١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
ابن كثير
تفسير : في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة، لأنه قال أولاً: {حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} وقال ههنا: {فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ} كما قال تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} تفسير : [محمد: 13] {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] يعني: مكة والطائف، ومعنى الآية أن هذا الجدار إنما أصلحته؛ لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما. قال عكرمة وقتادة وغير واحد: وكان تحته مال مدفون لهما، وهو ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله. وقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم، وكذا قال سعيد بن جبير، وقال مجاهد: صحف فيها علم، وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي عن عياش بن عباس القتباني، عن ابن حجيرة عن أبي ذر رفعه قال: «حديث : إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت، مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب، وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل، لا إله إلا الله محمد رسول الله»تفسير : . وبشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم. وقد روي في هذا آثار عن السلف، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة عن نعيم العنبري، وكان من جلساء الحسن، قال: سمعت الحسن، يعني: البصري يقول في قوله: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن عمر مولى غفرة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} قال: كان لوحاً من ذهب مصمت، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب لمن عرف النار ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالموت ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثتنا هنادة بنت مالك الشيبانية قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} قال: سطران ونصف، لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت للمؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت للمؤمن بالموت كيف يفرح. وقد قال الله: {أية : وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47] قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكانت بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجاً، وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة وورد به الحديث المتقدم، وإن صح، لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالاً؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحاً من ذهب، وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعاً فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم. وقوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً} فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقرّ عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحاً، وتقدم أنه كان الأب السابع، فالله أعلم. وقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} ههنا أسند الإرادة إلى الله تعالى، لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـوٰةً} وقال في السفينة {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} فالله أعلم. وقوله تعالى: {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أي: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة، إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام، وولدي الرجل الصالح، وما فعلته عن أمري، أي: لكني أمرت به، ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام مع ما تقدم من قوله: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} وقال آخرون: كان رسولاً. وقيل: بل كان ملكاً، نقله الماوردي في تفسيره، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبياً، بل كان ولياً، فالله أعلم. وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في "تهذيب الأسماء"، وحكى هو وغيره في كونه باقياً إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثاراً عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية، وإسناده ضعيف، ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء: 34] وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» تفسير : وبأنه لم ينقل أنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حياً، لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، وقد قال: «حديث : لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي» تفسير : وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام ابن منبه، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخضر قال: «حديث : إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذ هي تهتز من تحته خضراء» تفسير : ورواه أيضاً عن عبد الرزاق، وقد ثبت أيضاً في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة، فإذا هي تهتز من تحته خضراء» تفسير : والمراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض. وقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعاً، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: {تَسْطِـع} وقبل ذلك كان الإشكال قوياً ثقيلاً، فقال {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}، فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: {أية : فَمَا ٱسْطَـٰعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} تفسير : [الكهف: 97] وهو الصعود إلى أعلاه {أية : وَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ لَهُ نَقْبًا} تفسير : [الكهف: 97] وهو أشق من ذلك، فقابل كلاً بما يناسبه لفظاً ومعنى، والله أعلم. فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة، ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام، هذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة: حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث، وقد كان معه؟ قال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب، إسناده ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ } مال مدفون من ذهب وفضة {لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحاً } فحفظا بصلاحه أنفسهما ومالهما {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي إيناس رشدهما {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } مفعول له عامله «أراد» {وَمَا فَعَلْتُهُ } أي ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار {عَنْ أَمْرِى } أي اختياري بل بأمر إلهام من الله {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق، ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين ونوعت العبارة في:فأردت، فأردنا فأراد ربك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الَْمَدِينَةِ} زعم مقاتل أن اسم الغلامين صرم وصريم، واسم أبيهما كاشخ، واسم أمهما رهنا، وأن المدينة قرية تسمى عيدشى. وحقيقة الجدار ما أحاط بالدار حتى يمنع منها ويحفظ بنيانها، ويستعمل في غيرها من حيطانها مجازاً. {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} وفي هذا الكنز ثلاثة أقاويل: أحدها: صحف علم، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد. الثاني: لوح من ذهب مكتوب فيه حِكَم، قاله الحسن، وروى ابن الكلبي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}، كَانَ الكَنزُ لَوحاً مِن ذَهَبٍ مَكْتُوباً فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ عَجَبٌ لِّمِنَ يُؤِمِنُ بِالمَوتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجَبٌ لِّمَن يُوقِنُ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، عَجَبٌ لِّمَن يُوقِنُ بِزَوالِ الدُّنيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ". تفسير : الثالث: كنز: مال مذخور من ذهب وفضة، قاله عكرمة وقتادة. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} قيل إنهما حفظا لصلاح أبيهما السابع، قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى يحفظ عبده المؤمن في ولده وولد ولده وفي ذريته وفي الدويرات حوله. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. واختلف أهل العلم في بقاء الخضر عليه السلام إلى يوم، فذهب قوم إلى بقائه لأنه شرب من عين الحياة. وذهب آخرون إلى أنه غير باقٍ لأنه لو كان باقياً لعرف، ولأنه لا يجوز أن يكون بعد نبينا صلى الله عليه وسلم نبي وهذا قول من زعم أن الخضر نبي.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْجِدَارُ} حقيقة ما أحاط بالدار فمنع منها وحفظ بنيانها ويستعمل في غيره من حيطانها مجازاً {كَنزٌ} ذخيرة من ذهب وفضة، أو لوح ذهب مكتوب فيه حِكَم، أو لوح ذهب مكتوب فيه "بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالدنيا بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله" قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ـ {صَالِحاً} حُفِظا لصلاح أبيهما السابع. والخضر باق لشربه من الحياة، أو غير باقٍ إذ لا نبي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
القشيري
تفسير : أَما تسوية الجدار فلاستبقاءِ كنز الغلامين وترك طلب الرفق من الخَلْق.
اسماعيل حقي
تفسير : {واما الجدار} المعهود {فكان لغلامين يتيمين} اسمهما اصرم وصريم ابنا كاشح وكان سياحا تقيا واسم امهما دنيا فيما ذكره النقاش {فى المدينة} فى القرية المذكورة فيما سبق وهى انطاكية {وكان تحته} اى تحت الجدار {كنز لهما}[كنجى براى ايشان] هو فى الاصل مال دفنه انسان فى ارض وكنزه يكنزه اى دفنه اى مال مدفون لهما من ذهب وفضة روى ذلك مرفوعا وهو الظاهر لاطلاق الذم على كنزهما فى قوله تعالى {أية : والذين يكنزون الذهب والفضة}تفسير : لا يؤدى زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق. وقيل كان لوحا من ذهب او من رخام مكتوب فيه "بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر" اى ان الامور كائنة بقضاء الله تعالى وتقديره "كيف يحزن" اى على فوات نعمة واتيان شدة "وعجبت لمن يؤمن بالرزق" اى ان الرزق مقسوم والله تعالى رازق كل احد "كيف ينصب" اى يتعب فى تحصيله "وعجبت لمن يؤمن بالموت" اى انه سيموت وهو حق "كيف يفرح" اى بحياته القليلة القصيرة "وعجبت لمن يؤمن بالحساب" اى ان الله تعالى يحاسب على كل قليل وكثير "كيف يغفل" اى عن ذلك ويشغل بتكثير متاع الدنيا "وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها باهلها كيف يطمئن اليها لا اله الا الله محمد رسول الله وعجبت لمن يؤمن بالنار كيف يضحك" وفىالجانب الآخر مكتوب "انا الله لا اله الا انا وحدى لا شريك لى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير واجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر واجريته على يديه" وهو قول الجمهور كما فى بحر العلوم { وكان ابوهما صالحا} كان الناس يضعون الودائع عند ذلك الصالح فيردها اليهم سالمة فحفظنا بصلاح ابيهما فى مالهما وانفسهما. قال جعفر بن محمد كان بينهما وبين الاب الصالح سبعة آباء فيكون الذى دفن ذلك الكنز جدهما السابع {فاراد ربك} بالامر بتسوية الجدار {ان يبلغا اشدهما} اى حلمهما وكمال رأيهما. قال فى بحر العلوم الاشد فى معنى القوة جمع شدة كانعم فى نعمة على تقدير حذف الهاء وقيل لا واحد له وبلوغ الاشد بالادراك وقيل ان يونس منه الرشد مع ان يكون بالغا وآخره ثلاث وثلاثون سنة او ثمانى عشرة وانما قال الخضر فى تأويل خرق السفينة {أية : فاردت ان اعيبها}تفسير : بالاسناد الى نفسه لظاهر القبح وفى تأويل قتل الغلام {أية : خشينا}تفسير : بلفظ الخشية والاسناد الى نا لان الكفر مما يجب ان يخشاه كل احد وقال فى تأويل الجدار {فاراد ربك ان يبلغا اشدهما} بالاسناد الى الله تعالى وحده لان بلوغ الاشد وتكامل السن ليس الا بمحض ارادة الله تعالى من غير مدخل واثر لارادة العبد فالاول فى نفسه شر قبيح والثالث خير محض والثانى ممتزج. وقال بعضهم لما قال الخضر {فاردت} اللهم من انت حتى يكون لك ارادة فجمع فى الثانية حيث قال {فاردنا} فالهم من انت وموسى حتى يكون لكما اراد فخض فى الثالثة الارادة بالله اى دون اضافة الارادة الى نفسه وادعاء الشركة فيهما ايضا {ويستخرجا كنزهما} من تحت الجدار ولولا انى اقمته لا نقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته وضاع بالكلية. فان قيل انعرف واحد من اليتيمين والقيم عليهما الكنز امتنع ان يترك سقوط الجدار وان لم يعرفوا فكيف يسهل عليهم استخراجه. قلنا لعلهما لم يعلماه وعلم القيم الا انه كان غائبا كذا فى تفسير الامام. يقول الفقير قوله وان لم يعرفوا الخ غير مسلم لان الله تعالى قادر على ان يعرفهما مكان ذلك الكنز بطريق من الطرق ويسهل عليهما استخراجه على ان واجد الكنز فى كل زمان من غير سبق معرفة بالمكان ليس بنادر واللام فى كنز لهما لاختصاص الوجدان بهما ومن البعيد ان يعيش الجد السابع الى ان يولد للبطن السادس من اولاده ويدفن له مالا او يعين له {رحمة من ربك} لهما مصدر فى موقع الحال اى مرحومين من قبله تعالى او علة لاراد فان ارادة الخير رحمة او مصدر لمحذوف اى رحمهما الله بذلك رحمة {وما فعلته} اى ما فعلت ما رأيته يا موسى من خرق السفينة وقتل الغلام واقامة الجدار {عن امرى} عن رأيى واجتهادى وانما فعلته بامر الله ووحيه وهذا ايضاح لما اشكل على موسى وتمهيد عنه شفقة له {ذلك} المذكور منا لعواقب {تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} اى لم تستطع فحذف التاء للتخفيف وهو انجاز للتنبئة الموعودة - روى - ان موسى لما اراد ان يفارقه قال له الخضر لوصبرت لاتيت على الف عجب كل عجب اعجب مما رأيت فبكى موسى على فراقه وقال له اوصنى يا نبى الله. قال لا تطلب العلم لتحدث به الناس واطلبه لتعمل به وذلك لان من لم يعمل بعلمه فلا فائدة فى تحديثه بل نفعه يعود الى غيره: وفى المثنوى شعر : جوع يوسف بود آن يعقوب را بوى نانش مى رسيد ازدورجا آنكه بستد بيرهن رامى شتافت بوى بيراهان يوسف مى نيافت وانكه صدفر سنك زآن سوبوى او جونكه بد يعقوب مى بوييد بو اى بسا عالم زدانش بى نصيب حافظ علمست آنكست نى حبيب زانكه ببراهان بدستش عاريه است جون بدست آر نخاسى جاريه است جاريه بيش نخاسى سرسريست در كف او از براى مشتريست تفسير : ومن وصايا الخضر. كن نفاعا ولا تكن ضرارا. وكن بشاشا ولا تكن عبوسا غضابا. واياك واللجاجة. ولا تمش فى غير حاجة. ولا تضحك من غير عجب. ولا تعير المذنبين خطاياهم بعد الندم. وابك على خطيئتك ما دمت حيا. ولا تؤخر عمل اليوم الى الغد. واجعل همك فى معادك ولا تخض فيما لا يعنيك. ولا تأمن لخوف من امنك. ولا تيأس من الا من من خوفك. وتدبر الامور فى علانيتك. ولا تذر الاحسان فى قدرتك فقال له موسى قد ابلغت الوصية فاتم الله عليك نعمته وغمرك فى رحمته وكلأك من عدوه. فقال له الخضر اوصنى انت يا موسى فقال له موسى اياك والغضب الا فى الله. ولا تحب الدنيا فانها تخرجك من الايمان وتدخلك فى الكفر فقال له الخضر قد ابلغت فى الوصية فاعانك الله على طاعته واراك السرور فى امرك وحببك الى خلقه واوسع عليك من فضله قال له آمين كما فى التعريف والاعلام للامام السهيلى رحمه الله. وفى بعث موسى الى الخضر اشارة الى ان الكمال فى الانتقال من علوم الشريعة المبنية على الظواهر الى علوم الباطن المبنية على التطلع الى حقائق الامور كما فى تفسير الامام. قال بعض العارفين من لم يكن له نصيب من هذا العلم اى العلم الوهبى الكشفى اخاف عليه سوء الخاتمة وادنى النصيب التصديق به وتسليمه لاهله واقل عقوبة من ينكره ان لا يرزق منه شيئا وهو علم الصديقين والمقربين كذا فى احياء العلوم. وفى الآية اشارات منها انه تعالى من كمال حكمته وغاية رأفته ورحمته فى حق عباده يستعمل نبيين مثل موسى والخضر عليهما السلام فى مصلحة الطفلين. ومنها ان مثل الانبياء يجوز ان يسعى فى امر دنيوى اذا كان فيه صلاح امر اخروى لا سيما فائدة راجعة الى غيره فى الله. ومنها ان يعلم ان الله تعالى يحفظ بصالح قوما وقبيلة ويوصل بركاته الى البطن السابع منه كما قال {وكان ابوهما صالحا}. قال محمد بن المنكدر ان الله يحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وعشيرته والدويرات اى اهلها حوله فلا يزالون فى حفظ الله وستره. قال سعيد بن المسيب انى اصلى واذكر ولدى فازيد فى صلاتى. وصح عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى {وكان ابوهما صالحا} انه قال حفظا بصلاح ابيهما وما ذكر منهما صلاحا فاذا نفع الاب الصالح مع انه السابع كما قيل فى الآية فما بالك بسيد الانبياء والمرسلين بالنسبة إلى قرابته الطاهرة الطيبة المطهرة. وقد قيل ان حمام الحرم انما اكرم لانه من ذرية حمامتين عششت على غار ثور الذى اختفى فيه النبى عليه السلام عند خروجه من مكة للهجرة كما فى الصواعق لابن حجر. وذكر ان بعض العلوية هم هارون الرشيد بقتله فلما دخل عليه اكرمه وخلى سبيله فقيل بم دعوت حتى انجاك الله منه فقال قلت يا من حفظ الكنز على الصبيين لصلاح ابيهما احفظنى لصلاح آبائى كما فى العرائس. ومنها ليتأدب المريد فيما استعمله الشيخ وينقاد له ولا يعمل الا لوجه الله ولا يشوب عمله بطمع دنيوى وغرض نفسانى ليحبط عمله ويقطع حبل الصحبة ويوجب الفرقة. ومنها ان الله تعالى يحفظ المال الصالح للعبد الصالح اذا كان فيه صلاح. ومنها ليتحقق ان كل ما يجرى على ارباب النبوة واصحاب الولاية انما يكون بامر من اوامر الله ظاهرا وباطنا. اما الظاهر فكحال الخضر كما قال {وما فعلته عن امرى} اى فعلته بامر ربى. واما الباطن فحكال موسى واعتراضه على وفق شريعته. ومنها ان الصبر على افاعيل المشايخ امر شديد فان زل قدم مريد صادق فى امر من اوامر الشيخ او تطرق اليه انكار على بعض افعال المشايخ او اعتراه اعتراض على بعض معاملاته او اعوزه الصبر على ذلك فليعذره ويعف عنه ويتجاوز الى ثلاث مرات فان قال بعد الثالثة هذا فراق بينى وبينك يكون معذورا ومشكورا ثم ينبئه عن افاعيله ويقول ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا. قال فى العوارف ويحذر المريد الاعتراض على الشيخ ويزيل اتهام الشيخ عن باطنه فى جميع تصاريفه فانه السم القاتل للمريدين وقل ان يكون مريد يعترض على الشيخ بباطنه فيفلح ويذكر المريد فى كل ما اشكل عليه من تصاريف الشيخ قصة موسى مع الخضر كيف كان يصدر من الخضر تصاريف ينكرها موسى ثم لما كشف له عن معناها بان لموسى وجه الصواب فى ذلك فهكذا ينبغى للمريد ان يعلم ان كل تصرف اشكل عليه صحته من الشيخ عند الشيخ فيه بيان وبرهان للصحة انتهى: قال الحافظ شعر : نصيحتى كنمت بشنو وبهانه مكير هر آنكه ناصح مشفق بكويدت ببذير تفسير : وينبغى ان يكون المرشد محققا ومشفقا لا مقلدا غير مشفق كيلا يضيع سعى من اقتدى به فانه قيل شعر : اذا كان الغراب دليل قوم سيهديهم الى ارض الجياف تفسير : قال الحافظ شعر : دردم نهفته به زطبيبان مدعى باشدكه ازخزانه غيبش دواكنند تفسير : قال الصائب شعر : ربى درد ان علاج دردخود جستن بآن ماند كه خاراز بابرون آرد كسى بانيش عقربها تفسير : ومنها انه اذا تعارض ضرر ان يجب تحمل اهونهما لدفع اعظمهما وهو اصل ممهد غير ان الشرائع فى تفاصيله مختلفة مثاله. رجل عليه جرح لو سجد له سال جرحه وان لم يسجد لم يصل فانه يصلى قاعدا يومى بالركوع والسجود لان ترك الركوع والسجود اهون من الصلاة مع الحدث. وشيخ لا يقدر على القراءة ان صلى قائما ويقدر عليها ان صلى قاعدا يصلى قاعدا مع القراءة ولو صلى فى الفصلين قائما مع الحدث وترك القراءة لم يجز. ورجل لو خرج الى الجماعة لا يقدر على القيام ولو صلى فى بيته صلى قاعدا صححه فى الخلاصة وفى شرح المنية يصلى فى بيته قائما قال ابن نجيم وهو الاظهر ومن اضطر. وعنده ميتة ومال الغير اكلها دونه. ورجل قيل له لتلقين نفسك فى النار او من الجبل او لاقتلنك وكان الالقاء بحيث لا ينجو يختار ما هو الاهون فى زعمه عند الامام يصبر حتى يقتل كذا فى الاشباه.
