Verse. 2215 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

قَالَ اَلَمْ اَقُلْ لَّكَ اِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيْعَ مَعِيَ صَبْرًا۝۷۵
Qala alam aqul laka innaka lan tastateeAAa maAAiya sabran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا» زاد لك على ما قبله لعدم العذر هنا.

75

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } زاد «لك» على ما قبله لعدم العذر هنا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} فيه أربعة أوجه: أحدها: فلا تتابعني. الثاني: فلا تتركني أصحبك، قاله الكسائي. الثالث: فلا تصحبني. الرابع: فلا تساعدني على ما أريد. {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذراً} قد اعتذرت حين أنذرت.

النسفي

تفسير : {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } زاد {لك} هنا لأن النكر فيه أكثر {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا } بعد هذه الكرة أو المسألة {فَلاَ تُصَاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق. و{لدني} بتخفيف النون: مدني وأبو بكر. {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } هي أنطاكية أو الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا } استضافاً {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا } ضيفه أنزله وجعله ضيفه قال عليه السلام: «حديث : كانوا أهل قرية لئاماً»تفسير : وقيل: شر القرى التي تبخل بالقرى {فَوَجَدَا فِيهَا } في القرية {جِدَاراً } طوله مائة ذراع {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } يكاد يسقط استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة كما استعير الهم والعزم لذلك {فَأَقَامَهُ } بيده أو مسحه بيده فقام واستوى، أو نقضه وبناه كان الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسائلة فلم يجدا مواسياً، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رآى من الحرمان ومساس الحاجة أن {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } أي لطلبت على عملك جعلا حتى تستدفع به الضرورة. {لتخذت} بتخفيف التاء وكسر الخاء وإدغام الذال: بصري، وبإظهارها: مكي، وبتشديد التاء وفتح الخاء وإظهار الذال: حفص، وبتشديد التاء وفتح الخاء وإدغام الذال في التاء: غيرهم. والتاء في «تخذ» أصل كما في «تبع»، و«اتخذ» افتعل منه كاتبع من تبع وليس من الأخذ في شيء .

