١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن موسى وذلك العالم لما تشارطا على الشرط المذكور وسارا فانتهيا إلى موضع احتاجا فيه إلى ركوب السفينة فركباها وأقدم ذلك العالم على خرق السفينة، وأقول لعله أقدم على خرق جدار السفينة لتصير السفينة بسبب ذلك الخرق معيبة ظاهرة العيب فلا يتسارع الغرق إلى أهلها فعند ذلك قال موسى له: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } وفيه بحثان: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: {ليغرق أَهْلِهَا } بفتح الياء على إسناد الغرق إلى الأهل والباقون لتغرق أهلها على الخطاب، والتقدير: لتغرق أنت أهل هذه السفينة. البحث الثاني: أن موسى عليه السلام لما شاهد ذلك الأمر المنكر بحسب الظاهر نسي الشرط المتقدم فلهذا المعنى قال ما قال، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجهين. الأول: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان من الأنبياء، ثم قال موسى عليه السلام: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } فإن صدق موسى في هذا القول دل ذلك على صدور الذنب العظيم عن ذلك النبي، وإن كذب دل على صدور الكذب عن موسى عليه السلام. الثاني: أنه التزم أن لا يعترض على ذلك العالم. وجرت العهود المؤكدة لذلك، ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب. والجواب عن الأول: أنه لما شاهد موسى عليه السلام منه الأمر الخارج عن العادة قال هذا الكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل لأنه أحب أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه إنه أمر يقال أمر الأمر إذا عظم وقال الشاعر: شعر : داهية دهياء تفسير : وعلى الثاني: أنه فعل بناء على النسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنه لما خالف الشرط لم يزد على أن قال: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } فعند هذا اعتذر موسى عليه السلام بقوله: {لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ } أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي بشيء: {وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً } يقال: رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني من أمري عسراً، وهو اتباعه إياه يعني ولا تعسر على متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة، وقرىء: {عُسْراً } بضمتين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} فيه مسألتان: الأولى: في صحيح مسلم والبخاري: فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرّت سفينة فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نَوْل، فلما ركبا في السفينة لم يَفْجأ (موسى) إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقَدُوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نَوْل عَمَدْتَ إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} قال؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وكانت الأولى من موسى نِسياناً» تفسير : قال: وجاء عصفور فوقع على حَرْف السفينة فَنقَر نَقْرة في البحر، فقال له الخضر: ما عِلمي وعِلمك من علم الله إلا مثل ما نَقَص هذا العصفورُ من هذا البحر. قال علماؤنا: حَرْف السفينة طرفها وحَرْف كل شيء طرفه، (ومنه حرْف الجبل) وهو أعلاه المحدّد. والعِلم هنا بمعنى المعلوم، كما قال: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} تفسير : [البقرة: 255] أي من معلوماته، وهذا من الخضر تمثيل؛ أي معلوماتي ومعلوماتك لا أثر لها في علم الله، كما أن ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر، وإنما مثّل له ذلك بالبحر لأنه أكثر ما يشاهده مما بين أيدينا، وإطلاق لفظ النقص هنا تجوّز قصد به التمثيل والتفهيم، إذ لا نقص في علم الله، ولا نهاية لمعلوماته. وقد أوضح هذا المعنى البخاري فقال: والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطير بمنقاره من البحر. وفي «التفسير» عن أبي العالية: لم ير الخضر حين خرق السفينة غيرُ موسى وكان عبداً لا تراه إلا عين من أراد الله له أن يريه، ولو رآه القوم لمنعوه من خرق السفينة. وقيل: خرج أهل السفينة إلى جزيرة، وتخلف الخضر فخرق السفينة. وقال ابن عباس: لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى ناحية، وقال في نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل! كنت في بني إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوة وعشيّة فيطيعوني! قال له الخضر: يا موسى أتريد أن أخبرك بما حدّثتَ به نفسك؟ قال: نعم. قال؛ كذا وكذا. قال: صدقت؛ ذكره الثعلبي في كتاب «العرائس». الثانية: في خرق السفينة دليل على أن للوليّ أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحاً، مثل أن يخاف على رَيْعه ظالماً فيخرّب بعضَه. وقال أبو يوسف: يجوز للوليّ أن يصانع السلطان ببعض مال اليتيم عن البعض. وقرأ حمزة والكسائي «لِيَغْرَقَ» بالياء «أَهْلُهَا» بالرفع فاعل يغرَق، فاللام على قراءة الجماعة في «لُتغرِقَ» لام المآل مثل {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. وعلى قراءة حمزة لام كي، ولم يقل لتغرقني؛ لأن الذي غلب عليه في الحال فرط الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم. و«إِمْراً» معناه عجباً؛ قاله القتبيّ. وقيل: منكَراً؛ قاله مجاهد. وقال أبو عبيدة: الإمر الداهية العظيمة؛ وأنشد:شعر : قد لَقِيَ الأقرانُ مِنِّي نُكْرَا داهِيةً دَهْيَاءَ إدًّا إِمْرَا تفسير : وقال الأخفش: يقال أَمِرَ أَمْرُهُ يَأْمَر (أَمْراً) إذا اشتدّ، والاسم الإِمْر. قوله تعالى: {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} في معناه قولان: أحدهما: يروى عن ابن عباس، قال: هذا من معاريض الكلام. والآخر: أنه نسي فاعتذر؛ ففيه ما يدل على أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة، وأنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم طلاق ولا غيره؛ وقد تقدّم. ولو نسي في الثانية لاعتذر.
البيضاوي
تفسير : {فَٱنطَلَقَا} على الساحل يطلبان السفينة، {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} أخذ الخضر فأساً فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها. {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها. وقرىء «لِتُغَرِّقْ» بالتشديد للتكثير. وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل. {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} أتيت أمراً عظيماً من أمر الأمر إذا عظم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن موسى وصاحبه، وهو الخضر، أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول، يعني: بغير أجرة؛ تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر، ولججت، أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحاً من ألواحها ثم رقعها، فلم يملك موسى عليه السلام نفسه أن قال منكراً عليه: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}؟ وهذه اللام لام العاقبة، لا لام التعليل، كما قال الشاعر:شعر : لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِتفسير : {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} قال مجاهد: منكراً. وقال قتادة: عجباً، فعندها قال له الخضر مذكراً بما تقدم من الشرط: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} يعني: وهذا الصنيع فعلته قصداً، وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر علي فيها؛ لأنك لم تحط بها خبراً، ولها داخل هو مصلحة، ولم تعلمه أنت {قَالَ} أي: موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} أي: لا تضيق علي، ولا تشدد علي، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كانت الأولى من موسى نسياناً».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱنطَلَقَا } يمشيان على ساحل البحر {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ } التي مرت بهما {خَرَقَهَا } الخضر بأن اقتلع لوحاً أو لوحين منها من جهة البحر بفأس لما بلغت اللج {قَالَ } له موسى {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } وفي قراءة بفتح التحتانية والراء ورفع أهلُها {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أي عظيماً منكراً. روي أن الماء لم يدخلها.
