، حدثنا ابن المبارك عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر - (ح) وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو زميل الحنفي، حدثني عبد الله بن عباس قال: حديث : حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً. فاستقبل النَّبي صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"تفسير : فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداؤه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ}تفسير : [الأنفال: 9] فأمده الله بالملائكة..الحديث. ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تعبد في الأرض" فعل سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض، لأن الفعل ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين. وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين. فالمصدر كامن في مفهومه إجماعاً، فيتسلط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما تقدم إيضاحه في سورة "بني إسرائيل" وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفاً على ما يفيد العموم: شعر : ونحو لا شربت أو إن شربا واتفقوا إن مصدر قد جلبا تفسير : فإذا علمت أن معنى حديث : قوله صلى الله عليه وسلم: "إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" تفسير : أي لا تقع عبادة لك في الأرض. فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حياً في الأرض، لأنه على تقدير وجوده حياً في الأرض فإن الله يعبد في الأرض. ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام. لأن الخضر ما دام حياً فهو يعبد الله في الأرض. وقال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة حديث : عن ابن عباس قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك! فخرج وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر"تفسير : . حديث : فقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض" تفسير : أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض. فيرجع معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر. الثالث - إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة، فلو كان الخضر حياً في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع. وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا، وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان: حديث : أن عبد الله بن عمر قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته. فلما سلم قال فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد"تفسير : . قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"تفسير : ، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن, حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه، حدثني هارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت النًّبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر: "حديث : تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله. وأقسم الله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة" تفسير : حدثنيه محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد ولم يذكر "قبل موته بشهر". حدثني يحيى بن حبيب، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر قال ابن حبيب، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك: "حديث : ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" تفسير : وعن عبد الرحمن صاحب السقاية، عن جابر بن عبد الله عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك. وفسرها عبد الرحمن قال: نقص العمر. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي بالإسنادين جميعاً مثله. حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو خالد عن داود واللفظ له (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سليمان بن حيان عن داود عن أبي نضرة حديث : عن أبي سعيد قال: لما رجع النَّبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سألوه عن الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تأتي مائة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" تفسير : حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا أو عوانة عن حصين عن سالم عن جابر بن عبد الله قال: قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة"تفسير : فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ اهـ - منه بلفظه. فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر، وجابر، وأبو سعيد - فيه تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة. فقوله "نفس منفوسة" ونحوها من الألفاظ في روايات الحديث نكرة في سياق النفي فهي تعم كل نفس مخلوقة على الأرض. ولا شك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخضر، لأنه نفس منفوسة على الأرض. وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حثمة حديث : أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد"تفسير : فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة: وإنما حديث : قال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض" تفسير : يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن - انتهى منه بلفظه. وقد بينا وجه دلالته على المراد قريباً. الرابع - أن الخضر لو كان حياً إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه، لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جداً، كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}تفسير : [الأعراف: 158]، وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}تفسير : [الفرقان: 1]، وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ}تفسير : [سبأ: 28] ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة "آل عمران": أنه أخذ على جميع النَّبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [آل عمران: 81-82]. وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قاله ابن العباس وغيره - فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو صلى الله عليه وسلم يدخل في عمومها دخولاً أولياً. فلو كان الخضر حياً في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر رضي الله عنه: "حديث : أن عمر رضي الله عنه أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"تفسير : اهـ قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفاً. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه بعد أن ساق آية "آل عمران" المذكورة آنفاً مستدلاً بها على أن الخضر لو كان حياً لجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم ونصره - ما نصه: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيّاً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذها على أمته الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه - ذكره البخاري عنه اهـ. فالخضر إن كان نبياً أو ولياً فقد دخل في هذا الميثاق. فلو كان حياً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه. لأنه إن كان ولياً فالصديق أفضل منه. وإن كان نبياً فموسى أفضل منه. وقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"تفسير : وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة.. وقد دلت هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا كلهم أتباعاً له وتحت أوامره، وفي عموم شرعه. كما أن صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع بهم الإسراء رفع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم. فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم. فدل على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم - صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فإذا علم هذا، وهو معلوم عند كل مؤمن - علم أنه لو كان الخضر حياً لكان من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك. هذا عيسى ابن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه - أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالاً في مشهد من المشاهد. وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربه عز وجل واستنصره واستفتحه على من كفره: "حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض"تفسير : وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام. كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب: شعر : وببئر بدر إذ يرد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد تفسير : فلو كان الخضر حياً لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي: سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات؟ فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال: وكان يحتج بأنه لو كان حياً لجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - نقله ابن الجوزي في العجالة. فإن قيل: فهل يقال إنه كان حاضراً في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات. ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقياً بعده لكان تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام - أفضل مما يقال من كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟! وهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى. فتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حياً باقياً لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه. وممن بين ضعف الأحاديث الدالة على حياة الخضر، وبقائه - ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيراً من أوجه ضعفها ابن حجر في الإصابة. وقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جداً، لا تقوم بمثلها حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره. لأنه يجوز عليه الخطأ (والله أعلم)، إلى أن قال رحمه الله: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه (عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر) للأحاديث الواردة في ذلك المرفوعات - فبين أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد - اهـ منه. واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته. فزعموا أنه لا يشمله عموم {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}تفسير : [الأنبياء: 34] ولا عموم حديث:"حديث : أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم"تفسير : كم تقدم. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى: ولا حجة لمن استدل به - يعني الحديث المذكور على بطلان من يقول: إن الخضر حي لعموم قوله "ما من نفس منفوسة.." لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصاً فيه، بل هو قابل للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه. ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة: فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام، وليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حاله مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل: إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى عليه السلام كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اهـ منه. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النَّبي صلى الله عليه وسلم عام في كل نفس منفوسة عموماً مؤكداً، لأن زيادة "من" قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصاً صريحاً في العموم لا ظاهراً فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحناه في سورة "المائدة". ولو فرضنا صحة ما قاله - القرطبي رحمه الله تعالى من أنه ظاهر في العموم - لا نص فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سنداً ومتناً. فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أوسنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعاً. وقوله: "إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث" فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: "حديث : لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد"تفسير : . فخصص ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: {أية : بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ}تفسير : [النساء: 158] وهذا واضح جداً كما ترى. ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه. وقوله "إن الخضر ليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً" يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين: الأولى - أن دعوى كون الخضر محجوباُ عن أعين الناس كالجن والملائكة - دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها، لأن الأصل أن بني آدم يرى بعضهم بعضاً لاتفاقهم في الصفات النفسية، ومشابهتهم فيما بينهم. الثانية - أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النَّبي بالغيب الذي هو "هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدلياً أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون. وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم - فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافاً لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق. قال صاحب جمع الجوامع في "مبحث العام" ما نصه: والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته. فقوله: "النادرة وغير المقصودة"، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله: "تحته" يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق. لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها - فيهما اختلاف العلماء في جواز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيل. وإيضاحه - أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر" تفسير : ولم يذكر فيه ابن ماجه "أو نصل" والفيل ذو خف، وهو صورة نادرة. فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السبق - بفتحتين - في المسابقة على الفيلة. والسبق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالاً لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال: لأن قوله: "إلا في خف" نكرة في سياق الإثبات. لأن ما بعد "إلا" مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجعله بعض أهل الأصول مثالاً لدخول الصورة النادرة في العام. قال الشيخ زكريا: وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حيز الشرط معنى، إذ التقدير: إلا إذا كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي: أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالباً ببال المتكلم لندرة وقوعه. ومن أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة: هل تدخل في العام والمطلق أولاً - اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة، كمن تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة؛ كالذي ينزل في ماء حار، أو تهزه دابة فينزل منه المني فنزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم "إنما الماء من الماء" فالغسل واجب، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه، فهل يجوز دفع الخنثى أولاً. فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق. ما لو وكل آخر على أن يشتري له عبداً ليخدمه، فاشترى الوكيل عبداً يعتق على الموكل، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه، وإنما أراد خادماً يخدمه، فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد، وعلى العكس فلا. وإلى هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله: شعر : هل نادر في ذي العموم يدخل ومطلق أولاً خلاف ينقل فما لغير لذة والفيل ومشبه فيه تنافي القيل وما من القصد خلا فيه اختلف وقد يجيء بالمجاز متصف تفسير : وممن مال إلى عدم دخول الصور النادرة وغير المقصودة في العام والمطلق أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى. قال مقيدة عفا الله عنه: الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول - شمول العام والمطلق للصور النادرة، لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أوسنة. وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد فحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه، بل يجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعملون بشمول العمومات من غير توقف في ذلك. وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}تفسير : [الأنبياء: 34] الآية وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد" تفسير : هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص. ومما يوضح ذلك: أن الخنثى صورة نادرة جداً، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص والعتق، وغير ذلك من عمومات أدلة الشرع. وما ذكره القرطبي من خروج الدجال من تلك العمومات بدليل حديث الجساسة لا دليل فيه، لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور، لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي عن جدي عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة حدثني عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان، أنه سأل فاطمة بنت قيس، وكانت من المهاجرات الأول - فقال: حدثيني حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت لئن شئت لأفعلنّ؟ فقال لها: أجل؟ حدثيني. فقالت".. ثم ساق الحديث وفيه طول. ومحل الشاهد منه قول تميم الداري: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رايناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك! ما لك! الحديث بطوله - إلى قوله - وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما..الحديث. فهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الدارمي المذكور، وإنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول: أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدلّ على إخراجها دليل، كما قدمناه مراراً وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام حجة في الباقي، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود في مبحث التخصيص بقوله: شعر : وهو حجة لدى الأكثر إن مخصص له معيناً بين تفسير : وبهذا كله يتبين أن النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر قبله - تتناول بظواهرها الخضر ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله تعالى. واعلم أن العلماء اختلفوا اختلافاً كثيراً في نسب الخضر، فقيل: هو ابن آدم لصلبه. وقال ابن حجر في الإصابة: وهذا قول رواه الدارقطني في الأفراد من طريق رواد بن الجراح عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس، ورواد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. وقيل: إنه ابن قابيل بن آدم قال ابن حجر: ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين. ثم ساق سنده وقال: هو معضل وحكى صاحب هذا القول: أنه اسمه خضرون وهو الخضر. وقيل: اسمه عامر، ذكره أبو الخطاب بن دحية عن ابن حبيب البغدادي. وقيل: إن اسمه بليان بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ذكر هذا القول ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه. قاله ابن كثير، وغيره. وقيل: إن اسمه المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وهذا قول إسماعيل بن أبي أويس، نقله عنه ابن كثير وغيرهما. وقيل: خضرون بن عماييل من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل: وهذا القول حكاه ابن قتيبة أيضاً ذكره عنه ابن حجر. وقيل: إنه من سبط هارون أخي موسى، وروي ذلك عن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس، ذكره ابن حجر أيضاً ثم قال: وهو بعيد، وأعجب منه قول ابن إسحاق: إنه أرمياً بن حلقيا، وقد رد ذلك أبو جعفر بن جرير، وقيل: إنه ابن بنت فرعون، حكاه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة. وقيل: ابن فرعون لصلبه، حكاه النقاش. وقيل: إنه اليسع، حكي عن مقاتل. وقال ابن حجر: إنه بعيد. وقيل: إنه من ولد فارس. قال ابن حجر: جاء ذلك عن ابن شوذب أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب. وقيل: إنه من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل، حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه. وقيل: كان أبوه فارسياً، وأمه رومية. وقيل عكس ذلك اهـ. والله أعلم بحقيقة الواقع. وقد ثبت في الصحيح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفروة البيضاء: ما على وجه الأرض من الحشيش الأبيض وشبهه من الهشيم. وقيل. الفروة: الأرض البيضاء التي لا نبات فيها. وقيل: هي الهشيم اليابس. ومن ذلك القبيل تسمية جلدة الرأس فروة، كما قدمنا في سورة "البقرة" في قول الشاعر: شعر : دنس الثياب كأن فروة رأسه غرست فأنبت جانباها فلفلا

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 65- حتى وصلا الصخرة، فوجدا عبداً من عبادنا الصالحين أعطيناه الحكمة، وعلمناه من عندنا علماً غزيراً. 66- قال موسى للعبد الصالح: هل أسير معك على أن تعلمن مما علمك الله؟. 67- قال له: إنك لن تستطيع الصبر على مصاحبتى. 68- وكيف يمكنك الصبر على شئ لا خبرة لك بمثله؟ 69- قال موسى: سترانى إن شاء الله صابراً مطيعاً لك فيما تأمر به. 70- قال العبد الصالح: فإن اتبعتنى ورأيت ما تنكره، فلا تفاتحنى بالسؤال عنه حتى أحدثك عنه. 71- فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى وجدا سفينة، فركباها، فخرقها العبد الصالح فى أثناء سيرها، فاعترض موسى قائلا: أخرقتها قاصداً إغراق أهلها؟ لقد ارتكبت أمراً منكراً!. 72- قال العبد الصالح: إننى قلت لك: إنك لن تستطيع الصبر على مصاحبتى. 73- قال له موسى: لا تؤاخذنى على نسيان وصيتك، ولا تكلفنى مشقة فى تحصيل العلم منك وتجعله عسيراً.