الجنابذي
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ} وهما تأويلاً قوّتا القلب العلاّمة والعمّالة فانّ القلب بعد تولّده يحصل له قوّتان باحديهما يتصرّف فى كثرات عالمه الصّغير على وفق حكم العقل، وبالاخرى يتوجّه الى العقل ويأخذ ما هو صلاحه من العلوم والمكاشفات بحسب نفسه او بحسب عالمه، وبعبارهٍ اخرى يصير ذا جهتين؛ جهة الوحدة وجهة الكثرة ويتمهما عبارة عن عدم اتّصالهما بابيهما العقل، او عدم اتّصالهما الى ابيهما المرشد المعلّم، وببقاء جدار البدن يستخرجان ما هو المكمون تحته من كنز الجامعيّة بين التّنزيه والتّشبيه والتّسبيح والتّحميد وهو مقام الجمع الّذى هو قرّة عيون السّلاّك وللاشارة الى جهة التّأويل ورد اخبار مختلفة كثيرة فى تفسير الكنز بأنّه لم يكن من ذهبٍ ولا فضّةٍ، وفى بعضها كان: لا آله الاّ الله، محمّد (ص) رسول الله؛ وبعده بعض كلمات النّصح والوعظ، وفى بعضها بسم الله الرّحمن الرّحيم وبعده بعض الكلمات النّاصحة، وفى بعضها الجمع بين التّسمية والتّهليل ورسالة محمّد (ص) وبعده كلمات النّصح، وفى بعضها الاقتصار على التّهليل فقط وبعده الكلمات النّاصحة، وبعد اعتبار جهة التّأويل يرتفع الاختلاف عن الكلّ ويتّحد المقصود من مختلفها {فِي ٱلْمَدِينَةِ} اى النّاصرة {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} وصلاح ابيهما صار سبباً لمراعاتهما واقامة جدارهما وحفظ كنزهما، فانّ الله ليحفظ ولد المؤمن الف سنةٍ كما فى الخبر وانّ الغلامين كان بينهما وبين ابويهما سبعمائة سنةٍ، وفى الخبر انّ الله ليصلح بصلاح الرّجل المؤمن من ولده وولد ولده ويحفظه فى دُويرته ودويرات حوله فلا يزالون فى حفظ الله لكرامته على الله {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا} قوّتهما قيل: هو ما بين ثمانى عشرة سنةً الى ثلاثين وهو مفرد على بناء الجمع نادر النّظير، او جمعٌ لا واحد له من لفظه، او واحده شدّ بالكسر او شَدّ بالفتح لكنّهما غير مسموعين بهذا المعنى، ومعنى الجمع اوفق بالمقصود لانّه اريد به قوّة جميع القوى البدنيّة والنّفسانيّة {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ} اى ما رأيت من العجائب او ما رأيت من اقامة الجدار {عَنْ أَمْرِي} ورأيى. مراتب السّلوك اعلم، انّ مقصود الخضر (ع) كان من اظهار تلك الغرائب ظاهراً واجرائها باطناً تعليم موسى (ع) طريق التّكميل، وتكميله من جهة حاجته الى التّعليم وان كان موسى (ع) من جهة الرّسالة ومراقبة احكام الكثرة وحفظ مراتبها افضل واكمل من الخضر (ع) كما مرّ لكنّه كان محتاجاً الى تعليم الخضر (ع) طريق التّكميل فى جهة الوحدة والسّلوك الى الله، ولمّا كان السّالك فى اوّل مراتب سلوكه وهو السّير من الخلق الى الحقّ محتاجاً الى خراب البدن واضمحلال القوى النّفسانية حتّى يتخلّص من سلطان الشّيطان وغصبه ويسلّم للقوى العقليّة الّتى هى فى اوّل الامر مساكين عاجزون عن اكتساب ما يحتاجون اليه اظهر عليه السّلام تخريب السّفينة تنبيهاً وتعليماً وتكميلاً، واسباب تخريب البدن وكسر قوى النّفس غير محصور ولا ضبط لها ولا ميزان بل تكون اختياريّةً كانواع الرّياضات والسّياحات والعبادات، وتكون اضطراريّة كانواع البلايا والامتحانات الّتى يوردها الله على السّالك بحسب ما يقتضيه حكمته بل نقول: دخول السّالك فى السّلوك وقبول الشّيخ ايّاه والتّوبة على يده وتلقينه الّذكر بشورطه اوّل كسر قوى النّفس واوّل مراتب جهاده ومقاتلته مع قوى النّفس واوّل قدرة الانسان على الجهاد والغلبة ويحصل له بامداد الشّيخ الغلبة مرّةً بعد اخرى حتّى يحصل له السّلطنة والحكم، والسّالك فى تلك المرتبة من السّلوك كافر محض بالكفر الشّهودىّ حيث لا يرى الله مجرّداً ولا فى مظاهره حالاً او متّحداً معها؛ والشّيخ ينبغى ان يتنزّل عن مقامه العالى الى هذا المقام ويخاطب السّالك مطابقاً لحاله مشعراً بكفره واستتار الحقّ عنه ولذلك قال الخضر (ع) فى اوّل الامر امّا السّفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت ان اعيبها، بنسبة الفعل اى نفسه استقلالاً واظهاراً لانانيّته من غير اشارة الى شراكةٍ او تسبيب من الله، ولمّا كان كلّ ما ينسبه السّالك الى نفسه وكلّ ما يراه من انانيّته نقصاً وشرّاً وعيباً ابرز الفعل المنسوب الى انانيّته بلفظ العيب تنبيهاً على انّ السّالك ينبغى ان لا يرى الاّ عيب فعله فى ذلك المقام وان كان خيراً فقال ان اعيبها ولم يقل ان استخلصها من الغصب او اسلّمها لاربابها، ولا يرى السّالك حينئذٍ الاّ طريق الاعتزال ويرى نفسه مختارة والحقّ معزولاً. فاذا انتهى سفره هذا وابتداء السّفر الثّانى وهو السّير من الحقّ والخلق الى الحقّ وبعده من الحقّ الى الحقّ ينبغى ان يقتل ويمحو الشّيطنة الّتى هى رئيس تمام القوى النّفسانيّة والجنود الشّيطانيّة حتّى يتولّد طفل القلب ويطهر بيت الصّدر وينزل الاملاك فيه ويعمروا بيت القلب ويطهّروه لدخول ربّ البيت فيه، وفى هذا السّفر منازل كثيرة جدّاً بحسب تجلّيه تعالى بأسمائه على السّالك مفردةً او منضّمةً، وفى هذا السّفر يظهر عليه جميع العقائد الباطلة وينحرف الى جميع المذاهب المختلفة من الثّنوية والابليسيّة والوثنيّة والصّابئيّة والجنّيّة والملكيّة والغلوّ والنّصب والاعتزال والجبر والتّوسّط بينهما والحلول والاتّحاد والوحدة والاباحة والالحاد ونفى الحشر واثبات المعاد وانكار النّبوّة واثباتها بحسب تجلّياته المختلفة باسمائه المختلفة المتضادّة بحيث يرى كلّ هذه لو لم يكن عناية شيخٍ عليه حقّه وجميع المذاهب نشأت من هذا السّير من حيث انّه لم يكن سلاّكه تحت امر شيخ يربّيه، ويظهر بطلان الباطل عليه؛ فانّه قد يظهر عليه عالم النّور والظّلمة ويراهما متصرّفين فى عالم الطّبع فيحسب انّ للعالم مبدئين النّور والظّلمة، وقد يرى فى العالمين حاكمين يتصرّف فيهما وفى عالم الطّبع فيحسب انّ المبدء يزدان واهريمن، وقد يرى العالمين وحاكمهما مستقلّين غير معلولٍ احدهما للآخر فيظنّ انّهما قديمان، وقد يرى عالم الظّلمة وحاكمه معلولين للنّور وحاكمه فيحسب انّ احدهما قديم والآخر حادث، وقد يتجلّى تعالى شأنه على بعض المظاهر كالاملاك والافلاك والفلكيّات والعناصر والعنصريّات والابالسة والجنّة باسم الآلهة فيظنّ انّه مستحقّ للعبادة وقد يتجلّى ببعض اسمائه على السّالك او على غيره بحيث يراه حالاً فيه فيعتقد الحلول، وقد يعتقد فى هذا التّجلىّ الجبر حين يرى الفعل منه تعالى جارياً عليه، وقد يتجلّى كذلك بحيث يرتفع الاثنينيّة فيعتقد الاتّحاد وقد يعتقد فى هذا التّجلىّ التّوسّط بين الجبر والتّفويض، وقد يتجلّى عليه او على غيره بحيث لا يبقى شعور من السّالك بغيره تعالى وان كان باقياً عليه بعدُ شيءٌ من البشريّة فيظهر منه حينئذٍ الشّطحيّات مثل: سبحانى ما أعظم شانى، وليس فى جبّتى سوى الله، وانّا الحقّ؛ وامثال ذلك، وقد يعتقد السّالك الغلوّ فى كلّ من تلك التّجلّيات الثّلاثة، ولعلّ قوله تعالى: {أية : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} تفسير : [الأنفال:17] كان اشارة الى الثّالث من تلك المقامات، لانّه تعالى لم يشر الى بقاء نفسيّة لهم فى العبارة، وقد يتجلّى باسم الواحد عليه وعلى ما سواه فيمحو المراتب والتّعيّنات عن نظر السّالك فيعتقد الوحدة ويتولّد منه الاباحة والالحاد والزّندقة وانكار الرّسالة وانكار المبدء والمعاد وسقوط العبادات ولا يخلو السّالك فى هذا السّفر عن الشّرك الوجودىّ ورؤية الانانيّة من نفسه مع شهود الحقّ مجرّداً او فى المظاهر، وايضاً قلّما ينفكّ عن الخشية وان كان قد زال عنه الخوف لانّه جاوز السّفر الاوّل؛ والخوف من لوازمه، وللاشارة الى هذا السّفر والاشراك والخشية اللاّزمين فيه قال فخشينا تشريكاً فى الانانيّة حيث تنزّل الى هذا المقام مداراةً مع موسى (ع) وموافقةً له، والخشية وان لم يصحّ نسبتها الى الله تعالى منفرداً لكن تشريكه تعالى فى الانانيّة مع كون نسبتها الى احدهما صحيح، وايضاً الخشية حالة حاصلة عن التّرحّم والخوف، وبعبارةٍ اخرى حالة ممتزجة من لذّة الوصال والم الفراق والفوات، ونسبتها اليهما باعتبار جزئيها صحيحة ولرؤية الارادة من نفسه ومن الله قال فأردنا بالتّشريك، ونهاية هذا السّفر نهاية الفقر وبداية الغنى كما اشير اليه بقوله: الفقر اذا تمّ هو الله، وفى تلك الحالة ان بقى عليه شيءٌ من بقايا نفسه وبقايا البشريّة يظهر منه الشّطحيّات كما سبق، وبعد هذا السّفر السّفر بالحق فى الحقّ، وفى هذا السّفر لا يبقى عين من السّالك ولا اثرٌ فلا يكون منه ومن سفره خبر، ولذا لم يظهر الخضر (ع) منه شيئاً ولم يخبر عنه بشيءٍ، وبعد هذا السّفر السّفر بالحق فى الخلق، وهو آخر مقامات السّالكين ونهاية سير السّائرين وبحسب السّعة والضّيق والتّمكّن والتّلّون فى تلك المقامات يتفاضل السّلاّك والاولياء والرّسل (ع)، وهذا السّفر هو البقاء فى فناء والبقاء بالله، وفقيه شهود جمال الوحدة فى مظاهر الكثرات، وفيه حفظ الوحدة فى عين لحاظ الكثرة، وحفظ المراتب وحدودها فى عين شهود الوحدة، وجمال الحقّ الاوّل، وفى هذا السّفر لا يبقى الانانيّة الاّ الله الواحد القهّار، ولا يرى السّالك فعلاً وصفةً وحولاً وقوّةً الاّ من الله وبالله فيقول عن شهود وتحقيقٍ: لا اله الاّ الله، ولا حول ولا قوّة الاّ بالله وهو الاوّل والآخر والظّاهر والباطن، وهو بكلّ شيءٍ عليمٌ، وهو بكلّ شيءٍ محيطٌ، ولا مؤثّر فى الوجود الاّ بالله، وفى هذا المقام صدر عن بعض الكاملين ما ظاهره وحدة الوجود الممنوعة مثل، سبحان من أظهر الاشياء وهو عينها، فانّه بتجلّيه الفعلىّ عين كلّ ذي حقيقةٍ وحقيقته فالمعنى وهو بفعله الّّذى هو المشيّة حقيقة كلّ ذي حقيقةٍ، ومثل قول الشّاعر بالفارسيّة: شعر : غيرتش غير در جهان نكذاشت زان سبب عين جعله اشيا شد تفسير : فانّ الغيرة من صفاته الفعليّة وهى من اسماء المشيّة يعنى انّ غيرته الّتى هى فعله صارت حقيقة كلّ ذيحقيةٍ ومثل: ليس فى الدّار غيره ديّار؛ ومثل قوله: شعر : كه يكى هست وهيج نيست جزاو وحده لا اله الاّ هو تفسير : وغير ذلك ممّا قالوه بالعربيّة والفارسيّة نثراً ونظماً ممّا يوهم الوحدة الباطلة فانّها كلّها صحيحة كما اشير الى صحّتها ان كان صدورها عن صاحب هذا المقام، وان كان صدورها عن صاحب السّفر الثّانى كانت من جملة الشّطحيّات كما سبق، ولعلّ قوله تعالى: وما رميت اذ رميت ولكنّ الله رمى باثبات نفسيّة للرّسول (ص) ونفى الفعل عنه واثباته له كان اشارة الى هذا المقام. ولمّا حصل مقصوده (ع) من تعليم الخضر (ع) وانتهى سفره الى هذا السّفر واستكمل سيره فى المراتب الممكنة للانسان ولم يبق ممّا يستحقّه بحسب الاستعداد شيءٌ، قال الخضر (ع): هذا فراق بينى وبينك، ولمّا لم يبق فى نظر شهوده الاّ الله وتجلّى له باسمه الجامع على كلّ شيءٍ وفيءٍ ولم ير فعلاً وحولاً وقوّة الاّ من الله تعالى تبرّء الخضر (ع) حينئذٍ موافقاً لحال موسى (ع) من انانيّته ونسب الفعل مطابقاً لشهود موسى (ع) الى الله وحده فقال فاراد بك ان يبلغا اشدّهما وما فعلته عن أمرى، وفيما روى عن الصّادق (ع) اشارة اجماليّة الى جميع ما ذكر لانّه قال فى قوله فأردت ان اعيبها فنسب الارادة فى هذا الفعل الى نفسه لعلّه ذكر التّعييب لانّه اراد ان يعيبها عند الملك اذا شاهدها فلا يغصب المساكين عليها واراد الله عزّ وجلّ صلاحهم بما امره به فى ذلك فذكر فى علّة التّفرّد بالانانيّة التّعييب هناك واشار (ع) فى الفقرة الثّانيه الى الوجه الآخر الّذى هو احتجاب الله عن نظره فى هذا المقام حيث قال فى قوله: فخشينا ان يرهقهما انّما اشترك فى الانانيّة لانّه خشى والله لا يخشى لانّه لا يفوته شيءٌ ولا يمتنع عليه أمرٌ اراده وانّما خشى الخضر (ع) من ان يحال بينه وما أمره به فلا يدرك ثواب الامضاء فيه ووقع فى نفسه انّ الله جعله سبباً لرحمة ابوى الغلام فعمل فيه وسط الامر من البشريّة مثل ما كان عمل فى موسى (ع) لانّه صار فى الوقت مخبراً وكليم الله موسى (ع) مخبراً ولم يكن ذلك باستحقاق للخضر (ع) الرّتبة على موسى (ع) وهو افضل من الخضر (ع) بل كان لاستحقاق موسى (ع) للتّبيين لانّ قوله (ع): لانّه خشى والله لا يخشى: وان كان بظاهره لا يناسب الاشتراك فى الانانيّة لكنّه بضميمة قوله ووقع فى نفسه انّ الله جعله سبباً لرحمة ابوى الغلام مع قوله (ع) فعمل فيه وسط الامر من البشريّة يصير مناسباً للاشتراك فى الانانيّة، فانّ معناه انّ الخشية بتمام اجزائها لا يصحّ نسبتها الى الله لكنّها باعتبار جزءها الّذى هو الرّحمة يصحّ نسبتها اليه تعالى، وقوله فعمل فيه وسط الامر اشارة الى وسط حال الانسان من مشاهدة نفسه ومشاهدة الله، وكذا قوله: وقع فى نفسه انّ الله جعله سبباً لرحمة ابوى الغلام، يدلّ على مشاهدة الله وتسبيبه، وقوله: مثل ما كان عمل فى موسى (ع) يشير الى انّ الخضر (ع) تصرّف فى موسى (ع) ورفع درجته عن مقام الاحتجاب الى مقام شهود الله وشهود الواسطة، وقوله: لانّه صار فى الوقت مخبراً، تعليل لتصرّف الخضر (ع) فى موسى (ع) مع انّه كان انقص منه؛ والمعنى انّ الخضر (ع) صار فى وقت اتّباع موسى (ع) مخبراً ومعلّماً لما لا علم لموسى (ع) به وموسى (ع) صار تابعاً ومتعلّماً وتصرّف الخضر (ع) كان من هذه الجهة، ولاينافى ذلك اكمليّة موسى (ع) من جهةٍ اخرى ولذا قال: ولم يكن ذلك باستحقاقٍ للخضر (ع) الرّتبة على موسى (ع) والاّ فمحض المخبريّة والمخبريّة تقتضى الرّتبة للمخبر على المخبر بوجهٍ، وقال (ع) فى قوله: فأراد ربّك فتبرّء من الانانيّة فى آخر القصص ونسب الارادة كلّها الى الله تعالى ذكره فى ذلك لانّه لم يكن بقى شيءٌ ممّا فعله فيخبر به بعد ويصير موسى (ع) به مخبراً ومصغياً الى كلامه تابعاً له فتجرّد من الانانيّة والارادة تجرّد العبد المخلص ثمّ صار متنضّلاً ممّا اتاه من نسبة الانانيّة فى اوّل القصّة ومن ادّعاء الاشتراك فى ثانى القصّة فقال رحمةً من ربّك وما فعلته عن أمرى فقوله (ع) لانّه لم يكن بقى شيءٌ ممّا فعله فيخبر به يعنى لم يكن بقى شيءٌ ممّا فعله فيخبر به حتّى يحتاج الى وساطته ويراه واسطة بل تجرّد نظره الى الله واستغنى عن الواسطة وفى قوله ويصير موسى (ع) به مخبراً ومصغياً الى كلامه تابعاً له، اشارة الى انّه استغنى عن الشّيخ والواسطة واستكمل فى جهة نقصه وتعلّم ما يحتاج الى تعلّمه {ذَلِكَ} المذكور من بيان حكمة كلّ ممّا رأيته {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} اى حقيقته وحكمته فانّ التّأويل كثيراً ما يستعمل فيما يؤل اليه او ارجاع ما لم تسطع الى حقيقة صحيحة وحكمةٍ مقتضيةٍ من مصدره وغايته، واسقط التّاء من لم تسطع ههنا اشعاراً بظهور نقصان طاقته عن الصّبر عليه ولم يسقط التّاء عمّا سبق من قوله لن تستطيع فى الموارد وقوله سأنبّئك بتأويل ما لم تستطع لعدم ظهور نقصان الاستطاعة بعد على موسى (ع) بل كان مدّعياً للاستطاعة كما روى عنه (ع) انّه قال بل استطيع.
