١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
80
Tafseer
ابن كثير
تفسير : قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جَيْسُور. وفي هذا الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً» تفسير : رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق عن سعيد عن ابن عباس به، ولهذا قال: {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر، قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب، وصح في الحديث: «حديث : لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيراً له» تفسير : وقال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. وقوله: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي: ولداً أزكى من هذا، وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج. وقال قتادة: أبرّ بوالديه، وقد تقدم أنهما بدلا جارية. وقيل: لما قتله الخضر، كانت أمه حاملاً بغلام مسلم، قاله ابن جريج.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَٰناً وَكُفْراً } فإنه كما في حديث مسلم طبع كافراً ولو عاش لأرهقهما ذلك لمحبتهما له يتبعانه في ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنَ فَخَشِينآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً ظريفاً فأضجعه وذبحه، وقيل كان الغلام سداسياً وقيل أنه أراد بالسداسي ابن ست عشرة سنة، وقيل بل أراد أن طوله ستة أشبار، قاله الكلبي: وكان الغلام لصاً يقطع الطريق بين قرية أبيه وقرية أمه فينصره أهل القريتين ويمنعون منه. قال قتادة: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما. قيل كان اسم الغلام جيسور. قال مقاتل وكان اسم أبيه كازير، واسم أمه سهوى. {فَخَشِينآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْياناً وَكُفْراً} فيه ثلاة أوجه: أحدهما: علم الخضر أن الغلام يرهق أبويه طغياناً وكفراً لأن الغلام كان كافراً قال قتادة: وفي قراءة أُبي {وَأَمَّا الغُلامُ فَكَانَ كَافِراً وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} فعبر عن العلم بالخشية. الثاني: معناه فخاف ربك أن يرهق الغلام أبويه طغياناً وكفراً، فعبر عن الخوف بالخشية قال مقاتل: في قراءة أبي {فَخَافَ رَبُّكَ} والخوف ها هنا استعارة لانتفائه عن الله تعالى. الثالث: وكره الخضر أن يرهق الغلام أبويه بطغيانه وكفره إثماً وظلماً فصار في الخشية ها هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنها العلم. الثاني: أنها الخوف. الثالث: الكراهة. وفي {يُرْهِقَهُمَا} وجهان: أحدهما: يكفلهما، قاله ابن زيد. الثاني: يحملهما على الرهق وهو الجهد. {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا ربهما خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: خيراً منه إسلاماً، قاله ابن جريج. الثاني: خيراً منه علماً، قاله مقاتل. الثالث: خيراً منه ولداً. وكانت أمه حبلى فولدت، وفي الذي ولدته قولان: أحدهما: ولدت غلاماً صالحاً مسلماً، قاله ابن جريج. الثاني: ولدت جارية تزوجها نبي فولدت نبياً هدى الله على يديه أمة من الأمم. {وَأَقْرَبَ رُحْماً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أكثر براً بوالديه من المقتول، قاله قتادة، وجعل الرحم البر، ومنه قول الشاعر: شعر : طريدٌ تلافاه يزيد برحمةٍ فلم يُلْف من نعمائه يتعذَّرُ تفسير : الثاني: أعجل نفعاً وتعطفاً، قال أبو يونس النحوي وجعل الرحم المنفعة والتعطف، ومنه قول الشاعر: شعر : وكيف بظلم جارية... ومنها اللين والرحم تفسير : الثالث: أقرب أن يرحما به، والرُّحم الرحمة، قاله أبو عَمْرو بن العلاء، ومنه قول الشاعر: شعر : أحنى وأرحمُ مِن أمٍّ بواحدِها رُحْماً وأشجع من ذي لبدةٍ ضاري
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في {الغلام}، والخلاف في بلوغه أو صغره، وفي الحديث: أن ذلك الغلام طبع يوم طبع كافراً، وهذا يؤيد ظاهره أنه كان غير بالغ، ويحتمل أن يكون خبراً عنه، مع كونه بالغاً. وقيل اسم الغلام جيسور بالراء، وقيل جيسون بالنون، وهذا أمر كله غير ثابت، وقرأ أبي بن كعب: "فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين"، وقرأ أبو سعيد الخدري "فكان أبواه مؤمنان" فجعلها كان التي فيها الأمر والشأن، وقوله {فخشينا} قيل هو في جملة الخضر، فهذا متخلص. والضمير عندي للخضر وأصحابه الصالحين الذين أهمهم الأمر وتكلموا فيه، وقيل هو في جهة الله تعالى، وعنه عبر الخضر قال الطبري معناه فعلمنا وقال غيره معناه فكرهنا والأظهر عندي في توجيه هذا التأويل، وإن كان اللفظ يدافعه، أنها استعارة، أي على ظن المخلوقين والمخاطبين، لو علموا حاله لوقعت منهم خشية الرهق للأبوين، وقرأ ابن مسعود "فخاف ربك" وهذا بين في الاستعارة وهذا نظير ما يقع في القرآن في جهة الله تعالى من لعل وعسى: فإن جميع ما في هذا كله، من ترج وتوقع، وخوف، وخشية، إنما هو بحبكم أيها المخاطبون، و {يرهقهما} معناه يحثهما ويكلفهما بشدة، والمعنى أن يلقيهما حبه في اتباعه، وقرأ الجمهور "أن يبَدّلهما" بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن محيصن والحسن وعاصم "يبدلهما" بسكون الباء وتخفيف الدال، و"الزكاة": شرف الخلق، والوقار والسكينة المنطوية على خير ونية، و"الرحم" الرحمة، والمراد عند فرقة أي يرحمهما، وقيل أي يرحمانه، ومنه قول رؤبة بن العجاج: [الرجز] شعر : يا منزل الرحم على إدريسا ومنزل اللعن على إبليسا تفسير : وقرأ ابن عامر "رحُماً" بضم الحاء، وقرأ الباقون "رحْماً" بسكونها، واختلف عن أبي عمرو، وقرأ ابن عباس "ربهما أزكى منه" و {أقرب رحماً} وروي عن ابن جريج أنهما بدلا غلاماً مسلماً، وروي عن ابن جريج أنهما بدلا جارية، وحكى النقاش أنها ولدت هي وذريتها سبعين نبياً، وذكره المهدوي عن ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، وهذه المرأة لم تكن فيهم، وروي عن ابن جريج أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملاً بغلام مسلم، وقوله {وأما الجدار فكان لغلامين} هذان الغلامان صغيران، بقرينة وصفهما باليتم، وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتم بعد بلوغ" تفسير : . هذا الظاهر، وقد يحتمل أن يبقى عليهما اسم اليتم بعد البلوغ أي كانا يتيمين على معنى التشفق عليهما، واختلف الناس في "الكنز": فقال عكرمة وقتادة كان مالاً جسيماً، وقال ابن عباس كان علماً في صحف مدفونة، وقال عمر مولى غفرة كان لوحاً من ذهب قد كتب فيه عجباً للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجباً للموقن بالحساب كيف يغفل، وعجباً للموقن بالموت كيف يفرح، وروي نحو هذا مما هو في معناه، قوله {وكان أبوهما صالحاً} ظاهر اللفظ والسابق منه أن والدهما دنيّة، وقيل هو الأب السابع، وقيل العاشر، فحفظا فيه وإن لم يذكرا بصلاح، وفي الحديث "حديث : إن الله تعالى يحفظ الرجل الصالح في ذريته"تفسير : ، وجاء في أنباء الخضر عليه السلام في أول قصة {أية : فأردت أن أعيبها} تفسير : [الكهف: 79] وفي الثانية {فأردنا أن يبدلهما} وفي الثالثة {فأراد ربك أن يبلغا} وإنما انفرد أولاً في الإرادة لأنها لفظة عيب، فـتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله {أية : وإذا مرضت فهو يشفيني} تفسير : [الشعراء: 80]، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند المرض إلى نفسه، إذ هو معنى نقص ومصيبة، وهذا المنزع يطرد في فصاحة القرآن كثيراً، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى: {أية : فلما زاغوا أزاغ الله} تفسير : [الصف: 5]، وتقديم فعل الله تعالى في قوله {أية : ثم تاب عليهم ليتوبوا} تفسير : [التوبة: 118]، وإنما قال الخضر في الثانية {فأردنا} لأنه أمل قد كان رواه هو وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين، وتمنى البديل لهما، وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى. لأنها في أمر مستأنف في الزمن طويل غيب من الغيوب، فحسن إفادة هذا الموضع بذكر الله تعالى، وإن كان الخضر قد أراد أيضاً ذلك الذي أعلمه الله أنه يريده، فهذا توجيه فصاحة هذه العبارة بحسب فهمنا المقصر، والله أعلم، و"الأشد" كما الخلق والعقل واختلف الناس في قدر ذلك من السن، فقيل خمس وثلاثون، وقيل ست وثلاثون، وقيل أربعون، وقيل غير هذا مما فيه ضعف، وقول الخضر {وما فعلته عن أمري} يقتضي أن الخضر نبي، وقد اختلف الناس فيه: فقيل هو نبي، وقيل هو عبد صالح وليس بنبي، وكذلك جمهور الناس على أن الخضر مات صلى الله عليه وسلم، وتقول فرقة إنه حي، لأنه شرب من عين الحياة، وهو باق في الأرض، وأنه يحج البيت، وغير هذا، وقد أطنب النقاش في هذا المعنى، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، كلها لا يقوم على ساق، ولو كان الخضر عليه السلام حياً يحج لكان له في ملة الإسلام ظهور والله العليم بتفاصيل الأشياء لا رب غيره، ومما يقضي بموت الخضر الآن قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" تفسير : ، وقوله ذلك تأويل أي مآل، وقرأت فرقة "تستطع"، وقرأ الجمهور "تسطع" قال أبو حاتم كذا نقرأ "نتبع" المصحف، وانتزع الطبري من اتصال هذه القصة بقوله تعالى: {أية : وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلاً} تفسير : [الكهف: 58] إن هذه القصة إنما جلبت على معنى المثل للنبي صلى الله عليه وسلم في قومه؛ أي لا تهتم بإملاء الله لهم وإجراء النعم لهم على ظاهرها، فإن البواطن سائرة إلى الانتقام منهم، ونحو هذا مما هو محتمل لكن بتعسف ما فتأمله.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْغُلامُ} اسمه "حيسوراً" أو "شمعون" وكان سداسياً؛ له ست عشرة سنة، أو طوله ستة أشبار، وكان لصاً يقطع الطريق بين قرية أبيه وقرية أمه فيبصره أهل القريتين ويمنعون منه {فَخَشِينَآ} فكرهنا، أو علمنا، أو خفنا {يُرْهِقَهُمَا} يكلفهما، أو يحملهما على الرهق وهو الجهد.
