١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيها مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين وعن الروح فالمراد من قوله: { أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ } تفسير : [الكهف: 83] هو ذلك السؤال. المسألة الثانية: اختلف الناس في أن ذا القرنين من هو وذكروا فيه أقوالاً: الأول: أنه هو الاسكندر بن فيلبوس اليوناني قالوا والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله: { أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } تفسير : [الكهف: 86] وأيضاً بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله: { أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الكهف: 90] وأيضاً بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ إنه مبني في أقصى الشمال فهذا الإنسان المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادات وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الدهر وأن لا يبقى مخفياً مستتراً، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم بعد أن كانوا طوائف ثم جمع ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر. ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها. فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية، أو ما يقرب منها، وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني ثم ذكروا في سبب تسميته بهذا الاسم وجوهاً: الأول: أنه لقب بهذا اللقب لأجل بلوغه قرني الشمس أي مطلعها ومغربها كما لقب أردشير بن بهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد. والثاني: أن الفرس قالوا: إن دارا الأكبر كان قد تزوج بابنة فيلبوس فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها على أبيها فيلبوس وكانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أبيها فبقي الإسكندر عند فيلبوس وأظهر فيلبوس أنه ابنه وهو في الحقيقة ابن دارا الأكبر قالوا والدليل عليه أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال لدارا: يا أبي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقم لك منه! فهذا ما قاله الفرس قالوا وعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا الأكبر وأمه بنت فيلبوس فهو إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس والروم وهذا الذي قاله الفرس إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من نسب غير نسب ملوك العجم وهو في الحقيقة كذب، وإنما قال الإسكندر لدارا يا أبي على سبيل التواضع وأكرم دارا بذلك الخطاب. والقول الثاني: قال أبو الريحان الهروي المنجم في كتابه الذي سماه بالآثار الباقية عن القرون الخالية، قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن أفريقش الحميري فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال: شعر : قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكاً علا في الأرض غير مفندي بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من كريم سيد تفسير : ثم قال أبو الريحان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذا كذي النادي وذي نواس وذي النون وغير ذلك. والقول الثالث: أنه كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة، وإن كنا لا نعرف أنه من هو ثم ذكروا في تسميته بذي القرنين وجوهاً: الأول: سأل ابن الكوا علياً رضي الله عنه عن ذي القرنين وقال أملك هو أم نبي فقال: لا ملك ولا نبي كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي بذي القرنين وملك ملكه. الثاني: سمي بذي القرنين لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس. الثالث: قيل كان صفحتا رأسه من نحاس. الرابع: كان على رأسه ما يشبه القرنين. الخامس: (كان) لتاجه قرنان. السادس: عن النبي صلى الله عليه وسلم سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني شرقها وغربها. السابع: كان له قرنان أي ضفيرتان. الثامن: أن الله تعالى سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمده الظلمة من ورائه. التاسع: يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه. العاشر: رأى في المنام كأنه صعد الفلك فتعلق بطرفي الشمس وقرنيها وجانبيها فسمي لهذا السبب بذي القرنين. الحادي عشر: سمي بذلك لأنه دخل النور والظلمة. والقول الرابع: أن ذا القرنين ملك من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين فقال: اللهم اغفر. أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة! فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، والقول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه وهو أن مثل هذا الملك العظيم يجب أن يكون معلوم الحال عند أهل الدنيا والذي هو معلوم الحال بهذا الملك العظيم هو الإسكندر فوجب أن يكون المراد بذي القرنين هو هو إلا أن فيه إشكالاً قوياً وهو أنه كان تلميذ أرسططاليس الحكيم وكان على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسططاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه، والله أعلم. المسألة الثالثة: اختلفوا في ذي القرنين هل كان من الأنبياء أم لا؟ منهم من قال: إنه كان نبياً واحتجوا عليه بوجوه. الأول: قوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } والأولى حمله على التمكين في الدين والتمكين الكامل في الدين هو النبوة. والثاني: قوله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً } ومن جملة الأشياء النبوة فمقتضى العموم في قوله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً } هو أنه تعالى آتاه في النبوة سبباً. الثالث: قوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } والذي يتكلم الله معه لا بد وأن يكون نبياً ومنهم من قال إنه كان عبداً صالحاً وما كان نبياً. المسألة الرابعة: في دخول السين في قوله: {سَأَتْلُواْ } معناه إني سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى عليه وأنزل فيه وحياً وأخبرني عن كيفية تلك الحال، وأما قوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } فهذا التمكين يحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب النبوة ويحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب الملك من حيث إنه ملك مشارق الأرض ومغاربها والأول أولى لأن التمكين بسبب النبوة أعلى من التمكين بسبب الملك وحمل كلام الله على الوجه الأكمل الأفضل أولى ثم قال: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً } قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود وهو يتناول العلم والقدرة والآلة فقوله: {وآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً } معناه: أعطيناه من كل شيء من الأمور التي يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء ثم إن الذين قالوا: إنه كان نبياً قالوا: من جملة الأشياء النبوة فهذه الآية تدل على أنه تعالى أعطاه الطريق الذي به يتوصل إلى تحصيل النبوة، والذين أنكروا كونه نبياً قالوا: المراد به وآتيناه من كل شيء يحتاج إليه في إصلاح ملكه سبباً، إلا أن لقائل أن يقول: إن تخصيص العموم خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل، ثم قال: {فَأَتْبَعَ سَبَباً } ومعناه أنه تعالى لما أعطاه من كل شيء سببه فإذا أراد شيئاً أتبع سبباً يوصله إليه ويقربه منه قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو فاتبع بتشديد التاء، وكذلك ثم اتبع أي سلك وسار والباقون فأتبع بقطع الألف وسكون التاء مخففة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} قال ابن إسحٰـق: وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ أرضاً إلا سُلِّط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق. قال ابن إسحٰـق: حدّثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليونانيّ من ولد يونان بن يافث بن نوح. قال ابن هشام: واسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه. قال ابن إسحٰـق: وقد حدّثني ثور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان الكَلاَعيّ ـ وكان خالد رجلاً قد أدرك الناس ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: «حديث : ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب»تفسير : . وقال خالد: وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر: اللهم غَفْراً أما رضيتم أن تُسمّوا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة! فقال ابن إسحٰـق: فالله أعلم أي ذلك كان؟ أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أم لا؟ والحق ما قال. قلت: وقد روي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مثل قول عمر؛ سمع رجلاً يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال عليّ: أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة! وعنه أنه عَبْد ملِك (بكسر اللام) صالحٌ نصح الله فأيّده. وقيل: هو نبي مبعوث فتح الله تعالى على يديه الأرض. وذكر الدارقطنيّ في كتاب الأخبار أن ملكاً يقال له رباقيل كان ينزل على ذي القرنين، وذلك الملك هو الذي يطوي الأرض يوم القيامة، وينقصها فتقع أقدام الخلائق كلهم بالساهرة؛ فيما ذكر بعض أهل العلم. وقال السهيليّ: وهذا مشاكل بتوكيله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها ومغاربها؛ كما أن قصة خالد بن سنان في تسخير النار له مشاكلة بحال الملك الموكل بها، وهو مالك عليه السلام وعلى جميع الملائكة أجمعين. ذكر ابن أبي خَيْثَمة في كتاب البدء له خالد بن سِنان العبسيّ وذكر نبوّته، وذكر أنه وكل به من الملائكة مالك خازن النار، وكان من أعلام نبوّته أن ناراً يقال لها نار الحدثان، كانت تخرج على الناس من مغارة فتأكل الناس ولا يستطيعون ردّها، فردّها خالد بن سنان فلم تخرج بعد. واختلف في اسم ذي القرنين وفي السبب الذي سمي به بذلك اختلافاً كثيراً؛ فأما اسمه فقيل: هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد تشدّد قافه فيقال: المقّدوني. وقيل: اسمه هرمس. ويقال: اسمه هرديس. وقال ابن هشام: هو الصعب بن ذي يزن الحِميريّ من ولد وائل بن حمير؛ وقد تقدّم قول ابن إسحٰـق. وقال وهب بن منبه: هو رومي. وذكر الطبريّ حديثاً عن النبيّ عليه الصلاة والسلام: أن ذا القرنين شابٌّ من الروم. وهو حديث واهي السّند؛ قاله ابن عطية. قال السُّهيليّ: والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان: أحدهما: كان على عهد إبراهيم عليه السلام، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم عليه السلام حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام. والآخر: أنه كان قريباً من عهد عيسى عليه السلام. وقيل: إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم عليه السلام، أو قبله بزمان. وأما الاختلاف في السبب الذي سمّي به، فقيل: إنه كان ذا ضفيرتين من شعر فسمي بهما؛ ذكره الثعلبي وغيره. والضفائر قرون الرأس؛ ومنه قول الشاعر:شعر : فَلَثمْتُ فَاهَا آخذاً بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ تفسير : وقيل: إنه رأى في أوّل ملكه كأنه قابض على قرني الشمس، فقص ذلك، ففسر أنه سيغلب ما ذرّت عليه الشمس، فسمي بذلك ذا القرنين. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا. وقالت طائفة: إنه لما بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمي بذلك ذا القرنين؛ أو قرني الشيطان بها. وقال وهب بن منبه: كان له قرنان تحت عمامته. وسأل ابن الكَوّاء علياً رضي الله تعالى عنه عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟ فقال: لا ذا ولا ذا، كان عبداً صالحاً دعا قومه إلى الله تعالى فشجّوه على قرنه، ثم دعاهم فشجّوه على قرنه الآخر، فسمي ذا القرنين. واختلفوا أيضاً في وقت زمانه، فقال قوم: كان بعد موسى. وقال قوم: كان في الفترة بعد عيسى. وقيل: كان في وقت إبراهيم وإسماعيل. وكان الخضر عليه السلام صاحب لوائه الأعظم؛ وقد ذكرناه في «البقرة». وبالجملة فإن الله تعالى مكّنه وملّكه ودانت له الملوك، فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر، والكافران نمرود وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} تفسير : [الفتح: 28] وهو المهديّ. وقد قيل: إنما سمي ذا القرنين لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شريف من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حيّ. وقيل: لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعاً. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن. وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. قوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} قال عليّ رضي الله عنه: سخر له السحاب، ومُدَّت له الأسباب، وبُسط له في النور، فكان الليل والنهار عليه سواء. وفي حديث عقبة بن عامر «حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لرجال من أهل الكتاب سألوه عن ذي القرنين فقال: «إن أوّل أمره كان غلاماً من الروم فأعطي ملكاً فسار حتى أتى أرض مصر فابتنى بها مدينة يقال لها الإسكندرية فلما فرغ أتاه مَلَك فعرج به فقال له انظر ما تحتك قال أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها فقال له الملك تلك الأرض كلها وهذا السواد الذي تراه محيطاً بها هو البحر وإنما أراد الله تعالى أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطاناً فيها فَسِرْ في الأرض فعلِّم الجاهل وثبِّت العالم»» تفسير : الحديث. قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} قال ابن عباس: من كل شيء علماً يتسبب به إلى ما يريد. وقال الحسن: بلاغاً إلى حيث أراد. وقيل: من كل شيء يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء. وأصل السبب الحبل فاستعير لكل ما يتوصل به إلى شيء. {فَأَتْبَعَ سَبَباً} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي «فَأَتْبَعَ سَبَباً» مقطوعة الألف. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو «فَاتَّبَعَ سَبَباً» بوصلها؛ أي اتبع سبباً من الأسباب التي أوتيها. قال الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى؛ مثل ردِفته وأردفته، ومنه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} تفسير : [الصافات: 10] ومنه الإتباع في الكلام مثل حَسَنٌ بَسَنٌ وقَبِيح شَقِيح. قال النحاس: واختار أبو عبيد قراءة أهل الكوفة قال: لأنها من السَّيْر، وحكى هو والأَصْمَعيّ أنه يقال: تَبِعه واتَّبعه إذا سار ولم يلحقه، وأتبعه إذا لحقه؛ قال أبو عبيد: ومثله {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 60]. قال النحاس: وهذا من التفريق وإن كان الأصمعي قد حكاه لا يقبل إلا بعلّة أو دليل. وقوله عز وجل: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما الحديث: لما خرج موسى عليه السلام وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه انطبق عليهم البحر. والحق في هذا أن تَبع واتّبع وأتبع لغات بمعنى واحد، وهي بمعنى السَّيْر، فقد يجوز أن يكون معه لَحَاق وألاّ يكون. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} قرأ ابن عاصم وعامر وحمزة والكسائي «حامِيةٍ» أي حارّة. الباقون «حَمِئة» أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء، تقول: حَمَأْتُ البئر حَمْأً (بالتسكين) إذا نزعت حَمْأَتها. وحَمِئت البئرُ حَمَأً (بالتحريك) كثرت حَمْأَتها. ويجوز أن تكون «حامِيةٍ» من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء. وقد يجمع بين القراءتين فيقال: كانت حارة وذات حَمْأة. وقال عبد الله بن عمرو: نظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غربت، فقال: «حديث : نار الله الحامية لولا ما يَزَعُها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض»تفسير : . وقال ابن عباس: أقرأنيها أبيّ كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم «في عين حَمِئَة»؛ وقال معاوية: هي «حامية» فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: فأنا مع أمير المؤمنين؛ فجعلوا كعباً بينهم حَكَماً وقالوا: يا كعب كيف تجد هذا في التوراة؟ فقال: أجدها تغرب في عين سوداء، فوافق ابن عباس. وقال الشاعر وهو تُبَّع اليمانيّ:شعر : قد كان ذو القرنين قبلي مُسْلِماً مَلِكاً تدينُ له الملوك وتَسْجُدُ بَلَغَ المغاربَ والمشارقَ يَبتغِي أسبابَ أمرٍ من حكيم مُرْشِدِ فرأى مغِيبَ الشَّمسِ عند غروبها في عين ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ تفسير : الْخُلُب: الطين. والثأْط: الحمأَة. والحِرْمِد: الأسود. وقال القفّال قال بعض العلماء: ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغرباً ومشرقاً حتى وصل إلى جرمها ومسّها؛ لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأى العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض؛ ولهذا قال: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم. وقال القتبيّ: ويجوز أن تكون هذه العين من البحر، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه؛ والله أعلم. {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} أي عند العين، أو عند نهاية العين، وهم أهل جاَبَرْس، ويقال لها بالسريانية: جرجيسا؛ يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح؛ ذكره السُّهيليّ. وقال وهب بن منبّه: كان ذو القرنين رجلاً من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه الإسكندر، فلما بلغ وكان عبداً صالحاً قال الله تعالى: يا ذا القرنين! إني باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة ألسنتهم، وهم أمم جميع الأرض، وهم أصناف: أمتان بينهما طول الأرض كله، وأمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج؛ فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأما الأخرى فعند مطلعها ويقال لها منسك. وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل؛ وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل. فقال ذو القرنين: إلهي! قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت؛ فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوّة أكاثرهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوّة؟ فقال الله تعالى: سأظفرك بما حملتك؛ أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأثبت لك فهمك فتفقه كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جنداً من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحفظك الظلمة من ورائك؛ فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس؛ لأنها كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك، فوجد جموعاً لا يحصيها إلا الله تعالى وقوة وبأساً لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء مُتشتِّتة، فكاثرهم بالظّلمة؛ فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان، حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وصدّ عنه، فأدخل على الذين تولوا الظلمة فغشيتهم من كل مكان، فدخلت إلى أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من كل مكان، فتحيروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا، فعجّوا إلى الله تعالى بصوت واحد: إنا آمنا؛ فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، ودخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمماً عظيمة فجعلهم جنداً واحداً، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه، والنور أمامه يقوده ويدله، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن وهي هاويل، وسخر الله تعالى يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطىء إذا عمل عملاً، فإذا أتوا مخاضة أو بحراً بنى سفناً من ألواح صغار مثل النعال فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم، فإذا قطع البحار والأنهار فَتَقها ودفع إلى كل رجل لوحاً فلا يكترث بحمله، فانتهى إلى هاويل وفعل بهم كفعله بناسك فآمنوا، ففرغ منهم، وأخذ جيوشهم وانطلق إلى ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنوداً كفعله في الأولى، ثم كَرَّ مقبلاً حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تأويل، وهي الأمة التي تقابل هاويل بينهما عرض الأرض، ففعل فيها كفعله فيما قبلها، ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين! إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله تعالى كثيراً ليس لهم عدد، وليس فيهم مشابهة من الإنس، وهم أشباه البهائم؛ يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع، ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض، وليس لله تعالى خلق ينمو نماءهم في العام الواحد، فإن طالت المدة فسيملأون الأرض، ويُجلون أهلها منها، فهل نجعل لك خَرْجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ وذكر الحديث؛ وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية. قوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} قال القشيري أبو نصر: إن كان نبياً فهو وحي، وإن لم يكن نبياً فهو إلهام من الله تعالى. {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} قال إبراهيم بن السريّ: خَيَّره بين هذين كما خَيَّر محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}تفسير : [المائدة: 42] ونحوه. وقال أبو إسحٰـق الزجاج: المعنى أن الله تعالى خيره بين هذين الحكمين؛ قال النحاس: وردّ علي بن سليمان عليه قوله؛ لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربه عز وجل: «ثم يردّ إلى ربه»؟ وكيف يقول: «فسوف نعذبه» فيخاطب بالنون؟ قال: التقدير؛ قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين. قال أبو جعفر النحاس: هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء. أما قوله: «قلنا يا ذا القرنين» فيجوز أن يكون الله عز وجل خاطبه على لسان نبي في وقته، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} تفسير : [محمد: 4]، وأما إشكال «فسوف نعذبه ثم يردّ إلى ربهِ» فإن تقديره أن الله تعالى لما خَيَّره بين القتل في قوله تعالى: {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ} وبين الاستبقاء في قوله جل وعز: {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} قال لأولئك القوم: {أَمَّا مَن ظَلَمَ} أي أقام على الكفر منكم: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} أي بالقتل: {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ} أي يوم القيامة: {فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} أي شديداً في جهنم: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ} أي تاب من الكفر: {وَعَمِلَ صَالِحاً} قال أحمد بن يحيـى: «أن» في موضع نصب في «إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً» قال: ولو رفعت كان صواباً بمعنى فإمّا هو، كما قال:شعر : فسيرا فإما حاجة تقضيانها وإما مقيلٌ صالحٌ وصديقُ تفسير : «فَلَهُ جَزَاءُ الْحُسْنىٰ» قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم «فَلَهُ جَزَاءُ الْحُسْنَىٰ» بالرفع على الابتداء أو بالاستقرار. و«الحسنى» في موضع خفض بالإضافة ويحذف التنوين للإضافة؛ أي له جزاء الحسنى عند الله تعالى في الآخرة وهي الجنة، فأضاف الجزاء إلى الجنة، كقوله: {أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 95]، {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [يوسف: 109]؛ قاله الفراء. ويحتمل أن يريد بـ«ـالحسنى» الأعمال الصالحة. ويمكن أن يكون الجزاء من ذي القرنين؛ أي أعطيه وأتفضل عليه. ويجوز أن يحذف التنوين لالتقاء الساكنين ويكون «الحسنى» في موضع رفع على البدل عند البصريين، وعلى الترجمة عند الكوفيين، وعلى هذا قراءة ابن أبي إسحاق «فَلَهُ جَزَاءٌ الْحُسْنَى» إلا أنك لم تحذف التنوين، وهو أجود. وقرأ سائر الكوفيين {فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} منصوباً منوناً؛ أي فله الحسنى جزاءً. قال الفراء: «جزاءً» منصوب على التمييز. وقيل: على المصدر؛ وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال؛ أي مجزياً بها جزاء. وقرأ ابن عباس ومسروق «فَلَهُ جَزَاءَ الْحُسْنَى» منصوباً غير منون. وهي عند أبي حاتم على حذف التنوين لالتقاء الساكنين مثل «فَلَهُ جَزَاءُ الْحُسْنَى» في أحد الوجهين في الرّفع. النحاس: وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين، ويكون تقديره: فله الثواب جزاءَ الحسنى. قوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} تقدّم معناه أن أتبع واتّبع بمعنى، أي سلك طريقاً ومنازل. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ} وقرأ مجاهد وابن محيصن بفتح الميم واللام؛ يقال: طَلعَت الشمسُ والكواكب طُلوعاً ومطلَعاً. والمطلَع والمطلِع أيضاً موضع طلوعها؛ قاله الجوهري. المعنى أنه انتهى إلى موضع قوم لم يكن بينهم وبين مطلع الشمس أحد من الناس. والشمس تطلع وراء ذلك بمسافة بعيدة، فهذا معنى قوله تعالى: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ}. وقد اختلف فيهم؛ فعن وهب بن منبه ما تقدّم، وأنها أمة يقال لها منسك وهي مقابلة ناسك؛ وقاله مقاتل. وقال قتادة: يقال لهما الزنج. وقال الكلبي: هم تارس وهاويل ومنسك؛ حفاة عراة عماة عن الحق، يتسافدون مثل الكلاب، ويتهارجون تهارج الحمر. وقيل: هم أهل جَابَلْق، وهم من نسل مؤمني عاد الذين آمنوا بهود، ويقال لهم بالسريانية مرقيسا. والذين عند مغرب الشمس هم أهل جَابَرْس؛ ولكل واحدة من المدينتين عشرة آلاف باب، بين كل بابين فرسخ. ووراء جَابَلْق أمم، وهم تافيل وتارس، وهم يجاورون يأجوج ومأجوج. وأهل جَابَرْس وجَابَلْق آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ مر بهم ليلة الإسراء فدعاهم فأجابوه، ودعا الأمم الآخرين فلم يجيبوه؛ ذكره السهيلي وقال: اختصرت هذا كله من حديث طويل رواه مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ورواه الطبري مسنداً إلى مقاتل يرفعه؛ والله أعلم. قوله تعالى: {لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} أي حجاباً يستترون منها عند طلوعها. قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وهم يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس عنهم رجعوا إلى معايشهم وحروثهم؛ يعني لا يستترون منها بكهف جبل ولا بيت يكنهم منها. وقال أمية: وجدت رجالاً بسمرقند يحدّثون الناس، فقال بعضهم: خرجت حتى جاوزت الصين، فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلاً يرينيهم حتى صبحتهم، فوجدت أحدهم يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، وكان صاحبي يحسن كلامهم، فبتنا بهم، فقالوا: فيم جئتم؟ قلنا: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس؛ فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي عليّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت أدخلوني سرباً لهم، فلما ارتفع النهار وزالت الشمس عن رؤوسهم خرجوا يصطادون السمك، فيطرحونه في الشمس فينضج. وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلع الشمس وأنتم بها، فقالوا: ما نبرح حتى تطلع الشمس. قالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه والله عظام جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فولوا هاربين في الأرض. وقال الحسن: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، وكانت لا تحمل البناء، فإذا طلعت عليهم الشمس نزلوا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا، فيتراعون كما تتراعى البهائم. قلت: وهذه الأقوال تدل على أن لا مدينة هناك. والله أعلم. وربما يكون منهم من يدخل في النهر، ومنهم من يدخل في السّرب فلا تناقض بين قول الحسن وقتادة.