الحبري
تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ فُراتٌ، قالَ: حَدَّثَنا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَم ـ معنعناً ـ عن أَبي الجارُود، قالَ: قالَ زَيْدُ بنُ عليٍّ عليه السلامُ، وَقَرأَ هذه الآيةَ {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ} قال: حَفظَهُما الله بصَلاحِ أَبِيهما وما ذُكِرَ مِنْهُما صَلاحٌ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمَودَّة: أَبُونا رَسُولُ الله صَلَّى الله عليهِ وآلِه وَسَلَّمَ، وَجَدَّتُنا خَدِيجةُ، وأُمُّنا فاطِمَةُ، وَأَبُونا عليُّ بنُ أَبي طالِبٍ عليه السلامُ.
فرات الكوفي
تفسير : {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة82} فرات بن إِبراهيم الكوفي [قال: حدثني الحسين بن سعيد. ر] معنعناً: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ر، أ] في قوله [تعالى. ر]: {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً} قال: فحفظ الغلامان بصلاح أبيهما فمن أحق أن يرجو الحفظ من الله بصلاح من مضى من آبائه منا، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جدنا، وابن عمه المؤمن به المهاجر معه أبونا، وابنته أمنا، وزوجته أفضل أزواجه جدتنا، فأي الناس أعظم عليكم حقاً في كتابه، ثم نحن من أمته وعلى ملته ندعوكم إلى سنته والكتاب الذي جاء به من ربه أن تحلوا حلاله وتحرموا حرامه وتعملوا بحكمه عند تفرق الناس واختلافهم. فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم معنعناً: عن أبي الجارود قال: قال زيد بن علي [عليه السلام. ر، أ] وقرأ [هذه. أ، ب] الآية: {وكان أبوهما صالحاً} قال: حفظهما الله بصلاح أبيهما وما ذكر منهما صلاح فنحن أحق بالمودة: أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدتنا خديجة وأمنا فاطمة [الزهراء. ر] وأبونا [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب [عليهم الصلاة والسلام. أ]. فرات قال: حدثني جعفر بن [محمد بن. ب] هشام معنعناً: عن زيد بن علي عليهما السلام قال: {وأما الجدار} إلى آخر الآيتين قال: فحفظ الله الغلامين بصلاح أبيهما، فمن أحق أن يرجوا الحفظ من الله بصلاح من مضى من آبائه منا، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جدنا وابن عمه المؤمن به والمهاجر معه أبونا وابنته أمنا وزوجته أفضل أزواجه جدتنا، فأي الناس أعظم عليكم حقاً في كتابه، ثم نحن من أمته وعلى ملته ندعوكم إلى سنته والكتاب الذي جاء به أن تحلوا [ب: تحللوا] حلاله وتحرموا حرامه وتعملوا بمحكم آياته عند تفرق الناس واختلافهم.
اطفيش
تفسير : {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ} اسمهما أصرم وصريم وأل فى الجدار والمدينة للعهد الذهنى لا الذكْرِى لأن هذا من كلام الخضر مع موسى وذكرهما فى قوله تعالى: {أية : أتيا أهل قرية}.تفسير : وقوله: {أية : فوجدا فيها جدارا} تفسير : من كلام الله سبحانه وتعالى وذلك المعهود الذهنى وهو نفس القرية التى أتيا والجدار الذى وجدا. ومن كتب: {وأما الجدار} - إلى قوله - {صبراً} فى قطعة ذهب قديم مدفون وقرأ عليها عشر مرات وجعلها فى وسادته ونام فى الجانب الأيسر ثم على الأيمن ويقول: يا مظهر العجائب يا دليل كل حائر يا من يرشد كل ضال أرشدنى بكرمك إلى ما طلبت فإنه يرى فى منامه على ما أراد من كنز وعلى ما خبأ الإنسان وخفى عن موضعه. {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} وهو من ذهب وفضة روى أبو الدرداء عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث : الكنز ذهب وفضة تفسير : رواه البخارى فى التاريخ والترمذى مرفوعا والحاكم وصحح ورواه الثعالبى عن أبى بكر المعشارى بما أخبره به بإسناده عن أبى الدرداء وهو المتبادر من إطلاق الكنز فى الآية والذم على كنز الذهب والفضة لمن لا يؤدى زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق. وأيضاً يحتمل أن أباهما كنزه لهما عند قرب موته بعد أداء ما لزم فيه لما مضى وأما هما فإنما يكلفان به بعد وجوده وبلوغهما فحينئذ يزكيانه على ما مضى أو لعام أو حتى يحول الحول من حين وجداه أو على ما أشبه ذلك فى شرعهما. وقال ابن عباس: صحف فيها علم وكذا قال ابن جبير. وعن ابن عباس فى رواية: لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يوقن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن يوقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. إنى أعجب أيها الإنسان عجبا. وفى الجانب الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا وجدى لا شريك لى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه وويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه. قيل: هذا قول أكثر المفسرين وفى رواية إسقاط ذكر مسألة الحساب وذكر ما فى الجانب الآخر. وكذا روى جعفر بن محمد والحسن إلا أنهما زادا أوله: بسم الله الرحمن الرحيم وقال: لا إله إلا الله محمد عبدى ورسولى. وقال الكلبى: لوح من ذهب فيه حكمة ثلاث كلمات فقط: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يضحك، وعجبا لمن أيقن بالرزق كيف ينصب، وعجبا لمن أيقن بتقلب الدنيا وأهلها كيف يطمئن إليها. وإذا كان هذا اللوح من ذهب فهو كنز مال وكنز علم أو تذكير. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} واسمه كاشح وكان من الأتقياء قيل: كان سياحا متعبداً وفى ذكر صلاح أبيهما إشارة إلى أنهما حُفظا فى كنزهما لصلاحه. قال ابن عباس والحسين بن على: حفظا بصلاح أبيهما. وقال جعفر بن محمد: كان بين الغلامين والأب الذى حفظا به سبعة آباء. قال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده فلا يزالون فى حفظ من الله تعالى وستر. زاد بعض فى روايته عنه: وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فلا يزالون فى حفظ الله ما دام فيهم. قال سعيد بن المسيّب: إنى أُصلى فأذكر ولدى فأزيد فى صلاتى. وكان إذا رأى ولده قال: يا نبى والله لأزيدن فى صلاتى من أجلك رجاء أن تكون فى حفظ من الله تعالى وستر ويتلو هذه الآية. قال يحيى بن إسماعيل بن سلمة: كانت لى أخت أسن منى وذهب عقلها وتوحشت وكانت فى غرفة فى أقصى سطوحنا بضع عشرة سنة. وكانت مع ذلك تحرص على الصلاة والطهر فبينما أنا ذات ليلة نائم إذا بباب بيتى يدق نصف الليل فقلت: من هذا؟ فقالت: كجه. فقلت: أختى؟ قالت: أختك. فقلت: لبيك. فقمت وفتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالباب أكثر من بضع عشرة سنة. فقلت: يا أختاه خيرا؟ فقالت: خير. أُتيت الليلة فى منامى فقيل لى: السلام عليك يا كجة. فقلت: وعليك السلام. فقال لى: إن الله تعالى قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة جدك وحفظ لأبيك إسماعيل؛ بإن شئتِ دعوت الله لكِ فيذهب ما بك وإن شئت صبرتِ لكِ الجنة فإن أبا بكر وعمر قد شفعا فيك إلى الله تعالى لحب أبيك وجدك إياهما. فقلت: إن كان ولا بد من اختيارى أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة وإن الله لا يتعاظمه شئ ولو شاء أن يجمعهما إلىَّ فَعَل. فقال لى: قد جمعهما لك فانزلى فنزلت فأذهب الله عنى ما كان بى. وحكى أن بعض العلوية دخل على هارون الرشيد وقد هم بقتله فأكرمه وخلى سبيله فقيل له: بم دعوت الله حتى نجاك منه؟ قال: قلت: يا من حفظ الكنز على الصبيين بصلاح أبيهما احفظى بصلاح آبائى. {فَأَرَادَ رَبُّكَ} يا موسى. {أنْ يَبلُغَا أَشُدْهُمَا} العقل كمال الرأى. قيل: وذلك لثمانى عشرة سنة وسمى ذلك أشد لأنهُ شدة وقوة. {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزهُمَا} لأن فى وقوع الجدار ظهور ذلك الكنز فيؤخذ وإذا أقامه لم يظهر الكنز من تحته حتى يكون الغلامان هما اللذين يخرجانه باطلاعهما عليه بما شاء الله كحفر لحاجة من الحوائج تحت ذلك الجدار أو كتابة أو وصاية. {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} مفعول مطلق مؤكد للجملة وعامله محذوف أى رحمهما ربك رحمة فحذف رحمهما على أن يكون اسم الله مجروراً متعلقاً بمحذوف نعت لرحمة أو مفعول مطلق لأراد ربك لأن إرادة الخير رحمة أو حال بمعنى مفعول أى مرحومين من ربك أو بتقدير مضاف أى ذوى رحمة. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله ناصبه أراد وإن قلنا ناصبه يبلغا أو يستخرجا فإنما يصح على عدم اشتراط اتحاد الفاعل وكذا إن قيل ناصبه محذوف أى فعلت ما فعلت رحمة من ربك إلا إن قدرنا: فعلت ما فعلت رحمة منى موجودة من الله أسند الإرادة فى قوله: {فأردت أن أعيبها} إلى نفسه لأنه المباشر لتصييرها معيبة وللتأدب مع الله لأنه ذكر العيب وأسند الإرادة إلى نفسه وإلى الله فى قوله: {فأردنا أن يبدلهما ربهما} لأن التدبيل بإهلاك الغلام وإهلاكه بيده وباتخاذ الله بدله وإسنادها على الله وحده فى قوله: {فأراد ربك} لأنه لا مدخل لغير الله فى بلوغ الصبيين أو لأن الثالثة فى الخير بخلاف الأولى فإنها عيب وشر والثانية فإنها ممزوجة أو أسند الأولى لنفسه لأنهما فى عيب فتأدب مع الله وعبر فى الثانية بصيغة الجماعة تنبيها على أنهُ من العلماء العظماء فى علم الباطن وعلم الحكمة وأنه لم يقدم إلى مثل هذا الفعل إلا لحكمة عالية وأسند الثالثة إلى الله سبحانه لأنها فى رعاية المصالح فى مال اليتيمين لصلاح أبيهما. وحفظ الأبناء فى أحوالهم لرعاية صلاح الآباء ليس إلا الله تعالى أو فعل ذلك فى المواضع الثلاثة لاختلاف حال العارف بالله فى الالتفات إلى الوسائط ففى الأولى يلتفت إلى واسطة الخارق وهو المخلوق وفى الثانية إلى المخلوق الواسط وإلى الله وفى الثالثة إلى الله. {وَمَا فَعَلْتُهُ} أى ما فعلت ما لم تستطع عليه صبرا فالهاء عائدة إلى ما فى قوله: {ما لم تستطع عليه صبرا} وهذا أولى من عدوها إلى ما ذكر أو إلى ما رأيت يا موسى ولو كان الماصَدَق واحدا. {عَنْ أمْرِى} عن اختيارى ورأيى بل عن إلهام من الله عز وجل، على القول بأنه غير نبى أو عن الوحى على القول بأنه نبى والأول أصح كما مر أو ما فعلت ذلك بمجرد قوتى بل بنصر الله وأمره لى بوحى أو إلهام. ومبنى أفعال الخضر فى المواطن الثلاثة على أنه إذا تعارض ضرران وجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما وهى قاعدة ممهدة غير أن الشرائع فى تفصيله مختلفة فساغت أفعال الخضر فى شرعه لا فى شرع موسى وهذا النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وعليهما كما ساغ أكل المحرم من نحو الميت لدفع الموت بالجوع. وكما ساغ لدفعه قول: إلهين اثنين. وقد قيل: إن المعنى إنما فعلت ذلك لتظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الأعلى. وقد استدل مالك بخرق السفينة على جواز أخذ المال عن الجانى بدلا من حده لإصلاحه كما ذكره العلامة أبو يعقوب يوسف لى الدليل والبرهان وقد رددت على المستدل فى حاشيتى على ورقة أرسلها بعض الجربيين الفاطنين بمصر. ومن فوائد هذه القصة: أن لا يعجب المرء بعمله ولو بلغ ما بلغ وفاق به الأولين والآخرين أو ساوى به الملائكة أو فاقهم من علم أو عمل دينى أو دنيوى وأن لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه فلعل فيه سرا لا يعرفه فإنه ولو كان منكرا فإنه يرخص له مقدار أن يتثبت أنه منكر فينهى عنه وإن تثبت حرم عليه التأخير فى النهى ولو لحظة بحسب الإمكان وأن يداوم على التعلم ويتدلل لمعلمه فى ما لا يعلمه ولو فاق معلمه فى غير تلك المسألة التى يتعلمها. فإذا ظهرت للتلميذ مسألة لم تظهر لشيخه وجب على شيخه التذلل له فى حين تفهمه إياها منه لأن ذلك هو الإنصاف وقبول الحق وحرم عليه استخراجها منه بتخيل أو كبر أو أن يراعى المتعلم وغيره الأدب فى المقال، وأن ينبه الإنسان المجرم على إجرامه بلين إن عرف أنه يرتدع به أو لم يعرف وبإغلاظ إن علم أنه لا يرتدع أصلا أو لا يرتدع إلا بإغلاظ. وقيل: إذا لم يعلم أنه لا يرتدع لا يجب عليه نهيه ويتسامح للمجرم بعدم المهاجرة عنه حتى يتحقق إصراره على إجرامه فليهاجر عنه. وقد روى عن على وغيره أن موسى عليه السلام لما أراد فراق الخضر قال له الخضر: استودعتك الله. قال له موسى: أوصنى. فقال له الخضر عليه السلام: لا تطلب العلم لتحدِّث به واطلبه لتعمل به، واجعل همك فى معادك ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن الخوف فى أمنك، ولا تيأس من الأمن فى خوفك، وتدبر الأمور فى علانيتك، ولا تذر الإحسان فى قدرتك ولا تكن مَشْاءً فى غير حاجة. وإياك واللجاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعيِّر الخطائين بخطاياهم، وابك على خطيئتك ولا تؤخر عمل اليوم إلى غد، ولا تنس عيوبك. ثم قال: يا موسى أتلومنى على خرق السفينة وكسرها مخافة غرق أهلها ونسيت نفسك حين كسرت الألواح، وتلومنى على قتل الغلام ونسيت نفسك حين قتلت القبطى بغير أمر، وتلومنى على ترك الأجرة على إقامة الجدار ونسيت نفسك حين سقيت غنم شعيب لله الملك الجبار وليس هذا الأخير عيبا بل أمر حسن مرغب فيه. وروى أن موسى جاء مع فتاه إلى الخضر من التيه ورجعا منه إليه التيه. {ذَلِكَ} الذى قررته عليك يا موسى {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ} أصل تسطع تستطع حذفت منها التاء ويقال أيضا فى الآخر اسطاع بحذف التاء وذلك تخفيف لقرب مخرج التاء من الطاء {عَلَيْهِ صَبْراً} تقدم مثل ذلك. والله أعلم. فصل اختلف: الخضر حى أم ميت؟ قال الأكثرون: حى واتفقت عليه الصوفية وحكايات رؤيته ووجوده فى مواضع الخير لا تحصر وبذلك تقول العامة. وهو وإلياس حيان يلتقيان فى كل سنة فى الموسم يأخذ كل منهما من شعر الآخر بفتح العين وهما معمَّران مجوبان عن الأبصار إلا من شاء الله. وروى محمد بن المتوكل عن سمرة بن عبد الله بن هوازان: الخضر من ولد فارس وإلياس من بنى إسرائيل يلتقيان كل عام فى الموسم قال عمرو بن دينار: إنهما حيان ما دام القرآن فى الأرض فإذا رفع ماتا وكان السبب فى حياة الخضر أنه شرب من عين الحياة يوم دخل هو وذو القرنين الظلمة فطلب عين الحياة وكان على مقدمة ذى القرنين على العين فاغتسل وشرب منها وصلى شكراً لله تعالى وأخطأها ذو القرنين. وقال آخرون: إنه ميت لقوله تعالى: {أية : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم حديث : بعد ما صلى العشاء ليلة: أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يبقى على رأَس مائة سنة أحد ممن هو اليوم على ظهر الأرض ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعدهاتفسير : . والله أعلم: فصل يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد رائحة طيبة حين أسرى به قال: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة. قال: كان ملك عظيم فى الزمان الأول له سيرة حسنة فى أهل ممكلته وكان له ابن ولم يكن له ولد غيره فسلمه للمؤدب فأدبه وكان بين منزله ومعلمه رجل عابد يمر به فأعجبه حاله فألفه وكان يجلس عنده والمعلم يظن أنه فى منزل أبيه وأبوه يظنه أنه عند المعلم حتى شب ونشأ فى العبادة. فقالوا لأبيه: ليس لك ولد غيره لو زوجته فعرض عليه التزوج فأبى ثم عاوده فقال: نعم: فزوجه جارية من بنات الملوك وزفت إليه فقال لها: إنى مخبركِ بأمره إن سمعتِ وكتمتِه صرف الله عنكِ شر الدنيا وعذاب الآخرة وإن أفشيتهِ عذبكِ الله فى الدنيا والآخرة فإنى رجل مسلم ولست على دين أبى ولست من حاجتى فإن رضيتِ أن تقيمى معى وتتابعينى على دينى فذلك وإن أبيتِ فالحقى بأبيك وأُمك. قالت: بل أقيم معك فلما أتت عليها مدة قالوا لأبيه: ما نظن ابنك إلا عاقرا ما يولد له فسأله أبوه فقال: ما ذلك بيدى وإنما ذلك بيد الله يؤتيه من يشاء. فدعا المرأة فردت عليه مثل ما رد عليه ولده. فمكث أبوه زمانا ثم دعا ابنه فقال: أحب أن تطلق أمرأتك هذه وأزوجك امرأة غيرها ولودا لعلك ترزق منها ولدا فكره ذلك وألح عليه حتى فرق بنيهما وزوجه امرأة شابة فعرض عليها الخبر الأول فقالت: أقيم عندك فبقيا زماناً ثم إن أباه استبطأ الولد فدعاه فقال: ليس يولد لك. فقال: ليس ذلك بيدى ولكن بيد الله تعالى فدعا امرأته وقال: أنت امرأة شابة ولود وقد كنت ولدتِ عند زوجكِ ولستِ تلدين من ابنى. فقالت: ما مسنى منذ أخذنى وكذلك المرأة التى قبلى. فدعاها وسأَلها فقالت مثل ذلك فدعا ابنه وعيّره وعنفه ففزع ولم يأمن على نفسه فخرج من عنده وهام على وجهه. فندم أبوه على ما فعل وأرسل فى طلبه مائة رجل فى طرق مختلفة شتى فأَدركه عشرة فى جزيرة من جزائر البحر فقال لهم: إنى أقول لكم شيئاً فإن كتمتموه كشف الله عنكم شر الدنيا وعذاب الآخرة وإن أفشيتم سرى عذبكم الله فى الدنيا والآخرة. قالوا له: قل ما شئت. قال لهم: لست على دين أبى ولا تخبروه بمكانى ولا تخبروا غيره بمكانى فلما دخلوا عليه قال تسعة: وجدناه وقال: كيت وكيت فخلينا عنه. ولما دخل العاشر قال: ما لى به علم. والتسعة قالوا: بل ظفرنا به وإن شئت أتيناك به. قال: ارجعوا فى طلبه وائتونى به. فخاف الخضر أن يظفروا به فانتقل إلى موضع آخر فرجعوا وقالوا: لم نجده فقتلهم: وقال لامرأته: ألستِ فعلت بابنى هذا حتى هرب فقتلها. وسمعت امرأته الأولى فخافت من القتل فهربت. فقال العاشر: ما يؤمننى أن أقتل كالتسعة فهرب فأتى قرية فإذا المرأة الهاربة فى تلك القرية وكانت تحتطب فقلت يوماً: باسم الله فسمعها الرجل فقال لها: مَن أنتِ؟ فأخبرته. فقال لها: يا هذه أنا العاشر فهل لك أن أتزوجك فنعبد الله حتى نموت؟ فقالت: نعم. فتزوجها ثم انطلقا حتى أتيا قرية فيها بعض الفراعنة فأَخذا بيتاً من قصب وقال لها: إذا متُّ فادفنينى فى هذا البيت، وإن متِّ دفنتك فيه ومن تأخر منا أوصى أن يهدم عليه البيت فلا نقبر مع هؤلاء فمات ودفنتْه. ثم بلغ فرعونَ زمانهم أنها تعبد الله وتوحّده فأمر أن يؤتى بها فأتى بها فأمرها أن ترجع عن دينها فأبت فأمر بِقدر نحاس فملئت زيتا وغلت غليانا شديدا وأمر بولدها الأكبر وألقى فى القدر فمات وكذا الثانى وكان فى حجرها ولد رضيع فأرادوا إلقاءه فى القدر فرقّت ونازعتهم فيه فتكملم الرضيع وقال لها: اصبرى فإنا جميعا فى الجنة. فلما أرادوا أن يلقوها قالت: لى إليكم حاجة. قالوا: ما هى؟ قالت: إذا رميتمونيى فى القدر فضموا ما فيها من عظامنا فى بيتنا واهدموه علينا ففعلوا فلما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم وجد رائحة طيبة فقال: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ فأخبره جبريل بقصتهم وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه رائحتهم. ثم إن قوما من تلك المدينة ركبوا فى البحر لتجارة ورمت بهم الأمواج فانكسرت سفينتهم فأغرقوا إلا رجلين على لوح فرمت الأمواج بهما إلى جزيرة من جزائر البحر فخرجا يجولان فى الجزيرة فإذا هما بالخضر عليه السلام وعليه ثياب بيض وهو قائم يصلى فجلسا حتى فرغ من صلاته فالتفت إليها وقال: مَن أنتما؟ فقالوا: نحن من مدينة كذا وكذا وخرجنا من هذا البحر فانكسرت بنا السفينة ودفعتنا الأمواج إلى هذه الجزيرة. فقال: فاختارا أن تقيما فى هذا الموضع وتأتيكما أرزاقكما وإن شئتما أردكما. فقالا: بل تردنا إلى منازلنا. فقال: على أن تعطيانى عهد لله وميثاق أنكما لا تخبران بشئ مما تريانه فأعطياه العهد والميثاق. فنظر فإذا سحابتان فدعاهما وسألهما فقالت كل واحدة: أريد بلد كذا وكذا فدعا السحابة التى تريد بلدهما فقال: احملى هذين حتى تضعهما على سطح دورهما. فعزم أحدهما على الكتمان ونزل إلى منزله وعزم الآخر على الإذاعة فنزل من سطحه وخرج من بابه وانطلق إلى باب الملك ونادى بالنصيحة فأُدخل على الملك وقال: نصحتك. رأيت ابنك فى موضع كذا وصنع بنا كذا وكذا. فقال: مَن يعلم ذلك؟ فقال: فلان فبعث إليه وسأَله عما قال فأنكر وقال: أما ركوب البحر فقد ركبنا جميعاً فانسكرت بنا السفينة وصرنا على لوح واحد فلم تزل الأمواج تضربنا حتى صرنا إلى الساحل فخرجنا من البحر فلم نزل نعيش بالشجر والنبات والثمر ترفعنا أرض وتضعنا أخرى حتى أتينا منازلنا. فقال الآخرة للملك: فعلى رِسلك حتى آتيك به وتعلم أنه هذا قد كذب فبعث معه رجالا فركبوا البحر حتى أتوا الجزيرة فطلبوا الخضر فلم يجدوه فيها وردوا الرجل إلى الملك وقالوا: هذا أكذب خلق الله فما رأينا مما قال شيئاً فقتله وخلى عن الآخر. وما زال أهل تلك المدينة يعملون بالمعاصى فغضب الله عز وجل عليهم فبعثنى فأدخلت جناحى تحتها فاقتلعتها ورفعتها حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديوك فقلبتها فجاءت تهوى بمن فيها ولم ينج منها إلا رجل وامرأة فجعلا يدوران فى حدود المدينة فلا يلقى كل واحد منهما غير صاحبه فلما كثر ذلك اعتزلا. فقال الرجل: أيتها المرأة قد رأيتِ ما أصاب القوم وإنه لم يفلت غيرى وغيرك فعاهد كل منهما صاحبه على الكتمان وقال: هل لك أن تتزوجينى فخرج إلى مدينة من هذه المدائن فأكتسب عليك وتكسبين علىَّ حتى يقضى الله من أمره ما يشاء؟ ففعلا وذهبا إلى مدينة لبعض الفراعنة قيل: هو فرعون موسى فاتخذا لأنفسهما بيتا وولد لهما أولاد وتلطفت المرأة لآل فرعون فحضنت عندهم فبينما هى ذات يوم تسرّح رأس بنت الملك إذ سقط المشط من يدها فقالت: باسم الله تعس مَن كفر بالله. فقتلها على ما فصّلْتُه فى محله هى وزوجها وأولادهما فى قِدر نحاس مغلاة بالزيت إذ أبوا إلا الإسلام. فكل من الرائحة تفوح من حيث جمعوا عظامها. والمشهور أنها هى الرائحة التى بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء فسأل جبريلَ عنها فأخبره عليهما السلام ولا تزول تلك الرائحة إلى يوم القيامة. وكان الخضر فى أيام أفريدون الملك على قول عامة أهل الكتاب. وقيل: كان على مقدمة عسكر ذى القرنين الأكبر الذى كان فى أيام الخليل عليه السلام وهو الذى قضى ببئر التسعة وهى بئر احتفرها إبراهيم عليه السلام لماشيته فى صحراء الأردن وإن قوما من أهل الأردن ادعوا الأرض التى احتفرها إبراهيم عليه السلام. وقيل: إن ذا القرنين الذى على عهد إبراهيم وكان الخضر على مقدمته هو أفريدون الملك. وزعم بعضهم أن الخضر من ولد مَن آمن بإبراهيم واتبعه على دينه ببابل. وروى ابن إسحاق عن وهب بن منبه أن الخضر هو أرميا بن خلقيا من سبط هارون بن عمران وهو الذى بعثه الله فى أيام قاسية بن أرمص ملك بنى إسرائيل ورُدَّ بأن قاسية بن أرمص كان فى عهد كنساسب بن هرارست وفى أيام بُخْتَ نَصَّر وبين كنساسب وبين أفريدون من الدهور ما لا يجهله ذو علم بأخبار الناس وأيامهم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن صاحب موسى بن عمران هو الخضر. وقد يقال: كان على مقدمة ذى القرنين الأكبر صاحب إبراهيم وشرب من ماء الحياة ولم يبعث فى أيام إبراهيم ومَن بعده إلى أيام قاسية. وعن أنس بن مالك: حديث : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا بصوت يجيبنى من شِعب فقال: فانطلق وأبصر هذا الصوت. فانطلقت فإذا رجل يصلى تحت شجرة وهو يقول: اللهم اجعلنى من أمة محمد المرحومة المغفور لها المستجاب لها. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمته بذلك. فقال: انطلق فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤك السلام ويقول لك: مَن أنت؟ فأتيته فأَعلمته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: اقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: أخوك الخضر يقول لك: ادع الله أن يجعلنى من أمتك المرحومة . تفسير : وروى أبو أمامة الباهلى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ألا أحدثكم بحديث. قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: بينما الخضر يمشى فى سوق من أسواق بنى إسرائيل إذ لقيه مكاتَب فقال له: تصدَّق علىَّ بارك الله لك. فقال: آمنت بالله ما قدَّر من أمرى سيكون ما معى من شئ أعطيكه. فقال له السائل: أسألك بوجه الله إلا ما تصدقت علىَّ. قال له الخضر: آمنت بالله ما يقضى من أمرى سيكون ما معى شئ أعطيكه. فقال الرجل: تصدَّق علىَّ بارك الله لك فإنى أرى الخير فى وجهك رجوت الخير من فعلك. فقال له الخضر: آمنت بالله ما يقضى الله من أمرى سيكون ما معى شئ أعطيكه إلا أن تأخذ بيدى وتدخلنى السوق وتبيعنى. قال الرجل: وهل يكون مثلك يباع؟ قال: الحق أقول: سألتنى بعظيم سألتنى ربى. قد أجبتك فخذ بيدى وأدخلنى السوق وبعنى. فأدخله السوق وباعه بأربع مائة درهم فلبث عند المتباع أياما لا يستعمله فى شئ. فقال له الخضر: استعملنى. فقال له: إنك شيخ كبير وأكره أن أشق عليك. قال: لا يشق ذلك علىَّ. قال: فقم أنقل هذه الحجارة من ها هنا إلى ها هنا. وكانت الحجارة لا ينقلها إلا شاب فى يوم تام. فقام فنقلها فى ساعة واحدة وأمده الله تعالى على نقلها بملك من الملائكة فتعجب الرجل منه فقال له: أحسنت. ثم عرض للرجل سفر فقال للخضر عليه السلام: إنى أريد أمينا ناصحا فاخلفنى فى أهلى. قال: نعم إن شاء الله تعالى فاستعمل فى شئ. قال: أكره أن أشق عليك. قال: لا يشق ذلك علىَّ. قال: اضرب لَبِناً لقصر أريده ووصفه له ثم خرج لسفره فلما قضى حاجته ورجع من سفره إذا هو بالقصر قد شُيِّد بنيانه على ما أراد. فازداد منهُ تعجباً وقال له: مَن أنت؟ قال: أنا المملوك الذى اشتريت. قال: سأَلتك بوجه الله إلا ما أخبرتنى مَن أنت؟ فقال له الخضر: إن هذا القسم هو الذى أوقعنى فى العبودية. أنا الخضر. سألنى سائل بوجه الله أن أعطيه فلم يكن معى شئ أعطيه فأمكنته من نفسى حتى باعنى منك. وبلغنى أنه من سُئل بوجه الله العظيم فرد سائله وهو يقدر على حاجته وقف يوم القيامة بين يدى الله عز وجل ليس على وجهه لحم ولا جلد. قال: فانكب الرجل عليه وهو يقول: بأبى أنت وأُمى شققتُ عليك ولم أعرفك فاحكم على فى مالى وأهلى وأحبِّ الأشياء إليك. قال: أحب الأشياء إلىَّ أن تخلى سبيلى أعبد ربى. وكان الرجل كافراً فأسلم على يديه وأعطاه أربع مائة دينار وخلى سبيله . تفسير : قيل: فأوحى الله إليه: قد نجيتك من الرق وأسلم الكافر وأعطاك مكان كل درهم دينارا ولا يخسر مع الله أحد والله أعلم.