البقاعي
تفسير : ولما كان كل من الغصب والمسكنة سبباً لفعله، قدمها على الغصب، إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين {وأما الغلام} أي الذي قتلته {فكان أبواه مؤمنين} وكان هو مطبوعاً على الكفر - كما يأتي في حديث أبيّ رضي الله عنه. ولما كان يحتمل عند الخضر عليه السلام أن يكون هذا الغلام مع كفره في نفسه سبباً لكفر أبويه إن كبر، وكان أمر الله له بقتله مثل فعل من يخشى ذلك، أسند الفعل إليهما في قوله: {فخشينا أن يرهقهما} أي يغشيهما ويلحقهما إن كبر بمحبتهما له أو بجراءته وقساوته {طغياناً} أي تجاوزاً في الظلم وإفراطاً فيه {وكفراً *} لنعمتهما فيفسد دنياهما أو يحملهما حبهما له على الطغيان والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما، روى مسلم في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير عن ابن عباس عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:" حديث : إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً"تفسير : وهذا حديث: "حديث : الله أعلم بما كانوا عاملين"تفسير : يدل على أن العذاب - على ما لو وجد شرطه لوقع - إنما يكون على ما كان جبلة وطبعاً، لا ما كان عارضاً، وإلا لعذب الأبوان على تقدير أن يكون المعلوم من الكفر منهما. ولما ذكر ما يلزم على تقدير بقائه من الفساد سبب عنه قوله: {فأردنا} أي بقتله وإراحتهما من شره، ولما كان التعويض عن هذا الولد لله وحده، أسند الفعل إليه في قوله: {أن يبدلهما ربهما} أي المحسن إليهما بإعطائه وأخذه {خيراً منه زكاة} طهارة وبركة، أي من جهة كونه كان ظاهر الزكاء في الحال، وأما في المآل فلو عاش كان فيه خبيثاً ظاهر الخبث، وهذا البدل يمكن أن يكون الصبر، ويمكن أن يكون ولداً آخر، وهو المنقول وأنها كانت بنتاً {وأقرب رحماً *} براً بهما وعطفاً عليهما ورحمة لهما فكان الضرر اللاحق لهما بالتأسف عليه أدنى من الضرر اللاحق لهما عند كبره بإفساد دينهما أو دنياهما {وأما الجدار} الذي أشرت بأخذ الأجر عليه {فكان لغلامين} ودل على كونهما دون البلوغ بقوله {يتيمين}. ولما كانت القرية لا تنافي التسمية بالمدينة، وكان التعبير بالقرية أولاً أليق، لأنها مشتقة من معنى الجمع، فكان أليق بالذم في ترك الضيافة لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم للجمع والإمساك، وكانت المدينة بمعنى الإقامة، فكان التعبير بها أليق للإشارة به إلى أن الناس يقيمون فيها، فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون الكنز، قال: {في المدينة} فلذلك أقمته احتساباً {وكان تحته كنز} أي مال مدخور {لهما} لو وقع لكان أقرب إلى ضياعه {وكان أبوهما صالحاً} ينبغي مراعاته وخلفه في ذريته بخير. ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ والاستخراج فعل الله وحده، أسند إليه خاصة فقال: {فأراد ربك} أي المحسن إليك بهذه التربية، إشارة إلى ما فعل بك من مثلها قبل النبوة كما بين {أن يبلغا} أي الغلامان {أشدهما} أي رشدهما وقوتهما {ويستخرجا كنزهما} لينتفعا به وينفعا الصالحين {رحمة} بهما {من ربك} أي الذي أحسن تربيتك وأنت في حكم اليتيم فكان التعب في إقامة الجدار مجاناً أدنى من الضرر اللازم من سقوطه لضياع الكنز وفساد الجدار، وقد دل هذا على أن صلاح الآباء داعٍ إلى العناية بالأبناء، روي عن الحسن بن علي رضي الله عهنما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله كنز الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال فأبي وجدي خير منه، قال أنبأنا الله أنكم قوم خصمون. {وما فعلته} أي شيئاً من ذلك {عن أمري} بل عن أمر من له الأمر، وهو الله. ولما بان سر تلك القضايا، قال مقدراً للأمر: {ذلك} أي لشرح العظيم {تأويل ما لم تسطع} يا موسى {عليه صبراً} وحذف تاء الاستطاعة هنا لصيرورة ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يحمل فكان منكره غير صابر أصلاً لو كان عنده مكشوفاً من أول الأمر، وسقط - ولله الحمد - بما قررته في هذه القصة ما يقال من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر في قول سليمان عليه السلام المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه"حديث : لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تلد فارساً يجاهد في سبيل الله، فلم تلد منهن إلا واحدة جاءت بشق آدمي أنه لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا فرساناً أجمعون" تفسير : . فأفهم ذلك أن ذلك كل نبي استثنى في خبره صدقه الله تعالى كما وقع للذبيح أنه قال: {أية : ستجدني إن شاء الله من الصابرين} تفسير : [الصافات: 102] فوفى، فما لموسى عليه السلام - وهو من أولي العزم - فعل مع الاستثناء ما فعل؟ فإن الذبيح صبر على ما هو قاطع بأنه بعينه أمر الله، بخلاف موسى عليه السلام فإنه كان ينكر ما ظاهره منكر قبل العلم بأنه من أمر الله، فإذا نبه صبر، وأما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : يرحم الله أخي موسى! وددنا لو أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما"تفسير : فمعناه: صبر عن الإذن للخضر عليه السلام في مفارقته في قوله { فلا تصاحبني } ويدل عليه أن في رواية لمسلم " حديث : رحمة الله علينا وعلى موسى! لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة" تفسير : {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني}. فتحرر أنه وفى بمقام الشرع الذي أقامه الله فيه فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس فيه ما يخالف ما يعرف ويستحضر من الشرع، وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى لأشرف خلقه في التسليك بسيرهم {أية : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} تفسير : [الأحقاف: 35] وقال تعالى: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90] وقال عليه السلام فيما خرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه في حنين فتلوّن وجهه وقال: "حديث : يرحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر"تفسير : وعلم أن في قصته هذه حثاً كثيراً على المجاهرة بالمبادرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمصابرة عليه، وأن لا يراعى فيه كبير ولا صغير إذا كان الإمرء على ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم عن الله ورسوله وأئمة دينه، وتنبيهاً على أنه لا يلزم من العلم اللدني - سواء كان صاحبه نبياً أو ولياً - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض الصوفية، لأن الخضر سأل موسى عليهما السلام: من أنت؟ وهل هو موسى نبي بني إسرائيل - كما سيأتي. روى البخاري في التفسير من روايات مختلفة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أبي بن كعب رضي الله عنه حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : موسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى إليه: بلى! عبد من عبادي بمجمع البحرين، قال: أي رب! كيف السبيل إليه؟ قال: تأخذ حوتاً في مكتل فحيث ما فقدته فاتبعه - وفي رواية: خذ نوناً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه فتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى الصخرة، فوضع موسى رأسه فنام في ظل الصخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت - وفي رواية: وفي أصل تلك الصخرة عين يقال له الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فانسل من المكتل فدخل البحر - فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، فذكر سفرهما وقول موسى عليه السلام { لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى! قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم! قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني، قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك؟ يا موسى! إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه - أي لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ولا ينبغي لي أنا أن أقف مع الظاهر، أطلق العلم على العمل لأنه سببه - فانطلقا يمشيان على الساحل، فوجدوا معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر، فعرف الخضر فقالوا: عبد الله الصالح! لا تحمله بأجر، فحملوهم في سفينتهم بغير نول: بغير أجر - فركبا السفينة، ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر؛ وفي رواية: فأخذ بمنقاره من البحر، وفي رواية: فنقر نقرة أو نقرتين فقال: والله ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا من البحر، فلم يفجأ موسى إلا الخضر عمد إلى قدوم فخرق السفينة ووتد فيها وتداً فذكر إنكاره وجوابه ثم قال: وكانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً - فذكر القصة، وقال في آخرها: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما ".
