Verse. 2206 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

قَالَ لَہٗ مُوْسٰي ہَلْ اَتَّبِعُكَ عَلٰۗي اَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا۝۶۶
Qala lahu moosa hal attabiAAuka AAala an tuAAallimani mimma AAullimta rushdan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال له موسى هل أتَّبعك على أن تعلَّمن مما عُلمت رَشَداً» أي صواباً أرشد به وفي قراءة بضم الراء وسكون الشين وسأله ذلك لأن الزيارة في العلم مطلوبة.

66

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: «قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ» هذا سؤال الملاطِف، والمخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخفّ عليك؟ وهذا كما في الحديث: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [المائدة: 112] حسب ما تقدم بيانه في «المائدة». الثانية: في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب، ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه، فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل لمن فضّله الله؛ فالخضر إن كان ولياً فموسى أفضل منه، لأنه نبيّ والنبي أفضل من الوليّ، وإن كان نبياً فموسى فضله بالرسالة. والله أعلم. «ورشداً» مفعول ثان بـ«تعلمني». {قَالَ} الخضر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي إنك يا موسى لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا تُعطيه، وكيف تصبر على ما تراه خطأ ولم تُخبَر بوجه الحكمة فيه، ولا طريق الصواب؛ وهو معنى قوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} والأنبياء لا يُقِرّون على منكر، ولا يجوز لهم التقرير. أي لا يسعك السكوت جرياً على عادتك وحُكمك. وانتصب «خُبْراً» على التمييز المنقول عن الفاعل. وقيل: على المصدر الملاقى في المعنى، لأن قوله: «لَمْ تُحِطْ» معناه لم تَخْبُرْهُ، فكأنه قال: لم تَخبره خُبراً؛ وإليه أشار مجاهد. والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وبما يختبر منها. قوله تعالى: {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً} أي سأصبر بمشيئة الله. {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} أي قد ألزمت نفسي طاعتك. وقد اختلف في الاستثناء، هل هو يشمل قوله: {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} أم لا؟ فقيل: يشمله كقوله: {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35]. وقيل: استثنى في الصبر فصبَرَ، وما استثنى في قوله: {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} فاعترض وسأل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك منه؛ لأن الصبر أمر مستقبل ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفيُ المعصية معزوم عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه ينافي العزم عليه. ويمكن أن يفرق بينهما بأن الصبر ليس مكتسباً لنا بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا؛ والله أعلم. قوله تعالى: {قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي حتى أكون أنا الذي أفسره لك، وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة، فلو صَبَر ودَأَب لرأى العجب، لكنه أكثر من الاعتراض، فتعين الفراق والإعراض.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن قيل موسى عليه السلام لذلك الرجل العالم، وهو الخضر، الذي خصّه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ} سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم. وقوله: {أَتَّبِعُكَ} أي: أصحبك وأرافقك {عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} أي: مما علمك الله شيئاً أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح، فعندها {قَالَ} الخضر لموسى: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} أي: إنك لا تقدر على مصاحبتي؛ لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك {قَالَ} أي: موسى {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا} أي: على ما أرى من أمورك {وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} أي: ولا أخالفك في شيء فعند ذلك شارطه الخضر عليه السلام {قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} أي: ابتداءً {حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن هارون بن عنترة عن أبيه، عن ابن عباس قال: سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل فقال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى، قال: أي رب هل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم، قال: فمن هو؟ قال: الخضر. قال: وأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. قال: فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك، قال: إنك لن تطيق صحبتي قال: بلى. قال: فإن صحبتني {فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} قال: فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل ما رزأ قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء، وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً } أي صواباً أرشد به وفي قراءة بضم الراء وسكون الشين وسأله ذلك لأن الزيادة في العلم مطلوبة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمنِ مما علمت رُشْداً} في الرشد هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنه العلم، قاله مقاتل ويكون تقديره على أن تعلمني مما علمت علماً. الثاني: معناه على أن تعلمني مما علمت لإرشاد الله لك. الثالث: ما يرى في علم الخضر رشداً يفعله وغياً يجتنبه، فسأله موسى أن يعلمه من الرشد الذي يفعله، ولم يسأله أن يعلمه الغيّ الذي يجتنبه لأنه عرف الغي الذي يجتنبه ولم يعرف ذلك الرشد. {قال إنك لن تستطيع معي صبراً} يحتمل وجهين: أحدهما: صبراً عن السؤال. الثاني: صبراً عن الإنكار. {وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خُبراً} فيه وجهان: أحدهما: لم تجد له سبباً. الثاني: لم تعرف له علماً، لأن الخضر علم أن موسى لا يصبر إذا رأى ما بنكر ظاهره. {قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً} فوعد بالصبر والطاعة ثم استثنى بمشيئة الله تعالى حذراً مما يلي فأطاع ولم يصبر. وفي قوله: {ولا أعصي لك أمراً} وجهان: أحدهما: لا ابتدىء بالإنكار حتى تبدأ بالإخبار. الثاني: لا أفشي لك سراً ولا أدل عليك بشراً. فعلى الوجه الأول يكون مخالفاً. ,على الوجه الثاني: يكون موافقاً.

ابن عطية

تفسير : هذه مخاطبة المستنزل المبالغ في حسن الأدب، المعنى: هل يتفق لك ويخف عليك، وهذا كما في الحديث "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" وعلى بعض التأويلات يجيء كذلك قوله {أية : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة} تفسير : [المائدة: 112] وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم "رُشُداً" بضم الراء والشين، وقرأ أبو عمرو "رَشَداً" بفتح الراء والشين، ونصبه على وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً ثانياً بـ {تعلمني} والآخر أن يكون حالاً من الضمير في قوله {أتبعك} ثم قال الخضر، {إنك لن تستطيع معي صبراً} أي إنك يا موسى، لا تطيق أن تصبر على ما تراه من عملي، لأن الظواهر التي علمك لا تعطيه، {وكيف تصبر على} ما تراه خطأً، ولم تخبر بوجه الحكمة فيه ولا طريق الصواب، فقرب له موسى المر بوعده أنه سيجده، ثم استثنى حين حكم على نفسه بأمر فقوى الخضر وصاته وأمره بالإمساك عن السؤال والإكنان لما يراه حتى يبتدئه الخضر لشرح ما يجب شرحه، وقرأ نافع فلا "تسألَنّي" بفتح اللام، وتشديد النون وإثبات الياء وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه حذف الباء فقال "تسألَنّ"، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي "تسألني" بسكون اللام وثبوت الياء، وقرأ الجمهور "خبْراً" بسكون الباء، وقرأ الأعرج "خبُراً" بضمها، وقوله {فانطلقا} روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهما انطلقا ماشيين على سيف البحر حتى مرت بهما سفينة، فعرف الخضر فحملا بغير قول إلى مقصد أمه الخضر، وعرفت {السفينة} بالألف واللام تعريف الجنس لا لعهد عينها، فلما ركبا عمد الخضر إلى وتد فجعل يضرب في جنب السفينة حتى قلع به، فيما روي لوحين من ألواحها فذلك هو معنى {خرقها} فلما رأى ذلك موسى غلبه ظاهر الأمر على الكلام حين رأى فعلاً يؤدي إلى غرفة جميع من في السفينة، فوقفه بقوله {أخرقتها} وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم "لتغرق أهلها" بالتاء وقرأ أبو رجاء "لتغَرِّق" بشد الراء وفتح الغين، وقرأ حمزة والكسائي "ليغرق أهلُها" برفع الأهل، وإسناد الفعل إليهم و"الإمر" الشنيع من الأمور كالداهية والإد ونحوه، ومنه أمر إمْر ابن أبي كبشة ومنه أمر القوم إذا كثروا، وقال مجاهد "الإمر" المنكر. قال القاضي أبو محمد: والامر أخص من المنكر، فقال الخضر مجاوباً لموسى: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً} فتنبه موسى لما أتى معه، فاعتذر بالنسيان، وذلك أنه نسي العهد الذي كان بينهما، هذا قول الجمهور، وفي كتاب التفسير من صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كانت الأولى من موسى نسياناً"تفسير : ، وفيه عن مجاهد أنه قال "كانت الأولى نسياناً"، والثانية شرطاً، والثالثة عمداً، وهذا كلام معترض لأن الجميع شرط ولأن العمد يبعد على موسى عليه السلام، وإنما هو التأويل إذ جنب صيغة السؤال أو النسيان، وروى الطبري عن أبي بن كعب أنه قال: إن موسى عليه السلام لم ينس، ولكن قوله هذا من معاريض الكلام، ومعنى هذا القول صحيح، والطبري لم يبينه، ووجهه عندي أن موسى عليه السلام إنما رأى العهد في أن يسأل ولم ير إنكار هذا الفعل الشنيع سؤالاً بل رآه واجباً، فلما رأى الخضر قد أخذ العهد على أعم وجوهه فضمنه السؤال والمعارضة والإنكار وكل اعتراض إذ السؤال أخف من هذه كلها أخذ معه في باب المعاريض، التي هي مندوحة عن الكذب، فقال له {لا تؤاخذني بما نسيت} ولم يقل له: إني نسيت العهد، بل قال لفظاً يعطي للمتأول أنه نسي العهد، ويستقيم أيضاً تأويله وطلبه، مع أنه لم ينس العهد لأن قوله {لا تؤاخذني بما نسيت} كلام جيد طلبه، وليس فيه للعهد ذكر هل نسيه أم لا، وفيه تعريض أنه نسي العهد، فجمع في هذا اللفظ بين العذر والصدق وما يخل بهذا القول إلا أن الذي قاله وهو أبي بن كعب روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كانت الأولى من موسى نسياناً" تفسير : و {ترهقني} معناه تكلفني وتضيف علي ومما قص من أمرهما، أنهما لما ركبا السفينة وجرت، نزل عصفور على جنب السفينة، فنقر في الماء نقرة، فقال الخضر لموسى، ماذا ترى هذا العصفور نقص من ماء البحر؟ فقال موسى قليلاً، فقال: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من ماء البحر. قال القاضي أبو محمد: فقيل معنى هذا الكلام وضع العلم موضع المعلومات، وإلا فعلم الله تعالى يشبه بمتناه إذ لا يتناهى، والبحر لو فرضت له عصافير على عدد نقطه لانتهى، وعندي أن الاعتراض باق لأن تناهي معلومات الله محال، إذ يتناهى العلم بتناهي المعلومات، وقيل فراراً عن هذا الاعتراض، يحتمل أن يريد من علم الله الذي أعطاه العلماء قبلهما، وبعدهما إلى يوم القيامة، فتجيء نسبة علمهما إلى البشر نسبة تلك النقطة إلى البحر، وهذا قول حسن لولا أن في بعض طرق الحديث "ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كنقرة هذا العصفور"، فلم يبق مع هذا إلا أن يكون التشبيه بتجوز، إذ لا يوجد في المحسوسات أقوى في القلة من نقطة بالإضافة إلى البحر، فكأنها لا شيء إذ لا يوجد لها إلى البحر نسبة معلومة، ولم يعن الخضر لتحرير موازنة بين المثال وبين علم الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {رُشْداً} علماً، أو كان في علمه غي يجتنب ورشد يؤتى فطلب منه تعليم الرشد الذي لا يعرفه ولم يطلب تعلم الغي لأنه كان يعرفه أو يعني لإرشاد الله ـ تعالى ـ لك بما علمك.