الشوكاني
تفسير : قوله: {فَٱنطَلَقَا } أي: موسى والخضر على ساحل البحر يطلبان السفينة، فمرّت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فحملوهم {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا } قيل: قلع لوحاً من ألواحها، وقيل: لوحين مما يلي الماء، وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها {قَالَ } موسى: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أي: لقد أتيت أمراً عظيماً، يقال: أمر الأمر إذا كبر، والأمر الاسم منه. وقال أبو عبيدة: الأمر: الداهية العظيمة وأنشد:شعر : قد لقي الأقران مني نكرا داهية دهياً وأمراً إمرا تفسير : وقال القتيبي: الأمر العجب. وقال الأخفش: أمر أمره يأمر إذا اشتد، والاسم الأمر. قرأ حمزة والكسائي "ليغرق أهلها" بالياء التحتية المفتوحة، ورفع "أهلها" على أنه فاعل، وقرأ الباقون بالفوقية المضمومة ونصب "أهلها" على المفعولية {قَالَ } أي: الخضر {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} أذكره ما تقدم من قوله له سابقاً {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } [الكهف: 67] فـ {قَالَ } له موسى {لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ} يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، أي: لا تؤاخذني بنسياني أو موصولة، أي: لا تؤاخذني بالذي نسيته، وهو قول الخضر {فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } فالنسيان إما على حقيقته على تقدير أن موسى نسي ذلك، أو بمعنى: الترك على تقدير أنه لم ينس ما قاله له، ولكنه ترك العمل به {وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً } قال أبو زيد: أرهقته عسراً إذا كلفته ذلك، والمعنى: عاملني باليسر لا بالعسر. وقرىء "عسراً" بضمتين. {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ } أي: الخضر، ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير، قيل: كان الغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع الخضر رأسه {قَالَ } موسى {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زكية بِغَيْرِ نَفْسٍ } قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وأويس بألف بعد الزاي وتخفيف الياء اسم فاعل. وقرأ الباقون بتشديد الياء من دون ألف، الزاكية: البريئة من الذنوب. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب، والزكية: التي أذنبت ثم تابت. وقال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان. وقال الفراء: الزاكية والزكية: مثل القاسية والقسية، ومعنى {بِغَيْرِ نَفْسٍ }: بغير قتل نفس محرّمة حتى يكون قتل هذه قصاصاً {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} أي: فظيعاً منكراً لا يعرف في الشرع. قيل: معناه: أنكر من الأمر الأوّل لكون القتل لا يمكن تداركه، بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن تداركه بإرجاعه، وقيل: النكر أقلّ من الإمر، لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. قيل: استبعد موسى أن يقتل نفساً بغير نفس، ولم يتأول للخضر بأنه يحلّ القتل بأسباب أخرى {قَالَ } الخضر {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } زاد هنا لفظ "لك"، لأن سبب العتاب أكثر، وموجبه أقوى، وقيل: زاد لفظ "لك" لقصد التأكيد كما تقول لمن توبخه: لك أقول وإياك أعني {قَالَ } موسى {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا } أي: بعد هذه المرة، أو بعد هذه النفس المقتولة {فَلاَ تُصَاحِبْنِى } أي: لا تجعلني صاحباً لك، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ولذا قال: {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } يريد أنك قد أعذرت حيث خالفتك ثلاث مرّات، وهذا كلام نادم شديد الندامة، اضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. قرأ الأعرج (تصحبني) بفتح التاء والباء وتشديد النون. وقرأ الجمهور {تصاحبني} وقرأ يعقوب (تصحبني) بضم التاء وكسر الحاء، ورواها سهل عن أبي عمرو. قال الكسائي: معناه لا تتركني أصحبك. وقرأ الجمهور {لدني} بضم الدال إلا أن نافعاً وعاصماً خففا النون، وشددها الباقون. وقرأ أبو بكر عن عاصم (لدني) بضم اللام وسكون الدال. قال ابن مجاهد: وهي غلط. قال أبو عليّ: هذا التغليط لعله من جهة الرواية، فأما على قياس العربية فصحيحة. وقرأ الجمهور {عذراً} بسكون الذال. وقرأ عيسى بن عمر بضم الذال. وحكى الداني أن أبيا روى عن النبيّ بكسر الراء وياء بعدها بإضافة العذر إلى نفسه. {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } قيل: هي أيلة؛ وقيل: أنطاكية؛ وقيل: برقة؛ وقيل: قرية من قرى أذربيجان؛ وقيل: قرية من قرى الروم {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا } هذه الجملة في محل الجر على أنها صفة لقرية، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التأكيد، أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة لما فيه من الكلفة، أو لزيادة التشنيع على أهل القرية بإظهارهم {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا } أي: أبوا أن يعطوهما ما هو حق واجب عليهم من ضيافتهما، فمن استدل بهذه الآية على جواز السؤال وحلّ الكدية فقد أخطأ خطأً بيناً، ومن ذلك قول بعض الأدباء الذين يسألون الناس:شعر : فإن رددت فما في الرد منقصة عليّ قد ردّ موسى قبل والخضر تفسير : وقد ثبت في السنّة تحريم السؤال بما لا يمكن دفعه من الأحاديث الصحيحة الكثيرة {فَوَجَدَا فِيهَا } أي: في القرية {جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } إسناد الإرادة إلى الجدار مجاز. قال الزجاج: الجدار لا يريد إرادة حقيقية إلا أن هيئة السقوط قد ظهرت فيه كما تظهر أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإرادة، ومنه قول الراعي:شعر : في مهمه فلقت به هاماتها فلق الفؤوس إذا أردن نصولا تفسير : ومعنى الانقضاض: السقوط بسرعة، يقال: انقضّ الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه فسقط على شيء، ومعنى {فأقامه}: فسوّاه، لأنه وجده مائلاً فردّه كما كان؛ وقيل: نقضه وبناه؛ وقيل: أقامه بعمود. وقد تقدّم في الحديث الصحيح أنه مسحه بيده {قَالَ } موسى {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } أي: على إقامته وإصلاحه، تحريضاً من موسى للخضر على أخذ الأجر. قال الفراء: معناه لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر، قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وابن كثير، وابن محيصن، واليزيدي، والحسن (لتخذت) يقال: تخذ فلان يتخذ تخذاً مثل: اتخذ. وقرأ الباقون {لاتخذت}. {قَالَ } الخضر {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } على إضافة {فراق} إلى الظرف اتساعاً، أي: هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر هو المفرق بيننا. قال الزجاج: المعنى: هذا فراق بيننا، أي: هذا فراق اتصالنا، وكرّر "بين" تأكيداً، ولما قال الخضر لموسى بهذا، أخذ في بيان الوجه الذي فعل بسببه تلك الأفعال التي أنكرها موسى فقال: {سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } والتأويل: رجوع الشيء إلى مآله. ثم شرع في البيان له فقال: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ } يعني: التي خرقها {فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ } لضعفاء لا يقدرون على دفع من أراد ظلمهم {يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ } ولم يكن لهم مال غير تلك السفينة يكرونها من الذين يركبون البحر ويأخذون الأجرة، وقد استدل الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي: أجعلها ذات عيب بنزع ما نزعته منها {وَكَانَ ورائهم ملك} قال المفسرون: يعني أمامهم، ووراء يكون بمعنى: أمام، وقد مرّ الكلام على هذا في قوله: {أية : وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } تفسير : [إبراهيم: 17]. وقيل: أراد خلفهم، وكان طريقهم في الرجوع عليه، وما كان عندهم خبر بأنه {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } أي: كل سفينة صالحة لا معيبة، وقد قرىء بزيادة "صالحة"، روي ذلك عن أبيّ وابن عباس. وقرأ جماعة بتشديد السين من مساكين، واختلف في معناها، فقيل: هم ملاحو السفينة، وذلك أن المساك هو الذي يمسك السفينة، والأظهر قراءة الجمهور بالتخفيف. {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ } يعني: الذي قتله {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ } أي: ولم يكن هو كذلك {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } أي: يرهق الغلام أبويه، يقال: رهقه أي: غشيه، وأرهقه أغشاه. قال المفسرون: معناه خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه في دينه، وهو الكفر، و {طُغْيَانًا } مفعول يرهقهما {وَكُفْراً } معطوف عليه، وقيل: المعنى: فخشينا أن يرهق الوالدين طغياناً عليهما وكفراً لنعمتهما بعقوقه. قيل: ويجوز أن يكون {فخشينا} من كلام الله، ويكون المعنى: كرهنا كراهة من خشي سوء عاقبة أمره فغيره، وهذا ضعيف جدّاً، فالكلام كلام الخضر. وقد استشكل بعض أهل العلم قتل الخضر لهذا الغلام بهذه العلة، فقيل: إنه كان بالغاً وقد استحق ذلك بكفره؛ وقيل: كان يقطع الطريق فاستحق القتل لذلك، ويكون معنى {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً}: أن الخضر خاف على الأبوين أن يذبا عنه ويتعصبا له فيقعا في المعصية، وقد يؤدّي ذلك إلى الكفر والارتداد. والحاصل أنه لا إشكال في قتل الخضر له إذا كان بالغاً كافراً أو قاطعاً للطريق هذا فيما تقتضيه الشريعة الإسلامية، ويمكن أن يكون للخضر شريعة من عند الله سبحانه تسوّغ له ذلك، وأما إذا كان الغلام صبياً غير بالغ، فقيل: إن الخضر علم بإعلام الله له أنه لو صار بالغاً لكان كافراً يتسبب عن كفره إضلال أبويه وكفرهما، وهذا وإن كان ظاهر الشريعة الإسلامية يأباه، فإن قتل من لا ذنب له ولا قد جرى عليه قلم التكليف لخشية أن يقع منه بعد بلوغه ما يجوز به قتله لا يحلّ في الشريعة المحمدية، ولكنه حلّ في شريعة أخرى، فلا إشكال. وقد ذهب الجمهور إلى أن الخضر كان نبياً {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ } قرأ الجمهور بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال. وقرأ عاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بسكون الباء وتخفيف الدال، والمعنى: أردنا أن يرزقهما الله بدل هذا الولد ولداً خيراً منه {زَكَوٰةٍ } أي: ديناً وصلاحاً وطهارة من الذنوب {وَأَقْرَبَ رُحْماً } قرأ ابن عباس، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وابن عامر (رحماً) بضم الحاء. وقرأ الباقون بسكونها، ومعنى الرحم: الرحمة، يقال: رحمه الله رحمة ورحمى، والألف للتأنيث. {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ } يعني: الذي أصلحه {فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ } هي القرية المذكورة سابقاً، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } قيل: كان مالاً جسيماً كما يفيده اسم الكنز، إذ هو المال المجموع. قال الزجاج: المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه: المال المدفون، فإذا لم يكن مالاً قيل: كنز علم وكنز فهم؛ وقيل: لوح من ذهب، وقيل: صحف مكتوبة {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً } فكان صلاحه مقتضياً لرعاية ولديه وحفظ مالهما، قيل: هو الذي دفنه؛ وقيل: هو الأب السابع من عند الدافن له، وقيل: العاشر {فَأَرَادَ رَبُّكَ } أي: مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفاً له {أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي: كمالهما وتمام نموّهما {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا } من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولو انقضّ لخرج الكنز من تحته {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } لهما، وهو مصدر في موضع الحال أي: مرحومين من الله سبحانه {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } أي: عن اجتهادي ورأيـي، وهو تأكيد لما قبله، فقد علم بقوله فأراد ربك أنه لم يفعله الخضر عن أمر نفسه {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً } أي: ذلك المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك وأوضحت وجوهها تأويل ما ضاق صبرك عنه ولم تطق السكوت عليه، ومعنى التأويل هنا: هو المآل الذي آلت إليه تلك الأمور، وهو اتضاح ما كان مشتبهاً على موسى وظهور وجهه، وحذف التاء من {تسطع} تخفيفاً. وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} يقول: نكراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {إِمْراً} قال: عجباً. وأخرج ابن جرير، عن أبيّ بن كعب في قوله: {لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ } قال: لم ينس، ولكنها من معاريض الكلام. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: كان الخضر عبداً لا تراه الأعين، إلا من أراد الله أن يريه إياه، فلم يره من القوم إلا موسى، ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وبين قتل الغلام. وأقول: ينبغي أن ينظر من أين له هذا؟ فإن لم يكن مستنده إلا قوله: ولو رآه القوم إلخ، فليس ذلك بموجب لما ذكره، أما أوّلاً: فإن من الجائز أن يفعل ذلك من غير أن يراه أهل السفينة وأهل الغلام، لا لكونه لا تراه الأعين، بل لكونه فعل ذلك من غير اطلاعهم. وأما ثانياً: فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء، فسلموا لأمر الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {نَفْساً زكية} قال: مسلمة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: لم تبلغ الخطايا. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن الحسن نحوه. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {شَيْئاً نُّكْراً} قال: النكر أنكر من العجب. وأخرج أحمد، عن عطاء قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان، فكتب إليه: إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم. وزاد ابن أبي شيبة من طريق أخرى عنه: ولكنك لا تعلم، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم فاعتزلهم. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن مردويه، عن أبيّ بن كعب، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً، ولو أدرك لأرهق أبويه طغياناً وكفراً»تفسير : . وأخرج أبو داود، والترمذي، وعبد الله بن أحمد والبزار، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، عن أبيّ؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {مِن لَّدُنّى عُذْراً } مثقلة. وأخرج ابن مردويه عن أبيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ: {أَن يُضَيّفُوهُمَا } مشدّدة. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنه قرأ "فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ" فهدمه، ثم قعد يبنيه"تفسير : . قلت: ورواية الصحيحين التي قدّمناها أنه مسحه بيده أولى. وأخرج الفريابي في معجمه، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبيّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ "لَوْ شِئْتَ لتخذت عَلَيْهِ أَجْر" مخففة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحمة الله علينا وعلى موسى. لو صبر لقصّ الله علينا من خبره، ولكن قَال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى }»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقرأ "وَكَانَ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً". وأخرج ابن الأنباري، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن أبي الزاهرية قال: كتب عثمان "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً". وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، عن ابن عباس أنه كان يقرأ "وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين". وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: هي في مصحف عبد الله "فخاف ربك أن يرهقهما طغياناً وكفراً". وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {خَيْراً مّنْهُ زَكَـوٰةً } قال: ديناً {وَأَقْرَبَ رُحْماً } قال: مودّة، فأبدلا جارية ولدت نبياً. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } قال: كان الكنز لمن قبلنا وحرّم علينا، وحرّمت الغنيمة على من كان قبلنا وأحلت لنا، فلا يعجبنّ الرجل، فيقول: فما شأن الكنز، أحلّ لمن قبلنا وحرّم علينا؟ فإن الله يحلّ من أمره ما يشاء ويحرّم ما يشاء، وهي السنن والفرائض، يحلّ لأمة ويحرّم على أخرى. وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي وحسنه، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } قال: "ذهب وفضة". وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء في قوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } قال: أحلت لهم الكنوز وحرّمت عليهم الغنائم، وأحلّت لنا الغنائم وحرّمت علينا الكنوز. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي ذر رفعه قال: إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب، وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت ثم غفل، لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله. وفي نحو هذا روايات كثيرة لا تتعلق بذكرها فائدة. وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وأحمد في الزهد، والحميدي في مسنده، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً } قال: حفظاً بصلاح أبيهما. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله عزّ وجلّ يصلح بصلاح الرجل الصالح، ولده، وولد ولده، وأهل دويرته وأهل دويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله تعالى ما دام فيهم»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن الله يصلح بصلاح الرجل ولده، وولد ولده، ويحفظه في دويرته، والدويرات حوله، فما يزالون في ستر من الله وعافية. وأخرج ابن جرير من طريق الحسن بن عمارة عن أبيه قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه؟ فقال ابن عباس: قال فيما يذكر من حديث الفتى: إنه شرب من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه. قال ابن كثير: إسناده ضعيف، الحسن متروك وأبوه غير معروف.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها} لأنه أراد أن يعبر في البحر إلى أرض أخرى فركب في السفينة وفيها ركاب، فأخذ الخضر فأساً ومنقاراً فخرق السفينة حتى دخلها الماء وقيل إنه قلع منها لوحين فضج ركابها من الغرق. فــ {قال} له موسى {أخرقتها لتغرق أهلها} وإن كان في غرقها غرق جميعهم لكنه أشفق على القوم أكثر من إشفاقه على نفسه لأنها عادة الأنبياء. ثم قال بعد تعجبه وإكباره {لقد جئت شيئاً إمْراً} فأكبر ثم أنكر، وفي الإمر ثلاثة أوجه: أحدها: يعني منكراً، قاله مجاهد. الثاني: عجباً، قاله مقاتل. الثالث: أن الإمر الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة وأنشد: شعر : قد لقي الأقران مِنّي نُكْرا داهيةً دهياء إدّاً إمْرا تفسير : وهو مأخوذ من الإمر وهو الفاسد الذي يحتاج إلى الصلاح، ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي لأنه يحتاج أن يؤمر حتى يقوى رأيه، ومنه أمِر القومُ إذا أكثروا لأنهم يحتاجون إلى من يأمرهم وينهاهم. قوله عز وجل: {قال لا تؤاخذني بما نسيتُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بما نسيته وغفلت عنه فلم أذكره، وقد رفعه أبي بن كعب. الثاني: بما كأني نسيته، ولم أنسه في الحقيقة. حكى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لم ينس ولكنها معاريض الكلام. الثالث: بما تركته من عهدك، قاله ابن عباس، مأخوذ من النسيان الذي هو الترك لا من النسيان الذي هو من السهو. {ولا تُرهقني مِنْ أمري عُسْراً} فيه أربعة أوجه: أحدها: لا تعنفني على ما تركت من وصيتك، قاله الضحاك. الثاني: لا يغشني منك العسر، من قولهم غلام مراهق إذا قارب أن يغشاه البلوغ، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ارهقوا القبلة" تفسير : أي اغشوها واقربوا منها. الثالث: لا تكلفني ما لا أقدر عليه من التحفظ عن السهو والنسيان، وهو معنى قول مقاتل: الرابع: لا يلحقني منك طردي عنك. قوله تعالى: {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله} يعني انطلق موسى والخضر فاحتمل أن يكون يوشع تأخر عنهما، لأن المذكور انطلاق اثنين وهو الأظهر لاختصاص موسى بالنبوة واجتماعه مع الخضر عن وحي، واحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تابع لموسى، فاقتصر على ذكر المتبوع دون التابع لقول موسى: {ذلك ما كنا نبغي} فكان ذلك منه إشارة إلى فتاه يوشع. واختلف في الغلام المقتول هل كان بالغاً، فقال ابن عباس: كان رجلاً شاباً قد قبض على لحيته لأن غير البالغ لا يجري عليه القلم بما يستحق به القتل، وقد يسمى الرجل غلاماً، قالت ليلى الأخيلية في الحجّاج: شعر : شفاها من الداء العُضال الذي بها غُلامٌ إذا هزَّ القَناةَ سقاها تفسير : وقال الأكثرون: كان صغيراً غير بالغ وكان يلعب مع الصبيان، حتى مر به الخضر فقتله. وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لأنه طبع على الكفر. الثاني: لأنه أصلح بقتله حال أبويه. وفي صفة قتله قولان: أحدهما: أنه أخذه من بين الصبيان فأضجعه وذبحه بالسكين، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنه أخذ حجراً فقتل به الغلام، قاله مقاتل فاستعظم موسى ما فعله الخضر من قتل الغلام من غير سبب. فـــ {قال أقتلت نَفْساً زَكيةً بغير نفْسٍ} فاختلف هل قاله استخباراً أو إنكاراً على قولين: أحدهما: أنه قال ذلك استخباراً عنه لعلمه بأنه لا يتعدى في حقوق الله تعالى. الثاني: أنه قاله إنكاراً عليه لأنه قال {لقد جئت شيئاً نُكراً} قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير {زاكية} وقرأ حمزة وابن عامر وعاصم والكسائي زكيّة بغير ألف. واختلف في زاكية - وزكية على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أن معناهما واحد، فعلى هذا اختلف في تأويل ذلك على ستة أوجه: أحدها: أن الزاكية التائبة، قاله قتادة. الثاني: أنها الطاهرة، حكاه ابن عيسى. الثالث: أنها النامية الزائدة، قاله كثير من المفسرين، قال نابغة بني ذبيان: شعر : وما أخرتَ من دُنياك نقص وإن قدّمْتَ عادَ لَك الزّكاءُ تفسير : يعني الزيادة. الرابع: الزاكية المسلمة، قاله ابن عباس لأن عنده أن الغلام المقتول رجل. الخامس: أن الزاكية التي لم يحل دمها، قاله أبو عمرو بن العلاء. السادس: أنها التي لم تعمل الخطايا، قاله سعيد بن جبير. والقول الثاني: أن بين الزاكية والزكية فرقاً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الزاكية في البدن، والزكية في الدين، وهذا قول أبي عبيدة. الثاني: أن الزكية أشد مبالغة من الزاكية، قاله ثعلب. الثالث: أن الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم تابت فغفر لها، قاله أبو عمرو بن العلاء. {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} فيه أربعة أوجه: أحدها: شيئاً منكراً، قاله الكلبي. الثاني: أمراً فظيعاً قبيحاً، وهذا معنى قول مقاتل. الثالث: أنه الذي يجب أن ينكر ولا يفعل. الرابع: أنه أشد من الإِمْر، قاله قتادة.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَرَقَهَا} أخذ فأساً ومنقاراً فخرقها حتى دخلها الماء أو قلع لوحين منها فضج ركبانها من الغرق {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} خصهم بالذكر دون نفسه لأنه شفقة الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ {إِمْراً} منكراً، أو عجباً، أو داهية عظمية من الأمر وهو الفاسد الذي يحتاج إلى الصلاح، رجل إِمر إذا كان ضعيف الرأي يحتاج أن يؤمر فيقوى رأيه.
