Verse. 2219 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

اَمَّا السَّفِيْنَۃُ فَكَانَتْ لِمَسٰكِيْنَ يَعْمَلُوْنَ فِي الْبَحْرِ فَاَرَدْتُّ اَنْ اَعِيْبَہَا وَكَانَ وَرَاۗءَہُمْ مَّلِكٌ يَّاْخُذُ كُلَّ سَفِيْنَۃٍ غَصْبًا۝۷۹
Amma alssafeenatu fakanat limasakeena yaAAmaloona fee albahri faaradtu an aAAeebaha wakana waraahum malikun yakhuthu kulla safeenatin ghasban

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أما السفينة فكانت لمساكين» عشرة «يعملون في البحر» بها مؤاجرة لها طلبا للكسب «فأردت أن أعيبها وكان وراءهم» إذا رجعوا أو أمامهم الآن «ملك» كافر «يأخذ كل سفينة» صالحة «غصبا» نصبه على المصدر المبين لنوع الأخذ.

79

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه المسائل الثلاثة مشتركة في شيء واحد وهو أن أحكام الأنبياء صلوات الله عليهم مبنية على الظواهر كما قال عليه السلام: « حديث : نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر » تفسير : وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر وذلك لأن الظاهر أنه يحرم التصرف في أموال الناس وفي أرواحهم في المسألة الأولى وفي الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف لأن تخريق السفينة تنقيص لملك الإنسان من غير سبب ظاهر، وقتل الغلام تفويت لنفس معصومة من غير سبب ظاهر، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل في المسألة الثالثة تحمل التعب والمشقة من غير سبب ظاهر، وفي هذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنياً عن الأسباب الظاهرة المعلومة، بل كان ذلك الحكم مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدل على أن ذلك العالم كان قد آتاه الله قوة عقلية قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور ويطلع بها على حقائق الأشياء فكانت مرتبة موسى عليه السلام في معرفة الشرائع والأحكام بناء الأمر على الظواهر وهذا العالم كانت مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائق الأمور والاطلاع على أسرارها الكامنة، فبهذا الطريق ظهر أن مرتبته في العلم كانت فوق مرتبة موسى عليه السلام. إذا عرفت هذا فنقول: المسائل الثلاثة مبنية على حرف واحد وهو أن عند تعارض الضررين يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى؛ فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة. أما المسألة الأولى: فلأن ذلك العالم علم أنه لو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها عن ملاكها بالكلية فوقع التعارض بين أن يخرقها ويعيبها فتبقى مع ذلك على ملاكها، وبين أن لا يخرقها فيغصبها الملك فتفوت منافعها بالكلية على ملاكها، ولا شك أن الضرر الأول أقل فوجب تحمله لدفع الضرر الثاني الذي هو أعظمهما. وأما المسألة الثانية: فكذلك لأن بقاء ذلك الغلام حياً كان مفسدة للوالدين في دينهم وفي دنياهم، ولعله علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسد للأبوين، فهلذا السبب أقدم على قتله. والمسألة الثالثة: أيضاً كذلك لأن المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة ذلك الجدار ضررها أقل من سقوطه لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام. وفيه ضرر شديد، فالحاصل أن ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على بواطن الأشياء وبالاطلاع على حقائقها كما هي عليها في أنفسها، وكان مخصوصاً ببناء الأحكام الحقيقية على تلك الأحوال الباطنة، وأما موسى عليه السلام فما كان كذلك بل كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور فلا جرم ظهر التفاوت بينهما في العلم، فإن قال قائل فحاصل الكلام أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها في نفسها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه، وموسى عليه السلام إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم فكان من الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكن له تعلمه، وهذه المسائل الثلاثة علوم لا يمكن تعلمها فما الفائدة في ذكرها وإظهارها. والجواب: أن العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأما العلم ببواطن الأشياء فإنما يمكن تحصيله بناء على تصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسدانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: { أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } تفسير : [الكهف: 65]، ثم إن موسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى هذا العالم ليعلم موسى عليه السلام أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على البواطن والتطلع على حقائق الأمور. المسألة الثانية: اعلم أن ذلك العالم أجاب عن المسألة الأولى بقوله: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } وفيه فوائد. الفائدة الأولى: أن تلك السفينة كانت لأقوام محتاجين متعيشين بها في البحر والله تعالى سماهم مساكين، واعلم أن الشافعي رحمه الله احتج بهذه الآية على أن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين لأنه تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة. الفائدة الثانية: أن مراد ذلك العالم من هذا الكلام أنه ما كان مقصودي من تخريق تلك السفينة تغريق أهلها بل مقصودي أن ذلك الملك الظالم كان يغصب السفن الخالية عن العيوب فجعلت هذه السفينة معيبة لئلا يغصبها ذلك الظالم فإن ضرر هذا التخريق أسهل من الضرر الحاصل من ذلك الغصب، فإن قيل وهل يجوز للأجنبي أن يتصرف في ملك الغير لمثل هذا الغرض، قلنا هذا مما يختلف أحواله بحسب اختلاف الشرائع فلعل هذا المعنى كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فمثل هذا الحكم غير بعيد، فإنا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق ويأخذون جميع ملك الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطريق بعض ذلك المال سلم الباقي فحينئذ يحسن منا أن ندفع بعض مال ذلك الإنسان إلى قاطع الطريق ليسلم الباقي وكان هذا منا يعد إحساناً إلى ذلك المالك. الفائدة الثالثة: أن ذلك التخريق وجب أن يكون واقعاً على وجه لا تبطل به تلك السفينة بالكلية إذ لو كان كذلك لم يكن الضرر الحاصل من غصبها أبلغ من الضرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً. الفائدة الرابعة: لفظ الوراء على قوله: {وَكَانَ وَرَاءهُم } فيه قولان: الأول: أن المراد منه وكان أمامهم ملك يأخذ، هكذا قاله الفراء وتفسيره قوله تعالى: { أية : مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } تفسير : [الجاثية: 10] أي أمامهم، وكذلك قوله تعالى: { أية : وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } تفسير : [الإنسان: 27] وتحقيقه أن كل ما غاب عنك فقد توارى عنك وأنت متوار عنه، فكل ما غاب عنك فهو وراءك وأمام الشيء وقدامه إذا كان غائباً عنه متوارياً عنه فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه. والقول الثاني: يحتمل أن يكون الملك كان من وراء الموضع الذي يركب منه صاحبه وكان مرجع السفينة عليه. وأما المسألة الثانية: وهي قتل الغلام فقد أجاب العالم عنها بقوله: {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ } قيل: إن ذلك الغلام كان بالغاً وكان يقطع الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع شر الناس عنه والتعصب له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق. وربما أدى ذلك الفسق إلى الكفر، وقيل: إنه كان صبياً إلا أن الله تعالى علم منه أنه لو صار بالغاً لحصلت منه هذه المفاسد، وقوله: {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } الخشية بمعنى الخوف وغلبة الظن والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنه تولد مثل هذا الفساد منه، وقوله: {أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً } فيه قولان: الأول: أن يكون المراد أن ذلك الغلام يحمل أبويه على الطغيان والكفر كقوله: { أية : وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً } تفسير : [الكهف: 73] أي لا تحملني على عسر وضيق وذلك لأن أبويه لأجل حب ذلك الولد يحتاجان إلى الذب عنه، وربما احتاجا إلى موافقته في تلك الأفعال المنكرة. والثاني: أن يكون المعنى أن ذلك الولد كان يعاشرهما معاشرة الطغاة الكفار، فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظن؟ قلنا: إذا تأكد ذلك الظن بوحي الله جاز ثم قال تعالى: {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زَكَـوٰةً } أي أردنا أن يرزقهما الله تعالى ولداً خيراً من هذا الغلام زكاة أي ديناً وصلاحاً، وقيل: إن ذكره الزكاة ههنا على مقابلة قول موسى عليه السلام: { أية : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زكية بِغَيْرِ نَفْسٍ } تفسير : [الكهف:74] فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه كما ذكرته من الزكاة، ويكون المراد من الزكاة الطهارة فكأن موسى عليه السلام قال: أقتلت نفساً طاهرة لأنها ما وصلت إلى حد البلوغ فكانت زاكية طاهرة من المعاصي فقال العالم: إن تلك النفس وإن كانت زاكية طاهرة في الحال إلا أنه تعالى علم منها أنها إذا بلغت أقدمت على الطغيان والكفر فأردنا أن يجعل لهما ولداً أعظم زكاة وطهارة منه وهو الذي يعلم الله منه أنه عند البلوغ لا يقدم على شيء من هذه المحظورات ومن قال إن ذلك الغلام كان بالغاً قال: المراد من صفة نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله ثم قال: {وَأَقْرَبَ رُحْماً } أي يكون هذا البدل أقرب عطفاً ورحمة بأبويه بأن يكون أبر بهما وأشفق عليهما والرحم الرحمة والعطف. روي أنه ولدت لهما جارية تزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة عظيمة. بقي من مباحث هذه الآية موضعان في القراءة. الأول: قرأ نافع وأبو عمرو يبدلهما بفتح الباء وتشديد الدال وكذلك في التحريم: {أَن يُبْدِلَهُ أَزْوٰجاً } وفي القلم: {عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا } والباقون ساكنة الباء خفيفة الدال وهما لغتان أبدل يبدل وبدل يبدل. الثاني: قراءة ابن عامر في إحدى الروايتين عن أبي عمرو رحماً بضم الحاء والباقون بسكونها وهما لغتان مثل نكر ونكر وشغل وشغل. وأما المسألة الثالثة: وهي إقامة الجدار فقد أجاب العالم عنها بأن الداعي له إليها أنه كان تحت ذلك الجدار كنز وكان ذلك ليتيمين في تلك المدينة وكان أبوهما صالحاً ولما كان ذلك الجدار مشرفاً على السقوط ولو سقط لضاع ذلك الكنز فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ذينك اليتيمين رعاية لحقهما ورعاية لحق صلاح أبيهما فأمرني بإقامة ذلك الجدار رعاية لهذه المصالح، وفي الآية فوائد. الفائدة الأولى: أنه تعالى سمى ذلك الموضع قرية حيث قال: {إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } وسماه أيضاً مدينة حيث قال: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ }. الفائدة الثانية: اختلفوا في هذا الكنز فقيل: إنه كان مالاً وهذا هو الصحيح لوجهين. الأول: أن المفهوم من لفظ الكنز هو المال. والثاني: أن قوله: {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا } يدل على أن ذلك الكنز هو المال وقيل إنه كان علماً بدليل أنه قال: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً } والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال إذ كنز المال لا يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [التوبة: 34] وقيل: كان لوحاً من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. الفائدة الثالثة: قوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً } يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن بن علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله مال الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه؟ قال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. وذكروا أيضاً أن ذلك الأب الصالح كان الناس يضعون الودائع إليه فيردها إليهم بالسلامة، فإن قيل: اليتيمان هل عرف أحد منهما حصول الكنز تحت ذلك الجدار أو ما عرف أحد منهما؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار. وإن كان الثاني فكيف يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز والانتفاع به؟ الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان عالماً به ثم (إن) ذلك الوصي غاب وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السقوط ولما قرر العالم هذه الجوابات قال: {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } يعني إنما فعلت هذه الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسرها ترجع إلى حرف واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما قررناه ثم قال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } يعني ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال عن أمري واجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله ووحيه لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع بقي في الآية سؤال، وهو أنه قال: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } وقال: {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ زَكَـوٰةً } وقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } كيف اختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاث وهي كلها في قصة واحدة وفعل واحد؟ والجواب: أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه فقال: أردت أن أعيبها ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله تعالى، لأن المتكفل بمصالح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا الله سبحانه وتعالى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} استدل بهذا من قال: إن المسكين أحسن حالاً من الفقير، وقد مضى هذا المعنى مستوفى في سورة «براءة». وقد قيل: إنهم كانوا تجاراً ولكن من حيث هم مسافرون عن قلّة في لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة خطب عُبِّر عنهم بمساكين؛ إذ هم في حالة يُشفَق عليهم بسببها، وهذا كما تقول لرجل غنيّ وقع في وَهْلَة أو خَطْب: مسكينٌ. وقال كعب وغيره: كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم؛ خمسة زَمْنى، وخمسة يعملون في البحر. وقيل: كانوا سبعة لكل واحد منهم زَمَانة ليست بالاخر. وقد ذكر النقاش أسماءهم؛ فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوماً؛ والثاني أعور، والثالث أعرج، والرابع آدَر، والخامس محموماً لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم؛ والخمسة الذين لا يطيقون العمل: أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون، وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم؛ ذكره الثعلبي. وقرأت فرقة: «لِمَسَّاكِينَ» بتشديد السين، واختلف في ذلك فقيل: هم مَلاَّحو السفينة، وذلك أن المسّاك هو الذي يمسك رجل السفينة، وكل الخدمة تصلح لإمساكه فسمى الجميع مسّاكين. وقالت فرقة: أراد بالمسَّاكين دبغة المُسُوك وهي الجلود واحدها مَسْك. والأظهر قراءة «مساكين» بالتخفيف جمع مسكين، وأن معناها: إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم. والله أعلم. قوله تعالى: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي أجعلها ذات عيب، يقال: عِبتُ الشيء فعاب إذا صار ذا عَيب، فهو معِيب وعائب. وقوله: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} قرأ ابن عباس وابن جبير «صحيحةٍ» وقرأ أيضاً ابن عباس وعثمان بن عفان «صالحةٍ». و«وراء» أصلها بمعنى خلف؛ فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفه وكان رجوعهم عليه. والأكثر على أن معنى «وراء» هنا أمام؛ يَعضُده قراءة ابن عباس وابن جبير «وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْباً». قال ابن عطية: «وراءهم» هو عندي على بابه؛ وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعى بها الزمان، وذلك أن الحدث المقدّم الموجود هو الأمام، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي، وتأمّل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك؛ ومن قرأ «أمامهم» أراد في المكان، أي كأنهم يسيرون إلى بلد، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الصلاة أمامك»تفسير : يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان؛ وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ؛ ووقع لقتادة في كتاب الطبري «وكان وراءهم ملك» قال قتادة: أمامهم ألا تراه يقول: «مِن ورائِهِم جهنم» وهي بين أيديهم؛ وهذا القول غير مستقيم، وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضجّ منها؛ قاله الزجاج. قلت: وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة؛ قال الهَرويّ قال ابن عرفة: يقول القائل كيف قال «من ورائه» وهي أمامه؟ فزعم أبو عبيد وأبو عليّ قُطْرُب أن هذا من الأضداد، وأن وراء في معنى قدام، وهذا غير محصّل؛ لأن أمام ضد وراء، وإنما يصلح هذا (في الأماكن) والأوقات، كقولك للرجل إذا وعد وعداً في رجب لرمضان ثم قال: ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان أمامه، لأنه يخلفه إلى وقت وعده؛ وأشار إلى هذا القول أيضاً القشيري وقال: إنما يقال هذا في الأوقات، ولا يقال للرجل أمامك إنه وراءك؛ قال الفراء: وجوزه غيره؛ والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك، فأخبر الله تعالى الخضر حتى عَيَّب السفينة؛ وذكره الزجاج. وقال الماورديّ: اختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز استعمالها بكل حال وفي كل مكان وهو من الأضداد قال الله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} تفسير : [الجاثية: 10] أي من أمامهم: وقال الشاعر:شعر : أَترجو بَنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطاعَتي وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاَةُ وَرَائِيَا تفسير : يعني أمامي. والثاني: أن وراء تستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان لأن الإنسان قد يَجُوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها. الثالث: أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ولا يجوز في غيرهما؛ وهذا قول علي بن عيسى. واختلف في اسم هذا الملك فقيل: هُدَد بن بُدَد. وقيل: الجَلَنْدي؛ وقاله السهيلي. وذكر البخاري اسم الملك الآخذ لكل سفينة غصباً فقال: هو (هُدَد بن بُدَد والغلام المقتول) اسمه جَيْسور، وهكذا قيدناه في «الجامع» من رواية يزيد المَرْوزيّ، وفي غير هذه الرواية حَيْسور بالحاء وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة: وهي حَيْسون. وكان يأخذ كل سفينة جيدة غصباً فلذلك عابها الخضر وخرقها؛ ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه، وقد تقدّم. وفي صحيح مسلم وجه الحكمة بخرق السفينة وذلك قوله: فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة فَتجاوزَها، فأصلحوها بخشبة؛ الحديث. وتحصّل من هذا الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216]. قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} جاء في صحيح الحديث: «حديث : أنه طُبع يوم طُبع كافراً» تفسير : وهذا يؤيّد ظاهره أنه غير بالغ، ويحتمل أن يكون خبراً عنه مع كونه بالغاً؛ وقد تقدّم هذا المعنى. قوله تعالى: {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا} قيل: هو من كلام الخضر عليه السلام، وهو الذي يشهد له سياق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين؛ أي خفنا أن يرهقهما طغياناً وكفراً، وكان الله قد أباح له الاجتهاد في قتل النفوس على هذه الجهة. وقيل: هو من كلام الله تعالى وعنه عبَّر الخضر؛ قال الطبريّ: معناه فعلمنا؛ وكذا قال ابن عباس أي فعلمنا، وهذا كما كنى عن العلم بالخوف في قوله: {أية : إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 229]. وحكي أن أُبيًّا قرأ «فَعَلِمَ ربك». وقيل: الخشية بمعنى الكراهة؛ يقال: فرّقت بينهما خشية أن يقتتلا؛ أي كراهية ذلك. قال ابن عطية: والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل وإن كان اللفظ يدافعه أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين. وقرأ ابن مسعود «فخاف ربك» وهذا بين في الاستعارة، وهذا نظير ما وقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى وأن جميع ما في هذا كله من ترجٍّ وتوقع وخوف وخشية إنما هو بحسبكم أيها المخاطبون. و«يرهقهما» يجشّمهما ويكلّفهما؛ والمعنى أن يلقيهما حبُّه في اتّباعه فيضلاَّ ويتدينا بدينه. قوله تعالى: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا} قرأ الجمهور بفتح الباء وشد الدال. وقرأ عاصم بسكون الباء وتخفيف الدال؛ أي أن يرزقهما الله ولداً. {خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً} أي ديناً وصلاحاً؛ يقال: بدّل وأبدل مثل مَهَّل وأمهل ونَزَّل وأنزل. {وَأَقْرَبَ رُحْماً} قرأ ابن عباس «رُحُماً» بالضم، قال الشاعر:شعر : وكيف بظلم جاريةٍ ومنها اللِّينُ والرُّحُمُ تفسير : الباقون بسكونها؛ ومنه قول رؤبة بن العَجَّاج:شعر : يا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدريسَا ومُنْزلَ اللَّعْنِ على إِبليسَا تفسير : واختلف عن أبي عمرو. و«رحما» معطوف على «زكاة» أي رحمة؛ يقال: رَحِمه رحمة ورحما؛ وألفه للتأنيث، ومذكره رُحْم. وقيل: إنّ الرُّحم هنا بمعنى الرَّحِم؛ قرأها ابن عباس «وأَوْصَلَ رُحْماً» أي رَحِما، وقرأ أيضاً «أزكى منه». وعن ابن جبير وابن جريج أنهما بُدِّلا جارية؛ قال الكلبيّ فتزوّجها نبيّ من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله تعالى على يديه أمة من الأمم. قتادة: ولدت اثني عشر نبياً، وعن ابن جريج أيضاً أنّ أمّ الغلام يوم قتل كانت حاملاً بغلام مسلم وكان المقتول كافراً. عن ابن عباس: فولدت جارية ولدت نبياً؛ وفي رواية: أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبياً؛ وقاله جعفر بن محمد عن أبيه؛ قال علماؤنا: وهذا بعيد ولا تُعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم؛ ويستفاد من هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانوا قطعاً من الأكباد، ومن سَلَّم للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء. قال قتادة: لقد فرح به أبواه حين وُلد وحَزِنا عليه حين قُتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فالواجب على كل امرىء الرضا بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب. قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ} هذان الغلامان صغيران بقرينة وصفهما باليتم، واسمهما أصرم وصريم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يُتْم بعد بلوغ» تفسير : هذا هو الظاهر. وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ إن كانا يتيمين، على معنى الشفقة عليهما. وقد تقدم أن اليتم في الناس من قِبل فقد الأب؛ وفي غيرهم من الحيوان من قبل فَقْد الأم. ودل قوله: «في المدينة» على أن القرية تسمى مدينة؛ ومنه الحديث: «حديث : أُمرتُ بقرية تأكل القُرَى» تفسير : وفي حديث الهجرة «حديث : «لمن أنت» فقال الرجل: من أهل المدينةتفسير : ؛ يعني مكة. قوله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} اختلف الناس في الكنز؛ فقال عِكرِمة وقتادة: كان مالا جسيماً وهو الظاهر من اسم الكنز إذ هو في اللغة المال المجموع؛ وقد مضى القول فيه. وقال ابن عباس: كان عِلماً في صحف مدفونة. وعنه أيضاً قال: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبت لمن يؤمن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن لها، لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله. وروي نحوه عن عكرمة وعمر مولى غُفْرة، ورواه عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} ظاهر اللفظ والسابق منه أنه والدهما دِنْيَةً. وقيل: هو الأب السابع؛ قاله جعفر بن محمد. وقيل: العاشر فَحُفِظا فيه وإن لم يُذْكَر بصلاح؛ وكان يسمى كاشحاً؛ قاله مقاتل. واسم أمهما دنيا؛ ذكره النقاش. ففيه ما يدل على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بعدوا عنه. وقد روي أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذريته؛ وعلى هذا يدل قوله تعالى: {أية : إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 196]. قوله تعالى: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} يقتضي أن الخضر نبي؛ وقد تقدم الخلاف في ذلك. {ذَلِكَ تَأْوِيلُ} أي تفسير. {مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} قرأت فرقة «تَسْتَطِعْ». وقرأ الجمهور «تَسْطِعْ» قال أبو حاتم: كذا نقرأ كما في خط المصحف. وهنا خمس مسائل: الأولى: إن قال قائل لم يسمع لفتى موسى ذكر في أوّل الآية ولا في آخرها، قيل له: اختلف في ذلك؛ فقال عكرمة لابن عباس: لم يسمع لفتى موسى بذكر وقد كان معه؟ فقال: شرب الفتى من الماء فخلّد، وأخذه العالِم فطبَّق عليه سفينة ثم أرسله في البحر، وإنها لتموج به فيه إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب منه. قال القشيريّ: وهذا إن ثبت فليس الفتى يوشع بن نون؛ فإن يوشع بن نون قد عُمّر بعد موسى وكان خليفته؛ والأظهر أن موسى صرف فتاه لما لقي الخضر. وقال شيخنا الإمام أبو العباس: يحتمل أن يكون اكتفى بذكر المتبوع عن التابع؛ والله أعلم. الثانية: إن قال قائل: كيف أضاف الخضر قصة استخراج كنز الغلامين لله تعالى، وقال في خرق السفينة: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} فأضاف العيب إلى نفسه؟ قيل له: إنما أسند الإرادة في الجدار إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف في زمن طويل غيب من الغيوب، فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد ذلك الذي أعلمه الله تعالى أنّه يريده. وقيل: لما كان ذلك خيراً كله أضافه إلى الله تعالى، وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب، لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 80] فأسند الفعل قبلُ وبعدُ إلى الله تعالى، وأسند إلى نفسه المرض، إذ هو معنى نقص ومصيبة، فلا يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح، وهذا كما قال تعالى: {أية : بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} تفسير : [آل عمران: 26] واقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه، وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع، إذ هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء خبير. ولا اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة: «حديث : يا ابن آدم مرضتُ فلم تَعُدْني واستطعمتُك فلم تُطعمني واستسقيتك فلم تَسقني» تفسير : فإن ذلك تَنزُّلٌ في الخطاب، وتلطُّف في العتاب، مقتضاه التعريف بفضل ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال. وقد تقدّم هذا المعنى. والله تعالى أعلم. ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء، ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من الأوصاف الجميلة، والأفعال الشريفة. جل وتعالى عن النقائص والآفات علواً كبيراً. وقال في الغلام: «فأردنا» فكأنه أضاف القتل إلى نفسه، والتبديل إلى الله تعالى. والأشد كمال الْخَلْق والعقل. وقد مضى الكلام فيه في «الأنعام» والحمد لله. الثالثة: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق تلزم منه هدم الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلٰهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر؛ فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفُهوم. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتون. قال شيخنا رضي الله عنه: وهذا القول زندقة وكفر يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما عُلم من الشرائع؛ فإن الله تعالى قد أجرى سنّته، وأنفذ حكمته، بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلّغون عنه رسالته وكلامه، المبيّنون شرائعه وأحكامه؛ اختارهم لذلك، وخصّهم بما هنالك؛ كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} تفسير : [الحج: 75] وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124] وقال تعالى: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} تفسير : [البقرة: 213] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقاً آخر يُعرَف بها أمرُه ونهيُه غيرَ الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر، يُقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبيّ بعده ولا رسول. وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه هو حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوّة، فإن هذا نحو ممّا قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن روح القدس نَفثَ في رَوْعي» تفسير : الحديث. الرابعة: ذهب الجمهور من الناس إلى أن الخضر مات صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: إنّه حيّ لأنه شرب من عين الحياة، وأنه باق في الأرض، وأنه يحج البيت. قال ابن عطية: وقد أطنب النقَّاش في هذا المعنى، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. ولو كان الخضر عليه السلام حياً يحج لكان له في ملة الإسلام ظهور؛ والله العليم بتفاصيل الأشياء لا ربّ غيره. ومما يقضي بموت الخضر عليه السلام الآن قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أرأيَتكم ليلتَكم هذه فإنه لا يَبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ».تفسير : قلت: إلى هذا ذهب البخاري واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، والصحيح القول الثاني وهو أنه حيّ على ما نذكره. وهذا الحديث خرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال: صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلّم قام فقال: «حديث : أرأيَتكم ليلتَكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ» تفسير : قال ابن عمر: فَوَهَل الناسُ في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك فيما يتحدّثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة؛ وإنما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» تفسير : يريد بذلك أن يَنْخرِم ذلك القَرْن. ورواه أيضاً من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: «حديث : تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله وأقسم بالله ما على الأرض من نفس مَنْفُوسة تأتي عليها مائة سنة» تفسير : وفي أخرى قال سالم: تذاكرنا أنها «حديث : هي مخلوقة يومئذٍ»تفسير : . وفي أخرى: «حديث : ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذٍ»تفسير : . وفسرها عبد الرحمن صاحب السقاية قال: نقص العمر. وعن أبي سعيد الخدري نحو هذا الحديث. قال علماؤنا: وحاصل ما تضمنه هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أخبر قبل موته بشهر أن كل من كان من بني آدم موجوداً في ذلك لا يزيد عمره على مائة سنة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما من نفس مَنْفوسة» تفسير : وهذا اللفظ لا يتناول الملائكة ولا الجن إذ لم يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل؛ لقوله: «حديث : ممن هو على ظهر الأرض أحد» تفسير : وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل، فتعين أن المراد بنو آدم. وقد بين ابن عمر هذا المعنى؛ فقال: يريد بذلك أن يَنْخرم ذلك القَرْن. ولا حجة لمن استدل به على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي لعموم قوله: «ما من نفس منفوسة» لأن العموم وإن كان مؤكّد الاستغراق فليس نَصًّا فيه، بل هو قابل للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى عليه السلام، فإنه لم يمت ولم يقتل فهو حيّ بنص القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجال مع أنه حيّ بدليل حديث الجَسّاسة، فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام وليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقد قيل: إن أصحاب الكهف أحياء ويحجون مع عيسى عليه الصلاة والسلام، كما تقدّم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا. وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي في كتاب «العرائس» له: والصحيح أن الخضر نبيّ مُعمَّر محجوب عن الأبصار؛ وروى محمد بن المتوكل عن (ضمرة بن ربيعة) عن عبد الله بن (شوذب) قال: الخضر عليه السلام من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان كل عام في الموسم. وعن عمرو بن دينار قال: إن الخضر وإلياس لا يزالان حيين في الأرض ما دام القرآن على الأرض، فإذا رفع ماتا. وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي في شرح الرسالة له للقشيري حكايات كثيرة عن جماعة من الصالحين والصالحات بأنهم رأوا الخضر عليه السلام ولقوه، يفيد مجموعها غلبة الظن بحياته مع ما ذكره النقاش والثعلبي وغيرهما. وقد جاء في صحيح مسلم: «حديث : أن الدجال ينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس ـ أو ـ من خير الناس» تفسير : الحديث؛ وفي آخره قال أبو إسحاق: يعني أن هذا الرجل هو الخضر. وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب «الهواتف» بسند يرفعه إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه لقي الخضر وعلمه هذا الدعاء، وذكر أن فيه ثواباً عظيماً ومغفرة ورحمة لمن قاله في أثر كل صلاة، وهو: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين، أذقني بَرْد عفوك، وحلاوة مغفرتك. وذكر أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا الدعاء بعينه نحواً مما ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في سماعه من الخضر. وذكر أيضاً اجتماع إلياس مع النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا جاز بقاء إلياس إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاز بقاء الخضر، وقد ذكر أنهما يجتمعان عند البيت في كل حول، وأنهما يقولان عند افتراقهما: ما شاء الله ما شاء الله، لا يصرف السوء إلا الله، ما شاء الله ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله ما شاء الله، توكلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل. وأما خبر إلياس فيأتي في «والصافات» إن شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وسُجِّي بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت، {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ} تفسير : [آل عمران: 185] ـ الآية ـ إن في الله خَلَفاً من كل هالك، وعوضاً من كل تالف، وعَزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حُرِم الثواب؛ فكانوا يرون أنه الخضر عليه الصلاة والسلام. يعني أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. والألف واللام في قوله: «على الأرض» للعهد لا للجنس وهي أرض العرب، بدليل تصرفهم فيها وإليها غالباً دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزر الهند والسند مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يُعلَم علمه. ولا جواب عن الدجال. قال السهيلي: واختلف في اسم الخضر اختلافاً متبايناً؛ فعن ابن منبه أنه قال: أَيْلَيا بن مَلْكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقيل: هو ابن عاميل بن سماقحين بن أريا بن علقما بن عيصو بن إسحاق، وأن أباه كان مَلِكاً، وأن أمه كانت بنت فارس واسمها ألمى، وأنها ولدته في مغارة، وأنه وجد هنالك وشاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، فأخذه الرجل فربّاه، فلما شَبَّ وطلب الملِكُ ـ أبوه ـ كاتبا وجمع أهل المعرفة والنبالة ليكتب الصحف التي أنزلت على إبراهيم وشيث، كان ممن أقدم عليه من الكتاب ابنه الخضر وهو لا يعرفه، فلما استحسن خطه ومعرفته، وبحث عن جلية أمره عرف أنه ابنه، فضمه لنفسه وولاه أمر الناس، ثم إن الخضر فرّ من الملك لأسباب يطول ذكرها إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها، فهو حيّ إلى أن يخرج الدجال، وأنه الرجل الذي يقتله الدجال ويقطعه ثم يحييه الله تعالى. وقيل: لم يدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا لا يصح. وقال البخاري وطائفة من أهل الحديث منهم شيخنا أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: إنه مات قبل انقضاء المائة، من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إلى رأس مائة عام لا يبقى على هذه الأرض ممن هو عليها أحد» تفسير : يعني من كان حياً حين قال هذه المقالة. قلت: قد ذكرنا هذا الحديث والكلام عليه، وبَيَّنا حياة الخضر إلى الآن، والله أعلم. الخامسة: قيل: إن الخضر لما ذهب يفارق موسى قال له موسى: أوصني؛ قال: كن بَسَّاماً ولا تكن ضَحَّاكاً، ودع اللَّجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطّائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران.