السلمي

تفسير : قال فارس: إن موسى كان أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله، وكان الخضر أعلم من موسى فيما دفع إليه موسى عليهما السلام. وقال أيضًا: إن موسى مبقى عليه صفته ليأخذ الغير عن أدبه فمن انقطع عن الرياض كان على حسب العصمة والتمكين فيه، والخضر كان فانيًا مستهلكًا والمستهلك لا حكم له، وموسى كان باقيًا بالحق. والخضر كان فانيًا بالحق ولا فرق بينهما لأنهما من معدن واحد كليهما.

القشيري

تفسير : تلَطَّفَ في الخطاب حيث سَلَكَ طريق الاستئذان، ثم صَرَّح بمقصوده من الصحبة بقوله: {عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}. ويقال إن الذي خُصَّ به الخضرُ من العلم لم يكن تَعَلَمّه من أستاذ ولا من شخص، فما لم يكن بتعليم أحد إياه.. متى كان يعلمه غيره؟

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} احسن الادب موسى عليه السّلام حيث استاذن فى المتابعة عرف موسى ان علم الحق لا نهاية له فاشتاق افى ما فوق علمه فاستعلم مكنونه من مواضع تجليه وخاصية خطابه وذلك الرشد الاعلى بحيث اذا علمه عرف فى جنبه الحق بنعت خاص دون ما علمه السيار والسباح فى بحر وحدانيته وميادين قدره غرثان الى علم الوهيته ولا باس فان ذلك العلم الذى عند الحضر لم يكن عند موسى فاراد سبحانه ان يعرف موسى ذلك العلم السرى النور الغيبى فامتحنه بصحبة الخضر لاستقامة الطريق ولتقويم السنة فى متابعة المشائخ وليكون اسوة للمريدين والقاصدين فى خدمتهم اشياخ الطريقة وكان موسى اعلم من الخضر بما عنده من الحق ولكن ليس عنده ما كان عند الخضر فى ذلك الوقت فساعده التوفيق فعرف منه ابواب تلك الاسرار المكتومة فدخل فى باب علم الخضر الى عالم العلم المجهول وبلغ الى مقام فيه غاب علم الخضر وعلم جميع الخلق هناك وهذا زيادة فضل الله على موسى قال فارس ان موسى كان اعلم من الخضر فيما اخذ عن الله والخضر كان اعلم من موسى فيما وقع الى موسى وقال ايمنا ان موسى كان مبقا عليه صفته لياخذ الغير ادبه فمن انقطع عن الرياضة كان على حسب العصمة والتمكين فيه والخضر كان فانيا مستهلكا والمستهلك لا حكم له وموسى كان باقيا بالحق والخضر كان فانيا بالحق ولا فرق بينهما لانهما تكلما من معادن واحد ثم ان الخضر تعلل ودفع صحبة موسى ونسب موسى الى قلة الصبر معه وبقلة العلم بما عنده وهو يعلم ان موسى اكرم الخلق على الله فى زمانه وهو رجل منبسط معربد مفزع من صحبته فدفع صحبته بقوله {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} فقرن الصبر بالعلم وبين ان قلة الصبر من الجهل وكان موسى صابرا عالما ولكن من حمية فى دينه وشريعته لم يقبل ما لا يوافق الشرع وذلك ليس قلة الصبر ولا قلة العلم انما الامر بالمعروف والنهى عن المنكر والحفظ لحدود الله كان موسى مستغرقا فى بحر جمال الحق وسماع كلامه المسمد بلا واسطة وذلك الكلام اخبره عن سر الاسرار وغرائب علوم الربوبية وكان فارغا عن صورة رسوم علم المقادير التى يتعلق بالمنافع والمضار فعلم الشيخ شانه انه مع حاله وسكره بوصال الحق لا يحتمل ما لا يتعلق بتلك الكشوفات ولا باس به وان لم يعلم ذلك العلم فان السلطان لا يضربه ان لم يعلم علم التجارة قال جعفر لن نصبر مع من هو دونك فكيف تصبر مع من هو فوقك وقال بعضهم قال الخضر لموسى انك لن تستطيع معى صبرا ثم لم يصبر مع الخضر بقوله هذا فراق بينى وبينك ليعلم انه ليس لو لى ان يتقرس فى نبى قال بعضهم آيسه من نفسه لئلا يشغله صحبته عن صحبة الحق ولما عزم امر طلب الزيادة فى موسى {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً} تادَّب موسى واستثنى لانه كان عالما بان الصبر لا يكون الا بالله قال فارس موسى استثنى على نفسه بقوله ستجدنى ان شاء الله صابرا ولم يستثن الخضر على موسى بقوله انك لن تستطيع معى صبرا قال لان علم موسى فى ذلك الوقت علم تكليف واستدلال وعلم الخضر علم لدنى من غيب الى غيب وقال موسى كان على مقام التاديب والخضر قائم مقام الكشف والمشاهدة لما جعل مؤدبا له ثم علم الخضر ان موسى صغر فى عينه علم من كان على وجه الارض ولا يلتفت من مقامه الذى هو الشهود مشهد رؤية الذات والصفات الى ما يظهر من المقدرات فى عالم الصورة التى يتعلق بمنافع الخلق من جلال شانه عند الله وعظيم علمه بنعت الله وصفاته فاوكد الامر وقال {فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} دفع سواله فان الصادق يعلم الواقعة اذا كان متحققا وتبين له ما يريد بصدقه واخلاصه ولا يحتاج الى السوال وحق المتابعة السكون عند تصرف الاستاد قال الحصرى علم الخضر قصور علمه عن محل سوال موسى وانه الجأ اليه للتاديب لا للتعليم فقال له ان اتبعتنى فلا تسالنى عن شئ لان علمك اعىل واتم وانما الجئت الى للتاديب لا للتعليم فى خاص حال من الاحوال.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال له موسى} استئناف مبنى على سؤال نشأ من السياق كأنه قيل فماذا جرى بينهما من الكلام فقيل قال له موسى اى للخضر عليهما السلام {هل اتبعك} اصحبك {على ان تعلمن} على شرط ان تعلمن وهو فى موضع الحال من الكاف وهو استئذان منه فى اتباعه له على وجه التعليم ويكفيك دليلا فى شرف الاتباع {مما علمت رشدا} اى علما ذا رشد ارشد به فى دينى والرشد اصابة الخير. قال الكاشفى [علمى كه مبنى بررشد باشد] يعنى اصابة خير ولقد راعى فى سوق الكلام غاية التواضع معه فينبغى للمرء ان يتواضع لمن هو اعلم منه. قال الامام والآية تدل على ان موسى راعى انواع الادب جعل نفسه تبعا له فقال {هل اتبعك} واستأذن فى اثبات هذه التبعية واقر على نفسه بالجهل وعلى استاذه بالعلم فى قوله {على ان تعلمن} ومن فى قوله {مما علمت} للتبعيض اى لا اطلب مساواتك فى العلوم وانما اريد بعضا من علومك كالفقير يطلب من الغنى جزأ من ماله وقوله {مما علمت} اعتراف بانه اخعذ من الله وقوله {رشدا} طلب للراشاد اى مالولاه لضل وهذا يدل على انه طلب ان يعامله بمثل ما عامله الله به اى ينعم بالتعليم كما انعم الله عليه فان البذل من لاشكر: قال الحافظ شعر : اى صاحب كرامت شكرانه سلامت روزى تفقدى كن درويش بى نوارا تفسير : قال قتادة لو كان احد مكتفيا من العلم لا كتفى نجى الله موسى ولكنه قال {هل اتبعك} الآية. وقال الزجاج وفيما فعل موسى وهو من اجلة الانبياء من طلب العلم والرحلة فى ذلك ما يدل على انه لا ينبغى لاحد ان يترك طلب العلم وان كان قد بلغ نهايته ولذا ورد (اطلبوا العلم من المهد الى اللحد): وفى المثنوى شعر : خام ملك سليمانست علم جمله عالم صورت وجانست علم تفسير : قال العلماء ولا ينافى نبوة موسى وكونه صاحب شريعة ان يتعلم من نبى آخر مالا يتعلق له باحكام شريعته من اسرار العلوم الخفية وقد امر الله باخذ العلم منه فلا دلالة له. قال شيخى وسندى روح الله روحه تعليم موسى وتربيته بالخضر انما هو من قبيل تعليم الا كمل وتربيته بالكامل لانه تعالى قد يطلع الكامل على اسرار يخفيها عن الاكمل واذا اراد ان يطلع الا كمل عليه ايضا فقد يطلعه بالذات وقد يطلعه بواسطة الكامل ولا يلزم من توسط الكامل ان يكون اكمل من الا كمل او مثله والكامل كامل مطلقا والا كمل اكمل مطلقا والرجحان للاكمل جدا ولا تسمع الى غير ذلك مما يقول الضالون وقول الخضر لموسى عليه السلام يا موسى انت على علم علمك الله وانا على علم علمنى الله انما هو بناء على الامتياز المعتبر بينهما بحسب الغالب فى نشأة كل منهما والا فالعلم الظاهر والباطن حاصلان فى نشأة كل منهما انتهى وفهم منه جواب ما سبق من قوله ان لى عبدا بمجمع البحرين هو اعلم منك فان المراد اثبات اعلميته فى علم من العلوم الخاصة دون سائرها وقد انعقد الاجماع على ان نبينا عليه السلام اعلم الخلق وافضلهم على الاطلاق وقد قال "حديث : انتم اعلم بامور دنياكم " تفسير : وفى قصص الانبياء بينما هما على ساحل البحر اذا اقبل طائر وغمس منقاره فى البحر ثم اخرجه ومسحه على جناحه ثم طار نحو المشرق ثم اطار نحو المغرب ثم رجع وصاح فقال الخضر يا موسى أتروى ما قال هذا الطائر قال لا قال انه يقول ما اوتى بنوا آدم من العلم الا بمقدار ما اخذت من هذا البحر بمنقارى شعر : ازعلم تونكته ايست عالم زان