البيضاوي
تفسير : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ } يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم. وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان، وقيل كان لتاجه قرنان. ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه. واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه، والسائلون هم اليهود سألوه امتحاناً أو مشركو مكة. {قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً} خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين. وقيل لله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَيَسْـأَلُونَكَ} يا محمد {عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} أي: عن خبره، وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف، وقد أورد ابن جرير ههنا، والأموي في مغازيه، حديثاً أسنده، وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر: أن نفراً من اليهود جاؤوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شاباً من الروم، وأنه بنى الاسكندرية، وأنه علا به ملك إلى السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقواماً وجوههم مثل وجوه الكلاب، وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل. والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه "دلائل النبوة"، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الاسكندر الثاني، وهو ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول، فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه السلام أول ما بناه، وآمن به واتبعه، وكان وزيره الخضر عليه السلام، وأما الثاني، فهو اسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره ارسطاطاليس الفيلسوف المشهور. والله أعلم. وهو الذي تؤرخ من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح عليه السلام بنحو ثلثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن، فكان في زمن الخليل، كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل عليه السلام بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم عليه السلام، وقرب إلى الله قرباناً، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من أخباره في كتاب "البداية والنهاية" بما فيه كفاية، ولله الحمد. وقال وهب بن منبه: كان ملكاً، وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين. فقال: كان عبداً ناصحاً لله، فناصحه، دعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه، فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين، وكذا رواه شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمع علياً يقول ذلك. ويقال: إنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب. وقوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} أي: أعطيناه ملكاً عظيماً ممكناً فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها. وقوله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وغيرهم: يعني: علماً. وقال قتادة أيضاً في قوله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} قال: منازل الأرض وأعلامها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} قال: تعليم الألسنة، قال: كان لا يغزو قوماً إلا كلمهم بلسانهم، وقال ابن لهيعة، حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك، فإن الله تعالى قال: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب، يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السمٰوات، وقد قال الله في حق بلقيس: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23] أنه مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سبباً، والله أعلم. وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن سماك بن حرب عن حبيب بن حماز قال: كنت عند علي رضي الله عنه، وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سبحان الله سخر له السحاب، وقدر له الأسباب، وبسط له اليد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَسْئَلُونَكَ } أي اليهود {عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ } اسمه الإسكندر ولم يكن نبياً {قُلْ سَأَتْلُواْ } سأقص {عَلَيْكُم مِّنْهُ } من حاله {ذِكْراً } خبراً.
الشوكاني
تفسير : لما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود، وانتهى الكلام إلى حيث انتهى شرع سبحانه في السؤال الثالث والجواب عنه، فالمراد بالسائلين هنا هم اليهود. واختلفوا في ذي القرنين اختلافاً كثيراً، فقيل: هو الإسكندر بن فيلقوس الذي ملك الدنيا بأسرها اليوناني باني الإسكندرية. وقال ابن إسحاق: هو رجل من أهل مصر، اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني، من ولد يونان بن يافث بن نوح؛ وقيل: هو ملك اسمه هرمس؛ وقيل: ملك اسمه هردبس؛ وقيل: شاب من الروم، وقيل: كان نبياً، وقيل: كان عبداً صالحاً وقيل: اسمه عبد الله بن الضحاك؛ وقيل: مصعب بن عبد الله، من أولاد كهلان بن سبأ. وحكى القرطبي عن السهيلي أنه قال: إن الظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان: أحدهما: كان على عهد إبراهيم عليه السلام. والآخر: كان قريباً من عيسى عليه السلام؛ وقيل: هو أبو كرب الحميري؛ وقيل: هو ملك من الملائكة، ورجح الرازي القول الأوّل، قال: لأن من بلغ ملكه من السعة والقوّة إلى الغاية التي نطق بها التنزيل إنما هو الإسكندر اليوناني كما تشهد به كتب التاريح؛ قال: فوجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر، قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس حق وصدق، وذلك مما لا سبيل إليه. قال النيسابوري: قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر والله أعلم. ورجح ابن كثير ما ذكره السهيلي أنهما اثنان كما قدّمنا ذلك، وبين أن الأوّل: طاف بالبيت مع إبراهيم أوّل ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره الخضر. وأما الثاني: فهو الإسكندر المقدوني اليوناني، وكان وزيره الفيلسوف المشهور أرسطاطاليس، وكان قبل المسيح بنحو من ثلثمائة سنة. فأما الأوّل المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل، هذا معنى ما ذكره ابن كثير في تفسيره راوياً له عن الأزرقي وغيره؛ ثم قال: وقد ذكرنا طرفاً صالحاً في أخباره في كتاب البداية والنهاية بما فيه كفاية. وحكى أبو السعود في تفسيره عن ابن كثير أنه قال: وإنما بينا هذا يعني: أنهما اثنان، لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو هذا المتأخر، فيقع بذلك خطأ كبير وفساد كثير، كيف لا، والأوّل: كان عبداً صالحاً مؤمناً، وملكاً عادلاً، ووزيره الخضر، وقد قيل: إنه كان نبياً، وأما الثاني: فقد كان كافراً، ووزيره إرسطاطاليس الفيلسوف، وكان ما بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذاك؟ انتهى. قلت: لعله ذكر هذا في الكتاب الذي ذكره سابقاً، وسماه بالبداية والنهاية ولم يقف عليه، والذي يستفاد من كتب التاريخ هو أنهما اثنان، كما ذكره السهيلي والأزرقي وابن كثير وغيرهم لا كما ذكره الرازي وادّعى أنه الذي تشهد به كتب التواريخ، وقد وقع الخلاف هل هو نبيّ أم لا؟ وسيأتي ما يستفاد منه المطلوب آخر هذا البحث إن شاء الله. وأما السبب الذي لأجله سمي ذا القرنين، فقال الزجاج والأزهري: إنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ قرن الشمس من مطلعها، وقرن الشمس من مغربها؛ وقيل: إنه كان له ضفيرتان من شعر، والضفائر تسمى قروناً، ومنه قول الشاعر:شعر : فلثمت فاها آخذاً بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج تفسير : والحشرج: ماء من مياه العرب؛ وقيل: إنه رأى في أوّل ملكه كأنه قابض على قرني الشمس فسمي بذلك، وقيل: كان له قرنان تحت عمامته؛ وقيل: إنه دعا إلى الله فشجه قومه على قرنه، ثم دعا إلى الله فشجوه على قرنه الآخر، وقيل: إنما سمي بذلك لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حيّ، وقيل: لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعاً، وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه ملك فارس والروم، وقيل: لأنه ملك الروم والترك، وقيل: لأنه كان لتاجه قرنان. قوله: {قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً} أي: سأتلو عليكم أيها السائلون من ذي القرنين خبراً. وذلك بطريق الوحي المتلوّ. ثم شرع سبحانه في بيان ما أمر به رسوله أن يقوله لهم من أنه سيتلو عليهم منه ذكراً فقال: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأرْضِ} أي: أقدرناه بما مهدنا له من الأسباب، فجعلنا له مكنة وقدرة على التصرف فيها، وسهلّ عليه المسير في مواضعها، وذللّ له طرقها حتى تمكن منها أين شاء وكيف شاء؟ ومن جملة تمكينه فيها أنه جعل له الليل والنهار سواء في الإضاءة {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء } مما يتعلق بمطلوبه {سَبَباً } أي: طريقاً يتوصل بها إلى ما يريده {فَأَتْبَعَ سَبَباً } من تلك الأسباب. قال المفسرون: والمعنى طريقاً تؤديه إلى مغرب الشمس. قال الزجاج: فأتبع سبباً من الأسباب التي أوتي، وذلك أنه أوتي من كل شيء سبباً فأتبع من تلك الأسباب التي أوتي سبباً في المسير إلى المغرب، وقيل: أتبع من كل شيء علماً يتسبب به إلى ما يريد؛ وقيل: بلاغاً إلى حيث أراد؛ وقيل: من كل شيء يحتاج إليه الخلق؛ وقيل: من كل شيء تستعين به الملوك من فتح المدائن وقهر الأعداء. وأصل السبب: الحبل، فاستعين لكل ما يتوصل به إلى شيء. قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، وعاصم، وحمزة، والكسائي (وأتبع) بقطع الهمزة، وقرأ أهل المدينة وأهل مكة وأبو عمرو بوصلها. قال الأخفش: تبعته وأتبعته بمعنى. مثل ردفته وأردفته، ومنه قوله: {أية : فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } تفسير : [الصافات: 10]. قال النحاس: واختار أبو عبيدة قراءة أهل الكوفة، قال: لأنها من السير. وحكى هو والأصمعي أنه يقال: تبعته وأتبعته إذا سار ولم يلحقه، وأتبعه إذا لحقه. قال أبو عبيدة: ومثله {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}. قال النحاس: وهذا من الفرق وإن كان الأصمعي قد حكاه فلا يقبل إلا بعلم أو دليل، وقوله عزّ وجلّ: {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ }تفسير : [الشعراء: 60] ليس في الحديث أنهم لحقوهم، وإنما الحديث لما خرج موسى وأصحابه من البحر وحصل فرعون وأصحابه في البحر انطبق عليهم البحر. والحق في هذا أن تبع واتبع وأتبع لغات بمعنى واحد، وهو بمعنى: السير. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ } أي: نهاية الأرض من جهة المغرب، لأن من وراء هذه النهاية البحر المحيط، وهو لا يمكن المضيّ فيه {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي "حامية": أي: حارّة. وقرأ الباقون "حمئة" أي: كثيرة الحمأة، وهي الطينة السوداء، تقول: حمئت البئر حمأ بالتسكين: إذا نزعت حمأتها، وحمأت البئر حمأتها بالتحريك: كثرت حمأتها، ويجوز أن تكون حامية من الحمأة، فخففت الهمزة وقلبت ياء، وقد يجمع بين القراءتين فيقال: كانت حارة وذات حمأة. قيل: ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره، ولا يبعد أن يقال: لا مانع من أن يمكنه الله من عبور البحر المحيط حتى يصل إلى تلك العين التي تغرب فيها الشمس، وما المانع من هذا بعد أن حكى الله عنه أنه بلغ مغرب الشمس، ومكن له في الأرض والبحر من جملتها، ومجرد الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً } الضمير في عندها إما للعين أو للشمس. قيل: هم قوم لباسهم جلود الوحش، وكانوا كفاراً، فخيّره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم، فقال: {إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } أي: إما أن تعذبهم بالقتل من أوّل الأمر، وإما أن تتخذ فيهم أمراً ذا حسن أو أمراً حسناً مبالغة بجعل المصدر صفة للأمر، والمراد: دعوتهم إلى الحق وتعليمهم الشرائع. {قَالَ } ذو القرنين مختاراً للدعوة التي هي الشق الأخير من الترديد {أَمَّا مَن ظَلَمَ } نفسه بالإصرار على الشرك ولم يقبل دعوتي {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } بالقتل في الدنيا {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبّهِ } في الآخرة {فَيْعَذّبُهُ } فيها {عَذَاباً نُّكْراً } أي: منكراً فظيعاً. قال الزجاج: خيّره الله بين الأمرين. قال النحاس: وردّ عليّ بن سليمان قوله لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبيّ فيخاطب بهذا، فكيف يقول لربه عزّ وجلّ {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبّهِ } وكيف يقول: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } فيخاطبه بالنون، قال: والتقدير قلنا: يا محمد قالوا: يا ذا القرنين. قال النحاس: وهذا الذي ذكره لا يلزم لجواز أن يكون الله عزّ وجلّ خاطبه على لسان نبيّ في وقته، وكأن ذا القرنين خاطب أولئك القوم فلا يلزم ما ذكره. ويمكن أن يكون مخاطباً للنبيّ الذي خاطبه الله على لسانه، أو خاطب قومه الذين وصل بهم إلى ذلك الموضع. قال ثعلب: إن في قوله: {إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ } في موضع نصب، ولو رفعت لكان صواباً بمعنى فأما هو كقول الشاعر:شعر : فسيروا فإما حاجة تقضيانها وإما مقيل صالح وصديق تفسير : {وَأَمَّا مَنْ امَنَ } بالله وصدّق دعوتي {وَعَمِلَ } عملاً {صَـٰلِحاً } مما يقتضيه الإيمان {فَلَهُ جَزَاء ٱلْحُسْنَىٰ } قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعاصم وابن كثير وابن عامر: (فله جزاء) بالرفع على الابتداء أي: جزاء الخصلة الحسنى عند الله، أو الفعلة الحسنى وهي الجنة قاله الفراء. وإضافة الجزاء إلى الحسنى التي هي الجنة كإضافة حق اليقين ودار الآخرة، ويجوز أن يكون هذا الجزاء من ذي القرنين أي: أعطيه وأتفضل عليه، وقرأ سائر الكوفيين "فله جزاء الحسنى" بنصب {جزاء} وتنوينه. قال الفراء: انتصابه على التمييز. وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أي مجزياً بها جزاءً. وقرأ ابن عباس ومسروق بنصب (جزاء) من غير تنوين. قال أبو حاتم: هي على حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال النحاس: وهذا عند غيره خطأ لأنه ليس موضع حذف تنوين لالتقاء الساكنين. وقرىء برفع: (جزاء) منوّناً على أنه مبتدأ، و{الحسنى} بدل منه والخبر الجارّ والمجرور {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } أي: مما نأمر به قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق، أو أطلق عليه المصدر مبالغة. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي: طريقاً آخر غير الطريق الأولى وهي التي رجع بها من المغرب وسار فيها إلى المشرق {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ } أي: الموضع الذي تطلع عليه الشمس أوّلاً من معمور الأرض، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعاً ولا عقلاً من وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً } يسترهم، لا من البيوت ولا من اللباس، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة. قيل: لأنهم بأرض لا يمكن أن يستقرّ عليها البناء {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً } أي: كذلك أمر ذي القرنين أتبع هذه الأسباب حتى بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به؛ وقيل: المعنى لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية والثياب، وقيل: المعنى كذلك بلغ مطلع الشمس مثل ما بلغ من مغربها، وقيل: المعنى كذلك تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، فقضي في هؤلاء كما قضي في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، ويكون تأويل الإحاطة بما لديه في هذه الوجوه على ما يناسب ذلك كما قلنا في الوجه الأوّل. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: قالت اليهود للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين، إنك سمعت ذكرهم منا، فأخبرنا عن نبيّ لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد، قال: "ومن هو"؟ قالوا: ذو القرنين، قال: "ما بلغني عنه شيء"، فخرجوا فرحين قد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ }. وأخرج عبد الرزاق، ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أدري أتبع كان نبياً أم لا؟ وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم لا؟ وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا؟»تفسير : ، وأخرج ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل عليّ عن ذي القرنين أنبيّ هو؟ قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : هو عبد ناصح الله فنصحه»تفسير : . وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، وابن أبي عاصم في السنة، وابن مردويه من طريق أبي الطفيل: أن ابن الكواء سأل عليّ بن أبي طالب عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان عبداً صالحاً أحبّ الله فأحبه الله، ونصح لله فنصحه الله، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، ثم أحياه الله لجهادهم، ثم بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات، فأحياه الله لجهادهم، فلذلك سمي ذا القرنين، وإن فيكم مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عمرو قال: ذو القرنين نبيّ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأخرص بن حكيم، عن أبيه، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: «حديث : هو ملك مسح الأرض بالأسباب»تفسير : . وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن خالد بن معدان الكلاعي مرفوعاً مثله. وأخرج ابن عبد الحكم، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب: أنه سمع رجلاً ينادي بمنى يا ذا القرنين، فقال عمر: ها أنتم قد سمعتم بأسماء الأنبياء فما بالكم وأسماء الملائكة؟ وفي الباب غير ما ذكرناه مما يغني عنه ما قد أوردناه. وقد أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر الجهني حديثاً يتضمن: أن نفراً من اليهود سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، وكان فيما أخبرهم به "أنه كان شاباً من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء، وذهب به إلى السدّ"، وإسناده ضعيف، وفي متنه نكارة، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، ذكر معنى هذا ابن كثير في تفسيره وعزاه إلى ابن جرير والأموي في مغازيه، ثم قال بعد ذلك: والعجب أن أبا زرعة الداري مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوّة، انتهى. وقد ساقه بتمامه السيوطي في الدرّ المنثور، وساق أيضاً خبراً طويلاً عن وهب بن منبه وعزاه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والشيرازي في الألقاب، وأبي الشيخ، وفيه أشياء منكرة جدّاً، وكذلك ذكر خبراً طويلاً عن محمد الباقر أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، ولعل هذه الأخبار ونحوها منقولة عن أهل الكتاب، وقد أمرنا بأن لا نصدقهم ولا نكذبهم فيما ينقلونه إلينا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً } قال: علماً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا، قال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً }. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاصر، أن ابن عباس ذكر له: أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف "تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَامِيَةً" قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلا {حمئة} فسأل معاوية عبد بن عمرو كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب، فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن أبي حاصر: لو أني عند كما أيدتك بكلام تزداد به بصيرة في حمئة. قال ابن عباس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه:شعر : قد كان ذو القرنين عمر مسلماً ملكاً تذلّ له الملوك وتحشد فأتى المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد تفسير : فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود، فدعا ابن عباس غلاماً فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل. وأخرج الترمذي، وأبو داود الطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر عن أبيّ بن كعب أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : كان يقرأ {فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ }». تفسير : وأخرج الطبراني، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً مثله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ} اختلف فيه هل كان نبياً؟ فذهب قوم إلى أنه نبي مبعوث فتح الله على يده الأرض وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن نبياً ولا ملكاً،ولكنه كان عبداً صالحاً أحب الله وأحبه الله، وناصح لله فناصحه الله، وضربوه على قرنه فمكث ما شاء الله ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر، ولم يكن له قرنان كقرني الثور. واختلف في تسميته بذي القرنين على أربعة أقاويل: أحدها: لقرنين في جانبي رأسه على ما حكى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. الثاني: لأنه كانت له ضفيرتان فَسُمِّيَ بهما ذو القرنين، قاله الحسن. الثالث: لأنه بلغ طرفي الأرض من المشرق والمغرب، فَسُمِّيَ لاستيلائه. على قرني الأرض ذو القرنين، قاله الزهري. الرابع: لأنه رأى في منامه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فقص رؤياه على قومه فَسُمِّيَ ذو القرنين، قال وهب بن منبه. وحكى بن عباس أن ذا القرنين هو عبد الله بن الضحاك بن معد، وحكى محمد بن إسحاق أنه رجل من إهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني ولد يونان بن يافث بن نوح. وقال معاذ بن جبل: كان رومياً اسمه الاسكندروس. قال ابن هشام: هو الإِسكندر وهو الذي بنى الإسكندرية. قوله عز وجل: {إِنَّا مَكَنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ} يحتمل وجهين: أحدهما: باستيلائه على ملكها. الثاني: بقيامه بمصالحها. {وَأَتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} فيه وجهان: أحدهما: من كل شيء علماً ينتسب به إلى إرادته، قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: ما يستعين به على لقاء الملوك وقتل الأعداء وفتح البلاد. ويحتمل وجهاً ثالثاً: وجعلنا له من كل أرض وليها سلطاناً وهيبة.