اطفيش
تفسير : {وَأَمَّا الْجِدَارُ} الذى أقمت {فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ} أصرم وصريم {يَتِيمَيْنِ} مات أبوهما وهما غير بالغين، ويتم الآدمى بموت الأب، وابن أمة أمه، والحيوان بموتها، والطير بموتهما، وفى الحديث: "حديث : لا يُتم بعد بلوغ"تفسير : ولا دليل على أنهما بالغان، وأنهما سميا يتيمين باعتبار ما مضى. {فِى الْمَدِينَةِ} هى القرية المذكورة فيما مرّ، ذكرت هنا بلفظ المدينة إِظهارًا للاعتداد بها لصلاح أبوهما وليتمهما. {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} تحت أساسه الذى بنى عليه، وذلك أحفظ له، وحقيقة للتحتية، وأما جانبه مما يليه فدون ذلك فى الحفظ، ومجاز وهو مال مدفون من ذهب وفضة، كما فى البخارى فى التاريخ، والترمذى والحاكم، وصححه من حديث أبى الدرداء، وبه قال عكرمة وقتادة. وأصل كنز مصدر استعمل بمعنى مكنوز ولا يخفى أنه حل لمن تقدم الكنز، وأنه حرم علينا، وهو من حلال لأن أباهما كما وصفه الله صالح، والمذموم من الكنوز ما لم تؤد منه الحقوق، وقد قيل: إنه لا يقال لما أديت منه كنز شرعًا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز" تفسير : فنقول: المراد هو الكنز المذموم فى براءة، وما أديت منه فليس كنزاً مذمومًا، بل كنز حلال، ومن قال الكنز حرام مطلقًا قال إنه حلال من قبلنا إن كنا نؤدى حقوقه. روى الطبرانى، عن أبى الدرداء: أُحلت لهم الكنوز، وحُرِّمت عليهم الغنائم، وأُحلت لنا الغنائم وحُرِّمت علينا الكنوز، ومثله لعبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، عن قتادة قد يعجبنّ الرجل فيقول: ما شأن الكنز حل لمن قبلنا وحُرِّم علينا فإن الله تعالى يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء، وهى السنن والفرائض، تحل لأمة وتحرم على أُخرى، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه ما كان من ذهب ولا فضة، ولكنه كان صحف علم. وروى هذا أيضاً عن ابن جبير، وأخرج ابن مردويه من حديث علىّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبزار على أبى ذَرّ كذلك، والخرائطى عن ابن عباس موقوفًا أنه كان لوحاً من ذهب مكتوبًا فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إِله إِلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عطاء عن ابن عباس أنه مكتوب فى الوجه منه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت إلخ، وفى وجه: أنا الله لا إله إلا أنا وحدى لا شريك لى، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، وويل لمن خلقته للشر، وأجريته على يديه ولا يجمع بأن الكنز كان ذلك كله، لأنه خلاف الظاهر، ولأن ابن عباس قال: ما هو من ذهب ولا فضة. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} اسمه كاشح، وأمهما دهنا، وقيل: ليس بالأب الأدنى، بل العاشر وعن جعفر الصادق: والأب السابع، وأفادت الآية على الأقوال أن صلاح الآباء يفيد العناية بالإبناء وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد فى الزهد، وابن أبى حاتم عن خيثمة أنه قال عيسى عليه السلام: طوبى لذرية المؤمن ثم طوبى لهم، كيف يحفظون من بعده، وتلا خيثمة هذه الآية. وعن وهب أن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس، ويروى أن من صلاحه السياحة، ووضع الناس أمانتهم عنده فيردها كما هى، وغير ذلك من أعمال الصلاح. {فَأَرَادَ رَبُّكَ} مالكك ومدبرك، نبهه على وجوب الانقياد، وعدم المناقشة فى أمر الله، وعاتبه على ذلك، ولذلك لم يقل وأراد ربنا. {أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} قوتهما بالبلوغ وكمال العقل، وهو ما بين ثمانى عشرة وثلاثين، وهو مفرد بوزن الجمع، مثل إِنك ولا ثالث لهما، وإِن شئت فقل جمع لا واحد له من لفظه، بمعنى قوتهما، ومعنى قول سيبويه جمع شدة أنه بمعنى قوة يقال: بلغ الغلام شدته أى قوته، فمراده أنه جمع على غير قياس، لأن فعلة لا يجمع على أفعل، وقيل: جمع شد ككلب وأكلب، والمراد أن القياس ذلك، ولم يرد أن شد أورد بمعنى القوة كما يقال: أبابيل جمع أبول أو أبيل أو أبال، مع أنه لم تسمع هذه المفردات، والمراد أن القياس أن يكون مفردات له. {وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا} من تحت الجدار، ولو انقض قبل ذلك لظهر الكنز، وأخذه غير أهله قهراً أو سرقة، ولو أخذه اليتيمان قبل أشدهما لضيعاه، وكان وصيهما عالما به، لكنه غاب هذا على موسى إذ قال إقامة هذا الجدار بدون أن تطلب إِليها فضول وتبرع على من حرمونا. {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} النصب على التعليل لأراد، لا يستخرجا لعدم اتحاد الفاعل، لأن الراحم الله والمستخرجين غيره إلا عند من لم يشترط الاتحاد، أو رحمة من المبنى للمفعول، فيكون الاتحاد بين النائب والألف إذ هما لهما، لأنهما المستخرجان المرحومان أيضا، وأجيز أن يكون حالا من ألف يستخرجان بتأويل مرحومين، أو تعليلا لمحذوف على حذف مضاف، أى فعله ذلك إِرادة رحمة من ربك، أو رجاء رحمة من ربك. {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} أى عن رأيى، وقد يلد على أنه نبى أى ما فعلته عن أمرى، بل عن وحى. {ذَلِكَ} أى ما ذكر من العواقب، أو من البيان {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} تستطع حذفت التاء تخفيفا بحذف أحد المتقاربين التاء والطاء فى آخر الكلام، كما أن العياء قد لحقهما بالعتاب، وكما أن موسى يفارق الخضر وبقى الخضر منفرداً، كما بقيت الطاء، ولم يكن ذلك فى الأول لعدم موجب التخفيف وهو العياء، وإنما حصل التكرير بالأخير، فخفف ولا يخفف لفظ ذلك عن هذا فيقال: ذلك، خفف استطاع بحذف التاء تلويحا بأن موسى قد خف ما ثقل عليه ببيان الخضر، أو حذفت كما يصغر الاسم أو يرخم للترحم، ولعظمها أشار بالعبد، وهنا أنجز الموعود، وفذلكه لما مر. قيل أضمر فى خشينا لما فرق الواحد تلويحا أو تخفيفا، لأن الأبوين كرها معه، أو جمع نفسه مع الله بمعنى كرهنا، أو مع الله والوالدين، وفى ذلك جمع الله وغيره فى ضمير، وهو لا يجوز، فإنه لما قال الخطيب من العرب بين يديه صلى الله عليه وسلم: من يطع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بئس الخطيب أنت" تفسير : أى لجمع الله تعالى ورسوله فى ضمير يعصهما، ويقال قد ورد فى القرآن فى قوله تعالى: "أية : إن الله وملائكته يصلون على النبى"تفسير : [الأحزاب: 56] ويحتمل الحذف أى إن الله يصلى وملائكته يصلون، وفى قوله صلى الله عليه وسلم فى الإيمان: "حديث : أن يكون الله ورسوله أحب إِليه مما سواهما"تفسير : بجمع الله ورسوله فى المستتر فى أحب وفى الهاء من سواهما، فالجمع جائز لوروده. وقيل: لعله قال بئس لوقفه على بعضهما ويرده لفظ مسلم وأبى داود والنسائى عن عدى بن حاتم رضى الله عنه: "بئس خطيب القوم أنت قل ومَن يعص الله ورسوله" وقال الخطابى: يكره الجمع ولا يحرم، وكلام الغزالى يشير إِلى التحريم، وعلى الكراهة فقد تكره فى مقام تلك الخطبة المذكورة، لأنها بحضرة المشركين، والإسلام غض طرى، ولا تكره فى مقام حيث لا محذور ككلام الخضر. وخص بعضهم الكراهة بغير النبى صلى الله عليه وسلم، فتجوز فى القرآن بالأولى، وفى شروح البخارى جوازه فى كلام الله ورسوله، وكراهته فى غيره فى مقام دون مقام، والله أعلم، وهذا المختار.
الالوسي
تفسير : {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ} المعهود {فَكَانَ لِغُلَـٰمَيْنِ} قيل: إنهما أصرم وصريم {يَتِيمَيْنِ} صغيرين مات أبوهما وهذا هو الظاهر لأن يتم بني آدم بموت الأب، وفي الحديث «حديث : لا يتم بعد بلوغ»تفسير : ، وقال ابن عطية: يحتمل أنهما كانا بالغين والتعبير عنهما بما ذكر باعتبار ما كان على معنى الشفقة عليهما ولا يخفى أنه بعيد جداً {فِى ٱلْمَدِينَةِ} هي القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا لإظهار نوع اعتداد بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح. ولما كان سوق الكلام السابق على غير هذا المساق عبر بالقرية فيه. {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} مال مدفون من ذهب وفضة كما أخرجه البخاري في «تاريخه» والترمذي والحاكم وصححه من حديث أبـي الدرداء وبذلك قال عكرمة وقتادة وهو في الأصل مصدر ثم اريد به اسم المفعول. / قال الراغب: ((الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه وأصله من كنزت التمر في الوعاء))، واستشكل تفسير الكنز بما ذكر بأن الظاهر أن الكانز له أبوهما لاقتضاء {لَّهُمَا} له إذا لا يكون لهما إلا إذا كان إرثاً أو كانا قد استخرجاه والثاني منتف فتعين الأول وقد وصف بالصلاح، ويعارض ذلك ما جاء في ذم الكانز. وأجيب بأن المذموم ما لم تؤد منه الحقوق بل لا يقال لما أديت منه كنز شرعاً كما يدل عليه عند القائلين بالمفهوم حديث «كل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز» فإن النبـي صلى الله عليه وسلم بصدد بيان الأحكام الشرعية لا المفاهيم اللغوية لأنها معلومة للمخاطبين ولا يعتبر في مفهومه اللغوي المراد هنا شيء من الإخراج وعدمه، والوصف بالصلاح قرينة على أنه لم يكن من الكنز المذموم، ومن قال: إن الكنز حرام مطلقاً ادعى أنه لم يكن كذلك في شرع من قبلنا، واحتج عليه بما أخرجه الطبراني عن أبـي الدرداء في هذه الآية قال: أحلت لهم الكنوز وحرمت عليهم الغنائم وأحلت لنا الغنائم وحرمت علينا الكنوز وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن قتادة نحو ذلك وفيه فلا يعجبن الرجل فيقول ما شأن الكنز حل لمن قبلنا وحرم علينا فإن الله تعالى يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء وهي السنن والفرائض تحل لأمة وتحرم على أخرى، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال: ما كان ذهباً ولا فضة ولكن كان صحف علم وروي ذلك أيضاً عن ابن جبير، وأخرج ابن مردويه من حديث علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً والبزار عن أبـي ذر كذلك، والخرائطي عن ابن عباس موقوفاً أنه كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنه مكتوب في أحد شقيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت الخ وفي الشق الآخر أنا الله لا إلٰه إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه وجمع بعضهم بأن المراد بالكنز ما يشمل جميع ذلك بناء على أنه المال المدفون مطلقاً، وكل من المذكورات مال كان مدفوناً إلا أنه اقتصر في كل من الروايات على واحد منها وفيه أنه على بعده يأباه ظاهر قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما كان ذهباً ولا فضة. {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحاً} الظاهر أنه الأب الأقرب الذي ولدهما، وذكر أن اسمه كاشح وأن اسم أمهما دهنا، وقيل: كان الأب العاشر، وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه كان الأب السابع. وأياً ما كان ففي الآية دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بالأبناء، وأخرج ابن أبـي شيبة وأحمد في «الزهد» وابن أبـي حاتم عن خيثمة قال: قال عيسى عليه السلام طوبى لذرية المؤمن ثم طوبى لهم كيف يحفظون من بعده وتلا خيثمة هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: إن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس، وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما بم حفظ الله تعالى مال الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه فقال الخارجي أنبأنا الله تعالى أنكم قوم خصمون، وذكر من صلاح هذا الرجل أن الناس كانوا يضعون عنده الودائع فيردها إليهم كما وضعوها، ويروى أنه كان سياحاً. {فَأَرَادَ رَبُّكَ} مالكك ومدبر أمورك، ففي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه السلام دون / ضميرهما تنبيه له على تحتم كمال الانقياد والاستسلام لإرادته سبحانه ووجوب الاحتراز عن المناقشة فيما وقع بحسبهما التي يشم منها طلب ما يحصل به تربية البدن وتدبيره {أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} قيل أي الحلم وكمال الرأي، وفي «الصحاح» القوة وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين وهو واحد جاء على بناء الجمع مثل آنك ولا نظير لهما، ويقال: هو جمع لا واحد له من لفظه مثل آسال وأبابيل وعباديد ومذاكير، وكان سيبويه يقول: واحده شدة وهو حسن في المعنى لأنه يقال بلغ الغلام شدته ولكن لا يجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم من قولهم يوم بؤس ويوم نعم، وأما قول من قال: واحده شد مثل كلب وأكلب أو شد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس كما يقولون في واحد الأبابيل إبَّوْل قياساً على عِجَّوْل وليس هو شيء يسمع من العرب. {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} من تحت الجدار ولولا أني أقمته لانقض وخرج الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه والانتفاع به وذكروا أن اليتيمين كانا غير عالمين بالكنز ولهما وصي يعلم به لكنه كان غائباً والجدار قد شارف فلو سقط لضاع فلذا أقامه {رَحْمَةً مّن رَبِّكَ } مفعول له لأراد وأقيم الظاهر مقام الضمير، وليس مفعولاً له ليستخرجا لاختلاف الفاعل، وبعضهم أجاز ذلك لعدم اشتراطه الاتحاد أو جعل المصدر من المبني للمفعول وأجاز أن يكون النصب على الحال وهو من ضمير {يستخرجا} بتأويل مرحومين، والزمخشري النصب على أنه مفعول مطلق لأراد فإن إرادة ذلك رحمة منه تعالى. واعترض بأنه إذا كان أراد ربك بمعنى رحم كانت الرحمة من الرب لا محالة فأي فائدة في ذكر قوله تعالى {مِن رَبّكَ} وكذا إذا كان مفعولاً له؛ وقيل: في الكلام حذف والتقدير فعلت ما فعلت رحمة من ربك فهو حينئذ مفعول له بتقدير إرادة أو رجاء رحمة ربك أو منصوب بنزع الخافض والرحمة بمعنى الوحي أي برحمة ربك ووحيه فيكون قوله {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} أي عن رأيي واجتهادي تأكيداً لذلك. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذكر من العواقب المنظومة في سلك البيان، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد درجته في الفخامة {تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع} أي تستطع وهو مضارع اسطاع بهمز الوصل وأصله استطاع على وزن استفعل ثم حذف تاء الافتعال تخفيفاً وبقيت الطاء التي هي أصل. وزعم بعضهم أن السين عوض قلب الواو ألفاً والأصل أطاع ولا حاجة تدعو إلى أن المحذوف هي الطاء التي هي فاء الفعل ثم دعوى أنهم أبدلوا من تاء الافتعال طاء لوقوعها بعد السين ويقال تستتيع بإبدال الطاء تاء وتستيع بحذف تاء الافتعال فاللغات أربع كما قال ابن السكيت، وما ألطف حذف أحد المتقاربين وبقاء الآخر في آخر هذا الكلام الذي وقع عنده ذهاب الخضر عن موسى عليهما السلام. وقال بعض المحققين: إنما خص هذا بالتخفيف لأنه لما تكرر في القصة ناسب تخفيف الأخير، وتعقب بأن ذلك مكرر أيضاً وذاك أخف منه فلم لم يؤت به، وفيه أن الفرق ظاهر بين هذا وذلك، وقيل: إنما خص بالتخفيف للإشارة إلى أنه خف على موسى عليه السلام ما لقيه ببيان سببه. وتعقب بأنه يبعده أنه في الحكاية لا المحكي وأنت تعلم هذا وكذا ما ذكرناه زهرة لا تتحمل الفرك والتأويل بالمعنى السابق الذي ذكر أنه المراد أي ذلك مآل وعاقبة الذي لم تستطع {عَّلَيْهِ صَبْراً} من الأمور التي رأيت فيكون إنجازاً اللتنبئة الموعودة، وجوز أن تكون الإشارة إلى البيان نفسه فيكون التأويل بمعناه المشهور، وعلى كل حال فهو فذلكة لما تقدم، وفي جعل / الصلة غير ما مر تكرير للتنكير وتشديد للعتاب، قيل: ولعل إسناد الإرادة أولاً إلى ضمير المتكلم وحده أنه الفاعل المباشر للتعييب، وثانياً إلى ضمير المتكلم ومعه غيره لأن إهلاك الغلام بمباشرته وفعله وتبديل غيره موقوف عليه وهو بمحض فعل الله تعالى وقدرته فضمير ـ نا ـ مشترك بين الله تعالى والخضر عليه السلام. وثالثاً: إلى الله تعالى وحده لأنه لا مدخل له عليه السلام في بلوغ الغلامين واعترض توجيه ضمير الجمع بأن اجتماع المخلوق مع الله تعالى في ضمير واحد لا سيما ضمير المتكلم فيه من ترك الأدب ما فيه. ويدل على ذلك ما جاء من أن ثابت بن قيس بن شماس كان يخطب في مجلسه صلى الله عليه وسلم إذا وردت وفود العرب فاتفق أن قدم وفد تميم فقام خطيبهم وذكر مفاخرهم ومآثرهم فلما أتم خطبته قام ثابت وخطب خطبة قال فيها من يطع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: «بئس خطيب القوم أنت» وصرح الخطابـي أنه عليه الصلاة والسلام كره منه ما فيه من التسوية. وأجيب بأنه قد وقع نحو ذلك في الآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ } تفسير : [الأحزاب: 56] فإن الظاهر أن ضمير {يُصَلُّونَ عَلَى} راجع إلى الله تعالى وإلى الملائكة. وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الإيمان: «حديث : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» تفسير : ولعل ما كرهه صلى الله عليه وسلم من ثابت أنه وقف على قوله «يعصهما» لا التسوية في الضمير. وظاهر هذا أنه لاكراهة مطلقاً في هذه التسوية وهو أحد الأقوال في المسألة. وثانيها: ما ذهب إليه الخطابـي أنها تكره تنزيها. وثالثها: ما يفهمه كلام الغزالي أنها تكره تحريماً. وعلى القول بالكراهة التنزيهية استظهر بعضهم أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام وبنى الجواب عما نحن فيه على ذلك فقال: لما كان المقام الذي قام فيه ثابت مقام خطابة وإطناب وهو بحضرة قوم مشركين والإسلام غض طري كره صلى الله عليه وسلم التسوية منه فيه وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من عرفت وقصد فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة للتسوية فيه. وخص بعض الكراهة بغير النبـي صلى الله عليه وسلم وحينئذ يقوى الجواب عما ذكر لأنه إذا جازت للنبـي صلى الله عليه وسلم فهو في كلام الله تعالى وما حكاه سبحانه بالطريق الأولى. وخلاصة ما قرر في المسألة أن الحق أنه لا كراهة في ذلك في كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أشير إليه في «شروح البخاري» وأما في حق البشر فلعل المختار أنه مكروه تنزيهاً في مقام دون مقام. هذا وأنا لا أقول باشتراك هذا الضمير بين الله تعالى والخضر عليه السلام لا لأن فيه ترك الأدب بل لأن الظاهر أنه كضمير {أية : خَشِينَا} تفسير : [الكهف: 80] والظاهر في ذاك عدم الاشتراك لأنه محوج لارتكاب المجاز على أن النكتة التي ذكروها في اختيار التشريك في ضمير أردنا لا تظهر في اختياره في ضمير {أية : فَخَشِينَا} تفسير : [الكهف: 80] لأنه لم يتضمن الكلام الأول فعلين على نحو ما تضمنهما الكلام الثاني فتدبر، وقيل في وجه تغاير الأسلوب: أن الأول شر فلا يليق إسناده إليه سبحانه وإن كان هو الفاعل جل وعلا، والثالث: خير فأفرد إسناده إلى الله عز وجل. والثاني: ممتزج خبره وهو تبديله بخير منه وشره وهو القتل فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظراً لهما. وفيه أن هذا الإسناد في {أية : فَخَشِينَا} تفسير : [الكهف: 80] أيضاً وأين امتزاج الخير والشر فيه، وجعل النكتة في التعبير ينافيه مجرد الموافقة لتاليه ليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: الظاهر أنه أسند الإرادة في الأولين إلى نفسه لكنه تفنن في التعبير فعبر عنها بضمير المتكلم مع الغير بعد ما عبر بضمير المتكلم الواحد لأن مرتبة الانضمام مؤخرة عن مرتبة الانفراد مع أن فيه تنبيهاً على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية بخلاف التعييب. وأسند فعل الإبدال إلى الله / تعالى إشارة إلى استقلاله سبحان بالفعل وأن الحاصل للعبد مجرد مقارنة إرادة الفعل دون تأثير فيه كما هو المذهب الحق انتهى، وأنت تعلم أن الإبدال نفسه مما ليس لإرادة العبد مقارنة له أصلاً وإنما لها مقارنة للقتل الموقوف هو عليه على أن في هذا التوجيه بعد ما فيه. وفي «الانتصاف» ((لعل إسناد الأول إلى نفسه، خاصة من باب الأدب مع الله تعالى لأن المراد ثم عيب فتأدب عليه السلام بأن نسب الإعابة إلى نفسه. وأما إسناد الثاني إلى ـ نا ـ فالظاهر أنه من باب قول خواص الملك أمرنا بكذا ودبرنا كذا وإما يعنون أمر الملك العظيم ودبر ويدل على ذلك قوله في الثالث {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا})) وهو كما ترى، وقيل: اختلاف الأسلوب لاختلاف حال العارف بالله سبحانه فإنه في ابتداء أمره يرى نفسه مؤثرة فلذا أسند الإرادة أولاً إلى نفسه ثم يتنبه إلى أنه لا يستقل بالفعل بدون الله تعالى فلذا أسند إلى ذلك الضمير ثم يرى أنه لا دخل له وأن المؤثر والمريد إنما هو الله تعالى فلذا أسنده إليه سبحانه فقط وهذا مقام الفناء ومقام كان الله ولا شيء معه وهو الآن كما كان، وتعقب بأنه إن أريد أن هذه الأحوال مرت على الخضر عليه السلام واتصف بكل منها أثناء المحاورة فهو باطل وكيف يليق أن يكون إذ ذاك ممن يتصف بالمرتبة الثانية فضلاً عن المرتبة الأولى وهو الذي قد أوتي من قبل العلم اللدني. وإن أريد أنه عبر تعبير من اتصف بكل مرتبة من تلك المراتب وإن كان هو عليه السلام في أعلاها فإن كان ذلك تعليماً لموسى عليه السلام فموسى عليه السلام أجل من أن يعلمه الخضر عليه السلام مسألة خلق الأعمال. وإن كان تعليماً لغيره عليه السلام فليس المقام ذلك المقام على تقدير أن يكون هناك غير يسمع منه هذا الكلام وإن أريد أنه عبر في المواضع الثلاثة بأسلوب مخصوص من هاتيك الأساليب إلا أنه سبحانه عبر في كل موضع بأسلوب فتعددت الأساليب في حكايته تعالى القصة لنا تعليماً وإشارة إلى هاتيك المراتب وإن لم يكن كلام الخضر عليه السلام كذلك فالله تعالى أجل وأعظم من أن ينقل عن أحد كلاماً لم يقله أو لم يقل ما بمعناه فالقول بذلك نوع افتراء عليه سبحانه. والذي يخطر ببال العبد الفقير أنه روعي في الجواب حال الاعتراض وما تضمنه وأشار إليه فلما كان الاعتراض الأول بناء على أن لام {أية : لِتُغْرِقَ} تفسير : [الكهف: 71] للتعليل متضمناً إسناد إرادة الإغراق إلى الخضر عليه السلام وكأن الإنكار فيه دون الإنكار فيما يليه بناء على ما اختاره المحققون من أن {أية : نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 74] أبلغ من {أية : إمْراً} تفسير : [الكهف: 71] ناسب أن يشرح بإسناد إرادة التعييب إلى نفسه المشير إلى نفي إرادة الإغراق عنها التي يشير كلام موسى عليه السلام إليها وأن لا يأتي بما يدل على التعظيم أو ضم أحد معه في الإرادة لعدم تعظيم أمر الإنكار المحوج لأن يقابل بما يدل على تعظيم إرادة خلاف ما حسبه عليه السلام وأنكره. ولما كان الاعتراض الثاني في غاية المبالغة والإنكار هناك في نهاية الإنكار ناسب أن يشير إلى أن ما اعترض عليه وبولغ في إنكاره قد أريد به أمر عظيم ولو لم يقع لم يؤمن من وقوع خطب جسيم فلذا أسند الخشية والإرادة إلى ضمير المعظم نفسه أو المتكلم ومعه غيره فإن في إسناد الإرادة إلى ذلك تعظيماً لأمرها وفي تعظيمه تعظيم أمر المراد وكذا في إسناد الخشية إلى ذلك تعظيم أمرها، وفي تعظيمه تعظيم أمر المخشي. وربما يقال بناء على إرادة الضم منا: إن في ذلك الإسناد إشارة إلى أن ما يخشى وما يراد قد بلغ من العظم إلى أن يشارك موسى عليه السلام في الخشية منه، وفي إرادته الخضر لا أن يستقل بإنكار / ما هو من مبادي ذلك المراد وبه ينقطع عن الأصلين عرق الفساد، ولما كان الاعتراض الثالث هيناً جداً حيث كان بلفظ لا تصلب فيه ولا إزعاج في ظاهره وخافيه ومع هذا لم يكن على نفس الفعل بل على عدم أخذ الأجرة عليه ليستعان بها على إِقامة جدار البدن وإزالة ما أصابه من الوهن فناسب أن يلين في جوابه المقام ولا ينسب لنفسه استقلالاً أو مشاركة شيئاً ما من الأفعال فلذا أسند الإرادة إلى الرب سبحانه وتعالى ولم يكتف بذلك حتى أضافه إلى ضميره عليه السلام، ولا ينافي ذلك تكرير النكير والعتاب لأنه متعلق بمجموع ما كان أولاً من ذلك الجناب، هذا والله تعالى أعلم بحقيقة أسرار الكتاب وهو سبحانه الموفق للصواب. واستدل بقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} القائلون بنبوته عليه السلام وهو ظاهر في ذلك واحتمال أن يكون هناك نبـي أمره بذلك عن وحي كما زعمه القائلون بولايته احتمال بعيد على أنه ليس في وصفه بقوله تعالى: {أية : آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} تفسير : [الكهف: 65] على هذا كثير فائدة بل قد يقال: أي فائدة في هذا العلم اللدني إذا احتاج في إظهار العجائب لموسى عليه السلام إلى توسيط نبـي مثله، وقال بعضهم: كان ذلك عن إلهام ويلزمه القول بأن الإلهام كان حجة في بعض الشرائع وأن الخضر من المكلفين بتلك الشريعة وإلا فالظاهر أن حجيته ليست في شريعة موسى عليه السلام وكذا هو ليس بحجة في شريعتنا على الصحيح، ومن شذ وقال بحجيته اشترط لذلك أن لا يعارضه نص شرعي فلو أطلع الله تعالى بالإلهام بعض عباده على نحو ما أطلع عليه الخضر عليه السلام من حال الغلام لم يحل له قتله، وما أخرجه الإمام أحمد عن عطاء أنه قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن قتل الصبيان فكتب إليه إن كنت الخضر تعرف الكافر من المؤمن فاقتلهم، إنما قصد به ابن عباس كما قال السبكي المحاجة والإحالة على ما لم يكن قطعاً لطمعه في الاحتجاج بقصة الخضر وليس مقصوده رضي الله تعالى عنه أنه إن حصل ذلك يجوز القتل فما قاله اليافعي في «روضه» من أنه لو أذن الله تعالى لبعض عباده أن يلبس ثوب حرير مثلاً وعلم الإذن يقيناً فلبسه لم يكن منتهكاً للشرع وحصول اليقين له من حيث حصوله للخضر بقتله للغلام إذ هو ولي لا نبـي على الصحيح انتهى عثرة يكاد أن لا يقال لصاحبها لعا لأن مظنة حصول اليقين اليوم الإلهام وهو ليس بحجة عند الأئمة ومن شذ اشترط ما اشترط، وحصوله بخبر عيسى عليه السلام إذا نزل متعذر لأنه عليه السلام ينزل بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن شريعته تحريم لبس الحرير على الرجال إلا للتداوي وما ذكره من نفي نبوة الخضر لا يعول عليه ولا يلتفت إليه. وممن صرح بأن الإلهام ليس بحجة من الصوفية الإمام الشعراني وقال: قد زل في هذا الباب خلق كثير فضلوا وأضلوا، ولنا في ذلك مؤلف سميته «حد الحسام في عنق من أطلق إيجاب العمل بالإلهام» وهو مجلد لطيف انتهى، وقال أيضاً في كتابه المسمى بـ «الجواهر والدرر»: قد رأيت من كلام الشيخ محيى الدين قدس سره ما نصه اعلم أنا لا نعني بملك الإلهام حيث أطلقناه إلا الدقائق الممتدة من الأرواح الملكية لا نفس الملائكة فإن الملك لا ينزل بوحي على غير قلب نبـي أصلاً ولا يأمر بأمر إلٰهي جملة واحدة فإن الشريعة قد استقرت وتبين الفرض والواجب وغيرهما فانقطع الأمر الإلٰهي بانقطاع النبوة والرسالة وما بقي أحد يأمره الله تعالى بأمر يكون شرعاً مستقلاً يتعبد به أبداً لأنه إن أمره بفرض كان الشارع قد أمر به وإن أمره بمباح فلا يخلو إما أن يكون ذلك المباح المأمور به صار واجباً أو مندوباً في حقه فهذا عين نسخ الشرع الذي هو عليه حيث صير المباح الشرعي واجباً أو مندوباً وإن أبقاه مباحاً كما كان / فأي فائدة للأمر الذي جاء به ملك الإلهام لهذا المدعي فإن قال: لم يجئني ملك الإلهام بذلك وإنما أمرني الله تعالى بلا واسطة قلنا: لا يصدق في مثل ذلك وهو تلبيس من النفس، فإن ادعى أن الله سبحانه كلمه كما كلم موسى عليه السلام فلا قائل به، ثم إنه تعالى لو كلمه ما كان يلقي إليه في كلامه إلا علوماً وأخباراً لا أحكاماً وشرعاً ولا يأمره أصلاً انتهى. وقد صرح الإمام الرباني مجدد الألف الثاني قدس سره العزيز في «المكتوبات» في مواضع عديدة بأن الإلهام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً ويعلم من ذلك أنه لا مخالفة بين الشريعة والحقيقة والظاهر والباطن وكلامه قدس سره في «المكتوبات» طافح بذلك، ففي المكتوب الثالث والأربعين من الجلد الأول أن قوماً مالوا إلى الإلحاد والزندقة يتخيلون أن المقصود الأصلي وراء الشريعة حاشا وكلا ثم حاشا وكلا نعوذ بالله سبحانه من هذا الاعتقاد السوء فكل من الطريقة والشريعة عين الآخر لا مخالفة بينهما بقدر رأس الشعيرة وكل