١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } له الخضر {هَٰذَا فِرَاقُ } أي وقت فراق {بَيْنِى وَبَيْنَكَ } فيه إضافة «بين» إلى غير متعدد سوغها تكريره بالعطف بالواو {سَأُنَبِّئُكَ } قبل فراقي لك {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {هَذَا} الذي قتله {فِرَاقُ}، أو هذا الوقت فراق، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " حديث : رحم الله موسى لو صبر لاقتبس عنه ألف باب ".
النسفي
تفسير : {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } هذا إشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض سبب الفراق، والأصل هذا فراق بيني وبينك، وقد قرىء به فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به {سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ } قيل: كانت لعشرة أخوة خمسة منهم زمنى وخمسة يعلمون في البحر {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } أجعلها ذات عيب {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } أمامهم أو خلفهم وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم خبره فأعلم الله به الخضر وهو جلندي {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } أي يأخذ كل سفينة صالحة لا عيب فيها غصباً وإن كانت معيبة تركها، وهو مصدر أو مفعول له. فإن قلت: قوله: {فأردت أن أعيبها} مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب. قلت: المراد به التأخير وإنما قدم للعناية. {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ } وكان اسمه الحسين {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين طغياناً عليهما وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه ويلحق بهما شراً وبلاء، أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه وهو من كلام الخضر. وإنما خشي الخضر منه ذلك لأنه تعالى أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمره وإن كان من قول الله تعالى، فمعنى {فخشينا} فعلمنا إن عاش أن يصير سبباً لكفر والديه {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا } {يبَدِّلهما ربهما} مدني وأبو عمرو{خَيْراً مّنْهُ زَكَـوٰةً } طهارة ونقاء من الذنوب {وَأَقْرَبَ رُحْماً } رحمة وعطفا، و{زكاة} و{رحما} تمييز. روي أنه ولدت لهما جارية تزوجها نبي فولدت نبياً أو سبعين نبياً أو أبدلهما ابناً مؤمناً مثلهما شامي وهما لغتان {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ } أصرم وصريم {يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ } هي القرية المذكورة {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } أي لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله. أو مال مدفون من ذهب وفضة أو صحف فيها علم والأول أظهر. وعن قتادة: أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا، وحرمت الغنيمة عليها وأحلت لنا. {وَكَانَ أَبُوهُمَا } قيل: جدهما السابع {صَـٰلِحاً } ممن يصحبني. وعن الحسين بن علي رضي الله عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما. قال: فأبي وجدي خير منه {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي الحلم {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً } مفعول له أو مصدر منصوب بـ {أراد ربك} لأنه في معنى رحمهما {مّن رَّبّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ } وما فعلت ما رأيت {عَنْ أَمْرِى } عن اجتهادي وإنما فعلته بأمر الله والهاء تعود إلى الكل أو إلى الجدار {ذٰلِكَ } أي الأجوبة الثلاثة {تَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً } حذف التاء تخفيفاً. وقد زل أقدام أقوام من الضلال في تفضيل الولي على النبي وهو كفر جلي حيث قالوا: أمر موسى بالتعلم من الخضر وهو وليّ. والجواب أن الخضر نبي وإن لم يكن كما زعم البعض، فهذا ابتلاء في حق موسى عليه السلام على أن أهل الكتاب يقولون: إن موسى هذا ليس موسى بن عمران إنما هو موسى بن مانان، ومن المحال أن يكون الوليّ وليًّا إلا بإيمانه بالنبي ثم يكون النبي دون الوليّ، ولا غضاضة في طلب موسى العلم لأن الزيادة في العلم مطلوبة. وإنما ذكر أولاً {فأردت} لأنه إفساد في الظاهر وهو فعله، وثالثاً {فأراد ربك} لأنه إنعام محض وغير مقدور البشر، وثانياً {فأردنا} لأنه إفساد من حيث الفعل إنعام من حيث التبديل. وقال الزجاج: معنى فأردنا فأراد الله عز وجل ومثله في القرآن كثير. {وَيَسْـئَلُونَكَ } أي اليهود على جهة الإمتحان، أو أبو جهل وأشياعه {عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ } هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين وسليمان، وكافران: نمرود وبختنصر وكان بعد نمرود. وقيل: كان عبداً صالحاً ملّكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل: نبياً. وقيل: ملكاً من الملائكة. وعن عليّ رضي الله عنه أنه قال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله، فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله أراد نفسه. قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وقال عليه السلام: «حديث : سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا»تفسير : يعني جانبيها شرقها وغربها. وقيل: كان له قرنان أي ضفيرتان، أو انقرض في وقته قرنان من الناس، أو لأنه ملك الروم وفارس أو الترك والروم، أو كان لتاجه قرنان أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو كان كريم الطرفين أبا وأما وكان من الروم {قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ } من ذي القرنين {ذِكْراً}.
الخازن
تفسير : {قال} يعني الخضر {هذا فراق بيني وبينك} يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل إن هذا الإنكار على ترك أخذ الأجر هو المفرق بيننا {سأنبئك} أي سوف أخبرك {بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} وقيل إن موسى أخذ بثوب الخضر وقال أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال الخضر {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} قيل كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر، أي يؤجرونها ويكتسبون بها، وفي دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئاً لا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه بكفايته، وإن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين، لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة {فأردت أن أعيبها} أي أجعلها ذات عيب {وكان وراءهم ملك} أي أمامهم وقيل خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح. {يأخذ كل سفينة غصباً} أي كل سفينة صالحة فخرقتها وعبتها حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي والأزدي وكان كافراً وقيل اسمه هدد بن بدد، روي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وقال أردت إذا هي تمر به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها وانتفعوا بها. قوله عز وجل {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا} أي خفنا والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه، وقيل معناه فعلمنا {أن يرهقهما} أي يغشيهما وقيل يكلفهما {طغياناً وكفراً} قيل معناه فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما} الإبدال رفع الشيء ووضع أخر مكانه {خيراً منه زكاة} أي صلاحاً وتقوى، وقيل هو في مقابلة قوله تعالى {أية : أقتلت نفساً زكية}تفسير : [الكهف: 74] فقال الخضر أردنا أن يرزقهما الله خيراً منه زكاة {وأقرب رحماً} أي ويكون المبدل منه أقرب عطفاً ورحمة لأبويه، بأن يبرهما ويشفق عليهما قيل أبدلهما جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله على يديه أمة من الأمم وقيل ولدت سبعين نبياً، وقيل أبدلهما بغلام مسلم وقيل إن الغلام الذي قتل فرح به أبواه حين ولد وحزن عليه حين قتل ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض العبد بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. قوله سبحانه وتعالى {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة} قيل كان اسمهما أصرم وصريم {وكان تحته كنز لهما} روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان الكنز ذهباً وفضة"تفسير : أخرجه الترمذي. وقيل كان الكنز صحفاً فيهم علم. وقال ابن عباس: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجباً لمن أيقن بالقدر كيف يغضب، عجباً لمن أيقن بالرزق كيف يتعب عجباً لمن أيقن بالحساب كيف يغفل عجباً لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي الجانب الآخر مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه, والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. وقيل الكنز إذا أطلق يراد به المال ومع التقييد يراد به غيره، يقال عند فلان كنز علم وكان هذا اللوح جامعاً لهما {وكان أبوهما صالحاً} قيل إن إسمه كاشح وكان من الأتقياء، وقال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، وقيل كان بينهما وبين الأب الصالح سبع آباء، قال محمد بن المنكدر: إن الله سبحانه وتعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم وقال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} أي يدركا ويعقلا قوتهما, وهو البلوغ وقيل ثمان عشرة سنة. فإن قلت كيف قال في الأولى فأردت وفي الثانية فأردنا وفي الثالثة فأراد ربك وما وجه كل واحدة في هذه الألفاظ. قلت إنه لما ذكر العيب أضافة إلى نفسه على سبيل الأدب مع الله تعالى، فقال فأردت أن أعيبها ولما قتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهاً على أنه من العلماء العظماء في علم الباطن وعلوم الحكمة، وأنه لم يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، ولما ذكر عليه المصالح في مال اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله سبحانه وتعالى لأن حفظ الأبناء وصلاح أحوالهم لرعاية حق الآباء ليس إلا لله سبحانه وتعالى، فلأجل ذلك أضافه إلى الله تعالى {ويستخرجا كنزهما} يعني إذا بلغا وعقلا وقويا {رحمة من ربك} أي نعمة من ربك {وما فعلته عن أمري} أي باختياري ورأيي بل فعلته بأمر والله وإلهامه إياي لأن تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أصولهم، لايكون إلا بالنص وأمر الله تعالى. واستدل بعضهم بقوله سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري على أنه الخضر كان نبياً لأن هذا يدل على الوحي وذلك للأنبياء، والصحيح أنه ولي الله وليس بنبي، وأجيب عن قوله سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري إنه إلهام من الله سبحانه وتعالى له بذلك، وهذه درجة الأولياء. وقيل معناه إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن تظهر رحمة الله لأنهما بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى. {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً} أي لم تطق أن تصبر عليه. روي أن موسى عليه السلام لما أراد أن يفارق الخضر قال: أوصني قال: لا تطلب العلم لتحدث به واطلب العلم لتعمل به. واختلف العلماء في أن الخضر حي أم ميت فقيل إنه حي وهو قول الأكثرين من العلماء وهو متفق عليه عند مشايخ الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة والحكايات في رؤيته والاجتماع به، ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاواه: هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة. هذا آخر كلامه، وقيل إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم وكان السبب في حياة الخضر فيما حكي أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذو القرنين دخل الظلمة لطلب عن الحياة، وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فاغتسل وشرب منها وصلى شكراً لله تعالى وأخطأ ذو القرنين الطريق، فرجع وذهب أخرون إلى أنه ميت لقوله سبحانه وتعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة "حديث : أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ولو كان الخضر حياً لكان لا يعيش بعده ".