ابو السعود
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ} الذي قتلتُه {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} لم يصرح بكفرانه أو بكفره إشعاراً بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا} فخِفنا أن يغْشَى الوالدَين المؤمنَين {طُغْيَانًا} عليهما {وَكُفْراً} لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعِه ويُلحق بهما شراً وبلاءً، أو يُقرَنَ بإيمانهما طغيانُه وكفره فيجتمَع في بـيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٌ، أو يُعدِيَهما بدائه ويُضلّهما بضلاله فيرتدّا بسببه، وإنما خشِيَ الخَضِر عليه الصلاة والسلام منه ذلك لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمرِه، وقرىء فخاف ربك أي كره سبحانه كراهةَ مَن خاف سوء عاقبة الأمر فغيّره، ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورة على الحكاية بمعنى فكرِهنا كقوله تعالى: { أية : لأهَبَ لَكِ} تفسير : [مريم، الآية 19] {فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً} منه بأن يرزُقهما بدلَه ولداً خيراً {مِنْهُ} وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ والإضافةِ إليهما ما لا يخفى من الدِلالة على إرادة وصولِ الخير إليهما {زَكَوٰة} طهارةً من الذنوب والأخلاق الرديئة {وَأَقْرَبَ رُحْماً} أي رحمةً وعطفاً، قيل: وُلدت لهما جاريةٌ تزوجها نبـي فولدت نبـياً هدى أي تعالى على يده أمةً من الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبـياً، وقيل: أبدلهما ابناً مؤمناً مثلَهما، وقرىء رُحُماً بضم الحاء أيضاً وانتصابُه على التميـيز مثلُ زكوة. {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ} المعهودُ {فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ} هي القريةُ المذكورة فيما سبق، ولعل التعبـيرَ عنها بالمدينة لإظهار نوعِ اعتدادٍ بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبـيهما الصالحِ، قيل: اسماهما أصرم وصريم واسمُ المقتول جيسور {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} من فضة وذهب كما رُوي مرفوعاً. والذمُّ على كنزهما في قوله عز وجل: { أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ} تفسير : [التوبة، الآية 34] لمن لا يؤدي زكاتَهما وسائرَ حقوقهما. وقيل: كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه: (عجبْتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزَن، وعجبتُ لمن يؤمن بالرزق كيف يتعَب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفُل، وعجبت لمن يعرِف الدنيا وتقلُّبَها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله). وقيل: صحفٌ فيها علم. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً} تنبـيهٌ على أن سعيَه في ذلك كان لصلاحه، قيل: كان بـينهما وبـين الأب الذي حُفظا فيه سبعةُ آباء {فَأَرَادَ رَبُّكَ} أي مالكُك ومدبرُ أمورك، ففي إضافة الربِّ إلى ضمير موسى عليه الصلاة والسلام دون ضميرهما تنبـيهٌ له عليه الصلاة والسلام على تحتم كمالِ الانقيادِ والاستسلامِ لإرادته سبحانه ووجوبِ الاحترازِ عن المناقشة فيما وقع بحسبها من الأمور المذكورة {أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} أي حُلُمَهما وكمالَ رأيهما {وَيَسْتَخْرِجَا} بالكلية {كَنزَهُمَا} من تحت الجدار ولولا أني أقمتُه لانقضّ وخرج الكنزُ من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميتِه وضاع {رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} مصدرٌ في موقع الحال أي مرحومَين منه عز وجل، أو مفعولٌ له أو مصدرٌ مؤكدٌ لأراد فإن إرادةَ الخير رحمةٌ، وقيل: متعلقٌ بمضمر أي فعلتُ ما فعلتُ من الأمور التي شاهدتَها رحمةً من ربك، ويعضُده إضافةُ الرب إلى ضمير المخاطبِ دون ضميرهما فيكون قوله عز وعلا: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} أي عن رأيـي واجتهادي تأكيداً لذلك {ذٰلِكَ} إشارة إلى العواقب المنظومةِ في سلك البـيان، وما فيه معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِها في الفخامة {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع} أي لم تستطع فحُذف التاء للتخفيف {عَّلَيْهِ صَبْراً} من الأمور التي رابتْه أي مآلُه وعاقبتُه فيكون إنجازاً للتنبئة الموعودةِ، أو إلى البـيان نفسه فيكون التأويلُ بمعناه، وعلى كل حالٍ فهو فذلكةٌ لما تقدم، وفي جعل الصلة عينَ ما مر تكريرٌ للنكير وتشديدٌ للعتاب.
القشيري
تفسير : بيَّن له أَنَّ قَتْلَ الغلامِ لمَّا سَبَقَ به العلمُ مضى من الله الحُكْمُ أنَّ في بقائه فتنةًً لوالديه، وفي إبدال الخَلفِ عنه سعادةً لهما.
اسماعيل حقي
تفسير : {واما الغلام} الذى قتلته وهو جيسور {فكان ابواه} اسم ابيه كازبرا واسم امه سهوى كما فى التعريف {مؤمنين} مقرين بتوحيد الله تعالى {فخشينا} خفنا من {أن يرهقهما} رهقه غشيه ولحقه وارهقه طغيانا اغشاه اياه وألحق ذلك به كما فى القاموس. قال الشيخ ان يكلفهما {طغيانا} ضلالة {وكفرا} ويتبعان له لمحبتهما اياه فيكفران بعد الايمان ويضلان بعد الهداية وانما خشى الخضر من ذلك لان الله اعلمه بحال الولد انه طبع اى خلق كافرا.
الجنابذي
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً} طهارة من الكفر والشّرك والّذنوب، او نموّاً فانّ غلام القلب اطهر وانمى من غلام الشّيطنة {وَأَقْرَبَ رُحْماً} رحمة وعطفاً على والديه، او هو مأخوذ من الرّحم بالكسر والسّكون والرّحم يفتح الرّاء وكسر الحاء بمعنى القرابة وهذا اوفق بالمعنى اذ القرب بالقرابة اقرب منه بالرّحمة، روى انّهما ابدلا بالغلام المقتول ابنة فولد منها سبعون نبيّاً.