دائره نقطه ايست آدم تفسير : وفى التأويلات النجمية من آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه ان يستجيز منه فى اتباعه وملازمة صحبته تواضعا لنفسه وتعظيما لشيخه بعد مفارقة اهاليه واوطانه وترك مناصبه واتباعه واخوانه واخدانه كما كان حال موسى اذ قال للخضر {هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا} بارشاد الله لك اى تعلمنى طريق الاسترشاد من الله بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق تعالى فان جميع ذلك كان حاصلا له. فان قيل فهل مرتبة فوق هذه المراتب الثلاث. قلنا ان هذه المراتب وان كانت عزيزه جليلة ولكن مجيىء جبريل يقتضى الواسطة وانزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقى من الله للعبد هو ان يجعله قابلا لفيض نور الله بلا وساطة وذلك بتجلى جماله وجلاله الذى كان مطلوب موسى بقوله {أية : ارنى انظر اليك}تفسير : فان فيه رفع الاثنينية واثبات الوحدة التى لا يسع العبد فيها ملك مقرب ولا نبى مرسل. ومنها ان المريد اذا استسعد بخدمة شيخ واصل ينبغى ان يخرج عما معه من الحسب والنسب والجاه والمنصب والفضائل والعلوم ويرى نفسه كأنه اعجمى لا يعرف الهر من البر اى ما يهره ما يبره او القط من الفار او العقوق من اللطف او الكراهية من الاكرام كما فى القاموس: قال الحافظ شعر : خاطرت كى رقم فيض بذيرد هيهات مكر از نقش براكنده ورق ساده كنى تفسير : وينقاد لاوامره ونواهيه كما كان فان كليم الله لم يمنعه النبوة والرسالة ومجيئ جبريل والنزال التوراة ومكالمة الله واقتداء بنى اسرائيل به ان يتبع الخضر ويتواضع له وترك اهاليه واتباعه واشياعه وكل ما كان له من المناصب والمناقب وتمسك بذيل ارادته مقاد لاوامره ونواهيه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {رُشْدًا}: مفعول ثاني لعلمت، أو: علة لأتبعك، أو: مصدر بإضمار فعله، أو: حال من كاف {أتبعك}، أو: على إسقاط الخافض، أي: من الرشد، وفيه لغتان: ضم الراء وسكون الشين، وفتحهما، وهو: إصابة الخير، و{خُبْرًا}: تمييز محول عن الفاعل، أي: لم يحط به خبرك. و{لا أعصي}: عُطِفَ على: {صابرًا}. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولما اتصل موسى بالخضر - عليهما السلام - استأذنه في صحبته ليتعلم منه، ملاطفة وأدباً وتواضعاً، وكذلك ينبغي لمن يريد التعلم من المشايخ: أن يتأدب ويتواضع معهم. {قال له موسى هل أتبعك على أن تُعلّمَنِ مما علِّمت رُشدًا} أي: مما علمك الله من العلم الذي يدل على الرشد وإصابة الصواب، لعلي أرشد به في ديني. ولا ينافي كونه نبيًا ذا شريعة أن يتعلم من غيره من أسرار العلوم الخفية؛ إذ لا نهاية لعلمه تعالى، وقد قال له تعالى فيما تقدم: أعلم الناس من يبتغي علم غيره إلى علمه. رُوي أنهما لما التقيا جلسا يتحدثان، فجاءت خُطافة أو عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنك أعلم أهل الأرض؟ ما علمك وعلمي وعلم الأولين والآخرين في جنب علم الله إلا أقل من الماء الذي حمله هذا العصفور. ولَمَّا سأله صُحْبَتَهُ {قال} له: {إِنك لن تستطيع معيَ صبرًا}؛ لأنك رسول مكلف بحفظ ظواهر الشرائع، وأنا أطلعني الله تعالى على أمور خفية، لا تتمالك أن تصبر عنها؛ لمخالفة ظاهرها للشريعة. وفي صحيح البخاري: "حديث : قال له الخضر: يا موسى، إني على علم من علم الله عَلَّمَنِيهِ، لا تعلمه أنت، وأنتَ على علمٍ من علم الله علَّمكَه الله، لا أعلمه " تفسير : ثم علّل عدم صبره بقوله: {وكيف تصبرُ على ما لم تُحط به خُبْرًا}؟ لأني أتولى أموراً خفية لا خُبر لك بها، وصاحب الشريعة لا يُسلم لصاحب الحقيقة العارية من الشريعة، {قال} له موسى عليه السلام: {ستجدني إِن شاء الله صابرًا} معك، غير مُعترض عليك. وتوسيط الاستثناء بين مفعولي الوجدان لكمال الاعتناء بالتيمن، ولئلا يتوهم تعلقه بالصبر، {ولا أعصي لك أمرًا}، هو داخل في الاستثناء، أي: ستجدني إن شاء الله صابرًا وغير عاص. وقال القشيري: وَعَدَ من نفسه شيئين: الصبر، وألاَّ يعصيه فيما يأمره به. فأما الصبر فَقَرنَه بالمشيئة، حتى وجده صابرًا، فلم يقبضْ على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل. والثاني قال: {ولا أعصي لك أمراً}، فأطلق ولم يستثن، فعصى، حيث قال له الخضر: {فلا تسألني عن شيء}، فكان يسأله، فبالاستثناء لم يخالف، وبالإطلاق خالف. هـ. قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وفيه نظر؛ للحديث الصحيح: "حديث : يرحم الله موسى، لو صبر..." تفسير : مع أن قوله: "ولا أعصي..." الخ، غير خارج عن الاستثناء، كما تقدم، وإن احتمل خروجه، والظاهر: أن الاستثناء، كالدعاء، إنما ينفع إذا صادف القدر، وهو هنا لم يصادف، مع أنه هنا عارضه علم الخضر بكونه لم يصبر من قوله: {لن تستطيع معي صبرًا}، وقد أراد الله نفوذ علم الخضر. هـ. وقال ابن البنا: أن العهد إنما هو على قدر الاستطاعة، وإن الوفاء بالملتزم إنما يكون فيما لا يخالف الشرع، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لأن موسى عليه السلام لم يلتزم إلا ذلك. ولمّا رأى ما هو محرم تكلم... فافهم. هـ. ثم شرط عليه التسليم لِمَا يرى، فقال: {فإِن اتبعتني فلا تسالني عن شيء} تشاهده من أفعالي، فهمْتَه أم لا، أي: لا تفاتحني بالسؤال عن حكمته، فضلاً عن مناقشته واعتراضه، {حتى أُحْدِثَ لك منه ذكرًا}؛ حتى أبتدي بيانه لك وحكمته، وفيه إيذان بأن ما يصدر منه له حكمة خفية، وعاقبة صالحة. وهذا من أدب المتعلم مع العالم، والتابع مع المتبوع، أنه لا يعترض على شيخه بل يسأل؛ مُسترشدًا بملاطفةٍ وأدب، وهذا في العلم الظاهر. وسيأتي في الإشارة ما يتعلق بعلم الباطن. الإشارة: قد أخذ الصوفية - رضي الله عنهم - آداب المريد مع الشيخ من قضية الخضر مع موسى - عليهما السلام -؛ فطريقتهم مبنية على السكوت والتسليم، حتى لو قال لشيخه: لِمَ؟ لَمْ يفلح أبدًا، سواء رأى من شيخه منكرًا أو غيره، ولعله اختبار له في صدقه، أو اطلع على باطن الأمر فيه، فأحوالهم خضرية، فالمريد الصادق يُسلم لشيخه في كل ما يرى، ويمتثل أمره في كل شيء، فَهِم وجه الشريعة فيه أم لا، هذا في علم الباطن، وأما علم الظاهر فمبني على البحث والتفتيش، مع ملاطفة وتعظيم. قال الورتجبي: امتحن الحق تعالى موسى عليه السلام بصحبة الخضر؛ لاستقامة الطريقة ولتقويم السنة في متابعة المشايخ، ويكون أسوة للمريدين والقاصدين في خدمتهم أشياخ الطريقة. هـ. قال القشيري في قوله: {فلا تسالن عن شيء}: قال: ليس للمريد أن يقول لشيخه: لِمَ، ولا للمتعلم أن يقول لأستاذه، ولا للعامي أن يقول للمفتي فيما يفتي ويحكم: لِمَ. هـ. وقال ابن البنا في تفسيره: يُؤخذ من هذه القصة: ترك الاعتراض على أولياء الله إذا ظهر منهم شيء مخالف للظاهر؛ لأنهم فيه على دليل غير ظاهر لغيرهم، اللهم إلا أن يدعوك إلى اتباعه، فلا تتبعه إلا عن دليل، ويُسلم له في حاله، ولا تعترض عليه، ولا يمنعك ذلك من طلب العلم والتعلم منه، وإن كنت لا تعمل بعمله؛ لأنه لا يجب عليك تقليده إلا عن دليل، فلا تعمل مثل عمله، وأنت ترى أنه مخالف لك في ظنك، ولا علم لك بحقيقة باطن الأمر، فلا تقفُ ما ليس لك به علم. والله الموفق والمرشد. هـ. قلت: ما ذكره إنما هو في حق من لم يدخل تحت تربيته، فإنما هو طالب علم أو تبرك، وأما من التزم صحبته على طريق التربية فلا يتأخر عن امتثال ما أمره به، كيفما كان، نعم، إن لم ينبغ التوقف والتأني في الاقتداء به. وقال في القوت في قوله: {فلا تسألن عن شيء}: الشيء في هذا الموضع وصف مخصوص من وصف الربوبية من العلم، الذي علمه الخضر عليه السلام من لدنه، لا يصلح أن يسأل عنه، من معنى صفات التوحيد ونعوت الوحدانية، لا يوكل إلى العقول، بل يخص به المراد المحمول. هـ. قال المحشي الفاسي: وهو - أي: المحمول - ما يرشَقْ فيهم من وصف الحق وقدرته، فيتصرفون، وهم في الحقيقة مُصرِّفُون، وهؤلاء هم أهل القبضة، الذين علَّمهم سِرَّ الحقيقة، فلهم قدرة لنفوذ شعاعها فيهم، فتتكوّن لهم الأشياء، وتنفعل لحملهم سر الحقيقة وظهورها لهم وفيهم، وهم كما قال: مرادون محمولون، فما يجري عليهم: قدر {وما رميت…} الآية. هـ. ثمَّ ذكر ما رآه من الخوارق