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} أي الخَضِر عليه الصلاة والسلام: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} على إضافة المصدرِ إلى الظرف اتساعاً وقد قرىء على الأصل، والمشارُ إليه إما نفسُ الفِراق كما في هذا أخوك، أو الوقتُ الحاضرُ أي هذا الوقتُ وقتُ فراق بـيني وبـينِك، أو السؤالُ الثالث، أي هذا سببُ ذلك الفراقِ حسبما هو الموعودُ {سَأُنَبّئُكَ} السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} التأويلُ رجْعُ الشيءِ إلى مآله والمرادُ به هٰهنا المآلُ والعاقبةُ إذ هو المنبَّأُ به دون التأويل وهو خلاصُ السفينة من اليد العادِيَة، وخلاصُ أبوَي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسنِ واستخراجُ اليتيمين للكنز، وفي جعل صلةِ الموصول عدمَ استطاعةِ موسى عليه الصلاة والسلام للصبر دون أن يقال: بتأويل ما فعلتُ أو بتأويل ما رأيتَ ونحوِهما نوعُ تعريضٍ به عليه الصلاة والسلام وعتاب. {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ} التي خرقتُها {فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ} لضعفاءَ لا يقدرون على مدافعة الظَّلَمة، وقيل: كانت لعشرة إخوةٍ خمسةٌ زَمْنىٰ وخمسة {يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ} وإسنادُ العمل إلى الكل حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عملَ الوكلاءِ عمل الموكِّلين {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي أجعلها ذاتَ عيب {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ} أي أمامَهم وقد قرىء به أو خلفَهم وكان رجوعُهم عليه لا محالة واسمه جَلَندَي بنُ كركر، وقيل: منولة بن جلندي الأزْدي {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أي صالحةٍ وقد قرىء كذلك {غَصْباً} من أصحابها وانتصابُه على أنه مصدرٌ مبـينٌ لنوع الأخذ، ولعل تفريعَ إرادةِ تعيـيب السفينةِ على مسكنة أصحابِها قبل بـيان خوفِ الغصْب مع أن مدارَها كلا الأمرين، للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجةُ إلى التأويل، وللإيذان بأن الأقوى في المدارية هو الأمرُ الأولُ ولذلك لا يبالي بتخليص سفنِ سائرِ الناس مع تحقق خوفِ الغصبِ في حقهم أيضاً، ولأن في التأخير فصلاً بـين السفينة وضميرِها مع توهم رجوعِه إلى الأقرب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الآية: 78]. قال النصرآباذى: لما علم الخضر بانتهاء علمه وبلوغ موسى إلى منتهى التأديب قال: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} لئلا يسأل موسى بعده عن علم أو حالٍ فيفتضح قوله تعالى: {فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا} [الآية: 77]. قال الواسطى رحمه الله: الخضر شاهد أنوار الملك وموسى شاهد الوسائط، وكان الخضر أخبر موسى أن السؤال من الناس هو السؤال من الله فلا تغضب عند المنع، فإن المانع والمعطى واحد فلا تشهد الأسباب واشهد المسبب تسترح من هواجس النفس.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الخضر {هذا فراق بينى وبينك} اى هذا الوقت وقت الفراق بيننا وهذا الاعتراض الثالث سبب الفراق الموعود بقوله فلا تصاحبنى واضافة الفراق الى البين اضافة المصدر الى الظرف اتساعا {سانبئك} ساخبرك السين للتأكيد لعدم تراخى التنبئة {بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} التأويل رجع الشئ الى مآله والمراد به ههنا الملآل والعاقبة اذ هو المنبأ به دون التأويل وهو خلاص السفينة من اليد العادية وخلاص ابوى الغلام من شره مع الفوز بالبدل الاحسن واستخراج اليتيمين للكنز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : وددنا ان موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما"تفسير : اى يبين الله لنا بالوحى. وفى التأويلات النجمية ومن آداب الشيخ انه لو ابتلى المريد بنوع من الاعتراض او ما يوجب الفرقة يعفو عنه مرة او مرتين ويصفح ولا يفارقه فان عاد الى الثالثة فلا يصاحبه لانه قد بلغ من لدنه عذرا ويقول كما قال الخضر هذا فراق بينى وبينك. ومنها انه لو آل امر الصحبة الى المفارقة بالاختيار او بالاضطرار فلا يفارقه الا على النصحية فينبئه عن سر ما كان عليه الاعتراض ويخبره عن حكمته التى لم يحط بها خبرا ويبين له تأويل ما لم يستطع عليه صبرا لئلا يبقى معه انكار فلا يفلح اذا ابدا انتهى. يقول الفقير وهو المراد بقول بعض الكبار من قال لاستاذه لم لم يفلح. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك من المحنثين وسرق فقطعت يده هذا لما نكث العهد فاين هو ممن وفى بيعته مثل تلميذ ابى سليمان الدارانى قدس سره قيل له الق نفسك فى التنور فالقى نفسه فيه فعاد عليه بردا وسلاما وهذه نتيجة الوفاء: وفى المثنوى شعر : جرعه بر خاك وفا آنكس كه ريخنت كى تواند صيد دولت زو كربخت تفسير : جعلنا الله واياكم من المتحققين بحقائق المواثيق والعهود.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هذا}، الإشارة إما إلى نفس الفراق، كقولك: هذا أخوك، أو إلى الوقت الحاضر، أي: هذا وقت الفراق. أو إلى السؤال الثالث. و {بيني}: ظرف مضاف إليه المصدر؛ مجازًا، وقرئ بالنصب، على الأصل، و {غَصْبًا}: مصدر نوعي ليأخذ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} الخضر عليه السلام: {هذا فراقُ بيني وبينك} فلا تصحبني بعد هذا، {سأنبئُك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} أي: سأخبرك بالخبر الباطن، فيما لم تستطع عليه صبرًا؛ لكونه منكرًا في الظاهر، فالتأويل: رجوع الشيء إلى مآله، والمراد هنا: المآل والعاقبة، وهو خلاص السفينة من اليد العادية، وخلاص أَبَوَيْ الغلام من شره، مع الفوز بالبدل الأحسن، واستخراج اليتيمين للكنز، وفي جعل صلة الموصول عدم استطاعته، ولم يقل: "بتأويل ما رأيت"؛ نوعُ تعريضٍ به، وعناية عليه السلام. ثم جعل يفسر له، فقال: {أما السفينة} التي خرقتُها، {فكانت لمساكين}: ضُعفاء، لا يقدرون على مدافعة الظلمة، فسماهم مساكين؛ لذلهم وضعفهم، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وأمتْنِي مِسْكِينًا، واحْشُرْنِي في زُمرةِ المَسَاكِينِ"تفسير : . فلم يُرد مسكنة الفقر، وإنما أراد التواضع والخضوع، أي: احشرني مخبتًا متواضعًا، غير جبار ولا متكبر، وقيل: كانت السفينة لعشرة إخوة: خمسة زَمْنَى، وخمسة {يعملون في البحر}. وإسناد العمل إلى الكل، حينئذ، بطريق التغليب، ولأن عمل الوكيل بمنزلة الموكل. {فأردت أن أعيبها}: أجعلها ذات عيب، {وكان ورائهم ملكٌ} أي: أمامهم، وقرئ به، أو خلفهم، وكان رجوعهم عليه لا محالة، وكان اسمه: "جلندي بن كركر" وقيل: "هُدَدُ بن بُدَد"، قال ابن عطية: وهذا كله غير ثابت، يعني: تسمية الملك. {يأخذُ كلَّ سفينة} صالحة، وقرئ به، {غَصْبًا} من أصحابها. وكان حق النظم أن يتأخر بيانُ إرادةِ التعيُّبِ عن خوف الغصب، فيقول: فكانت لمساكين، وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة، فأردت أن أعيبها؛ لأن إرادة التعيب مُسَبَّبٌ عن خوف الغصب، وإنما قدّم؛ للاعتناء بشأنها؛ إذ هي المحتاجة إلى التأويل، ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرها، مع توهم رجوعه إلى الأقرب