ابن كثير

تفسير : هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى عليه السلام، وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر عليه السلام على حكمة باطنة، فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} صالحة أي: جيدة {غَصْباً} فأردت أن أعيبها؛ لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام، وروى ابن جريج عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي أن اسم الملك هدد بن بدد، وقد تقدم أيضاً في رواية البخاري، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق، وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوارة، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَٰكِينَ } عشرة {يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ } بها مؤاجرة لها طلبا للكسب {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم } إذا رجعوا أو أمامهم الآن {مَلِكٌ } كافر {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ } صالحة {غَصْباً } نصبه على المصدر المبين لنوع الأخذ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} وفي تسميتهم مساكين أربعة أوجه: أحدها: لفقرهم وحاجتهم. الثاني: لشدة ما يعانونه في البحر، كما يقال لمن عانى شدة قد لقي هذا المسكين جهداً. الثالث: لزمانة كانت بهم وعلل. الرابع: لقلة حيلتهم وعجزهم عن الدفع عن أنفسهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مِسْكِينٌ رَجُلٌ لاَ امرأة له" تفسير : فسماه مسكيناً لقلة حيلته وعجزه عن القيام بنفسه لا لفقره ومسكنته. وقرأ بعض أئمة القراء "لِمَسَّاكِينَ" بتشديد السين، والمساكون هم الممسكون، وفي تأويل ذلك وجهان: أَحدهما: لممسكون لسفينتهم للعمل فيها بأنفسهم. الثاني: الممسكون لأموالهم شحاً فلا ينفقونها. {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي أن أُحْدِثَ فيها عيباً. {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} في قوله {وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} وجهان: أحدهما: أنه خلفهم، وكان رجوعهم عليه ولم يعلموا به، قاله الزجاج. الثاني: أنه كان أمامهم. وكان ابن عباس يقرأ: {وَكَانَ أَمَامَمُم مَّلِكٌ} واختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقاويل: أحدها: يجوز استعماله بكل حال وفي كل مكان وهو من الأضداد، قال الله تعالى {مِن وَرَائِهِم جَهَنَّمُ} أي من أمامهم وقدامهم جهنم قال الشاعر: شعر : أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : يعني أمامي. الثاني: أن وراء يجوز أن يستعمل في موضع أمام في المواقيت والأزمان لأن الإنسان قد يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها. الثالث: أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر، ولا يجوز في غيره قاله ابن عيسى. {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} قرأ ابن مسعود: يأخذ كل سفينة صالحة غصباً. وهكذا كان الملك يأخذ كل سفينة جيدة غصباً، فلذلك عباها الخضر لتسلم من الملك. وقيل إن اسم الملك هُدَد بن بُدَد، وقال مقاتل: كان اسمه مندلة بن جلندى بن سعد الأزدي.

ابن عطية

تفسير : قرأ الجمهور "لمساكين" بتخفيف السين، جمع مسكين، واختلف في صفتهم، فقالت فرقة كانت لقوم تجار، ولكنهم من حيث هم مسافرون على قلة، وفي لجة بحر، وبحال ضعف عن مدافعة غصب جائر، عبر عنهم بـ "مساكين"، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها. قال القاضي أبو محمد: وهذا كما تقول لرجل غني إذا وقع في وهدة وخطب مسكين وقالت فرقة: كانوا عشرة إخوة: أهل عاهات خمسة منهم: عاملون بالسفينة لا قدرة بهم على العمل، وقرأت فرقة "لمسّاكين" بتشديد السين. واختلف في تأويل ذلك فقالت فرقة أراد بـ "المساكين" ملاحي السفينة وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل المركب وكل الخدمة يصلح لإمساكه، فسمي الجميع "مساكين"، وقالت فرقة: أراد "المسّاكين" دبغة المسوك، وهي الجلود واحدها مسك. قال القاضي أبو محمد: والأظهر في ذلك القراءة الأولى وأن معناها أن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق لهم، واحتج الناس بهذه الآية في أن المسكين الذي له البلغة من العيش كالسفينة لهؤلاء، وأنه أصلح حالاً من الفقير، واحتج من يرى خلاف هذا بقول الشاعر: [البسيط] شعر : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد تفسير : وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جداً، ومع المسكنة انكشاف وذل وسؤال، ولذلك جعلها الله صنفين، في قسم الصدقات، فأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو: "حديث : ليس المسكين بهذا الطواف" تفسير : . فجعل المساكين في اللغة أهل الحاجة الذين قد كشفوا وجوههم، وأما قول الله تعالى: {أية : للفقراء الذين أحصروا} تفسير : [البقرة: 273]. فجعل الفقراء أهل الحاجة الذين لم يكشفوا وجوههم، وقد تقدم القول في هذه المسألة بأوعب من هذا. وقوله {وكان وراءهم ملك} قال قوم معناه أمامهم، وقالوا وراء من الأضداد، وقرأ ابن جبير وابن عباس: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة" صحيحة وقرأ عثمان بن عفان "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة". قال القاضي أبو محمد: وقوله {وراءهم} هو عندي على بابه وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعاً بها الزمن، وذلك أن الحادث المقدم الوجود هو الإمام، وبين اليد: لما يأتي بعده في الزمن، والذي يأتي بعد: هو الوراء وهو ما خلف، وذلك بخلاف ما يظهر ببادي الرأي، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد، فهذه الآية معناها: أن هؤلاء وعملهم، وسعيهم، يأتي بعده في الزمن غصب هذا الملك، ومن قرأ "أمامهم"، أراد في المكان، أي إنهم كانوا يسيرون إلى بلده، وقوله تعالى في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، مطرد على ما قلنا في الزمن، وقوله {أية : من وراءهم جهنم} تفسير : [الجاثية: 10] مطرد كما قلنا مراعاة الزمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الصلاة أمامك"تفسير : يريد في المكان، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمن وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري {وكان وراءهم ملك} قال قتادة أمامهم، ألا ترى أنه يقول {أية : من وراءهم جهنم} تفسير : [الجاثية: 10] وهي بين أيديهم. وهذا القول غير مستقيم وهذه هي العجمة التي كان الحس بن أبي الحسن يضج منها قاله الزجاج ويجوز إن كان رجوعهم في طريقهم على الغاصب، فكان وراءهم حقيقة، وقيل اسم هذا الغاصب هدد بن بدد، وقيل اسمه الجلندا، وهذا كله غير ثابت، وقوله {كل سفينة} عموم معناه الخصوص في الجياد منها الصحاح المارة به.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِمَسَاكِينَ} فقراء، أو كانت بهم زمانة وعلل، أو عجزوا عن الدفع عن أنفسهم لقلة حيلتهم، أو سموا به لشدة ما يقاسونه في البحر كما يقال لقي هذا المسكين جهداً {وَرَآءَهُم} خلفهم وكان رجوعهم عليه ولم يعلموا، أو أمامهم، فوراء من الأضداد، أو يستعمل وراء موضع أمام في المواقيت والأزمان، لأن الإنسان يجوزها فتكون وراء دون غيرها، أو يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ولا يجوز في غيرها، وعابها الخضر، لان الملك كان لا يغصب إلا السفن الجيدة.