الطوسي

تفسير : قال أبو علي يحتمل أنّ {رشداً} منصوباً على انه مفعول له ويكون متعلقاً بـ (اتبع) كأنه قال اتبعك للرشد، أو طلب الرشد على أن تعلمني، فيكون على هذا حالا من قوله {أتبعك} ويجوز أن يكون مفعولا به، وتقديره اتبعك على أن تعلمني رشداً مما علمته، ويكون العلم الذي يتعدى الى مفعول واحد يتعدى بالتضعيف الى مفعولين. والمعنى على ان تعلمني امراً ذا رشد أو علماً ذا رشد. {قال له} يعني لذلك العبد الذي علمه الله العلم {هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً}. والاتباع والانقياد واحد، اتبعه في مسيره، واتبعه فى مذهبه، واتبعه فى أمره ونهيه، واتبعه فيما دعاه اليه، والرشد - بفتح الراء والشين - قراءة ابي عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الشين - إلا ابن عامر - فى رواية ابن ذكوان - فانه ضمهما، وهما لغتان، مثل أسد وأسد، ووثن ووثن. واختلفوا فى الذي كان يتعلم موسى منه، هل كان نبياً؟ أم لا؟ فقال الجبائي: كان نبياً، لانه لا يجوز ان يتبع النبي من ليس بنبي، ليتعلم منه العلم، لما فى ذلك من الغضاضة على النبي. وقال ابن الاخشاد: ويجوز أن لا يكون نبياً على أن لا يكون فيه وضع من موسى. وقال قوم: كان ملكا. وقال الرماني: لا يجوز أن يكون إلا نبياً، لان تعظيم العالم المعلم فوق تعظيم المتعلم منه. وقيل إنه سمي (خضراً) لانه كان إذا صار في مكان لا نبات فيه اخضر ما حوله، وكان الله تعالى قد اطلعه من علم بواطن الامور على ما لم يطلع عليه غيره. فان قيل: كيف يجوز أن يكون نبي اعلم من نبي؟ فى وقته. قيل عن ذلك ثلاثة اجوبة: أحدها - انه يجوز أن يكون نبي اعلم من نبي فى وقته عند من قال: ان الخضر كان نبياً. والثاني - أن يكون موسى اعلم من الخضر بجميع ما يؤدي عن الله على عباده، وفى كل ما هو حجة فيه، وانما خص الخضر بعلم ما لا يتعلق بالأداء. الثالث - إن موسى استعلم من جهة ذلك العلم فقط، وإن كان عنده علم ما سوى ذلك. فقال الخضر لموسى (ع) {إنك لن تستطيع معي صبراً} ومعناه يثقل عليك الصبر ولا يخف عليك، ولم يرد أنه لا يقدر عليه، لأن موسى (ع) كان قادراً متصرفاً، وانما قال له ذلك لأن موسى كان يأخذ الامور على ظواهرها، والخضر كان يحكم بما أعلمه الله من بواطن الامور، فلا يسهل على موسى مشاهدة ذلك، ولو اراد نفي الاستطاعة التي هي القدرة لما قال: {وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً} لانه دل على انه لهذا لا يصبر ولو كان على نفي القدرة، سواء علم او لم يعلم لم يستطع.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} بعد الملاقاة واتمام التّحيّة وما جرى بينهما من المخاطبات {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} مفعول تعلّمنى او حال من فاعل اتّبعك او مفعوله او كليهما او من فاعل تعلّمنى او مفعوله او كليهما او من مرفوع علّمت او تميز مبيّن لكلمة ما او مبيّن لنسبة اتّبع الى الكاف او مصدر لقوله اتّبعك بتقدير مضافٍ اى اتّباع رشد او مصدر لقوله تعلّمنى او علّمت بتقدير مضافٍ اى تعليم رشد او مصدر لفعلٍ محذوفٍ حالاً ممّا سبقه او منقطعاً عمّا قبله دعاء او تعليلاً او مفعول له حصولىّ او تحصيلىّ محتمل التّعليل لكلٍّ من الافعال الثلاثة، ويحتمل جريان بعض وجوه رشداً بالنّسبة الى قوله قال له على بُعدٍ. والمراد بالرّشد الاهتداء الى تنظيم المعاش وحسن المعاشرة مع النّاس بحيث يؤدّى الى حسن المعاد واستحقاق الاجر من الله ويعبّر عنه بسياسة المدن والاهتداء الى سياسة النّفس وكلّ من كان تحت اليد من القوى والجوارح والاهل والعيال وادخالهم تحت حدود الله ويعبّر عنه بتدبير المنزل والاهتداء الى اصلاح النّفس بتخليتها عن الرّذائل وتحليتها بالخصائل، ويعبّر عنه بتهذيب الاخلاق. وامّا العقائد الحقّة الثّابتة الجازمة فهى وان كانت اصل الرّشد وبدونها لا يحصل الرّشد لكن لا يطلق الرّشد عليها فى الغالب وهى كانت حاصلة لموسى (ع) ويعبّر عن الاوّلين بالسّنّة القائمة، وعن الثّالث بالفريضة العادلة، وعن الرّابع بالآية المحكمة، واليها اشير فى الحديث النّبوىّ حيث قال: انّما العلم ثلاثة آية محكمة، او فريضة عادلة، او سنّة قائمة. ولقد اجاد (ع) فى الطّلب حيث تنزّل عن مقامه العالى الى مقام الفقير المحتاج وابرز الطّلب والسّؤال بصورة الاستفهام لا الامر المشترك بين الامر والسّؤال، وفى حكايته تعليم للعباد وانّ من أراد العلم والارلادة كيف ينبغى ان يطلبوا العلم والارادة للعالم والشّيخ وتنبيه على انّ المرء وان كان ذا فضائل كثيرةٍ ومراتب عليّةٍ لا ينبغى ان يتأنّف عن التّعلّم بل ينبغى ان يطلب ما افتقده عمّن يعلم انّ المفقود عنده وان كان الّذى عنده المفقود ادون منه ولا ينظر الى دنوّ رتبته بل يرى نفسه من حيث جهله المفقود ادون منه ومحتاجة اليه فيتضرّع عنده ويتكدّى عليه. بيان النّيابة للرّسالة والولاية اعلم، انّ الانبياء (ع) لهم مقامات ثلاثة بحسب نسبتهم الى الخلق: الاوّل مقام البشريّة وبه يتعيّشون مثلهم ويأكلون ويشربون ويسعون فى حاجاتهم ويحتاجون فى المعايش الى معاونتهم وهذا الّذى سدّ طريق الخلق عن قبول نبوّتهم وطاعتهم من حيث انّهم يرونهم محتاجين فى المعايش ساعين فى تحصيلها ولا يرون منهم مقاماً آخر لاختفائه عن النّظر، ولم يشعروا ايضاً بطريق العلم والبرهان ولا بطريق الّذوق والوجدان انّ لهم وراء المرئىّ مقاماً لكون علومهم مقصورة على ما فى هذه الدّار كما قال تعالى؛ ذلك مبغلهم من العلم، شعر : اندرين سوراخ بنّائى كرفت در خور سوراخ دانائى كرفت تفسير : ولذلك قصروا اوصافهم ومقاماتهم على المرئىّ فقالوا: ان انتم الاّ بشرٌ مثلنا، شعر : انبيا را مثل خود بنداشتند همسرى با انبيا برداشتند تفسير : والثّانى مقام الرّسالة وبه يؤسّسون نظام معاش الخلق بحيث يؤدّى الى صلاح الدّارين ويسنّون حدود الله والعبادات القالبيّة وبحسب هذا المقام كانوا يدعون الخلق عموماً باللّطف والقهر والاختيار والاجبار ويأخذون البيعة منهم على شرائطها المقرّرة عندهم، ويسمّى تلك الدّعوة دعوةً ظاهرةً عامّة وهذه البيعة بيعة عامّة نبويّة وبعد هذه البيعة يقع اسم الاسلام عليهم، والثّالث مقام الولاية وبحسب ذلك المقام كانوا