ابن عطية
تفسير : اختلف فيمن سأله عن هذه القصة، فقيل سألته طائفة من أهل الكتاب، وروى في ذلك عقبة بن عامر حديثاً ذكره الطبري وقيل إنما سألته قريش، حين دلتها اليهود على سؤاله عن الروح، والرجل الطواف، وفتية ذهبوا في الدهر ليقع امتحانه بذلك، و"ذو القرنين": هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني، وقد تشدد قافه، فيقال المقدوني، وذكر ابن إسحاق في كتاب الطبري أنه يوناني، وقال وهب بن منبه هو رومي، وذكر الطبري حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن ذا القرنين شاب من الروم" تفسير : وهو حديث واهي السند، فيه عن شيخين من تجيب، واختلف الناس في وجه تسميته بـ {ذي القرنين}، فأحسن الأقوال أنه كان ذا ضفرتين من شعر هما قرناه، فسمي بهما، ذكره المهدوي وغيره، والضفائر قرون الرأس، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : فلثمت فاها آخذاً بقرونها شرب النزيف لبرد ماء الحشرج تفسير : ومنه حديث في غسل بنت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت أم عطية: فضفرنا رأسها ثلاثة قرون، وكثيراً تجيء تسمية النواصي قروناً، وروي أنه كان في أول ملكه يرى في نومه أنه يتناول الشمس، ويمسك قرنين لها بيديه، فقص ذلك، ففسر أنه سيغلب على ما ذرت عليه، وسمي "ذا القرنين"، وقالت فرقة سمي "ذا القرنين" لأنه بلغ المغرب والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا، وقالت فرقة إنه بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرنيها، فسمي بذلك، أو قرني الشيطان بها، وقال وهب بن منبه: سمي بذلك لأن جنبتي رأسه كانتا من نحاس، وقال وهب بن منبه أيضاً كان له قرنان تحت عمامته. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بعيد، وقال علي بن أبي طالب: إنما سمي "ذا القرنين" لأنه ضرب على قرن رأسه فمات: ثم حيي ثم ضرب على قرن رأسه الآخر فمات، فسمي بذلك لأنه جرح على قرني رأسه جرحين عظيمين في يومين عظيمين من أيام حربه فسمي بذلك، وهذا قريب، والتمكين له في الأرض أنه ملك الدنيا، ودانت له الملوك كلها، فروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، والمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران نمرود وبخت نصر، وقوله {وآتيناه من كل شيء سبباً} معناه علماً في كل أمر، وأقيسة يتوصل بها إلى معرفة الأشياء، وقوله {كل شيء} عموم، معناه الخصوص في كل ما يمكن أن يعلمه ويحتاج إليه، وثم لا محالة أشياء لم يؤتَ منها سبباً يعلمها به، واختلف في {ذي القرنين} فقيل هو نبي، وهذا ضعيف. وقيل هو ملَك بفتح اللام، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سمع رجلاً يدعو آخر يا ذا القرنين، فقال أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه فقال "حديث : ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب" تفسير : . وقيل هو عبد ملِك بكسر اللام صالح، نصح لله فأيده، قاله علي بن أبي طالب، وقال فيكم اليوم مثله، وعنى بذلك نفسه، والله أعلم. وقوله {فأتبع سبباً} الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "فاتّبع" بشد التاء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "فأتبع" بسكون التاء على وزن أفعل، قال بعض اللغويين هما بمعنى واحد، وكذلك تبع، وقالت فرقة "أتبع" بقطع الألف: هي عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، و"اتبع" إنما يتضمن معنى الاقتفاء دون هذه القرائن، قاله أبو زيد وغيره. قال القاضي أبو محمد: واستقرأ هذا القائل هذه المقالة من القرآن كقوله عز وجل {أية : فأتبعه شهاب ثاقب} تفسير : [الصافات: 10]، وكقوله {أية : فأتبعهم فرعون} تفسير : [يونس: 90] [طه: 78]، وكقوله تعالى: {أية : فأتبعه الشيطان} تفسير : [الأعراف: 175]، وهذا قول حكاه النقاش عن يونس بن حبيب، وإذا تأملت "اتّبع" بشد التاء لم تربط لك هذا المعنى ولا بد. و"السبب" في هذه الآية، الطريق المسلوكة، لأنها سبب الوصول إلى المقصد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم "في عين حَمِئة"، على وزن فَعِلة، أي ذات حُماة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون في "عين حامية"، أي حارة، وقد اختلف في ذلك قراءة معاوية وابن عباس فقال ابن عباس "حمئة"، وقال معاوية "حامية"، فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهم بالأمر كيف هو في التوراة، فقال لهما أما العربية فأنتما أعلم بها مني، ولكني أجد في التوراة أنها تغرب في عين ثاط، والثاط الطين. فلما انفصلا قال رجل لابن عباس: لوددت أني حضرت يا أبا العباس، فكنت أنجدك بشعر تبع الذي يقول فيه في ذكر ذي القرنين: [الكامل] شعر : قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ملكاً تدين له الملوك ويحشد بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حيكم مرشد فرأى مغار الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد تفسير : فالخلب: الطين، والثاط: الحمأة، الحرمد: الأسد، ومن قرأ "حامئة"، وجهها إلى الحرارة، وروي عن عبد الله بن عمروحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس وهي تغيب فقال"في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من الله لأحرقت ما على الأرض"تفسير : ، وروى أبو ذرحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس عند غروبها فقال "أتدري أين تغرب يا أبا ذر؟" قلت لا، قال: "إنها تغرب في عين حامية"تفسير : ، فهذا يدل على أن العين هنالك حارة، و"حامية" هي قراءة طلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص وابنه، وابن عمر، وذهب الطبري إلى الجمع بين الأمرين: فيقال يحتمل أن تكون العين حارة، ذات حمأة فكل قراءة وصف بصفة من أحوالها، وذهب بعض البغداديين إلى أن {في} بمنزلة عند، كأنها مسامتة من الأرض فيما يرى الرائي لـ {عين حمئة} وقال بعضهم: قوله {في عين} إنما المراد أن ذا القرنين كان فيها، أي هي آخر الأرض. قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الأقوال تخيل والله أعلم، قال أبو حاتم: وقد يمكن أن تكون "حاميئة" مهموزة، بمعنى ذات حمأة، فتكون القراءتان بمعنى واحد، واستدل بعض الناس عل أن ذا القرنين نبي، بقوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين} ومن قال إنه ليس بنبي، قال كانت هذه المقالة من الله له بإلهام، و {إما أن تعذب} بالقتل على الكفر {وإما أن تتخذ فيهم حسناً} أي بالإجمال على الإيمان، واتباع الهدى، فكأنه قيل له هذه لا تعطيها إلا إحدى خطتين: إما أن تكفر فتعذبها، وإما أن تؤمن فتحسن إليها، وذهب الطبري إلى أن اتخاذ الحسن هو الأسر مع كفرهم، فالمعنى، على هذا، أنهم كفروا ولا بد فخيره الله بين قتلهم أو أسرهم، ويحتمل أن يكون الاتخاذ ضرب الجزية. قال القاضي أبو محمد: ولكن تقسيم {ذي القرنين} بعد هذا الأمر إلى كفر أو إيمان، يريد هذا القول بعض الرد، فتأمله.
ابن عبد السلام
تفسير : {ذِى الْقَرْنَيْنِ} نبي مبعوث فتح الله ـ تعالى ـ على يده الأرض، أو عبد صالح ناصح لله، فضربوه على قرنه فمكث ما شاء الله ثم دعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر، لم يكن له قرنان كقرني الثور، وسمي ذا القرنين للضربتين، أو لضفيرتين كانتا له، أو لاستيلائه على قرني الأرض المشرق والمغرب، أو رأى في نومه أنه أخذ بقرني الشمس في شرقها وغربها فقصها على قومه فسمي ذا القرنين. وهو عبد الله بن الضحاك بن معد "ع"، أو من أهل مصر اسمه مرزبان يوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح، أو رومي اسمه الاسكندروني أو هو الإسكندر الذي بنى الإسكندرية.
الخازن
تفسير : وقوله عز وجل {ويسألونك عن ذي القرنين} قيل اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح وقيل اسمه الاسكندر بن فيلفوس كذا صح الرومي، وكان ولد عجوز ليس لها ولد غيره ونقل الإمام فخر الدين في تفسيره عن أبي الريحان السروري المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية أنه من حمير واسمه أبو كرب سمي ابن عير بن أبي أفريقيس الحميري وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول شعر : قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ملكاً علا في الأرض غير مفند بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من كريم مرشد فرآى مآب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأطه حرمد تفسير : قوله فرأى مآب الشمس، أي ذهاب الشمس وقوله في عين ذي خلب أي حمأة، والثأطة الحمأة أيضاً والجمع ثأط والحرمد الطين الأسود. وقيل سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقيل لأنه ملك فارس والروم وقيل لأنه دخل النور والظلمة، وقيل لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس وقيل لأنه كان له ذؤابتان حسنتان، وقيل كان له قرنان تورايهما العمامة، وروي عن علي أنه أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله. واختلفوا في نبوته فقيل كان نبياً ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى قلنا يا ذا القرنين وخطاب الله لا يكون إلا مع الأنبياء وقيل لم يكن نبياً. قال أبو الطفيل: سئل علي عن ذي القرنين أكان نبياً فقال: لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان عبداً أحب الله فأحبه الله وناصح الله، فناصحه الله. وروي أن عمر سمع رجلاً يقول لآخر يا ذا القرنين فقال تسميتم بأسماء الأنبياء، فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة والأصح الذي عليه الأكثرون أنه كان ملكاً صالحاً عادلاً وأنه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب وهذا هو القدر المعمور من الأرض, وذلك أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن دان له طوائف ثم مضى إلى ملوك العرب وقهرهم، ومضى حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم رجع إلى مصر وبنى الإسكندرية، وسماها باسمه ثم دخل الشام وقصد بيت المقدس وقرب فيه القربان، ثم انعطف إلى أرمينية وبوب الأبواب وبنى السد ودانت له ملوك العراق والنبط والبربر. واستولى على ممالك الفرس ثم مضى إلى الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ثم رجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها وحمل إلى حيث هو مدفون وقيل إن عمره كان ألفاً وثلاثين سنة ومثل هذا الملك البسيط الذي هو على خلاف العادات وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الأرض فذلك قوله سبحانه وتعالى {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً} أي خبراً يتضمن حاله. قوله سبحانه وتعالى {إنا مكنا له في الأرض} أي وطأنا له والتمكين تمهيد الأسباب، قال علي سخر الله له السحاب فحمل عليه ومد له في الأسباب، وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض وذلل له طريقها. {وآتيناه من كل شيء} ما يحتاج إليه الخلق وكل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء {سبباً} أي علماً يتسبب به إلى كل ما يريده ويسير به في أقطار الأرض وقيل بلاغاً إلى حيث أراد، وقيل قربنا له أقطار الأرض {فأتبع سبباً} أي سلك طريقاً {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} أي ذات حماة وهي الطينة السوداء، وقرىء حامية أي حارة، وسأل معاوية كعباً: كيف تجد في التوراة تغرب الشمس وأين تغرب؟ قال: نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين. وقيل يجوز أن يكون معنى في عين حمئة أي عندها عين حمئة، أو في رأي العين، وذلك أنه بلغ موضعاً من المغرب لم يبق بعده شيء من العمران فوجد الشمس كأنها تغرب في وهدة مظلمة. كما أن راكب البحر يرى أن الشمس كأنها تغيب في البحر {ووجد عندها قوماً} أي عند العين أمة، قال ابن جريج: مدينة لها أثنا عشر ألف باب يقال إنها الجاسوس واسمها بالسريانية حريحسا سكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح لولا ضجيج أهلها، لسمع الناس وجبة الشمس حين تجب أي تغيب {قلنا يا ذا القرنين} يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبياً فإن الله خاطبه ومن قال إنه لم يكن نبياً قال المراد منه الإلهام وقيل يحتمل أن يكون الخطاب على لسان غيره {إما أن تعذب} يعني تقتل من لم يدخل في الإسلام. {وإما أن تتخذ فيهم حسنا} يعني تعفو وتصفح وقيل تأسرهم فتعلمهم الهدى، خيره الله سبحانه وتعالى بين الأمرين {قال أما من ظلم} أي كفر {فسوف نعذبه} أي نقتله {ثم يرد إلى ربه} أي في الآخرة {فيعذبه عذاباً نكراً} أي منكراً يعني بالنار لأنها أنكر من القتل {وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى} أي جزاء أعماله الصالحة {وسنقول له من أمرنا يسراً} أي نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا {ثم أتبع سبباً} أي سلك طريقاً ومنازل {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً} قيل إنهم كانوا في مكان ليس بينهم وبين الشمس ستر من جبل ولا شجر ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقيل إنهم كانوا إذا طلعت الشمس نزلوا في الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فرعوا كالبهائم، وقيل هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى, وقيل إنهم قوم من نسل مؤمني قوم هود واسم مدينتهم جابلق واسمها بالسريانية مرقيسيا وهم مجاورون يأجوج ومأجوج. قوله سبحانه وتعالى {كذلك} أي كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها، وقيل معناه أنه حكم في القوم الذين هم عند مطلع الشمس كما حكم في القوم الذين هم عند مغربها وهو الأصح. {وقد أحطنا بما لديه خبراً} أي علماً بما عنده ومن معه من الجند والعدة وآلات الحرب، وقيل معناه وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية بذلك الملك والاستقلال به والقيام بأمره.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فأتبع} {ثم أتبع} مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة. {حامية} الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون {حمئة} بالهمزة من غير ألف {جزاء الحسنى} بالنصب منوناً. يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون {جزاء الحسنى} بالرفع والإضافة. {السدين} بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل. الآخرون بضمها. {يفقهون} بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف. الباقون بفتحهما {يأجوج ومأجوج} حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني {فهل نجعل} وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام {خراجاً} بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون {خرجا} بسكون الراء. {سداً} بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم. والباقون بضمها {مكننى}: ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون {ردماً ائتوني} يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف {الصدفين} بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال. الآخرون بفتح الصاد والدال. {قال ائتوني} والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة {فما اسطاعوا} بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني {فما اصطاعوا} بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران. {دكاء} بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة {أفحسب الذين} بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره {دوني أولياء} بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو {أن ينفد} بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الوقوف: {القرنين} ط {ذكراً} ه ط {سبباً} لا {سبباً} ه {قولاً} ه ط {حسناً} ه {نكراً} ه {الحسنى} ج لاختلاف الجملتين {يسراً} ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار {سبباً} ه {ستراً} ه {كذلك} ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس. وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك. وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم {خبراً} ه {ثم أتبع سبباً} ه {قوماً} لا {قولاً} ه {سدّاً} ه {ردماً} ه {الحديد} ط {انفخوا} ط {ناراً} لا لأن "قال" جواب "إذا" {قطراً} ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار {نقبا} ه {من ربي} ج لعطف الجملتين المختلفتين {دكاء} ج لذلك {حقاً} ه ط لانقطاع القصة {جمعاً} ه لا للعطف {عرضاً} ه لا {سمعاً} ه {أوليا} ط {نزلاً} ه {أعمالاً} ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل {صنعاً} ه {وزناً} ه {هزواً} ه {نزلاً} ه {حولاً} ه {مدداً} ه {واحد} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {أحداً} ه. التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه. وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة. يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها. وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر. قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه. فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه. قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر. والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها. وقيل: كان له قرنان ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وقيل: كان لتاجه قرنان. وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس. ويروى الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين. وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه. وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها. وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر. وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره. ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وعن علي رضي الله عنه: سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه. وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟ فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه. قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله. وقيل: كان نبياً لقوله تعالى: {إنا مكنا له في الأرض} والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله {وآتيناه من كل شيء سبباً} وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب} وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي. وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. قوله: {سأتلوا عليكم} أي سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى وأنزل فيه وحياً. والخطاب في {عليكم} للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه {وآتيناه من كل شيء سبباً} طريقاً موصلاً إليه. والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه. ثم إنه سبحانه شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً {فأتبع سبباً} أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية} أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين. حديث : عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية .تفسير : فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك. وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: {وجدها تغرب} ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود. أما قوله{ووجد عندها قوماً} فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس. قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال {أما من ظلم} بالإصرار على الشرك {فسوف نعذبه} بالقتل في الدنيا {ثم يرد إلى ربه} في الآخرة {فيعذبه عذاباً نكراً} منكراً فظيعاً. روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ {جزاء} بالنصب أراد فله الفعلة {الحسنى} جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى {وسنقول له من أمرنا} أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك {يسراً} أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق. ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً {ثم أتبع سبباً} أي هيأ أسباباً بسفر المشرق {حتى إذا بلغ مطلع الشمس} أي مكان طلوعها {وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً} عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق. وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك. حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى. وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم. فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وللمفسرين في متعلق قوله: {كذلك} وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به. الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب. الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها. الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف. ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين} قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري. وانتصب {بين} على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : [الأنعام: 94] قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال. فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك. وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع. وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغ الإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما {وجد من دونهما} أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً {قوماً لا يكادون يفقهون} بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم. سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟ وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع. أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس. وقيل: يأكلون لحومهم. وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه {فهل نجعل لك خرجاً} وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال. وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة. وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض {قال} ذو القرنين {ما ملكني فيه ربي} أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار {خير} مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان {أية : فما آتاني الله خير مما آتاكم} تفسير : [النمل: 36] {فأعينوني بقوة} بآلات ورجال وصناع. وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه. قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة. من قرأ {آتوني} بالمد فظاهر، ومن قرأ {ائتوني} من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض. ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.{حتى إذ ساوى بين الصدفين} وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان {أفرغ عليه قطراً} أصب عليه النحاس المذاب {وقطراً} منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه. وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه. يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً. وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟ قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد والله رأيته. قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين. {فما اسطاعوا أن يظهروه} أي يعلوه لارتفاعه وملاسته {وما استطاعوا له نقباً} لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية. ثم {قال} ذو القرنين {هذا} السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده {فإذا جاء} أي دنا مجيء القيامة {جعله دكاً} مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك. ومن قرأ {دكاء} بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية {وكان وعد ربي حقاً} وهذا آخر حكاية ذي القرنين. ثم شرع سبحانه في بقية أخبارهم فقال {وتركنا بعضهم يومئذ يموجون} أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس. ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون. وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه. وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى. ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه. ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع {عن ذكري} أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه. وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال {وكانوا لا يستطيعون سمعاً} وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية. احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا. وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال. ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً {أفحسب الذين كفروا} والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟ وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً. والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال. ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل. وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو {أية : فبشرهم بعذاب} تفسير : [آل عمران: 21] أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي رضي الله عنه أنهم الرهبان كقوله: {أية : عاملة ناصبة} تفسير : [الغاشية: 3] وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن منهم أهل حروراء. وعن مجاهد: أهل الكتاب. والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص. وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: {فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً} قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير. وفي قوله: {فحبطت أعمالهم} إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين {ذلك} الذي ذكرناه من أنواع الوعيد {جزاؤهم} وقوله {جهنم} عطف للجزاء. والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته. عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها. وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة"تفسير : قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب {أية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} تفسير : [المطففين: 15] والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها. نبه على كمال حال القرآن. والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً". والمدد والمداد واحد. يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} تفسير : [البقرة: 269] ثم تقرأون {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} تفسير : [الإسراء: 85] فنزلت هذه الآية. يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. قالت الأشاعرة: إن كلام الله تعالى واحد. واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله تعالى. وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله تعالى. وزعم الجبائي أن قوله: {قبل أن تنفد كلمات ربي} يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية. قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر. أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة. ثم بين أن الموحى هو {إنما إلهكم إله واحد}. وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: {فمن كان يرجو} أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه. واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة {فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه. حديث : يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه.تفسير : وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية. قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة. والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به. قال في الكشاف: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه. ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : من قرأ عند مضجعه {قل إنما أنا بشر مثلكم} كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ ". تفسير : التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره. {فأتبع سبباً} من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني {فوجدها تغرب في عين حمئة} هي عالم القوى والطبائع والأجساد {ووجدنا عندها قوماً} هم القوى البدنية والنفوس الأرضية {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب} بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة {وإما أن تتخذ فيهم حسناً} هو الرفق والمداراة {قال أما من ظلم} بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها {فسوف نعذبه} بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه {ثم يرد إلى ربه} وهو الشيخ الكامل الذي يربيه {فيعذبه عذاباً نكراً} هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله تعالى فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة. {وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى} هو مقام الوصول والوصال {وسنقول له من أمرنا يسراً} هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة {ثم أتبع} أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية {فوجدها تطلع على قوم} مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية {حتى إذا بلغ بين السدين} وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه {وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً} وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط {إن يأجوج ومأجوج} القوى والطبائع البشرية {مفسدون في الأرض} البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها {فهل نجعل لك مخرجاً} هو ترك الوجود وبذلك الموجود. {فأعينوني بقوة} بهمة صارفة وعزيمة صادقة {آتوني زبر الحديد} ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء {حتى إذا ساوى} عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد {قال انفخوا} بالمداومة على الأذكار والأوراد {حتى إذا جعله ناراً} بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب {قال آتوني أفرغ عليه قطراً} هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ } «ذو القرنين»، هو المَلِكُ الإسْكَنْدَرُ اليُونَانِيُّ، واختلف في وَجْه تسميته بـ «ذي القَرْنَيْنِ» وأحسنُ ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفِيرَتين، من شَعْرهما قرناه، والتمكينُ له في الأرض: أنه مَلَكَ الدنيا، ودانَتْ له الملوك كلها، وروي أن جميع من مَلَكَ الدنيا كلَّها أربعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وكافران؛ فالمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرَانِ: نُمْرُود، وبُخْتَ نَصَّرَ. وقوله سبحانه: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } معناه: علْماً في كل أمْرٍ، وأقيسةً يتوصَّل بها إِلى معرفة الأشياء، وقوله: {كُلِّ شَيْءٍ } عمومٌ معناه الخصوص في كلِّ ما يمكنه أنْ يعلمه ويحتاجُ إلَيْه، وقوله: {فَأَتْبَعَ سَبَباً }، أي: طريقاً مسلوكةً، وقرأ نافع وابن كثير: وحفص عن عاصم: «في عَيْنٍ حِمِئَة»، أي: ذاتِ حَمْأة، وقرأ الباقون: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ»، أي: حارَّة، وذهب الطبريُّ إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يحتملُ أن تكون العين حارَّة ذاتَ حَمْأة؛ واستدلَّ بعضُ الناس على أن ذا القرنَيْن نبيٌّ بقوله تعالى: {قُلْنَا يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ}، ومن قال: إنه ليس بنبيٍّ، قال كانت هذه المقالةُ مِنَ اللَّهِ له بإِلهامِ. قال * ع *: والقول بأنه نبيٌّ ضعيفٌ، و{إِمَّا أَن تُعَذِّبَ } معناه: بالقَتْلِ على الكُفْر، {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً }، أي: إِن آمنوا، وذهب الطبري إِلى أنَّ اتخاذه الحُسْن هو الأسْرُ مع كُفْرهم، ويحتمل أنْ يكون الاتخاذ ضَرْبَ الجزية، ولكنْ تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمْر إِلى كفر وإيمان يردُّ هذا القوْلَ بعْضَ الردِّ، و{ظَلَمَ }؛ في هذه الآية: بمعنى كَفَر، وقوله: {عَذَاباً نُّكْراً }، أي: تنكره الأوهام، لِعَظَمِهِ، وتستهوله، و{ٱلْحُسْنَىٰ } يراد بها الجَنَّة. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطُّرُق المؤدِّية إِلى مَقْصِده، وكان ذو القرنَيْن، على ما وقع في كُتُب التاريخ يَدُوسُ الأرض بالجيوشِ الثِّقَال، والسِّيرةِ الحميدةِ، والحَزْمِ المستيقِظِ، والتأيِيدِ المتواصِلِ، وتقوى اللَّه عزَّ وجلَّ، فما لقي أُمَّةً، ولامَرَّ بمدينةٍ إِلا ذَلَّتْ ودَخَلَتْ في طاعته، وكُلُّ من عارضه أوْ توقَّف عن أمْره، جعله عظةً وآيةً لغيره، وله في هذا المعنى أخبارٌ كثيرةٌ وغرائبُ، مَحَلُّ ذكرها كُتُبُ التاريخ. وقوله: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ } المراد بـــ«القوم» الزَّنْج، قاله قتادة، وهم الهنود وما وراءهم، وقال الناس في قوله سبحانه: {لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً } معناه: أنهم ليس لهم بنيانٌ، إِذ لا تحتمل أرضهم البناءَ وإِنما يدخلون مِنْ حَرِّ الشمس في أسْرَابٍ، وقيل: يدخلون في مَاءِ البَحْر؛ قاله الحسن وغيره، وأكْثَرَ المفسِّرون في هذا المعنى، والظاهر من اللفظ أنها عبارة بَلِيغَةٌ عن قُرْب الشمس منهم، ولو كان لهم أسرابٌ تغني لكان سِتْراً كثيفاً. وقوله: {كَذَٰلِكَ } معناه: فَعَلَ معهم كَفِعْله مع الأولين أهْلِ المَغْرب، فأوجز بقوله: {كَذَٰلِكَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} الآية. قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن يافث بن نوحٍ، وكان أسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: {وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: {يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال أبو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه. روي أنَّ عمر - رضي الله عنه - سمع رجلاً يقول لآخر: "يَا ذَا القرنين" فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ "يأجُوجَ ومأجُوجَ" قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد "بيت المقدس"، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى "أرمينيَّة" و "باب الأبواب" ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى "خراسان" وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض بـ "شهرزور" ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ما كان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني. قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة. وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله. وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه. فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: "الدبوسية" و "حمدان" و "برج الحجارة"، ولما بلغ "الهند" بنى مدينة "سرنديب" وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماء من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ "بابل"، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة. وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمِّى بـ "الآثار الباقية عن القرون الخالية": قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل] شعر : قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ تفسير : ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهمُ الذين لا يخلون أساميهم من "ذي كذا" المنار، و "ذي نواس"، و "ذي النُّون"، و "ذي رعين" والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها ". تفسير : قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه. قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك. وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان. وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله. وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة. وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل] شعر : والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً بالحِنْوِ حيث أميم مقيم تفسير : أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس. وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟. قوله: "سَأتلُو": دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال. قوله "مِنْهُ ذِكْراً" أي: من أخباره وقصصه. قوله: "إنَّا مكَّنا له". ومعنى "مكنَّا لهُ": أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها. وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: {وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: {وءَاتيناه من كل شيء} ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء "سبباً" أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض. واستدلوا بعموم قوله: {وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ. قوله: {فَأَتْبَعَ سَبَباً}. قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو "فَاتَّبعَ" و "ثمَّ اتَّبعَ" في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء. فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ. وقيل: "أتْبَعَ" بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه {أية : وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً} تفسير : [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 60]، أي: أتبعوهم جنودهم. و اختار أبو عبيد "اتَّبعَ" بالوصل، قال: "لأنَّه من المسيرِ" قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} تفسير : [الصافات: 10]. وقال يونس، وأبو زيدٍ: "أتْبعَ" بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات. قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة}. عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ" وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة. وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس. فصل ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: "وجد عِنْدهَا قوماً" ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} من وجوه: الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره. الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: {تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ} إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال أهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقيين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار إلى التَّأويل المذكور. ثم قال: {ووجد عندها قوماً} أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس. قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ. قوله: {قُلْنَا يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر. وقال بعضهم: المراد منه الإلهام. قوله: {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ}. يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب أي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب. وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة و السلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم. وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء. ثم قال ذو القرنين: {أَمَّا مَن ظَلَمَ} أي: ظلم نفسه؛ بمعنى "كفر" لأنَّه ذكر في مقابلته: {وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ} ثم قال: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} أي بقتله {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ} في الآخرة {عَذَاباً نُّكْراً} أي: منكراً فظيعاً. وهو النار، والنار أنكر من القتل. قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}. {وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} الآية. قوله: {جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} قرأ الأخوان، وحفص بنصب "جزاءً" وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب. الثالث: أنه في موضع الحال. الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد. وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في "جزاءَ الحُسْنى" التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى. والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 3565-................. ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا تفسير : ذكره المهدويُّ. والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و "الحُسْنَى" مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى. وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق "جزاءٌ" مرفوعاً منوناً على الابتداء، و "الحُسْنَى" بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار "أعْنِي" أو خبر مبتدأ مضمرٍ. و "يُسْراً" نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد. فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً. وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان: أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح. والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [يوسف: 109]. و {أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 95]. وقوله: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: {أية : قَوْلاً مَّيْسُوراً} تفسير : [الإسراء: 28]. قوله: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ}. أي: سلك طرقاً ومنازل {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ} أي: موضع طلوعها {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً}. قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ. قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى. فصل فيما يروى عن السد ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنيه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج. قوله: {مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ}. العامَّة على كسر اللام من "مَطْلِع" والمضارعُ "يَطلُع" بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: "هذه اللغة قد ماتت" يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع. قوله: {كَذَٰلِكَ}: الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك. ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك. وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر. وقيل: كذلك كانت حالهُ مع أهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين. وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: {كَذَٰلِكَ}. والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك. قوله: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} الآية. و {بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} "بين" هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين "السَّدَّين" و "سَدًّا" في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9]، وقرأ الأخوان بالفتح في "سدًّا" في سورتيه، وبالضمِّ في "السُّدَّين" والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: المضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، و الكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ. قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: "فُعْل" بمعنى "مفْعُول" أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و "سدًّا" في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: "وجعلنا" ومع ذلك قرىء في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار. فصل في مكان السد الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان. وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك. وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه "المسالك والممالك" أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند. فصل في مقتضى هذا الخبر قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة. قوله: {يَفْقَهُونَ}: قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس. فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا} [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما "قوماً"، أي: أمَّة من الناس {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}. فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}؟. فالجواب من وجوه: أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ}. وثانيها: أن قوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها]. وثالثها: أنَّ "كاد" معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من إضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها. قوله: {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ}: قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما. فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر. وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ. وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل] شعر : 3566-................. تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ تفسير : وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ. وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما "فَاعُول" من يجَّ، ومجَّ. ويحتمل أن يكون ماجوج من "مَاجَ، يَمُوجُ" أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ "طائي" في النَّسب إلى طيِّىء. وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93] - عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج "آجُوج". فصل في اصل يأجوج ومأجوج اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك. وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم. وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين. فصل في أجناس البشر قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم. وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة. ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج. واختلفوا في صفاتهم: فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى. فصل في إفسادهم واختلفوا في كيفية إفسادهم: فقيل: كانوا يقتلون الناس. وقيل: كانوا يأكلون لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر. وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام. ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} الآية. قوله: "خَرْجاً" قرأ ابن عامر "خَرْجاً" هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان "خَرَاجاً" "فَخَراج" في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو "فَخرَاج" كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: "الخَراجُ" بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ. قال مكيٌّ - رحمه الله -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق. ثم قال: {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا. قوله: {مَا مَكَّنِّي}: "ما" بمعنى "الذي" وقرأ ابن كثيرٍ: "مكَّنني" بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف. وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه. ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -:{أية : فَمَآ آتَٰنِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُم}تفسير : [النمل: 36]. قوله: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}. والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ. قالوا: وما تلك القوة؟. قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة. قالوا: وما تلك الآلة؟. قال: {آتُونِيَ}: قرأ أبو بكرٍ "ٱيتُونِي" بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما. فـ "زُبرَ" على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من "رَدْماً" لالتقاءِ الساكنين؛ لأنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي "ٱئتُونِي" في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها. والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين "رَدْماً" على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء. والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ. و "زُبَرَ الحَديدِ" قطعه. قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة. وقرأ الحسن بضمِّ الباء. قوله: "سَاوَى" هذه قراءة الجمهور، وقتادة "سوَّى" بالتضعيف، وعاصم في رواية "سُوِّيَ" مبنيًّا للمفعول. وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ} أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما. قوله: "الصَّدفَيْنِ" قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرىء بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس. والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: "الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ". فصل في بناء السد لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً. وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها. قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس. قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. فصل فيما بين السدين قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ. وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ. قوله: "قِطْراً" هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر. قوله: {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ}: قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: "لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك" - يعني: أنَّ سين "اسْتَفْعَلَ" لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه "ومَسْحيِ" يعني في قول الشاعر: [الرجز] شعر : 3567- كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ومَسْحِيِ مرُّ عُقابٍ كَاسرِ تفسير : [يريد "ومَسْحِه"] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: "من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطىءٌ" وقال أبو عليٍّ: "هي غيرُ جائزةٍ". وقرأ الأعشى، عن أبي بكر "اصْطاعُوا" بإبدال السِّين صاداً، والأعمش "استطاعوا" كالثانية. فصل حذفت تاء "اسْتطَاعُوا" للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى "يَظْهَرُوهُ" أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: "هَذَا" إشارةٌ إلى السدِّ "رَحْمَةٌ" أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} أي: القيامة. وقيل: وقت خروجهم {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض. قوله: {جَعَلَهُ دَكَّآءَ}: الظاهر أنَّ "الجَعْلَ" هنا بمعنى "التَّصْيير" فتكون "دكَّاء" مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و "جَعَلَ" بمعنى "خَلَقَ" وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في "دكَّاء" في الأعراف. قوله: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} الوعْدُ هنا مصدر بمعنى "المَوعُود" أو على بابه. فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يومٍ، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم. وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ الغَداةَ، فخفَّضْتَ، ورفَّعتَ؛ حتَّى ظَننَّاهُ في طائفةِ النخَّلِ؛ فقال: غيرُ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرىءٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائِرُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحُ، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ما كانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه إلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى إلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة "طبَريَّة" فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ. قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} الآية. قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم. وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى. قوله: "يَوْمئِذٍ" التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم. قوله: {يَمُوجُ}: مفعول ثانٍ لـ "تَركْنَا" والضمير في "بَعْضهُمْ" يعود على "يَأجُوج ومأجُوج" أو على سائر الخلق. قوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}. لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} في صعيدٍ واحدٍ. "وعَرضْنَا": أبْرَزنَا. {جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} حتَّى يشاهدوها عياناً. قوله: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ}: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من "لِلْكافِرينَ" أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار "أذمُّ" وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ. ومعنى {كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ}: أي: [غشاء]، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ {عَن ذِكْرِي}: عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}. أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم. وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: {أية : فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} تفسير : [المائدة: 71]. أما العمى، فهو قوله: {كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي} وأما الصّمم فقوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}. أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.