الثعالبي

تفسير : {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } قال: وهذه أشدُّ من الأولى - {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}، قال: مائل، فقال الخَضِرُ بيده هكذا، فأقامه، فقال موسى: قومٌ أتيناهم، فلم يُطْعِمُونا، ولم يضيِّفونا {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} قال سعيدُ بنُ جُبَيْر: أجراً نأكله - «قال هذا فراق بيني وبينك» إِلى قوله: {ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرَهِمَا» قال سعيد: فكان ابن عباس يَقْرأُ: «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ [صَالِحَةِ] غَضْباً»، وكان يقرأ: «وأَمَّا الغُلاَمُ [فَكَانَ كَافِراً] وكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ»، وفي رواية للبخاريِّ: يزعمون عن غَيْر سعيدِ بْنِ جُبَيْر؛ أنَّ اسم المَلِكِ: هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ، والغلام المقتولُ اسمه يزعمون حَيْسُورُ، ويقال: جَيْسُورَ مَلِكٌ {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً }، فأردتُّ إِذا هِيَ مَرَّتْ به أنْ يَدَعَها لِعَيْبها، فإِذا جَاوَزُوا أصْلَحُوها، فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سَدُّوها بقَارُورة، ومنهم من يقول بالقَارِ، {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ }، وكان كافراً، {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} أنْ يحملهما حبُّه على أنْ يتابعاه على دينه، {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً } لقوله: «أقتلْتَ نفساً زاكية»، {وَأَقْرَبَ رُحْماً } هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خَضِر، وزعم غير سعيد أنهما أُبْدلا جاريةً، وأما داوُدُ بن أبي عاصِمٍ، فقال عن غير واحدٍ: إنها جاريةٌ. انتهى لفظُ البخاريِّ. * ت *: وقد تحرَّينا في هذا المختصر بحَمْد اللَّه التحقيقَ فيما علَّقناه جُهْد الاستطاعة، واللَّه المستعان، وهو المسؤول أن ينفع به بجُوده وكَرَمِهِ. قال * ع *: ويشبه أنْ تكون هذه القصَّة أيضاً أصلاً للآجالِ في الأحكام التي هي ثَلاَثَةٌ، وأيام التلوم ثلاثةٌ، فتأمَّله. وقوله سبحانه: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} وفي الحديث: «أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ عَلَى مَجَالِسِ أُولَئِكَ القَومِ يَسْتَطْعمَانِهِمْ». قال * ع *: وهذه عبرة مصرِّحة بهوان الدنيا على اللَّه عزَّ وجلَّ. * ص *: وقوله: {فِرَاقُ بَيْنِي} الجمهور بإِضافة «فِرَاق»، أبو البقاء، أي تفريقُ وَصْلِنا، وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ «فِراقٌ» بالتنوين، أبو البقاء و«بَيْنَ»: منصوبٌ على الظرفِ انتهى. قال * ع *: و{وَرَاءَهُم } هو عندي على بابه، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعًى بها الزمانُ، وذلك أنَّ الحادث المقدَّم الوُجُودِ هو الأمامُ، والذي يأتي بَعْدُ هو الوَرَاء، وتأمَّل هذه الألفاظ في مواضِعِها حيْثُ وردَتْ تجدها تَطَّرد، ومِن قرأ: «أَمامَهُمْ»، أراد في المكان. قال * ع *: وفي الحديث، «أنَّ هَذَا الغُلاَمَ طُبِعَ يَوْمَ طُبعَ كافِراً»، والضمير في «خشينا» للخضِرِ، قال الداووديُّ: قوله: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا }، أي: علمنا انتهى. «والزَكَاةُ» شرف الخُلُق والوقارُ والسكينةُ المنطويةُ على خَيْرٍ ونيَّة، «والرُّحْم» الرحمة، وروي عن ابن جُرَيْج، أنهما بُدِّلا غلاماً مسْلِماً، وروي عنه أنهما بُدِّلا جاريةً، وحكى النَّقَّاش أنها وَلَدَتْ هي وَذُرِّيَّتُها سبعين نبيًّا، وذكره المهدويُّ عن ابن عباس، وهذا بعيدٌ، ولا تُعْرَف كثرة الأنبياءِ إِلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكُنْ فيهم، واختلف النَّاسُ في هذا الكنز المذكور هنا، فقال ابن عباس: كان عِلْماً في صُحُف مدفونةٍ، وقال عمر مولى غَفْرَة: كان لَوْحاً من ذَهَبٍ قد كُتِبَ فيه: «عجباً للموقِنِ بالرِّزْقِ كيف يَتْعَبُ، وعجباً للموقِنِ بالحسابِ كيف يَغْفَلُ، وعجباً للموقِنِ بالمَوْتِ كيف يَفُرَحُ»، وروي نحو هذا مما هو في معناه، وقال الداووديُّ: {كَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ذَهَبٌ وفِضَّة» انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظر لأحَدٍ معه، فاللَّه أعلم أيَّ ذلك كَانَ. وقوله سبحانه: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً} ظاهر اللفظِ، والسابقُ منه إِلى الذهنِ أنه والدهما دِنْيَةً، وقيل: هو الأب السابعُ، وقيل: العاشر، فَحُفِظَا فيه، وفي الحديثِ: « حديث : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ في ذُريتِهِ »تفسير : ، وقول الخضر: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي }، يقتضي أنه نَبِيٌّ، وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبيٌّ، وقيل: عَبْدٌ صالح، وليس بنبيٍّ؛ وكذلك اختلف في موته وحياته، واللَّه أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخَضِر قوُلُه صلى الله عليه وسلم: « حديث : أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ إِلى رَأْسِ مِائَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ على ظَهْرِ الأَرضِ أحد ». تفسير : قال القرطبيُّ في «تذكرته»: وذكر عن عمرو بن دِينَارٍ: الخَضِرُ وإِلياسُ عليهما السلام حَيَّانِ، فإِذا رفع القرآن ماتا قال القرطبيُّ: وهذا هو الصحيحُ انتهى، وحكاياتُ مَنْ رأَى الخَضِرَ من الأولياء لا تحصَى كثرةٍ فلا نطيلُ بَسْردها، وانظر «لطائِفَ المِنَن» لابن عطاء اللَّه. وقوله: {ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ }: أي مآل، وحكى السُّهَيْليُّ أنه لما حان للخَضِر وموسى أن يفترقا، قال له الخَضر: لو صَبَرْتَ، لأَتَيْتَ عَلَى أَلْفِ عَجَبٍ، كلُّها أعجبُ ممَّا رأَيْتَ، فبكى موسى، وقالَ للخَضِر: أوْصِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فقال: يا مُوسَى، اجْعَلْ همَّك في معادِكَ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيك، ولا تأمَنْ مِنَ الخوفِ في أمْنِكَ، ولا تَيْئَس من الأمن في خوفك، وتدَّبر الأمورَ في علانيتِكَ، ولا تَذَر الإحسانَ في قُدْرتك، فقال له موسى: زِدْنِي يرحمك اللَّه، فقال له الخَضِر: يا مَوسَى، إِياكَ واللَّجَاجَةُ، ولا تَمْش في غير حَاجَةٍ، ولا تَضْحَكْ من غَيْر عَجَبٍ، ولا تعير أحداً، وابكِ على خطيئتك يَا بْنَ عِمران. انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه ثانية {قال} الخضر عليه السلام: {ألم أقل} وزاد قوله: {لك إنك} يا موسى {لن تستطيع معي} أي خاصة {صبراً * قال} موسى عليه السلام حياء منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله: {إن سألتك عن شيء بعدها} يا أخي! وأعلم بشدة ندمه على الإنكار بقوله: {فلا تصاحبني} بل فارقني؛ ثم علل ذلك بقوله {قد بلغت} وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال: {من لدني عذراً *} باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما. وقد أخبرني الله بحسن حالك في غزارة علمك {فانطلقا} بعد قتله {حتى إذا أتيا أهل قرية} عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى: {استطعما} وأظهر ولم يضمر في قوله: {أهلها} لأن الاستطعام لبعض من أتوه، أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، وهذا هو الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل: ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين الأفهام في القرآن: اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين: أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس، ولم يصل إليه تخاطب الخلق. فإذا كان البيان عن إحاطة، تقدم الإضمار { قل هو الله أحد} وإذا كان عن اختصاص، تقدم الإظهار {الله الصمد} وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار، أو بجمع المضمر والمظهر {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم }تفسير : [الحجرات: 1] {أية : إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد} تفسير : [ البروج: 12] {أية : هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة}تفسير : [الحشر: 22] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم، ومن نحوه { أتيا أهل قرية استطعما أهلها} استأنف للمستطعمين إظهاراً غير إظهار المأتيين - انتهى. وجعل السبكي الإتيان للبعض، والاستطعام للكل، لأنه أشد ذماً لأهل القرية وأدل على شر طبعها، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل من الكتاب عاماً يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عز وجل { حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها}: وفي هذه الآية أدل دلالة على أنه لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة كانت عيناً في الأغلب. ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع، فلو قيل: استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة. {فأبوا} أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون من أهل القرية {أن يضيفوهما} أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم {فوجدا فيها} أي القرية، ولم يقل: فيهم، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع {جداراً} مشرفاً على السقوط، وكذا قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما يعقل: {يريد أن ينقض} أي يسقط سريعاً فمسحه الخضر بيده {فأقامه}. ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب "إذا" بقوله: {قال} أي له موسى عليه السلام: {لو شئت لتخذت} لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء {عليه} أي على إقامة الجدار {أجراً *} نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال {قال} الخضر عليه السلام: {هذا} أي الوقت أو السؤال. ولما كان ذلك سبب الفراق أو محله، سماه به مبالغة فقال: {فراق بيني وبينك} يا موسى بعد أن كان البينان بيناً واحداً لاتصالهما فلا بين، فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلاً من بينهما، أو فراق التقاول الذي كان بيننا، أي الفراق الذي سببه السؤال، وإذا نزل على الاحتباك ازداد ظهوراً، تقديره: فراق بيني وبينك كما أخبرت، وفراق بينك من بيني كما شرطت، وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه، وذلك أنه إذا وقع فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وقع منك بطريق الأولى، وحقيقته أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع بينهما، فبين كل منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه، فإذا دخل في ذلك الفراغ شيء فصل بينهما، وصار بين كل منهما ينسب إليه، لأنه صار بين ما ينسب إلى كل منهما من البينين، وحينئذ يكون بينهما مباينة، أي أن بين كل منهما غير بين الآخر ـ ومن قال: إن معنى "هذا فراق بيننا" زوال الفصل ووجود الوصل، كذبه أن معنى "هذا اتصال بيننا" المواصلة، فلو كان هذا معنى ذاك أيضاً لاتحد معنى ما يدل على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل، وقد نبه الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام - كما في تفسير الأصبهاني وغيره - بما فعل الخضر عليه السلام على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء، فنبهه - بخرق السفينة الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب - على التابوت الذي أطبق عليه وألقي في اليم خوفاً عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكاً وباطنه نجاة، وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن لم يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ، وبأقامة الجدار من غير أجر على سقيه لبنات شعيب عليهم السلام من غير أجر مع احتياجه لذلك. ولما كان من المعلوم شدة استشراف موسى عليه السلام إلى الوقوف في باطن هذه الأمور، قال مجيباً له عن هذا السؤال: {سأنبئك} يا موسى بوعد لا خلف فيه إنباء عظيماً {بتأويل} أي بترجيع {ما لم تستطع عليه صبراً *} لمخالفته عندك الحكمة إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب الأدنى لدفع الأقوى بشرط التحقق، وأثبت تاء الاستفعال هنا وفيما قبله إعلاماً بأنه ما نفى إلا القدرة البليغة على الصبر، إشارة إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك، لا مطلق القدرة على الصبر {أما السفينة} التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها {فكانت لمساكين} وهو دليل للشافعي على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأن هؤلاء يملكون سفينة {يعملون في البحر} ليستعينوا بذلك على معاشهم. ولما كان التعييب من فعله، أسنده إليه خاصة، تأدباً مع الله تعالى فقال: {فأردت أن أعيبها} فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحاً يسدونها به أخف ضرراً من تفويتهم منفعتها أخذاً ورأساً بأخذ الملك لها، ولم أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر إلى الفهم؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال: {وكان وراءهم} أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم و واروها، وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماماً في المكان. {ملك يأخذ} في ذلك الوقت {كل سفينة} ليس فيها عيب {غصباً} من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به.