يدعون المستعدّين دون غيرهم الى طريق القلب والسّير الى الله والسّلوك الى الآخرة باللّطف فقط من غير قهرٍ واجبارٍ كما قال تعالى: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [البقرة:256] فانّه فى هذه الدّعوة يرتفع الاكراه ولا يتأتّى الاجبار لانّ السّير بها سلوك من طريق القلب الّذى هو مستور عن الانظار ولا يتصوّر فيه الاجبار، وكانوا من هذه الجهة يعلّمونهم احكام القلب ولوازم السّلوك وحدوده بحسب مراتبه وكانوا يأخذون البيعة منهم على شرائطها المقرّرة عندهم ويسمّى تلك الدّعوة والبيعة دعوة خاصّة باطنة وبيعة خاصّة ولويّة، وبعد تلك البيعة يقع اسم الايمان عليهم وفائدة البيعة العامّة والاسلام الدّخول تحت الحدود والاحكام وحفظ الدّماء والاعراض وتصحيح المناكحة والمواريث وغايته قبول الولاية وقبول الدّعوة الباطنة والبيعة الخاصّة، ولمّا كان ذلك يحصل بالانتحال والانقياد لاحكام الشّرع اكتفوا بعد زمن النّبىّ (ص) فى اطلاق اسم الاسلام وجريان احكامه بمحض هذا الانقياد من دون حصوله بالبيعة او بحصوله بالبيعة الفاسدة مع خلفاء الجور بخلاف الايمان، فانّ ثمرته الارتباط والاتّصال باطناً وبذر ذلك الاتّصال لا يحصل الاّ بالبيعة والاتّصال الصّورىّ والعقد بالايمان والعهد باللّسان واخذ الميثاق وشراء الانفس والاموال ولذلك التزموا فيه البيعة ولم يرضوا عنها باعتقاد الجنان فقط، ومن هذا يظهر سرّ من اسرار قعود علىّ (ع) فى بيته وارخاء العنان نحواً من خمس وعشرين سنةً، وهكذا كان حال اولياء الله (ع) وائمّة الهدى الاّ انّ مقام الرّسالة كان لهم بحسب الخلافة لا الاصالة، ومقام الولاية كان بالاصالة فقد كانوا يستنيبون فى كلّ من المقامين او فى كلهيما وكانت سلسلة النّيابة جارية بعد الغيبة الكبرى الى زماننا هذا وقد سمّى النّوّاب فى مقام الرّسالة بمشايخ اجازة الرّواية، والنّوّاب فى مقام الولاية بمشايخ اجازة الارشاد، والجامعون بين النّيابتين بكلا الاسمين، ويسمّى الاوّلان بالنّوّاب الخاصّة كما يسمّى غيرهم ممّن نصبوه لامامة الجماعة او لجمع الاموال او غير ذلك بهذا الاسم، ويسمّى الثّالث بالنّوّاب العامّة لعموم نيابتهم فى كلّ ما يرجع الى الامام وقد كانت سلسلة اجازة الرّواية فى مشايخها منضبطةً متّصلةً من زمن المعصومين (ع) الى زماننا هذا، وكذا سلسلة اجازة الارشاد كانت منضبطة متّصلة من الخاتم (ص) بل من زمن آدم (ع) الى زماننا هذا؛ فمن ادّعى الفتيا والارشاد من غير اجازةٍ من المأذون فى الاجازة من المعصوم (ع) فقد أخطأ وغوى وأغوى، ومن أفتى او أرشد بالاجازة فانّ مدادهم افضل من دماء الشّهداء. وشأن مشايخ الرّواية رضوان الله عليهم تعليم العباد عبادات القالب وسياسة البلاد كالحدود والمواريث وآداب المعاملات والمناكحات ونظرهم الى الكثرات ومراتبها واعطاء كلّ ذي حقٍ حقّه من اللّطف والقهر والاعطاء والمنع ولذلك يسمّون بالعلماء لانّ العلم بوجهٍ هو ادراك مراتب الكثرات وحقوقها، وشأن مشايخ الارشاد تعليم احكام القلب والسّلوك الى الله التّجريد عن الكثرات وعدم الالتفات اليها وتهذيب الاخلاق والاتّصاف بصفات الرّوحانيّين واماتة الغضب والشّهوة ولذلك يسمّون بالحلماء؛ لانّهم اماتوا الغضب ورضوا بقضاء الله، وشأن مشايخ الاجازتين الجمع بين الحقّين وحفظ مراتب الكثرة مع التّمكّن فى مقام الوحدة، والدّعوة الى الوحدة مع الابقاء فى الكثرة والتّصرّف فى النّفوس بجذبها الى الوحدة مع توسعتها فى الكثرة وخلاصتها حفظ جميع المراتب كما ينبغى ولذلك يسمّون بالحكماء. وقد اشير الى الثّلاثة فيما روى عن السّيّد السّجّاد (ع) انّه قال: لو يعلم النّاس ما فى طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللّجج؛ انّ الله تبارك وتعالى اوحى الى دانيال (ع) انّ امقت عبيدى الىّ الجاهل المستخفّ بحقّ اهل العلم التّارك للاقتداء بهم، وانّ احبّ عبيدى الىّ التّقىّ الطّالب للثّواب الجزيل اللاّزم للعلماء التّابع للحلماء القابل عن الحكماء، والمقصود ملازمة العالم من حيث علمه ومتابعة الحليم من حيث حلمه والقبول عن الحكيم من حيث حكمته، سواء كانت الاوصاف حاصلة لشخصٍ واحدٍ او كان كلّ فى شخص. اذا تمهّد هذا فنقول: انّ الحكيم قد اغناه الله بعلمه عن علم غيره ولا حاجة له الى الرّجوع الى غيره، وامّا العالم الّذى هو شيخ الرّواية فهو غنىّ عن غيره من جهة علم الكثرات، وامّا من جهة احكام القلب وتهذيب الاخلاق وعلوم الاسرار فهو محتاج الى غيره فاقد لما هو عند فينبغى له ان يرجع الى الحليم الّذى هو شيخ الارشاد ويأخذ ما افتقده عنه ولا ينبغى له التّأنّف عنه وان يرى نفسه افضل من الحليم، كما انّ موسى (ع) فى كمال مرتبة الرّسالة وكونه من اولى العزم وكمال مرتبة علمه بالكثرات رجع الى الخضر (ع) مع انّ مرتبة الخضر (ع) من هذه الجهة كانت ادون من مرتبته وسأل عنه ما كان عنده فى كمال التّواضع والتّضرّع وحفظ الادب وسؤال الاتّباع والقبول مع تأنّف الخضر (ع) عن القبول واستكباره عليه، وقد اشير فى الاخبار الى انّ الحافظ لمراتب الكثرات وحقوقها افضل واجمع من المستغرق فى التّوحيد واسراره، وقد ورد ايضاًٍ انّ موسى (ع) كان افضل من الخضر (ع) لذلك وكذلك ينبغى لشيخ الارشاد اذا لم يحصل له مرتبة اجازة الرّواية ان يرجع الى شيخ الرّواية ويتعلّم منه احكام الكثرات ولا يتأنّف عن الرّجوع اليه بل يتواضع عنده ويتذلّل لديه ويسأل احكام الشّريعة عنه، وينبغى لكلّ ان يأمر اتباعه بالرّجوع الى الآخر فيما عنده حتّى يقع الوداد بين العباد ويرتفع النّزاع والعناد ويستحقّوا الرّحمة والفضل من ربّ العباد وهكذا كان حالهم فى زمن الائمّة (ع) وبعده الى مدّة من الغيبة الكبرى، ثمّ لمّا طال الغيبة واختلط الامّة واختفى المشايخ واشتبه الحال على المتسمّين بالشّيعة وتوسّلوا بعلوم العامّة وصوفيّتهم وحصّلوا علم الشّريعة وآداب الطّريقة لاغراضٍ نفسانيّةٍ واعراض دنيويّةٍ وتشبّهوا بالمحقّين من مشايخ الشّيعة وقع التّحاسد والتّباغض والنّزاع والخلاف بينهم وطعن كلّ فى طريق الآخر وكفّر بعضٌ بعضاً وتفل بعض فى وجوه بعضٍ وما هذا الاّ لاهواءٍ كاسدةٍ واغراضٍ فاسدةٍ، اعاذنا الله وجميع المؤمنين من شرّه فى الدّنيا وتبعته فى الآخرة.