البقاعي
تفسير : ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم، عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة، وقوام كل أمر، فقال عاطفاً على { أية : ويجادل الذين كفروا بالباطل}تفسير : [ الكهف:56] {ويسألونك عن} الرجل الصالح المجاهد {ذي القرنين} سمي لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها، أو لانقراض قرنين من الناس في زمانه، أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان، وهو الإسكندر الأول - نقل ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليل عليه السلام، وطاف معه بالبيت، ومن المناسبات الصورية أن في قصة كل منهما ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له، وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد، وصدّرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها على ما فيها من العجائب واللطائف، والأسرار والمعارف، تبكيتاً لليهود في إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق، وإن لم يكن مقصوداً لهم كانوا بالتبكيت أجدر، أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح، وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيهاً على ذلك لطول الفصل، إشارة إلى أن ذلك كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك. ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فبماذا أجيبهم؟ قال: {قل} أي لهم: {سأتلوا} أي أقص قصاً متتابعاً في مستقبل الزمان إن أعلمني الله به {عليكم} أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم مقيداً بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به {منه ذكراً *} كافياً لكم في تعرف أمره، جامعاً لمجامع ذكره. ولما كانت قصته من أدل دليل على عظمة الله، جلاها في ذلك المظهر فقال: {إنا} مؤكداً لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار {مكنا} أي بما لنا من العظمة، قيل: بالملك وحده، وقيل مع النبوة، لأن ما ينسب إلى الله تعالى على سبيل الامتنان والإحسان جدير بأن يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر عنه بمظهر العظمة {له في الأرض} مكنة يصل بها إلى جميع مسلوكها، ويظهر بها على سائر ملوكها {وءاتيناه} بعظمتنا {من كل شيء} يحتاج إليه في ذلك {سبباً} قال أبو حيان: وأصل السبب الحبل، ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى المقصود. فأراد بلوغ المغرب، ولعله بدأ به لأن باب التوبة فيه {فأتبع} أي بغاية جهده - هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بالتشديد، والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان الفوقانية: ألحق بعض الأسباب ببعض، وذلك تفسير لقراءة التشديد {سبباً *} يوصله إليه، واستمر متبعاً له {حتى إذا بلغ} في ذلك المسير {مغرب الشمس} أي الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب {وجدها} فيما يحس بحاسة لمسه {تغرب} كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده، لا حائل بينه وبينه {في عين حمئة} أي ذات حمأة أي طين أسود، وهي مع ذلك حارة كما ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ليس كذلك {ووجد عندها} أي على الساحل المتصل بتلك العين {قوماً} كفاراً لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة، فكأنه قيل: ماذا أمر فيهم؟ فأجيب بقوله: {قلنا} بمظهر العظمة: {يا ذا القرنين} إعلاماً بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به، إما بواسطة الملك إن كان نبياً وهو أظهر الاحتمالات، أو بواسطة نبي زمانه، أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد المصيب، {إما أن تعذب} أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم {وإما أن تتخذ} أي بغاية جهدك {فيهم حسناً *} أمراً له حسن عظيم، وذلك هو البداءة بالدعاء، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزاً فالأولى أن لا يفعل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه {قال أما من ظلم} باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله، وإلى ذلك أشار بقوله: {فسوف نعذبه} بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق {ثم يرد} بعد الحياة بالموت، أو بعد البرزخ بالبعث، رداً هو في غاية السهولة {إلى ربه} الذي تفرد بتربيته {فيعذبه عذاباً نكراً *} شديداً جداً لم يعهد مثله لكفره لنعمته، وبذل خيره في عبادة غيره، وفي ذلك إشارة بالتهديد الشديد لليهود الغارين لقريش، وإرشاد لقريش إلى أن يسألوهم عن قوله هذا، ليكون قائداً لهم إلى الإقرار بالبعث {وأما من ءامن وعمل صالحاً} تصديقاً لما أخبر به من تصديقه {فله} في الدارين {جزاء} طريقته {الحسنى} منا ومن الله بأحسن منها {وسنقول} بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال الصالحة {له} أي لأجله {من أمرنا} الذي نأمر به فيه {يسراً *} أي قولاً غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها، وهو ما يطيقه ولا يشق عليه مشقة كبيرة {ثم أتبع} لإرادته بلوغ مشرق الشمس {سبباً *} من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {مطلع الشمس} أي الموضع الذي تطلع عليه أولاً من المعمور من الأرض {وجدها تطلع على قوم} على ساحل البحر لهم قوة شديدة {لم نجعل لهم} ولما كان المراد التعميم، أثبت الجار فقال: {من دونها} أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع {ستراً *} يحول بينهم وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ولا شجر ولا غيرها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد، إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين أنك سمعت ذكرهم منّا، فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد. قال: ومن هو؟ قالوا: ذو القرنين. قال: ما بلغني عنه شيء. فخرجوا فرحين وقد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً}. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: دخل بعض أهل الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فقالوا: "يا أبا القاسم، كيف تقول في رجل كان يسيح في الأرض؟ قال: لا علم لي به. فبينما هم على ذلك إذ سمعوا نقيضاً في السقف، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غمة الوحي ثم سري عنه فتلا {ويسألونك عن ذي القرنين} الآية. فلما ذكر السد قالوا: أتاك خبره يا أبا القاسم حسبك". وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أدري أتبع كان لعيناً أم لا، وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم لا، وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ". تفسير : وأخرج ابن مردويه حديث : عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل علي عن ذي القرنين: أنبي هو؟ فقال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "هو عبد ناصح الله فنصحه" . تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه من طريق أبي الطفيل، أن ابن الكواء سأل علي بن أبي طالب عن ذي القرنين: أنبياً كان أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه، ونصح لله فنصحه... بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، ثم أحياه الله لجهادهم. ثم بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات، فأحياه الله لجهادهم. فلذلك سمي ذا القرنين، وإن فيكم مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ذو القرنين نبي. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأحوص بن حكيم عن أبيه، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل عن ذي القرنين فقال: "هو ملك مسح الأرض بالإحسان" . تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن خالد بن معدان الكلاعي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: "ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب" . تفسير : وأخرج ابن عبد الحكم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ، عن عمر أنه سمع رجلاً ينادي بمنى: يا ذا القرنين، فقال له عمر رضي الله عنه: ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء، فما بالكم وأسماء الملائكة؟ وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير، أن ذا القرنين ملك من الملائكة أهبطه الله إلى الأرض وآتاه من كل شيء سبباً. وأخرج الشيرازي في الألقاب عن جبير بن نفير، حديث : أن أحباراً من اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "حدثنا عن ذي القرنين إن كنت نبياً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو ملك مسح الأرض بالأسباب" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان نذير واحد بلغ ما بين المشرق والمغرب، ذو القرنين بلغ السدين وكان نذيراً، ولم أسمع بحق أنه كان نبياً. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الورقاء قال: قلت لعلي بن أبي طالب: ذو القرنين ما كان قرناه؟ قال: لعلك تحسب أن قرنيه ذهب أو فضة، كان نبياً فبعثه الله إلى أناس فدعاهم إلى الله تعالى فقام رجل فضرب قرنه الأيسر فمات، ثم بعثه الله فأحياه، ثم بعثه إلى ناس فقام رجل فضرب قرنه الأيمن فمات، فسماه الله ذا القرنين. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر قال: إنما سمي ذو القرنين ذا القرنين، لشجتين شجهما على قرنيه في الله، وكان أسود. وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه، أن ذا القرنين أول من لبس العمامة، وذاك أنه كان في رأسه قرنان كالظلفين متحركان فلبس العمامة من أجل ذلك، وأنه دخل الحمام ودخل كاتبه معه فوضع ذو القرنين العمامة فقال لكاتبه: هذا أمر لم يطلع عليه خلق غيرك، فإن سمعت به من أحد قتلتك. فخرج الكاتب من الحمام فأخذه كهيئة الموت، فأتى الصحراء فوضع فمه بالأرض ثم نادى: ألا إن للملك قرنين. فأنبت الله من كلمته قصبتين، فمر بهما راع فأعجب بهما فقطعهما واتخذهما مزماراً، فكان إذا زمر خرج من القصبتين: ألا إن للملك قرنين. فانتشر ذلك في المدينة، فأرسل ذو القرنين إلى الكاتب فقال: لتصدقني أو لأقْتُلَنّكَ. فقص عليه الكاتب القصة، فقال ذو القرنين: هذا أمر أراد الله أن يبديه. فوضع العمامة عن رأسه. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل،"حديث : عن عقبة بن عامر الجهني قال: "كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت ذات يوم فإذا أنا برجال من أهل الكتاب بالباب معهم مصاحف فقالوا: من يستأذن لنا على النبي صلى الله عليه وسلم؟ فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ما لي ولهم، سألوني عما لا أدري؟ إنما أنا عبد لا أعلم إلا ما أعلمني ربي عز وجل. ثم قال: ابغني وضوءاً فأتيته بوضوء فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم انصرف فقال - وأنا أرى السرور والبشر في وجهه - أدخل القوم عليَّ ومن كان من أصحابي فأدخله أيضاً عليّ، فأذنت لهم فدخلوا فقال: إن شئتم أخبرتكم بما جئتم تسألوني عنه من قبل أن تكلموا، وإن شئتم فتكلموا قبل أن أقول. قالوا: بل فأخبرنا. قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، إن أول أمره أنه كان غلاماً من الروم، أعطي ملكاً فسار حتى أتى ساحل أرض مصر فابتنى مدينة يقال لها "اسكندرية" فلما فرغ من شأنها بعث الله عز وجل إليه ملكاً فعرج به فاستعلى بين السماء، ثم قال له: انظر ما تحتك. فقال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به فقال: انظر. فقال: قد اختلطت مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال انظر: قال: أرى مدينتي وحدها ولا أرى غيرها. قال له الملك: إنها تلك الأرض كلها، والذي ترى يحيط بها هو البحر وإنما أراد ربّك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطاناً فيها، فسر فيها فعلم الجاهل وثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد ثم اجتاز يأجوج ومأجوج، فوجد قوماً وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد أمة قصاراً يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ووجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم مضى إلى البحر الدائر بالأرض فقالوا: نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت، وإنا نجده هكذا في كتابنا "تفسير : . وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن الأشج صاحب كعب الأحبار، أن ذا القرنين كان رجلاً طوافاً صالحاً، فلما وقف على جبل آدم الذي هبط عليه ونظر إلى أثره هاله، فقال له الخضر: - وكان صاحب لوائه الأكبر - ما لك أيها الملك؟ قال: هذا أثر الآدميين... أرى موضع الكفين والقدمين وهذه القرحة، وأرى هذه الأشجار حوله قائمة يابسة يسيل منها ماء أحمر، إن لها لشأناً. فقال له الخضر: - وكان قد أعطي العلم والفهم - أيها الملك، ألا ترى الورقة المعلقة من النخلة الكبيرة قال: بلى. قال: فهي تخبرك بشأن هذا الموضع. - وكان الخضر يقرأ كل كتاب - فقال: أيها الملك، أرى كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من آدم أبي البشر، أوصيكم ذريتي وبناتي أن تحذروا عدوي وعدوكم إبليس الذي كان يلين كلامه وفجور أمنيته، أنزلني من الفردوس إلى تربة الدنيا، وألقيت على موضعي هذا لا يلتفت إليّ مائتي سنة بخطيئة واحدة، حتى درست في الأرض وهذا أثري وهذه الأشجار من دموع عيني فعلي في هذه التربة أنزلت التوبة، فتوبوا من قبل أن تندموا وبادروا من قبل أن يبادر بكم وقدموا من قبل أن يقدم بكم. فنزل ذو القرنين فمسح موضع جلوس آدم فإذا هو ثمانون ومائة ميل، ثم أحصى الأشجار فإذا هي تسعمائة شجرة كلها من دموع آدم نبتت، فلما قتل قابيل هابيل تحولت يابسة وهي تبكي دماً أحمر فقال ذو القرنين للخضر: ارجع بنا فلا طلبت الدنيا بعدها. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن السدي قال: كان أنف الإسكندر ثلاثة أذرع. وأخرج ابن عبد الحكم عن الحسن قال: كان أنف الإسكندر ثلاثة أذرع. وأخرج ابن عبد الحكم وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب، عن عبيد بن يعلى قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة. وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه أنه سئل عن ذي القرنين فقال: لم يوح إليه وكان ملكاً. قيل: فلم سمي ذا القرنين؟ فقال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: إنه كان في رأسه شبه القرنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن بكر بن مضر، أن هشام بن عبد الملك سأله عن ذي القرنين: أكان نبياً؟ فقال: لا، ولكنه إنما أعطي ما أعطي بأربع خصال كان فيه: كان إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا حدث صدق، ولا يجمع اليوم لغد. وأخرج ابن عبد الحكم عن يونس، بن عبيد قال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه كان له غديرتان من رأسه من شعر يطأ فيهما. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه قرن ما بين مطلع الشمس ومغربها. وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن ابن شهاب قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها. وأخرج عن قتادة قال: الإسكندر هو ذو القرنين. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن إسحق، عمن يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم فيما توارثوا من علمه، أن ذا القرنين كان رجلاً صالحاً من أهل مصر، اسمه مرزيا بن مرزية اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن عبيد بن عمير، أن ذا القرنين حج ماشياً فسمع به إبراهيم فتلقاه. وأخرج الشيرازي في الألقاب، عن قتادة قال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه كان له عقيصتان. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة، أن ذا القرنين كان من سوّاس الروم يسوس أمرهم، فخيّر بين ذلال السحاب وصعابها فاختار ذلالها، فكان يركب عليها. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه اليماني - وكان له علم الأحاديث الأولى - أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلاً من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبداً صالحاً قال الله له: "يا ذا القرنين، إني باعثك إلى أمم الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض كلها، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها، في وسط الأرض منهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأما الأخرى؛ فعند مطلعها يقال لها منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر فأمة يقال لها تأويل. فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: يا إلهي، أنت قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي تبعثني إليها، بأي قوة أكابرهم، وبأي جمع أكاثرهم، وبأي حيلة أكايدهم، وبأي لسان أناطقهم؟؟؟ وكيف لي بأن أحاربهم، وبأي سمع أعي قولهم، وبأي بصر أنفذهم، وبأي حجة أخاصمهم، وبأي قلب أعقل عنهم، وبأي حكمة أدبر أمرهم، وبأي قسط أعدل بينهم، وبأي حلم أصابرهم، وبأي معرفة أفصل بينهم، وبأي علم أتقن أمرهم، وبأي يد أسطو عليهم، وبأي رجل أطؤهم، وبأي طاقة أخصمهم، وبأي جند أقاتلهم، وبأي رفق أستألفهم...؟؟؟ وإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقرن لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرب الرحيم الذي لا يكلف نفساً ولا يحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها بل يرأفها ويرحمها. فقال له الله عز وجل: إني سأطوقك ما حملتك، أشرح لك صدرك فيتسع لكل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك فتنفذ كل شيء، وأدبر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصر لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يغرب عنك شيء، وأشد ظهرك فلا يهدك شيء، وأشد لك ركبك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يروعك شيء، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك يديك فيسطوان فوق كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء. وأسخر لك النور والظلمة فأجعلهما جنداً من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك. فلما قيل له ذلك انطلق يؤم الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم وجد جمعاً وعدداً لا يحصيه إلا الله تعالى، وقوة وبأساً لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأموراً مشتبهة وأهواء مشتتة وقلوباً متفرقة، فلما رأى ذلك كابرهم بالظلمة وضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، وأحاطت بهم من كل جانب وحاشدهم حتى جمعهم في مكان واحد ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وعبادته... فمنهم من آمن ومنهم من صدّ عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم وغشيتهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كل جانب منهم فماجوا فيها وتحيروا، فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد فكشف عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب أمماً عظيمة فجعلهم جنداً واحداً، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم، والنور من أمامه يقوده ويدله وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل. وسخر الله يده وقلبه ورأيه ونظره وائتماره فلا يخطئ إذا ائتمر وإذا عمل عملاً أتقنه، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه... فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفناً من ألواح صغار أمثال البغال فنظمها في ساعة واحدة ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها ثم دفع إلى كل إنسان لوحاً فلا يكربه حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، فلما فرغ منهم مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنوداً كفعله في الأمتين اللتين قبلهما، ثم كر مقبلاً في ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تأويل - وهي الأمة التي بحيال هاويل وهما متقابلتان، بينهما عرض الأرض كلها - فلما بلغها عمل فيها وجند منها كفعله فيما قبلها، فلما فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن وسائر الإنس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع أرض الترك نحو المشرق، قال له أمة من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله... كثيراً فيهم مشابهة من الإنس، وهم أشباه البهائم وهم يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحش كما يفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم كثرة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم، فلا شك أنهم سيملأون الأرض ويجلون أهلها ويظهرون عليها فيفسدون فيها، وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم ورأيناهم إلا ونحن نتوقعهم وننظر أن يطلع إلينا أوائلهم من هذين الجبلين... فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ قال: ما مكني فيه ربي خير، فأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردماً، اغدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم وأعلم علمهم وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم وتوسط بلادهم، فإذا هم على مقدار واحد... أنثاهم وذكرهم مبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا، ولهم أنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل قوة، يسمع له حركة إذا أكل كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم الفحل المسن أو الفرس القوي، وهم صلب عليهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتقون به من الحر والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها... تسعانه إذا لبسهما، يلبس إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه ومنقطع عمره، وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت وتهيأ له. وهم يرزقون التنين في زمان الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه كما يستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من قابل، فيعينهم على كثرتهم وما هم فيه، فإذا أمطروا أخصبوا وعاشوا وسهئوا ورؤي أثره عليهم فدرت عليهم الإناث وشبقت منهم الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأحدثوا وجفلت منهم الذكور وأحالت الإناث وتبين أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام ويعوون عوي الذئاب ويتسافدون حيثما التقوا تسافد البهائم. ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين، انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما - وهي في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس - فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساساً حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ثم يصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علا وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقاً من نحاس أصفر فصار كأنه محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد، فلما فرغ منه وأحكم انطلق عامداً إلى جماعة الإنس والجن، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة يقتسمون بالسوية ويحكمون بالعدل ويتأسون ويتراحمون... حالهم واحدة وكلمتهم واحدة وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم مؤتلفة وسيرتهم مستوية وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب وليس عليهم أمراء وليس بينهم قضاة وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون ولا يتفاضلون ولا يتنازعون ولا يستّبون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعماراً وليس فيهم مسكين ولا فقير ولا فظ ولا غليظ. فلما رأى ذلك ذو القرنين من أمرهم أعجب منهم وقال لهم: أخبروني أيها القوم خبركم، فإني قد أحصيت الأرض كلها... برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها... فلم أجد فيها أحداً مثلكم...! فأخبروني خبركم. قالوا: نعم، سلنا عما تريد. قال: أخبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قال: عمداً فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت ولا يخرج ذكره من قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟ قالوا: ليس فينا متّهم وليس فينا إلا أمين مؤتمن. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: ليس فينا مظالم. قال: فما بالكم ليس بينكم حكام؟ قالوا: لا نختصم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لا نتنافس. قال: فما بالكم لا تتفاوتون ولا تتفاضلون؟ قالوا: من قبل أنا متواصلون متراحمون. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من قبل ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: فما بالكم لا تقتتلون ولا تستّبون؟ قالوا: من قبل أنا غلبنا طبائعنا بالعزم وسُسْنا أنفسنا بالحلم. قال: فما بال كلمتكم واحدة وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: من قبل أنا لا نتكاذب ولا نتخادع، فلا يغتاب بعضنا بعضاً. قال: فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صحت صدورنا فنزع الله بذلك الغل والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: من قبل أنا نقسم بالسوية. قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟ قالوا: من قبل الذل والتواضع. قال: فما بالكم جُعِلْتُم أطول الناس أعماراً؟ قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تحردون؟ قالوا: من قبل أنا وطّنا أنفسنا للبلاء منذ كنا، وأحببناه وحرصنا عليه فعرينا منه. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله ولا نعمل بأنواء النجوم. قال: حدثوني... أهكذا وجدتم آبائكم يفعلون؟ قالوا: نعم، وجدنا آبائنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون على من جهل عليهم، ويستغفرون لم سبهم، ويصلون أرحامهم، ويردون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويوفون بعهودهم، ويصدقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله بذلك أمرهم وحفظهم به ما كانوا أحياء، وكان حقاً عليه أن يخلفهم في تركتهم. فقال لهم ذو القرنين: لو كنتُ مقيماً لأقمت فيكم، ولكني لم أؤمر بالإقامة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: كان لذي القرنين صديق من الملائكة يقال له زرافيل، وكان لا يزال يتعاهده بالسلام، فقال له ذو القرنين: يا زرافيل، هل تعلم شيئاً يزيد في طول العمر لنزداد شكراً وعبادة؟ قال: ما لي بذلك علم، ولكن سأسأل لك عن ذلك في السماء. فعرج زرافيل إلى السماء فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم هبط، فقال: إني سألت عما سألتني عنه فأخبرت أن لله عيناً في ظلمة هي أشد بياضاً من اللبن وأحلى من الشهد، من شرب منها شربة لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت. قال: فجمع ذو القرنين علماء الأرض إليه فقال: هل تعلمون أن لله عيناً في ظلمة؟ فقالوا: ما نعلم ذلك. فقام إليه رجل شاب فقال: وما حاجتك إليها أيها الملك؟ قال: لي بها حاجة. قال: فإني أعلم مكانها. قال: ومن أين علمت مكانها؟ قال: قرأت وصية آدم عليه السلام فوجدت فيها: إن لله عيناً خلف مطلع الشمس في ظلمة، ماؤها أشد بياضاً من اللبن وأحلى من الشهد، من شرب منها شربة لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت. فسار ذو القرنين من موضعه الذي كان فيه اثنتي عشرة سنة حتى انتهى إلى مطلع الشمس، عسكر وجمع العلماء فقال: إني أريد أن أسلك هذه الظلمة بكم، فقالوا: إنا نعيذك بالله أن تسلك مسلكاً لم يسلكه أحد من بني آدم قط قبلك. قال: لا بد أن أسلكها. قالوا: إنا نعيذك أن تسلك بنا هذه الظلمة، فإنا لا نأمن أن ينفتق علينا بها أمر يكون فيه فساد الأرض. قال: لا بد أن أسلكها. قالوا: فشأنك. فسألهم أي الدواب أبصر؟ قالوا: الخيل. قال: فأي الخيل أبصر؟ قالوا: الإناث. قال: فأي الإناث أبصر؟ قالوا: الأبكار. فانتقى ستة آلاف فرس أنثى بكر ثم انتخب من عسكره ستة آلاف رجل، فدفع إلى كل رجل منهم فرساً، وولى الخضر منها على ألفي فارس ثم جعله على مقدمته، ثم قال: سرْ أمامي. فقال له الخضر: أيها الملك، إني لست آمن هذه الأمة الضلال فيتفرق الناس مني، فدفع إليه خرزة حمراء فقال: إذا تفرق الناس فارم هذه الخرزة فإنها ستضيء لك وتصوت حتى تجمع إليك أهل الضلال، واستخلف على الناس خليفة وأمره أن يقيم في عسكره اثنتي عشرة سنة، فإن هو رجع إلى ذلك وإلا أمر الناس أن يتفرقوا في بلدانهم. ثم أمر الخضر فسار أمامه، فكان الخضر إذا أتاه ذو القرنين رحل من منزله ونزل ذو القرنين في منزل الخضر الذي كان فيه، فبينا الخضر يسير في تلك الظلمة إذ تفرق الناس عنه، فطرح الخرزة من يده فإذا هي على شفير العين والعين في وادٍ فأضاء له ما حول البئر، فنزل الخضر ونزع ثيابه ودخل العين فشرب منها واغتسل ثم خرج، فجمع عليه ثيابه ثم أخذ الخرزة وركب وخالفه ذو القرنين في غير الطريق الذي أخذ فيه الخضر، فساروا في تلك الظلمة في مقدار ست ليال وأيامهن ولم تكن ظلمة كظلمة الليل، إنما كانت ظلمة كهيئة ضباب حتى خرجوا إلى أرض ذات نور ليس فيها شمس ولا قمر ولا نجم، فعسكر ثم نزل الناس ثم ركب ذو القرنين وحده فسار حتى انتهى إلى قصر طوله فرسخ في فرسخ، فدخل القصر فإذا هو بعمود على حافتي القصر، وإذا طائر مذموم... بأنفه سلسلة معلقة في ذلك العود شبه الخطاف أو قريب من الخطاف، فقال له الطير: من أنت؟ قال أنا ذو القرنين. قال له الطير: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى تناولت الظلمة؟ أنبئني يا ذا القرنين. قال: سل. قال: هل كثر بنيان من الجص والآجر في الناس؟ قال: نعم. فانتفخ الطير حتى سد ثلث ما بين الحائطين، ثم قال: يا ذا القرنين أنبئني. قال: سل. قال: هل كثرت المعازف في الناس؟ قال: نعم. فانتفخ حتى سد ثلثي ما بين الحائطين، ثم قال: يا ذا القرنين، أنبئني. قال: سل. قال: هل كثرت شهادة الزور في الناس؟ قال: نعم. فانتفخ حتى سد ما بين الحائطين، واجث ذو القرنين منه فرقاً، قال له الطير: يا ذا القرنين، لا تخف... أنبئني. قال: سل. قال: هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: لا. قال: هل ترك الناس الغسل من الجنابة؟ قال: لا. قال: فانضم ثلثاه. قال: يا ذا القرنين، أنبئني. قال: سل. قال: هل ترك الناس المكتوبة؟ قال: لا... فانضم الطير حتى عاد كما كان، ثم قال: يا ذا القرنين، انطلق إلى تلك الدرجة فاصعدها فإنك ستلقى من تسأله ويخبرك. فسار حتى انتهى إلى درجة مدرجة فصعد عليها فإذا هو بسطح ممدود لا يرى طرفاه، وإذا رجل شاب قائم شاخص ببصره إلى السماء واضع يده على فمه قد قدم رجلاً وأخر أخرى، فسلم عليه ذو القرنين فرد عليه السلام ثم قال له: من أنت؟ قال: أنا ذو القرنين. قال: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى قطعت الظلمة ووصلت إلي؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا صاحب الصور، قد قدمت رجلاً وأخرت أخرى ووضعت الصور على فمي، وأنا شاخص ببصري إلى السماء أنتظر أمر ربي، ثم تناول حجراً فدفعه فقال: انصرف، فإن هذا الحجر سيخبرك بتأويل ما أردت. فانصرف ذو القرنين حتى أتى عسكره فنزل وجمع إليه العلماء فحدثهم بحديث القصر وحديث العمود والطير وما قال له وما رد عليه، حديث صاحب الصور وأنه قد دفع إليه هذا الحجر وقال: إنه سيخبرني بتأويل ما جئت به، فأخبروني عن هذا الحجر، ما هو وأي شيء أراد بهذا؟ قال: فدعوا بميزان ووضع حجر صاحب الصور في إحدى الكفتين ووضع حجر مثله في الكفة الأخرى فرجح به، ثم وضع معه حجر آخر رجح به، ثم وضع مائة حجر فرجح بها حتى وضع ألف حجر فرجح بها، فقال ذو القرنين: هل عند أحد منكم في هذا الحجر من علم؟ قال - والخضر قاعد بحاله لا يتكلم - فقال له: يا خضر، هل عندك في هذا الحجر من علم؟ قال: نعم. قال: وما هو؟ قال الخضر: أيها الملك، إن الله ابتلى العالم بالعالم وابتلى الناس بعضهم ببعض، وإن الله ابتلاك بي وابتلاني بك. فقال له ذو القرنين: ما أراك إلا قد ظفرت بالأمر الذي جئت أطلبه. قال له الخضر: قد كان ذلك. قال: فائتني. فأخذ الميزان ووضع حجر صاحب الصور في إحدى الكفتين ووضع في الكفة الأخرى حجراً، وأخذ قبضة من تراب فوضعها مع الحجر ثم رفع الميزان فرجح الحجر الذي معه التراب على حجر صاحب الصور، فقالت العلماء: سبحان الله ربنا...! وضعنا مع ألف حجر فمال بها، ووضع الخضر معه حجراً واحداً وقبضة من تراب فمال به...!! فقال له ذو القرنين: أخبرني بتأويل هذا. قال: أخبرك... إنك مكنت من مشرق الأرض ومغربها فلم يكفك ذلك حتى تناولت الظلمة حتى وصلت إلى صاحب الصور، وإنه لا يملأ عينك إلا التراب. قال: صدقت. ورحل ذو القرنين فرجع في الظلمة راجعاً، فجعلوا يسمعون خشخشة تحت سنابك خيلهم فقالوا: أيها الملك، ما هذه الخشخشة التي نسمع تحت سنابك خيلنا؟ قال: من أخذ منه ندم ومن تركه ندم، فأخذت منه طائفة وتركت طائفة، فلما برزوا به إلى الضوء نظروا فإذا هو بالزبرجد، فندم الآخذ أن لا يكون ازداد وندم التارك أن لا يكون أخذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله أخي ذا القرنين، دخل الظلمة وخرج منها زاهداً. أما إنه لو خرج منها راغباً لما ترك منها حجراً إلا أخرجه ". تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فأقام بدومة الجندل فعبد الله فيها حتى مات ". تفسير : ولفظ أبي الشيخ قال أبو جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله أخي ذا القرنين، لو ظفر بالزبرجد في مبداه ما ترك منه شيئاً حتى يخرجه إلى الناس، لأنه كان راغباً في الدنيا، ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة له فيها ". تفسير : وأخرج ابن إسحق والفريابي وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت، وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن سئل عن ذي القرنين فقال: كان عبداً أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه، فبعثه إلى قوم يدعوهم إلى الله فدعاهم إلى الله وإلى الإسلام، فضربوه على قرنه الأيمن فمات، فأمسكه الله ما شاء ثم بعثه. فأرسله إلى أمة أخرى يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأمسكه الله ما شاء ثم بعثه فسخر له السحاب وخيّره فيه فاختار صعبه على ذلوله - وصعبه الذي لا يمطر - وبسط له النور ومدّ له الأسباب وجعل الليل والنهار عليه سواء، فبذلك بلغ مشارق الأرض ومغاربها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه، أن ذا القرنين لما بلغ الجبل الذي يقال له قاف، ناداه ملك من الجبل: أيها الخاطئ ابن الخاطئ، جئت حيث لم يجئ أحد من قبلك ولا يجيء أحد بعدك. فأجابه ذو القرنين: وأين أنا؟ قال له الملك: أنت في الأرض السابعة. فقال ذو القرنين: ما ينجيني؟ فقال: ينجيك اليقين. فقال ذو القرنين: اللهم ارزقني يقيناً. فأنجاه الله. قال له الملك: إنه ستأتي إلى قوم فتبني لهم سداً، فإذا أنت بنيته وفرغت منه فلا تحدث نفسك أنك بنيته بحول منك أو قوة، فيسلط الله على بنيانك أضعف خلقه فيهدمه. ثم قال له ذو القرنين: ما هذا الجبل؟ قال: هذا الجبل الذي يقال له قاف، وهو أخضر والسماء بيضاء وإنما خضرتها من هذا الجبل، وهذا الجبل أم الجبال والجبال كلها من عروقه، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية حرك منه عرقاً. ثم إن الملك ناوله عنقوداً من عنب وقال له: حبة ترويك وحبة تشبعك، وكلما أخذت منه حبة عادت مكانها حبة. ثم خرج من عنده فجاء البنيان الذي أراد الله، فقالوا له: {يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} إلى قوله: {اجعل بينكم وبيهنم ردماً}. قال عكرمة رضي الله عنه: هم منسك وناسك وتأويل وراحيل. وقال أبو سعيد رضي الله عنه: هم خمسة وعشرون قبيلة من وراء يأجوج ومأجوج. وأخرج الحاكم عن معاوية رضي الله عنه قال: ملك الأرض أربعة: سليمان وذو القرنين ورجل من أهل حلوان ورجل آخر. فقيل له: الخضر؟ قال: لا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: إن ذا القرنين ملك الأرض كلها إلا بلقيس صاحبة مأرب، فإذا ذا القرنين كان يلبس ثياب المساكين ثم يدخل المدائن فينظر من عورتها قبل أن يقتل أهلها فأخبرت بذلك بلقيس فبعثت رسولاً ينظر إليه فيصوّر لها صورته في ملكه حين يقعد، وصورته في ثياب المساكين. ثم جعلت كل يوم تطعم المساكين وتجمعهم، فجاءها رسولها في صورته فجعلت إحدى صورتيه تليها والأخرى على باب الأسطوانة، فكانت تطعم المساكين كل يوم، فإذا فرغوا عرضتهم واحداً واحداً فيخرجون، حتى جاء ذو القرنين في ثياب المساكين فدخل مدينتها ثم جلس مع المساكين إلى طعامها، فقربت إليهم الطعام فلما فرغوا أخرجتهم واحداً واحداً وهي تنظر إلى صورته في ثياب المساكين، حتى مر ذو القرنين فنظرت إلى صورته فقالت: أجلسوا هذا وأخرجوا من بقي من المساكين. فقال لها: لم أجلستني وإنما أنا مسكين...!؟ قالت: لا... أنت ذو القرنين، هذه صورتك في ثياب المساكين، والله لا تفارقني حتى تكتب لي أماناً بملكي أو أضرب عنقك. فلما رأى ذلك كتب لها أماناً فلم ينج أحد منه غيرها. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ملك ذو القرنين اثنتي عشرة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبيدالله بن أبي جعفر رضي الله عنه قال: كان ذو القرنين في بعض مسيره فمر بقوم قبورهم على أبواب بيوتهم، وإذا ثيابهم لون واحد وإذا هم رجال كلهم ليس فيهم امرأة، فتوسم رجلاً منهم فقال له: لقد رأيت شيئاً ما رأيت في شيء من مسيري...! قال: وما هو؟ فوصف له ما رأى منهم. قالوا: أما هذه القبور على أبوابنا، فإنا جعلناها موعظة لقلوبنا تخطر على قلب أحدنا الدنيا فيخرج فيرى القبور ويرجع إلى نفسه فيقول: إلى هذا المصير وإليها صار من كان قبلي. وأما هذه الثياب، فإنه لا يكاد الرجل منا يلبس ثياباً أحسن من صاحبه إلا رأى له بذلك فضلاً على جليسه. وأما قولك: رجال كلكم ليس معكم نساء، فلعمري لقد خلقنا من ذكر وأنثى، ولكن هذا القلب لا يشغل بشيء إلا شغل به، فجعلنا نساءنا وذريتنا في قرية قريبة وإذا أراد الرجل من أهله ما يريد الرجل، أتاها فكان معها الليلة والليلتين ثم يرجع إلى ما ههنا، لأنا خلونا ههنا للعبادة. فقال: ما كنت لأعظكم بشيء أفضل مما وعظتم به أنفسكم، سلني ما شئت. قال: من أنت؟ قال أنا ذو القرنين. قال: ما أسألك وأنت لا تملك لي شيئاً؟ قال: وكيف وقد آتاني الله من كل شيء سبباً؟ قال: أتقدر على أن تأتيني بما لم يقدر لي ولا تصرف عني ما قدر لي؟ وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملكها: يا ذا القرنين، صف لي الناس. قال: إن محادثتك من لا يعقل بمنزلة من يضع الموائد لأهل القبور، ومحادثتك من يعقل بمنزلة من يبلّ الصخرة حتى تبتل، أو يطبخ الحديد يلتمس أدمه ونقل الحجارة من رؤوس الجبال، أيسر من محادثتك من لا يعقل.
ابو السعود