قال البيضاوي: ومبني ذلك - أي: التعيب وخوف الغصب - على أنه متى تعارض ضرران يجب حمل أهونهما بدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. هـ. {وأما الغلامُ} الذي قتلتُه {فكان أبواه مؤمنين} وقد طُبع هو كافرًا، وإنما لم يصرح بكفره؛ لعدم الحاجة إليه؛ لظهوره من قوله: {فخشينا أن يُرهقهما}: فخفنا أن يغشى الوالدَيْنِ المؤمنَيْنِ {طغيانًا} عليهما {وكفرًا} بنعمتهما؛ لعقوقه وسوء صنيعه، فَيُلْحِقُهُمَا شرًا، أو لشدة محبتهما له فيحملهما على طاعته، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، فلعله يميلهما إلى رأيه فيرتدا. وإنما خشي الخضر عليه السلام منه ذلك؛ لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على عاقبة أمره، وقرئ: "فخاف ربك"، أي: كره سبحانه كراهية من خاف سوء عاقبة الأمر. ويجوز أن تكون القراءة المشهورة من قول الله سبحانه على الحكاية، أي فكرهنا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا؛ {فأردنا أن يُبدلهما ربُّهما خيرًا منه}؛ بأن يرزقهما بدله ولدًا {خيرًا منه زكاةً}: طهارة من الذنوب والأخلاق الردية، {وأقربَ رُحْمًا} أي: رحمة وعطفًا، وفي التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى؛ من الدلالة على وصول الخير إليهما، فلذلك قيل: ولدت لهما جارية، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت نبيًا، هدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيًا، وقيل: أبدلهما ابنًا مؤمنًا مثلهما. {وأما الجدارُ} الذي أقمتُ {فكان لغلامين يتيمين في المدينة} أي: القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة؛ لإظهار نوع اعتداد بها، باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح، قيل: اسم اليتيمين أصرم وصريم. {وكان تحته كنزٌ لهما} من فضة وذهب، كما في الحديث، والذم على كنزهما إنما هو لمن لم يؤد زكاته، مع أن هذه شريعة أخرى. قال ابن عباس: (كان لوحًا من ذهب، مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب؟ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله). وقيل: كانت صحفًا فيها علم مدفون. {وكان أبوهما صالحًا}، فيه تنبيه على أن سَعْيَهُ في ذلك كان لصلاح أبيهما، وفيه دليل على أن الله تعالى يحفظ أولياءه في ذريتهم، قيل: كان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة أجداد. قال محمد بن المنكدر: (إن الله تعالى ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، ومَسربته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فلا يزالون في حفظ الله وستره). وكان سعيد بن المسيب يقول لولده: إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أُحْفَظَ فيك، ويتلو هذه الآية. وفي الحديث: "حديث : ما أحسن أحدٌ الخلافة في ماله إلا أحسن الله الخلافة في تركته"تفسير : . ويؤخذ من الآية: القيام بحق أولاد الصالحين؛ إذ قام الخضر عليه السلام بذلك. {فأراد ربك} أي: مالكك ومُدبر أمرك. وفي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه السلام، دون ضميرهما، تنبيه له عليه السلام على تحتم كمال الانقياد، والاستسلام لإرادته سبحانه، وَوُجوب الاحتراز عن المناقشة فيما برز من القدرة في الأمور المذكورة وغيرها. أراد {أن يبلغا أشُدَّهما}: حُلُمَهُمَا وكمالَ رأيِهِمَا، {ويستخرجا كنزهما} من تحت الجدار، ولولا أني أقمته لانقض، وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته، وضاع بالكلية؛ {رحمةً من ربك} مصدر في موضع الحال، أي: يستخرجا كنزهما مَرْحُومَيْنِ به من الله تعالى. أو: يتعلق بمضمر، أي: فعلت ما فعلت من الأمور التي شاهدتها، {رحمة من ربك}؛ بمن فُعل له أو به. وقد استعمل الخضر عليه السلام غاية الأدب في هذه المخاطبة؛ فنسب ما كان عيبًا لنفسه، وما كان ممتزجًا له ولله تعالى؛ فإن القتل بلا سبب ظاهرهُ عيبٌ، وإبداله بخير منه خير، فأتى بضمير المشاركة، وما كان كمالاً محضًا، وهو إقامة الجدار، نسبه لله تعالى. ثم قال: {وما فعلته} أي: ما رَأَيْتَ من الخوارق {عن أمري} أي: عن رأيي واجتهادي، بل بوحي إلهي مَلَكي، أو إلهامي، على اختلافٍ في نبوته أو ولايته، {ذلك} أي: ما تقدم ذكره من التأويلات، {تأويلُ} أي: مآل وعاقبة {ما لم تَسْطِع عليه صبرًا} أي: تفسير ما لم تستطع عليه صبرًا، فحذف التاء؛ تخفيفًا، وهو فذلكة لِمَا تقدم، وفي جعل الصلة غير ما مرَّ تكرير للتنكير عليه وتشديد للعتاب. قيل: كل ما أنكر سيدنا موسى عليه السلام على الخضر قد جرى له مثله، ففي هذه الأمثلة حجة عليه، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة، نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت مطروح في اليم؟ فلما أنكر قتل الغلام وقيل له: أين إنكارك من وكْزك القبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار، نودي: أين هذا من رفعك الحجر لبنات شعيب دون أجر؟ والله تعالى أعلم. رُوِيَ أنه قال له: لو صبرتَ لأتيتُ بك على ألفي عجيبة، كلها مما رأيت. ولما أراد موسى عليه السلام أن يفارقه، قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به. هـ. وفي رواية: قال له: اجعل همتك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن الخوفَ، ولا تيأس الأمْن، وتدبر الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك. فقال له: زدني يا ولي الله، فقال: يا موسى إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك، من غير عَجَب، ولا تُعير أحدًا بخطيئة بعد الندم، وابك على خطيئَتك يا ابن عمران، وإياك والإعجاب بنفسك، والتفريط فيما بقي من عمرك، فقال له موسى: قد أبلغت في الوصية، أتم الله عليك نعمته، وغمرك في رحمته، وكلأك من عدوه. فقال الخضر: آمين. فأوصني أنت يا نبي الله، فقال له موسى: إياك والغضب إلا في الله، ولا ترضى عن أحد إلا في الله، ولا تحب لدنيا ولا تبغض لدنيا، فإنك تخرج من الإيمان وتدخل في الكفر، فقال له الخضر: قد أبلغت في الوصية يا ابن عمران، أعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، قال موسى: آمين. تنبيه: قد تقدم أن الجمهور على حياة الخضر عليه السلام. وسبب تعميره أنه كان على مقدمة ذي القرنين، فلما دخل الظلمات أصاب الخضر عين الحياة، فنزل فاغتسل منها، وشرب من مائها، فأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد، فلم يصادفها، قالوا: وإلياس أيضًا في الحياة، يلتقيان في كل سنة بالموسم، واحتج من قال بموت الخضر بقوله - عليه الصلاة والسلام-، كما في الصحيح، بعد صلاة العشاء: "حديث : أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّه عَلَى رأسِ مِائَةِ سَنَةِ، لا يَبْقَى ممَنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدًا"تفسير : ، ويجاب بأن الخضر عليه السلام كان في ذلك الوقت في السحاب، أو يخصص الحديث به؛ كما يخص بإبليس ومن عَمَّر من غيره. والله تعالى أعلم. الإشارة: الاعتراض على المشايخ موجب للبُعد عنهم، والبُعد عنهم موجب للبُعد عن الله، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام؛ "سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه"؛ كما في الحِكَم. فالواجب على المريد، إذا كان بين يدي الشيخ، السكوت والتسليم والاحترام والتعظيم، إلا أن يأمره بالكلام، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت، فإذا رأى منه شيئًا يخالف ظاهر الشريعة فليسلم له، ويطلب تأويله، فإن الشريعة واسعة، لها ظاهر وباطن، فلعله اطلع على ما لم يفهمه المريد. وكذلك الفُقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرّمًا مجمعًا على تحريمه، ولا تأويل فيه، كالزنا بالمعينة أو اللواط، وأما ما اختلف فيه، ولو خارج المذهب، فلا ينكر عليه، وكذلك ما فيه تأويل. هذا إن صحت عدالته، فقد قالوا: إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل. وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه، فلما ذبحوه تبين أنه كان صدقة عليه، وكذلك غيره من أرباب الأحوال، يُلتمس لهم أحسن المخارج، فإن أحوالهم خضرية، وما رأينا أحدًا أولع بالإنكار فأفلح أبدًا. وبالله التوفيق. ثم ذكر قصة ذي القرنين الذي وقع السؤال عنه مع الروح