القشيري
تفسير : لما ركبوا الفُلْكَ خرقها وكان ذلك إبقاءً على صاحبها لئلا يرغبَ في السفينةِ المخروقةِ المَلِكُ الطامعُ في السفن. وقوله: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} أي لتؤديَ عاقبةُ هذا الأمر إلى غَرَقِ أهلها؛ لأنه علم أنه لم يكن قَصَدَ إغراقَ أهلِ السفينة.
اسماعيل حقي
تفسير : {فانطلقا} اى ذهب موسى والخضر عليهما السلام على الساحل يطلبان السفينة واما يوشع فقد صرفه موسى الى بنى اسرائيل. وقال الكاشفى [ويوشع برعقب ايشان ميرفت]. يقول الفقير وهو الظاهر فان تثنية الفعل انما هى لاجل الانتقال من قصة موسى مع يوشع الى قصته مع الخضر فكان يوشع تبعا لهما فلم يذكر ويدل على هذا قوله عليه السلام "حديث : مرت بهم سفينة فكلموهم ان يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوا بغير نول"تفسير : على ما فى المشارق ولا مقتضى لرده الى بنى اسرائيل فان هارون عليه السلام كان معهم والله اعلم {حتى اذا ركبا} دخلا {فى السفينة}. وقال فى الارشاد فى سورة هود معنى الركوب العلو على شئ له حركة اما ارادية كالحيوان او قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما فاذا استعمل فى الاول يوفر له حظ الاصل فيقال ركبت الفرس وان استعمل فى الثانى يلوح بمحلية المفعول بكلمة فى فيقال ركبت فى السفينة. وفى الجلالين {حتى اذا ركبا} البحر {فى السفينة} - روى- انهما مرا بالسفينة فاستحملا ملاحيها فعرفوا الخضر فحملوها بغير نول بفتح النون اى بغير اجرة {خرقها} ثقبها الخضر وشقها لما بلغوا اللج اى معظم الماء حيث اخذ فاسا فقلع بغتة اى على غفلة من القوم من الواحها لوحين مما يلى الماء فجعل موسى يسد الخرق بثيابه واخذ الخضر قدحا من زجاج ورقع به خرق السفينة اوسده بخرقة - روى - انه لما خرق السفينة لم يدخلها الماء. وقال الامام فى تفسيره والظاهر انه خرق جدارها لتكون ظاهرة العيب ولا يتسارع الى اهلها الغرق فعند ذلك {قال} موسى منكرا عليه {أخرقتها} يا خضر {لتغرق اهلها} فان خرقها سبب لدخول الماء فيها المضى الى غرق اهلها وهم قد احسنوا بنا حيث حملونا بغير اجرة وليس هذا جزاءهم فاللام للعاقبة. وقال سعدى المفتى ويجوز ان يحمل على التعليل بل هو الانسب لمقام الانكار {لقد جئت} اى اتيت وفعلت {شيئا امرا}[جيزى شكفت وشنيع وبر دل كران]. قال فى القاموس امرا امر منكر عجب. ومن بلاغات الزمخشرى كم احدث بك الزمان امرا امرا كما لم يزل يضرب زيد عمرا اى كما ثبت دوام هذه القصة. قال فى الاسئلة المقحمة كان من حق العلم الواجب عليه الانكار بحكم الظاهر الا انه كان يلزم مع ذلك التوقف وقت قلب العادة: قال الحافظ شعر : مزن زجون جرادم كه بنده مقبل قبول كردبجان هرسخن كه جانان كفت
ابن عجيبة
تفسير : قلت: ضمَّن ركوب السفينة معنى الدخول فيها، فعداه بفي، وقد تركه على أصله في قوله: {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النّحل: 8]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فانطلقا} أي: موسى والخضر، وسكت عن الخادم؛ لكونه تبعًا، وقيل: إن يوشع لم يصحبهما، بل رجع، فصارا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوهم بغير نَوْل، فلما لَجَّجُوا البَحْرَ أخذ الخضرُ فأسًا فخرق السفينة، فقلع لوحًا أو لوحين مما يلي الماء، فحشاها موسى بثوبه، و {قال أخرقتها لتُغرق أهلَها} أو: ليَغرَق أهلُها، {لقد جئتَ} أي: أتيتَ وفعلت، {شيئًا إِمْرًا} أي: عظيمًا هائلاً، يقال: أَمِر الأمرُ: عظم، {قال} الخضر: {ألم أقل إِنك لن تستطيع معي صبرًا}؛ تذكيرًا لما قاله له من قبلُ، وإنكارًا لِعدم الوفاء بالعهد، {قال} موسى عليه السلام: {لا تُؤاخذني بما نسيتُ} أي: بنسياني، أو بالذي نسيته، وهو وصيته بأن لا يسأله عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفية الأسباب قبل بيانه، أراد: نسي وصيته، ولا مؤاخذة على الناسي، وفي الحديث: "حديث : كانت الأولى مِن مُوسى نسيانًا"تفسير : . أو: أراد بالنسيان الترك، أي: لا تُؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة. {ولا تُرهقني} أي: لا تُغْشِنِي ولا تُحَمِّلْنِي {من أمري}، وهو اتباعك، {عُسرًا} أي: لا تعَسِّرْ عليّ في متابعتك، بل يسرها عليّ؛ بالإغضاء والمسامحة. {فانطلقا} أي: فقبل عذره؛ فخرجا من السفينة فانطلقا {حتى إذا لقيا غلامًا فقتله} قيل: كان يلعب مع الغلمان ففتَلَ عنقه، وقيل: ضرب رأسه بحجر، وقيل: ذبحه، والأول أصح؛ لوروده في الصحيح، رُوي أن اسم الغلام "جيسور" بالجيم، وقيل: بالحاء المهملة، فإِن قلت: لِمَ قال {خرقها}؛ بغير فاءٍ، وقال: {فقتله} بالفاء؟ فالجواب: أن "خَرَقَها": جواب الشرط، و {قتله}: من جملة الشرط، معطوفًا عليه، والجزاء هو قوله: {قال أقتلت}، فإن قلت: لِمَ خولف بينهما؟ فالجواب: أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لِقاء الغلام. هـ. وأصله للزمخشري. وقال البيضاوي: ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى عليه السلام مستأنفًا في الأولى، وفي الثانية {فقتله} من جملة الشرط، واعتراضه جزاء؛ لأن القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل، فكان جديرًا بأن يجعل عمدة الكلام، ولذلك وصله بقوله: {لقد جئت شيئًا نُكرًا} أي: منكرًا. هـ. وناقشه أبو السعود بما يطول ذكره. {قال} موسى عليه السلام في اعتراضه: {أقتلتَ نفسًا زكية}: طاهرة من الذنوب، وقرئ بغير ألف؛ مبالغةً، {بغير نَفْسٍ} أي: بغير قتلِ نفسٍ محرمةٍ، فيكون قصاصًا. وتخصيص نفي هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد إحصان؛ لأنه أقرب إلى الوقوع؛ نظرًا لحال الغلام. {لقد جئتَ شيئًا نُكْرًا} أي: مُنكرًا، قيل: أنكرُ من الأول، إذ لا يمكن تداركه، كما يمكن تدارك الأول؛ بالسد ونحوه. وقيل: "الإمْر" أعظم؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. {قال} له الخضرُ عليه السلام: {ألم أقل لك إِنك لن تستطيعَ معي صبرًا}، زاد "لك"؛ لزيادة تأكيد المكافحة؛ بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر، لما تكرر منه الإنكار، ولم يَرْعَوِ بالتذكير، حتى زاد في النكير في المرة الثانية بذكر المنكر. {قال} موسى عليه السلام: {إِنْ سألتك عن شيء بعدها}؛ بعد هذه المرة {فلا تُصاحبني} إن سألتُ صُحبتَكَ، وقرأ يعقوب: "فلا تصحبني"؛ رباعيًا، أي: لا تجعلني صاحبًا لك، {قد بلغتَ من لدُنِّي عُذْرًا} أي: قد أعذرتَ ووجدت مِنْ قِبَلِي عذرًا في مفارقتي، حيث خالفتك ثلاث مرات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله أَخِي مُوسَى، استحيا، فقال ذلك، لو لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأبْصرَ أَعْجَبَ الأعَاجِيب"تفسير : . وفي البخاري: "حديث : وددنا لو صبر موسى، حتى يقص الله علينا من أمرهما ". تفسير : {فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قريةٍ}، هي أنطاكية، وقيل: أَيْلة، وقيل الأبُلة، وهي أبعد أرض الله من السماء، وقيل: برقة، وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس. ويُذكر أنها الجزيرة الخضراء. قلت: وهي التي تسمى اليوم طريفة، وأصلها بالظاء المشالة. وذلك على قول إن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كانوا أهل قرية لِئامًا"تفسير : . وقال قتادة: شر القرى التي لا يُضاف فيها الضيف، ولا يعرف لابن السبيل حقه. ثم وصف القرية بقوله: {استطعما أهلها} أي: طلبا منهم طعامًا، ولم يقل: استطعماهم، على أن يكون صفة لأهل؛ لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم، فإن الإباء من الضيافة، مع كونهم أهلها قاطنين بها، أشنع وأقبح. رُوي أنهما طافا بالقرية يطلبان الطعام، فلم يطعموهما. واستضافاهم {فأَبَوا أن يُضيفوهما} بالتشديد، وقرئ بالتخفيف. يقال: ضافه: إذا كان له ضيفًا، أضافه وضيّفه: أنزله ضيفًا. وأصل الإضافة: الميل، من: ضاف السهمُ عن الغرض: مال، ونظيره: زاره، من الازْوِرَار، أي: الميل. فبينما هما يمشيان، {فوجدا فيها جدارًا}، قال وهب: كان طوله مائة ذراع، {يُريد أن ينقضَّ} أي: يسقط، استعار الإرادة للمشارفة؛ للدلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاض: الإسراع في السقوط، وهو انفعال، من القض، يقال: قضضته فانقض، ومنه: انقضاض الطير والكوكب؛ لسقوطه بسرعة. وقرئ: أن ينقاض، من انقاضت السنُّ: إذا سقطت طولاً. {فأقامه} قيل: مسحه بيده فقام، وقيل: نقضه وبناه، وهو بعيد. {قال} له موسى: {لو شئتَ لاتخذتَ عليه أجرًا} نتعشى به، وهو تحريض له على أخذ الجُعل، أو تعريض بأنه فُضول، وكأنه لَمَّا رأى الحِرمَان ومساس الحاجة كان اشتغاله بذلك في ذلك الوقت مما لا يعني، فلم يتمالك الصبر عليه. قال ابن التين: إن الثالثة كانت نسيانًا؛ لأنه يبعد الإنكار لأمر مشروع، وهو الإحسان لمن أساء. هـ. وفيه نظر؛ فقد قال القشيري في تفسير الآية: لم يقل موسى: إنك ألْمَمْتَ بمحظور، ولكن قال: لو شئتَ، أي: فإن لم تأخذ بسببك فهلا أخذت بسببنا، فكان أخْذُ الأجر خيرًا من الترك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللت بحقنا؟ ويقال: إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب، فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة، وإلاَّ فهو نسي، حيث سقى لبنات شعيب، وكان ما أصابه من التعب والجوع أكثر، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً، وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلا. هـ. قلت: لأن الحق تعالى أراد تأديبه فلم يحمل عنه، فكان سالكًا محضًا، وفي وقت السقي: كان مجذوبًا محمولاً عنه. ثم قال القشيري: وكما أن موسى كان يُحب صحبة الخضر؛ لما له فيه من غرض استزادةٍ من العلم، كان الخضر يحب ترك صحبته؛ إيثارًا للخلوة بالله عنه. هـ. قاله في الحاشية الفاسية. الإشارة: يُؤخذ من خرق السفينة أن المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه، ويعيب سفينة وجوده، بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد، ولا يُقبل عليه أحد، فبذلك يخلو بقلبه ويستقيم على ذكر ربه، وأما ما دام ظاهره متزينًا بلباس العوائد، فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد. ويُؤخذ من قتل الغلام: أنه لا بد من قتل الهوى، وكل ما فيه حظ للنفس والشيطان والطريق في ذلك أن تنظر ما يثقل على النفس فتُحمله لها، وما يخف عليها فتحجزها عنه، حتى لا يثقل عليها شيء من الحق. ويؤخذ من إقامة الجدار رسم الشرائع؛ قيامًا بآداب العبودية، وصونًا لكنز أسرار الربوبية. ويؤخذُ منه أيضًا: الإحسان لمن أساء إليه، فإن أهل القرية أساؤوا؛ بترك ضيافة الخضر، فقابلهم بالإحسان؛ حيث أقام جدارهم. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر افتراقهما وبان الحكمة في تلك الخوارق
الطوسي
تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {ليغرق أهلها} بالياء، ورفع أهلها. الباقون بالتاء ونصب الأهل. فمن قرأ بالتاء ونصب الاهل، فلقوله {أخرقتها لتغرق} بذلك {أهلها} أي فعلت ذلك وغرضك اهلاك اهلها على وجه الانكار. ومن قرأ بالياء أسند الغرق الى الأهل، فكانه قال: فعلت ذلك ليغرقوا هم. وقرأ اهل الكوفة وابن عامر {زكية} بلا الف. وقرأ الباقون زاكية بألف. وقرأ ابن عامر ونافع - في رواية الاصمعي عنه وابو بكر عن عاصم - {نكراً} بضم النون والكاف. الباقون بتخفيف الكاف. قال الكسائي {زاكية، وزكية} لغتان مثل قاسية وقسية. قال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب قط، والزكية التي إذا أذنبت تابت، و (النكر) بالتثقيل والتخفيف لغتان مثل الرعب والرعب. اخبر الله تعالى عن موسى (ع) وصاحبه الذي تبعه ليتعلم منه أنهما ذهبا حتى إذا بلغا البحر، فركبا فى السفينة فخرق صاحبه السفينة أي شق فيها شقاً، لما أعلمه الله من المصلحة فى ذلك، فقال له موسى منكراً لذلك على ظاهر الحال: {أخرقتها لتغرق أهلها} أي غرضك بذلك أن تغرق أهلها الذين ركبوها. ويحتمل أن يكون قال ذلك مستفهما أي فعلت ذلك لتغرق أهلها أم لغير ذلك. والاول أقوى لقوله بعد ذلك {لقد جئت شيئاً إمراً} فالامر المنكر - في قول مجاهد وقتادة - وقال ابو عبيدة: داهية عظيمة وانشد: شعر : لقد لقي الا قرآن منه نكراً داهية دهياء إداً إمراً تفسير : ومن سكن (النكر) فعلى لغة من سكن (رسل). و (الامر) مأخوذ من الأمر، لانه الفاسد الذي يحتاج أن يؤمر بتركه الى الصلاح، ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي، لانه يحتاج أن يؤمر حتى يقوي رأيه. ومنه آمر القوم إذا كثروا حتى احتاجوا الى من يأمرهم وينهاهم، ومنه الأمر من الامور أى الشيء الذى من شأنه ان يؤمر فيه، ولهذا لم يكن كل شيء أمراً. فقال له الخضر {ألم أقل لك} فيما قبل {إنك لن تستطيع معي صبراً} أي لا يخفّ عليك ما تشاهده من أفعالي ويثقل عليك، لانك لا تعرف المصلحة فيه، ولم يرد بالاستطاعة المقدرة، لأن موسى كان قادراً في حال ما خاطبه بذلك، ولم يكن عاجزاً، وهذا كما يقول الواحد منا لغيره أنا لا أستطيع النظر اليك، وانما يريد أنه يثقل عليّ، دون نفي القدرة في ذلك. فقال له موسى في الجواب عن ذلك {لا تؤاخذني بما نسيت} وروي أنه قال ذلك لما رأى الماء لا يدخل السفينة مع خرقها. فعلم أن ذلك لمصلحة يريدها الله، فقال {لا تؤاخذني بما نسيت} وقيل في معنى نسيت ثلاثة أقوال: احدها - ما حكي عن أبي بن كعب، أنه قال: معناه بما غفلت من النسيان الذي هو ضد الذكر. والثاني - ما روي عن ابن عباس أنه قال معناه: بما تركت من عهدك. الثالث - لا تؤاخذني بما كأني نسيته، ولم ينسه فى الحقيقة - فى رواية أخرى - عن ابي بن كعب الانصاري. وقوله {ولا ترهقني من أمري عسراً} قيل معناه لا تغشني، من قولهم رهقه الفارس إذا غشيه وادركه، وغلام مراهق إذا قارب أن يغشاه حال البلوغ. والارهاق ادراك الشيء بما يغشاه. وقيل معنى أرهقه الأمر إذا ألحقه اياه. ثم أخبر تعالى انهما مضيا {حتى إذا لقيا غلاماً} أي رأيا غلاماً {فقتله} قال له موسى {أقتلت نفساً زاكية} ومعناه طاهرة من الذنوب. ومن قرأ {زكية} فمعناه بريئة من الذنوب. وذلك انها كانت صغيرة لم تبلغ حد التكليف على ما روي فى الاخبار. وقوله {بغير نفس} أي بغير قود، ثم قال له {لقد جئت شيئاً نكراً} أي منكراً. وقيل معناه جئت بما ينبغي أن ينكر، وقال قتادة النكر أشد من الامر، وانما قيل لما لا يجوز فعله منكراً، لانه مما تنكر صحته العقول ولا تعرفه.
الجنابذي
تفسير : {فَٱنْطَلَقَا} طالبين للسّفينة {حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا} تثنية الضّمير مع كونهم ثلاثة لكون يوشع (ع) تابعاً وكونهما مقصودين بالحكاية {قَالَ} موسى (ع) {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} استنكر فعله وانكر عليه نسياناً للشّرط الّذى كان بينهما لعظم ما رأى منه فانّه كان ينكر الظّلم ولا يتحمّل مشاهدته {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} اى منكراً عجيباً.
