١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن تلك القرية هي أنطاكية وقيل هي الأيلة وههنا سؤالات: الأول: إن الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدم عليه موسى وذلك العالم لأن موسى كان من عادته عرض الحاجة وطلب الطعام ألا ترى أنه تعالى حكى عنه أنه قال في قصة موسى عند ورود ماء مدين: { أية : رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } تفسير : [القصص: 24]. الجواب: أن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند خوف الضرر الشديد. السؤال الثاني: لم قال: {حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا } وكان من الواجب أن يقال استطعما منهم، والجواب أن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر: شعر : ليت الغراب غداة ينعب دائما كان الغراب مقطع الأوداج تفسير : السؤال الثالث: إن الضيافة من المندوبات فتركها ترك للمندوب وذلك أمر غير منكر فكيف يجوز من موسى عليه السلام مع علو منصبه أنه غضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى } وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلاً عن كليم الله. الجواب: أما قوله الضيافة من المندوبات قلنا: قد تكون من المندوبات، وقد تكون من الواجبات بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل لهلك وإذا كان التقدير ما ذكرناه لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل يوماً، فإن قالوا: ما بلغ في الجوع إلى حد الهلاك بدليل أنه قال: {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } وكان يطلب على إصلاح ذلك الجدار أجرة، ولو كان قد بلغ في الجوع إلى حد الهلاك لما قدر على ذلك العمل فكيف يصح منه طلب الأجرة قلنا لعل ذلك الجوع كان شديداً إلا أنه ما بلغ حد الهلاك، ثم قال تعالى: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا } وفيه بحثان: البحث الأول: يضيفوهما يقال ضافه إذا كان له ضيفاً، وحقيقته مال إليه من ضاف السهم عن الغرض. ونظيره: زاره من الإزورار، وأضافه وضيفه أنزله، وجعله ضيفه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : كانوا أهل قرية لئاماً.تفسير : البحث الثاني: رأيت في كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب وقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاءاً حتى تصير القراءة هكذا: فأتوا أن يضيفوهما. أي أتوا لأن يضيفوهما، أي كان إتيان أهل تلك القرية إليهما لأجل الضيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنا هذا اللؤم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حديث : إن تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله، وذلك يوجب القدح في الإلهية. تفسير : فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية، ثم قال تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ } أي فرأيا في القرية حائطاً مائلاً، فإن قيل كيف يجوز وصف الجدار بالإرادة مع أن الإرادة من صفات الأحياء قلنا هذا اللفظ ورد على سبيل الاستعارة، وله نظائر في الشعر قال: شعر : يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل تفسير : وأنشد الفراء: شعر : إن دهراً يلف شملي بجمعل لزمان يهم بالإحسان تفسير : وقال الراعي شعر : في مهمة فلقت به هاماتها فلق الفؤوس إذا أردن نصولا تفسير : ونظيره من القرآن قوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ } وقوله: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } وقوله: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } وقوله: {أَن يَنقَضَّ } يقال انقض إذا أسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته. وقيل: انقض فعل من النقض كأحمر من الحمرة، وقرىء أن ينقض من النقض، وأن ينقاض من انقاضت العين إذا انشقت طولاً، وأما قوله: {فَأَقَامَهُ } قيل نقضه ثم بناه، وقيل: أقامه بيده، وقيل: مسحه بيده فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته، واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك. وكانت الحالة حالة اضطرار وافتقار إلى الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي موسى ما قاله من قوله: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى } فلا جرم قال: {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } أي طلبت على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم وتحصيل سائر المهمات، وقرىء: {لتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } والتاء تخذت أصل كما في تبع، واتخذ افتعل منه كقولنا اتبع من قولنا تبع، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذا الكلام قال العالم: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } وههنا سؤالات. السؤال الأول: قوله: هذه إشارة إلى ماذا؟ والجواب من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام قد شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالاً آخر يحصل الفراق حيث قال: {إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى } فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم وقال: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } أي هذا الفراق الموعود. الثاني: أن يكون قوله هذا إشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض هو سبب الفراق. السؤال الثاني: ما معنى قوله: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ }؟ الجواب: معناه هذا فراق حصل بيني وبينك، فأضيف المصدر إلى الظرف، حكى القفال عن بعض أهل العربية أن البين هو الوصل لقوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } فكان المعنى هذا فراق بيننا، أي اتصالنا، كقول القائل: أخزى الله الكاذب مني ومنك، أي أحدنا هكذا قاله الزجاج، ثم قال العالم لموسى عليه السلام: {سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاثة، وأصل التأويل راجع إلى قولهم آل الأمر إلى كذا أي صار إليه، فإذا قيل: ما تأويله فالمعنى ما مصيره.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} في صحيح مسلم عن أبيّ بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : لئام"تفسير : ؛ فطافا في المجلس فـ{ـٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} يقول: مائل قال: {فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } الخضر بيده قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيّفونا، ولم يطعمونا {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يرحم الله موسى لوَدِدْتُ أنه كان صَبَر حتى يقصَّ علينا من أخبارهما».تفسير : الثانية: واختلف العلماء في القرية؛ فقيل: هي أبُلَّة؛ قاله قتادة، وكذلك قال محمد بن سيرين، وهي أبخل قرية وأبعدها من السماء. وقيل؛ أَنْطاكية. وقيل: بجزيرة الأندلس؛ روي ذلك عن أبي هريرة وغيره، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء. وقالت فرقة: هي بَاجَرْوان وهي بناحية أذَربيجان. وحكى السهيليّ وقال: إنها برقة. الثعلبي: هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة، وإليها تنسب النصارى؛ وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى. والله أعلم بحقيقة ذلك. الثالثة: كان موسى عليه السلام حين سقى لبنتي شعيب أحوج منه حين أتى القرية مع الخضر، ولم يسأل قوتاً بل سقى ابتداء، وفي القرية سألا القوت؛ وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة؛ منها أن موسى كان في حديث مَدْين منفرداً وفي قصة الخضر تبعاً لغيره. قلت: وعلى هذا المعنى يتمشى قوله في أوّل الآية لفتاه: {آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَباً} فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع؛ والله أعلم. وقيل: لما كان هذا سفر تأديب وُكِل إلى تكلّف المشقة، وكان ذلك سفر هجرة فوكل إلى العون والنصرة بالقوت. الرابعة: في هذه الآية دليل على سؤال القوت، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يردّ جوعه خلافاً لجهال المتصوفة. والاستطعام سؤال الطعام، والمراد به هنا سؤال الضيافة، بدليل قوله: «فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا» فاستحق أهل القرية لذلك أن يُذمّوا، وينسبوا إلى اللؤم والبخل، كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. قال قتادة في هذه الآية: شر القُرَى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقّه. ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة، وهذا هو الأليق بحال الأنبياء، ومنصب الفضلاء والأولياء. وقد تقدّم القول في الضيافة في «هود» والحمد لله. ويعفو الله عن الحريريّ حيث استخف في هذه الآية وتَمجَّن، وأتى بخطل من القول وزلّ؛ فاستدل بها على الكُدْية والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بمعيب على فاعله، ولا منقصة عليه؛ فقال:شعر : وإِنْ رُدِدْتَ فما في الردِّ مَنقصةٌ عليكَ قد رُدَّ موسى قبلُ والْخَضِرُ تفسير : قلت: وهذا لعب بالدين، وانسلال عن احترام النبيين، وهي شِنْشِنَة أدبية، وهفوة سخافية؛ ويرحم الله السلف الصالح، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعباً بشيء فإياك أن تلعب بدينك. الخامسة: قوله تعالى: {جِدَاراً} الجِدار والجَدْر بمعنًى؛ وفي الخبر: «حتى يبلغ الماء الجدر». ومكان جَدِيرٌ بُني حواليه جدار، وأصله الرفع. وأجدرت الشجرةُ طلعت؛ ومنه الجدريّ. السادسة: قوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي قرب أن يسقط، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله: «مائل» فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور. وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحيّ الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة، أي لو كان مكانهما إنسان لكان ممتثلاً لذلك الفعل، وهذا في كلام العرب وأشعارها كثير؛ فمن ذلك قول الأعشى:شعر : أَتْنتَهون ولاَ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذهبُ فيه الزَّيتُ والفُتُلُ تفسير : فأضاف النهى إلى الطعن. ومن ذلك قول الآخر:شعر : يُرِيدُ الرمحُ صدر أَبِي بَرَاءٍ ويرغبُ عن دماء بني عقيل تفسير : وقال آخر:شعر : إنَّ دهراً يلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلٍ لزَمَانٌ يَهُمُّ بالإِحسان تفسير : وقال آخر:شعر : في مهمه فُلِقت به هاماتُها فَلْقَ الفؤوس إذا أردن نُصُولاً تفسير : أي ثبوتاً في الأرض؛ من قولهم؛ نَصَل السيفُ إذا ثبَتَ في الرميّة؛ فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض، فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج. وقال حسان بن ثابت:شعر : لَوْ ٱنَّ اللُّوْمَ يُنسبُ كان عَبْداً قبِيحَ الوجهِ أَعْوَرَ من ثَقِيفِ تفسير : وقال عَنْتَرة:شعر : فازْوَرَّ من وَقْع القَنَا بِلَبَانهِ وشَكَا إليّ بعَبْرةٍ وتَحَمْحُمِ تفسير : وقد فَسَّر هذا المعنى بقوله:شعر : لو كان يَدْرِي ما الْمُحَاوَرةُ اشتكى تفسير : وهذا في هذا المعنى كثير جداً. ومنه قول الناس: إن داري تنظر إلى دار فلان. وفي الحديث: «حديث : اشتكت النارُ إلى ربّها»تفسير : . وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، منهم أبو إسحاق الإِسْفَراييني وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما، فإن كلام الله عز وجل وكلام رسوله حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدِّين؛ لأنه يقصّ الحق كما أخبر الله تعالى في كتابه. ومما احتجوا به أن قالوا: لو خاطبنا الله تعالى بالمجاز لزم وصفه بأنه متجوز أيضاً، فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة، وهو على الله تعالى محال؛ قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24] وقال تعالى: {أية : وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [قۤ: 30] وقال تعالى: {أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12] وقال تعالى: {أية : تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [المعارج: 17] و«حديث : اشتكت النار إلى ربها»تفسير : . و:«حديث : احتجت النار والجنة» تفسير : وما كان مثلها حقيقة، وأن خالقها الذي أنطق كل شيء أنطقها. وفي صحيح مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فيُختَم على فِيهِ ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذُه ولحمه وعظامه بعمله وذلك لِيُعذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يَسخط الله عليه»تفسير : . هذا في الآخرة. وأمّا في الدنيا؛ ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لا تقومُ الساعةُ حتى تكلم السباع الإنسَ وحتى تُكلِّم الرجلَ عذَبَةُ سَوْطِهِ وشراكُ نعله وتُخبره فخذُه بما أَحدثَ أهلهُ مِنْ بعدِه» تفسير : (قال أبو عيسى): وفي الباب عن أبي هريرة، وهذا حديث حسن غريب. السابعة: قوله تعالى: «فَأَقَامَهُ» قيل: هدمه ثم قعد يبنيه، فقال موسى للخضر: {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} لأنه فعلٌ يستحق أجراً. وذكر أبو بكر الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ «حديث : فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه» تفسير : قال أبو بكر: وهذا الحديث إن صح سنده فهو جارٍ من الرسول عليه الصلاة والسلام مجرى التفسير للقرآن، وأن بعض الناقلين أدخل (تفسير) قرآن في موضع فَسَرى أن ذلك قرآن نَقصَ من مصحف عثمان؛ على ما قاله بعض الطاعنين. وقال سعيد بن جبير: مسحه بيده وأقامه فقام، وهذا القول هو الصحيح، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل والأولياء. وفي بعض الأخبار: إن سُمْك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعاً بذراع ذلك القرن، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً، فأقامه الخضر عليه السلام أي سوَّاه بيده فاستقام؛ قاله الثعلبي في كتاب «العرايس». فقال موسى للخضر: «لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» أي طعاماً نأكله، ففي هذا دليل على كرامات الأولياء، وكذلك ما وصف من أحوال الخضر عليه السلام في هذا الباب كلها أمور خارقة للعادة؛ هذا إذا تنزلنا على أنه وليّ لا نبيّ. وقوله تعالى: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} تفسير : [الكهف: 82] يدل على نبوّته وأنه يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أوحي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير أنه ليس برسول؛ والله أعلم. الثامنة: واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحت جدار مائل يخاف سقوطه، بل يسرع في المشي إذا كان ماراً عليه؛ لأن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا مرّ أحدكم بطِرْبالٍ مائل فليُسرِعِ المشي»تفسير : . قال أبو عبيد القاسم بن سلام: كان أبو عبيدة يقول: الطِّرْبال شبيهٌ بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصّومعة؛ والبناء المرتفع؛ قال جرير:شعر : أَلْوَى بها شَذْبُ العُرُوِقِ مُشَذَّبٌ فكأنما وَكَنَتْ على طِرْبالِ تفسير : يقال منه: وكَنَ يَكِن إذا جلس. وفي الصحاح: الطِّرْبال القطعة العالية من الجدار، والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل، وطَرَابيل الشام صوامعها. ويقال: طَرْبل بَوْلَه إذا مدّه إلى فوق. التاسعة: كرامات الأولياء ثابتة، على ما دلت عليه الأخبار الثابتة، والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد، أو الفاسق الحائد؛ فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء ـ على ما تقدم ـ وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبيّة؛ على الخلاف. ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. قال بعض العلماء: ولا يجوز أن يقال كان نبياً؛ لأن إثبات النبوة لا يجوز بأخبار الآحاد، لا سيما وقد روي من طريق التواتر ـ من غير أن يحتمل تأويلاً ـ بإجماع الأمة قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا نبيّ بعدي» تفسير : وقال تعالى: {وخَاتَمَ النَّبِيّينَ} والخضر و(إلياس) جميعاً باقيان مع هذه الكرامة، فوجب أن يكونا غير نبيين، لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن يكون بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبيّ، إلا ما قامت الدلالة في حديث عيسى أنه ينزل بعده. قلت: الجمهور أنّ الخضر كان نبياً ـ على ما تقدم ـ وليس بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبيّ، أي يدعي النبوّة بعده ابتداءً؛ والله أعلم. العاشرة: اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الوليّ أنه وليّ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز؛ وأن ما يظهر على يديه يجب أن يلاحظه بعين خوف المكر، لأنه لا يأمن أن يكون مكراً واستدراجاً له؛ وقد حكي عن السَّريّ أنه كان يقول: لو أن رجلاً دخل بستاناً فكلمه من رأس كل شجرة طير بلسان فصيح: السلام عليك يا وليّ الله؛ فلو لم يخف أن يكون ذكر مكراً لكان ممكوراً به؛ ولأنه لو علم أنه وليّ لزال عنه الخوف، وحصل له الأمن. ومن شرط الوليّ أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة، كما قال عز وجل: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} تفسير : [فصلت: 30] ولأن الوليّ من كان مختوماً له بالسعادة، والعواقب مستورة ولا يدري أحد ما يختم له به؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما الأعمال بالخواتيم»تفسير : . القول الثاني: أنه يجوز للوليّ أن يعلم أنه وليّ؛ ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام يجوز أن يعلم أنه وليّ، ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم أنه وليّ الله تعالى، فجاز له أن يعلم ذلك. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من حال العَشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة، ثم لم يكن في ذلك زوال خوفهم، بل كانوا أكثر تعظيماً لله سبحانه وتعالى، وأشد خوفاً وهيبة؛ فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك غيرهم. وكان الشبليّ يقول: أنا أَمَانُ هذا الجانب؛ فلما مات ودُفن عبر الديلم دجلة ذلك اليوم، واستولوا على بغداد، ويقول الناس: مصيبتان موت الشبليّ وعبور الديلم. ولا يقال: إنه يحتمل أن يكون ذلك استدراجاً لأنه لو جاز ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبيّ وولي الله، لجواز أن يكون ذلك استدراجاً، فلما لم يجز ذلك لأن فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا، لأن فيه إبطال الكرامات. وما روي من ظهور الكرامات على يدي بَلْعَام وانسلاخه عن الدين بعدها لقوله: {أية : فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} تفسير : [الأعراف: 175] فليس في الآية أنه كان ولياً ثم انسلخت عنه الولاية. وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم؛ والله أعلم. والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار، والمعجزة من شرطها الإظهار. وقيل: الكرامة ما تظهر من غير دعوى، والمعجزة ما تظهر عند دعوى الأنبياء، فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك. وقد تقدم في مقدّمة الكتاب شرائط المعجزة، والحمد لله تعالى وحده لا شريك له. وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات، فمن ذلك ما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رَهْط سَرِيَّةً عَيْناً وأَمَّر عليهم عاصمَ بن ثابت الأنصاريّ وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأَة وهي بين عُسفان ومكة ذُكِروا لحيٍّ من هُذَيْل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا إليهم قريباً من مائتي راجل كلهم رام، فاقتصُّوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمراً تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب؛ فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فَدْفَد، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً؛ فقال عاصم بن ثابت أمير السريّة: أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر، اللهم أخبر عنا نبيّك، فَرَموا بالنّبل فقتلوا عاصماً في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، وهم خُبَيْب الأنصاريّ وابن الدَّثِنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أوّل الغدرٰ والله لا أصحبكم؛ إن لي في هؤلاء لأسوة ـ يريد القتلى ـ فجرّروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه؛ فانطلقوا بخُبيب وابن الدَّثِنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خُبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خُبيب عندهم أسيراً؛ فأخبر عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يَسْتحِدُّ بها فأعارته، فأخذ ابنٌ لي وأنا غافلة حتى أتاه، قالت: فوجدته مُجلسَه على فخذه والموسى بيده، قالت: ففزعتُ فزعة عرفها خُبيب في وجهي؛ فقال: أتخشَيْن أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خُبيب؛ والله لقد وجدته يوماً يأكل من قِطْف عنب في يده، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر؛ وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله تعالى خُبيباً؛ فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ قال لهم خُبيب: دعوني أركع ركعتين؛ فتركوه فركع ركعتين ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت؛ ثم قال: اللهمَّ أَحْصِهِم عدداً، واقتلهم بَدَداً، ولا تُبق منهم أحداً؛ ثم قال:شعر : ولست أبالي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِماً على أيِّ شِقٍّ كان لله مَصْرَعِي وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ يبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ تفسير : فقتله بنو الحرث، وكان خُبيب هو الذي سنّ الركعتين لكل امرىء مسلم قُتل صَبْراً؛ فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب؛ فأُخبر النبيّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه خبرهم وما أصيبوا. وبعث ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حُدّثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه، وكان قد قتل رجلاً من عظمائهم يوم بدر؛ فبعث الله على عاصم مثل الظُّلَّة من الدَّبْر فحمته من رُسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئاً. وقال ابن إسحاق في هذه القصة: وقد كانت هذيل حين قتلِ عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سُلاَفة بنت سعد بن شُهَيْد، وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأُحُد لئن قَدَرتْ على رأسه لتشرَبنَّ في قَحْفِهِ الخمر فمنعهم الدَّبْر، فلما حالت بينه وبينهم قالوا: دعوه حتى يُمسِي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله تعالى الوادي فاحتمل عاصماً فذهب، وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهداً ألاَّ يمسَّ مشركاً ولا يمسَّه مشركٌ أبداً في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما امتنع منه في حياته. وعن عمرو بن أمية الضَّمْريّ: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه عيناً وحده فقال: جئت إلى خشبة خُبَيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته، فوقع في الأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلاً، ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض. وفي رواية أخرى زيادة: فلم نذكر لخبيب رِمّة حتى الساعة؛ ذكره البيهقي. الحادية عشرة: ولا ينكر أن يكون للوليّ مال وضَيْعة يصون بها وجهه وعياله، وحسبك بالصحابة وأموالهم مع ولايتهم وفضلهم، وهم الحجة على غيرهم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابةٍ اسقِ حديقةَ فلان فتنحَّى ذلك السَّحابُ فأفرغَ ماءَه في حَرَّةٍ فإذا شَرْجَة من تلك الشِّراجِ قد استوعبت ذلك الماء كلَّه فتتبع الماءَ فإذا رجلٌ قائم في حديقته يُحوِّل الماءَ بمسحاته فقال: يا عبد الله ما اسمك قال فلان الاسم الذي سمعه في السّحابة فقال له: يا عبد الله لم سألتني عن اسمي قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال: أمّا إذ قلتَ هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثاً وأرد فيها ثلثه» تفسير : وفي رواية «حديث : وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل».تفسير : قلت: وهذا الحديث لا يناقضه قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تتخذوا الضيْعة فتركنوا إلى الدنيا» تفسير : خرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال فيه حديث حسن؛ فإنه محمول على من اتخذها مستكثراً أو متنعماً ومتمتعاً بزهرتها، وأما من اتخذها معاشاً يصون بها دينه وعياله فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال، وهي من أفضل الأموال؛ قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح»تفسير : . وقد أكثر الناس في كرامات الأولياء وما ذكرناه فيه كفاية؛ والله الموفق للهداية. الثانية عشرة: قوله تعالى: {لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} فيه دليل على صحة جواز الإجارة، وهي سنة الأنبياء والأولياء على ما يأتي بيانه في سورة «القصص» إن شاء الله تعالى. وقرأ الجمهور «لاتَّخَذْتَ» وأبو عمرو «لَتخِذْتَ» وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ، مثل قولك: تَبِع واتّبع، وتَقي واتّقى. وأدغم بعض القراء الذال في التاء، ولم يدغمها بعضهم. وفي حديث أبيّ بن كعب: لو شئت لأوتيت أجراً. وهذه صدرت من موسى سؤالاً على جهة العَرْض لا الاعتراض، فعند ذلك قال له الخضر: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} بحكم ما شرطت على نفسك. وتكريره «بيني وبينك» وعدوله عن بيننا لمعنى التأكيد. قال سيبويه: كما يقال أخزى الله الكاذب مني ومنك؛ أي منّا. وقال ابن عباس: وكان قول موسى في السفينة والغلام لله، وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا، فكان سبب الفراق. وقال وهب بن مُنَبِّه: كان ذلك الجدار جداراً طوله في السماء مائة ذراع. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} تأويل الشيء مآله؛ أي قال له: إني أخبرك لم فعلتُ ما فعلتُ. وقيل في تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر: إنها حُجّة على موسى، لا عجباً له. وذلك أنه لما أنكر أمر خرق السفينة نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحاً في اليم! فلما أنكر أمر الغلام قيل له: أين إنكارك هذا من وكزك القبطي وقضائك عليه! فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنات شعيب دون أجر!
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عنهما: إنهما {فَٱنطَلَقَا} بعد المرتين الأوليين {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة، وفي الحديث: «حديث : حتى إذا أتيا أهل قرية لئاماً» تفسير : أي: بخلاء،، {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} إسناد الإرداة ههنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط. وقوله: {فَأَقَامَهُ} أي: فرده إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه، ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي: لأجل أنهم لم يضيفونا، كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجاناً {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها، فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ} أي: بتفسير {مَا لَمْ تَسْتَطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } هي أنطاكية {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا } طلبا منهم الطعام بضيافة {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً } ارتفاعه مائة ذراع {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } أي يقرب أن يسقط لميلانه {فَأَقَامَهُ } الخضر بيده {قَالَ } له موسى {لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ} وفي قراءة لاتَخذت { عَلَيْهِ أَجْراً } جُعلاً حيث لم يضيفونا مع حاجتنا إلى الطعام.
الماوردي
تفسير : {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا} اختلف في هذه القرية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها أنطاكية، قاله الكلبي. الثاني: أنها الأبُلة، قاله قتادة. الثالث: أنها باجروان بإرمينية، قاله مقاتل. {فَأَبَوْا إِن يُضَيِّفُوهُمَا} يقال أضفت الرجل إذا نزل عليك فأنت مضيف. وضفت الرجل إذا نزلت عليه فأنت ضيف. وكان الطلب منهما الفاقة عُذراً فيهما. والمنع من أهل القرية لشحٍ أثموا به. {فَوَجَدَا فِيها جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي كاد أن ينقض؛ ذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل في التالي، كقول الشاعر: شعر : يريد الرمح صدر أبي براءٍ .. . ويرغب عن دماءِ بني عقيل تفسير : ومعنى ينقض يسقط بسرعة، ويناقض ينشق طولاً. وقرأ يحيى بن يعمر {يُرِيدُ أَن يَنقَصَّ} بالصاد غير المعجمة، من النقصان. {فَأَقَامَهُ} قال سعيد بن جبير: أقام الجدار بيده فاستقام، وأصل الجدر الظهور ومنه الجدري لظهوره. وعجب موسى عليه السلام وقد {اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} فأقام لهم الجدار فـــ {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} قال قتادة: شر القرى لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه. قوله عز وجل: {قَالَ هَذا فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} فيه وجهان: أحدهما: هذا الذي قلته {فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} الثاني: هذا الوقت {فِرَاقٌ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} يحتمل وجهين: أحدهما: لم تستطع على المشاهدة له صبراً. الثاني: لم تستطع على الإِمساك عن السؤال عنه صبراً. فروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى لَو صَبَرَ لاَقْتَبَسَ مِنْهُ أَلْفَ بَابٍ ".