الطوسي
تفسير : قرأ اهل المدينة وابو عمرو {أن يبدلهما} - بفتح الياء وتشديد الدال - هنا - وفى التحريم {أن يبدله} وفي نون {أن يبدلنا} بالتشديد فيهن. الباقون بالتخفيف. فاما التي في سورة النور {وليبدلنهم} فخففها ابن كثير وابو بكر ويعقوب. وشدده الباقون. وقرأ ابن عامر وابو جعفر ويعقوب {رحماً} بضم الحاء. الباقون باسكانها. وروى العبسي {ما لم تسطع} بتشديد الطاء. الباقون بتخفيفها. قال ابو علي (بدل، وابدل) متقاربان مثل (نزل، وانزل) إلا ان (بدل) ينبغي ان يكون أرجح، لقوله تعالى {أية : لا تبديل لكلمات الله} تفسير : ولم يجئ الابدال كما جاء التبديل، ولم يجئ الابدال في موضع من القرآن، وقد جاء {أية : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} تفسير : فهذا قد يكون بمعنى الابدال كما ان قوله الشاعر: شعر : فلم يستجبه عنك ذاك مجيب تفسير : بمعنى فلم يجبه. وقال قوم: ابدلت الشيء من الشيء إذا ازلت الأول وجعلت الثاني مكانه. كقول ابي النجم: شعر : عزل الامير للأمير المبدل تفسير : وبدلت الشيء من الشيء إذا غيرت حاله وعينه. والاصل باق، كقولهم بدلت قميصي جبة، واستدلوا بقوله {أية : كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها} تفسير : فالجلد الثاني هو الاول، ولو كان غيره لم يجز عقابه. واما (رحم ورحم) فلغتان مثل العمر والعمر، والرعب والرعب. وحكي لغة ثالثة - بفتح الراء واسكان الحاء - كما يقال: اطال الله عمرك وعمرك. والمعنى واقرب رحمة وعطفاً، وقربى وقرابة قال الشاعر: شعر : ولم تعوج رحم من تعوجاً تفسير : وقال آخر: شعر : يا منزل الرحم على ادريس تفسير : حكى الله تعالى عن صاحب موسى انه قال له {هذا فراق بيني وبينك} ومعناه هذا وقت فراق اتصال ما بيني وبينك، فكرر (بين) تأكيداً، كما يقال: أخزى الله الكاذب مني ومنك أي أخزى الله الكاذب منا. وقيل في {هذا} انها اشارة الى احد شيئين: احدهما - هذا الذى قلته فراق بيني وبينك. والثاني - هذا الوقت فراق بيني وبينك. ثم قال له {سأنبئك} أي ساخبرك {بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} ولم يخفّ عليك رؤيته، ثم بين واحداً واحداً، فقال {أما} السبب في خرقي {السفينة} انها {كانت لمساكين} أي للفقراء الذين لا شيء لهم يكفيهم، قد اسلمتهم قلة ذات أيديهم {يعملون في البحر} أى يعملون بها في البحر ويتعيشون بها {فأردت أن أعيبها} والسبب فى ذلك انه {كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً} فقيل إن الملك كان يأخذ السفينة الصحيحة، ولا يأخذها إذا كانت معيبة. وقد قرئ فى الشواذ {يأخذ كل سفينة صحيحة غصباً} روى ذلك عن أبي، وابن مسعود. والوراء والخلف واحد، وهو نقيض جهة القدام على مقابلتها. وقال قتادة: وراءهم - ها هنا - بمعنى أمامهم. ومنه قوله {أية : من ورائهم جهنم} تفسير : و {أية : ومن ورائهم برزخ} تفسير : وذلك جائز على الاتساع، لانها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحد من الجهتين وراء الآخر قال لبيد: شعر : أليس ورائي ان تراخت منيتي لزوم العصا تحنو عليها الاصابع تفسير : وقال آخر: شعر : ايرجوا بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : وقال الفراء: يجوز ذلك في الزمان دون الأجسام، تقول: البرد والحر وراءنا ولا تقول: زيد وراءك. وقال الرماني وغيره: يجوز في الاجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر. وقرأ ابن عباس {وكان أمامهم ملك} وقال الزجاج {وراءهم} خلفهم، لانه كان رجوعهم عليه. ولم يعلموا به. ثم قال {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً} وقيل: إن قوله {فخشينا} من قول الخضر. وقيل: انه من قول الله تعالى، ومعناه علمنا. وقيل: معنى خشينا كرهنا، فبين أن الوجه فى قتله ما لأبويه من المصلحة في ثبات الدين، لانه لو بقي حياً لأرهقهما طغياناً وكفراً أى اوقعهما فيه، فيكون ذلك مفسدة، فأمر الله بقتله لذلك، كما لو أماته. وفى قراءة أبي {وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين}. ثم قال {فأردنا أن يبدلهما} يعني أن يبدل الله لأبويه خيراً من هذا الغلام {زكاة} يعنى صلاحاً وطهارة {وأقرب رحماً} أى ابرّ بوالديه من المقتول - في قول قتادة - يقال: رحمه رحمة ورحماً. وقيل: الرحم والرحم القرابة قال الشاعر: شعر : ولم يعوج رحم من تعوجا تفسير : وقال آخر: شعر : وكيف بظلم جارية ومنها اللين والرحم تفسير : وقيل معناه وأقرب أن يرحما به. ثم أخبر الخضر عن الحال الجدار الذى اقامه وأعلم انه {كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما} فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: كانت صحف من علم. وقال الحسن: كان لوحاً من ذهب مكتوب فيه الحكم. وقال قتادة وعكرمة: كان كنز مال. والكنز فى اللغة هو كل مال مذخور من ذهب وفضة وغير ذلك. وقوله {وكان أبوهما صالحاً} يعني أبا اليتيمين فأراد الله {أن يبلغا أشدهما} يعني كمالهما من الاحتلام وقوة العقل {ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} أي نعمة من ربك. ثم قال صاحب موسى: وما فعلت ذلك من قبل نفسي وأمري بل بأمر الله فعلت. ثم قال {ذلك} الذي قلته لك {تأويل ما لم تسطع عليه صبراً} وثقل عليك مشاهدته واستبشعته. وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لان مفهومه أنه تدبير من الله فى عباده لم يكن يجوز خلافه، وقد عظم الله شأنه بما يفهم منه هذا المعنى. وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون صاحب موسى الخضر، لأن خضراً كان من الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل بعد موسى. قال: ولا يجوز ايضاً أن يبقى الخضر الى وقتنا هذا، كما يقوله من لا يدري، لانه لا نبي بعد نبينا، ولانه لو كان لعرفه الناس، ولم يخف مكانه. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنا لا نعلم أولا أن خضراً كان نبياً، ولو ثبت ذلك لم يمتنع أن يبقى الى وقتنا هذا، لأن تبقيته في مقدرر الله تعالى، ولا يؤدي الى انه نبي بعد نبينا، لأن نبوته كانت ثابتة قبل نبينا. وشرعه - إن كان شرعاً خاصاً - انه منسوخ بشرع نبينا. وإن كان يدعو الى شرع موسى أو من تقدم من الانبياء، فان جميعه منسوخ بشرع نبينا (صلى الله عليه وسلم) فلا يؤدي ذلك الى ما قال. وقوله: لو كان باقياً لرؤي ولعرف غير صحيح، لانه لا يمتنع أن يكون بحيث لا يتعرف الى احد، فهم وإن شاهدوه لايعرفونه. وفى الناس من قال: إن موسى الذي صحب الخضر ليس هو موسى بن عمران وانما هو موسى بن ميشا، رجل من بني اسرائيل. والله اعلم بذلك. وروي عن جعفر بن محمد (ع) في قوله تعالى {وكان تحته كنز لهما} قال: سطران ونصف ولم يتم الثالث، وهي (عجباً للموقن بالرزق كيف يتعب وعجباً للموقن بالحساب كيف يغفل وعجباً للموقن بالموت كيف يفرح) وفى بعض الروايات زيادة على ذلك (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) وذكر أنهما حفظا، لصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح. وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة أباء، وكان سياحاً. واستشهد على أن الخشية بمعنى العلم بقوله تعالى {أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} تفسير : وقوله {أية : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً} تفسير : أي علمت. واستشهد على أنه بمعنى الكراهية بقول الشاعر: شعر : يا فقعسي لم اكلته لمه لو خافك الله عليه حرمه تفسير : قال قطرب يريد لو كره أن تأكله لحرمه عليك.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} اى الفراق الّذى كان معهوداً بينى وبينك او فراق فى بينى وبينك {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} اى بارجاعه الى امرٍ حقٍّ او بحقيقته.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} الخضر لموسى: {هذَا} أى هذا الوقت {فِرَاقُ} أى وقت فراق وهذا الاعتراض الثالث سبب فراق أو موجب فراق أو هذا الفراق الذى تضمنه قولك: {إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبنى} وهو فراق. {بَيْنِي وَبَيْنِكَ} وإضافة الفراق لبين من إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع. وقد قرأ ابن أبى عبلة بتنوين فراق وفتح بينك فيكون بينى وبينك منصوبين على الظرفية. ويجوز أن يكون بينى وبينك بمعنى وصلى ووصالك فإضافة فراق إضافة مصدر لمصدر أى فراق بينى وبينك وبينك بينى أى وصلى وصالك ووصالك وصلى فهى إضافة مصدر لفاعله أو مفعوله لأن كلا من المتفارقين مفارق للآخر أو مفارقتك بينى ومفارقتى بينك أى مفارقتك وصلى ومفارقتى وصلك فهى إضافة مصدر لمفعوله وقراءة ابن أبى عبلة تدل على الظرفية لأنه لما نون نصب إلا أن يقال: يحتمل النصب فيها المفعولية للمصدر المنون. {سَأُنَبِّئُكَ} سأخبرك {بِتَأْوِيلِ} بتفسير وهو تفسير الشئ على خلاف ظاهره. {مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} لأنه بحسب علمك الظاهرى منكر. روى أن موسى أخذ بثوب الخضر وقال: أخبرنى بمعنى ما عملت قبل أن تفارقنى فقال الخضر: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} أى صارت لهم من أبيهم بالإرث أو ثبتت لهم منه إلى الآن والكون هو الكون الذى له خبر أو الذى لا خبر له وعلى كل فقد استعمل لفظ كانت الموضوع للمضى فى الحال بقطع النظر عن كونها لهم فى المضى أيضاً. ولك أن تقول مستعملة فى المضى ويفهم منه الاستمرار لأنك إذا أثبت شيئاً لأحد مِلكا فالأصل بقاؤه على ملكه حتى يدل ذلك وفى الآية دليل على أن المسكين يجوز إطلاقه على من له شئ لا يكفيه أو يكفيه على تضييق وإقتار. وقال عكرمة: قلت لابن عباس: رأيت قوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين} والسفينة تساوى ألف دينار فقال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار ولهذا قيل: إن المسافر ومتاعه على قلة إلا ما وَقَى الله. وقيل: سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك ولزمانة خمسة منهم. وقيل: لكل علة وهم عشرة. {يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ} بين فارس والروم. قال كعب وغيره: كانت السفينة لعشرة إخوة زَمْنَى لم تكن لهم معيشة غيرها ورثوها عن أبيهم خمسة يعملون فى البحر مجذوم وأعور وأعرج وآدر وهو من انتفخت بيضتاه ومحموم لا تنقطع عنه الحمى أبداً وهو أصغرهم، وخمسة لا يعملون أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون وعلى هذا فالحكم على الكل بالعمل حكم على المجموع لا على الجميع فإن خمسة لا يعملون وناسب الحكم عليهم لاجتماعهم فى المسكينية والأب والأم أو فى الأب ولرضى الباقين بالعمل وأمرهم به. وإن قلت: أين مفعول يعملون؟ قلت: محذوف أى يعملون السفينة أى يجرونها ويسوسونها أو يعملون شأنها أو يعملون ما يؤجرون عليه وهو الحمل فيها فإن لهم الأجرة على ذلك أو لا معمول له لتضمنه معنى يحترفون. {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} بالخرق لئلا يأخذها الملك لأنه لا يأخذ السفينة المعيبة وأعيب فى تأويل مصدر مفعول لأردت أى أردت عيبها أى تصييرها كريهة غير مقبولة له والعيب يطلق بمعنى المصدر كما رأيت وبمعنى ما يكره به الشئ. {وَكَانَ} مثل كان المذكورة وقس عليهما نظائرهما. {وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} قيل: خلفهم لأن رجوعهم فى طريقهم عليه ولم يعلموا به فأعلم الله به الخضر أنه يأخذ كل سفينة غير معيبة فخرقها وأعلم أهلها بأمر ذلك الملك وقال: إذا جاوزتم فأصلحوها وانتفعوا بها. وقيل: وراءهم بمعنى قدامهم. ويحتمل أن يكون وراءهم ملك بمعنى أن عليهم بأس ملك وعبَّر عن ذلك بوراءهم لأن المغلوب المقهور يكون غالبه القاهر له وراءه يتبعه والصحيح عندهم القول الثانى أى قدامهم ملك فى ذهابهم وأما الأول فمشكل لأنهُ إن كان أمامهم فى ذهابهم فما فائدة الإخبار بأنه خلفهم فى رجوعهم وأيضاً فيأخذها حين الذهاب لا يتربض للرجوع وإن كانوا يرجعون فى طريق غير الأول فيكون خلفهم فلا يكون خلفهم إلا بعد أن كان قدامهم فيأخذها إذا كانوا مستقبليه فما فائدة الإخبار بأنهُ خلفهم؟ اللهم إلا أن يقال: يأخذها بعد الإدبار لا يأخذ فى عادته عند الإقبال وذلك الملك هو الجلندى أعنى أنه ملك عمان لأن ملك عمان يسمى الجلندى ولكن الذى حفظت قديما أن الملك المذكور فى الآية ملك من ملوك اليمن. وذكر بعض أنه جلندى بن كركر. وقيل: منوال بن جندل الأزدى. وقال ابن إسحاق: مشواه بن خليد الأزدى. وقيل: مزد بن بده. وقيل: جلهان. وقال شعيب الجمانى: هرد بن ورد. قيل: كان له ثلاث مائة وستون قصرا له فى كل قصر امرأة وهو كافر وقد افتخر به إبراهيم بن مخرمة الكندى على خالد ابن صفوان بن الأهتم بحضرة أبى العباس السفاح. حضر عنده ليلة وكان يحب السمر ومنازعة الرجال فخاضوا وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين إن أهل اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا ولم يزالوا ملوكا ورثوا الملك كابراً عن كابر وآخِراً عن أول منهم النعمان المنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من يأخذ كل سفينة غصبا وليس من شئ لهُ خطر إلا إليهم ينسب، إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف أقروه فهم العرب العاربة وغيرهم المستعربة. وقال أبو العباس: ما أظن التميمى رضى بقولك ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذن لى أمير المؤمنين فى الكلام تكلمت. قال: تكلم ولا تهب أحدا. قال: أخطأ المقتحم بغير علم ونطق بغير صواب وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنّة يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فلله المنة به علينا وعليهم فمنا النبى المصطفى والخليفة المرتضى ولنا البيت المعمور وزمزم والحطيم والمقام والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر ومنا الصِّدِّيق والفاروق وذو النورين والرضى والولى وأسد الله وسيد الشهداء وبنا عرفوا الدين وأتامهم اليقين فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه. ثم أقيل خالد عَلَى إبراهيم فقال: ألك علم بلغة قومك؟ قال: نعم. قال: فما اسم العين عندكم؟ قال: الجمجمة. قال: فما اسم السن؟ قال: الميذن. قال: فما اسم الأذن؟ قال الصنارة. قال: فما اسم الأصابع. قال: الشناتر. قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكنع. قال: فعالم أنت بكتاب الله عز وجل؟ قال: نعم. قال: فإن الله تعالى يقول: {أية : إنا أنزلناه قرآنا عربياً} تفسير : وقال تعالى: {أية : بلسان عربى مبين}.تفسير : وقال تعالى: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} تفسير : فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل ألم تر أن الله تعالى قال: {أية : والعين بالعين} تفسير : ولم يقل: والجمجمة بالجمجمة. وقال تعالى: {أية : والأذن بالأذن} تفسير : ولم يقل: والصنارة بالصنارة. وقال تعالى: {أية : يجعلون أصابعهم فى آذانهم}تفسير : ولم يقل: شناترهم فى صفاراتهم. وقال تعالى: {أية : فأكلهُ الذئب} تفسير : ولم يقل: فأكلهُ الكنع. ثم قال لإبراهيم: إنى أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن كفرت. قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم. قال: فالقرآن أنزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم. قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. قال: فالبيت لنا أو لكم؟ قال: لكم. قال فاذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم بل ما أنتم إلا سائس قرد أو دابغ جلد أو ناسج برد. قال: فضحك أبو العباس وأقر خالد وحباهما جميعا. {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أى كل سفينة غير معيبة أو كل سفينة صالحة. قال بعضهم: ولعمرى لو كان يأخذ كل سفينة ما انفلتت ولكن يأخذ خيار السفن ويدل لذلك أنهُ خرقها لتكون معيبة وقد قرأ أُبىّ وعبد الله بن عباس كل سفينة صالحة. وقرأ بعضهم كان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة فذكروا النعت المحذوف لدليل فى قراءة الجمهور {غَصْباً} من أصحابها. وإنما قدم قوله: {فأردت أن أعيبها} عن قوله: {وكان وراءهم ملك} مع إن إرادة تصييرها معيبة عن خوف الغصب وذكر المسبب يتأَخر عن ذكر السبب لأن السبب لما كان مجموع خوف الغصب وكون مالكيها مساكين رتب السبب على أقوى الخوفين وأدعاهما وهو كون مساكينها مساكين وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والفهم أو قدم للعناية به.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} الخضر عليه السلام {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} على إضافة / المصدر إلى الظرف اتساعاً، وابن الحاجب يجعل الإضافة في مثله على معنى في وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر. وقرأ ابن أبـي عبلة {فِرَاقُ بَيْنِى} بالتنوين ونصب بين على الظرفية، وأعيد بين وإن كان لا يضاف إلا لمتعدد لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، قال أبو حيان: والعدول عن بيننا لمعنى التأكيد والإشارة إلى الفراق المدلول عليه بقوله قبل: {أية : لا تُصَاحِبْنِى} تفسير : [الكهف: 76] والحمل مفيد لأن المخبر عنه الفراق باعتبار كونه في الذهن والخبر الفراق باعتبار أنه في الخارج كما قيل أو إلى الوقت الحاضر أي هذا الوقت وقت فراقنا أو إلى الاعتراض الثالث أي هذا الاعتراض سبب فراقنا حسبما طلبت، فوجه تخصيص الفراق بالثالث ظاهر. وقال العلامة الأول: إنما كان هذا سبب الفراق دون الأولين لأن ظاهرهما منكر فكان معذوراً بخلاف هذا فإنه لا ينكر الإحسان للمسىء بل يحمد. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في وجهه أن قول موسى عليه السلام في السفينة والغلام كان لله تعالى، وفي هذا لنفسه لطلب الدنيا فكان سبب الفراق، وحكى القشيري نحوه عن بعضهم. ورد ذلك في «الكشف» بأنه لا يليق بجلالتهما ولعل الخبر عن الحبر غير صحيح، ونقل في «البحر» ((عن أرباب المعاني أن هذه الأمور التي وقعت لموسى مع الخضر حجة على موسى عليه السلام وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة نودي يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت في التابوت مطروحاً في اليم؟ ولما أنكر قتل الغلام قيل له أين إنكارك هذا ووكز القبطي والقضاء عليه؟ ولما أنكر إقامة الجدار نودي أين هذا من رفعك الحجر لبنتي شعيب عليه السلام بدون أجرة؟)) ورأيت أنا في بعض الكتب أن الخضر عليه السلام قال: يا موسى اعترضت علي بخرق السفينة وأنت ألقيت ألواح التوراة فتكسرت واعترضت علي بقتل الغلام وأنت وكزت القبطي فقضيت عليه واعترضت علي بإقامة الجدار بلا أجر وأنت سقيت لبنتي شعيب أغنامهما بلا أجر فمن فعل نحو ما فعلت لن يعترض علي، والظاهر أن شيئاً من ذلك لا يصح والفرق ظاهر بين ما صدر من موسى عليه السلام وما صدر من الخضر وهو أجل من أن يحتج على صاحب التوراة بمثل ذلك كما لا يخفى. وأخرج ابن أبـي الدنيا والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن عساكر عن أبـي عبد الله وأظنه الملطي قال لما أراد الخضر أن يفارق موسى قال له: أوصني قال: كن نفاعاً ولا تكن ضراراً كن بشاشياً ولا تكن غضباناً ارجع عن اللجاجة ولا تمش من غير حاجة ولا تعير امرأ بخطيئته وابك على خطيئتك يا ابن عمران. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن عساكر عن يوسف بن أسباط قال: بلغني أن الخضر قال لموسى لما أراد أن يفارقه: يا موسى تعلم العلم لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به، وبلغني أن موسى قال للخضر: ادع لي فقال الخضر: يسر الله تعالى عليك طاعته والله تعالى أعلم بصحة ذلك أيضاً. {سَأُنَبّئُكَ} وقرأ ابن أبـي وثاب {سأنبيك} بإخلاص الياء من غير همز، والسين للتأكيد لعدم تراخي الإنباء أي أخبرك البتة {بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} والظاهر أن هذا لم يكن عن طلب من موسى عليه السلام، وقيل: إنه لما عزم الخضر على فراقه أخذ بثيابه وقال: لا أفارقك حتى تخبرني بما أباح لك فعل ما فعلت ودعاك إليه فقال: {سَأُنَبّئُكَ} والتأويل رد الشيء إلى مآله، والمراد به هنا المآل والعاقبة إذ هو المنبأ به دون التأويل بالمعنى المذكور، و(ما) عبارة عن الأفعال الصادرة من الخضر عليه السلام وهي خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، ومآلها خلاص السفينة من اليد الغاصبة وخلاص أبوي الغلام من شره مع الفوز / بالبدل الأحسن واستخراج اليتيمين للكنز، وفي جعل الموصول عدم استطاعة موسى عليه السلام للصبر دون أن يقال بتأويل ما فعلت أو بتأويل ما رأيت ونحوهما نوع تعريض به عليه السلام وعتاب، ويجوز أن يقال: إن ذلك لاستشارة مزيد توجهه وإقباله لتلقي ما يلقى إليه، و {صَبْراً} مفعول {تَسْتَطِع} و {عَّلَيْهِ} متعلق به وقدم رعاية للفاصلة.