اطفيش
تفسير : {فَانطَلَقَا} يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها ومعهما يوشع فالخضر يعلم فى نفسه سبب طلب السفينة وموسى ويوشع لا يدريان ولو علما أن طلبها للركوب وسببه هو ما يذكر بعد من خرقها وقتل الغلام وإتيان القرية ويحتمل أن الخضر لم يعلم ذلك أيضا أو علم بعضه فقط ولكنه أراد ركوبها رجاء لحكمة تجرى على يده فرأوا سفينة فأشاروا إليها فجاء بها أصحابها فعرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة رواه أبى بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن أهل السفينة قالوا: إن هؤلاء لصوص وأمروهم بالخروج فقال صاحبها: ما هم بلصوص ولكن أرى وجوه الأنبياء. ولما كانت فى لجة البحر أخذ الخضر فأسا فقلع لوحاً. وقيل: لوحين من قمرها مما يلى الماءَ وبقى الماء لا يدخلها بإذن الله تعالى وجعل موسى يحشو الموضع بثوبه. وقيل: قلع من جانبها مما فوق الماء مما يلى الماء فجعل موسى يحشو ذلك بثوبه كما قال الله سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذا رَكِبَا فِى السَّفينَةِ} ومعهما يوشع وإنما لم يذكر لأنه تابع لموسى فهو كزاد الإنسان وسائر متعلقاته ولأن المقصود بالذات موسى والخضر. {خَرَقَهَا} أى الخضر وهى جديدة وثيقة {قَالَ} موسى: {أَخَرَقْتَهَا} استفهام إنكار وتوبيخ. {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} وقد أحسنوا إلينا وحملونا بلا أجرة وذلك ظلم عظيم ولو حملونا بأجرة ولم يحسنوا إلينا. وإنما قال: لتغرق أهلها لأن غرقها سبب ملزوم لدخول الماء فيها ودخوله فيها مغرق لأهلها ولام لتغرق لام الصيرورة أى أخرقتها. فيئول أهلها إلى الغرق. ويحتمل التعليل بأن غلب على موسى التوهم أن الخضر أراد بخرقها غرقهم وذلك أن الحمية على الحق تأخذ المصلح عند معاينة الفساد وكان موسى أشد الناس فى ذلك، على نبينا وعليه الصلاة السلام ولذلك أنكر عليه ناسياً لشرطه مع أنه عالم بأن الخضر هو المعصوم الذى أمره الله سبحانهُ بالسفر معهُ واتباعه واقتباس العلم منه. وقد روى أنه جره من رجله ليلقيه فى البحر وقد علم أنه لا يضره الماء ولا يغرقه. ويمكن أن يكون جره ليخرجه منها لا إرادة لإغراقه وأظن أن ذلك كله غاب عن غفلة حين رأى ذلك. وقرئ لتغرق بالتشديد للمبالغة والتأكيد وقرأ حمزة والكسائى ليغرق بفتح الياء التحتية والراء والتخفيف أهلها بالرفع. {لَقَدْ جِئتَ شيْئاً إمْراً} أى شيئاً عظيما وهو نعت لشيئاً يقال: أمر الأمر أى عظم حتى إنه لينكره العقل. وقد فسره مجاهد فى المنكر قيل: لقد أَمِر أمْر ابن أبى كبشة أى عظم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو كبشة أبوه من الرضاع. قال ابن عباس رضى الله عنهُ: لما خرق الخضر السفينة تنحى موسى بناحية من السفينة وقال فى نفسه: ما كنت أصنع بمصاحبة هذا الرجل كنت فى بنى إسرائيل أتلو كتاب الله عليهم غدوا وعشيا وآمرهم فيطيعونى. فقال لهُ الخضر: أتريد أن أخبرك بما حدثت به نفسك؟ قال: نعم. قال: كذا وكذا. قال: صدقت. وروى أن يوشع قال لموسى - حين قال: أخرقتها الخ - يا نبى الله اذكر الشرط الذى بينكما.
اطفيش
تفسير : {فَانْطَلَقَا} موسى والخضر، ولم يذكر يوشع لأنه تابع لموسى، و قيل: رده موسى إلى بَنى إسرائيل. قال البخارى ومسلم وغيرهما: إِنهما مشيا على الساحل، فطلبها أهل سفينة مرت عليهما أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بلا كراء، وذكر ابن أبى حاتم عن الربيع بن أنس: أنهم ظنوا أنهما لصوص، وكان الموضع مخوفًا فأبوا، فقال كبيرهم: أرى رجالا عليهم النور لأحملنهم، فحملهم. {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَها} أل للحقيقة، إذ لا عهد بها، ولا يصح الاستغراق، وهى سفينة جديدة قوية، أحسن ما يكون، ويقال: كانت صغيرة تحمل من عدوة إلى عدوة، وهو مناسب لأن تكون فى بحر طنجة، فهى تحمل من عدوتنا هذه إلى عدوة أندلس، وكنت أقول الأندلس بأل، ثم تذكرت أنه لا وجه لأل، لأنه علم فلا وجه لأل إلا تكلف تضمن معنى جزيرة، والمشارقة يقولون فى بحر الشام، وأنها تحمل إلى أيلة، ولما طلعا فيها جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة، ونقر فى البحر، وقال له الخضر: ما نقص علمى وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر، وهذا تمثيل إذ لا ينقص من علم الله تعالى شئ، والبحور تنفد وعلم الله لا ينفد. وعدى ركبا بفى لتضمن الركوب معنى الدخول، وانظر هل ذكرت شيئًا فى قوله تعالى عز وجل: "أية : وقال اركبوا فيها" تفسير : [هود: 41] وخرقها: قلع لوح منها بالقادوم، وقيل: لوحين مما يلى الماء، قيل: وتَّد فيها وتداً أيضًا. ويروى أنها لما صارت فى لج الماء أخذ مثقابًا له فثقبها، وأخذ لوحًا وأصلحها به، وقيل: حين شارفت الأرض ويجمع بأنه عزم فى اللجة أو ابتدأ فيها، ولم يتم حتى شارفت أرض العدوة أَو أرض جزيرة نزلوها، أو لم ينزلوها. أو معنى ما يلى الماء ما يقرب منها، بحيث يدخلها ويقدر على علاجه أما فى أسفلها فلا يقدر على إصلاحها، اللهم إلا بقدرة من الله له أو بكفه الماء له، على كل حال قال له موسى عليهما السلام: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها. {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} وذلك أنه خرقها وأهلها فيها، وذكر بعض أنهم خرجوا فتخلف فيها ليخرقها ومعه موسى، ومعنى الإغراق على هذا أنهم إِذا ركبوا فيها غرقوا إذ كانت بخرقه، ولو أصلحها يدخلها الماء قليلا شيئًا فشيئًا، وإن خرقها وهم فيها فهم لم يشعروا بأنه يخرقها، بأن خرقها فى موضع لا يرونه، وليسوا فيها. وروى عبد بن حميد، ومسلم وابن مردويه حديثا: أنه خرج مَن كان فيها وتخلّف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها لتغرق أهلها، والمضارع فى عبارة موسى لاستحضار الصورة، أو عزم على الخرق، فلامه موسى بالمضارع، ولما خرق لامه بالماضى، وقد يمكن أنه حين الشروع فى الخرق لم يروه، ولا رأوا خرقه على أنه كالجنى يظهر إذا أراد، ويختفى إذا أراد بإقدار الله عز وجل له على ذلك، فلم يره إلا موسى. ولفظ أبى العالية، عن حماد، عن شعيب: أن الخضر عبد لا تراه إلا عين مَن أراد الله تعالى أن يريه إياه واللام للعاقبة لا للتعليل، لأنه يحسن الظن بالخضر، وهو ولو غضب يستحضر أن الخضر ولى لله أعلم منه، ومعنى نكراً تنكره العقول، ولم أهتد إِلى وجهه. ويجوز التعليل بأَنه نسى ولايته وأعلميته، لشدة ما حدث عليه مما يخالف ظاهره علم الأحكام، واشتد غضبه، وشد عليه ثيابه حتى نسبه لقصد الإغراق، والمنكر، وحتى جر الخضر ليلقيه فى البحر، وقال: أردت أن تهلكهم فستعلم أنك هالك، وكلما ازداد غضبًا استعر البحر، وكلما سكن كان البحر كالدهن، ويوشع يقول له: ألا تذكر العهد الذى جعلت على نفسك. {لَقَدْ جِئْتَ} أتيت وفعلت {شَيْئًا إِمْرًا} بكسر الهمزة كسراً نقل إِلى تنوين شيئًا بمعنى أمراً عظيماً غير مألوف.