ابو السعود

تفسير : {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} زيد (لك) لزيادة المكافحةِ بالعتاب على رفض الوصيةِ وقلة التثبّتِ والصبرِ لمّا تكرر منه الاشمئزازُ والاستنكار ولم يَرعَوِ بالتذكير حتى زاد النكير في المرة الثانية {قَالَ} أي موسى عليه الصلاة والسلام: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا} أي بعد هذه المرة {فَلاَ تُصَاحِبْنِى} وقرىء من الإفعال أي لا تجعلني صاحبك {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً} أي قد أعذرتَ ووجدتَ من قِبلي عُذراً حيث خالفتُك ثلاثَ مرات. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : رحم الله أخي موسى استحْيـى فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لأبصرَ أعجبَ الأعاجيب » تفسير : وقرىء لدُني بتخفيف النون، وقرىء بسكون الدال كعضْد في عضُد. {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} هي أنطاكيةُ، وقيل: أَيْلةُ وهي أبعدُ أرض الله من السماء، وقيل: هي برقة، وقيل: بلدة بأندلس. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : كانوا أهلَ قرية لئاما » تفسير : وقيل: شرُّ القرى التي لا يضاف فيها الضيفُ ولا يُعرف لابن السبـيل حقُّه، وقوله تعالى: {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لقرية، ولعل العدولَ عن استطعامهم على أن يكون صفةً للأهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعِهم فإن الإباءَ من الضيافة ـ وهم أهلُها قاطنون بها ـ أقبحُ وأشنع. روي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا} بالتشديد، وقرىء بالتخفيف من الإضافة، يقال: ضافه إذا كان له ضيفاً وأضافه وضيّفه أنزله وجعله ضيفاً له، وحقيقةُ ضاف مال إليه من ضاف السهمُ عن الغرَض ونظيرُه زاره من الازورار. {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي يداني أن يسقُط فاستعيرت الإرادةُ للمشارفة للدِلالة على المبالغة في ذلك، والانقضاضُ الإسراعُ في السقوط وهو انفعالٌ من القضّ، يقال: قتُه فانقضّ، ومنه انقضاضُ الطير والكوكبِ لسقوطه بسرعة، وقيل: هو افْعِلالٌ من النقض كاحمرّ من الحُمرة، وقرىء أن ينقُض من النقْض وأن ينقاض من انقاضّت السن إذا انشقت طولاً {فَأَقَامَهُ} قيل: مسحه بـيده فقام، وقيل: نقضه وبناه، وقيل: أقامه بعمود عمَده به، قيل: كان سَمكُه مائةَ ذراع {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} تحريضاً له على أخذ الجُعْل لينتعشا به أو تعريضاً بأنه فضولٌ لما في لو من النفي، كأنه لما رأى الحِرمانَ ومِساسَ الحاجة واشتغالَه بما لا يعنيه لم يتمالك الصبرَ، واتخذ افتعل من تخِذ بمعنى أخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريـين، وقرىء لتَخِذْتَ أي لأخذت، وقرىء بإدغام الذال في التاء.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}. كرَّر قوله: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ... } لأنه واقف بشرط العلم، وأمَّا في محل الكشف فَشَرَطَ عليه موسى عليه السلام فقال: قوله جل ذكره: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً}. بلغ عصيانه ثلاثاً؛ والثلاثةُ آخِرُ حَدِّ آخِرُ حَدِّ القِلَّة، وأوَّلٌ حَدِّ الكثرة، فلم يَجِدْ المُسامَحَةَ بعد ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الخضر {ألم اقل لك انك لن تستطيع معى صبرا} توبيخ لموسى على ترك الوصية وزيادة لك هنا لزيادة العتاب على تركها لانه قد نقض العهد مرتين.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً} تحقيق ما قال له أولا مع نهيه عن العود لمثل سؤاله، لانه لا يجوز أن يكون توبيخاً، لانه جار مجرى الذم في أنه لا يجوز على الانبياء (ع) فقال له موسى فى الجواب عن ذلك {إن سألتك} أي ان استخبرتك عن شيء تعمله بعد هذا {فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً} ومعناه إقرار من موسى بأن صاحبه قد قدم اليه ما يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكره. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه تلا هذه الآية، فقال: "حديث : استحيى نبي الله موسى" تفسير : . والعذر وجود ما يسقط اللوم من غير جهة التكفير بتوبة واجتناب كبير لوقوع سهو لم يتعرض له. وفي (لدن) خمس قراءات، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالتثقيل. الثاني - بضم الدال وتخفيف النون قرأ به نافع. الثالث - قرأ ابو بكر بضم اللام وسكون الدال واشمام من غير اشباع، الرابع - قرأ الكسائي عن أبي بكر بضم اللام وسكون الدال. الخامس - في رواية عن أبي بكر بفتح اللام وسكون الدال: وهذه كلها لغات معروفة. ثم أخبر الله تعالى عنهما ايضاً أنهما مضيا حتى {أتيا أهل قرية استطعما أهلها} أي طلبا منهم ما ياكلانه فامتنعوا من تضييفهما {فوجدا فيها} يعني القرية {جداراً يريد أن ينقض. فأقامه} ومعناه وجدا حائطاً قارب أن ينقض فشبهه بحال من يريد أن يفعل فى التباني، كما