اطفيش
تفسير : {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} قرأ بعضهم زيادة على ذلك وكان كافرا. وهذه القراءة وما مر من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طبع الغلام على الكفر ومن حديث الخضر فى إظهاره كتابة على كتف الغلام أنهُ كافر لا يوجب الحكم على الصبى بالشرك والنفاق إذا رأيناه يفعل أو يقول ما هو شرك أو نفاق فى حق البالغ ولا بالبراءة لأن ذلك حكم غيب اطلع عليه الخضر ولم نتعبد بذلك. وقرأ الجحدرى فكان أبواه مؤمنان على أن فى كان ضمير الشأن أو ضمير الغلام وأبواه متبدأ ومؤمنان خبره على لغة قصر المثنى. {فَخَشِينَا} هذا من كلام الخضر كما قبله وما بعده لا حكاية ويجوز أن يكون هذا إلى قوله رحما من كلامه حكاية عن كلام الله سبحانه وتعالى ويناسبه قراءة أُبىّ فخاف ربك. وإن قلت: كيف صح إسناد الخشية والخوف إلى الله جل وعلا؟ قلت: على معنى قولك: كره كراهة من خاف سوء عاقبة أو خشيها وأما إذا كانت الخشية من الخضر لا حكاية فإنما خشى لأن الله سبحانه أعلمهُ بحال الغلام وأمره بقتله فظن أو تيقن أن قتله المأمور به قطع المفسدة يصير إليها لوحى حتى بلغ وقد فسر بعضهم الخشية باليقين وأكثر ما تكون عن علم بما يخشى منه وأصلها خوف يشوبه تعظيم. {أنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً} مجاوزة لحدود الله فى حقوق العباد أو مطلقا. {وَكُفْراً} لنعمه سبحانه وتعالى أو لنعمة أبويه فيعقهما. وتقدم الكلام على الإرهاق وعلى مفعوله الأول والثانى ومثله هنا ويزيد بأن المعنى أن يجعلهما داخلين الطغيان والكفر فيكون الهاء هو المفعول الأول. قيل: المعنى: خشينا أن يدعو أبويه إلى الكفر فيجيباه ويدخلا معه فى دينه من فرط محبتهما فيه. وقيل: المعنى: خشينا أن يعمل أعمال السوء فيعلم أبواه بها ويرضيا أو يداهناه أو يعيناه فيدخلا النار. وقيل: المعنى: يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فى بيت واحد فيكفرا بسببه بعد الإيمان. وقيل: المعنى: أن يجتمعوا فى بيت واحد فيكون عليهما بلاءٌ وشدة لأن معاشرة غير الجنس عذاب لأنه يدعو للكفر وهما يدعوان للإيمان. وقيل: المعنى: أن يدخل عليهما عقوقاً لطغيانه وكفره فيلقيا منه مشقة فذكر الطغيان والكفر لأنهما سبب العقوق أو المراد أنهما نفس العقوق.
اطفيش
تفسير : {وَأَمَّا الغُلاَمُ} الذى قتلت {فَكَانَ أَبَوَاهُ} أبوه كازير أُمه سهوا {مُؤْمِنيْنَ} وهو كافر، وكان التكليف متعلقا بالتمييز، وهو مميز، ثم نسخ إلى الحلم فيكون معنى قول موسى "أية : نفساً زكية"تفسير : [الكهف: 74] أنه لم نقتل نفسا، ولا فعلت موجب قتل، وكذا يكون المعنى على أنه بالغ، إِذ لم ير منه موجبا إلا أنه من أين رأى براءته البتة، لعل الخضر رأى منه الموجب، ثم إِنه كان غير بالغ أو غير مميز، فمعناه أنه إن بلغ كفر، وإِن ميز، فى صحيح مسلم: حديث : أن الغلام طبع يوم طبع كافراً . تفسير : وجاء الحديث: أن أطفال المشركين والمنافقين فى الجنة، فما حال الصبى؟ فأجيب بأنهم فى الجنة إلا من استثناه الوحى وأولى من هذا أن يجاب بأنه لم يجئ النص أنه فى النار، بل جاء الطبع على الكفر، ففى قتله النجاة منها إِذ لم يبلغ أو لم يميز ومعنى أنه كافر أنه إِن بلغ كفر. {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} الخشية أشد الخوف، وإرهاقه إياهم الطغيان، والكفر إِدخال ذلك عليهما، أو الخشية العلم، والطغيان ظلم العباد، والكفر الإشراك أن لا ينصف منه لمظلومه، ولا منه لإشراكه لشدة حبهما إياه وأن يتبعاه على طغيانه وشركه، أو أن يدنس إيمانهما. وفى شرح البخارى: الخشية العلم أى علمنا أنه لو بلغ لدعاهما إلى الكفر، فيجيبانه لفرط حبهما إياه أو خشينا أن يربياه ويحسنا إِليه مع كفره بعد بلوغه، أو أن يدخل عليهما ضمان أموال ورقاب، كما روى أنه كان يفسد، وروى أنه يقطع الطريق، ويحلف لهما أنه ما فعل فيحميانه عن طالبه. وأجاز الزمخشرى أن يكون ذلك من كلام الله، فيكون خشينا بمعنى كرهنا، كما ثبت فى مصحف ابن مسعود وقراءة أُبَىّ فخاف ربك فيقدر، فقال الله: خشينا فالفاء من الحكاية، وفى هذا ضعف مع ضعف أنه ليس من جواب الخضر على تعرض موسى له.