ما خالف الشريعة مردود وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة، وقال في أثناء المكتوب الحادي والأربعين من الجلد الأول أيضاً في مبحث الشريعة والطريقة والحقيقة: مثلاً عدم نطق اللسان بالكذب شريعة ونفي خاطر الكذب عن القلب إن كان بالتكلف والتعمل فهو طريقة وإن تيسر بلا تكلف فهو حقيقة ففي الجملة الباطن الذي هو الطريقة والحقيقة مكمل الظاهر الذي هو الشريعة فالسالكون سبيل الطريقة والحقيقة إن ظهر منهم في أثناء الطريق أمور ظاهرها مخالف للشريعة ومناف لها فهو من سكر الوقت وغلبة الحال فإذا تجاوزوا ذلك المقام ورجعوا إلى الصحو ارتفعت تلك المنافاة بالكلية وصارت تلك العلوم المضادة بتمامها هباء منثوراً. وقال نفعنا الله تعالى بعلومه في أثناء المكتوب السادس والثلاثين من الجلد الأول أيضاً: للشريعة ثلاثة أجزاء علم وعمل وإخلاص فما لم تتحقق هذه الأجزاء لم تتحقق الشريعة وإذا تحققت الشريعة حصل رضا الحق سبحانه وتعالى وهو فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [التوبة: 72] فالشريعة متكفلة بجميع السعادات ولم يبق مطلب وراء الشريعة فالطريقة والحقيقة اللتان امتاز بهما الصوفية كلتاهما خادمتان للشريعة في تكميل الجزء الثالث الذي هو الإخلاص فالمقصود منهما تكميل الشريعة لا أمر آخر وراء ذلك إلى آخر ما قال، وقال عليه الرحمة في أثناء المكتوب التاسع والعشرين من الجلد المذكور بعد تحقيق كثير: فتقرر أن طريق الوصول إلى درجات القرب الإلٰهي جل شأنه سواء كان قرب النبوة أو قرب الولاية منحصر في طريق الشريعة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار مأموراً بها في آية {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف: 108] وآية {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31] تدل على ذلك أيضاً وكل طريق سوى هذا الطريق ضلال ومنحرف عن المطلوب الحقيقي وكل طريقة ردتها الشريعة فهي زندقة، وشاهد ذلك آية {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا} تفسير : [الأنعام: 153] وآية {أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ} تفسير : [يونس: 32] وآية {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً} تفسير : [آل عمران: 85] وحديث «حديث : خط لنا النبـي صلى الله عليه وسلم» تفسير : الخبر، وحديث «حديث : كل بدعة ضلالة» تفسير : وأحاديث أخر إلى آخر ما قال عليه رحمة الملك المتعال. وقال قدس سره في «معارف الصوفية»: اعلم أن معارف الصوفية وعلومهم في نهاية سيرهم وسلوكهم إنما هي علوم الشريعة لا أنها علوم أخر غير علوم الشريعة، نعم يظهر في أثناء الطريق علوم ومعارف كثيرة ولكن لا بد من العبور عنها، ففي نهاية النهايات علومهم علوم العلماء وهي علوم الشريعة والفرق / بينهم وبين العلماء أن تلك العلوم بالنسبة إلى العلماء نظرية واستدلالية وبالنسبة إليهم تصير كشفية وضرورية. وقال أيضاً: اعلم أن الشريعة والحقيقة متحدان في الحقيقة ولا فرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل وبالاستدلال والكشف بالغيب والشهادة وبالتعمل وعدم التعمل وللشريعة من ذلك الأول وللحقيقة الثاني وعلامة الوصول إلى حقيقة حق اليقين مطابقة علومه ومعارفه لعلوم الشريعة ومعارفها وما دامت المخالفة موجودة ولو أدنى شعرة فذلك دليل على عدم الوصول، وما وقع في عبارة بعض المشايخ من أن الشريعة قشر والحقيقة لب فهو وإن كان مشعراً بعدم استقامة قائله ولكن يمكن أن يكون مراده أن المجمل بالنسبة إلى المفصل حكمه حكم القشر بالنسبة إلى اللب وأن الاستدلال بالنسبة إلى الكشف كذلك، والأكابر المستقيمة أحوالهم لا يجوزون الإتيان بمثل هذه العبارات الموهمة إلى غير ذلك من عباراته الشريفة التي لا تكاد تحصى. وقال سيدي القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره: جميع الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يعملون إلا بظاهرهما، وقال سيد الطائفة الجنيد قدس سره: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام. وقال أيضاً: من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا العلم لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. وقال السري السقطي: التصوف اسم لثلاثة معان وهو لا يطفىء نور معرفته نور ورعه ولا يتكلم بسر باطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله. وقال أيضاً قدس سره: من ادعى باطن علم ينقضه ظاهر حكم فهو غالط. وقال أبو الحسين النوري: من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربه ومن رأيته يدعي حالة لا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه على دينه، وقال أبو سعيد الخراز: كل فيض باطن يخالفه ظاهر فهو باطل. وقال أبو العباس أحمد الدينوري: لسان الظاهر لا يغير حكم الباطن، وفي «التحفة» لابن حجر قال الغزالي: من زعم أن له مع الله تعالى حالاً أسقط عنه نحو الصلاة أو تحريم شرب الخمر وجب قتله وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر وقتل مثله أفضل من قتل مائة كافر لأن ضرره أكثر انتهى، ولا نظر في خلوده لأنه مرتد لاستحلاله ما علمت حرمته أو نفيه وجوب ما علم وجوبه ضرورة فيهما، ومن ثم جزم في «الأنوار» بخلوده انتهى. وقال في «الإحياء»: من قال إن الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان إلى غير ذلك، وفي «رسالة القشيري» طرف منه، والذي ينبغي أن يعلم أن كلام العارفين المحققين وإن دل على أنه لا مخالفة بين الشريعة والطريقة والحقيقة في الحقيقة لكنه يدل أيضاً على أن في الحقيقة كشوفاً وعلوماً غيبية ولذا تراهم يقولون: علم الحقيقة هو العلم اللدني وعلم المكاشفة وعلم الموهبة وعلم الأسرار والعلم المكنون وعلم الوراثة إلا أن هذا لا يدل على المخالفة فإن الكشوف والعلوم الغيبية ثمرة الإخلاص الذي هو الجزء الثالث من أجزاء الشريعة فهي بالحقيقة مترتبة على الشريعة ونتيجة لها ومع هذا لا تغير تلك الكشوف والعلوم الغيبية حكماً شرعياً ولا تقيد مطلقاً ولا تطلق مقيداً خلافاً لما توهمه ساجقلي زاده حيث قال في شرح عبارة «الإحياء» السابقة آنفاً: يريد الغزالي من الباطن ما ينكشف لعلماء الباطن من حل بعض الأشياء لهم مع أن الشارع حرمه على عباده مطلقاً فيجب أن يقال: إنما انكشف حله لهم لما انكشف لهم من سبب خفي يحلله لهم وتحريم الشارع تعالى ذلك على عباده مقيد بانتفاء انكشاف السبب المحلل لهم فمن انكشف له ذلك السبب حل له ومن لا فلا لكن الشارع سبحانه حرّمه على عباده على الإطلاق وترك ذلك القيد لندرة وقوعه إذ من ينكشف / له قليل جداً مثاله انكشاف محلل خرق السفينة وقتل الغلام للخضر عليه السلام فحل له بذلك الانكشاف الخرق والقتل وحلهما له مخالف لإطلاق نهى النبـي صلى الله عليه وسلم أمته عن الضرر وعن قتل الصبـي لكنهما مقيدان فالأول مقيد بما إذا لم يعلم هناك غاصب مثلاً والثاني بما إذا لم يعلم أن الصبـي سيصير ضالاً مضلاً لكن الشارع ترك القيدين لندرة وقوعهما واعتماداً على فهم الراسخين في العلم إياهما إلى آخر ما قال فإن النصوص السابقة تنادي بخلافه كما سمعت. ثم إن تلك الغيوب والمكاشفات بل سائر ما يحصل للصوفية من التجليات ليست من المقاصد بالذات ولا يقف عندها الكامل ولا يلتفت إليها، وقد ذكر الإمام الرباني قدس سره في المكتوب السادس والثلاثين المتقدم نقل بعضه أنها تربـى بها أطفال الطريق وأنه ينبغي مجاوزتها والوصول إلى مقام الرضا الذي هو نهاية مقامات السلوك والجذبة وهو عزيز لا يصل إليه إلا واحد من ألوف، ثم قال: إن الذين هم قليلو النظر يعدون الأحوال والمواجيد من المقامات والمشاهدات والتجليات من المطالب فلا جرم بقوا في قيد الوهم والخيال وصاروا محرومين من كمالات الشريعة {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13] انتهى، ويعلم منه أن الكاملين في الشريعة يعبرون على ذلك ولا يلتفتون إليه ولا يعدونه مقصداً وجل مقصدهم تحصيل مقام الرضا، وعلى هذا يخرج بيت المثنوي حيث يقول:شعر : زان طرف كه عشق من افزوددرد بو حنيفة شافعي درسي نكرد تفسير : وقد يحجب الكامل عن جميع ذلك ويلحق من هذه الحيثية بعوام الناس، ويعلم مما ذكر أن موسى عليه السلام أكمل من الخضر وأعلمية الخضر عليه السلام بعلم الحقيقة كانت بالنسبة إلى الحالة الحاضرة فإن موسى عليه السلام عبر على ذلك ولم يقف عنده لأنه في مقام التشريع، ولعل طلبه التعليم كان بالأمر ابتلاء له بسبب تلك الفلتة، وقد ذكروا أن الكامل كلما كان صعوده أعلا كان هبوطه أنزل وكلما كان هبوطه أنزل كان في الإرشاد أكمل في الإفاضة أتم لمزيد المناسبة حينئذ بين المرشد والمسترشد، ولهذا قالوا فيما يحكى: إن الحسن البصري وقف على شط نهر ينتظر سفينة فجاء حبيب العجمي فقال له: ما تنتظر؟ فقال: سفينة فقال: أي حاجة إلى السفينة أمالك يقين؟ فقال الحسن: أمالك علم؟ ثم عبر حبيب على الماء بلا سفينة ووقف الحسن أن الفضل للحسن فإنه كان جامعاً بين علم اليقين وعين اليقين وعرف الأشياء كما هي وفي نفس الأمر جعلت القدرة مستورة خلف الحكمة والحكمة في الأسباب وحبيب صاحب سكر لم ير الأسباب فعومل برفعها، ومن هنا يظهر سر قلة الخوارق في الصحابة مع قول الإمام الرباني: إن نهاية أويس سيد التابعين بداية وحشي قاتل حمزة يوم أسلم فما الظن بغير أويس مع غير وحشي، وأنا أقول: إن الكامل وإن كان من علمت إلا أن فوقه الأكمل وهو من لم يزل صاعداً في تزوله ونازلاً في صعوده وليس ذلك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك ما أمد العالم العلوي والسفلي، وهذا مرجع الحقيقة والشريعة له عليه الصلاة والسلام على الوجه الأتم كما أشرنا إليه سابقاً والحمد لله تعالى على أن جعلنا من أمته وذريته. ولا يعكر على ما ذكرنا ما قاله الإمام الغزالي في «الإحياء» وهو أن علم الآخرة قسمان علم مكاشفة وعلم معاملة أما علم المكاشفة فهو علم الباطن وهو غاية العلوم وهو علم الصديقين والمقربين وهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من الصفات المذمومة وينكشف بذلك ما كان يسمع من قبل أسمائها ويتوهم لها معان مجملة غير متضحة فتتضح / إذ ذاك حتى تحصل المعرفة بذات الله تعالى وبصفاته التامات وبأفعاله وبحكمته في خلق الدنيا والآخرة انتهى. لأن المراد أن ذلك من علم الباطن الذي هو علم الحقيقة وهذا البعض لا يمكن أن يخلو منه نبـي كيف ورتبة الصديقين دون رتبة الأنبياء عليهم السلام كما قرروه في آية {أية : أُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [النساء: 69] ومما ذكرنا من عدم المخالفة بين الشريعة والحقيقة يعلم ما في كلام البلقيني في دفع ما استشكله من قول الخضر لموسى عليهما السلام: «إني على علم» الحديث السابق حيث زعم أنه يدل بظاهره على امتناع تعليم العلمين معاً مع أنه لا يمتنع. وأجاب بأن علم الكشوف والحقائق ينافي علم الظاهر فلا ينبغي للعالم الحاكم بالظاهر أن يعلم الحقائق للتنافي وكذا لا ينبغي للعالم بالحقيقة أن يعلم العلم الظاهر الذي ليس مكلفاً به وينافي ما عنده من الحقيقة، ولعمري لقد أخطأ فيما قال وبالحق تعرف الرجال وكأنه لم يعتمد عليه فأردفه بجواب آخر هو خلاف الظاهر. وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى شيء من ذلك والاستشكال من ضعف النظر. ثم إن قصة الخضر عليه السلام لا تصلح حجة لمن يزعم المخالفة بين العلمين فإن أعظم ما يشكل فيها قتل الغلام لكونه طبع كافراً وخشي من بقائه حياً ارتداد أبويه وذلك أيضاً شريعة لكنها مخصوصة به عليه السلام لأنه كما قال العلامة السبكي: أوحي إليه أن يعمل بالباطن وخلاف الظاهر الموافق للحكمة فلا إشكال فيه وإن علم من شريعتنا أنه لا يجوز لأحد كائناً من كان قتل صغير لا سيما بين أبوين مؤمنين وكيف يجوز قتله بسبب لم يحصل والمولود لا يوصف بكفر حقيقي ولا إيمان حقيقي واتفاق الشرائع في الأحكام مما لم يذهب إليه أحد من الأنام فضلاً عن العلماء الأعلام وهذا ظاهر على القول بنبوته، وأما على القول بولايته فيقال: إن عمل الولي بالإلهام كان إذ ذاك شرعاً أو كما قيل إنه أمر بذلك على يد نبـي غير موسى عليه السلام، وأما إقامة الجدار بلا أجر فلا إشكال فيها لأنها إحسان وغاية ما يتخيل أنه للمسيء فليكن كذلك ولا ضير فإنه من مكارم الأخلاق، وأما خرق السفينة لتسلم من غصب الظالم فقد قالوا: إنه مما لا بأس به حتى قال العز بن عبد السلام: إنه إذا كان تحت يد الإنسان مال يتيم أو سفيه أو مجنون وخاف عليه أن يأخذه ظالم يجب عليه تعييبه لأجل حفظه وكان القول قول من عيب مال اليتيم ونحوه إذا نازعه اليتيم ونحوه بعد الرشد ونحوه في أنه فعله لحفظه على الأوجه كما قاله القاضي زكريا في «شرح الروض» قبيل باب الوديعة. ونظير ذلك ما لو كان تحت يده مال يتيم مثلاً وعلم أنه لو لم يبذل منه شيئاً لقاض سوء لانتزعه منه وسلمه لبعض الخونة وأدى ذلك إلى ذهابه فإنه يجب عليه أن يدفع إليه شيئاً ويتحرى في أقل ما يمكن إرضاؤه به ويكون القول قوله أيضاً، وقال بعضهم: قصارى ما تدل عليه القصة ثبوت العلم الباطن وهو مسلم لكن إطلاق الباطن عليه إضافي كما تقدم، وكأن في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله تعالى فإذا قالوه لا ينكره إلا أهل الغرة بالله تعالى» تفسير : إشارة إلى ذلك، والمراد بأهل الغرة علماء الظاهر الذين لم يؤتوا ذلك، وبعض مثبتيه يستدلون بقول أبـي هريرة: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين من العلم فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم، واستدل به أيضاً على المخالفة بين العلمين. وأنت تعلم أنه يحتمل أن يكون أراد بالآخر الذي لو بثه لقتل علم الفتن وما وقع من بني أمية وذم النبـي صلى الله عليه وسلم لأناس معينين منهم ولا شك أن بث ذلك في تلك الأعصار يجر إلى القتل، وعلى تسليم أنه أراد به العلم الباطن المسمى بعلم الحقيقة لا نسلم أن قطع البلعوم منه على بثه لمخالفته للعلم الظاهر في نفس الأمر بل لتوهم / من بيده الحل والعقد والأمر والنهي من أمراء ذلك الزمان المخالفة فافهم. واستدل العلماء بما