ابن عبد السلام
تفسير : {قَرْيَةٍ} أنطاكية، أو الأيلة، أو باجروان بأرمينية {يُرِيدُ} يكاد {يَنقَضَّ} يسقط بسرعة، وينقاض ينشق طولاً {فَأَقَامَهُ} بيده فاستقام، وأصل الجدار الظهور، والجدري لظهوره.
السلمي
تفسير : قوله: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الآية: 77]. قال القاسم: لما قال موسى هذا القول: وقف ظبى بينهما وهما جائعان من جانب موسى غير مشوى ومن جانب الخضر مشوى لأن الخضر أقام الجدار بغير طمع، وموسى رده إلى الطمع. قال ابن عطاء: رؤية العمل وطلب الثواب به يبطل العمل ألا ترى الكليم لما قال للخضر عليهما السلام {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} كيف فارقه. وقال الجنيد رحمه الله: إذا أورده بظلم الأطماع على القلوب حجبت النفوس عن نظرها فى بواطن الحكم.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}. كان واجباً في ملتهم على أهل القرية إطعامهما، ولم يعلم موسى أنه لا جدوى من النكيرعليهم؛ ولو كان أَغْضَى على ذلك منهم لكان أحسن. فلمَّا أقام الخضر جدارهم ولم يطلب عليه أجراً لم يقل موسى أنك قُمْتَ بمحظور، ولكنه قال له: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي إن لم تأخذ بسببك فلو أخذت بسببنا لكان أَخْذُكَ خيراً لنا من تركك ذلك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللتَ بحقنا؟ ويقال إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديب فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقة، وإلاَّ فهو حين سقى لبنات شعيب فإنَّ ما أصابه من التعبِ وما كان فيه من الجوع كان أكثر، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلاً. فلما قال موسى هذا قال له الخضر: قوله جل ذكره: {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}. أي بعد هذا فلا صحبة بيننا. ويقال قال الخضر إِنَّك نبيٌّ.. وإنما أؤاخذك بما قُلْتَ، فأنت شَرَطْتَ هذا الشرط؛ وقلتَ: إِنْ سألتُك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، وإنما أعاملك بقولك. ويقال لمّا لم يصبر موسى معه في تَرْكِ السؤال لم يصبر الخضرُ أيضاً معه في إدامة الصحبة فاختار الفراق. ويقال ما دام موسى عليه السلام سأله لأجل الغير- في أمر السفينة التي كانت للمساكين، وقَتْلِ النَّفْس بغير حق - لم يفارقه الخضر، فلمَّا صار في الثالثة إلى القول فيما كان فيه حَظٌ لنفسه من طلب الطعام ابْتُلِيَ بالفرقة، فقال الخضر: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}. ويقال كما أن موسى - عليه السلام - كان يحب صحبة الخضر لما له في ذلك من غرض الاستزاده من العلم فإن الخضر كان يحب تَرْكَ صحبة موسى عليه السلام إيثاراً للخلوة بالله عن المخلوقين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} سلكا طريق السوال يتعلق بتذلل النفس فى الطريقة فلما ابوا ان يضيفوهما نزلا من مقام السوال الى الكسب والكسب من اوصاف السالكين والسوال من اوصاف المجذوبين الذين لا يطيقون ان يشتغلوا بالمكاسب ويضيعوا انفاسهم بالاشتغال بالكسب بل يسالون ما يحتاجون بلحظة ويفرغون من ذلك بلحظة وطريق السوال بالحقيقة للتمكين ان يكون المسئول فى البين هو الله عز وجل والسوال سبب ضعيف فاذا كمل الحال يسقط السوال والكسب وفيه بيان ان الكسب والسوال لم يمنعا العارف من مقام الرضا والتوكل لان مع جلالة قدرهما سالا واكتسبا وكانا فى محل التوكل والرضا على احسن الاحوال قال الواسطى فى قوله فابوا ان يضيفوهما الحضر شاهد انوار الملك وشاهد موسى الوسائط وكان الخضر اخبر موسى ان السوال من الناس هو سوال من الله فلا تغضب عن المنع فان المانع والمعطى واحد فلا تشهد الاسباب واشهد المسبب تشريح من هواجس النفس ولما اقام الخضر الجدار وترك اجر العمل قال موسى {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} لم يكن موسى يطمع فى اجرة العمل لكن وجد اهل القرية لياما نجلاء اراد ان ياخذ اجرة العمل ويتصدقها لامرين شحنه لعيون البخلاء داء هكذا قال عليه السّلام فى وصف تلك القرية قال كانت قرية الليام وقال طعام البخيل داء ويمكن انه اراد ان ياخذ الاجرة وياكل منها الانبياء فيغفر الله لاهل القرية ذنوبهم ويجعلهم اسخياء ببركتهم وكان موسى فى مقام الرفاهية والانس وتضرّ به المجاهدة وكان الخضر بعد قد بقى فى منازل الطريقة وكان موسى فى بحر نيران الاشتياق ولا يصبر عن الطعام وهكذا حال اهل النهايات وكان عليه السّلام فى بدو الامر فى مقام السماع والمشاهدة صبر عن الطعام والشراب اربعين يوما وكان نبينا صلى الله عليه وسلم من المعراج روى انه جاع فى الساعة وذلك من صولة الحال وكان ميل الخضر الى ترك اجرة العمل وهذا من داب الفتيان قال ابن عطا رؤية العمل وطلب الثواب به يبطل العمل الا ترى الكليم لما قال للخضر لو شئت لاتخذت عليه اجرا كيف فارقه وقال الجنيد اذا وردت ظلم الاطماع على القلوب حجبت النفوس عن حظوظها من بواطن الحكم ولما انتهى علم الخضر الى كمالها وعرف موسى شانه وحدّ علمه وكاد ان يغلب على الخضر بان يطلب منه اسرار العلوم الربانية الصفانية الذاتية علم الخضر انه بنفسه لا يطيق انه يجيبه مما يدفعه فيفرغ منه فعلل بقوله {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} عرف الخضر سر موسى وانسه بحمال الحق وانه ممتحن فى صحبته فاراد ان يريحه من صورة العلم والعمل وايضا عرف حدته وخاف من جواب سواله الذى من عالم سر سر الربوبية العلية فخاف منه بان يتطاول على شيخ من شيوخ القصة وكيف لا يفرغ منه وعلم وكزته التى ذهبت باحدى عينى عزرائيل عليه السّلام قال النصر ابادى لما علم الخضر انتهاء علمه وبلوغ موسى الى منتهى التادب قال هذا فراق بينى وبينك لئلا يساله موسى بعده عن علم او حال فيفضح وقال ابو بكر بن طاهر كان موسى ينهى الخضر عن مناكير فى الظاهر وان كان للخضر فيه علم لكن ظاهر العلم ما كان يامر به موسى فلما نهاه عن المعروف بقوله لو شئت لاتخذت عليه اجرا ورده الى الطمع قال هذا فراق بينى وبينك.
اسماعيل حقي
تفسير : {فانطلقا} اى ذهبا بعد ما شرطا ذلك {حتى اذا اتيا اهل قرية} هى انطاكية بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة قاعدة العواصم وهى ذات اعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة اجبل دورها اثنا عشر ميلا كما فى القاموس. قال الكاشفى [واهل ديه جون شب شدى دروازه دربستندى وبراى هيجكس نكتسادندى نماز شام موسى وخضر بدان ديه رسيدند وخواستندكه بديه در آيند كسى دروازه نكشود واهل ديه را كفتند اينجا غريب رسيده ايم كرسنه نيز هستيم جون مارا درديه جاى نداديد بارى طعام جهت ما بفرستيد] وذلك قوله تعالى {استطعما اهلها} اى طلبا منهم الطعام ضيافة. قيل لم يسألاهم ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهم. قال فى الاسئلة المقحمة استطعم موسى ههنا فلم يطعم وحين سقى لبنات شعيب ما استطعتم وقد اطعم حيث قال {أية : ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا}تفسير : والجواب ههنا ان الحرمان كان بسبب المعارضة بحيث لم يكتف بعلم الله بحاله بل جنح الى الاعتماد على مخلوق فاراد السكون بحادث مسبوق وهناك جرى على توكله ولم يدخل وساطه بين المخلوقين وبين ربه بل حط الرحل ببابه فقال {أية : رب انى لما انزلت الى من خير فقير}تفسير : قال الحافظ شعر : فقير وخسته بدركاهت آمدم رحمى كه جزدعاى نوام نيست هيج دست آويز تفسير : وقال شعر : ما آبروى فقر وقناعت نمى بريم با بادشه بكوى كه وزى مقدرست تفسير : قوله {استطعما اهلها} فى محل الجر على انه صفة لقرية وجه العدول عن استطعامهم على ان يكون صفة للاهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم فان الاباء من الضيافة وهم اهلها قاطنون بها اقبح واشنع {فابوا} امتنعوا {ان يضيفوهما} اى من تضييفهما وهو بالفارسية [مهمان كردن] يقال ضافه اذا نزل به ضيفا واضافه وضيفه انزله وجعله ضيفا له هذا حقيقة الكلام ثم شاع كناية عن الاطعام وحقيقة ضاف مال اليه من ضاف السهم عن الغرض اذا مال وعن النبى عليه السلام "حديث : كانوا اهل قرية لئاما"تفسير : : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بزر كان ماسفر بجان برورند كه نام نكويى بعالم برند غريب آشناباش وسياح دوست كه سياح جلاب نام نكوست تبه كرددان مملكت عن قريب كزوخاطر آزرده كردد غريب نكودار ضيف ومسافر عزيز وز آسيب شان برحذرباش نيز تفسير : وفى الحكاية ان اهلها لما سمعوا الآية جاؤوا الى النبى عليه السلام يحمل من الذهب وقالوا انشترى بهذا ان تجعل الباء تاء يعنى فأتوا ان يضيفوهما اى لان يضيفوهما وقالوا غرضنا دفع اللؤم فيمتنع وقال تغييرها يوجب دخول الكذب فى كلام الله والقدح فى الالهة كذا فى التفسير الكبير {فوجدا فيها} قال الكاشفى [ايشان كرسنه بيرون ديه بودند بامداد روى براه نهادند بس يافتند در نواحى ديه] {جدارا}[ديوارى مائل شده بيك طرف] {يريد ان ينقض} الارادة نزوع النفس الى شئ من حكمه فيه بالفعل او عدمه والارادة من الله هى الحكم وهذا من مجاز كلام العرب لان الجدار لا ارادة له وانما معناه قرب ودنا من السقوط كما يقول العرب دارى تنظر الى دار فلان اذا كانت تقابلها. قال فى الارشاد اى يدانى ان يسقط فاستعيرت الارادة للمشاركة للدلالة على المبالغة فى ذلك. والانقضاض الاسراع فى السقوط وهو انفعال من القض يقال قضضته فانقض ومنه انقضاض الطير والكواكب لسقوطها بسرعة. وقيل هو افعلال من النقض كاحمر من الحمرة {فاقامه} فسواه الخضر بالاشارة بيده كما هو المروى عن النبى عليه السلام وكان طول الجدار فى السماء مائة ذراع {قال} له موسى لضرورة الحاجة الى الطعام. قال الكاشفى [كفت موسى اين اهل ديه مارا جاى ندادند وطعام نيز نفر ستادند بس جرا ديوار ابشانرا عمارت كردى] والجملة جزاء الشرط {لو شئت لاتخذت} افتعل من اتخذ بمعنى اخذ كاتبع وليس من الاخذ عند البصريين {عليه} على عملك {اجرا} اجرة حتى نشترى بها طعاما. قال بعضهم لما قال له {أية : لتغرق اهلها}تفسير : قال الخضر أليس كنت فى البحر ولم تغرق من غير سفينة ولما قال {أية : أقتلت نفسا زكية بغير نفس}تفسير : قال أليس قتلت القبطى بغير ذنب ولما قال {لو شئت لاتخذت عليه اجرا} قال أنسيت سقياك لبنات شعيب من غير اجرة وهذا من باب لطائف المحاورات. قال القاسم لما قال موسى هذا القول وقف ظبى بينهما وهما جائعان من جانب موسى غير مشوى من جانب الخضر مشوى لان الخضر اقام الجدار بغير طمع وموسى رده الى الطمع. قال ابن عباس رضى الله عنهما رؤية العمل وطلب الثواب به يبطل العمل ألا ترى الكليم لما قال للخضر {لو شئت} الآية كيف فارقه. وقال الجنيد قدس سره اذا وردت ظلمة الاطماع على القلوب حجبت النفوس عن نظرها فى بواطن الحكم. يقول الفقير ان قلت كيف جوز موسى طلب الاجرة بمقالة العمل الذى حصل بمجرد الاشارة وهو من طريق خرق العادة الى لا مؤونة فيه. قلت لم ينظر الى جانب الاسباب وانما نظر الى النفع العائد الى جانب اصحاب الجدار ألا ترى انه جور اخذ الاجر بمقالة الرقية بسورة الفاتحة ونحوها وهو ليس من قبيل طلب الاجرة على الدعوة فانه لا يجوز للنبى ان يطلب اجرا من قومه على دعوته وارشاده كما اشير اليه فى مواضع كثيرة من القرآن.