قال الشاعر: شعر : يريد الرمح صدر ابي براء ويرغب عن دماء بني عقيل تفسير : ومثله تراني آثارهما، ودار فلان ينظر الى دار فلان. وقال سعيد بن جبير: معنى قوله {فأقامه} انه رفع الجدار بيده فاستقام. والانقضاض السقوط بسرعة، يقال انقضت الدار اذا سقطت وتهدمت قال ذو الرمة: شعر : فانقض كالكوكب الدري منصلتا تفسير : فقال له موسى {لو شئت لاتخذت عليه أجراً} وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو {لتخذت} الباقون {لاتخذت} يقال: تخذ يتخذ بالتخفيف قال الشاعر: شعر : وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها نسيفاً كافحوص القطاة المطرق تفسير : المطرق التي تريد أن تبيض، وقد تعسر عليها، والا فحوص والمفحص عش الطائر، وابن كثير يظهر الذال، وابو عمرو يدغم. والباقون على وزن (افتعلت) مثل اتقى يتقي. وقد حكي تقى يتقي خفيفاً، قال الشاعر: شعر : جلاها الصيقلون فاخلصوها خفافاً كلها يتقى باثر تفسير : ومن ادغم فلقرب مخرجيهما ومن اظهر فلتغاير مخرجيهما وقال الفراء في قوله {لو شئت} قال موسى لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الأجر وانشدوا فى {يريد أن ينقض} قول الشاعر: شعر : إن دهراً يلف شملي بجمل لزمان يهم بالاحسان تفسير : أي كانه يهم، وانما هو سبب الاحسان المؤدي اليه وقال آخر: شعر : يشكو الى جملي طول السرى صبراً جميلا فكلانا مبتلى تفسير : والجمل لم يشك شيئاً. وقال عنترة: شعر : وشكا الى بعبرة وتحتحم تفسير : وكل ذلك يراد به ما ظهر من الامارة الدالة على المعاني.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً قَالَْ} موسى (ع) بعد التّنبيه بانّ غيرته لم تكن فى محلّها وانّ فعله هذا لا عذر له وانّه لا طاقة له على تحمّل ما يرى من الخضر (ع) {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً} اعترف بالتّقصير واستحيى عن سؤال المصاحبة بعد ما وقع منه، نقل عن النّبىّ (ص): "حديث : رحم الله اخى موسى (ع) استحيى فقال ذلك، لو لبث مع صاحبه لا بصر أعجب العجائب"تفسير : ، وروى (ص) ايضاً "حديث : وددنا أنّ موسى (ع) كان صبر حتّى يقصّ علينا من خبرهما"تفسير : ، وفيه تعليم وتنبيه على انّ السّالك بعد تخريب سفينة البدن ينبغى ان يقتل الغلام المتولّد من آدم الرّوح وحوّاء النّفس الّذى يتولّد فى اوّل تعلّق الرّوح الانسانيّة بالنّفس الحيوانيّة وهو الّذى شأنه التّدبير واستعمال الحيل فى الوصول الى المآرب الحيوانيّة والاهوية الكاسدة النّفسانيّة ويعبّر عنه تارةً بالشّيطنة، وتارةً بالخيال، وتارةً بالوهم لاستعمال الشّيطان له واستعماله الخيال والوهم فى استنباط الحيل واستعمالها، ولو لم يقتل هذا الغلام لافسد فى الارض واهلك الحرث والنّسل وافسد ابويه، ولو قتل ابدلهما الله ربّهما غلام القلب الّذى اذا بلغ اشدّه آتاه الله العلم والحكم واصلح فى الارض وكان أقرب رحماً لابويه.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الخضر لموسى: {أَمْ أَقُلْ لَكَ} زاد هنا لفظ لك لزيادة التأكيد والعتاب لمخالفة الشرط مرتين ولعدم العذر هنا. {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً} ولعدم العذر هنا قال ما حكى الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: {قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا} أى بعد هذه المسألة أو بعد هذه المرة. {فَلاَ تُصاحِبْنِى} أَى لا ترافقنى. وقرئ فلا تصحبنى بفتح المثناة الفوقية وإسقاط الألف أى لا تكن صاحبى. وقرأ يعقوب: فلا تصحبنى بضم التاء أى لا تجعلنى صاحبك والمراد بالشئ ما يفعله الخضر. وزعم غير واحد أن المراد الصحبة. وعلل قوله: لا تصاحبنى بقوله: {قَدْ بَلَغْتَ} وصلت أو كنى به عن قولك: وجدت. {مِنْ لَدُنِّى} عندى بضم الدال وتخفيف النون عند نافع حذفا لنون الوقاية وإسكان الدال وإشمامها الضم وتخفيف النون عند أبى بكر وبضم الدال وتشديد النون عند الباقين. {عُذْراً} فى مفارقتك إياى لأنى إذا سأَلتك بعد هذه خالفتك ثلاث مرات وقد يتمسك بهذا ونحوه فى أشياء كثيرة على الاقتصار على ثلاث مرات وإنما أخذ موسى نفسه على الثلاث استحياء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رحم الله أخى موسى استحيَى فقال ذلك لو ثبت مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب . تفسير : وروى البخارى ومسلم عن أبى بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رحمة الله علينا وعلى موسى لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذِمامة فقال: إن سأَلتك عن شئ بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا فلو صبر لرأى العجبتفسير : . والذمامة: الحياء والشفقة. حديث : وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه كما قال هنا: رحمة الله علينا وعليه تفسير : وليس ذلك لازماً فى كل كلامه. وحكى السهيلى أنه حان للخضر وموسى أن يفترقا قال له الخضر: لو صبرت لأتيت على ألف عجب كلها أعجب ما رأيت فبكى موسى.