اطفيش

تفسير : {قَالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ} بإثبات الياء فى الوصل وحذفها فى الوقف عند نافع وأبى عمرو وأثبتها فيهما ابن كثير. {مِمَّا عُلِّمْتَ} أى مما علمك الله وعلى متعلقة باتبع أو بمحذوف حال من الكاف. {رُشْداً} مفعول ثان لتعلم والمفعول الثانى لعلم محذوف والأول المثناة الفوقية النائبة عن الفاعل أى مما علمت إياه. وكل منهم من المتعدى لواحد وإنما تعديا لاثنين بالتشديد. ويجوز أن يكون رشداً مفعولا من أجله لأتبع على أنه من رشد اللازم ليتحد الفاعل ومعناه إصابة الخير والفلاح. والصواب لا من المتعدى إلا عند مجيز عدم اتحاد المفعول لأجله وعامله فى الفاعل أى لترشدنى. ويجوز كونه مفعولا مطلقاً لمحذوف أى أرشد رشداً بالبناء للفاعل من اللازم أو للمفعول من المتعدى. وقرأ أبو عمرو بفتحتين. وقال القاضى: قرأ بذلك أبو عمرو ويعقوب وانظر كيف تأدب موسى مع ما آتاه الله من العلم الغزير حين استجهل نفسه أعنى نسب نفسه إلى الجهل واستأذن أن يكون تابعاً له وسأله أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما علمه الله عز وجل. ولما قال ذلك قال له الخضر: كفى بالتوراة علماً وببنى إسرائيل شغلا أو غير ذلك كما مر فقال له موسى: إن الله أمرنى. فحينئذ قال له الخضر ما حكى الله تعالى عنه بقوله: {قَالَ} أى قال الخضر لموسى: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ} وقرأ حفص هنا وفى الآيتين بفتح الياء. {صَبْراً} أكد نفى الصبر بالجملة الاسمية وإن وكون النفى بلن وبنفى الاستطاعة فإن نفى الاستطاعة على الشئ أوكد من نفى الشئ فى استطاعته يصيره متعذراً ومحالا وعلل ذلك بقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} أى كيف تصبر على ترك إنكار ما لم يحط به واختبارك مما هو منك بحسب علم الظاهر الذى تعبدت أنت به معروف بحسب علم الباطن الذى تعبدت أنا به وأنت نبى شديد غليظ فى النهى عن المنكرات. روى البخارى أنه قال: يا موسى إنى على علم من الله علمنيه لا تعلمهُ وأنت على علم من الله علمكه لا أعلمه. وخبرا تمييز محول عن الفاعل بمعنى العلم أو بمعنى الخبر بفتح الخاء والباء أى لم يحط به الخبر الذى جاءك من الله لأنه إنما خبرك بعلم آخر أو بمعنى المخبر به بفتح الباء أو مفعول مطلق لئن لم تحط به بمعنى لم تختبره.