الجنابذي
تفسير : {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} هى النّاصرة واليها تنسب النّصارى وكانوا لا يضيّفون احداً قطّ ولا يطعمون غريباً {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} وكانا جائعين {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ} يشرف {أَن يَنقَضَّ} ينشّق {فَأَقَامَهُ} بوضع يده عليه وقوله: قم باذن الله، وفيه تعليم وتنبيه على انّه يبنغى فى آخر السّلوك اقامة جدار البدن واصلاحه حتّى يستتمّ كمال النّفس باصلاحه والتّعبير فى الاوّل بالسّفينة وفى الآخر بالجدار للاشعار بانّ البدن فى اوّل السّلوك كالسّفينة المملوّة من كلّ متاعٍ وفى آخره كالجدار المجرّدة عن متاع النّفس {قَالَ} موسى (ع) {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} يعنى لم ينبغ ان تقيم الجدار حتّى يطعمونا ويأوونا، وهذا السّؤال وان لم يكن مثل سابقيه لكنّه لمّا عهد مع الخضر (ع) ان لا يصاحبه ان سأله.
اطفيش
تفسير : {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيةٍ} قيل: أنطاكية وهو قول ابن عباس. وقال ابن سيرين. أبلة بصرة بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام وهى أبعد الأرض من السماء. وقيل: قرية من قرى الروم ويقال لها: ناصرة وإليها تنسب النصارى. وقيل: بجوار أرمينية. وقيل: قرية فى الأندلس. {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} طلبا منهم الطعام ضيافة. ومقتضى الظاهر أن يقال: استطعماهم برد الضمير إلى أهل القرية فوضع الظاهر موضع المضمر إن قلنا: إن الجملة جواب إذا وإن قلنا فى الجواب هو قال من قوله قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا وأن هذه الجملة نعت قرية لم يكن من وضع الظاهر موضع المضمر. قال ابن هشام: ومن النوع الأول وهو وقوع الجملة صفة للنكرة بدون أن تصلح حالا لوقوعها بعد النكرة المحضة حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها وإنما أعيد ذكر الأهل لأنه لو قيل: استطعماهم مع أن المراد وصف القرية لأن الحديث مسوق فيها ألا ترى فوجدا فيها جداراً لزم خلو الصفة من ضمير الموصوف ولو قيل: استعطماها كان مجازاً لأن القرية لا تستطعم حقيقة ولهذا كان هذا الوجه أولى من أن تقدر الجملة جوابا لإذا لأن تكرار الظاهر يعرى حينئذ عن هذا المعنى وأيضا فلأن الجواب فى قصة الغلام هو قوله: قال لا قوله: فقتله لأن الماضى المقرون بالفاء لا يكون جوابا فليكن قال أيضا فى هذه جوابا لأنهما سيقتا مساقا واحدا انتهى بإيضاح وسبقه إلى ذلك ابن الحاجب. فتحصَّل أن علة تكرار الأهل كون الجملة نعتا والجواب هو قال كما كان قال هو الجواب فى نظير فلو أضمر للأهل فقيل: استطعماهم لم يوجد رابط إذ لا يضاف ضمير لضمير ولو كان جائزا لجاز أن يضمر للأهل ويضاف ضميرهم لضمير القرية. وقد يقال: يصح أن يقال استطعماهم ويحصل الرابط لأن قولك هم يعود إلى الأهل بقيد كونهم أهل القرية كما حصل الربط بنون الإناث فى قوله تعالى: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص} تفسير : وهى نون يتربصن لأنها ولو عادت إلى النساء لكن لا مطلقا بل بقيد كونهن نساء الذين يتوفون إلا أن يقال بأن ذلك لا يحصل الربط بالموصوف ولو حصله بالمبتدأ وهذه الآية فى المبتدأ وآية الكهف فى الموصوف. وتحصَّل أنهُ لو قيل: استطعماها لكان مجازا وهو فرع الحقيقة إنما يعدل إليه لكنه فلا يقال: إن القرآن مشحون بالمجاز وإنه أبلغ من الحقيقة بإطباق البلغاء لأنه لا نكتة لذلك المجاز هنا ولأنه على كل حال خلاف للأصل ولأنه قال أولا: أتيا أهل قرية فبنى الكلام على الحقيقة إذ لم يقل: أتينا قرية فالتجوز بقولك استطعماها بعد من الرجوع إذاً لشئ بعد الانصراف عنه. وكتب الصلاح الصفدى إلى السبكى أبياتا يسأله عن هذه الآية هكذا: شعر : أسيدنا قاضى القضاة ومن إذا بدا وجهه استحيىَ له القمران ومن كفه يوم الندى ويراعه على طرسه بحران يلتقيان ومن أن إذا جدت فى المشكلات مسائل جلاها بفكر دائم اللمعان رأيت كتاب الله أكبر معجز لأفضل من يهدى بها الثقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاره بإيجاز ألفاظ وبسط معان ولكننى بالكهف أبصرت آية به الفكر فى طول الزمان عيان وما هي إلا استطعما أهلها فقد نرى استطعامهم مثله ببيان فما الحكمة الغراء فى وضع ظاهر مكان ضمير إن ذاك لشان فأرشد على عادات فضلك حيرتى فمالى بها عند البيان يدان تفسير : فأجاب بما حاصله أن الجملة صفة. فلو قيل: استطعماهم لم يحصل ربط والمعنى: وإنما هى على كونها وصفا للقرية ألا ترى قوله فوجدا فيها جدارا ولم يقل عندهم وأن الجدار الذى قصد إصلاحه وحفظ ما تحته من قرية مذمومة مذموم أهلها لا صفة للأهل لأنها تصير العناية إلى شرح قال لأهل فلا يكون للقرية أثر فى ذلك ونجد بقية الكلام فيها كما رأيت وقد تقدم منهم إباء التضييف مع طلبه وللبقاع تأثير فى الطباع فكأن هذه القرية حقيقة بالإفساد والإضاعة فقوبلت بالإصلاح لمجرد الطاعة وليست جواباً لإذا وإلا كان محط الكلام ومقصده هو الاستطعام عند الوصول وليس كذلك بل المراد إظهار العجائب من بلوغ اليتيمين أشدهما واستخراج كنزهما. فلو صح أن الجملة نعت أهل أو جواب إذا صح أن يقال: استطعماهم لكنهما وجهان بعيدان هذا كلامه. ثم قال: وانضاف ذلك من الفوائد أن أهل الثانى يحتمل أن يكونوا هم الأول أو غيرهم أو منهم أو من غيرهم. والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة بل يقع نظره أولا على بعضهم ثم قد يستقريهم فلعل هذين العبدين الصالحين لما أتياها قدر الله لهما من حسن صنيعه استقراء جميع أهلها على التدريج ليتبين به كمال رحمته وعدم مؤاخذته بسوء صنيع عباده ولو قال استطعماهم تعين أن يكون المراد الأولين لا غير فأتى بالظاهر إشعاراً بتأكيد العموم فيه وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها حتى استطعماه وأبوا ومع ذلك قابلهم بأحسن الجزاء انتهى. والجارى على الغالب أن يقال الأهل الثانى هو الأول لأنه معرفة بعد أن ذكر نكرة وأن المراد بهما حقيقة أهلها التى صدقت بمن وافَوه فى طريقهم فى البلد ويحتمل أن يريد بالأول حقيقة أهلها مطلقا عن قيد الموافاة فى الطريق فيها وعن قيد فرد فرد وبالثانى من يُؤَمِّل للإطعام كالرؤساء والأغنياء. {فَأَبَوْا} امتنعوا. {أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} عن أن يضيفوهما أو من أن يضيفوهما أو منعوهما التضيف قال أبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أتيا أهل قرية لئاما فطافا فى المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما . تفسير : وروى استطعموهم فلم يطعموهم واستضافوهم فلم يضيفوهم. روى أنهما واتياها قبل الغروب فاستطعماهم فلم يطعموهم قال قتادة: فى هذه الآية عشر القرى التى لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه، وعن أبى هريرة أطعمتهم امرأة من أهلها بعد أن طلبا من الرجال فامتنعوا فدَعوا لنسائهم ولعنا رجالهم والتضييف إنزال الضيف والقيام به. وقرئ فأبوا أن يضيفوهما بضم الياء الأولى وإسكان الثانية أى أبوا أن يقبلوا ضيافتهما أى نزولهما بهم ضيفين يقال: ضاف به أى نزل به ضيفا وأضافه أى قبله فقام به ولم يرده أو من أضافه كضَّيفه بمعنى أنزله وأقام به وأصل تركيب الإسناد والميل والاستناد والإمالة أضاف ظهره للحائط أسنده إليه وضاف ظهره للحائط أسنده إليه وضاف السهم عن الرمية أى مال. وقيل: إنهما لم يجدا فى تلك الليلة طعاماً ولا ماء وكانت باردة شاتية فالتجآ إلى حائط يكاد ينهدم ويسقط على خوف منها وقد بناه رجل صالح وهو الجدار المذكور فى قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً} طوله جهة السماء ثلاثون ذارعا بذراع أولئك القوم وهى مائة أذرع بأذرع هذه الأمة وطوله على وجه الأرض خمس مائة ذراع وعرضه خمسة أذرع. {يُرِيدُ} أى الجدار. {أَنْ يَنْقَضَّ} أى يكاد ينقض واستعيرت الإرادة لقرب الانفضاض كقوله: شعر : يريد الرمح صدر بنى براء ويعدل عن دماء بنى عقيل تفسير : كما يستعار الهمّ والعزم لقرب الفعل يقال عزم السراج أن يطفأ ولست أُريد بالاستعارة هنا مقابل المجاز المرسل بل أردت الاستعارة اللغوية العامة للمجازين بإن لفظ الإرادة وضعت للحيوانى واستعملت هنا فى الجماد على سبيل العارية فإن ذلك مجاز مرسل بأَن استعمل الإرادة بمعنى مشارفة السقوط لأن إرادة الفعل فى الجملة تسبب له وملزوم له والفعل مسبب ولازم وهذا أولى من أن يقال شبه كون الجدار حال الضعف بإرادة الحيوان للسقوط فاستعار لفظ الإرادة لذلك السكون استعارة اصطلاحية مقابلة للمجاز المرسل وينقضّ يفعل أصله ينقضض بكسر الضاد الأولى سكنت وادغمت فى الثانية. وأيضاً معناه ينكسر وينهدم أو يسقط وهو فى الأصل مطاوع قضضته أى كسرته أو هدمته أو أسقطته. وانقضاض الطيور نزولها إلى الأرض. وانقضاض الكوكب هويه للرجم. ويجوز أن يكون ينقض يفعل بتشديد اللام من النقض فأصوله النون والقاف وأحد الضادين وهو فى الأصل أيضاً مطاوع نقضه أى هدمه ولك إبقاؤه على المطاوعة فإن تصيير الله إياه بتلك الحال من الضعف كالشروع فى نقضه أو فى قضه فأراد أن يطاوع النقض أو القض. وقرئ أن ينقص بالصاد المهملة المشدة. وقرئ أن ينقاص كذلك لكن بألف قبل الصاد من انقصت السن وانقاصت تشديد الصاد فيهما أى انقشعت طولا وليس الضمير فى أراد عائدا للخضر كما زعم من لا معرفة له بوجه إسناد لإرادة للجدار زاعماً أن الخضر أراد انقضاض الجدار وانقض الجدار بنفسه أو بنقض الخضر ثم أقامه بتجديد البناء. {فَأَقَامَهُ} أى أقامه الخضر بأن مسحه بيده فزال ميله واعوجاجه وشققه فكان مستقيما صحيحاً ملتئماً فى قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس: هدمه وبناه. وقيل: عمد بعمود. والذى رواه أبىّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى ذكره سعيد بن جبير. {قَالَ} موسى للخضر: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أى على إصلاحه أو بنائه وذلك طلب لأخذ الأجرة على طريق التأدب يرد الأمر إلى مشيئته وطريق الكناية عن أبى مريد أن تأخذ عليه الأجر إذ لم يقل: خذ عليه أجراً. ويجوز أن يكون تنديماً على ترك الأخذ للأجر وتحريضاً على أخذه لأنهما بحالة من الجوع وصلت بهما أن يسألا طعاماً فلم يطعما. ويجوز أن يكون تعريضاً بأن إقامته فضول حيث اشتغل بإصلاح مال غيره فى بلد منعه أهله الطعام وهو فى جوع شديد وإنه ينبغى أن يشتغل بما يتقون به فإذا أقامه فليطلب عليه الأجرة واتخذ افتعل من اتخذ كاتبع من تبع فالتاء المدغمة أصل وهى فاء الكلمة. وقال الكوفيون: إنها بدل من همزة أخذ. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لَتَخِذْتَ بتخفيف التاء وكسر الخاء ويقال لهما البصريان. وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال وأدغمه الباقون ويوجد فى النسخ اتصال اللام بالتاء فى الخط بدون ألف بينهما ولو فى قراءة التشديد.