القشيري

تفسير : لما فارق الخضرُ موسى عليه السلام لم يُرِدْ أَنْ يبقى في قلب موسى شِبْهُ اعتراضٍ؛ فأَزَالَ عن قلبه ذلك بما أوضح له من الحال، وكشف له أنَّ السِّرَّ في قصده من خَرْقِ السفينة سلامتُها وبقاؤُها لأهلها حيث لن يطمعَ فيها المَلِكُ الغاصبُ، فبَقَاءُ السفينةِ لأهلها - وهي معيبةٌ - كان خيراً لهم من سلامتها وهي مغصوبة.

البقلي

تفسير : {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} عجبت من هذا الامر وان الله سبحانه كان فى الازل عالما بذلك قادرا على ان يخلقه مومنا ولم يطبع على قلبه الكفر حتى لا يكون ابواه بسببه كافرين لكن حكمته الازلية جارية بغير ادراك افهام الفهماء وهو لا يحتاج الى قتل الغلام بغير جرم بل هو قادر على ان يهديه الى طريق الحق حتى لا يغشى عليه وعلى ابويه ظلمة الكفر يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ظاهر الاية كانها تنبئ ان اكتساب البشر مانع القدر كقتل الخضر الغلام يمنع صيرورة كفر ابويه والامر اعلى مما يتوهم المتوهمون فيه لان ذلك بيان وصف عين الجمع فى العالم ان الخضر كان فعل الله والغلام فعل الله والقتل فعل الله والامر امر الله والقدر قدر الله فمن حيث القدر يثبت ومن حيث الفعل يمحو ما قدّر يمحو الله ما يشاء مما قدّر فى الازل بقدر اسبق من ذلك القدر وهو علم العلم وغيب الغيب وسر السر وامر الامر ويثبت مما يشاء مما قدر الذى لم يسبق عليه قدر القدر فهو فى جميع ذلك واحد من كل الوجوه السبب صدر من المسبب والمسبب والسبب فى عين الجمع واحد كان نظر الخضر الى القدر الظاهر ونظر موسى الى قدر القدر كان موسى احتج على الخضر بان القدر سبق على بقاء ايمان ابويه وايمان المقتول معا وان لم يكن القتل فى البين واحتج الخضر على موسى بان قتل الغلام كان ايضا مقدارا فى ازل الآزال وهو بذاته فعل الله المباشر فى امر الله فلما علا علمه بالقدر على علم موسى قال هذا فراق بينى وبينك واظن فى ذلك ان الغلام كان حسن الوجه وكان فيه نور من كسوة حسن الحق فحاف الخضر على اهل الحق ومعرفته ان ينظروا اليه ويستانسوا بما يجدون من نور الله فيه فيفقون بالوسايطة عن مشاهدة الله فقتله بغير الله ورفع الوسايط من بينه وبين احبائه وانبيائه واوليائه قال بعضهم تفرس الخضر فى الغلام ما يؤل اليه عاقبته من الكفر كذلك من تفرس بنور الله لا يحظى فراسته قوله تعالى {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} وقوله {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا} { فَأَرَادَ رَبُّكَ} هذه الارادات على صورتها مختلفة وفى الحقيقة واحدة لان الارادة بالحقيقة ارادة الله اذ الارادات صدرت بصنوفها عن ارادة الله فقوله فاردت خبر عن عين الجمع والاتحاد وقوله فاردنا خبر عن الاتصاف والانبساط وقوله فاراد ربك خبر عن افراد القدم عن الحدوث وتلاشى الحدث وفناء الموحد فى الموحد وهذه الارادة بوصفها باطن المشية وباطن المشية غيب الصفة وغيب الصفة سر الذات والذات غيب جميع الغيوب ولما تحرك من وصف الاتحاد قطعته الغيرة من محض الاتحاد الى عين الجمع وقطعته من الجمع الى الاتصاف ومن الاتصاف الى الانبساط ثم اغرقته بحر الالوهية وافنته فى لججها عن كل رؤية وعلم وارادة وفعل واشارة كان الحق بفعله نطق فى الاول والثانى والثالث ولم يبق فى البين الا الله قال ابن عطا لما قال الخضر فاردت اوحى اليه فى السر من انت حتى تكون لك ارادة فقال فى الثانية فاردنا فاوحى اليه فى السر من انت وموسى حتى تكون لكمال ارادة فرجع وقال فاراد ربك وايضا قال اما قوله فاردت كان شفقة على الخلق وقوله فاردنا رحمة وقوله فاراد ربك رجوعا الى الحقيقة وقال الحسين فى قوله فاردت واردنا ربك المقام الاول استيلاء الحق والمقام الثانى مكالمة مع العبد والمقام الثالث رجوع الى باطن الغلبة فى الظاهر فصار به باطن الباطن ظاهر الظاهر وغيب الغيب عيان العيان وعيان العيان غيب الغيب كما ان القرب من الشئ بالنفوس هو البعد فالقرب منها بها هو القرب.

اسماعيل حقي

تفسير : {اما السفينة} التى خرقتها {فكانت لمساكين} لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة وكانوا عشرة اخوة خمسة منهم زمنى {يعملون فى البحر} بها مؤاجرة طلبا للكسب فاسناد العلم الى الكل بطريق التغليب او لان عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين. اعلم ان الفقير فى الشريعة من له مال لا يبلغ نصابا قدر مائتى درهم او قيمتها فاضلا عن حاجته الاصلية سواء كان ناميا او لا والمسكين من لا شئ له من المال هذا هو الصحيح عند الحنفية والشافعية يعكسون. قال القاضى فى الآية دليل ان المسكين يطلق على من يملك شيئا لم يكفه وحمل اللام على التمليك. وقال مولانا سعدى انما يكون دليلا اذا ثبت ان السفينة كانت ملكا لهم لكن للخصم ان يقول اللام للدلالة على اختصاصهم بهم لكونها فى يدهم عارية او كونهم اجراء كما ورد فى الاثر انتهى. وقد نص على هذين الوجهين صاحب الكفاية فى شرح الهداية وسلمنا ان السفينةكانت ملكا لهم فانما سماهم الله مساكين دون فقراء لعجزهم عن دفع الملك الظالم ولزمانتهم والمسكين يقع على من اذله شئ وهو غير المسكين المشهور فى مصرف الصدقة هذا هو تحقيق المقام {فاردت} بحكم الله وارادته {ان اعيبها} اى اجعلها ذات عيب {وكان} [وحال آنكه هست]{وراءهم} امامهم كقوله ومن ورائهم برزخ فوراء من الاضداد مثل قوله فما فوقها اى دونها اريد به ههنا الامام دون الخلف على ما يأتى من القصص {ملك} كافر اسمه جلندى بن كركرد كان بجزيرة الاندلس ببلدة قرطبة واول فساد ظهر فى البحر كان ظلمه على ما ذكره ابو الليث واول فساد ظهر فى البر قتل قابيل هابيل على ما ذكره ايضا عند تفسير قوله تعالى {ظهر الفساد} الآية {يأخذ كل سفينة} صحيحة جيدة وهو من قبيل ايجاز الحذف {غصبا} من اصحابها وانتصابه على انه مصدر مبين لنوع الاخذ او على الحالية بمعنى غاصبا والغصب اخذ الشئ ظلما وقهرا ويسمى المغصوب غصبا وخوف الغصب سبب لارادته عيبها لكنه اخر عنها لقصد العناية بذكرها مقدما وجه العناية ان موسى لما انكر خرقها وقال اخرقتها لتغرق اهلها اقتضى المقام الاهتمام لدفع مبنى انكاره بان الخرق لقصد التعييب لا لقصد الاغراق - روى - ان الخضر اعتذر الى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره. وفى قصص الانبياء فبينما هم كذلك استقلتهم سفينة فيها جنود الملك وقالوا ان الملك يريد ان يأخذ سفينتكم ان لم يكن فيها عيب ثم صعدوا اليها وكشفوها فوجدوا موضع اللوح مفتوحا فانصرفوا فلما بعدوا عنهم اخذ الخضر ذلك اللوح ورده الى مكانه: وفى المثنوى شعر : كر خضر در بحر كشتى را شكست صد درشتى درشكست خضر هست تفسير : فظاهر فعله تخريب وباطنه تعمير: وفى المثنوى شعر : آن يكى آمد زمين را مى شكافت ابلهى فرياد كرد وبرنتافت كين زمين را ازجه ويران ميكنى مى شكافىّ وبريشان ميكنى كى شود كلزار وكندم زار اين تانكردد زشت وويران اين زمين كى شود بستان وكشت وبرك بر تار نكردد نظم او زير وزبر تا نشكافى بنشتر ريش جغز كى شود نيكو وكى كرديد نغز تا نشوزد خلطهايت از دوا كى رود شورش كجا آيد شفا باره باره كرد درزى جامه را كس زند آن درزى علامه را كه جرا اين اطلس بكزيده را بر دريدى جه كنم بدر يده را هر بناى كهنه كآبادان كنند نى كه اول كهنه را ويران كنند همجنين نجار وحداد وقصاب هستشان بيش از عمارتها خراب آن هليله وان بليله كوفتن زان تلف كردند معمورئ تن تا نكوبى كندم اندر آسيا كى شود آراسته زان خوان ما تفسير : وفى افناء الوجود المجازى تحصيل للوجود الحقيقى فما دامت البشرية واوصافها باقية على حالها لا يظهر آثار الاخلاق الالهية البتة. وفى التأويلات النجمية فى الآية اشاراتن. منها ان خرق السفينة واعابتها لئلا تؤخذغصبا ليس من احكام الشرع ظاهرا ولكنه لما كان فيه مصلحة لصاحبها فى باطن الشرع جوز ذلك ليعلم انه يجوز للمجتهد ان يحكم فيما يرى ان صلاحه اكثر من فساده فى باطن الشرع بما لا يجوز فى ظاهر الشرع اذا كان موافقا للحقيقة كما قال {وكان وراءهم} الآية. ومنها ان يعلم عناية الله فى حق عباده المساكين الذين يعملون فى البحر غافلين عما رواءهم من الآفات كيف ادركتهم العناية بنبى من انبيائه وكيف دفع عنه البلاء ودرأ عنهم الآفة. ومنها ان يعلم ان الله تعالى فى بعض الاوقات يرجح مصلحة بعض السالكين على مصلحة نبى من انبيائه فى الظاهر وان كان لا يخلو فى باطن الامر من مصلحة النبى فى اهمال جانبه فى الظاهر كما ان الله تعالى رجح رعاية مصلحة المساكين فى خرق السفينة على رعاية مصلحة موسى لانه كان من اسباب مفارقته عن صحبة الخضر ومصلحته ظاهرا كانت فى ملازمة صحبة الخضر وقد كان فراقه عن صحبته متضمنا لمصالح النبوة والرسالة ودعوة بنى اسرائيل وتربيتهم فى حق موسى باطنا انتهى. يقول الفقير ومنها ان اهل السفينة لما لم يأخذوا النول من موسى والخضر عوضهم الله تعالى خيرا من ذلك حيث نجى سفينتهم من اليد العادية وفيه فضيلة الفضل.