الالوسي
تفسير : {فَٱنطَلَقَا} أي موسى والخضر عليهما السلام ولم يضم يوشع عليه السلام لأنه في حكم التبع، وقيل رده موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس مرفوعاً أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، وفي رواية أبـي حاتم عن الربيع بن أنس أن أهل السفينة ظنوا أنهم لصوص لأن المكان كان مخوفاً فأبوا أن يحملوهم فقال كبيرهم: إني أرى رجالاً على وجوههم النور لأحملنهم فحملهم {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ} أل فيها لتعريف الجنس إذ لم يتقدم عهد في سفينة مخصوصة. وكانت على ما في بعض الروايات سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن سفينة أحسن منها ولا أجمل ولا أوثق، وكانت أيضاً على ما يدل عليه بعض الروايات الصحيحة من سفن صغار يحمل بها أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر، وفي رواية أبـي حاتم أنها كانت ذاهبة إلى أيلة، وصح أنهما حين ركبا جاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة ثم نقر في البحر فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر، وهو جار مجرى التمثيل. واستعمال الركوب في أمثال هذه المواقع بكلمة {فِى} مع تجريده عنها في مثل قوله تعالى: {أية : لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} تفسير : [النحل: 8] على ما يقتضيه تعديته بنفسه قد مرت الإشارة إلى وجهه في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا} تفسير : [هود: 41] وقيل إن ذلك لإرادة معنى الدخول كأنه قيل حتى إذا دخلا في السفينة {خَرَقَهَا } صح أنهما لما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواحها بالقدوم فقال له موسى عليه السلام: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها، وصح أيضاً أنه عليه السلام خرقها ووتد فيها وتداً. وقيل قلع لوحين مما يلي الماء. وفي رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً أنهما لما ركبا واطمأنا فيها ولججت بهما مع أهلها أخرج مثقاباً له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها. وهذه الرواية ظاهرة في أن خرقه / إياها كان حين وصولها إلى لج البحر وهو معظم مائه، وفي الرواية عن الربيع أن أهل السفينة حملوهما فساروا حتى إذا شارفوا على الأرض خرقها، ويمكن الجمع بأن أول العزم كان وهي في اللج وتمام الفعل كان وقد شارفت على الأرض. وظاهر الأخبار يقتضي أنه عليه السلام خرقها وأهلها فيها وهو ظاهر قوله تعالى: {قَالَ} موسى {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} سواء كانت اللام للعاقبة بناء على أن موسى عليه السلام حسن الظن بالخضر أو للتعليل بناء على أنه الأنسب بمقام الإنكار، وبعضهم لم يجوز هذا توهماً منه أن فيه سوء أدب وليس كذلك بل يوشك أن يتعين كونها للتعليل لأن الظاهر بناء الجواب عليه كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. وفي حديث أخرجه عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه قال: فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها فقال له موسى: تخرقها لتغرق أهلها فقال له الخضر ما قص الله تعالى. وهذا ظاهر في أنه عزم على الخرق فاعترض عليه موسى عليه السلام وهو خلاف ما تقتضيه الآية. فإن أول بأنه بتقدير وتخلف ليخرقها فخرقها وأن تعبير موسى عليه السلام بالمضارع استحضاراً للصورة أو قيل بأنه وقع من الخضر عليه السلام أولاً تصميم على الخرق وتهيئة لأسبابه وثانياً خرق بالفعل ووقع من موسى عليه السلام اعتراض على الأول أولاً وعلى الثاني ثانياً فنقل في الحديث أول ما وقع من كل هذه المادة وفي الآية ثاني ما وقع من كل فيها بقي بين ظاهر الحديث وظاهر الآية مخالفة أيضاً على ما قيل من حيث إن الأول يقتضي أن أهل السفينة لم يكونوا فيها إذ خرقت والثاني يقتضي أنهم كانوا فيها حينئذ. وأجيب أنه ليس في الحديث أكثر من أنهم خرجوا منها وتخلف للخرق وليس فيه أنهم خرجوا فخرقها فيمكن أن يكون عليه السلام تخلف للخرق إذ خرجوا لكنه لم يفعله إلا بعد رجوعهم إليها وحصولهم فيها. وأنت تعلم أنه ينافي هذا ما قيل في وجه الجمع بين الرواية عن سعيد والرواية عن الربيع؛ وبالجملة الجمع بين الأخبار الثلاثة وبينها وبين الآية صعب، وقال بعضهم في ذلك: إنه يحتمل أن السفينة لما لججت بهم صادفوا جزيرة في اللج فخرجوا لبعض حوائجهم وتخلف الخضر عازماً على الخرق ومعه موسى عليه السلام فأحس منه ذلك فعجل بالاعتراض ثم رجع أهلها وركبوا فيها والعزم هو العزم فأخذ عليه السلام في مباشرة ما عزم عليه ولم يشعر موسى عليه السلام حتى تم وقد شارفت على الأرض، ولا يخفى ما في ذلك من البعد، وذكر بعضهم أن ظاهر الآية يقتضي أن خرقه إياها وقع عقب الركوب لأن الجزاء يعقب الشرط. وأجيب بأن ذلك ليس بلازم وإنما اللازم تسبب الجزاء عن الشرط ووقوعه بعده ألا تراك تقول: إن خرج زيد على السلطان قتله وإذا أعطيت السلطان قصيدة أعطاك جائزة مع أنه كثيراً ما لا يعقب القتل الخروج والإعطاء الإعطاء؛ وقد صرح ابن الحاجب بأنه لا يلزم وقوع الشرط والجزاء في زمان واحد فيقال: إذا جئتني اليوم أكرمك غداً، وعلى ذلك قوله تعالى: {أية : أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 66] ومن التزم ذلك كالرضي جعل الزمان المدلول عليه بإذا ممتداً وقدر في الآية المذكورة أئذا ما مت وصرت رميماً، وعليه أيضاً لا يلزم التعقيب، نعم قال بعضهم: إن خبر لما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواحها يدل على تعقيب الخرق للركوب، وأيضاً جعل غاية انطلاقهما مضمون الجملة الشرطية يقتضي ذلك إذ لو كان الخرق متراخياً عن الركوب لم يكن غاية الانطلاق مضمون الجملة لعدم انتهائه به. وأجيب بأن المبادرة التي دل عليها الخبر عرفته بمعنى أنه لم تمض أيام ونحوه، وبأنه لا مانع / من كون الغاية أمراً ممتداً ويكون انتهاء المغيا بابتدائه كقولك: ملك فلان حتى كانت سنة كذا ملكه فتأمل. ثم إن في القلب من صحة رواية الربيع شيئاً والله تعالى أعلم بصحتها. والظاهر أن أهل السفينة لم يروه لما باشر خرقها وإلا لما مكنوه وقد نص على ذلك علي القاري. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن أبـي العالية من طريق حماد بن زيد عن شعيب بن الحبحاب أنه قال: كان الخضر عبداً لا تراه إلا عين من أراد الله تعالى أن يريه إياه فلم يره من القوم إلا موسى عليه السلام ولو رآه القوم لحالوا بينه وبين خرق السفينة وكذا بينه وبين قتل الغلام، وليس هذا بالمرفوع والله تعالى أعلم بصحته. نعم سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً عن الربيع أيضاً أنهم علموا بعد ذلك أنه الفاعل. والظاهر أيضاً أن موسى عليه السلام لم يرد إدراج نفسه الشريفة في قوله: {لتغرق أهلها} وإن كان صالحاً لأن يدرج فيه بناءً على أن المراد من أهلها الراكبين فيها. وقرأ الحسن وأبو رجاء {لِتُغْرِقَ} بالتشديد لتكثير المفعول. وقرأ حمزة والكسائي وزيد بن علي والأعمش وطلحة وابن أبـي ليلى وخلف وأبو عبيد وابن سعدان وابن عيسى الأصبهاني {ليغرق أهلها} على إسناد الفعل إلى الأهل، وكون اللام على هذه القراءة للعاقبة ظاهر جداً. {لَقَدْ جِئْتَ} أتيت وفعلت {شَيْئًا إِمْرًا} أي داهياً منكراً من أمر الأمر بمعنى كثر قاله الكسائي فأصله كثير، والعرب كما قال ابن جني في «سر الصناعة» تصف الدواهي بالكثرة، وهو عند بعضهم في الأصل على وزن كبد فخفف قيل ولم يقل أمراً إمراً مع ما فيه من التجنيس لأنه تكلف لا يلتفت إلى مثله في الكلام البليغ كما صرح به الإمام المرزوقي في شرح قول السموأل:شعر : يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول تفسير : رداً لاختيار بعضهم رواية يقصر حب الموت، وأيد ذلك بقول أبـي ذؤيب الهذلي:شعر : وشيك الفصول بعيد القفول تفسير : حيث أمكن له أن يقول بطيء القفول ولم يقل، وربما يقال هنا: إنه لم يقل ذلك لما ذكر مع إيهامه خلاف المراد وقصوره عن درجة ما في النظم الجليل من زيادة التفظيع، وفي الرواية عن الربيع أن موسى عليه السلام لما رأى من الخضر ما رأى امتلأ غضباً وشد عليه ثيابه وأراد أن يقذف الخضر عليه السلام في البحر فقال أردت هلاكهم فستعلم أنك أول هالك وجعل كلما ازداد غضباً استعر البحر وكلما سكن كان البحر كالدهن، وأن يوشع بن نون قال له: ألا تذكر العهد والميثاق الذي جعلت على نفسك، وأن الخضر عليه السلام أقبل عليه يذكره ما قاله من قبل: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً}.
ابن عاشور
تفسير : أي فعقِب تلك المحاورة أنهما انطلقا. والانطلاق: الذهاب والمشي، مشتق من الإطلاق وهو ضد التقييد، لأن الدابة إذا حُلّ عقالها مشت. فأصله مطاوع أطلقه. و (حتى) غاية للانطلاق. أي إلى أن ركبا في السفينة. و (حتى) ابتدائية، وفي الكلام إيجاز دل عليه قوله: {إذا ركبا في السفينة}. أصل الكلام: حتى استأجرا سفينة فركباها فلما ركبا في السفينة خرقها. وتعريف {السفينة} تعريف العهد الذهني، مثل التعريف في قوله تعالى: { أية : وأخاف أن يأكله الذئب } تفسير : [يوسف: 13]. و{إذا} ظرف للزمان الماضي هنا، وليست متضمنة معنى الشرط. وهذا التوقيت يؤذن بأخذه في خرق السفينة حين ركوبهما. وفي ذلك ما يشير إلى أن الركوب فيها كان لأجل خرقها لأن الشيء المقصود يبادِر به قاصده لأنه يكون قد دبره وارتآه من قبل. وبني نظم الكلام على تقديم الظرف على عامله للدلالة على أن الخرق وقع بمجرد الركوب في السفينة، لأن في تقديم الظرف اهتماماً به، فيدل على أن وقت الركوب مقصود لإيقاع الفعل فيه. وضمن الركوب معنى الدخول لأنه ركوب مجازي، فلذلك عدي بحرف (في) الظرفية نظير قوله تعالى: { أية : وقال اركبوا فيها } تفسير : [هود: 41] دون نحو قوله: { أية : والخيل والبغال والحمير لتركبوها } تفسير : [النحل: 8]. وقد تقدم ذلك في سورة هود. والخرق: الثقب والشق، وهو ضد الالتئام. والاستفهام في أخرقتها} للإنكار. ومحل الإنكار هو العلة بقوله: {لتغرق أهلها}، لأن العلة ملازمة للفعل المستفهم عنه. ولذلك توجه أن يغير موسى ــــ عليه السلام ــــ هذا المنكَر في ظاهر الأمر، وتأكيد إنكاره بقوله: {لقد جئت شيئاً إمراً}. والإمر ــــ بكسر الهمزة ــــ: هو العظيم المفظع. يقال: أَمِر كفرح إِمراً، إذا كثر في نوعه. ولذلك فسره الراغب بالمنكر، لأن المقام دال على شيء ضارّ. ومقام الأنبياء في تغيير المنكر مقام شدة وصراحة. ولم يجعله نكراً كما في الآية بعدها لأن العلم الذي عمله الخضر ذريعة للغرق ولم يقع الغرق بالفعل. وقرأ الجمهور {لتغرق} ــــ بمثناة فوقية مضمومة ــــ على الخطاب. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف {ليَغرق} ــــ بتحتية مفتوحة ورفع {أهلها} على إسناد فعل الغرق للأهل.