اطفيش
تفسير : {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} تلمسان وأهلها أشحاء إِلى الآن، وقيل: قرية فى الجزيرة الخضراء من أندلس، روى القولين بعض المشارقة، ولعل المراد أنها قرية فى أرض هذه العدوة، تقابل الجزيرة الخضراء من عدوة أندلس، وقال الجمهور: القرية أنطاكية وهو مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. وروى ابن أبى حاتم من طريق قتادة أنها برقة، وهى على المشهور فى المغرب الأدنى إِلى المشرق، وقيل: قرية بأرض الروم، وأخرج ابن أبى حاتم، وابن مردويه أنها باجروان، فاختار بعض أنها بنواحى أرمينية. وأخرج ابن أبى حاتم، عن محمد بن سيرين: أنها أبلة بشد اللام، وقيل: ناصرة على الساحل، تنسب إليها النصارى، ولا يوثق بشئ من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتيا أَهل قرية لئامًا ". تفسير : {اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} نعت قرية، وجواب إِذا: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً} وقال أبو البقاء وغيره: جواب إذا هو قوله: {استطعما} وقوله: {قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً} مستأنف، والمختار أنه نعت، وجواب إذا {قال لو شئت} إلخ ولم يقل استضافا لأنهما أرادا مطلق الإِطعام، وبما أمكن لا خصوص الإضافة، والميل إلى بيت أحد. ورأيت منذ خمسين عامًا فى زمان الشبيبة أبياتًا للصلاح الصفدى يسأل فيها السبكى، وهى فى شرح الدمامينى على المغنى، الذى ألفه فى الهند الذى يقول فيه: قال أقول أبياتًا فى السؤال عن تكريم ذكر أهل إذ لم يقل فانطلقا حتى إِذا أتيا أهل قرية استطعماهم ونصها: شعر : أسيدنا قاضى القضاة ومَن إِذا بدا وجهه استحى له القمران ومَن كفُّه يوم النَّدَى ويراعه على طِرسه بحران يلتقيان ومَن إن دجت فى المشكلات مسائل جلاها بفكر دائم اللمعان رأيت كتاب الله أفضل معجز لا فضل مَن يهدى به الثقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاره بإيجاز ألفاظ وبسط معان ولكننى فى الكهف أبصرت آية بها الفِكر فى طول الزَّمان عنانى وما هى إلا استطعما أهلها فقد ترى استطعماهم مثله ببيان فما الْحِكْمة الغرَّاء فى وضع ظاهر مكان ضمير إن ذاك لشانى فأرشد على عادات فضلك حيرتى فما لى لها عند البيان يدان تفسير : فأجابه السبكى: بأن استطعما أهلها نعت لقرية لا جواب لإذا، لأن كونه جوابًا لإذا يوهم أن قصدهما كله أو معظمه الأكل، وليس كذلك بل قصدهما كله إظهار عجائب إعظاما لله عز وجل، ولا نعت لأهل لأنه يوهم أن القصد بيان حال الأهل، من حيث هم هم، ولا يكون للقرية أثر فى ذلك، وليس كذلك فإنا نجد بقية الكلام مشيراً إليها نفسها. قلت: فى هذا التعليل نظر، لأن أهلها جرى لهم ذكر فى قوله: {استطعما أهلها}، وفى قوله: {أبوا أن يضيِّفوهما} بل وفى قوله:{لاتخذت عليه أجراً} لأن أخذ الأجر عنهم لا عن قريتهم ولا فرق بين جريان الذكر للقرية، ولهم فى أن ذكر إحداهما بالذات، والأخرى بالعرض، وأجاز الأوجه الثلاثة، واختار نعت القرية، وأجاز كون الأهل الثانى غير الأول، أو بعضا من الأول، وبعضا من غيره فكان الأظهر فإن من أتى قرية يلتقى أولا ببعضهم، ثم بالبعض الآخر، فقد تشير الآية إِلى أنهما استقصياهم أو جلهم فأبوا، وللبقاع تأثير فى الطباع. ويجوز أن تكون نكتة التكرار التحقير لهم بذكرهم باسم الأهل مرتين، وصفهم بالإباء، إِذا أردت تقبيح عمرو بتأكيد قلت عمرو بخيل، عمرو جبان، وكون المعرفة عين الأولى هو الأصل، والكثير لا واجب، ولذا صح أن يكون الثانى غير الأول، أو يقال الأهل الأول البعض، والثانى أعم إِذ فى إبداء دخول القرية لا يمكن إِتيان أهلها، ولا سيما أنه روى أنهما دخلاها عند غروب الشمس فذلك مرور على بعض والأكثر صُبحا. وروى أنهما يمشيان على مجالسهم يستطعمانهم، ولو جئ بالضمير لفهم أنهما استطعما البعض، وقيل: الأهل الأول الجميع، وإِتيانهم الوصول إِليهم، والحلول فيهم، والثانى البعض سؤالهم كلهم متعذر، والظاهر أنهما سأَلا بعض الرجال. وعن أبى هريرة: أطعمتهم امرأة من بربر إِذ امتنع الرجال، فلعنا رجالهم، ودعوا لنسائهم، والله أعلم بصحة ذلك، واختار بعض أنهما استطعما الرجال المعتبرين بظاهر حالهم، فأبوا وغيرهم أولى بالإباء بحسب المعتاد، والأهلان واحد، وذكر بعض أَنه أعيد الظاهر لئلا يلتقى ضميران. وهذا مما يذكر ليرد لكثرة ذلك فى القرآن وغيره، ومن ذلك فدعوهم وقوله: {فأَبوا أن يضيِّفوهما} ولم أَر من أَجاب بالنظم، فأجبت بأبيات على أَنه قد يوجد فى الإسقاط ما لا يوجد فى الإسقاط وهن: شعر : خذ الحِكْمة الغَرَّاء استطعما لما يلى صفة وجها لأهل اللسان ولو جئ بالضمير لم يلف رابط من اللفظ موجود ولا منه فانى وجوّز أن يكون نعتــا لأهلهــا ورجّح أول وضعّف ثانى ويربط باسم ظاهر هـو أهلهـا كقولك عبد الله قام ابن جانى ميـداً بعــبد الله وابــن لواحــد فذلك معنى فيه لا معنيان وإن طلاب الطعم من عرض ولو جوابا جعلت كان قصد جنان بذات حشاهما وقــال جـواب مـا تقدم من شرط هما قاصيان وفـى جعلــه نعتـًا لأهـل إِشـارة إلى شرح حالهم وليس بدانى فــإن الكـلام سـِيق بعــد لقريــة وليس لأهلها كما فى العيان أو الأهل غير الأوَّليـن بعينهــم أو لبعض منهم فذا مسلكان تفسير : وليس ذلك عندى، ولكن أجبت على مقتضى جواب السبكى، وهو المسئول إذ لا مانع من أن يكون استطعما جواب إِذا بأن ذكر الله وقعنهما على ترتيبها فى الوجود، ويعلم من خارج أن مقصودهما بالذات ليس الطعام، مع أنه جرى ذكر الأهل أكثر مما جرى ذكر القرية، فانظر قوله: {أبوا} وقوله: {يضيفوهما} وقوله:{لاتخذت عليه أجراً} فبان الآخذ عنهم لا عنها، وقوله: {لغلامين} وقوله: {لهما} وقوله {أبوهما} وقوله: {أشدهما} وقوله: {يستخرجا}، وقوله: {كنزهما} وقوله: {رحمة من ربك} فإن الرحمة للناس للقرية، ألا ترى أنه يبعد معنى {حتى إذا أتيا أهل قرية}. {قال: لو شئت لاتخذت عليه أجراً} ولو اعتبر ما بينهما، واعتبر أن المقصود بالذات قوله لاتخذت، لأنه كالسؤال الذى نهاه عنه، واعتبار هذا الأخير هو العمدة فى جواب السبكى، بل جعله نعتًا ضعيف، لأن الأصل فى النكرة أن علم وجود مضمونها، وخفى عنه تمييزه، فتقيد له النعت، والمخاطب بالآية لا معرفة لها بها البتة صلى الله عليه وسلم، ثم بعد مضى نحو خمسين عامًا وجدت جوابًا لبعضهم هكذا: شعر : لأسرار آيات الكتاب معانى تدِقّ فلا تبدو لكل معانى وفيها لمرتاض اللبيب عجائب سَنَا برقها يعنو له القمران إِذا بَرْق منها لقلبى قد بدا هممت قرير العين بالطيران سروراً وإبهاجا وصولا على العدا كأنى على فرق السِّماك مكانى فيا الملك والأكوان ما البيض ما الفنا وعندى وجوه أسفرت بتهانى وهانيك منها قد أَبَحْتُكَ سِرّها فشكراً لمن أولاك حُسن بيان أرى استطعما وصفًا على قرية جرى وليس على أهل فذلك وزانى صناعتنا تقضى بأن أستر ما يعود إليه ماله من مكان ويضعف أنه جواب وأول الثلا ثة هذه بحسنٍ سبانى ورضت به فِكْرى إِلى أن تمخضت به زبدة الأحقاب منذ زمان وإن حياتـى فــى تمــوج أبحــر من العلم فى قلبي يمدّ لسانى تفسير : وأجاب بعض نظما بقوله: شعر : سألت لماذا استطعما أهلها أنى عن استطعامهم إن ذلك لشانى وفيه اختصار ليس ثم ولم تقف على سبب الرُّجحان منذ زمان فهــاك جوابــًا رامًــا لنقابــه يصير به المعنى كرأى عيان إِذا ما استوى الحال فى الحكم رجِّح الـ ضمير وأما حين يختلفان فقد كان فى التصريح إظهار حِكْمة كرفعة شان أو حقارة جانى كمثل أميـــر المؤمنيــن يقــول ذا وما نحن فيه صرحوا بأمان وهذا على الإيجاز والبسط جاء فى جوابى منثور بحُسْن بَيَان تفسير : {فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} أن ينزلوهما، ويميلوهما إِليهم، من ضاف السهم من الهدف مال عنه إِلى جانب، وضافت الشمس مالت للغروب، والإباء أشد الامتناع، وذلك لم يستغن عنه بقوله: فلم يضيِّفوهما، ولا يخفى أن الاستطعام طلب الطعام على وجه الضيافة، مثل أن يقولا: إنا غريبان فأطعمونا، والغريب يضيَّف أو أن يقولا: إِنا غريبان فضيِّفونا، ولذلك قال: {فأبوا أن يضيِّفوهما} ولو كان طلبهما بلا ذكر ضيافة أو تلويح إِليها لقال فأبوا أن يطعموهما، ومع ذلك لم يقل الله عنهما استضافا، ولو قال: أضيفونا، وإن لم يذكر الضيافة علموا أنهما ضيفان، بل قال استطعما، لأن مقصودهما الطعم فقط، لا الإيواء إلى بيت أو دار. وفى أبوا أن يضيفوهما تشنيع ليس فى أبوا أن يطعموهما، لأن الكريم قد يغفل عن السائل أو يرده، ولا يعاب عليه مثل ما يعاب عليه إذا رد الوارد ضيفا ولا يرد الضيف إلا اللئيم، ومن أعظم ما تهجو به العرب البخيل قولهم: فلان يطرد الضيف، ودونه يحرم الضيف، وشر القرى التى لا يضاف فيها لابن السبيل حقه. وذكر بعض أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول الآية، أتوا إِلى النبى صلى الله عليه وسلم بحمل من ذهب وقالوا: خذه وقيل: أتوا أن يضيفوهما بالمثناه الفوقية، بدل الموحدة، وقيل: أتوا فى زمان علىّ، ولم يصح شئ من ذلك، ولو صح لكان أخبث لهم من الشح، إذ طمعوا أن يبدل النبى صلى الله عليه وسلم، أو على القرآن، ولو بالدنيا وبإِسلام أهلها كلهم، وعطف على أتيا بقوله: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا} على الشارع، بأن التجآ إليه فى ليلة باردة، إِذ لم يجدا مأوى، وطوله إِلى السماء مائة ذراع عن وهب بن منبه ومائتا ذراع عن الثعلبى، وعلى الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون، يمرون تحته خائفين. {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ينفعل من القض، بمعنى الكسر، والمراد السقوط بسرعة والسقوط من لازم الانكسار، أو من القضة وهى الحصى الصغار، يقال: طعام قضض إذا كان فيه الحصى، والمعنى يريد إِن يكن حصى بابًا لتفتت، ومن لازم ذلك أن يسقط أو افعل بشد اللام من المقض، وفيه أن فعل بشدها فى الألوان والعيوب، كأحولّ بشدها، ويضعف أن يقال: الانقضاض ملحق بالعيوب، لأنه ليس موضوعًا بالذات للعيب، ونسبة الإرادة إلى الجدار، وإِسناد الإرادة إلى الجدار، مجاز عقلى، لأن إرادة الشئ سبب لقربه، وبلزوم قربه، فالمراد قرب وقوع الجدار، أو استعارة بأن شبه قرب السقوط بالإرادة لجامع الميل، أو شبه الجدار بالإنسان أو الحيوان الآخر، ورمز إلى التشبيه بلازم الحيوان، أو الإنسان، وهو الإرادة. وفى أصول الفقه أن محمد بن داود الأصبهانى منع المجاز فى القرآن، فرد الضمير إِلى الخضر أو موسى أو الجدار، على أن الله خلق فيه الإرادة، وذلك تكلف. وقال أبو حيان: لا يصح منه إنكار المجاز، ولو صح عن أحد إنكار المجاز