تفسير : تنبـيه: اختلفوا في حياة الخضر عليه الصلاة والسلام، فقيل: إنه حيٌّ وسببُه أنه كان على مقدمة ذي القرنين فلما دخل الظلماتِ أصاب الخضرُ عينَ الحياة فنزل واغتسل منها وشرب من مائها وأخطأ ذو القرنين الطريقَ فعاد، قالوا: وإلياسُ أيضاً في الحياة يلتقيان كلَّ سنة بالموسم، وقيل: إنه ميتٌ لما رُوي أن النبـي عليه الصلاة والسلام صلى العشاءَ ذاتَ ليلة، ثم قال: « حديث : أرأيتَكم ليلتَكم هذه فإن رأسَ مائةِ سنة منها لا يبقي ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ ولو كان الخضرُ حينئذ حيًّا لما عاش بعد مائة عام »تفسير : . رُوي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يفارقه، قال له: أوصِني، قال: لا تطلب العلمَ لتحدّث به واطلبُه لتعمل به. {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ} هم اليهودُ سألوه على وجه الامتحانِ، أو سألتْه قريشٌ بتلقينهم، وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجوابِ وهو ذو القرنين الأكبرُ واسمه (الإسكندرُ بنُ فيلفوس اليوناني)، وقال ابن إسحاق: اسمُه (مَرزُبانُ بنُ مردبةَ) من ولد يافثَ بنِ نوح عليه الصلاة والسلام وكان أسودَ، وقيل: اسمُه (عبد اللَّه بن الضحاك)، وقيل: (مصعبُ بنُ عبد اللَّه بنِ فينانَ بنِ منصور بنِ عبد اللَّه بن الآزَرِ بن عون بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرُبَ بن قحطانَ). وقال السهيلي: قيل: إن اسمه (مَرْزُبانُ بنُ مُدرِكةَ) ذكره ابن هشام وهو أول التبابِعة. وقيل: إنه أفريذون بنُ النعمانِ الذي قتل الضحاك. وذكر أبو الريحان البـيروني في كتابه المسمى بـ «الآثار الباقية عن القرون الخالية» أن ذا القرنين هو أبو كرب سميّ بن عيرين بن أفريقيس الحِمْيري وأن مُلكَه بلغ مشارقَ الأرض ومغاربَها وهو الذي افتخر به التبّعُ اليماني حيث قال: [الكامل] شعر : قد كان ذو القرنين جدّي مسلما ملِكاً علا في الأرض غيرَ مفنَّد بلغ المشارقَ والمغاربَ يبتغي أسبابَ أمرٍ من حكيم مُرشد تفسير : وجعلَ هذا القولَ أقربَ لأن الأذواءَ كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي النون وذي رُعَين وذي يزَن وذي جَدَن. قال الإمام الرازي: والأولُ هو الأظهرُ لأن من بلغ ملكَه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيلُ الجليلُ إنما هو الإسكندر اليونانيُّ كما تشهد به كتبُ التواريخ. يروى أنه لما مات أبوه جَمع مُلكَ الروم بعد أن كان طوائفَ، ثم قصد ملوكَ العرب وقهرَهم، ثم أمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصرَ فبنى الاسكندرية وسماها باسمه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيلَ وورد بـيتَ المقدس وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى أرمينيةَ وبابِ الأبواب ودان له العراقيون والقِبطُ والبربرُ، ثم توجه نحو دارا بنِ دارا وهزمه مراراً إلى أن قتله صاحبُ حرسِه، واستولى على ممالك الفرسِ وقصدَ الهند وفتحه وبنىٰ مدينة سرنديبَ وغيرَها من المدن العظامِ، ثم قصد الصينَ وغزا الأمم البعيدةَ ورجع إلى خراسانَ وبنى بها مدائنَ كثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزورَ ومات، انتهى كلام الإمام. وروي أن أهلَ النجوم قالوا له: إنك لا تموت إلا على أرض من حديد وتحت سماء من خشب، وكان يدفِن كنزَ كل بلدةٍ فيها ويكتب ذلك بصفته وموضعِه، فبلغ بابل فرعَف وسقط عن دابته، فبُسطت له دروعٌ فنام عليها، فآذته الشمس فأظلوه بترس، فنظر فقال: هذه أرض من حديد وسماءٌ من خشب، فأيقن بالموت فمات وهو ابنُ ألفٍ وستمائة سنة، وقيل: ثلاثةِ آلافِ سنة. قال ابن كثير: وهذا غريب. وأغربُ منه: ما قاله ابنُ عساكر من أنه بلغني أنه عاش ستاً وثلاثين سنة أو ثنتين وثلاثين سنة، وأنه كان بعد داود وسليمان عليهما السلام فإن ذلك لا ينطبق إلا على ذي القرنين الثاني كما سنذكره. قلت: وكذا ما ذكره الإمام من قصد بني إسرائيلَ وورودِ بـيت المقدس والذبحِ في مذبحه، فإنه مما لا يكاد يتأتى نسبتُه إلى الأول. واختُلف في نبوته بعد الاتفاق على إسلامه وولايتِه، فقيل: كان نبـياً لقوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ} وظاهر أنه متناولٌ للتمكين في الدين وكمالُه بالنبوة، ولقوله تعالى: {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء سَبَباً} ومن جملة الأشياء النبوةُ، ولقوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} ونحوِ ذلك، وقيل: كان ملكاً لما رُوي أن عمرَ رضي الله عنه سمع رجلاً يقول لآخر: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفراً أما رضِيتم أن تتسموا بأسماء الملائكة. قال ابن كثير: والصحيحُ أنه ما كان نبـياً ولا ملكاً وإنما كان ملكاً صالحاً عادلاً ملَك الأقاليَم وقهر أهَلها من الملوك وغيرَهم ودانتْ له البلادُ، وأنه كان داعياً إلى الله تعالى سائراً في الخلق بالمَعْدلة التامة والسلطانِ المؤيَّدِ المنصورِ، وكان الخضر على مقدمة جيشِه بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير، وقد ذكر الأزرقي وغيرُه أنه أسلم على يدَيْ إبراهيمَ الخليلِ عليه الصلاة والسلام فطاف معه بالكعبة هو وإسماعيلُ عليهم السلام. ورُوي أنه حج ماشياً فلما سمع إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا، ويقال: إنه أُتيَ بفرس ليركب فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فعند ذلك سُخّر له السحاب وطُويَ له الأسباب وبشره إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بذلك فكانت السحابُ تحمله وعساكرَه وجميعَ آلاتِهم إذا أرادوا غزوةَ قومٍ، وقال أبو الطفيل: سُئل عنه عليٌّ كرم الله وجهه أكان نبـياً أم ملِكاً؟ فقال: لم يكن نبـياً ولا ملكاً لكن كان عبداً أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه سُخر له السحابُ ومُدّ له الأسباب. واختلف في وجه تسميته بذي القرنين، فقيل: لأنه بلغ قَرني الشمس مشرِقَها ومغربَها، وقيل: لأنه ملَك الرومَ وفارسَ، وقيل: الرومَ والتركَ، وقيل: لأنه كان في رأسه أو في تاجه ما يشبه القرنين، وقيل: كان له ذؤابتان، وقيل: لأنه كانت صفحتا رأسِه من النحاس، وقيل: لأنه دعا الناس إلى الله عز وجل فضَرب بقرنه الأيمنِ فمات ثم بعثه الله تعالى فضَرب بقرنه الأيسرِ فمات ثم بعثه الله تعالى، وقيل: لأنه رأى في منامه أنه صعِد الفَلكَ فأخذ بقرني الشمس، وقيل: لأنه انقرض في عهده قَرنان، وقيل: لأنه سُخّر له النورُ والظلمة فإذا سرَى يهديه النورُ من أمامه وتحوطه الظلمةُ ورائه، وقيل: لُقّب به لشجاعته. هذا وأما ذو القرنين الثاني فقد قال ابن كثير: إنه الإسكندر بنُ فيلبسَ بنِ مصريمَ بنِ هُرمُسَ بنِ ميطونَ بنِ رومي بن ليطى بن يونان بن يافثَ بن نونه بن شرخونَ بن روميةَ بن ثونط بن نوفيلَ بن رومي بن الأصفرِ بن العنرِ بن العيصِ بن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ عليهما الصلاة والسلام، كذا نسبه ابنُ عساكرَ المقدونيُّ اليوناني المصريُّ باني الإسكندريةِ الذي يؤرِّخ بأيامه الرومُ، وكان متأخراً عن الأول بدهر طويلٍ أكثرَ من ألفي سنة، كان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلثمائة سنة وكان وزيرُه أرسطاطاليس الفيلسوفَ وهو الذي قتل دارا بنَ دارا وأذلّ ملوكَ الفرس ووطِىء أرضهم. ثم قال ابن كثير: وإنما بـيّنا هذا لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكورَ في القرآن العظيم هو هذا المتأخرُ فيقع بذلك خطأ كبـير وفساد كثيرٌ، كيف لا والأولُ كان عبداً صالحاً مؤمناً وملكاً عادلاً وزيرُه الخضرُ عليه الصلاة والسلام، وقد قيل: إنه كان نبـياً. وأما الثاني فقد كان كافراً وزيرُه أرسطاطاليس الفيلسوفُ وقد كان ما بـينهما من الزمان أكثرَ من ألفي سنة فأين هذا من ذلك؟ انتهى. قلت: المقدوني نسبةً إلى بلدة من بلاد الروم غربـيَّ دارِ السلطنة السنية قُسطنطينيةَ المحمية لا زالت مشحونةً بالشعائر الدينية، بـينهما من المسافة مسيرةُ خمسةَ عشر يوماً أو نحوِ ذلك عند مدينة سَيروزَ اسمُها بلغة اليونانيـين مقدونيا، كانت سريرَ مُلك هذا الإسكندرِ وهي اليوم بلقَعٌ لا يقيم بها أحد، ولكن فيها علائمُ تحكي كمالَ عِظَمها في عهد عُمرانها ونهايةِ شوكةِ واليها وسلطانِها، ولقد مررتُ بها عند القُفول من بعض المغازي السُّلطانية فعاينتُ فيها من تعاجيب الآثارِ ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار. {قُلْ} لهم في الجواب {سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ} أي سأذكر لكم {مِنْهُ} أي من ذي القرنين {ذِكْراً} أي نبأ مذكوراً، وحيث كان ذلك بطريق الوحي المتلوِّ حكايةً عن الله عز وجل، قيل: سأتلو أو سأتلو في شأنه من جهته تعالى ذكراً أي قرآناً، والسينُ للتأكيد والدِلالة على التحقيق المناسبِ لمقام تأيـيدِه عليه الصلاة والسلام وتصديقِه بإنجاز وعدِه، أي لا أترك التلاوةَ البتةَ كما في قول من قال: [الطويل] شعر : سأشكر عَمْراً إن تراخت منيّتي أياديَ لم تُمنَنْ وإن هي جلَّتِ تفسير : لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل، لأن هذه الآيةَ ما نزلت بإنفرادها قبل الوحي بتمام القصة، بل موصولةٌ بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة والسلام عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهفِ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: « حديث : ائتوني غداً أخبرْكم » تفسير : فأبطأ عليه الوحيُ خمسة عشر يوماً أو أربعين كما ذكر فيما سلف.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويسألونك عن ذى القرنين} هم اليهود سألوه على وجه الامتحان عن رجل طواف بلغ شرق الارض وغربها او سأل قريش بتلقينهم وصيغة الاستقبال للدلالة على استمرارهم على ذلك الى ورود الجواب وهو ذو القرنين الاكبر واسمه اسكندر بن فيلقوس اليونانى ملك الدنيا باسرها كما قال مجاهد ملك الارض اربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان وذو القرنين والكافران نمرود وبخت نصر وفى مشكاة الانوار شداد بن عاد بدل بخت نصر وكان ذو القرنين بعد نمرود فى عهد ابراهيم عليه السلام على ما يأتى ولكنه عاش طويلا الفا وستمائة سنة على ما قالوا. وفى تفسير الشيخ وكان بعد ثمود وكان الخضر على مقدمة جيشه بمنزلة المستشار الذى هو من الملك بمنزلة الوزير. قال ابن كثير والصحيح انه ما كان نبيا ولا ملكا وانما كان ملكا صالحا عادلا ملك الاقاليم وقهر اهلها من الملوك وغيرهم وانقادت له البلاد مات بمدينة شهر زور بعدما خرج من الظلمة ودفن فيها وفى التبيان مدة دوران ذى القرنين فى الدنيا خمسمائة ولما فرغ من بناء السد رجع الى بيت المقدس ومات به وانما سمى بذى القرنين لانه بلغ قرنى الشمس اى جانبيها مشرقها ومغربها كما لقب اردشير واضع النرد بطويل اليدين لنفوذ امره حيث اراد. وفى القاموس لما دعاهم الى الله ضربوه على قرنه الايمن فمات فاحياه الله ثم دعاهم فضربوه على قرنه الايسر فمات ثم احياه الله كما سمى على بن ابى طالب رضى الله عنه بذى القرنين لما كان شجتان فى قرنى رأسه احداهما من عمرو بن ود والثانية من ابن ملجم لعنه الله. وفى قصص الانبياء وكان قد رأى فى منامه انه دنا من الشمس حتى اخذ بقرنيها فى شرقها وغربها فلما قص رؤياه على قومه سموه به. وقال السيوطى رحمه الله فى الاوائل اول من لبس العمامة ذو القرنين وذلك انه طلع له فى رأسه قرنان كالظلفين يتحركان فلبسهما من اجل ذلك ثم انه دخل الحمام ومعه كاتبه فوضع العمامة وقال لكاتبه هذا امر لم يطلع عليه غيرك فان سمعت به من احد قتلتك فخرج الكاتب من الحمام فاخذه كهيئة الموت فاتى الصحراء فوضع فمه بالارض ثم نادى ألا ان للملك قرنين فانبت الله من كلمته قصبتين فمر بهما راع فقطعهما واتخذهما مزمارا فكان اذا زمر خرج من القصبتين ألا ان للملك قرنين فانتشر ذلك فى المدنية فقال ذو القر نين هذا امرا اراد الله ان يبديه. واما ذو القرنين الثانى وهو اسكندر الرومى الذى يؤرخ بايامه الروم فكان متأخرا عن الاول بدهر طويل اكثر من الفى سنة كان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلاثمائة سنة وكان وزيره ارسطاطا ليس الفيلسوف وهو الذى حارب دارا واذل الفرس ووطئ ارضهم وكان كافرا عاش ستا وثلاثين سنة فالمراد بذى القرنين فى القرآن هو الاول دون الثانى وقد غلط كثير من العلماء فى الفرق بينهما فظنوا ان المذكور فى الآية هو الرومى سامحهم الله تعالى {قل} لهم فى الجواب {ساتلو عليكم} ساذكر لكم ايها السائلون {منه } اى من خبر ذو القرنين وحاله فحذف المضاف {ذكرا} نبأ مذكورا وبيانا او ساتلوا فى شأنه من جهته تعالى ذكر اى قرآنا والسين للتأكيد والدلالة على التحقق اى لا اترك التلاوة البتة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ويسألونك} أي اليهود، سألوه على وجه الامتحان، أو قريش، بتلقينهم. والتعبير بالمضارع؛ للدلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجواب، والمراد: ذو القرنين الأكبر، وكان على عهد إبراهيم عليه السلام، ويقال: إنه الذي قضى لإبراهيم حين تحاكم إليه في بئر السبع بالشام، واسمه تبرس، وقيل: هرديس، وأما ذو القرنين الأصغر، بالقرب من زمن عيسى عليه السلام، واسمه الإسكندر، وهو صاحب أرسطو الفيلسوف، وقيل: المراد به هنا الأصغر، واقتصر عليه المحلِّي. قال الإمام الرازي: والأول أظهر؛ لأن من بلغ مُلكه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيل إنما هو الأكبر، كما شهدت به كتب التواريخ. قلت: كلاهما بلغا الغاية القصوى، وملكا المشارق والمغارب، أما ذو القرنين الأكبر، فقيل: إنه كان ملِكًا عادلاً صالحًا، ملك الأقاليم، وقهر أهلها من الملوك، ودانت له البلاد، وإنه كان داعيًا إلى الله تعالى، سائرًا في الخَلْق بالمعونة التامة والسلطان المؤيد المنصور، وكان الخضر على مقدمة جيشه، بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير. وقيل: كان ابن خالته. وذكر الأزرقي وغيره أنه أسلم على يد إبراهيم عليه السلام، فطاف معه بالكعبة مع إسماعيل. ورُوي أنه حج ماشيًا، فلما سمع إبراهيم عليه السلام بقدومه تلقاه ودعا له، وأوصاه بوصايا. ويقال: إنه أُتي بفرس ليركب، فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل، فعند ذلك سخّر له السحاب، وطوى له الأسفار، فكانت السحاب تحمله وعساكيره وجميع آلاتهم، إذا ارادوا غزو قوم. وسئل عنه عليّ رضي الله عنه: أكان نبيًا أو ملَكًا - بالفتح -؟ فقال: لم يكن نبيًا ولا ملَكًا، ولكن كان عبدًا أحبَّ الله فأحبه الله، وناصَحَ الله فناصحه، فسخر له السحاب، ومدَّ له الأسباب. وقال مجاهد: ملك الأرض أربعةٌ: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان وذو القرنين، والكافران: نمرود وبختنصر. هـ. وأما ذو القرنين الأصغر، وهو الإسكندر اليوناني، فرُوِيَ انه لما مات أبوه جمع مُلْكَ الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، ثم مضى حتى أتى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية وسماها باسمه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل، وورد بيت المقدس وذبح في مذبحةٍ، ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب، ودان له العراقيون والقبط والبربر، واستولى على ملوك الفرس، وقصد السند وفتحه، وبنى مدينة سرنديب وغيرها، ثم قصد الصين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى العراق ومرض ومات. رُوِيَ أن أهل النجوم: قالوا له: إنك تموت على أرض من حديد، وتحت سماء من خشب، فبلغ بابل، ورعُف، وسقط عن دابته، فبسطت له دروع من حديد، فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بترس من خشب، فنظر، فقال: هذه أرض من حديد وسماء من خشب، فمات، وهو ابن ألف وستمائة سنة، وقيل: ثلاثة آلاف، قال ابن كثير: وهو غريب. قلت: والذي لابن عساكر: أنه عاش ستًا وثلاثين سنة، وأنه كان بعد داود وسليمان - عليهما السلام - ثم قال ابن عساكر بعد كلام: وإنما بينّا هذا؛ لأن كثيرًا من الناس يعتقدون أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن العظيم هو المتأخر، فيقع بذلك خطأ كبير. كيف لا، والأول كان عبدًا صالحًا مؤمنًا، ملكًا عادلاً، وزيره الخضر عليه السلام، وقد قيل: إنه كان نبيًا، وأما الثاني فقد كان كافرًا، وزيره أرسْطَاطَاليس الفيلسوف، وقد كان بينهما من الزمان أكثر من ألفي سنة، فأين هذا من ذلك؟!. هـ. فتأمله مع ما ذكر في اللُباب من تعزيته أمه، مما يدل على إسلامه، قال فيه: لما علم ذو القرنين أن الموت استعجله، دعا بكاتبه، فقال له: اكتب تعزيتي لأمي، بسم الله الرحمن الرحيم، من الإسكندر بن قيصر، رفيق أهل الأرض بجسده وأهل السماء بروحه، إلى أمي رومية ذات الصفا، التي لم تتمتع بثمرتها في دار الفناء، وعما قريب تجاوره في دار البقاء، يا أماه؛ أسألك بودك لي وودي لك، هل رأيت لِحَيِّ قرارًا في الدار الدنيا؟ وانظري إلى الشجر والنبات يخضر ويبتهج، ثم يهشم ويتناثر، كأن لم يغنَ بالأمس، وإني قد قرأت في بعض الكتب فيما أنزل الله: يا دنياي ارحلي بأهلِكِ، فإنكِ لستِ لهم بدار، إنما الدنيا واهبة الموت، موروثة الأحزان، مفرقة الأحباب، مخربة العمران، وكل مخلوق في دار الأغيار ليس له قرار. انظر بقية كلامه فيه. ولا يلزم من صحبته أرسطاطاليس أن يكون على دينه. والله تعالى أعلم. واختُلِفَ في ذي القرنين المذكور في القرآن: هل كان نبيًا أو ملَكًا - بفتح اللام - أو ملِكًا - بالكسر - وهو الصحيح، واختلف في وجه تسميته بذي القرنين؛ فقيل: كان في رأسه أو تاجه ما يشبه القرنين، وقيل: لأنه كان له ذؤابتان، وقيل: لأنه دعا الناس إلى الله عزّ وجلّ، فضُرب بقرنه الأيمن، ثم دعا إلى الله فضرب بقرنه الأيسر، وقيل: لأنه رأى في منامه أنه صعد الفلك فأخذ بقرني الشمس، وقيل: لأنه انقرض في عهده قرنان، وقيل: لأنه سخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتحوطه الظلمة من ورائه. هـ. ثم ذكر الحق تعالى الجواب، فقال: {قل سأتلو عليكم} أي: سأذكر لكم {منه ذكرًا} أي: خبرًا مذكورًا، أو قرآنا يخبركم بشأنه، والسين؛ للتأكيد، والدلالة على التحقق المناسب لمقام تأييده صلى الله عليه وسلم، وتصديقه بإنجاز وعده، لا للدلالة على أن التلاوة ستقع في المستقبل؛ لأن هذه الآية نزلت موصولة بما قبلها، حين سألوه صلى الله عليه وسلم عنه، وعن الروح، وعن أهل الكهف، فقال: غدًا أُخبركم، فتأخر الوحي كما تقدم، ثم نزلت السورة مفصلة. ثم شرع في تلاوة ذلك الذكر، فقال: {إِنا مكنَّا له في الأرض} أي: مكنا له فيها قوة يتصرف فيها كيف يشاء، بتيسير الأسباب وقوة الاقتدار، حيث سخر له السحاب، ومدّ له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، وسهل له السير في الأرض وذللت له طرقها، {وآتيناه من كل شيء} أراده من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه {سببًا} أي: طريقًا يُوصله إليه؛ من علم، أو قدرة، أو آلة، فأراد الوصول إلى الغرب {فأتْبَع سببًا}: طريقًا يوصله إليه. {حتى إذا بلغ مَغْرِب الشمس} أي: منتهى الأرض من جهة المغرب، بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته، ووقف على حافة البحر المحيط الغربي، الذي فيه الجزاير المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال على أحد القولين. {وجدَها} أي: الشمس، {تغربُ في عينٍ حَمِئَةٍ} أي: ذات حمأ، وهو الطين الأسود، وقرئ: حامية، أي: حارة، رُوي أن معاوية رضي الله عنه قرأ حامية، وعنده ابن عباس، فقال ابن عباس: حمئة، فقال: معاوية لعبد الله بن عمرو بن العاص: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذا نجده في التوراة، فوافق قول ابن عباس رضي الله عنه. وليس بينهما تنافٍ، لجواز كون العين جامعة بين الوصفين، وأما رجوع معاوية إلى قول ابن عباس بما سمعه من كعب الأحبار، مع أن قراءته أيضًا متواترة، فلكون قراءة ابن عباس قطعية في مدلولها، وقراءته محتملة، ولعله لَمَّا بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك، إذ ليس في مطمح نظره غير الماء، كما يلوح به قوله تعالى: {وجدها تغرب}، ولم يقل: كانت تغرب؛ فإن الشمس في السماء لا تغرب في الأرض. {ووجد عندها} أي: تلك العين {قومًا}؛ قيل: كان لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لفظه البحر، وكانوا كفارًا، فخيّره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل، وأن يدعوهم إلى الإيمان، فقال: {قلنا يا ذا القرنين إِما أن تعذب} بالقتل من أول الأمر، {وإِمّا أن تتخذ فيهم حُسْنًا}؛ أمرًا ذا حُسْنٍ، وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع، واستدل بهذا على نبوته، ومن لم يقل بها قال: كان بواسطة نبي كان معه في ذلك العصر، أو إلهامًا، بعد أن كان التخيير موافقًا لشريعة ذلك النبي، {قال} ذو القرنين، لمن كان عنده: مختارًا للشق الأخير، وهو الدعاء إلى الإسلام: {أمّا من ظَلَم} في نفسه، وأصرّ على الكفران، ولم يقبل الإيمان {فسوف نُعذِبُه} بالقتل. وعن قتادة: أنه كان يطبخ من كفر في القدور، {ثم يُرَدُّ إلى ربه} في الآخرة {نُعَذِّبُهُ} فيها {عذابًا نُكْرًا}؛ منكراً فظيعًا، لم يُعهد مثله، وهو عذاب النار. وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه، أي: حيث لم يقل: "ثم يرد إليك"، وأن مقاولته كانت مع النبي، أو مع من عنده من أهل مشورته. {وأما مَنْ آمن} بموجب دعوته {وعَمِلَ} عملاً {صالحًا} حسبما يقتضيه الإيمان {فله} في الدارين {جزاء الحُسنى}، أي: المثوبة الحسنى، أو الفعلة الحسنى جزاء، على قراءة النصب، على أنه مصدر مؤكد للجملة، قُدِّم عليه المبتدأ؛ اعتناءً، أو حال، أو تمييز. {وسنقول له من أمرنا} أي: مما نأمر به {يُسْرًا}: سهلاً ميسرًا، غير شاق عليه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ذو القرنين لَمَّا أقبل بكليته على مولاه، ودعا إلى الله، ونصح لله، مكّنه الله تعالى من الأرض، ويسر له أموره، حتى قطع مشارقها ومغاربها، وكذلك من انقطع إلى الله، ورفع همته إلى مولاه، وأرشد الخلق إلى الله، تكون همته قاطعة، يقول للشيء كن فيكون، بقدرة الله وقدره. وسخر له الكون بأسره، يكون عند أمره ونهيه "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدته كانت الأكوان معك"، يقول الله تعالى، في بعض كلامه: "حديث : يا عبدي كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد ". تفسير : قال القشيري: ذو القرنين مكَّن له في الأرض جهرًا، فكانت تُطوى له إذا قطع أحوازها، وسُهل له أن يندرج في مشارقها ومغاربها، ويحظر أقطارها ومناكبها، ومن كان في محل الإعانة من الأولياء؛ فالحق سبحانه يُمكنه في المملكة، ليحصل عند همته ما أراد من حصول طعام أو شراب، أو غيره من قطع مسافة، أو استتار عن أبصار، وتصديق مأمول، وتحقيق سؤال، وإجابة دعاء، وكشف بلاء، وفوق ذلك تمكينه من تحقيق همه له في أمره، ثم فوق ذلك في التمكين في أن يُحضِر بهمتهم قومًا بما شاؤوا، ويمنع قومًا عما شاؤوا، فلهم من الحق تحقيق أمل، إذا تصرفوا في المملكة بإرادات في سوانح وحادثات، وفوق هذا التمكين في المملكة إيصال قوم إلى منازل ومحالُ، فالله يحقق فيهم همتهم. هـ. قلت: وفوق ذلك كله تمكينهم من شهود ذاته، في كل وقت وحين، حتى لو طلبوا الحجاب لم يُجابوا، ولو كُلفوا أن يروا غيره لم يستطيعوا، وهؤلاء هم الذين لهم التمكين في الإيصال إلى منازل السائرين ومحالُ الواصلين. والله تعالى أعلم. ثمَّ ذكر سير ذي القرنين إلى جهة المشرق