ابن عاشور
تفسير : المشار إليه بلفظ {هٰذَا} مقدر في الذهن حاصل من اشتراط موسى على نفسه أنه إن سأله عن شيء بعد سؤاله الثاني فقد انقطعت الصحبة بينهما، أي هذا الذي حصل الآن هو فراق بيننا، كما يقال: الشرطُ أمْلَك عليك أمْ لك. وكثيراً ما يكون المشار إليه مقدراً في الذهن كقوله تعالى: { أية : تلك الدار الآخرة } تفسير : [القصص:83]. وإضافة {فراق} إلى {بيني} من إضافة الموصوف إلى الصفة. وأصله: فراقٌ بيني، أي حاصل بيننا، أو من إضافة المصدر العامل في الظرف إلى معموله، كما يضاف المصدر إلى مفعوله. وقد تقدم خروج (بين) عن الظرفية عند قوله تعالى: { أية : فلما بلغا مجمع بينِهما } تفسير : [الكهف:61]. وجملة {سأُنْبِئُك} مستأنفة استئنافاً بيانياً، تقع جواباً لسؤال يهجس في خاطر موسى - عليه السلام - عن أسباب الأفعال التي فعلها الخضر - عليه السلام - وسأله عنها موسى فإنه قد وعده أن يُحدث له ذكراً مما يفعله. والتأويل: تفسير لشيء غير واضح، وهو مشتق من الأول وهو الرجوع. شبه تحصيل المعنى على تكلف بالرجوع إلى المكان بعد السير إليه. وقد مضى في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير، وأيضاً عند قوله تعالى: { أية : وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون } تفسير : الخ.. من أول سورة آل عمران (7). وفي صلة الموصول من قوله {مَا لَمْ تَسْتطِع عليه صَبْراً} تعريض باللوم على الاستعجال وعدم الصبر إلى أن يأتيه إحداث الذكر حسبما وعده بقوله {فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً}. والمساكين: هنا بمعنى ضعَفاء المال الذين يرتزقون من جهدهم ويُرَق لهم لأنهم يكدحون دهرهم لتحصيل عيشهم. فليس المراد أنهم فقراء أشدّ الفقر كما في قوله تعالى: { أية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين } تفسير : [التوبة:60] بل المراد بتسميتهم بالفقراء أنهم يُرق لهم كما قال الحريري في المقامة الحادية والأربعين: «... مسكين ابن آدم وأيّ مسكين». وكان أصحاب السفينة هؤلاء عملة يأجرون سفينتهم للحمل أو للصيد. ومعنى: {وكَانَ وَراءَهُم ملِكٌ}: هو ملك بلادهم بالمرصاد منهم ومن أمثالهم يسخّر كل سفينة يجدها غصباً، أي بدون عوض. وكان ذلك لنقل أمور بناء أو نحوه مما يستعمله الملِك في مصالح نفسه وشهواته، كما كان الفراعنة يسخرون الناس للعمل في بناء الأهرام. ولو كان ذلك لمصلحة عامة للأمة لجاز التسخير من كلّ بحسب حاله من الاحتياج لأنّ ذلك فرض كفاية بقدر الحاجة وبعد تحققها. و {وراءَ} اسم الجهة التي خلفَ ظهر من أضيف إليه ذلك الاسم، وهو ضد أمام وقدّام. ويستعار (الوراء) لحال تعقب شيء شيئاً وحال ملازمة طلب شيء شيئاً بحق وحال الشيء الذي سيأتي قريباً، كلّ ذلك تشبيه بالكائن خلف شيء لا يلبث أن يتصل به كقوله تعالى: { أية : مِن وَرَائِهِم جَهَنَّمُ } تفسير : في [الجاثية:10]. وقال لبيد: شعر : أليس ورائي أن تراختْ منيتي لزُوم العصا تُحنى عليها الأصابع تفسير : وبعض المفسرين فسروا {وَرَاءَهُم مَّلِكٌ} بمعنى أمامهم ملك، فتوهم بعض مدوني اللغة أن (وراء) من أسماء الأضداد، وأنكره الفراء وقال: لا يجوز أن تقول للذي بين يديك هو وراءك، وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي تقول: وراءك بَرد شديد، وبين يديك بَرد شديد. يعني أنّ ذلك على المجاز. قال الزجاج: وليس من الأضداد كما زعم بعض أهل اللّغة. ومعنى {كلَّ سَفِينَةٍ} أي صالحة، بقرينة قوله {فأردت أن أعيبها}، وقد ذكروا في تعيين هذا الملك وسبب أخذه للسفن قصصاً وأقوالاً لم يثبت شيء منها بعينه، ولا يتعلّق به غرض في مقام العبرة. وجملة {فَأَرَدتُّ أنْ أعِيبَهَا} متفرعة على كل من جملتي {فَكَانت لِمَسٰكِينَ}، و {وكَانَ وَراءَهُم ملِكٌ}، فكان حقها التأخير عن كلتا الجملتين بحسب الظاهر، ولكنها قدمت خلافاً لمقتضى الظاهر لقصد الاهتمام والعناية بإرادة إعابة السفينة حيث كان عملاً ظاهره الإنكار وحقيقته الصلاح زيادة في تشويق موسى إلى علم تأويله، لأن كون السفينة لمساكين مما يزيد السامع تعجباً في الإقدام على خرقها. والمعنى: فأردت أن أعيبها وقد فعلت. وإنما لم يقل: فعبتها، ليدل على أن فعله وقع عن قصد وتأمل. وقد تطلق الإرادة على القصد أيضاً. وفي «اللسان» عزو ذلك إلى سيبويه. وتصرفُ الخضر في أمر السفينة تصرف برَعي المصلحة الخاصة عن إذن من الله بالتصرف في مصالح الضعفاء إذ كان الخضر عالماً بحال الملك، أو كان الله أعلمه بوجوده حينئذ، فتصرف الخضر قائم مقام تصرف المرء في ماله بإتلاف بعضه لسلامة الباقي، فتصرفه الظاهر إفساد وفي الواقع إصلاح لأنه من ارتكاب أخف الضرين. وهذا أمر خفي لم يطلع عليه إلاّ الخضر، فلذلك أنكره موسى. وأما تصرفه في قتل الغلام فتصرف بوحي من الله جارٍ على قطع فساد خاص علمه الله وأعلم به الخضر بالوحي، فليس من مقام التشريع، وذلك أنّ الله علم من تركيب عقل الغلام وتفكيره أنه عقل شاذ وفكر منحرف طبع عليه بأسباب معتادة من انحراف طبع وقصور إدراك، وذلك من آثار مفضية إلى تلك النفسية وصاحبها في أنه ينشأ طاغياً كافراً. وأراد الله اللّطف بأبويه بحفظ إيمانهما وسلامة العالَم من هذا الطاغي لطفاً أرادهُ الله خارقاً للعادة جارياً على مقتضى سبق علمه، ففي هذا مصلحة للدّين بحفظ أتباعه من الكفر، وهو مصلحة خاصة فيها حفظ الدين، ومصلحة عامة لأنه حقّ لله تعالى فهو كحكم قتل المرتد. والزّكاة: الطهارة، مراعاة لقول موسى {أقتلت نفساً زاكية}. والرُحْم: - بضم الراء وسكون الحاء -: نظير الكُثْر للكثرة. والخشية: توقع ذلك لو لم يتدارك بقتله. وضميرا الجماعة في قوله {فَخَشِيَنَا} وقوله {فَأَرَدْنَا} عائدان إلى المتكلم الواحد بإظهار أنه مشارك لغيره في الفعل. وهذا الاستعمال يكون من التواضع لا من التعاظم لأن المقام مقام الإعلام بأنّ الله أطلعه على ذلك وأمره فناسبه التواضع فقال: {فَخَشِينَا.. فَأَرَدْنَا}، ولم يقل مثله عندما قال {فَأَرَدتُ أنْ أعِيبَها} لأنّ سبب الإعابة إدراكه لمن له علم بحال تلك الأصقاع. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون } تفسير : في سورة يوسف (79). وقرأ الجمهور أنْ يُبَدِّلَهُمَا} ــــ بفتح الموحدة وتشديد الدال ــــ من التبديل. وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف ــــ بسكون الموحدة وتخفيف الدال ــــ من الإبدال. وأما قضية الجدار فالخضر تصرف في شأنها عن إرادة الله اللطف باليتيمين جزاء لأبيهما على صلاحه، إذ علم الله أن أباهما كان يَهمّه أمر عيشهما بعده، وكان قد أودع تحت الجدار مالاً، ولعله سأل الله أن يلهم ولديه عند بلوغ أشدهما أن يبحثا عن مدفن الكنز تحت الجدار بقصد أو بمصادفة، فلو سقط الجدار قبل بلوغهما لتناولت الأيدي مكانه بالحفر ونحوه فعثر عليه عاثر، فذلك أيضاً لطف خارق للعادة. وقد أسند الإرادة في قصة الجدار إلى الله تعالى دون القصتين السابقتين لأن العمل فيهما كان من شأنه أن يسعى إليه كل من يقف على سرّه لأن فيهما دفع فساد عن الناس بخلاف قصة الجدار فتلك كرامة من الله لأبي الغلامين. وقوله: {رحمةً من ربّك وما فعلتُهُ عن أمري} تصريح بما يزيل إنكار موسى عليه تصرفاته هذه بأنها رحمة ومصلحة فلا إنكار فيها بعد معرفة تأويلها. ثمّ زاد بأنه فعلها عن وحي من الله لأنه لما قال {وما فعلته عن أمري} علم موسى أنّ ذلك بأمر من الله تعالى لأنّ النبي إنما يتصرف عن اجتهاد أو عن وَحي، فلما نفى أن يكون فعله ذلك عن أمر نفسه تعيّن أنه عن أمر الله تعالى. وإنما أوثر نفي كون فعله عن أمر نفسه على أن يقول: وفعلته عن أمر ربّي، تكملة لكشف حيرة موسى وإنكاره، لأنه لما أنكر عليه فعلاته الثلاث كان يؤيد إنكاره بما يقتضي أنه تصرفٌ عن خطأ. وانتصب {رحْمَةً} على المفعول لأجله فينازعه كل من (أردتُ)، و(أردنَا)، و(أراد ربّك). وجملة {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً} فَذْلَكَةٌ للجمل التي قبلها ابتداء من قوله {أمَّا السَّفِينةُ فَكَانَتْ لِمَسٰكِينَ}، فالإشارة بذلك إلى المذكور في الكلام السابق وهو تلخيص للمقصود كحوصلة المدرس في آخر درسه. و {تَسْطِعْ} مضارع (اسطاع) بمعنى (استطاع). حذف تاء الاستفعال تخفيفاً لقربها من مخرج الطاء، والمخالفةُ بينه وبين قوله {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} للتفنن تجنباً لإعادة لفظ بعينه مع وجود مرادفه. وابتدىء بأشهرهما استعمالاً وجيء بالثانية بالفعل المخفف لأنّ التخفيف أولى به لأنه إذا كرر {تَسْتَطِع} يحصل من تكريره ثقل. وأكد الموصول الأول الواقع في قوله {سأُنَبِئُكَ بتأويل ما لم تستَطِعْ عليهِ صَبْراً}تأكيداً للتعريض باللوم على عدم الصبر. واعلم أن قصة موسى والخضر قد اتخذتها طوائف من أهل النحل الإسلامية أصلاً بنوا عليه قواعد موهومة. فأول ما أسسوه منها أنّ الخضر لم يكن نبيئاً وإنما كان عبداً صالحاً، وأن العِلم الذي أوتيه ليس وحياً ولكنه إلهام، وأن تصرفه الذي تصرفه في الموجودات أصل لإثبات العلوم الباطنية، وأن الخضر منحهُ الله البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعاً لتلقي العلوم الباطنية، وأنه يظهر لأهل المراتب العليا من الأولياء فيفيدهم من علمه ما هم أهل لتلقّيه. وبَنوا على ذلك أن الإلهام ضرب من ضروب الوحي، وسموه الوحي الإلهامي، وأنه يجيء على لسان ملك الإلهام، وقد فصله الشيخ محيي الدين ابن العربي في الباب الخامس والثمانين من كتابه «الفتوحات المكية»، وبيّن الفرق بينه وبين وحي الأنبياء بفروق وعلامات ذكرها منثورةً في الأبواب الثالث والسبعين، والثامن والستين بعد المائتين، والرابع والستين بعد ثلاثمائة، وجزم بأن هذا الوحي الإلهامي لا يكون مخالفاً للشريعة، وأطال في ذلك، ولا يخلو ما قاله من غموض ورموز، وقد انتصب علماء الكلام وأصول الفقه لإبطال أن يكون ما يسمى بالإلهام حجّة. وعرفوه بأنه إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر، وأبطلوا كونه حجّة لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوماً ولتفاوت مراتب الكشف عندهم. وقد تعرض لها النسفي في «عقائده»، وكل ما قاله النسفي في ذلك حق، ولا يقام التشريع على أصول موهومة لا تنضبط. والأظهر أن الخضر نبي - عليه السلام - وأنه كان موحىً إليه بما أوحي، لقوله {وما فعلته عن أمري}، وأنه قد انقضى خبره بعد تلك الأحوال التي قصّت في هذه السورة، وأنه قد لحقه الموت الذي يلحق البشر في أقصى غاية من الأجل يمكن أن تفرض، وأن يحمل ما يعْزى إليه من بعض الصوفية الموسومين بالصدق أنه محوك على نسج الرمز المعتاد لديهم، أو على غشاوة الخيال التي قد تخيم عليهم. فكونوا على حذر ممن يقول: أخبرني الخَضر.
د. أسعد حومد
تفسير : (78) - فَقَالَ الرَّجُلُ لِمُوسَى: إِنَّكَ اشْتَرَطْتَ وَقْتَ قَتْلِ الغُلاَمِ أَنْ لاَ أُصَاحِبَكَ إِنْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيءٍ دُونَ أَنْ أُحَدِّثَكَ أَنَا بِأَمْرِهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنِّي أُفَارِقُكَ، وَلَكِنَّنِي سَأًُخْبِرُكَ بِتَفْسِيرِ (تَأْوِيلِ) مَا قُمْتُ بِهِ مِنْ أَعْمَالٍ اسْتَنْكَرْتَها أَنْتَ، وَاسْتَغْرَبْتَها، وَلَمْ تَسْتَطِعْ صَبْراً عَلَيهَا. بِتَأْوِيلِ - بِمَآلِ وَعَاقِبَةِ، أَوْ تَفْسِيرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {قَالَ} أي: العبد الصالح {هَـٰذَا} أي: ما حدث منك من قولك: {أية : لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}تفسير : [الكهف: 77] وقد سبق أن اشترط موسى - عليه السلام - على نفسه إن اعترض على معلمه هذه المرة يكون الفِراقُ بينهما، وكأن العبد الصالح لم يَأْتِ بشيء من عنده، لقد قال موسى: {أية : إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي}تفسير : [الكهف: 76] وها هو يسأله، إذن: فليس إلا الفراق: {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ..} [الكهف: 78]. قوله: {هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ..} [الكهف: 78] تُعد دُستوراً من الحق - سبحانه وتعالى - ودليلاً على أن هذين المذهبين لا يلتقيان، فيظل كل منهما له طريقه: المرتاض له طريقه، وغير المرتاض له طريقه، ولا ينبغي أن يعترض أحدهما على الآخر، بل يلزم أدبه في حدود ما علَّمه الله. ثم يقول تعالى على لسان الخضر: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 78] أي: لن أتركك وفي نفسك هذه التساؤلات، حتى لا يكون في نفسك مني شيء، سوف أخبرك بحقيقة هذه الأفعال التي اعترضْتَ عليها لتعلم أن الله لم يخدعْكَ، بل أرسلك إلى مَنْ يُعلّمك شيئاً لم تكُنْ تعلمه. ثم أخذ العبد الصالح يكشف لموسى الحكمة من هذه الأفعال واحداً تِلْو الآخر، كما لو عتبَ عليك صاحبك في أمر ما، وأنت حريص على مودَّته فتقول له: أمهلني حتى أوضح لك ما حدث، لقد فعلتُ كذا من أجل كذا، لتريح قلبه وتُزيل ما التبس عليه من هذا الأمر. وقالوا: إن هذا من أدب الصُّحْبة، فلا يجوز بعد المصاحبة أنْ نفترقَ على الخلاف، ينبغي أن نفترق على وِفَاق ورضا؛ لأن الافتراق على الخلاف يُنمِّي الفجوة ويدعو للقطيعة، إذن: فقبل أنْ نفترق: المسألة كيت وكيت، فتتضح الأمور وتصفو النفوس. ثم يقول الحق سبحانه: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):