فى القرآن لقلنا إنه أهل لأن يكون للحوافر والأظلاف مجازاً، وينافى إِرادتهما أن ينتقض. {فَأَقَامَهُ} إِلا أن يتكلف أن الخضر أراد هدمه، ثم ظهر له أن يصلحه، وأما موسى فلا وجه لإرادته أن ينتقض، وعن أُبىّ بن كعب: أنه قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يريد أن ينقض فهدمه ثم يبنيه"تفسير : ، وعن ابن عباس وابن جبير أقامه بمسحه بيده، وقيل: أقامه بعمود عمده، وقال مقاتل: سواء بالشيد. {قَالَ} موسى {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ} أى على إقامته بالمسح، أو بالتعميد، أو بالبناء بعد الهدم، أو بالتخصيص {أَجْرًا} لا يقال هذا مانع من كون الإقامة بالمسح، إذ لا تستحق الأجرة لسهولتها، ولا سيما أن يكون الطالب نبيًا، لأنا نقول: يحل طلب الأجرة ولو كثيرة على عمل ولو يسيراً، ولو كان يسره بقدرة إِلهية غير جارية على المعتاد، والمتبادر أن قوة نفس موسى ضعفت، فلم يبق له السؤال إلا بهذه العبارة. واتخذ افتعل من تخذ أدغمت تاء تخذ فى تاء افتعل، وقيل: افتعل من أخذ، أبدلت همزته تاء وأدغمت فى تاء افتعل، حثه موسى عليهما السلام على أخذ الأجرة، لأن إقامته عمل كبير، وهما محتاجان، ولا سيما قد حرموهما من الإطعام، حتى كأنه سأله: لِمَ لَمْ تَاخذ الأجر، وقد شرط ألا يسأله حتى يحدثه ذكراً، وقد شرط على نفسه إن سأله ثالثة أن لا يصاحبه، فقال له الخضر: ما ذكر فى قوله تعالى: {قَالَ} له الخضر: {هذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} وذلك أن قوله: "لو شئت" إِلخ بمعنى إنى عالم بأنك أهل للأجرة على عملك، فلِم لم تأخذوها فهو لازم الفائدة، لا مجرد إخبار بأنه لو شاء لأخذ الأجر، إذ لا فائدة فى هذا. ويُبعد ما قيل إنه قال ذلك للخضر تعريضًا، بأن إِقامته فضول بما لم يطلب منه، مع احتياجهما وحرمانهما، وإِنما فارقه الخضر على هذه الثلاثة، ولم يصبر له لثقل الاعتراض عليه، مع أن موسى عقد على نفسه الفرقة عليها، ولأن هذه غير منكر، لأن ترك الأجرة إِحسان بخلاف الأوليين، فظاهرهما منكر، ولأن الثلاثة لنفسه، والأوليين لله كما روى عن ابن عباس، ولو قيل إن هذا لا يصح عنه بجلالتهما عن تمخض طلب الدنيا، والإشارة إلى الفراق المذكورة فى قوله: "فلا تصاحبنى" أى هذا فراق فى ذهنى موافق للذى ذكرت، أو إلى الزمان الحاضر، أى هذا الوقت فراق، أو الاعتراض أى سبب فراق بينى وبينك إعادة الجار فى العطف على المجرور المتصل هى الفصحى، وإجراء الكلام عليها للتأكيد إذا لو قال هذا فراق بيننا لصح، وذلك من إضافة المصدر إلى الظرف اتساعًا وقررها ابن الحاجب بفى. ويقال بالمعنى لا بالوقوع تحقيقا أن يقال له حين أنكر خرق السفينة: أين تدبيرك وأنت فى التابوت ملقى فى البحر، وكسرت ألواح التوراة بإلقائها، وحين أنكر قتل الغلام قد قتلت القبطى بوكزة، وحين أنكر إِقامة الجدار بلا أجر قد رفعت الحجر عن البئر، وسقيت لبنتى شعيب بدون أجر. وقد قيل: إنه خاطب موسى بذلك مرة عند إرادة الفراق، ولا يصح ذلك، قيل إلا إن قيل بالمعنى، ولما أراد الفراق قال للخضر: أوصنى قال: كن نفاعا لا ضراراً وبشاشًا لا غضبانًا، ودع اللجاجة، ولا تمش فى غير حاجة، ولا تعير امرأً بخطيئته، وتعلم العلم للعمل به لا للتحدث به، وقال: ادع لى، فقال يسر الله عليك طاعته. {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} التأويل رد الشئ إِلى مآله، والمراد هنا المئول وهو العاقبة والمآل، وعليه متعلق بصبراً، قدم عليه ولو كان ممول المصدر لا يقدمه للفاصلة، وفى التعبير بما لم تستطع دون ما فعلت، أو ما رأيت تعريض بعتاب موسى، وللتنبيه على أن يتقوى لما يلقى إليه من التأويل، وذلك بلا طلب من موسى، لكن ليزول هم موسى، وليحسن الظن بالخضر، وقيل أمسكه بثيابه وقال: لا أفارقك أو تخبرنى بما فعلت من الخرق والقتل والإقامة، فقال سأنبئكم إلخ.
الالوسي
تفسير : {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} الجمهور على أنها إنطاكية وحكاه الثعلبـي عن ابن عباس، وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق قتادة عنه أنها برقة وهي كما في «القاموس» اسم لمواضع، وفي «المواهب» أنها قرية بأرض الروم والله تعالى أعلم، وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن السدي أنها باجروان وهي أيضاً اسم لمتعدد إلا أنه ذكر بعضهم أن المراد بها قرية بنواحي أرمينية، وأخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن سيرين أنها الأبلة بهمزة وباء موحدة ولا مشددة، وقيل: قرية على ساحل البحر يقال لها ناصرة وإليها تنسب النصارى قال في «مجمع البيان» وهو المروي عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه، وقيل: قرية في الجزيرة الخضراء من أرض / الأندلس، قال ابن حجر: والخلاف هنا كالخلاف في مجمع البحرين ولا يوثق بشيء منه، وفي الحديث «أتيا أهل قرية لئاماً». {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} في محل الجر على أنه صفة لقرية، وجواب إذا {أية : قَالَ} تفسير : [الكهف: 78] الآتي إن شاء الله تعالى وسلك بذلك نحو ما سلك في القصة الثانية من جعل الاعتراض عمدة الكلام للنكتة التي ذكرها هناك شيخ الإسلام، وذهب أبو البقاء وغيره إلى أنه هو الجواب والآتي مستأنف نظير ما في القصة الأولى، والوصفية مختار المحققين كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. وهٰهنا سؤال مشهور وقد نظمه الصلاح الصفدي ورفعه إلى الإمام تقي الدين السبكي فقال:شعر : أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا بدا وجهه استحيى له القمران ومن كفه يوم المندى ويراعه على طرسه بحران يلتقيان ومن إن دجت في المشكلات مسائل جلاها بفكر دائم اللمعان رأيت كتاب الله أعظم معجز لأفضل من يهدى به الثقلان ومن جملة الإعجاز كون اختصاره بإيجاز ألفاظ وبسط معاني ولكنني في الكهف أبصرت آية بها الفكر في طول الزمان عناني وما هي إلا استطعما أهلها فقد نرى استطعماهم مثله ببيان فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر مكان ضمير إن ذاك لشان فارشد على عادات فضلك حيرتي فما لي إلى هذا الكلام يدان تفسير : فأجاب السبكي بأن جملة {ٱسْتَطْعَمَا} محتملة لأن تكون في محل جر صفة لقرية وأن تكون في محل نصب صفة لأهل وأن تكون جواب {إذا} ولا احتمال لغير ذلك، ومن تأمل علم أن الأول متعين معنى وأن الثاني والثالث وأن احتملتهما الآية بعيدان عن مغزاها، أما الثالث فلأنه يلزم عليه كون المقصود الإخبار بالاستطعام عند الإتيان وأن ذلك تمام معنى الكلام، ويلزمه أن يكون معظم قصدهما أو هو طلب الطعام مع أن القصد هو ما أراد ربك مما قص بعد وإظهار الأمر العجيب لموسى عليه السلام، وأما الثاني فلأنه يلزم عليه أن تكون العناية بشرح حال الأهل من حيث هم هم ولا يكون للقرية أثر في ذلك ونحن نجد بقية الكلام مشيراً إليها نفسها فيتعين الأول ويجب فيه {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} ولا يجوز استطعماهم أصلاً لخلو الجملة عن ضمير الموصوف. وعلى هذا يفهم من مجموع الآيات أن الخضر عليه السلام فعل ما فعل في قرية مذموم أهلها وقد تقدم منهم سوء صنيع من الإباء عن حق الضيف مع طلبه وللبقاع تأثير في الطباع ولم يهم فيها مع أنها حرية بالإفساد والإضاعة بل باشر الإصلاح لمجرد الطاعة ولم يعبأ عليه السلام بفعل أهلها اللئام. ويضاف إلى ذلك من الفوائد أن الأهل الثاني يحتمل أن يكون هم الأولون أو غيرهم أو منهم ومن غيرهم، والغالب أن من أتى قرية لا يجد جملة أهلها دفعة بل يقع بصره أولاً على البعض ثم قد يستقريهم فلعل هذين العبدين الصالحين لما أتيا قدر الله تعالى لهما استقراء الجميع على التدريج ليتبين به كمال رحمته سبحانه وعدم مؤاخذته تعالى بسوء صنيع بعض عباده، ولو قيل استطعماهم تعين إرادة الأولين فأتى بالظاهر إشعاراً بتأكيد العموم فيه وأنهما لم يتركا أحداً من أهلها حتى استطعماه وأبـى ومع ذلك قوبلوا بأحسن الجزاء، فانظر إلى هذه الأسرار كيف احتجبت عن / كثير من المفسرين تحت الأستار حتى أن بعضهم لم يتعرض لشيء، وبعضهم ادعى أن ذلك تأكيد، وآخر زعم ما لا يعول عليه حتى سمعت عن شخص أنه قال: إن العدول عن استطعماهم لأن اجتماع الضميرين في كلمة واحدة مستثقل وهو قول يحكي ليرد فإن القرآن والكلام الفصيح مملوء من ذلك ومنه ما يأتي في الآية. ومن تمام الكلام فيما ذكر أن استطعما إن جعل جواباً فهو متأخر عن الإتيان وإذا جعل صفة احتمل أن يكون الإتيان قد اتفق قبل هذه المرة وذكر تعريفاً وتنبيهاً على أنه لم يحملهما على عدم الإتيان لقصد الخير فهذا ما فتح الله تعالى علي والشعر يضيق عن الجواب وقد قلت:شعر : لأسرار آيات الكتاب معاني تدق فلا تبدو لكل معاني وفيها لمرتاض لبيب عجائب سنا برقها يعنو له القمران إذا بارق منها لقلبـي قد بدا هممت قرير العين بالطيران سروراً وإبهاجاً وصولاً على العلا كأني علا فوق السماك مكاني فما الملك والأكوان ما البيض ما القنا وعندي وجوه أسفرت بتهاني وهاتيك منها قد أبحتك سرها فشكراً لمن أولاك حسن بياني أرى استطعما وصفاً على قرية جرى وليس لها والنحو كالميزان صناعته تقضي بأن استتار ما يعود عليه ليس في الإمكان وليس جواباً لا ولاصف أهلها فلا وجه للإضمار والكتمان وهذي ثلاث ما سواها بممكن تعين منها واحد فسباني ورضت بها فكري إلى أن تمحضت به زبدة الأحقاب منذ زمان وإن حياتي في تموج أبحر من العلم في قلبـي يمد لساني تفسير : إلى آخر ما تحمس به وفيه من المناقشة ما فيه. وقد اعترض بعضهم بأنه على تقدير كون الجملة صفة للقرية يمكن أن يؤتي بتركيب أخصر مما ذكر بأن يقال: فلما أتيا قرية استطعما أهلها فما الداعي إلى ذكر الأهل أولاً على هذا التقدير، وأجيب بأنه جىء بالأهل للإشارة إلى أنهم قصدوا بالإتيان في قريتهم وسألوا فمنعوا ولا شك أن هذا أبلغ في اللؤم وأبعد عن صدور جميل في حق أحد منهم فيكون صدور ما صدر من الخضر عليه السلام غريباً جداً، لا يقال: ليكن التركيب كذلك وليكن على الإرادة الأهل تقديراً أو تجوزاً كما في قوله تعالى: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] لأنا نقول: إن الإتيان ينسب للمكان كأتيت عرفات ولمن فيه كأتيت أهل بغداد فلو لم يذكر كان فيه تفويتاً للمقصود، وليس ذلك نظير ما ذكر من الآية لامتناع سؤال نفس القرية عادة، واختار الشيخ عز الدين علي الموصلي في جواب الصفدي أن تكرار الأهل والعدول عن استطعماهم إلى {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} للتحقير وهو أحد نكات إقامة الظاهر مقام الضمير وبسط الكلام في