الجنابذي

تفسير : {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} ويتعيّشون بها {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} اى صالحة وقد قرئ كلّ سفينةٍ صالحةٍ {غَصْباً} وقد فسّر وراءهم فى الخبر بامامهم، وان كان المراد خلفهم فالمعنى انّ خلفهم ملكاً يأخذ كلّ سفينةٍ صلاحةٍ غصباً، وهذه السّفينة اذا رجعت اليه صالحة يأخذها غصباً، ونظم المعنى يقتضى تقديم قوله وكان وراءهم الى الآخر على قوله فأردت ان اعييها الى الآخر لانّ ارادة العيب مسبّبة عن اخذ الملك كلّ سفينةٍ غصباً وعن كون ارباب تلك السّفينة مساكين لكنّه وسّطه بين جزئى السّبب اشعاراً بانّ الاهتمام فى ارادة العيب بحفظ معيشة المساكين والتّرحّم عليهم لا برفع الظّلم ومنع الظّالم، وبعبارةٍ اخرى كان الجزء المهتمّ به فى تلك الارادة من جزئى السّبب هو الحبّ فى الله لا البغض فى الله، وبعبارةٍ اخرى كان داعيه الى تلك الارادة هو الرّحمة لا الغضب.

الهواري

تفسير : {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} قال مجاهد: أن أخرقها. { وَكَانَ وَرَاءَهُم} يقول: بين أيديهم { مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} وفي بعض القراءة: {وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْباً}. قال بعضهم: ولعمري لو عمّ السفن ما انفلتت، ولكن كان يأخذ خيار السفن. {وَأَمَّا الغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنَ} قال بعضهم: في بعض القراءة: كان أبواه مؤمنين وكان كافراً. قوله: { فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً}. ذكر بعضهم قال: في مصحف عبدالله بن مسعود: فخاف بك أن يرهقهما طغياناً وكفراُ. وتأويل فخاف ربك: أي: فكره ربّك؛ وهو مثل قوله تعالى: (أية : وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ) تفسير : [التوبة:46] وتفسير كره: لم يُرد. { فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً} أي: في التقوى { وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي: بِرّاً. وقال الحسن: {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي: أقرب خيراً. {وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} قال الحسن: مال، وقال مجاهد: صحف علم. وقال الكلبي: بلغنا أنه كان لوحاً من ذهب فيه حكمه: ثلاث كلمات فقط: عجباً لمن أيقن بالموت كيف يضحك، وعجباً لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، وعجباً لمن أيقن بالدنيا وتقلّبها كيف يطمئن إليها. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً}. { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} لهما { وَمَا فَعَلْتُهُ} أي: وما فعلت ما فعلت { عَنْ أَمْرِي} أي: إنما فعلته عن أمر الله. {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} قال الكلبي: بلغنا أنهم لم يفترقوا حتى بعث الله طائراً، فطار إلى المشرق، ثم طار إلى المغرب، ثم طار نحو السماء، ثم هبط إلى البحر، فتناول من ماء البحر بمنقاره، وهما ينظران، فقال الخضر لموسى: أتعلم ما يقول هذا الطير؟ قال موسى: وما يقول؟ قال: يقول: ورب المشرق، ورب المغرب، ورب السماء السابعة، ورب الأرض السابعة، ما علمك يا خضر وعلم موسى في علم الله إلا قدر هذا الماء الذي تناولته من البحر في البحر.

اطفيش

تفسير : {أَمَّا السَّفِينَةُ} التى خُرقت {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} عشرة ضعفاء فى النفس لا يردون ظالمًا عنهم، وخمسة منهم ضعاف بدناً بالمرض اللازم لهم، سواء كانوا ذوى مال أم لم يكونوا، فلا حجة فى الآية لمن يقول: إن المسكين من له شئ لا يكفيه، ولا على من يقول إن المسكين لا يملك شيئًا أصلا، لأن هذه السفينة عاريّة فى أيديهم، أو يعملون فيها بأجرة لكن الظاهر أنها لهم، فالمسكين من له ما لا يكفيه، ويمكن أن ينزلوا منزلة ما لا شئ له أصلا. {يَعْمَلُونَ} بها {فِى الْبَحْرِ} لمعيشتهم، وإِسناد العمل إليهم حكم على المجموع، لأن العمل للخمسة الأصحاء فقط لا للخمسة الزمنى أيضا، أَو لأن عملهم عمل الزمنى أيضا لشركتهم. {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} بالخرق فقط، لئلا يرغب فيها الملك المتغلب عليهم، فيأخذها، لأنه لا يأخذ المعيبة، ولم أرد إِغراق من فيها كما توهمت أو تخوفت، وذلك لغلبة القيام بالحكم الظاهر عليه، ولذلك لم يقل فأعبتها، وهذا على أن اللام فى {لتغرق أهلها} تعليل، وعلى أنها للعاقبة يكون المعنى أردت أن أعيبها فقط، ولم أرد وجهاً يوصل إِلى الإغراق بعد. {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} معنى الوراء هنا للتغلب، هكذا لا خلف ولا قدام كما تقول: كيف أقيل ومن ورائى مسير نصف يوم إلى البلد الذى توجهت إليه، تريد الشدة، لا قدام ولا خلف وقيل بمعنى أمام كما قرأ به ابن عباس تلاوة أو تفسيراً، أو وراء اسم للجهة التى يوارى بها الشخص من خلف أو قدام، وقيل: هو مصدر إِذا أضيف إِلى الفاعل أريد به المستور، وإِذا أضيف إِلى المفعول أريد به الساتر، ويرده: {ارجعوا وراءكم} فإنه أضيف إِلى المفعول، والمراد به الخلف وهو المستور. وقيل: الملك خلفهم يدركهم ويمر بهم، أو يكون رجوعهم عليه، واسمه هدد ابن بدر، وقيل: جلندى بن كرك ملك غسان، وقيل مضواد بن الجلندى بن سعيد الأزدى، وكان بأندلس، وفيه أن هذا فى عمان لا فى المغرب إلا إن ملكها فى الجاهلية. {يَأْخُذُ} لنفسه تملكًا، وقيل يستعملها ويردها {كُل سَفِينَةٍ} صالحة، ولو كان يأخذ المعيبة أيضا لم يخرقها الخضر، وإنما خرقها لئلا يأخذها، وقرأ أبىّ كل سفينة صالحة تلاوة أو تفسيراً. {غَصْبًا} مفعول مطلق نوعى ليأخذ بتضمين معنى يغصب، والغصب نوع من الأخذ أو مفعول مطلق ليغصب محذوفاً، أى يأخذ كل سفينة غاصبًا لها غصبًا أو غصبًا حال بمعنى غاصب، ومصاحب غصب فغصبا مفعول مطلق مؤكد. وعن الربيع بن أَنس: أن الخضر بعد أن سلمت من الملك الكافر قال لأصحابها: أردت لكم الخير، وإن كان يكسر فشكروه، وأصلحها لهم كما كانت، وموسى حاضر للقول والإصلاح، والله أعلم بصحة ذلك. وقدم فأَردت أن إعيبها على وكان وراءهم ملك إلخ لئلا يتوهم أن ضمير النصب فى أعيبها لكل سفينة لقربه، لكن توهما ضعيفا، ولأن اعتراض موسى فى خرقها الذى يعيبها وللإيذان بأَن السبب الأقوى فى عيبها بالخرق وهو المسكنة لا الغصب، فإنه ليس يمنع عن الملك السفن مطلقا، والله أعلم.