القطان
تفسير : إِمرا: منكرا. لا ترهقني: لا تحمّلني ما لا اطيق. العسر: الشدة والمشقة وضد اليسر، يعني ارفق بي وعاملني باليسر. زكية: طاهرة من الذنوب. نكرا: منكرا تنفر منه النفوس. قد بلغت من لدني عذرا: وجدت عذرا من قبلي. استطعما اهلها: طلبا منهم ان يطعموهما. جدارا يريد ان ينقض: حائطا مشرفا على السقوط. فأقامه: فسوّاه ورممه. هذا فراق بيني وبينك: إلى هنا انتهى اجتماعنا. سأنبئك بتأويل: سأخبرك بتفسير ما لا تعرفه. خيرا منه زكاة: احسن منه طهارة. واقرب رحما: قرابة ورحمة. كنز: مال مدفون تحت الجدار. يبلغا اشدهما: بلوغ الرشد وكمال العقل. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، حتى وجدا سفينة فركباها، فخرقها العبد الصالح فاعترض موسى قائلا: أخرقتَ السفينة لتغرق من فيها من الركاب؟ لقد ارتكبت امراً منكرا. قال العبد الصالح: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} لما ترى من اعمالي ولا تدرك سرها. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "ليغرق اهلها" بالياء ورفع اهلها. قال له موسى: لا تؤاخذني فقد نسيت العهد الذي بيننا، ولا ترهقني وتكلفني مشقة ويسّر عليّ أمري. وخرجا من السفينة فانطلقا يمشيان، فلقيا صبياً، فقتله العبد الصالح، فقال موسى مستنكرا هذا العمل: كيف تقتل نفسا طاهرة بريئة من الذنوب، ولم ترتكب ذنبا! {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} لقد ارتكبت اثما عظيما. الى هنا تم تفسير الجزء الخامس عشر، والحمد لله على ذلك، واسأل الله تعالى ان يعين على اتمامه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}. قال العبد الصالح: لقد قلت لك: انك لن تستطيع الصبر على ما ترى من اعمالي. قال موسى: ان سألتك عن شيء بعد هذه المرة عن عجيب افعالك التي اشاهدها فلا تصاحبني، قد بلغتَ الغاية التي تعذر بسببها في فراقي. قراءات: قرأ يعقوب: فلا تصحبني. والباقون: فلا تصاحبني. وقرأ نافع: من لدني. بتخفيف النون. وقرأ ابو بكر: من لدني: بإسكان الدال. قرأ ابن كثير والبصْرِيَّان: لتخِذت عليه اجرا، بفتح التاء وكسر الخاء. فانطلقا يمشيان حتى وصلا الى قرية، فطلبا من اهلها ان يطعماهما، فرفضوا ان يضيّفوهما ووجدا في القرية جدارا يكاد يسقط، فسوّاه العبد الصالح ورممه. فقال موسى: لو شئت لطلبت اجرة على بنائه. فقال: هذا الاعتراض الدائم منك على ما افعل سبب الفراق بيني وبينك، وسأخبرك بحكمة هذه الافعال التي خفي عليك امرها ولم تستطع الصبر عليها. اما السفينة التي احدثتُ فيها خرقا، فهي لمساكين ضعفاء يعملون بها في البحر لتحصيل رزقهم، فاحدثتُ فيها عيبا، لانه كان هناك ملك يغتصب كل سفينة صالحة، وبعملي هذا نجت السفينة من ذلك. واما الغلام الذي قتلته، فكان ابواه مؤمنين، وعلمت انه ان عاش فإنه سيكون سبباً لكفرهما. واراد ربك بقتله ان يعوضهما خيرا منه ديناً واقرب براً ورحمة. واما الجدار الذي أقمته دون اجر، فكان لغلامين يتيمين من اهل المدينة، وكان تحته مال مدفون تركه ابوهما لهما، وكان رجلا صالحا، فاراد الله ان يحفظ لهما ذلك المال حتى يبلغا رشدهما ويستخرجاه، رحمة بهما، وتكريماً لأبيهما. واعلمْ اني ما فعلت هذا كله بأمري واجتهادي من عند نفسي، وانما فعلته بتوجيه من ربي، هذا تفسير ما خفي عليك يا موسى، ولم تستطع الصبر عليه. قرأ نافع وابو عمرو: ان يبدلهما بتشديد الدال. وقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم: رحما بضم الراء واسكان الحاء. والباقون: رحما بضم الراء والحاء. اختلف المؤرخون والمفسرون في شخصية ذي القرنين، فقال كثير من المفسرين انه اسكندر المقدوني، وفي تاريخ ملوك حمير واقيال اليمن ان ذا القرنين هو تبَّع بن شمر يرعش.. وانه غزا بلاد الروم واوغل فيها حتى وصل الى وادي الظلمات. وفي رواية انه الصعب بن تبع ابن الحارث ويلقب بذي القرنين، وروايات كثيرة، وكلها من باب الرجم بالغيب والظن الذي لا يغني عن الحق شيئا. ويقول ابو الكلام أزاد في كتابه عن ذي القرنين انه "كورش الأكبر" مؤسس الاسرة الاخمينية، والذي يقول العقاد إننا اذا انعمنا النظر في التاريخ نجد ان اوصافه تنطبق على ما وصف به القرآن ذا القرنين، اذ كان ملهماً وفاتحا عظيما، غزا الارض شرقا وغربا واقام سدا ليصد به هجمات المغيرين من "يأجوج ومأجوج" على بلاده. واما اسكندر المقدوني فقد كان وثنيا معروفا بالقسوة والوحشية، ثم ان الاسكندر لا يعقل ان يكون هو باني سور الصين، فهو اولاً لم يصل الصين، بل عاد من الهند حيث تمرد عليه رجاله، وان سد الصين بني بعده بنحو مائة وعشرين سنة. ما بين سنة 246 - 209 قبل الميلاد وبانيه معروف وهو الملك "ش هو انجتي". وطول سد الصين 2400 كيلو متر استغرق بناؤه سنين عديدة. وسيأتي الكلام على السد ومكانه قريبا.
د. أسعد حومد
تفسير : (71) - وَبَعْدَ أَنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُرَافِق مُوسَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ فِي البَحْرِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِمْ تَمْخُرُ عُبَابَ البَحْرِ، وَلَمَّا أَوْغَلَتِ السَّفِينَةُ فِي البَحْرِ، قَامَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ بِأَنِ اسْتَخْرَجَ لَوْحاً مِنْ أَلْوَاحِهَا، ثُمَّ وَضَعَ مَكَانَهُ لَوْحاً آخَرَ، فَأَصْبَحَتِ السَّفِينَةُ وَكَأَنَّهَا مَرْقُوعَةٌ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ مُوسَى نَفْسَهُ، فَقَالَ مُنْكِراً: إِنَّ خَرْقَكَ السَّفِينَةَ يُؤَدِّي إِلى إِغْرَاقِ مَنْ فِيها، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً عَجِيباً مُنْكَراً. شَيْئاً إِمْراً - شَيْئاً عَظِيماً مُنْكَراً، أَوْ عَجِيباً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {فَٱنْطَلَقَا} سارا معاً، حتى ركبا سفينة، وكانت مُعَدَّة لنقل الركاب، فما كان من الخضر إلا أنْ بادر إلى خَرْقها وإتلافها، عندها لم يُطِق موسى هذا الأمر، وكبُرت هذه المسألة في نفسه فلم يصبر عليها فقال: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} [الكهف: 71]. أي: أمراً عجيباً أو فظيعاً. ونسي موسى ما أخذه على نفسه من طاعة العبد الصالح وعدم عصيانه والصبر على ما يرى من تصرفاته. كأن الحقَّ - تبارك وتعالى - يريد أن يُعلِّمنا أن الكلام النظري شيء، والعمل الواقعي شيء آخر، فقد تسمع من أحدهم القول الجميل الذي يعجبك، فإذا ما جاء وقت العمل والتنفيذ لا تجد شيئاً؛ لأن الكلام قد يُقَال في أول الأمر بعبارة الأريحية، كمن يقول لك: أنا رَهْن أمرك ورقبتي لك، فإذا ما أحوجك الواقع إليه كنت كالقابض على الماء لا تجد منه شيئاً. ونلحظ هنا أن موسى - عليه السلام - لم يكتف بالاستفهام: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ..} [الكهف: 71] بل تعدَّى إلى اتهامه بأنه أتى أمراً منكراً فظيعاً؛ لأن كلام موسى النظري شيء ورؤيته لخرق السفينة وإتلافها دون مبرر شيء آخر؛ لأن موسى استحضر بالحكم الشرعي إتلاف مال الغير، فضلاً عن إغراق ركاب السفينة، فرأى الأمر ضخماً والضرر كبيراً، هذا لأن موسى يأخذ من كيس والخضر يأخذ من كيس آخر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):