ذلك نثراً؛ وقال نظماً:شعر : سألت لماذا استطعما أهلها أتى عن استطعماهم إن ذاك لشان وفيه اختصار ليس ثم ولم تقف على سبب الرجحان منذ زمان فهاك جواباً رافعاً لنقابه يصير به المعنى كرأي عيان / إذا ما استوى الحالان في الحكم رجح الضمير وأما حين يختلفان بأن كان في التصريح إظهار حكمة كرفعة شأن أو حقارة جاني كمثل أمير المؤمنين يقول ذا وما نحن فيه صرحوا بأمان وهذا على الإيجاز والبسط جاء في جوابـي منثوراً بحسن بيان تفسير : وذكر في النثر وجهاً آخر للعدول وهو ما نقله السبكي ورده، وقد ذكره أيضاً النيسابوري وهو لعمري كما قال السبكي، ويؤول إلى ما ذكر من أن الإظهار للتحقير قول بعض المحققين: إنه للتأكيد المقصود منه زيادة التشنيع وهو وجه وجيه عند كل نبيه، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [البقرة: 59] الآية ومثله كثير في الفصيح، وقال بعضهم: إن الأهلين متغايران فلذا جىء بهما معاً، وقولهم: إذا أعيد المذكور أولاً معرفة كان الثاني عين الأول غير مطرد وذلك لأن المراد بالأهل الأول البعض إذ في ابتداء دخول القرية لا يتأتى عادة إتيان جميع أهلها لا سيما على ما روي من أن دخولهما كان قبل غروب الشمس وبالأهل الثاني الجميع لما ورد أنهما عليهما السلام كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم فلو جىء بالضمير لفهم أنهما استطعما البعض، وعكس بعضهم الأمر فقال: المراد بالأهل الأول الجميع ومعنى إتيانهم الوصول إليهم والحلول فيما بينهم؛ وهو نظير إتيان البلد وهو ظاهر في الوصول إلى بعض منه والحلول فيه وبالأهل الثاني البعض إذ سؤال فرد فرد من كبار أهل القرية وصغارهم وذكورهم وإناثهم وأغنيائهم وفقرائهم مستبعد جداً والخبر لا يدل عليه ولعله ظاهر في أنهما استطعما الرجال، وقد روي عن أبـي هريرة والله تعالى أعلم بصحة الخبر أنه قال: أطعتهما امرأة من بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعيا لنسائهم ولعنا رجالهم فلذا جىء بالظاهر دون الضمير، ونقل مثله عن الإمام الشافعي عليه الرحمة في «الرسالة». وأورد عليهما أن فيهما مخالفة لما هو الغالب في إعادة الأول معرفة، وعلى الثاني أنه ليس في المغايرة المذكورة فيه فائدة يعتد بها، ولا يورد هذا على الأول لأن فائدة المغايرة المذكورة فيه زيادة التشنيع على أهل القرية كما لا يخفى. واختار بعضهم على القول بالتأكيد أن المراد بالأهل في الموضعين الذين يتوقع من ظاهر حالهم حصول الغرض منهم ويحصل اليأس من غيرهم باليأس منهم من المقيمين المتوطنين في القرية، ومن لم يحكم العادة يقول: إنهما عليهما السلام أتوا الجميع وسألوهم لما أنهما على ما قيل قد مستهما الحاجة. {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا} بالتشديد وقرأ ابن الزبير والحسن وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وعاصم في رواية المفضل وأبان بالتخفيف من الإضافة يقال ضافه إذا كان له ضيفاً وأضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفاً، وحقيقة ضاف مال من ضاف السهم عن الهدف يضيف ويقال أضافت الشمس للغروب وتضيفت إذا مالت، ونظيره زاره من الازورار، ولا يخفى ما في التعبير بالإباء من الإشارة إلى مزيد لؤم القوم لأنه كما قال الراغب شدة الامتناع، ولهذا لم يقل: فلم يضيفوهما مع أنه أخصر فإنه دون ما في النظم الجليل في الدلالة على ذمهم، ولعل ذلك الاستطعام كان طلباً للطعام على وجه الضيافة بأن يكونا قد قالا: إنا غريبان فضيفونا أو نحو ذلك كما يشير إليه التعبير بقوله تعالى: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا} دون فأبوا أن يطعموهما مع اقتضاء ظاهر {ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} إياه، وإنما عبر باستطعما دون استضافا للإشارة إلى أن جل قصدهما الطعام دون الميل بهما إلى منزل وإيوائهما إلى محل. وذكر بعضهم أن في {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا} من التشنيع ما ليس في / أبوا أن يطعموهما لأن الكريم قد يرد السائل المستطعم ولا يعاب كما إذا رد غريباً استضافه بل لا يكاد يرد الضيف إلا لئيم، ومن أعظم هجاء العرب فلان يطرد الضيف، وعن قتادة شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ولا يعرف لابن السبيل حقه. وقال زين الدين الموصلي إنما خص سبحانه الاستطعام بموسى والخضر عليهما السلام والضيافة بالأهل لأن الاستطعام وظيفة السائل والضيافة وظيفة المسؤول لأن العرف يقضي بذلك فيدعو المقيم القادم إلى منزله يسأله ويحمله إليه انتهى، وهو كما ترى. ومما يضحك منه العقلاء ما نقله النيسابوري وغيره أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من ذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء من {أبوا} تاء فأبـى عليه الصلاة والسلام، وبعضهم يحكي وقوع هذه القصة في زمن علي كرم الله تعالى وجهه ولا أصل لشيء من ذلك، وعلى فرض الصحة يعلم منه قلة عقول أهل القرية في الإسلام كما علم لؤمهم من القرآن والسنة من قبل. {فَوَجَدَا} عطف كما قال السبكي على {أَتَيَا} {فِيهَا جِدَاراً} روي أنهما التجآ إليه حيث لم يجدا مأوى وكانت ليلتهما ليلة باردة وكان على شارع الطريق {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} أي يسقط وماضيه انقض على وزن انفعل نحو انجر والنون زائدة لأنه من قضضته بمعنى كسرته لكن لما كان المنكسر يتساقط قيل الانقضاض السقوط، والمشهور أنه السقوط بسرعة كانقضاض الكوكب والطير، قال صاحب «اللوامح»: هو من القضة وهي الحصى الصغار، ومنه طعام قضض إذا كان فيه حصى فعلى هذا المعنى يريد أن يتفتت فيصير حصى انتهى. وذكر أبو علي في «الإيضاح» أن وزنه افعل من النقض كاحمر، وقال السهيلي في «الروض» هو غلط وتحقيق ذلك في محله. والنون على هذا أصلية، والمراد من إرادة السقوط قربه من ذلك على سبيل المجاز المرسل بعلاقة تسبب إرادة السقوط لقربه أو على سبيل الاستعارة بأن يشبه قرب السقوط بالإرادة لما فيهما من الميل، ويجوز أن يعتبر في الكلام استعارة مكنية وتخييلية، وقد كثر في كلامهم إسناد ما يكون من أفعال العقلاء إلى غيرهم ومن ذلك قوله:شعر : يريد الرمح صدر أبـي براء ويعدل عن دماء بني عقيل تفسير : وقول حسان رضي الله تعالى عنه:شعر : إن دهراً يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان تفسير : وقول الآخر:شعر : أبت الروادف والثدي لقمصها مس البطون وإن تمس ظهورا تفسير : وقول أبـي نواس:شعر : فاستنطق العود قد طال السكوت به لا ينطق اللهو حتى ينطق العود تفسير : إلى ما لا يحصى كثرة حتى قيل: إن من له أدنى اطلاع على كلام العرب لا يحتاج إلى شاهد على هذا المطلب. ونقل بعض أهل أصول الفقه عن أبـي بكر محمد بن داود الأصبهاني أنه ينكر وقوع المجاز في القرآن فيؤول الآية بأن الضمير في {يُرِيدُ} للخضر أو لموسى عليهما السلام، وجوز أن يكون الفاعل الجدار وأن الله تعالى خلق فيه حياة وإرادة والكل تكلف وتعسف تغسل به بلاغة الكلام. وقال أبو حيان: لعل النقل لا يصح عن الرجل وكيف يقول ذلك وهو أحد الأدباء الشعراء الفحول المجيدين في النظم والنثر، وقرأ أبـي {ينقَض} بضم الياء وفتح القاف والضاد مبنياً للمفعول، وفي حرف عبد الله وقراءة الأعمش / {يريد لينقض} كذلك إلا أنه منصوب بأن المقدرة بعد اللام. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وعكرمة وخليد بن سعد ويحيـى بن يعمر {ينقاص} بالصاد المهملة مع الألف ووزنه ينفعل اللازم من قصته فانقاص إذا كسرته فانكسر، وقال ابن خالويه: تقول العرب: انقاصت السن إذا انشقت طولاً، قال ذو الرمة يصف ثور وحش:شعر : يغشى الكناس بروقيه ويهدمه من هائل الرمل منقاص ومنكثب تفسير : وفي «الصحاح» قيص السن سقوطها من أصلها وأنشد قول أبـي ذؤيب:شعر : فراق كقيص السن فالصبر أنه لكل أناس عثرة وجبور تفسير : وقال الأموي: انقاصت البر انهارت، وقال الأصمعي: المنقاص المنقعر والمنقاض بالضاد المعجمة المنشق طولاً، وقال أبو عمرو: هما بمعنى واحد. وقرأ الزهري {ينقاض} بألف وضاد معجمة، والمشهور تفسيره بينهدم. وذكر أبو علي أن المشهور عن الزهري أنه ينقاص بالمهملة. {فَأَقَامَهُ} مسحه بيده فقام كما روي عن ابن عباس وابن جبير، وقال القرطبـي: إنه هو الصحيح وهو أشبه بأحوال الأنبياء عليهم السلام؛ واعترض بأنه غير ملائم لما بعد إذ لا يستحق بمثله الأجر، ورد بأن عدم استحقاق الأجر مع حصول الغرض غير مسلم ولا يضره سهولته على الفاعل، وقيل: أقامه بعمود عمده به، وقال مقاتل: سواه بالشيد، وقيل هدمه وقعد يبنيه. وأخرج ابن الأنباري في «المصاحف» عن أبـي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ {فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه} وكان طول هذا الجدار إلى السماء على ما نقل النووي عن وهب بن منبه مائة ذراع، ونقل السفيري عن الثعلبـي أنه كان سمكه مائتي ذراع بذراع تلك القرية وكان طوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع وكان عرضه خمسين ذراعاً وكان الناس يمرون تحته على خوف منه. {قَالَ} موسى عليه السلام {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} تحريضاً للخضر عليه السلام وحثاً على أخذ الجعل والأجرة على فعله ليحصل لهما بذلك الانتعاش والتقوي بالمعاش فهو سؤال له لم لم يأخذ الأجرة؟ واعتراض على ترك الأخذ فالمراد لازم فائدة الخبر إذ لا فائدة في الإخبار بفعله، وقيل: لم يقل ذلك حثاً وإنما قاله تعريضاً بأن فعله ذلك فضول وتبرع بما لم يطلب منه من غير فائدة ولا استحقاق لمن فعل له مع كمال الاحتياج إلى خلافه، وكان الكليم عليه السلام لما رأى الحرمان ومساس الحاجة والاشتغال بما لا يعني لم يتمالك الصبر فاعترض، واتخذ افتعل فالتاء الأولى أصلية والثانية تاء الافتعال أدغمت فيها الأولى ومادته تخذ لا أخذ وإن كان بمعناه لأن فاء الكلمة لا تبدل إذا كانت همزة أو ياء مبدلة منها، ولذا قيل إن ايتزر خطأ أو شاذ وهذا شائع في فصيح الكلام، وأيضاً إبدالها في الافتعال لو سلم لم يكن لقولهم تخذ وجه وهذا مذهب البصريين، وقال غيرهم: إنه الاتخاذ افتعال من الأخذ ولا يسلم ما تقدم، ويقول: المدة العارضة تبدل تاء أيضاً، ولكثرة استعماله هنا أجروه مجرى الأصلي وقالوا تخذ ثلاثياً جرياً عليه وهذا كما قالوا: تقى من اتقى. وقرأ عبد الله والحسن وقتادة وأبو بحرية وابن محيصن وحميد واليزيدي ويعقوب وأبو حاتم وابن كثير وأبو عمرو {لتخذت} بتاء مفتوحة وخاء مكسورة أي لأخذت، وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الذال وأدغمها باقي السبعة.