الالوسي

تفسير : {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ} التي خرقها {فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ} لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة، جمع مسكين بكسر الميم وفتحها ويجمع على مساكين ومسكينون وهو الضعيف العاجز، ويشمل هذا ما إذا كان العجز لأمر في النفس أو البدن ومن هنا قيل سموا مساكين لزمانتهم وقد كانوا عشرة خمسة منهم زمنى وإطلاق مساكين عليهم على هذا من باب التغليب، وهذا المعنى للمسكين غير ما اختلف الفقهاء في الفرق بينه وبين الفقير وعليه لا تكون الآية حجة لمن يقول: إن المسكين من يملك شيئاً ولا يكفيه لأن هذا المعنى مقطوع فيه النظر عن المال وعدمه. وقد يفسر بالمحتاج وحينئذ تكون الآية ظاهرة فيما يدعيه القائل المذكور، وادعى من يقول: إن المسكين من لا شيء له أصلاً وهو الفقير عند الأول أن السفينة لم تكن ملكاً لهم بل كانوا أجراء فيها، وقيل: كانت معهم عارية واللام للاختصاص لا للملك ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر ولا يقبل بلا دليل، وقيل: إنهم نزلوا منزلة من لا شيء له أصلاً وأطلق عليهم المساكين ترحماً. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {لِمَسَـٰكِينَ} بتشديد السين جمع تصحيح لمساك فقيل: المعنى لملاحين، وقيل: المساك من يمسك رجل السفينة وكانوا يتناوبون ذلك، وقيل: المساكون دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مسك ولعل إرادة الملاحين أظهر. {يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ} أي يعملون بها فيه ويتعيشون بما يحصل لهم، وإسناد العمل إلى الكل على القول بأن منهم زمنى على التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} أي أجعلها ذات عيب بالخرق ولم أرد إغراق من بها كما حسبت ولإرادة هذا المعنى جيء بالإرادة ولم يقل فأعبتها. وهذا ظاهر في أن اللام في الاعتراض للتعليل ويحتاج حملها على العاقبة إلى ارتكاب خلاف الظاهر هنا كما لا يخفى على المتأمل {وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ} أي أمامهم وبذلك قرأ ابن عباس وابن جبير وهو قول قتادة وأبـي عبيد وابن السكيت والزجاج، وعلى ذلك جاء قول لبيد:شعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحني عليها الأصابع تفسير : وقول سوار بن المضرب السعدي:شعر : أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا تفسير : وقول الآخر:شعر : أليس ورائي أن أدب على العصا فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي تفسير : وفي القرآن كثير أيضاً، ولا خلاف عند أهل اللغة في مجيء وراء بمعنى أمام وإنما الخلاف في غير ذلك، وأكثرهم على أنه معنى حقيقي يصح إرادته منها في أي موضع كان وقالوا: هي من الأضداد، وظاهر كلام البعض أن لها معنى واحداً يشمل الضدين فقال ابن الكمال نقلاً عن الزمخشري: إنها اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، وقال البيضاوي ما حاصله: إنه في الأصل مصدر ورا يرئي كقضا يقضي وإذا أضيف إلى / الفاعل يراد به المفعول أعني المستور وهو ما كان خلفاً وإذا أضيف إلى المفعول يراد به الفاعل أعني الساتر وهو ما كان قداماً. ورد عليه بقوله تعالى: {أية : ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ} تفسير : [الحديد: 13] فإن وراء أضيفت فيه إلى المفعول والمراد بها الخلف. وقال الفراء: لا يجوز أن يقال للرجل بين يديك هو وراءك وكذا في سائر الأجسام وإنما يجوز ذلك في المواقيت من الليالي والأيام؛ وقال أبو علي: إنما جاز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع لأنها جهة مقابلة لجهة فكانت كل واحدة من الجهتين وراء الأخرى إذا لم يرد معنى المواجهة ويجوز ذلك في الأجرام التي لا وجه لها مثل حجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر، وقيل: أي خلفهم كما هو المشهور في معنى وراء. واعترض بأنه إذا كان خلفهم فقد سلموا منه. وأجيب بأن المراد أنه خلفهم مدرك لهم ومار بهم أو بأن رجوعهم عليه واسمه على ما يزعمون هدد بن بدد وكان كافراً، وقيل. جلندي بن كركر ملك غسان، وقيل: مفواد بن الجلند بن سعيد الأزدي وكان بجزيرة الأندلس. {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} أي صالحة وقد قرأ كذلك أبـي بن كعب، ولو أبقي العموم على ظاهره لم يكن للتعييب فائدة {غَصْباً} من أصحابها، وانتصابه على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ، والظاهر أنه كان يغصب السفن من أصحابها ثم لا يردها عليهم، وقيل: كان يسخرها ثم يردها، والفاء في {فَأَرَدتُّ} للتفريع فيفيد أن سبب إرادة التعييب كونها لقوم مساكين عجزة لكن لما كانت مناسبة هذا السبب للمسبب خفية بين ذلك بذكر عادة الملك في غصب السفن، وما آل المعنى أما السفينة فكانت لقوم مساكين عجزة يكتسبون بها فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافونه ويعجزون عن دفعه من غصب ملك وراءهم عادته غصب السفن الصالحة، وذكر بعضهم أن السبب مجموع الأمرين المسكنة والغصب إلا أنه وسط التفريع بين الأمرين وكان الظاهر تأخيره عنهما للغاية به من حيث إن ذلك الفعل كان هو المنكر المحتاج إلى بيان تأويله وللإيذان بأن الأقوى في السببية هو الأمر الأول ولذلك لم يبال بتخليص سفن سائر الناس مع تحقق الجزء الأخير من السبب ولأن في تأخيره فصلاً بين السفينة وضميرها مع توهم رجوعه إلى الأقرب فليفهم، وظاهر الآية أن موسى عليه السلام ما علم تأويل هذا الفعل قبل. ويشكل عليه ما جاء عن الربيع أن الخضر عليه السلام بعد أن خرق السفينة وسلمت من الملك الظالم أقبل على أصحابها فقال: إنما أردت الذي هو خير لكم فحمدوا رأيه وأصلحها لهم كما كانت فإنه ظاهر في أنه عليه السلام أوقفهم على حقيقة الأمر، والظاهر أن موسى عليه السلام كان حاضراً يسمع ذلك، وقد يقال: إن هذا الخبر لا يعول عليه واحتمال صحته مع عدم سماع موسى عليه السلام مما لا يلتفت إليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة - أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة، صحيحة كانت أو معيبة. ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة، وهي قوله: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] أي لئلا يأخذها، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا}تفسير : [الكهف: 71] ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب. لأن عيبها يزهده فيها. ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالاً عند علماء العربية لحذف النعت. أي وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة بدليل ما ذكرنا. وقد قدمنا الشواهد العربية على ذلك في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً} تفسير : [الإسراء: 58] الآية. واسم ذلك الملك: هدد بن بدر: وقوله "وراءهم" أي أمامهم كما تقدم في سورة "إبراهيم":