القطان

تفسير : رشدا: اصابة الخير. على ما لم تحط به خُبرا: على معرفة الشيء معرفة تامة. والخُبر: المعرفة. ذكرا: بيانا وشرحا. فلما بلغا تلك الصخرة وجدا عندها رجلا صالحا اعطاه الله الحكمة، أي علّمه من عنده علما كثيرا. وسلم عليه موسى، وقال له: هل اصحبك لتعلمني مما علمك الله أسترشدُ به في امري؟ فقال الرجل الصالح: انك لن تستطيع الصبر على ما تراه مني. وكيف تصبر على أمور ظاهرها منكر، وباطنها مجهول لا خبرة لك بمثلها؟ قال موسى: ستجدني ان شاء الله صابرا معك مطيعا لك فيما تأمر به. قال الرجل الصالح: ان سرت معي ورأيت اني عملت عملاً منكرا فلا تعترض علي وتسألني عنه حتى أحدثك عنه وأبين لك سره. وهذا العبد الصالح اختلف العلماء فيه، هل هو الخضر كما هو شائع بين اكثر المفسرين او هو رجل آخر، وهل هو نبي او ملك من الملائكة، او ولي؟ وهذا قول كثير من العلماء. واختُلف فيه: هل هو لا يزال حيا الى اليوم او انه مات، فقد انكر البخاري ان يكون حيا، وعلماء السنة يقولون انه ميت بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}تفسير : [الأنبياء:34]. وبذلك جزم ابنُ المناوي وابراهيم الحربي وابو طاهر العبادي، وابو يعلى الحنبلي، وابو الفضل بن تامر، والقاضي ابو بكر بن العربي، وابو بكر بن النقاش، وابن الجوزي. قال ابو الحسين بن المناوي: بحثت عن تعمير الخضر، وهل هو باق ام لا فاذا اكثر المغفلين مغترون بانه باق، والاحاديث الواردة واهية والسند الى اهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم. وقال في "فتح البيان": والحق ما ذكره البخاري واضرابه في ذلك، ولم يرد في ذلك نص مقطوع به، ولا حديث مرفوع اليه صلى الله عليه وسلم حتى يقيمه عليه. ويقول الصوفيون انه حي، وان بعضهم لقيه، وهذا كلام ليس عليه دليل ويناقض نصوص القرآن. وبما انه لم يرد نص معتمد في القرآن او الحديث فاننا نكتفي بالعبرة من القصة، ولا يهمنا معرفة الاسماء والاشخاص. وقد كتب الحافظ ابن حجَر في "الاصابة" بحثا طويلا في نحو عشرين صفحة قال فيه: وقد جمعت من اخباره ما انتهى إليّ علمه مع بيان ما يصح من ذلك وما لا يصح.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاهُ} {وَعَلَّمْنَاهُ} (65) - فَوَجَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ رَجُلاً عِنْدَ الصَّخْرَةِ، مُسَجًّى بِثَوْبٍ أَبْيَضَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ إِنَّ أَهْلَ أَرْضِكَ لاَ يَعْرِفُونَ السَّلاَمَ. وَيَصِفُ اللهُ تَعَالَى الرَّجُلَ بِأَنَّ اللهَ آتَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ، وَعَلَّمَهُ مِنْ عِلْمِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق أن تحدثنا عن العبودية، فإنْ كانت لله تعالى فهي العزّ والشرف، وإنْ كانت لغير الله فهي الذلُّ والهوان، وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذ حَظْوة الإسراء والمعراج إلا لأنه عبد لله، كما قال سبحانه: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ..}تفسير : [الإسراء: 1]. كما أن العبودية لله يأخذ فيه العبد خَيْر سيده، أما العبودية للبشر فيأخذ السيد خَيْر عبده. ثم وصف الحق سبحانه هذا العبد الصالح، فقال: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا ..} [الكهف: 65] وقد تكلم العلماء في معنى الرحمة هنا، فقالوا: الرحمة وردتْ في القرآن بمعنى النبوة، كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] فكان رَدُّ الله عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ..}تفسير : [الزخرف: 32]. أي: النبوة، ومطلق الرحمة تأتي على يد جبريل - عليه السلام - وعلى يد الرسل، أما هذه الرحمة، فمن عندنا مباشرة دون واسطة الملَك؛ لذلك قال تعالى: {آتَيْنَاهُ ..} [الكهف: 65] نحن، وقال: {مِّنْ عِندِنَا ..} [الكهف: 65] فالإتيان والعندية من الله مباشرة. ثم يقول بعدها: {وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65] أي: من عندنا لا بواسطة الرسل: لذلك يسمونه العلم اللدني، كأنه لا حرجَ على الله تعالى أن يختار عبداً من عباده، ويُنعِم عليه بعلم خاص من وراء النبوة. إذن: علينا أنْ نُفرِّق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرسول وتوجيهاته، وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده؛ لأن الرسول يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتكاليف: افعل كذا ولا تفعل كذا، لكن هناك أحكام أخرى غير ظاهرية لها عِلَل باطنة فوق العِلل الظاهرية، وهذه هي التي اختصَّ الله بها هذا العبد الصالح (الخضر) كما سماه النبي صلى الله عليه وسلم. والدليل على ذلك أن النبي يأتي بأحكام تُحرّم القتل وتحرم إتلاف مال الغير، فأتى الخضر وأتلف السفينة وقتل الغلام، وقد اعترض موسى - عليه السلام - على هذه الأعمال؛ لأنه لا عِلْم َله بعلتها، ولو أن موسى - عليه السلام - علم العلّة في خَرْق السفينة لبادر هو إلى خرقها. إذن: فعلم موسى غير علم الخضر؛ لذلك قال له: {أية : إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً}تفسير : [الكهف: 67-68]. فهذا عِلْم ليس عندك، فعِلْمي من كيس الولاية، وعلمك من كيس الرسل، وهما في الحقيقة لا يتعارضان، وإنْ كان لعلم الولاية عِلَل باطنة، ولعلم الرسالة عِلَل ظاهرة. ثم يقول تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ ...}.