الالوسي

تفسير : {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ} استئناف مبني على سؤال نشأ من السياق كأنه قيل فما جرى بينهما من الكلام؟ فقيل: قال له موسى عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ} استئذان منه عليه السلام في اتباعه له بشرط التعليم، ويفهم ذلك من {عَلَىٰ} فقد قال الأصوليون: إن على قد تستعمل في معنى يفهم منه كون ما بعدها شرطاً لما قبلها كقوله تعالى: {أية : يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ} تفسير : [الممتحنة: 12] أي بشرط عدم الإشراك، وكونها للشرط بمنزلة الحقيقة عند الفقهاء كما في «التلويح» لأنها في أصل الوضع للإلزام والجزاء لازم للشرط، ويلوح بهذا أيضاً كلام الفناري في «بدائع الأصول» وهو ظاهر في أنها ليست حقيقة في الشرط، وذكر السرخسي أنه معنى حقيقي لها لكن النحاة لم يتعرضوا له، وقد تردد السبكي في وروده في كلام العرب، والحق أنه استعمال صحيح يشهد به الكتاب حقيقة كان أو مجازاً ولا ينافي انفهام الشرطية تعلق الحرف بالفعل الذي قبله كما قالوا فيما ذكرنا من الآية كما أنه لا ينافيه تعلقه بمحذوف يقع حالاً كما قيل به هنا فيكون المعنى هل أتبعك باذلا تعليمك إياي {مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً} أي علماً ذا رشد وهو إصابة الخير. وقرأ أبو عمرو والحسن والزهري وأبو بحرية وابن محيصن وابن مناذر ويعقوب وأبو عبيد واليزيدي {رشدًا} بفتحتين؛ وأكثر السبعة بالضم والسكون وهما لغتان كالبخل والبخل. ونصبه في الأصل على أنه صفة للمفعول الثاني لتعلمني ووصف به للمبالغة لكن أقيم مقامه بعد حذفه والمفعول الثاني لعلمت الضمير العائد على ما الموصولة أي من الذي علمته، والفعلان مأخوذان من علم المتعدي إلى مفعول واحد، وجوز أن يكون {مِمَّا عُلّمْتَ} هو المفعول الثاني لتعلمني و {رشداً} بدل منه وهو خلاف الظاهر، وأن يكون {رشدًا} مفعولاً له لأتبعك أي هل أتبعك لأجل إصابة الخير فيتعين أن يكون المفعول الثاني لتعلمني {مِمَّا عُلّمْتَ} لتأويله ببعض ما علمت أو علماً مما علمت، وأن يكون مصدراً بإضمار فعله أي أرشد رشداً والجملة استئنافية والمفعول الثاني {مِمَّا عُلّمْتَ} أيضاً. واستشكل طلبه عليه السلام التعليم بأنه رسول من أولي العزم فكيف يتعلم من غيره والرسول لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه، ومن هنا قال نوف وأضرابه: إن موسى هذا ليس هو ابن عمران وإن كان ظاهر إطلاقه يقتضي أن يكون إياه؟ وأجيب بأن اللازم في الرسول أن يكون أعلم في العقائد وما يتعلق بشريعته لا مطلقاً ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم» تفسير : فلا يضر في منصبه أن يتعلم علوماً غيبية وأسراراً خفية لا تعلق لها بذلك من غيره لا سيما إذا كان ذلك الغير نبياً أو رسولاً أيضاً كما قيل في الخضر عليه السلام، ونظير ما ذكر من وجه تعلم عالم مجتهد كأبـي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما علم الجفر مثلاً ممن دونه فإنه لا يخل بمقامه، وإنكار ذلك مكابرة. ولا يرد على هذا أن علم الغيب ليس علماً ذا رشد أي إصابة خير وموسى عليه السلام كان بصدد تعلم علم يصيب به خيراً لقوله تعالى: {أية : ولوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء} تفسير : [الأعراف: 188] وقال بعضهم: اللازم كون الرسول أعلم من أمته والخضر عليه السلام نبـي لم يرسل إليه ولا هو مأمور باتباع شريعته فلا ينكر تفرده بما لم يعلمه غيره، ولا يخفى أنه على هذا ليس الخضر عليه السلام من بني إسرائيل لأن الظاهر إرسال موسى عليه السلام إليهم جميعاً كذا قيل. ثم إن الذي أميل إليه أن لموسى عليه السلام علماً بعلم الحقيقة المسمى بالعلم الباطن والعلم اللدني إلا أن الخضر أعلم به منه وللخضر عليه السلام سواء كان نبياً أو رسولاً / علماً بعلم الشريعة المسمى بالعلم الظاهر إلا أن موسى عليه السلام أعلم به منه فكل منهما أعلم من صاحبه من وجه، ونعت الخضر عليه السلام في الأحاديث السابقة بأنه أعلم من موسى عليه السلام ليس على معنى أنه أعلم منه من كل وجه بل على معنى أنه أعلم من بعض الوجوه وفي بعض العلوم لكن لما كان الكلام خارجاً مخرج العتب والتأديب أخرج على وجه ظاهره العموم، ونظير هذا آيات الوعيد على ما قيل من أنها مقيدة بالمشيئة لكنها لم تذكر لمزيد الإرهاب، وافعل التفضيل وإن كان للزيادة في حقيقة الفعل إلا أن ذلك على وجه يعم الزيادة في فرد منه، ويدل على ذلك صحة التقييد بقسم خاص كما تقول زيد أعلم من عمرو في الطب وعمرو أعلم منه في الفلاحة، ولو كان معناه الزيادة في مطلق العلم كان قولك زيد أعلم من عمرو مستلزماً لأن لا يكون عمرو أعلم منه في شيء من العلوم فلا يصح تفضيل عمرو عليه في علم الفلاحة، وإنكار صدق الأعلم المطلق مع صدق المقيد التزام لصدق المقيد بدون المطلق، وقد جاء إطلاق أفعل التفضيل والمراد منه التفضيل من وجه على ما ذكره الشيخ ابن الحاجب في «أمالي القرآن» ضمن عداد الأوجه في حل الإشكال المشهور في قوله تعالى: {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} تفسير : [الزخرف: 48] من أن المراد إلا هي أكبر من أختها من وجه ثم قال: وقد يكون الشيئان كل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه، وقد أشبع الكلام في هذا المقام مولانا جلال الدين الدواني فيما كتبه على «الشرح الجديد للتجريد» وحققه بما لا مزيد عليه. ومما يدل على أن لموسى عليه السلام علماً ليس عند الخضر عليه السلام ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعاً أن الخضر عليه السلام قال يا موسى: إني على علم من علم الله تعالى علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله تعالى علمك الله سبحانه لا أعلمه، وأنت تعلم أنه لو لم يكن قوله تعالى لموسى عليه السلام المذكور في الأحاديث السابقة «إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك» على معنى أعلم في بعض العلوم بل كان على معنى أعلم في كل العلوم أشكل الجمع بينه بين ما ذكرنا من كلام الخضر عليه السلام، ثم على ما ذكرنا ينبغي أن يراد من العلم الذي ذكر الخضر أنه يعلمه هو ولا يعلمه موسى عليهما السلام بعض علم الحقيقة ومن العلم الذي ذكر أنه يعلمه موسى ولا يعلمه هو عليهما السلام بعض علم الشريعة، فلكل من موسى والخضر عليهما السلام علم بالشريعة والحقيقة إلا أن موسى عليه السلام أزيد بعلم الشريعة والخضر عليه السلام أزيد بعلم الحقيقة، ولكن نظراً للحالة الحاضرة كما ستعلم وجهه إن شاء الله تعالى وعدم علم كل ببعض ما عند صاحبه لا يضر بمقامه. وينبغي أن يحمل قول من قال كالجلال السيوطي ما جمعت الحقيقة والشريعة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما على معنى أنها ما جمعت على الوجه الأكمل إلا له صلى الله عليه وسلم ولم يكن للأنبياء عليهم السلام على ذلك الوجه إلا أحدهما، والحمل على أنهما لم يجمعا على وجه الأمر بالتبليغ إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام مأمور بتبليغ الحقيقة كما هو مأمور بتبليغ الشريعة لكن للمستعدين لذلك لا يخلو عن شيء. ويفهم من كلام بعض الأكابر أن علم الحقيقة من علوم الولاية وحينئذ لا بد أن يكون لكل نبـي حظ منه ولا يلزم التساوي في علومها. ففي «الجواهر والدرر» قلت للخواص عليه الرحمة: هل يتفاضل الرسل في العلم؟ فقال: العلم تابع للرسالة فإنه ليس عند كل رسول من العلم إلا بقدر ما تحتاج إليه أمته فقط فقلت له: هذا من حيث كونهم رسلاً فهل حالهم من حيث كونهم أولياء كذلك؟ فقال: لا قد يكون لأحدهم من علوم الولاية ما هو أكثر من علوم ولاية أولي العزم من الرسل الذين هم أعلى منهم انتهى، وأنا أرى أن ما يحصل لهم من علم الحقيقة بناء على القول بأنه من علوم الولاية أكثر مما يحصل للأولياء الذين ليسوا بأنبياء. ولا تراني أفضل ولياً ليس بنبي في علم الحقيقة على ولي / هو نبـي؛ ولا أقول بولاية الخضر عليه السلام دون نبوته. وقائلو ذلك يلزمهم ظاهراً القول بأن ما عنده من علم الحقيقة مع كونه ولياً أكثر مما عند موسى عليه السلام منه إن أثبتوا له عليه السلام شيئاً من ذلك مع كونه نبياً ولكنهم لا يرون في ذلك حطاً لقدر موسى عليه السلام. وظاهر كلام بعضهم أنه عليه السلام لم يؤت شيئاً من علم الحقيقة أصلاً ومع هذا لا ينحط قدره عن قدر الخضر عليهما السلام إذ له جهات فضل أخر، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يقوله الذاهبون إلى ولايته عليه السلام. ثم ما أراه أنا ولله تعالى الحمد أبعد عن القول بما نقل عن بعض الصوفية من أن الولاية مطلقاً أفضل من النبوة وإن كان الولي لا يبلغ درجة النبـي، وهو مردود عند المحققين بلا تردد. نعم قد يقع تردد في نبوة النبـي وولايته أيهما أفضل؟ فمن قائل بأن نبوته أفضل من ولايته، ومن قائل بأن ولايته أفضل. واختار هذا بعض العرفاء معللاً له بأن نبوة التشريع متعلقة بمصلحة الوقت والولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت وهي في النبـي على غاية الكمال. والمختار عندي الأول. وقد ضل الكرامية في هذا المقام فزعموا أن الولي قد يبلغ درجة النبـي بل أعلى، ورده ظاهر. والاستدلال له بما فيه هذه القصة بناء على القول بولاية الخضر عليه السلام ليس بشيء كما لا يخفى. هذا ولا يخفى على من له أدنى ذوق بأساليب الكلام ما راعاه موسى عليه السلام في سوق كلامه على علو مقامه من غاية التواضع مع الخضر عليه السلام ونهاية الأدب واللطف، وقد عد الإمام من ذلك أنواعاً كثيرة أوصلها إلى اثني عشر نوعاً أن أردتها فارجع إلى «تفسيره». وسيأتي إن شاء الله عز وجل ما تدل عليه هذه الآية في سرد ما تدل عليه آيات القصة بأسرها مما ذكر في «كتب الحديث» وغيرها.