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المساكين: جمع مسكين وهو الضعيف العاجز عن الكسب. يعملون في البحر: أي يؤجرون سفينتهم للركاب. أعيبها: أي أجعلها معيبة حتى لا يرغب فيها. غصباً: أي قهراً. أن يرهقهما طغياناً وكفراً: أي يغشاهما: ظلماً وجحوداً. وأقرب رحما: أي رحمة إذ الرحم والرحمة بمعنى واحد. وما فعلته عن أمري: أي عن اختيار مني بل بأمر ربي جل جلاله وعظم سلطانه. معنى الآيات: هذا آخر حديث موسى والخضر عليهما السلام، فقد واعد الخضر موسى عندما أعلن له عن فراقه أن يبين له تأويل مالم يستطع عليه صبراً، وهذا بيانه قال تعالى "حكاية عن الخضر" {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ} التي خرقتُها وأنكرتَ عليَّ ذلك {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ} يؤجرون سفينتهم بما يحصل لهم بعض القوت {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} لا لأغرق أهلها، {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} ظالم {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ} صالحة {غَصْباً} أي قهراً وإنما أردت أن أبقيها لهم إذ الملك المذكور لا يأخذ إلا السفن الصالحة {وأما الغلام} الذي قتلتُ وأنكرتَ عليَّ قتله {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ} إن كبر {أَن يُرْهِقَهُمَا} أي يُغشيهما {طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً} أي طهراً وصلاحاً {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي رحمة وبراً بهما فلذا قتلته، {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا} أي سن الرشد {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} أي كان ذلك رحمة {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أي عن إرادتي وإختياري بل كان بأمر ربي وتعليمه. {ذَلِكَ} أي هذا {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ضروب من خفي ألطاف الله تعال فعلى المؤمن أن يرضى بقضاء الله تعالى وإن كان ظاهره ضاراً. 2- بيان حسن تدبير الله تعالى لأوليائه بما ظاهره عذاب ولكن في باطنه رحمة. 3- مراعاة صلاح الأباء في إصلاح حال الأبناء. 4- كل ما أتاه الخضر كان بوحي إلهي وليس هو مما يدعيه جُهال الناس ويسمونه بالعلم الَّلدنِّي وأضافوه إلى من يسمونهم الأولياء، وقد يسمونه كشفاً، ويؤكد بطلان هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الخضر قال لموسى: أنا على علم مما علمني ربي وأنت على علم مما علمك الله وإن علمي وعلمك إلى علم الله إلا كما يأخذ الطائر بمنقاره من البحر.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِمَسَاكِينَ} (79) - وَبَدَأَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِشَرْحِ الأَسْبَابِ الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى خَرْقِ السَّفِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِنَّمَا قَامَ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ لِيُحْدِثَ فِيهَا عَيْباً، لأَِنَّهُمْ كَانُوا سَيَمُرُّونَ فِي طَرِيقِهِمْ عَلَى مَلِكٍ ظَالِمٍ، يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ حَسَنَةِ المَنْظَرِ، غَصْباً، وَإِحْدَاثُ العَيْبِ فِي السَّفِينَةِ يُنْقِذُهَا مِنْ شَرِّ هذَا المَلِكِ الظَّالِمِ، وَالسَّفِينَةُ يَمْلِكُهَا جَمَاعَةٌ مَسَاكِينُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيءٌ غَيْرَها يَرْتَزِقُونَ مِنْهُ. وَرَاءَهُمْ - أَمَامَهُمْ أَوْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. غَصْباً - اسْتِلاَباً بِغَيْرِ حَقٍّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {لِمَسَاكِينَ} اللام هنا للملكية، يعني مملوكة لهم، وقد حسمتْ هذه الآيةُ الخلافَ بين العلماء حول تعريف الفقير والمسكين، وأيهما أشدّ حاجة من الآخر، وعليها فالمسكين: هو مَنْ يملك شيئا لا يكفيه، كهؤلاء الذين كانوا يملكون سفينة تعمل في البحر، وسماهم القرآن مساكين، أما الفقير: فهو مَنْ لا يملك شيئاً. ومعنى: {يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ ..} [الكهف: 79] أي: مجال عملهم البحر، يعملون فيه بنقل الركاب أو البضائع، أو الصيد، أو خلافه. وقوله: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ..} [الكهف: 79] المتكلم هنا هو الخِضْر - عليه السلام - فنسب إرادة عَيْب السفينة إلى نفسه، ولم ينسبها إلى الله تعالى تنزيهاً له تعالى عَمَّا لا يليق، أما في الخير فنسب الأمر إلى الله فقال: {أية : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ..}تفسير : [الكهف: 82] لذلك فإنه في نهاية القصة يُرجع كل ما فعله إلى الله فيقول: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..}تفسير : [الكهف: 82]. ثم يقول تعالى: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79] كلمة: كل ترسم سُوراً كُلياً لا يترك شيئاً، فالمراد يأخْذ كل سفينة، سواء أكانت معيبة أم غير معيبة، لكن الحقيقة أنه يأخذ السفينة الصالحة للاستعمال فقط، ولا حاجةَ له في المعيبة الغير صالحة، وكأن في سياق الآية صفة مُقدَّرة: أي يأخذ كل سفينة صالحة غَصْباً من صاحبها. والغَصْب: ما أُخذ بغير الحق، عُنْوةً وقَهْراً ومُصَادرة، وله صور متعددة منها مثلاً السرقة: وهي أَخْذ المال من حِرْزه خفية ككسر دولاب أو خزينة، ومنها الغَصْب: وهو أخْذ مال الغير بالقوة، وتحت سمعه وبصره، وفي هذه الحالة تحدث مقاومة ومشادة بين الغاصب والمغصوب. ومنها الخطف: وهو أخْذ مال الغير هكذا علانية، ولكن بحيلةٍ ما، يخطف الشيء ويفرّ به دون أن تتمكّن من اللحاق به، فالخَطْفُ - إذن - يتم علانية ولكن دون مقاومة. ومنها الاختلاس: وهو أن تأخذ مال الغير وأنت مؤتمن عليه، والاختلاس يحدث خفية، ولا يخلو من حيلة تستره. وما دام الأمر هنا غَصْباً فلا بُدَّ لمالك الشيء أنْ يقاوم ولو بعض مقاومة يدافع بها عن حَقِّه، وقد يتوسل إليه أنْ يترك له ماله، فالمسألة - إذن - فيها كلام وأخْذٌ وَرَدٌّ. إذن: خَرْق السفينة في ظاهره اعتداء على ملك مُقوّم، وهذا منهيّ عنه شرعاً، لكن إذا كان هذا الاعتداء سيكون سبباً في نجاة السفينة كلها من الغاصب فلا بأس إذن، وسفينة معيبة خير من عدمها، ولو عَلِم موسى - عليه السلام - هذه الحكمة لَبادرَ هو إلى خَرْقها. وما دام الأمر كذلك، فعلينا أن نُحوِّل السفينة إلى سفينة غير صالحة ونعيبها بخَرْقها، أو بخلْع لَوْح منها لنصرف نظر الملك المغتصب عن أَخْذها. وكلمة {وَرَآءَهُم} هنا بمعنى أمامهم؛ لأن هذا الظالم كان يترصَّد للسفن التي تمر عليه، فما وجدها صالحة غصبها، فهو في الحقيقة أمامهم، على حَدِّ قوله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ}تفسير : [إبراهيم: 16] وهل جهنم وراءه أم أمامه؟ وتستعمل وراء بمعنى: بَعْد، كما في قوله تعالى: {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}تفسير : [هود: 71]. وتأتي وراء بمعنى: غير. كما في قوله تعالى في صفات المؤمنين: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ}تفسير : [المؤمنون: 5-7]. وفي قوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ..}تفسير : [النساء: 23] إلى .. {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ..}تفسير : [النساء: 24]. وقد تستعمل وراء بمعنى خلف، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ..}تفسير : [آل عمران: 187]. إذن: كلمة {وَرَاءَ} جاءتْ في القرآن على أربعة معَانٍ: أمام، خلف، بعد، غير. وهذا مما يُميِّز العربية عن غيرها من اللغات، والملَكة العربية قادرة على أن تُميّز المعنى المناسب للسياق، فكلمة العَيْن - مثلاً - تأتي بمعنى العين الباصرة. أو: عين الماء، أو: بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس. والسياق هو الذي يُحدد المعنى المراد. ثم يقول الحق سبحانه في قرآنه عما أوضحه الخضر لموسى عليه السلام مما خفي عليه: {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} يعني كان أَمامَهُم. قالَ الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: كَان المَلكُ يأخذ كُلَّ سَفينةٍ صَالحةٍ غَصباً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تأويل أفاعيله بقوله تعالى: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: 79] إلى قوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 82] إشارة إلى حقائق ومعانٍ: منها أن إخراق السفينة وإعابتها لئلا تؤخذ غصباً ليس من أحكام الشرع ظاهرة ولكنه لما كان فيه مصلحة لصاحبها في باطن الأمر جوز ذلك ليعلم أنه يجوز للمجتهد أن يحكم فيما يرى أنه صلاحه أكثر من فساده في باطن الأمر بما لا يجوز ليعلم أنه يجوز للمجتهد أن يحكم فيما يرى أنه صلاحه أكثر من فساده في باطن الأمر بما لا يجوز في ظاهر الشرع إذا كان موافقاً الحقيقة كما قال: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79]. ومنها: لكي يعلم عنايته بنبي من أنبيائه وعناية الله في حق عباده المساكين بأنهم يعملون في البحر غافلين عما وراءهم من الآفات، فكيف إن أدركتهم بعض العناية ونبي من أنبيائه دفع عنهم البلاء ودرأ عنهم الآفة. ومنها: ليعلم أن الله تعالى في بعض الأوقات يرجح مصلحة بعض المساكين على مصلحة نبي من أنبيائه في الظاهر، وإن كان لا يخلو في باطن الأمر من مصلحة النبي في إهماله جانبه في الظاهر، كما أنه تعالى رجح رعاية مصلحة المساكين في خرق السفينة على رعاية مصلحة موسى عليه السلام، لأنه كان من أسباب مفارقته عن صحبة الخضر ومصلحته ظاهراً كانت في ملازمة صحبة الخضر، وقد كان فراقه عن صحبته متضمناً عطاء النبوة والرسالة ودعوة بني إسرائيل وتربيتهم في حق موسى عليه السلام باطناً. ومنها: أن قتل النفس الزكية بلا جرم منها محظور في ظاهر الشرع، وإن كان فيه مصلحة لغيره، ولكنه في باطن الشرع جائز عند من يكاشف بخواتيم الأمور ويتحقق له مصلحة لغيره، ولكنه في باطن الشرع جائز عند من يكاشف بخواتيم الأمور ويتحقق به أن حياته سبب فساد دين غيره، وسبب كمال شقاوة نفسه كما كان حال الخضر مع قتل الغلام بقوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} [الكهف: 80] فلو عاش الغلام لكانت حياته سبب فساد دين أبويه وسبب كمال شقاوته، فإنه وإن طبع كافراً شقياً لم يكن ليبلغ كمال شقاوته إلا بطول الحياة ومباشرة أعمال الكفر. ومنها: تحقيق قوله تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 216] فإن أبوي الغلام كانا يكرهان قتل ابنهما بغير قتل نفس ولا جرم، وكان قتله خيراً لهما وإن كانا يحبان حياة ابنهما وهو أجهل الناس وكانت حياته شراً لهما، وكان الغلام أيضاً يكره قتل نفسه وهو خير له ويحب حياة نفسه وهو شر له؛ لأنه أراد طول الحياة أن يبلغ إلى كمال شقاوته. ومنها: أن من عواطف إحسان الله تعالى أنه إذا أخذ من العبد المؤمن شيئاً من محبوباته، وهو مضر له والعبد غافل عن مضرته، فإن حب وشكر فالله يبدله خيراً منه مما ينفعه ولا يضره كما قال تعالى: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} [الكهف: 81]. ومنها: أنه من كمال حكمته وغاية رأفته ورحمته في حق عباده أن يستعمل نبيين مثل موسى وخضر - عليهما السلام - في مصلحة الطفلين، كما قال تعالى: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} [الكهف: 82]. ومنها: أن مثل الأنبياء يجوز أن يسعى في أمر دنياوي إذا كان فيه صلاح أمر أخروي، لا سيما فائدته راجعة إلى غيره في الله. ومنها: ليعلم أن الله تعالى يحفظ مصالح قوم وقبيلة ويوصل بركاته إلى البطن السامع فيه كما قال: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} [الكهف: 82]. ومنها: ليتأدب المريد فيما استعمله الشيخ وينقاد له، ولا يعمل إلا لوجه الله، ولا يشوب عمله بطبع دنياوي وغرض نفساني ليحبط عمله ويقطع حبل الصحبة ويوجب الفرقة. ومنها: أن الله تعالى يحفظ المال الصالح للعبد إذا كان له فيه صلاح كما قال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الكهف: 82]. ومنها: ليتحقق أن كل ما يجري على أرباب النبوة وأصحاب الولاية إنما يكون بأمر من أوامر الله ظاهراً أو باطناً. أما الظاهر: فكحال الخضر قال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82] أي: فعلته بأمر ربي. وأما الباطن: فكحال موسى واعتراضه على الخضر في معاملاته ما كان خالياً عن أمر باطن من الله تعالى في ذلك؛ لأنه كان اعتراضه على فق شريعته. ومنها: أن الصبر على أفاعيل المشايخ أمر شديد، فإن زل قدم مريد صادق في أمر من أوامر الشيخ أو يتطرق إليه إنكار على بعض أفعال الشيخ أو يعتريه اعتراض على بعض معاملاته أو يعوزه الصبر على ذلك، فليعذره الشيخ ويعفو عنه ويتجاوز إلى ثلاث مرات فإن قال بعد الثالثة: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف: 78] يكون معذوراً ومشكوراً، ثم ينبئه عن أسرار أفاعليه ويقول له تأويل: {أية : مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 78].