اطفيش

تفسير : {قَالَ} الخضر {أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا} زاد لك زيادة فى التوبيخ على السؤال قبل أن يحدث له ذكراً.

الالوسي

تفسير : زيادة {لَكَ} لزيادة المكافحة على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير حتى زاد في النكير في المرة الثانية.

ابن عاشور

تفسير : كان جواب الخضر هذا على نسق جوابه السابق إلا أنه زاد ما حكي في الآية بكلمة {لَكَ} وهو تصريح بمتعلّق فعل القول. وإذ كان المقول له معلوماً من مقام الخطاب كان في التصريح بمتعلق فعل القول تحقيق لوقوع القول وتثبيت له وتقوية، والداعي لذلك أنه أهمل العمل به. واللام في قوله {لَكَ}لام التبليغ، وهي التي تدخل على اسم أو ضمير السامع لقولٍ أو ما في معناه، نحو: قلت له، وأذنت له، وفسّرت له؛ وذلك عندما يكون المقول له الكلام معلوماً من السياق فيكون ذكر اللاّم لزيادة تقوي الكلام وتبليغه إلى السامع، ولذلك سميت لام التبليغ. ألا ترى أن اللام لم يحتج لذكره في جوابه أول مرّة {ألم أقل أنّك لن تستطيع معي صبراً}، فكان التقرير والإنكار مع ذكر لام تعدية القول أقوى وأشدّ. وهنا لم يعتذر موسى بالنسيان: إما لأنه لم يكن نَسِي، ولكنه رجّح تغيير المنكر العظيم، وهو قتل النفس بدون موجب، على واجب الوفاء بالالتزام؛ وإما لأنّه نسي وأعرض عن الاعتذار بالنسيان لسماجة تكرر الاعتذار به، وعلى الاحتمالين فقد عدل إلى المبادرة باشتراط ما تطمئن إليه نفس صاحبه بأنه إن عاد للسؤال الذي لا يبتغيه صاحبه فقد جعل له أن لا يصاحبه بعدَه. وفي الحديث عن النبي: حديث : كانت الأولى من موسى نسياناً، والثانية شرطاًتفسير : ، فاحتمل كلام النبي الاحتمالين المذكورين. وأنْصف موسى إذ جعل لصاحبه العذر في ترك مصاحبته في الثالثة تجنباً لإحراجه. وقرأ الجمهور: «لَّدُنّي» ــــ بتشديد النون ــــ قال ابن عطية: وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم يعني أن فيها سنداً خاصاً مروياً فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير. وقرأ نافع، وأبو بكر، وأبو جعفر {مِنْ لَدُنِي} بتخفيف النون على أنه حذف منه نون الوقاية تخفيفاً، لأن (لدنْ) أثقل من (عَن) (ومَن) فكان التخفيف فيها مقبولاً دونهما. ومعنى {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَّدُنّي عُذراً} قد وصلت من جهتي إلى العذر. فاستعير {بَلَغْتَ} لمعنى (تحتّم وتعين) لوجود أسبابه بتشبيه العذر في قَطع الصحبة بمكان ينتهي إليه السائر على طريقة المكنية. وأثبت له البلوغ تخييلاً، أو استعار البلوغ لتَعيُّن حصول الشيء بعد المماطلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قال ألم أقل لك: أي قال خَصِرْ لموسى عليهما السلام. بعدها: أي بعد هذه المرة. فلا تصاحبني: أي لا تتركني أتبعك. من لدني عذراً: أي من قبلي "جهتي" عذراً في عدم مصاحبتي لك. أهل قرية: مدينة أنطاكية. استطعما أهلها: أي طلبا منهم الطعام الواجب للضيف. يريد أن ينقض: أي قارب السقوط لميلانه. فأقامه: أي الخضر بمعنى أصلحه حتى لا يسقط. أجراً: أي جعلا على إقامته وإصلاحه. هذا فراق بيني وبينك: أي قولك هذا {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} هو نهاية الصحبة وبداية المفارقة. بتأويل: أي تفسير ما كنت تنكره على حسب علمك. معنى الآيات: ما زال السياق في محاورة الخضر مع موسى عليهما السلام، فقد تقدم إنكار موسى على الخضر قتله الغلام بغير نفس، ولا جرم إرتكبه، وبالغ موسى في إنكاره إلى أن قال: {أية : لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 74] فأجابه خَضِرْ بما أخبر تعالى به في قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} لما سألتني الصحبة للتعليم، فأجاب موسى بما أخبر تعالى به في قوله: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا} أي بعد هذه المرة {فَلاَ تُصَاحِبْنِي} أي اترك صحبتي فإنك {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي} أي من جهتي وقبلي عذراً في تركك إياي. قال تعالى: {فَٱنطَلَقَا} في سفرهما {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} "أي مدينة" قيل إنها انطاكية ووصلاها في الليل والجو بارد فاستطعما أهلها أي طلبا منهم طعام الضيف الواجب له {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا} أي في القرية {جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي يسقط فأقامة الخضر وأصلحه فقال موسى له: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي جعل مقابل إصلاحه، لا سيما أن أهل هذه القرية لم يعطونا حقنا من الضيافة. وهنا قال الخضر لموسى: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} لانك تعهدت إنك إذا سألتني بعد حادثة قتل الغلام عن شيء أن لا تطلب صحبتي وها أنت قد سألتني، فهذا وقت فراقك إذاً {سَأُنَبِّئُكَ} أي أخبرك {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الوفاء بما التزم به الإِنسان لآخر. 2- وجوب الضيافة لمن استحقها. 3- جواز التبرع بأي خير أو عمل إبتغاء وجه الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (75) - فَقَالَ الرَّجُلُ مُذَكِّراً بِمَا قَالَهُ فِي بَدْءِ الرِّحْلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مُوسَى لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ سَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الأَسَبَابَ الخَفِيَّةَ لِلْفِعْلِ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وأكَّدها وأراده بالكلام أي: قُلْت لك أنت. ثم بعد المرة الثانية التي يقاطع فيها موسى معلمه الخضر يأخذ عهداً جديداً على نفسه.