في القصة حسبما ذكره شراح الحديث وغيرهم على استحباب الرحلة للعلم وفضل طلبه واستحباب استعمال الأدب مع العالم واحترام المشايخ وترك الاعتراض عليهم وتأويل ما لا يفهم ظاهره من أفعالهم وحركاتهم وأقوالهم والوفاء بعهودهم والاعتذار عند مخالفتهم وعلى جواز اتخاذ الخادم في السفر وحمل الزاد فيه وإنه لا ينافي التوكل ونسبة النسيان ونحوه من الأمور المكروهة إلى الشيطان مجازاً وتأدباً عن نسبتها إلى الله تعالى واعتذار العالم إلى من يريد الأخذ عنه في عدم تعليمه مما لا يحتمله طبعه وتقديم المشيئة في الأمر واشتراط المتبوع على التابع وعلى أن النسيان غير مؤاخذ به وأن للثلاث اعتباراً في التكرار ونحوه وعلى جواز ركوب السفينة وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه لإنكار موسى عليه السلام وعلى جواز أن يطلب الإنسان الطعام عند احتياجه إليه وعلى أن صنع الجميل لا يترك ولو مع اللئام وجواز أخذ الأجر على الأعمال وإن المسكين لا يخرج عن المسكنة بملك آلة يكتسب بها أو بشيء لا يكفيه وإن الغصب حرام وأنه يجوز دفن المال في الأرض وفيه إثبات كرامات الأولياء على قول من يقول: الخضر ولي إلى غير ذلك مما يظهر للمتتبع أو للمتأمل، وبالجملة قد تضمنت هذه القصة فوائد كثيرة ومطالب عالية خطيرة فأمعن النظر في ذاك والله سبحانه يتولى هداك. ومن باب الإشارة في الآيات: على ما ذكره بعض أهل الإشارة {فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } فيه إشارة إلى أن لله تعالى خواص أضافهم سبحانه إليه وقطعهم عن غيره وأخص خواصه عز وجل من أضافه إلى الاسم الجليل وهو اسم الذات الجامع لجميع الصفات أو إلى ضمير الغيبة الراجع إليه تعالى وليس ذاك إلا حبيبه الأكرم صلى الله عليه وسلم {ءَاتيناهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} وهي مرتبة القرب منه عز وجل {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} تفسير : [الكهف: 65] وهو العلم الخاص الذي لا يعلم إلا من جهته تعالى، وقال ذو النون: العلم اللدني هو الذي يحكم على الخلق بمواقع التوفيق والخذلان. وقال الجنيد قدس سره: هو الاطلاع على الأسرار من غير ظن فيه ولا خلاف واقع لكنه مكاشفات الأنوار عن مكنون المغيبات ويحصل للعبد إذا حفظ جوارحه عن جميع المخالفات وأفنى حركاته عن كل الإرادات وكان شبحاً بين يدي الحق بلا تمنى ولا مراد، وقيل: هو علم يعرف به الحق سبحانه أولياءه ما فيه صلاح عباده. وقال بعضهم: هو علم غيبـي يتعلق بعالم الأفعال وأخص منه الوقوف على بعض سر القدر قبل وقوع واقعته وأخص من ذلك علم الأسماء والنعوت الخاصة وأخص منه علم الذات. وذكر بعض العارفين أن من العلوم ما لا يعلمه إلا النبـي، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج كما ذكره القسطلاني في «مواهبه» وغيره «حديث : وسألني ربـي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها فأورثني علم الأولين والآخرين وعلمني علوماً شتى فعلم أخذ عليَّ كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيري وعلم خيرني فيه وعلمني القرآن فكان جبريل عليه السلام يذكرني به وعلم أمرني بتبليغه إلى العام والخاص من أمتي» تفسير : انتهى، ولله تعالى علم استأثر به عز وجل لم يطلع عليه أحداً من خلقه {أية : قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً} تفسير : [الكهف: 66] قاله عن ابتلاء إلٰهي كما قدمنا، وقال فارس كما في «أسرار القرآن»: إن موسى عليه السلام كان أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله تعالى والخضر كان أعلم من موسى فيما وقع إلى موسى عليه السلام، وقال أيضاً: إن موسى كان باقياً بالحق والخضر كان فانياً بالحق {أية : قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} تفسير : [الكهف: 67-68] قيل: علم الخضر أن موسى عليه السلام أكرم الخلق على الله تعالى في زمانه وأنه ذو وحدة عظيمة ففزع من صحبته لئلا يقع منه معه ما لا يليق بشأنه. وقال بعضهم: آيسه من نفسه لئلا يشغله صحبته عن صحبة الحق: {أية : قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً} تفسير : [الكهف: 69] قال بعضهم: لو قال كما قال الذبيح عليه السلام: {أية : سَتَجِدُنِى إِن شَاء ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102] لوفق للصبر كما وفق الذبيح، والفرق أن كلام الذبيح أظهر في الالتجاء وكسر النفس حيث علق بمشيئة الله تعالى وجدانه واحداً من جماعة متصفين بالصبر ولا كذلك كلام موسى عليه السلام {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} سلكا طريق السؤال الذي يتعلق بذل النفس في الطريقة وهو لا ينافي التوكل وكذا الكسب {أية : قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} تفسير : [الكهف: 77] كأنه عليه السلام أراد دفع ما أحوجهما إلى السؤال من أولئك اللئام وفيه نظر إلى الأسباب وهو من أحوال الكاملين كما مر في حكاية الحسن البصري وحبيب، ففي هذا إشارة إلى أنه أكمل من الخضر عليهما السلام {أية : قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } تفسير : [الكهف: 78] أي حسبما أردت، وقال النصرابادي: لما علم الخضر بلوغ موسى إلى منتهى التأديب وقصور علمه عن علمه قال ذلك لئلا يسأله موسى بعد عن علم أو حال فيفتضح. وقيل: خاف أن يسأله عن أسرار العلوم الربانية الصفاتية الذاتية فيعجز عن جوابه فقال ما قال {أية : وَأَمَّا ٱلْغُلَـٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـٰناً وَكُفْراً} تفسير : [الكهف: 80] قيل: كان حسن الوجه جداً وكان محبوباً في الغاية لوالديه فخشي فتنتهما به، والآية من المشكل ظاهراً لأنه إن كان قد قدر الله تعالى عليهما الكفر فلا ينفعهما قتل الولد وإن لم يكن قدر سبحانه ذلك فلا يضرهما بقاؤه، وأجيب بأن المقدر بقاؤهما على الإيمان إن قتل وقتله ليبقيا على ذلك. وقيل: إن المقدر قد يغير ولا يلزم من ذلك سوى التغير في تعلق صفته تعالى لا في الصفة نفسها ليلزم التغير فيه عز وجل، وقد تقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 39]. واستشكل أيضاً بأن المحذور يزول بتوفيقه للإيمان فما الحاجة إلى القتل، وأجيب بأن الظاهر أنه غير مستعد لذلك فهو مناف للحكمة وكأن الخضر عليه السلام رأى فيما قال نوع مناقشة فتخلص من ذلك بقوله: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} تفسير : [الكهف: 82] أي بل فعلته بأمر الله عز وجل ولا يسأل سبحانه عما أمر وفعل ولعل قوله لموسى عليه السلام ما قال حين نقر العصفور في البحر سد لباب المناقشة فيما أمر الله تعالى شأنه، ولعل علم مثل هذه المسائل من العلم الذي استأثر الله سبحانه به {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} تفسير : [البقرة: 255] وأول بعضهم مجمع البحرين بمجمع ولاية الشيخ وولاية المريد والصخرة بالنفس والحوت بالقلب المملح بملح حب الدنيا وزينتها والسفينة بالشريعة وخرقها بهدم الناموس في الظاهر مع الصلاح في الباطن وإغراق أهلها بإيقاعهم في بحار الضلال والغلام بالنفس الأمارة وقتله بذبحه بسيف الرياضة والقرية بالجسد وأهلها بالقوى الإنسانية من الحواس واستطعامهم بطلب أفاعيلها التي تختص بها وإباء الضيافة بمنعها إعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها والجدار بالتعلق الحائل بين النفس الناطقة وعالم المجردات وإرادة الانقضاض بمشارفة قطع العلائق وإقامته بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس ومشيئة اتخاذ الأجر بمشيئة الصبر على شدة الرياضة لنيل الكشوف وإفاضة الأنوار والمساكين بالعوام والبحر الذي يعملون فيه ببحر الدنيا والملك بالشيطان والسفن التي يغصبها العبادات الخالية عن الانكسار والذل والخشوع والأبوين المؤمنين بالقلب والروح والبدل الخير بالنفس المطمئنة والملهمة والكنز / بالكمالات النظرية والعلمية والأب الصالح بالعقل المفارق الذي كمالاته بالفعل وبلوغ الأشد بوصولهما بتربية الشيخ وإرشاده إلى المرتبة الكاملة وهذا ما اختاره النيسابوري، واختار غيره تأويلاً آخر هو ادهى منه. هذا والله تعالى الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِغُلاَمَيْنِ} {صَالِحاً} (82) - أَمَّا الجِدَارُ الَّذِي أَقَامَهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، وَدَعَّمَهُ دُونَ أَجْرٍ، فَقَدْ كَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي القَرْيَةِ، وَكَانَ أَبُوهُمَا رَجُلاً صَالِحاً، وَكَانَ تَحْتَ الْجِدَارِ المَائِلِ لِلانْهِدَامِ، كَنْزٌ مَدْفُونٌ لاَ يَعْرِفُ مَكَانَهُ أَحَدٌ، فَإِذَا انْهَارَ الْجِدَارُ، وَهُمَا صَغِيرَانِ، فَقَدْ يَضِيعُ الكَنْزُ، وَلاَ يَنْتَفِعَانِ بِهِ، لِذَلِكَ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْجِدَارَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الكَنْزِ الَّذِي تَحْتَهُ، حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلاَمَانِ أَشُدَّهُمَا، وَيَسْتَطِيعَا اسْتِخْرَاجَهُ وَالانْتِفَاعَ بِهِ. وَأَضَافَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قَائِلاً: إِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الحَالاَتِ الثَّلاَثِ إِنَّمَا كَانَ رَحْمَةً مِنَ اللهِ بِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَبِوَالِدَي الغُلاَمِ الذِي قَتَلَهُ، وَباِليَتِمَينِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِ اللهِ وَوَحْيِهِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الذِي تَقَدَّمَ هُوَ تَفْسِيرٌ لَلأَفْعَالِ التِي لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى الصَّبْرَ عَلَيْهَا. بَلَغَا أَشُدَّهُمَا - قُوَّتَهُمَا وَشِدَّتَهُمَا وَكَمَالَ عَقْلِهِمَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {لِغُلاَمَيْنِ} أي: لم يبلغا سِنَّ الرشْد، وفوق ذلك هما يتيمان. وكان تحت هذا الجدار المائل كَنْز لهذين الغلامين الغير قادرين على تدبير شأنهما، ولك أنْ تتصوّر ما يحدث لو تهدَّم الجدار، وانكشف هذا الكنز، ولمع ذهبه أمام عيون هؤلاء القوم الذين عرفت صفاتهم، وقد منعوهما الطعام بل ومجرد المأْوى، إنَّ أقل ما يُوصفون به أنهم لِئَام لا يُؤتمنون على شيء. ولقد تعوَّدنا أن نعبر عن شدة الضياع بقولنا: ضياع الأيتام على موائد اللئام. إذن: فلا شَكَّ أن ما قام به العبد الصالح من بناء الجدار وإقامته أو ترميمه يُعَدُّ بمثابة صَفْعة لهؤلاء اللئام تناسب ما قابلوهم به من تنكُّر وسوء استقبال، وترد لهم الصَّاع صاعين حين حرمهم الخضر من هذا الكنز. فعلَّة إصلاح الجدار ما كان تحته من مال يجب أنْ يحفظ لحين أنْ يكبُرَ هذان الغلامان ويتمكنا من حفظه وحمايته في قرية من اللئام. وكأن الحق سبحانه وتعالى أرسله لهذين الغلامين في هذا الوقت بالذات، حيث أخذ الجدار في التصدُّع، وظهرت عليه علامات الانهيار ليقوم بإصلاحه قبل أنْ يقع وينكشف أمر الكنز وصاحبيه في حال الضعف وعدم القدرة على حمايته. ثم إن العبد الصالح أصلح الجدار ورَدَّه إلى ما كان عليه رَدَّ مَنْ علَّمه الله من لَدُنْه، فيقال: إنه بنَاهُ بناءً موقوتاً يتناسب وعُمْرَ الغلامين، وكأنه بناه على عمر افتراضي ينتهي ببلوغ الغلامين سِنَّ الرشْد والقدرة على حماية الكنز فينهار. وهذه في الواقع عملية دقيقة لا يقدر على حسابها إلا مَنْ أُوتِي علماً خاصاً من الله تعالى. ويبدو من سياق الآية أنهما كانا في سِنٍّ واحدة توأمين لقوله تعالى: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا ..} [الكهف: 82] أي: سوياً، ومعنى الأشُدّ: أي القوة، حيث تكتمل أجهزة الجسم وتستوي، وأجهزة الجسم تكتمل حينما يصبح المرء قادراً على إنجاب مثله. وتلاحظ أن الحق - سبحانه وتعالى - قال هنا: {يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا ..} [الكهف: 82] ولم يقُلْ رُشْدهما، لأنْ هناك فرْقاً بين الرُّشْد والأَشُدّ فالرُّشْد: حُسْن التصرُّف في الأمور، أما الأشُدَّ: فهو القوة، والغلامان هنا في حاجة إلى القوة التي تحمي كَنْزهما من هؤلاء اللئام فناسب هنا {أَشُدَّهُمَا ..} [الكهف: 82]. ثم يقول تعالى: {وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ..} [الكهف: 82] أي: يستخرجاه بما لديهما من القوة والفُتوَّة. والرحمة: صفة تُعطَى للمرحوم لتمنعه من الداء، كما في قوله تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..}تفسير : [الإسراء: 82] فقوله: شفاء: أي: يشفي داءً موجوداً ويُبرِئه. ورحمة: أي رحمة تمنع عودة الداء مرة أخرى. وكذلك ما حدث لهذين الغلامين، كان رحمة من الله لحماية مالهما وحِفْظ حقِّهما، ثم لم يَفُتْ العبد الصالح أنْ يُرجِع الفضل لأهله، وينفي عن نفسه الغرور بالعلم والاستعلاء على صاحبه، فيقول: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..} [الكهف: 82] أي: أن ما حدث كان بأمر الله، وما علَّمتك إياه كان من عند الله، فليس لي مَيْزة عليك، وهذا درس في أَدب التواضع ومعرفة الفضْل لأهله. ثم يقول: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} [الكهف: 82] تأويل: أي إرجاع الأمر إلى حقيقته، وتفسير ما أشكل منه. *** بعد ذلك تنتقل الآيات إلى سؤال آخر من الأسئلة الثلاثة التي سألها كفار مكة لرسول الله بإيعاز من اليهود، وهو السؤال عن الرجل الطَّواف الذي طاف البلاد: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} يعني عِلمٌ. وقال مَالٌ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 543 : 8 : 3 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير في قوله {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} قال، علما. [الآية 82]. 544 : 9 : 4 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد مثله. 545 : 10 : 5 - سفين عن أبي حصين عن عكرمة {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}. قال، مالا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):