ابن عاشور
تفسير : نظم قوله {فانطَلَقا حَتَّى إذا أَتَيَا أهْلَ قَرْيةٍ استَطْعَمَا أهْلَهَا} كنظم نظيريه السابقين. والاستطعام: طلب الطعام. وموقع جملة {استَطْعَمَا أَهْلَهَا} كموقع جملة (خرقها) وجملة (فقتله)، فهو متعلق (إذَا). وإظهار لفظ {أَهْلَهَا} دون الإتيان بضميرهم بأن يقال: استطعماهم، لزيادة التصريح، تشنيعاً بهم في لؤمهم، إذ أبوا أن يضيفوهما. وذلك لؤم، لأنّ الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام وهي من المواساة المتبعة عند الناس. ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة، أو من أعدّ نفسه لذلك من كرام القبيلة؛ فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية. وقد أورد الصفدي على الشيخ تقي الدين السبكي سؤالاً عن نكتة هذا الإظهار في أبيات. وأجابه السبكي جواباً طويلاً نثراً ونظماً بما لا يقنع، وقد ذكرهما الآلوسي. وفي الآية دليل على إباحة طلب الطعام لعابر السبيل لأنه شَرْع من قبلنا، وحكاه القرآن ولم يرد ما ينسخه. ودلّ لَوْم موسى الخضرَ، على أن لم يأخذ أجر إقامة الحائط على صاحبه من أهل القرية، على أنه أراد مقابلة حرمانهم لحق الضيافة بحرمانهم من إقامة الجدار في قريتهم. وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحيّ أو القرية. وفي حديث «الموطأ» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكْرِم ضيفَه جائزَتَه يومٌ وليلة (أي يُتحفه ويبالغ في بره) وضيافته ثلاثة أيام (أي إطعامٌ وإيواء بما حضر من غير تكلّف كما يتكلف في أول ليلة) فما كان بعد ذلك فهو صدقة ». تفسير : واختلف الفقهاء في وجوبها فقال الجمهور: الضيافة من مكارم الأخلاق، وهي مستحبة وليست بواجبة. وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي. وقال سحنون: الضيافة على أهل القُرى والأحياء، ونسب إلى مالك. قال سحنون: أما الحضر فالفندق ينزل فيه المسافرون. وقال الشافعي ومحمد بن عبد الحكم من المالكية: الضيافة حق على أهل الحضر والبوادي. وقال الليث وأحمد: الضيافة فرض يوماً وليلة. ويقال: ضَيّفه وأضافه، إذا قام بضيافته، فهو مضيّف بالتشديد. ومُضيف بالتخفيف، والمتعرض للضيافة: ضَائف ومُتَضيّف، يقال: ضِفته وتضيّفته، إذا نزل به ومال إليه. والجدار: الحائط المبني. ومعنى {يُرِيدُ أن يَنقَضَّ} أشرف على الانقضاض، أي السقوط، أي يكاد يسقط، وذلك بأن مال، فعبر عن إشرافه على الانقضاض بإرادة الانقضاض على طريقة الاستعارة المصرحة التبعية بتشبيه قرب انقضاضه بإرادة من يعقل فعلَ شيء فهو يوشك أن يفعله حيث أراده، لأن الإرادة طلب النفس حصول شيء وميل القلب إليه. وإقامة الجدار: تسوية مَيله، وكانت إقامته بفعل خارق للعادة بأن أشار إليه بيده كالذي يسوي شيئاً ليّناً كما ورد في بعض الآثار. وقول موسى: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً} لَوْم، أي كان في مكنتك أن تجعل لنفسك أجراً على إقامة الجدار تأخذه ممن يملكه من أهل القرية ولا تقيمه مجاناً لأنهم لم يقوموا بحق الضيافة ونحن بحاجة إلى ما ننفقه على أنفسنا، وفيه إشارة إلى أن نفقة الأتباع على المتبوع. وهذا اللوم يتضمن سؤالاً عن سبب ترك المشارطة على إقامة الجدار عند الحاجة إلى الأجر، وليس هو لوماً على مجرد إقامته مجاناً، لأن ذلك من فعل الخير وهو غير ملوم. وقرأ الجمهور {لاتّخذتَ} بهمزة وصل بعد اللام وبتشديد المثناة الفوقية على أنه ماضي (اتخذ). وقرأ ابن كثير، وأبو عَمرو، ويعقوب لتَخِذْتَ بدون همزة على أنه ماضي (تَخِذ) المفتتح بتاء فوقية على أنه ماضي (تخذ) أوله فوقية، وهو من باب علم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}. هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون: بأن المجاز في القرآن. زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالاً وأقوالاً لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعمل من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44] فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة. فمن الآيات الدالة على ذلك - قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 74] الآية. فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في ذلك. لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه. وقوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}تفسير : [الأحزاب: 72] الآية. فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت أي خافت - دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه. ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم: أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأعرف حجراً كان يسلم علي بمكة" تفسير : وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم جزعاً لفراقه - فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44]. وزعم من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال - زعم باطل، لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جداً. وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا واضح جداً كما ترى. مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء. كما في قول الشاعر: شعر : في مهمه قلقت به هامها قلق الفؤوس إذا أردن نضولا تفسير : فقوله: "إذا أردن نضولا" أي قاربنه وقول الآخر: شعر : يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دماء بني عقيل تفسير : أي يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير: شعر : إن دهراً يلف شملي بجمل لزمان يهم بالإحسان تفسير : فقوله "لزمان يهم بالإحسان" أي يقع الإحسان فيه. وقد بينا في رسالتنا المسماه (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) - أن جميع الآيات التي يزعمون أنها مجاز أن ذلك لا يتعين في شيء منها. وبينا أدلة ذلك. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَتَّخَذْتَ} (77) - فَسَارَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي سَبِيلِهِمَا حَتَّى أَتَيَا قَرْيَةً، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا زَادٌ، فَسَأَلاَ أَهْلَهَا الطَّعَامَ، فَلَمْ يَقْبَلْ أَحَدٌ فِيهَا أَنْ يُطْعِمَهُمَا. وَبَيْنَمَا كَانَا يَسِيرَانِ فِي القَرْيَةِ وَجَدَا جِدَاراً مُتَدَاعِياً لِلسُّقُوطِ، فَقَامَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِإِقَامَتِهِ وَتَدْعِيمِهِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّ أَهْلَ القَرْيَةِ لَمْ يُطْعِمُوهُمَا، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَقُومَ لَهُمْ بِعَمَلٍ بِدُونِ أَجْرٍ. فَأَبَوْا - فَامْتَنَعُوا. يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ - مُتَدَاعِياً لِلسُّقًُوطِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : استطعم: أي طلب الطعام، وطلَبُ الطعام هو أصدق أنواع السؤال، فلا يسأل الطعام إلا جائع محتاج، فلو سأل مالاً لقلنا: إنه يدخره، إنما الطعام لا يعترض عليه أحد، ومنْعُ الطعام عن سائله دليل بُخْل ولُؤْم متأصل في الطباع، وهذا ما حدث من أهل هذه القرية التي مَرّا بها وطلبَا الطعام فمنعوهما. والمتأمل في الآية يجد أن أسلوب القرآن يُصوّر مدى بُخْل هؤلاء القوم ولُؤْمهم وسُوء طباعهم، فلم يقُلْ مثلاً: فأبوا أن يطعموهما، بل قال: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا ..} [الكهف: 77]وفرْق بين الإطعام والضيافة، أَبَوْا الإطعام يعني منعوهما الطعام، لكن أَبَوْا أن يُضيّفوهما، يعني كل ما يمكن أنْ يُقدَّم للضيف حتى مجرد الإيواء والاستقبال، وهذا مُنْتَهى ما يمكن تصوُّره من لُؤمْ هؤلاء الناس. وتلحظ أيضاً تكرار كلمة {أَهْلَ} فلما قال: {أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} [الكهف: 77] فكان المقام للضمير فيقول: استطعموهم، لكنه قال: {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا ..} [الكهف: 77] لأنهم حين دخلوا القرية: هل قابلوا كل أهلها، أم قابلوا بعضهم الذين واجهوهم أثناء الدخول؟ بالطبع قابلوا بعضهم، أما الاستطعام فكان لأهل القرية جميعاً، كأنهما مرّا على كل بيت في القرية وسألا أهلها جميعاً واحداً تلو الآخر دون جدوى، كأنهم مجمعون على البُخْل ولُؤْم الطباع. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ..} [الكهف: 77]. أي: لم يلبثا بين هؤلاء اللئام حتى وَجَدا جداراً يريد أنْ ينقضّ، ونحن نعرف أن الإرادة لا تكون إلا للمفكر العاقل، فإنْ جاءت لغير العاقل فهي بمعنى: قَرُب. أي: جداراً قارب أنْ ينهار، لما نرى فيه من علامات كالتصدُّع والشُّروخ مثلاً. وهذا الفهم يتناسب مع أصحاب التفكير السطحي وضَيِّقي الأفق، أما أصحاب الأفق الواسع الذين يعطون للعقل دوره في التفكير والنظر ويُدققون في المسائل فلا مانع لديهم أنْ يكونَ للجدار إرادة على أساس أن لكل شيء في الكون حياةً تناسبه، ولله تعالى أن يخاطبه ويكون بينهما كلام. ألم يَقُل الحق سبحانه: {أية : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [الدخان: 29]. فإذا كانت السماء تبكي فقد تعدَّتْ مجرد الكلام، وأصبح لها أحاسيس ومشاعر، ولديها عواطف قد تسمو على عواطف البشر، فقوله: {أية : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ ..}تفسير : [الدخان: 29] دليل على أنها تبكي على فَقْد الصالحين. وقد سُئِل الإمام علي - رضي الله عنه - عن هذه المسألة فقال: "نعم، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضع في الأرض، أما موضعه في الأرض فموضع مُصلاَّه، أما موضعه في السماء فهو مصعد عمله". وهذا دليل انسجام العبد المؤمن مع الكَوْن من حوله، فالكون ساجد لله مُسبِّح لله طائع لله يحب الطائعين وينبُو بالعاصين ويكرههم ويلعنهم؛ لذلك العرب تقول: (نَبَا به المكان) أي: كرهه لأنه غير منسجم معه، فالمكان طائع وهو عاصٍ، والمكان مُسبِّح وهو غافل. وعلى هذا الفهم فقوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ..} [الكهف: 77] قول على حقيقته. إذن: فهذه المخلوقات لها إحساس ولها بكاء، وتحزن لفقد الأحبة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث ". تفسير : ورُوِي في السيرة حنين الجذع إلى رسول الله، وتسبيح الحصى في يده صلى الله عليه وسلم. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة فقلنا: لا ينبغي أن نقول: سَبَّح الحصى في يد رسول الله؛ لأن الحصى يُسبِّح أيضاً في يد أبي جهل، لكن نقول: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح الحصى في يديه. ولا غرابة أن يعطينا القرآن أمثلة لكلام هذه الأشياء، فقد رأينا العلماء في العصر الحديث يبحثون في لغة للأسماك، ولغة للطير، ولغة للوطاويط التي أخذوا منها فكرة الرادار، بل وتوصلوا إلى أن الحيوان يستشعر بوقوع الزلزال وخاصة الحمار، وأنها تفرّ من المكان قبل وقوع الزلزال مباشرة. إذن: فلهم وسائل إدراك، ولهم لغة يتفاهمون بها، ولهم منطق يعبرون به. ثم يقول الحق سبحانه عن فِعْل الخضر مع الجدار الذي قارب أن ينقض {فَأَقَامَهُ ..} [الكهف: 77] أي: أصلحه ورمَّمه {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ..} [الكهف: 77]. هذا قول موسى - عليه السلام - لما رأى لُؤْمَ القوم وخِسّتهم، فقد طلبنا منهم الطعام فلم يُطْعمونا، بل لم يقدموا لنا مجرد المأوى، فكيف نعمل لهم مثل هذا العمل دون أجرة؟ وجاء هذا القول من موسى - عليه السلام - لأنه لا يعلم الحكمة من وراء هذا العمل. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} معناه أَن يُنزلُوهما مَنزِلَ الأَضيافِ. تفسير : وقوله تعالى: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} معناهُ أَن يَسقُطَ قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السَّلامُ: ولَيسَ للجِدارِ إِرادةٌ، وإِنَّما هو حَائطٌ مواتٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):