الالوسي
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ} الذي قتله {فَكَانَ أَبَوَاهُ} أي أبوه وأمه ففيه تغليب. واسم الأب على ما في «الإتقان» كازير والأم سهوا، وفي مصحف أبـي وقراءة ابن عباس (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه) {مُؤْمِنَيْنِ} والمعنى على ذلك في قراءة السبعة إلا أنه ترك التصريح بكفره إشعاراً بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره. واستدل بتلك القراءة من قال: إن الغلام كان بالغاً لأن الصغير لا يوصف بكفر وإيمان حقيقيين. وأجاب النووي عن ذلك بوجهين، الأول: أن القراءة شاذة لا حجة فيها، الثاني: أنه سماه بما يؤل إليه لو عاش. وفي «صحيح مسلم»: أن الغلام طبع يوم طبع كافراً وأول بنحو هذا وكذا ما مر من خبر صاحب العرس و«العرائس» لكن في صحته توقف عندي لأنه ربما يقتضي بظاهره علم موسى عليه السلام بتأويل القتل قبل الفراق، وعلى ما سمعت من التأويل لا يرد شيء مما ذكر على القول المنصور في الأطفال وهو أنهم مطلقاً في / الجنة على أنه قيل الكلام في غير من أخبر الصادق بأنه كافر، وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري {فكان أبواه مؤمنان} وخرجه الزمخشري وابن عطية وأبو الفضل الرازي على أن في كان ضمير الشأن، والجملة في موضع الخبر لهما، وأجاز أبو الفضل أن يكون {مؤمنان} على لغة بني الحرث بن كعب فيكون منصوباً، وأجاز أيضاً أن يكون في كان ضمير {ٱلْغُلَـٰمُ} والجملة في موضع الخبر. {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } فخفنا خوفاً شديداً أن يغشى الوالدين المؤمنين لو بقي حياً {طُغْيَانًا} مجاوزة للحدود الإلٰهية {وَكُفْراً} بالله تعالى وذلك بأن يحملهما حبه على متابعته كما روي عن ابن جبير، ولعل عطف الكفر على الطغيان لتفظيع أمره، ولعل ذكر الطغيان مع أن ظاهر السياق الاقتصار على الكفر ليتأتى هذا التفظيع أو ليكون المعنى فخشينا أن يدنس إيمانهما أولاً ويزيله آخراً، ويلتزم على هذا القول بأن ذلك أشنع وأقبح من إزالته بدون سابقية تدنيس؛ وفسر بعض شراح البخاري الخشية بالعلم فقال: أي علمنا أنه لو أدرك وبلغ لدعا أبويه إلى الكفر فيجيبانه ويدخلان معه في دينه لفرط حبهما إياه، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما طغياناً عليهما وكفراً لنعمتهما عليه من تربيتهما إياه وكونهما سبباً لوجوده بسبب عقوقه وسوء صنيعه فيلحقهما شر وبلاء، وقيل: المعنى خشينا أن يغشيهما ويقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، وفي بعض الآثار أن الغلام كان يفسد وفي رواية يقطع الطريق ويقسم لأبويه أنه ما فعل فيقسمان على قسمه ويحميانه ممن يطلبه. واستدل بذلك من قال: إنه كان بالغاً، والذاهب إلى صغره يقول إن ذلك لا يصح ولعل الحق معه، والظاهر أن هذا من كلام الخضر عليه السلام أجاب به موسى عليه السلام من جهته، وجوز الزمخشري أن يكون ذلك حكاية لقول الله عز وجل والمراد فكر هنا بجعل الخشية مجازاً مرسلاً عن لازمها وهو الكراهة على ما قيل، قال في «الكشف»: وذلك لاتحاد مقام المخاطبة كان سؤال موسى عليه السلام منه تعالى والخضر عليه السلام بإذن الله تعالى يجيب عنه وفي ذلك لطف ولكن الظاهر هو الأول انتهى، وقيل: هو على هذا الاحتمال بتقدير فقال الله: خشينا والفاء من الحكاية وهو أيضاً بعيد ولا يكاد يلائم هذا الاحتمال الآية بعد إلا أن يجعل التعبير بالظاهر فيها التفاتاً، وفي مصحف عبد الله وقراءة أبـي (فخاف ربك) والتأويل ما سمعت. وقال ابن عطية: إن الخوف والخشية كالترجي بلعل ونحوها الواقع في كلامه تعالى مصروف إلى المخاطبين وإلا فالله جل جلاله منزه عن كل ذلك.