الجيلاني

تفسير : وبعدما سمع الخضر منه إنكاره {قَالَ} له على سبيل التشدد والغلظة: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ} وتطيق {مَعِيَ صَبْراً} [الكهف: 75] إذ لا مناسبة بين وبينك، ولا موافقة لعلمي مع علمك، فخلني على حالي ولا تشوشني، وانصرفْ عني وامض حيث شئت، فقد بلغت الطاقة. ثم لما رأى منه موسى ما رأى من الغيظ والحرارة: {قَالَ} معتذراً مستحيياً: لا تحرمني عن صحبتك مما صدر عني من نقض العهد وسوء الأدب، ولا تردني يا سيدي {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي} ولا تجعلني رفيقك وصاحبك؛ لأنك {قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي} ومن قِبلي وأجلي {عُذْراً} [الكهف: 76] فلا أعتذر لك بعد هذا، بل أفارقك إن وقع مني ما يشوشك. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رَحِمَ اللهُ أَخِيْ مُوْسَى اسْتَحَى فَقَال ذَلِكَ، لَوْ لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأَبْصَرَ أَعْجَبَ الأَعَاجِيْبِ ". تفسير : {فَٱنطَلَقَا} بعدما تقاولا في أمر العلوم ما تقاولا {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} هي أنطاكية أو أيلة {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا} من شدة جوعهما واحتياجهما إلى الطعام {فَأَبَوْاْ} وامتنعوا {أَن يُضَيِّفُوهُمَا} يميلوهما إلى نيل الطعام ونوله {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ} أي: يميل ويشرف {أَن يَنقَضَّ} أي: يسقط وينهدم {فَأَقَامَهُ} الخضر وعدَّله وسواه بالعمود وأسقطه وأحكم بنيانه جديداً. ثم لما رأى موسى منه أمراً مستغربباً مستبعداً، وهو أنهما على جناح السفر، لوم يكن لهما شغلُ وغرضُ متعلقُ بتعمير الجدار وإقامته {قَالَ} على سبيل التعرض بأنه فضول: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 77] وأخذت جعلاً واكتسبت التقوت والزاد بعدما أبوا عن الضيافة. ثم لماسمع الخضر من موسى ما سمع: {قَالَ هَـٰذَا} أي: سؤالك وتعريضك هذا {فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} أي: يوجب مفارقتي عنك، لكن لا أفارقك في الحال بل {سَأُنَبِّئُكَ} وأخبرك {بِتَأْوِيلِ مَا} أي: بتأويل الأمور التي أنكرت عليها، واعترضتَ مفتتحاً إياها مستعجلاً بحيث {مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 78] حتى أحدّثك وأبينك سرائرها مع أني أوصيتك أولاً ببيانها. ثم فصلها فقال: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ} التي خرقتُها بإلهام الله إياي، وإلقائه على قلبي {فَكَانَتْ} هي {لِمَسَاكِينَ} ضعفاء َ لا مكسبَ لهم سواها {يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} بها ويعيشون من نولها {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي: أجعلها ذاتَ عيب {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} ظالمَ سيئ عليهم، وهو {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} صحيحةٍ غير معيبةٍ {غَصْباً} [الكهف: 79] ظلماً وزوراً بلا فديةٍ، فجعلتها ذاتَ عيبٍ حتى تبقى لهم، وذلك بإذنٍ من الله عنايةً منه سبحاه لضعفاءعباده ورعاية لحالهم ومصلحتهم. {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ} الذي قتلته على الفور، فهو غلامُ قد جبله الله على الكفر والعصيان وأنواع الشرك والطغيان {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} موحدين مسلمين {فَخَشِينَآ} عليهما من سوء فعاله وقبح حاله {أَن يُرْهِقَهُمَا} ويغشيهما ويغطيهما {طُغْيَاناً وَكُفْراً} [الكهف: 80] من غاية حبهما له وتحننهما إياه {فَأَرَدْنَآ} وأحببنا بقتله وهلاكه {أَن يُبْدِلَهُمَا} أي: يرقهما ويهب لهما {رَبُّهُمَا} الذي ربَّاهما بنعمة التوحيد والإيمان وكرامة العصمة والعفاف ولداً {خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً} أي: طهارةً مطهرةً عن خبائث الكفر والآثام، متصفةً بجبلة الإيمان والإسلام {وَأَقْرَبَ رُحْماً} [الكهف: 81] مرحمة وعطفاً وبراً على الوالدين ولطفاً. قيل: وُلِدَت له جاريةُ بدل الغلام، فتزوجها نبي من الأنبياء، فولدت نبياً هدى الله به أمةً من الأمم. {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ} الذي أردتُ إقامته، وقصدتُ تعميره بإلهام الله ووحيه {فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ} ولم يبلغا الحلم {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} مدفونُ مخزونُ من ذهبٍ وفضةٍ {وَكَانَ أَبُوهُمَا} رجلاً {صَالِحاً} موحداً مسلماً، متوجهاً نحو الحق دائماً {فَأَرَادَ رَبُّكَ} يا مسى من كمال لطفه وعطفه لليتيمين ورعايةً للأب الصالح {أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا} ويدخلا رشدهما ويخرجا عن اليتم؛ إذ لا ُتمَ بعد البلوغ، ويصيرا ذوي رأيٍ رزين وفكرٍ بيّنٍ {وَ} بعد ذلك {يَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} وإنما أمرني الله سبحانه بإقامة الجدار وإحكام المخزن {رَحْمَةً} وعطفاً {مِّن رَّبِّكَ} يا موسى شاملةً إياهما تتميماً لتربيتههما وتقويتهما. {وَ} بالجملة: {مَا فَعَلْتُهُ} وأنكرتَ عليه واعترضتَ وتعرضتَ عليه ليس صادراً {عَنْ أَمْرِي} ورأي نائشاً عن تدبر عقلي وفكري، بل مما ألهمني الله به وهاني عليه وأمرني بفعله، فأنا مأمورُ والمأمور معذورُ {ذَلِكَ} المذكور على التفصيل {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع} ولم تُطِقْ {عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 82] حتى ظهر لك سره. ومما جرى بينهما - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما - يتفطن العارف اللبيب والطالب الأريب الأديب أن شرطَ الاستفادة والاسترشاد، ومناطَ الاستكمال وطلب الرشاد، هو أن يميت المريد المسترشد نفسَه عند المرشد الكامل المكمّل بالمت الإرادي؛ بحيث لا يتصدى إلى معارضه ومقابلته، وإن جزم أنّ قعلَ المرشد خارجُ عن مقتضى العقل الشرع على زعمه، بل حمل فعله على المحمل الأصوب، وسكتَ عن الجدال والمقابلة؛ إذ بعدما فوض أمره كله إلى مرشده واتخذه وكيلاً وأخذه ضميناً وكفيلاً، فقد فنيَ فيه وبقي ببقائه، فلم يبقَ له التصرف أصلاً بمقتضيات قواه وجوارحه ومداركه ومشاعره. هب لنا ربنا من لدنك رحمةً تنجينا عن تسويلات نفوسنا. ثم قال سبحانه على وجه التنبيه لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَيَسْأَلُونَكَ} يا أكمل الرسل، أي: اليهود المردودون والنصارى المنجوسون المطرودون سؤالَ اقتراحٍ وامتحانٍ مثلَ سؤال أصحاب الكهف والروح {عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} وأطواره وكيفية سيره وطوافه حول العالم {قُلْ سَأَتْلُواْ} وأقرأ وأذكر {عَلَيْكُم مِّنْهُ} أي: من ذي القرنين وقصته {ذِكْراً} [الكهف: 83] قد أخبرني به سبحانه بالوحي في كتابه المعجز، وهو الإسكندر الأكبر الرومي بان الفيلقوس الرومي، سُمِّي بذي القرنين؛ لأنه طاف قرني الدنيا؛ أي: المشرق والمغرب، اختُلف في ولايته ونبوته.