د. أسعد حومد

تفسير : (66) - قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّهُ مُوسَى نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّهُ جَاءَهُ لِيُعَلِّمَهُ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، لِيَسْتَرْشِدَ بِهِ، فَهَلْ يَسْمَحُ لَهُ بِمُرَافَقَتِهِ؟ رُشْداً - صَوَاباً أَوْ إِصَابَةَ خَيْرٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن موسى عليه السلام يُعلِّمنا أدب تلقّي العلم وأدب التلميذ مع معلمه، فمع أن الله تعالى أمره أن يتبع الخضر، فلم يقُل له مثلاً: إن الله أمرني أن أتبعك، بل تلطّف معه واستسمحه بهذا الأسلوب: {هَلْ أَتَّبِعُكَ ..} [الكهف: 66]. والرشد: هو حُسْن التصرّف في الأشياء، وسداد المسلك في علة ما أنت بصدده، وسبق أن قلنا: إن الرُّشْد يكون في سنِّ البلوغ، لكن لا يعني هذا أن كل مَنْ بلغ يكون راشداً، فقد يكون الإنسان بالغاً وغير راشد، فقد يكون سفيهاً. لذلك لما تكلم الحق سبحانه عن اليتامى قال: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ ..}تفسير : [النساء: 6] أي: اختبروهم، واختبار اليتيم يكون حال يُتْمه وهو ما يزال في كفالتك، فعليك أنْ تكلّفه بعمل ما لإصلاح حاله، وتعطيه جزءاً من ماله يتصرَّف فيه تحت عينك وفي رعايتك، لترى كيف سيكون تصرفه. عليك أنْ تحرص على تدريبه لمواجهة الحياة، لا أن تجعله في مَعْزل عنها إلى أنْ يبلغَ الرشْد، ثم تدفع إليه بماله فلا يستطيع التصرف فيه لعدم خبرته، وإنْ فشل كانت التجربة في ماله والخسارة عليه. إذن: فاختبار اليتيم يتمُّ وهو ما يزال في ولايتك، وتحت سمعك وبصرك رعاية لحقه. {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ..}تفسير : [النساء: 6] وهو سن البلوغ، ولم يقُلْ بعدها: فادفعوا إليهم أموالهم؛ لأن بعد البلوغ شرطاً آخر {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً ..}تفسير : [النساء: 6] فعلى الوصيّ أنْ يُراعِيَ هذا الترتيب: أنْ تُراعي اليتيم وهو تحت ولايتك، وتدفع به في مُعْتَرك الحياة وتجاربها حتى يتمكن من مواجهة الحياة ولا يتخبط في ماله لعدم تجربته وخبرته، فإن علمت رشده بعد البلوغ فادفع إليه بماله ليتصرف فيه، فإن لم تأنسْ منه الرشد وحُسْن التصرف فلا تترك له المال يُبدّده بسوء تصرفه. لذلك يقول تعالى في هذا المعنى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ..}تفسير : [النساء: 5] ولم يقُلْ: أموالهم؛ لأن السفيه لا مالَ له حال سَفَهه، بل هو مالكم لِتُحسِنوا التصرف فيه وتحفظوه لصاحبه لحين تتأكدون من رُشْده. إذن: فالرشد الذي طلبه موسى من العبد الصالح هو سداد التصرف والحكمة في تناول الأشياء، لكن هل يعني ذلك أن موسى - عليه السلام - لم يكن راشداً؟ لا، بل كان راشداً في مذهبه هو كرسول، راشداً في تبليغ الأحكام الظاهرية. أما الرشد الذي طلبه فهو الرشد في مذهب العبد الصالح، وقد دلّ هذا على أنه طلب شيئاً لم يكن معلوماً له، وهذا لا يقدح في مكانة النبوة؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85]. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه: 114]. لذلك يقول الشاعر: شعر : كُلّما ازْدَدْتُ عُلوماً زِدْتُ إيقَانَاً بجهْلِي تفسير : لأن معنى أنه ازداد عِلْماً اليوم أنه كان ناقصاً بالأمس، وكذلك هو ناقص اليوم ليعلمَ غداً. والإنسان حينما يكون واسعَ الأفق محباً للعلم، تراه كلما عَلِم قضية اشتاق لغيرها، فهو في نَهمٍ دائم للعلم لا يشبع منه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال ". تفسير : والشاعر الذي تنَّبه لنفسه حينما دَعَتْه إلى الغرور والكبرياء والزَّهْو بما لديه من علم قليل، إلا أنه كان متيقظاً لخداعها، فقال: شعر : قالتِ النفْسُ قَدْ علِمْتُ كَثِيراً قُلْتُ هَذَا الكثيرُ نَزْعٌ يسِيِرُ تفسير : ثم جاء بمثل توضيحي: شعر : تمْلأُ الكُوزَ غَرْفَةٌ مِنْ مُحِيِط فَـيَرى أنَّــهُ المحيــطُ الكَبِـيِرُ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن شرائط الصحبة وفوائد الخدمة بقوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 66] القصة. اعلم أن في قوله: {قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ} [الكهف: 66] إلى أن قال: {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 78] إشارة إلى أهل الصحبة من المريدين المسترشدين والمشايخ السالكين الهادين ومن شرائطهم في الاقتداء والاستهداء والتربية والهداية، فمن آداب المريد الصادق بعد طلب الشيخ ووجدانه أن يستجيز منه في اتباعه وملازمة صحبته تواضعاً لنفسه وتعظيماً لشيخه، بعد مفارقة أهاليه وأوطانه وترك مناصبه وأتباعه وإخوانه وأصدقائه كما كان حال موسى عليه السلام إذ قال للخضر: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 66] بإرشاد الله لك أي: تعلمني طريق الاسترشاد من الله تعالى بلا واسطة جبريل والكتاب المنزل ومكالمة الحق تعالى، فإن جميع ذلك كان حاصلاً له، فإن قيل: فهل مرتبة فوق هذه المراتب الثلاثة؟ قلنا: إن هذه المراتب وإن كانت جليلة، ولكن مجيء جبريل يقتضي الواسطة، وإنزال الكتاب يدل على البعد والمكالمة تنبئ عن الاثنينية والرشد الحقيقي من الله للعبد هو أن يجعله قابضاً لفيض نور الله بلا واسطة وذلك بتجلي صفات جماله وجلاله الذي كان مطلوب موسى بقوله: {أية : أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 143] فإن فيه رفع الاثنينية، وإثبات الوجود الذي لا يسع العبد فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. ومنها: أن المريد إذا استسعد بخدمة شيخ واصل ينبغي أن يخرج عما معه من الحسب والنسب والجاه والمنصب والفضائل والعلوم ويرى نفسه كأنه أعجمي لا يعرف البحر من البر وينقاد لأوامره ونواهيه كما كان حال كليم الله لم تمنعه النبوة والرسالة ومجيء جبريل وإنزال التوراة، ومكالمة الله واقتداء بني إسرائيل به أن يتبع الخضر ويتواضع معه ويترك أهاليه وأتباعه وأشياعه وكل ما كان له من المناصب والمناقب، وتمسك بذيل إرادته منقاداً لأوامره ونواهيه. ومنها: أن يكون المريد ثابتاً في الإرادة بحيث لو يرده الشيخ كرات بعد مرات ولا يقبله امتحاناً له في صدق الإرادة ويلازم عتبة بابه، ويكون أقل من ذباب فإنه كلما ذب آب كما كان حال كليم الله، فإنه كان الخضر يرده ويقول له: {قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 67-68] أي: كيف تصبر على فعل يخالفه مذهبك ظاهراً ولم يطلعك الله على الحكمة في إتيانه باطناً ومذهبك أنك تحكم بالزاهر على ما أنزل الله عليك من علم الكتاب ومذهبي أن أحكم بالباطن على ما أمرني الله من العالم اللدني. وقد كوشفت حقائق الأشياء ودقائق الأمور في حكمة إجرائها، وذلك أنه تعالى أفناني عني بهويته وأبقاني به بألوهيته، فبه أبصر، وبه أسمع، وبه أنطق، وبه آخذ، وبه أعطي، وبه أفعل، وبه أعلم، فإني أعلم ما لم تعلم. وأنه يقول: {قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 69-72] ومنها: أن يكون صابراً على مقاساة شدائد الصحبة والخدمة، منقاداً لأوامر الشيخ ونواهيه، مستسلماً لأحكامه، متأدباً بتأديبه، قابلاً لتربيته، ملتجئاً إلى ولايته، مستظهراً بعنايته، مهتدياً بهدايته. ومنها: ألا يكون معترضاً على أفعاله وأقواله وأحواله وجميع حركاته وسكناته، معتقداً له في جميع حالاته، وإن شاهد منه معاملة غير مرضية بنظر عقله وشرعه فلا ينكره بها ولا يسيء الظن فيه، بل يحسن فيه الظن ويعتقد أنه مصيب في معاملاته، مجتهد في آرائه، وإنما الخطأ من تصور نظره وسخافة عقله وقلة علمه. ومنها: أن يسد على نفسه باب السؤال فلا يسأله عن شي حتى يحدث له منه ذكراً إما بالقال وإما بالحال. ومن آداب الشيخ وشرائطه في الشيخوخة: ألا يحرص على قبول المريد، بل يمتحنه بأن يخبره عن دقة صراط القلب وحدته، وعزة المطلوب وغيرته، وفي ذلك يكون له مبشراً ولا يكون منفراً، فإن وجده صادقاً في دعواه راغباً فيما يهواه عما سواه يقبله حسن ويكرم مثواه، ويقبل عليه إقبال مولاه، ويربيه تربية الأولاد، ويؤدبه بآداب العباد. ومنها: أنه يتغافل عن كثير من زلات المريد رحمة الله عليه، ولا يؤاخذه بكل سهو أو خطأ أو نسيان أو عمد بضعف حاله إلا بما يؤدي إلى مخالفة أمر من أوامر أو مزاولة نهي من نواهيه، أو يؤدي إلى إنكار واعتراض على بعض أفعال له وأقوال، فإنه يؤاخذه به وينهاه عن ذلك، فإن رجع عن ذلك فاستغفر منه واعترف بذنبه وندم عليه وشرط معه ألا يعود إلى مثاله ويعتذر مما جرى عليه كما كان الكليم حين قال: {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي} [الكهف: 73-76] أي: لا تضيق علي أمري فإني لا أطيق ذلك. ومنها: أنه لو ابتلي المريد بنوع من الاعتراض أو مما يوجب الفرقة يعفو عنه مرة أو مرتين، ويصفح ولا يفارقه، فإن عاد إلى الثالثة فلا يصاحبه {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 76-77] فقل كما قال الخضر: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ} [الكهف: 78]. ومنها: أنه لو آل أمر الصحبة إلى المفارقة بالاختيار وبالاضطرار فلا يفارقه إلا على النصيحة؛ فينبئه عن سر ما كان عليه الاعتراض، ويخبره عن حكمته التي لم يحط بها خبراً، ويبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبراً، لئلا يبقى معه إنكار فلا يفلح إذا أبداً.