الواحدي
تفسير : {وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا} فكرهنا {أن يرهقهما} يُكلِّفهما {طغياناً وكفراً} ويحملهما حبُّه على أن يتَّبعاه، ويدينا بدينه، وكان الغلام كافراً. {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة} صلاحاً {وأقرب رحماً} وأبرَّ بوالديه وأوصل للرَّحم. {وإمَّا الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة} يعني: في تلك القرية {وكان تحته كنز لهما} من ذهبٍ وفضَّةٍ، ولو سقط الجدار أُخذ الكنز {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} أراد الله سبحانه أن يبقى ذلك الكنز إلى بلوغ الغلامين حتى يستخرجاه. {وما فعلته عن أمري} أي: انكشف لي من الله سبحانه علمٌ فعملت به، ولم أعمل من عند نفسي. {ويسألونك} يعني: اليهود، وذلك أنَّهم سألوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلغ شرق الأرض وغربها. {إنا مكنا له في الأرض} سهَّلنا عليه السَّير فيها، وذلَّلنا له طرقها {وآتيناه من كلِّ شيء} يحتاج إليه {سبباً} علماً يتسبَّب به إلى ما يريد. {فأتبع سبباً} طريقاً يوصله إلى مغيب الشَّمس.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 80- وأما الغلام الذى قتلته فكان أبواه مؤمنين، فعلمنا - إن عاش - أنه سيصير سبباً لكفرهما. 81- فأردنا بقتله أن يعوِّضهما الله عنه ولداً خيراً منه ديناً وأعظم براً وعطفاً. 82- وأما الجدار الذى أقمته - دون أجر - فكان لغلامين يتيمين من أهل المدينة، وكان تحته كنز تركه أبوهما لهما، وكان رجلا صالحاً، فأراد الله أن يحفظ لهما الكنز حتى يبلغا رشدهما، ويستخرجاه، رحمة بهما، وتكريماً لأبيهما فى ذريته. وما فعلت ما فعلت باجتهادى، إنما فعلته بتوجيه من الله، هذا تفسير ما خفى عليك يا موسى ولم تستطع الصبر عليه. 83- يسألك - أيها الرسول - بعض الكفار عن نبإ ذى القرنين، فقل لهم: سأقص عليكم بعض أخباره. 84- لقد مكنَّا لأمره فى الأرض، يتصرف فيها بتدبيره وسلطانه، وآتيناه الكثير من العلم بالأسباب ما يستطيع به توجيه الأمور. 85- فاستعان بهذه الأسباب على بسط سلطانه فى الأرض، واتخذ سبباً يوصّله إلى بلوغ مغرب الشمس.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْغُلاَمُ} {طُغْيَاناً} (80) - أَمَّا الغُلاَمُ الَّذِي قَتَلَهُ، فَإِنَّهُ فِيمَا قَدَّرَ اللهُ، قَدْ طُبِعَ عَلَى الكُفْرِ، وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ صَالِحَيْنِ، فَخَشِيتُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُمَا لاِبْنِهِمَا عَلَى مُتَابَعَتِهِ عَلَى كُفْرِهِ، فَيَكُون فِي ذلِكَ هَلاَكُهُمَا. يُرْهِقُهُمَا - يُكَلِّفُهُمَا أَوْ يُغْشِيهُمَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الغلام: الولد الذي لم يبلغ الحُلُم وسِنّ التكليف، وما دام لم يُكلَّف فما يزال في سِنِّ الطهارة والبراءة من المعاصي؛ لذلك لما اعترض موسى على قتله قال: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً ..}تفسير : [الكهف: 74] أي: طاهرة، ولا شكَّ أن أخْذ الغلام في هذه السِّنِّ خَيْر له ومصلحة قبل أنْ تلوّثه المعاصي، ويدخل دائرة الحساب. إذن: فطهارته هي التي دعتْنَا إلى التعجيل بأخذه. هذا عن الغلام، فماذا عن أبيه وأمه؟ يقول تعالى: {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ..} [الكهف: 80] وكثيراً ما يكون الأولاد فتنة للآباء، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ..}تفسير : [التغابن: 14]. والفتنة بالأولاد تأتي من حِرْص الآباء عليهم، والسعي إلى جعلهم في أحسن حال، وربما كانت الإمكانات غير كافية، فيُضطر الأب إلى الحرام من أجل أولاده. وقد عَلِم الحق - سبحانه وتعالى - أن هذا الغلام سيكون فتنة لأبويه، وهما مؤمنان ولم يُرِد الله تعالى لهما الفتنة، وقضى أن يقبضهما إليه على حال الإيمان. وكأن قضاء الله جاء خيراً للغلام وخيراً للوالدين، وجميلاً أُسْدِي إلى كليْهما، وحكمة بالغة تستتر وراء الحدَث الظاهر الذي اعترض عليه موسى عليه السلام. لذلك يُعَدُّ من الغباء إذا مات لدينا الطفل أو الغلام الصغير أَنْ يشتد الحزن عليه، وننعى طفولته التي ضاعتْ وشبابه الذي لم يتمتع به، ونحن لا ندري ما أُعِدَّ له من النعيم، لا ندري أن مَنْ أُخِذ من أولادنا قبل البلوغ لا يُحدَّد له مسكن في الجنة، لأنها جميعاً له، يجري فيها كما يشاء، ويجلس فيها أين أحب، يجلس عند الأنبياء وعند الصحابة، لا يعترضه أحد، لذلك يُسمَّوْن "دعاميص الجنة". ثم يقول تعالى: {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً} [الكهف: 80]. خشينا: خِفْنا. فالواحد منا يولد له ابن فيكون قرة عَيْن وسنداً، وقد يكون هذا الابن سبباً في فساد دين أبيه، ويحمله على الكذب والرشوة والسرقة، فهذا الابن يقود أباه إلى الجحيم، ومن الخير أن يبعد الله هذا الولد من طريق الوالد فلا يطغى.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَخَشِينَآ} أي فَعَلِمنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):