الطوسي
تفسير : خمس آيات كوفي وحجازي وست بصري وشامي. عدّ اسماعيل والكوفيون والبصري والشامي "من كل شيءٍ سبباً آية وعدّ المدني الأخر والمكي والبصري والشامي عندها قوماً" آية جعلوا {فأتبع سبباً} بعض الآية الأولى ولم يعد أَهل الكوفة "قوماً" آخر آية بان جعلوا آخر الآية "حسناً". قرأ ابن عامر وأهل الكوفة {فأتبع} بقطع الهمزة، وفتحها، وتخفيف التاء وسكونها، فيهن الباقون {فأتبع} جعلوها ألف وصل وشددوا التاء، وفتحوها. وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة إلا حفصاً وابو جعفر "حامية" بالف وتخفيف الهمزة. الباقون {حمئة} بلا الف، مهموز. قال أبو علي النحوي (تبع) فعل يتعدى الى مفعول واحد، فاذا نقلته بالهمزة يتعدى الى معفولين. قال الله تعالى {أية : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} تفسير : وقال {أية : وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} تفسير : لما بنى الفعل للمفعولين قام أحد المفعولين مقام الفاعل. واما {أتبعوا} فافتلعوا، فتعدى الى مفعول واحد، كما تعدى افعلوا اليه، مثل شويته واشتويته، وحفرته واحتفرته. وقوله {أية : فأتبعوهم مشرقين} تفسير : تقديره فاتبعوهم جنودهم فحذف أحد المفعولين، كما حذف من قوله {أية : لينذر بأساً شديداً من لدنه} تفسير : ومن قوله {أية : لا يكادون يفقهون قولاً} تفسير : والمعنى لا يكادون يفقهون أحداً، ولينذر الناس بأساً شديداً، فمن قطع الهمزة فتقديره فاتبع أمره سبباً او اتبع ما هو عليه سبباً [والسبب ها هنا الطريق مثل السبيل. والسبب الحبل. والسبب القرابة]. وقال ابو عبيدة {في عين [حمئة} بالألف ذات حمأة. وقال ابو علي من قرأ حمئه بغير الف فهي فعله. ومن قرأ {حاميه}] فهي فاعلة من حميت فهي حامية، قال الحسن: يعني حارة. ويجوز فيمن قرأ {حامية} أن تكون فاعلة من الحمأة، فخفف الهمزة وقلبها ياء على قياس قول أبي الحسن. وإن خفف الهمزة على قول الخليل كانت بين بين. وقرأ ابن عباس {في عين حمئة} وقال هي ماء وطين. وتقول العرب: حمأت البئر إذا أخرجت منها الحمأة، واحمأتها إذا طرحت فيها الحمأة. وحمئت تحمأ ومعنى حمئة صار فيها الحمأه. فاما قولهم هذا حم لفلان، ففيه أربع لغات حمو وحمو وحماء وحم. وذكر اللحياني لغة خامسة وسادسة: الحمو مثل العفو، والحمأ مثل الخطأ. وكل قرابة من قبل الزوج، فهم الاحماء وكل قرابة من قبل النساء فهم الاختان والصهر يجمعهما، وأم الرجل ختنه وابوه ختنه وام الزوج حماة وأبوها حمو. وقال ابو الاسود الدؤلي شاهد لابي عمرو فى عين حمئة: شعر : تجيء بملئها طوراً وطوراً تجيء بحمأة وقليل ماء تفسير : يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) يسألونك يا محمد عن ذي القرنين واخباره وسيرته، وكان السائل عن ذلك قوماً من اليهود. وقيل كانوا قوماً من مشركي العرب، فقل لهم يا محمد، {سأتلوا عليكم} يعني سأقرأ عليكم من خبره ذكراً. ثم قال تعالى مخبراً له {إنا مكنا له في الأرض} أي بسطنا يده فيها وقويناه {وآتيناه من كل شيء سبباً} ومعناه علماً يتسبب به الى ما يريده - في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك وابن جريج - وقيل {آتيناه من كل شيءٍ سبباً} يعني ما يتوصل به الى مراده. ويقال للطريق الى الشيء سبب وللحبل سبب وللباب سبب {فأتبع سبباً} أي سبباً من الأسباب التي أوتي. ومن قرأ بقطع الهمزة أراد فلحق سبباً، يقال ما زلت أتبعه حتى اتبعته أي لحقته. وقوله {فأتبع سبباً} قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: معناه طرقاً من المشرق والمغرب. وقيل معنى {وآتيناه من كل شيءٍ سبباً} ليسيعين به على الملوك وفتح الفتوح، وقتل الاعداء فى الحروب {فأتبع سبباً} أي طريقاً الى ما أريد منه. وقيل سمي {ذي القرنين} لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل سمي بذلك لأنه ضرب على جابي رأسه. وقيل: لانه كانت له ضفيرتان. وقيل لانه بلغ قرئي الشمس مطلعها ومغربها. وقيل: لانه بلغ قطري الارض من المشرق والمغرب. وقوله {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} أي فى عين ماء ذات حمأة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير - ومن قرأ "حامية" أراد حارة، فى قول الحسن. وقرئ به في احدى الروايتين عن ابن عباس كقول ابي الاسود الدؤلي. شعر : تجيء بملئها طوراً وطوراً تجيء بحمأة وقليل ماء تفسير : وقال ابو علي الجبائي، والبلخي: المعنى وجدها كانها تغرب في عين حمئة، وإن كانت تغيب وراءها. قال البلخي لان الشمس اكبر من الارض بكثير، وأنكر ذلك ابن الاخشاد. وقال: بل هي فى الحقيقة تغيب فى عين حمئة على ظاهر القرآن. وقوله {ووجد عندها قوماً قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} معناه إما أن تعذبهم بالقتل لاقامتهم على الشرك بالله {وإما أن تتخذ فيهم حسناً} بان تأسرهم فتعلمهم الهدى وتستنقذهم من العمى، فقال ذو القرنين - لما خيره الله فى ذلك {أما من ظلم نفسه} بأن عصى الله وأشرك به {فسوف نعذبه} يعني بالقتل ويرد فيما بعد {إلى ربه فيعذبه}، يوم القيامة {عذاباً نكراً} أي عظيماً منكراً تنكره النفس من جهة الطبع، وهو عذاب النار، وهو أشد من القتل في الدنيا.
الجنابذي
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} ورد فى سبب نزوله ما سبق فى سبب نزول قصّة اصحاب الكهف، وورد انّه سأله (ص) نفر من اليهود عن طائفٍ طاف المشرق والمغرب. اعلم، انّ المسمّى بذى القرنين كان اثنين اكبر واصغر وكلاهما ملكا فى الارض وانّ ذا القرنين الاكبر هو الّذى كان عبداً صالحاً نبيّاً او غير نبىٍّ وهو الّذى طاف المشرق والمغرب وبنى سدّ يأجوج ومأجوج، وهو كان غلاماً من اهل الرّوم وكان ابن عجوزٍ فقيرةٍ وهبه الله تعالى الملك والسّلطنة، وورد انّه سمّى بذى القرنين لانّه بعث فى قومه فدعاهم الى الله فضربوه على قرنه الايمن فاماته الله او غاب عنهم على اختلاف الرّوايات خمسمائة عامٍ او مائة عامٍ او مدّة على اختلاف الرّوايات ايضاً، ثمّ بعثه الله فدعا الى الله فضربوه على قرنه الايسر فاماته او غاب عنهم فى المدّة المذكورة، ثمّ بعثه الله تعالى فملك المشرق والمغرب، وورد ايضاً انّه عوّضه الله فى مكان الضّربتين على رأسه قرنين اجوفين وجعل عزّ ملكه وآية نبوّته فى قرنيه، ثمّ رفعه الله الى السّماء الدّنيا فكشط له عن الارض كلّها جبالها وسهولها وفجاجها حتّى ابصر ما بين المشرق والمغرب وآتاه الله من كلّ شيءٍ سبباً فعرف به الحقّ والباطل وايّده فى قرنيه بكسفٍ من السّماء فيه ظلمات ورعد وبرق، ثمّ اهبطه الى الارض واوحى اليه سر فى ناحية غربىّ الارض وشرقيّها فقد طويت لك البلاد وذلّلت لك العباد فارهبتهم منك وذلك قول الله تعالى انّا مكنّا له فى الارض، وورد ايضاً انّه رأى فى المنام كأنّه دنا من الشّمس حتّى اخذ بقرنيها فى شرقها وغربها فلمّا قصّ رؤياه على قومه وعرفهم سمّوه ذا القرنين فدعاهم الى الله فأسلموا، وذكر فى التّواريخ انّه لمّا طاف المشرق والمغرب سمّى ذا القرنين. وقيل: انّه لمّا كان كريم الطّرفين اباً وامّاً سمّى ذا القرنين، وقيل: كان له ضفيرتان من طرفى رأسه ولذلك سمّى ذا القرنين، وقيل: كانت صفحتا رأسه من صفرٍ او من نحاسٍ او من حديدٍ او من ذهبٍ ولذلك سمّى ذا القرنين. وقد اختلف الاخبار فى نبوّته وعدمها واسمه كان عبد الله بن الضحّاك ولقبه كان عيّاشاً، واختلاف الاخبار فى باب قرنيه ونبوّته يشعر بالتّأويل خصوصاً ما ذكر فى الاخبار من قولهم (ع): وفيكم مثله مشيرين الى انفسهم؛ فانّه كلّما ذكر لشخصٍ فى العالم الكبير فهو جارٍ فيه فى نوعه، وكلّما كان فى العالم الكبير شخصاً او نوعاً فهو جارٍ فى العالم الصّغير، وقد اختلف الاخبار والتّواريخ فى زمان ظهوره فانّه ذكر انّه كان بعد زمان نوح (ع)، وذكر انّه كان معاصراً لابراهيم (ع)، وذكر انّه كان بعد عيسى (ع) {قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} اى ما يتذكّر به وهو قوله تعالى {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ...}.
الأعقم
تفسير : {ويسألونك} يا محمد اليهود {عن ذي القرنين} هو الاسكندر الذي ملك الدنيا، قيل: ملكها مؤمنان ذي القرنين وسليمان بن داوود، وكافران نمرود بن كنعان وبخت نصر، قيل: إن ذو القرنين كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه وسخّر له النور والظلمة، فإذا سار يهديه النور من أمامه وتحفظه الظلمة من خلفه، وقيل: كان نبياً، وقيل: ملكاً صالحاً، وعن علي (عليه السلام): "إنه سخّر له السحاب ومدَّ له الأسباب وبسط له النور" وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أنه سمّي ذو القرنين لأنه طاف قرني الدنيا"تفسير : ، يعني جانبيها شرقها وغربها، وقيل: كان له قرنان، وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس، ومتى قيل: لِمَ لم يقص كل أخبار ذي القرنين؟ قالوا: لا يمتنع أن يكون المذكور في كتبهم ذلك القدر فخبر بذلك ليكون أقوى في الدلالة ولا يمتنع أن يكون الصلاح في تعريفهم هذا القدر دون غيره، والزيادة {إنا مكّنا له في الأرض} أي ملكناه وأوطأنا له الأرض {وآتيناه من كل شيء سبباً}، قيل: آتيناه علماً لسبب به إلى ما يريد عن ابن عباس، وقيل: من كل شيء تستعين به الملوك على فتح البلاد ومحاربة الأعداء، وقيل: حيلة الأمور {فاتّبع} سلك وسار، وبالتخفيف لحق {سبباً} طريقاً بين المشرق والمغرب، وروي أنه حمل الخشب على الجمال فإذا بلغ البحر اتَّخذ السفن {حتى إذا بلغ مغرب الشمس} يعني موضع غروبها، قال في الغرائب والعجائب: ذهب بعض المفسرين إلى أن الشمس تغرب في وسط العين وأن الماء يفور لولا أصوات أهل مدينة بالمغرب يقال لها جائر سألها اثني عشر ألف باب لسمعتم وقع هدتها، إذا وقعت، والله أعلم بذلك الخبر {وجدها تغرب في عين حمئة} يعني وجد الشمس تغرب في عين حارة ذات حمئة، روي لكعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب في التوراة؟ قال: في ماء وطين {ووجد عندها قوماً}، وقيل: ناساً، وقيل: معناه وجدها كأنها تغيب في عين وإن كانت تغيب وراءها، وأنكر هذا قول جماعة، قالوا: بل هي تغيب في عين حمئة على ظاهر القرآن وعليه أكثر المفسرين، قالوا: {قلنا ياذا القرنين إما أن تعذّب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} يعني إما أن تعذب بالقتل من أقام على الشرك وإما أن تتخذ فيهم حسناً تعفوا وتصفح وتأمرهم وتعلّمهم الهدى والرشد، فقال ذو القرنين مجيباً: {أما من ظلم}، قيل: من كفر ولم يتب، وقيل: من عصى وظلم {فسوف نعذِّبه} بالقتل {ثم يرد إلى ربه فيعذِّبه عذاباً نكراً}، قيل: أشدّ من القتل، وقيل: منكراً غير معهود، ثم بيّن تعالى ما وعد المؤمنين فقال تعالى: {وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً}، قيل: عدة جميلة من الله تعالى، وقيل: بيَّن له القول ويهوّن عليه الأمر، ثم بيّن تعالى مسيره إلى المشرق فقال سبحانه: {ثم اتبع سبباً} أي سلك طريقاً، وقيل: سلك طريقاً للجهاد، والسبب الطريق. قال الشاعر: شعر : ال المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم قادر
الهواري
تفسير : قوله: {وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِي القَرْنَيْنِ} فإنما سألته اليهود. {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} أي: خبراً. {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} أي: بلاغاً لحاجته. وقال بعضهم: علماً، وهو علمه الذي أُعْطِيَ. بلغنا أنه ملك مشارق الأرض ومغاربها. { فَأَتْبَعَ سَبَباً} أي: طرق الأرض ومنازلها. وقال بعضهم: منازل الأرض ومعالمها. {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وهي تقرأ على وجهين: حمئة وحامية. ذكر عطاء قال: اختلف ابن عباس وعمرو بن العاص في عين حمئة؛ فقال عمرو: حامية، وقال ابن عباس حمئة. فجعلا بينهما كعباً فقال كعب: نجدها في التوراة تغرب في ماء وطين كما قال ابن عباس. وإنما يعني بالحمأة الطين والمنتن. ومن قرأها حامية يقول: حارّة. قال: { وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ} قال الحسن: يعني القتل؛ وذلك حكم الله فيمن أظهر الشرك إلا من حكم عليه بالجزية من أهل الكتاب إذا لم يسلم وأقر بالجزية، ومن تقبل منه الجزية اليوم. {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} يعني العفو. قال: فحكَّموه، فحكَم بينهم، فوافق حكمُه حكمَ الله.
اطفيش
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} أى اليهود أو قريش: أبو جهل وأتباعه بإرسال اليهود إياهم {عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ} الإسكندر الرومى. قال وهب: لقب بذلك لأنه ملك فارسَ والروم. ورُوِى: الروم والترك. وقيل: المشرق والمغرب. وقيل عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن الزهرى: لأنه طاف قرنى الدنيا: الشرق والمغرب. وقيل: لإنهُ انقرض فى أيامه قرنان من الناس. وقيل: كان القرنان حسنتين. وقيل: غديرتين تصلان إلى الأرض. إنهُ كان لهُ قرنان أى ضفيرتان. وقيل: لأنهُ كان لتاجه قرنان. وقيل: إنهُ كان على رأسه ما يشبه القرنين وتواريهما العمامة. وقيل: لأن صفحتى رأسه من نحاس. وقال على: لأنهُ ضرب على قرنه الأيمن فى طنجة الله فمات فأحياه الله وضرب على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله قال: وفيكم مثلهُ. وقيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وقيل: لأنه أدخل النور والظلمة وأمرهما الله بالامتثال له. وقيل: لأنه قرنى الشيطان عند مطلع الشمس وقد بلغه. وقيل: لشرف أبويه. وقيل: إنه يقاتل يديه وركابيه. وقيل: لأنه علم الظاهر والباطن. وقيل: لأنه رأى فى منامِه أنه أخذ بقرنى الشمس. ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال: زيد شجاع ينطح أقرانه. وما ذكرته من أنه رومى هو المشهور. وقيل: هو عربى من أهل اليمن من حمير. قال الفخر عن أبى الريحان السرورى المنجم: إنه من حمير وإن اسمهُ نوار ابن سمر بن عز بن أفنويس الحميرى وهو الذى افتخر به أحد شعراء حمير وقال: شعر : قد كان ذو القرنين قِدْما مسلما ملكا على الأرض غير مفند بلغ المشارق والمغارب يلتقى أسباب ملك من كريم مرشد فرأى إياب الشمس عند غروبها فى عين ذى خلب ونظمة حرمد تفسير : وهو وَلَدُ عجوزٍ ليس لها غيره واسمه إسكندر بن فيلنوس. وقيل: مرزبان بن مرزبة اليونانى من ولد يونان بن يافث بن نوح. وقيل: اسمهُ عبد الله. وقيل: الصعب. وقيل: المنذر. وقيل: أفريدون ورجح الثلاثى الصعب قال: وليس هذا الإسكندر اليونانى لأن هذا فى زمان إبراهيم والإسكندر كان قريباً من زمان عيسى وبينهما أكثر من ألف سنة. والحق أن الذى قص الله تعالى نبأه فى القرآن هو الأول لما ذكر ولأنه من العرب والإسكندر من اليونان ولأنه صالح أو نبى والإسكندر كافر كما قال الفخر الرازى. وهو مسلم إجماع فقيل: نبى ويدل له قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين} وخطاب الله تعالى لا يكون إلا مع الأنبياء إلا أن يقال: إنه خطاب بإلهام أو على لسان غيره: وقيل: ولى. وزعم بعض أنه ملك من الملائكة. وروى عن عمر بن الخطاب أنه سمع رجلا يقول: يا ذا القرنين فقال: اللهم اغفر. أما رضيتم أن تتسمَّوا بأَسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة. قال على: سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور. روى أنه قال: وكان عليه الليل والنهار سواء وسهل عليه السير فى الأرض وذلك له طرقها. وسئل عنه فقال: أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه رواه أبو الطفيل. وسأله ابن الكوا: ما ذو القرنين أملك أم نبى؟ فقال: ليس بملك ولا نبى ولكن كان عبداً صالحاً ملكا عادلا وعليه الأكثر. وذكر بعضهم أنه إذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه وأعطاه الله العلم والحكمة وألبسه الهيبة وملَّكه الأرض. قيل: مَلك الأرض مؤمنان: ذو القرنين وسليمان. وكافران: نمرود وبُخْتَ نَصَّر. روى أنه لما مات أبو ذى القرنين جمع ملوك الروم بعد أن دانت له طوائف ثم مضى إلى ملوك العرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم رجع إلى مصر وبنى الإسكندرية وسماها باسمه ثم دخل الشام ودخل بيت المقدس وقرب إليه القربان ثم انعطف على أرمينية وباب الأبواب وبنى السد ودانت له ملوك العراق والنبط والبربر واستولى على ملوك الفرس ثم مضى إلى الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ثم رجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات وحمل إلى الإسكندرية. وقيل: أوصى أن يحمل فى تابوت من ذهب إلى بلده فى الروم. وروى أنه كتب إلى أمه وهى فى الإسكندرية قبل وفاته بقليل: إذا وصل إليك كتابى هذا فاجمعى أهل بلدك وأعدى لهم طعاما ووكلى بالأبواب فى منع من أصابته مصيبة فى أم أو أب أو أخ أو أخت أو ولد ففعلت فلم يدخل إليها أحد فعلمت أن لإسكندر عزاها فى نفسه. وروى أنه كتب إليها: أن اعملى طعاماً واؤمرى مناديا: ائتوا الطعام إلا من أصابته مصيبة فى قريب أو صاحب ففعلت فلم يأت أحد فقالت: لِمَ لا يأتون. فقيل لها: أنت منعتِهم؛ إذ لا أحد إلا وقد أصيب بذلك. فقالت: رحم الله ابنى عزانى فى نفسه وهو حى. ويأتى كلام فى هذا. وعمره نيف وثلاثون سنة وقد بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال وهذا هو القدر المعمور من الأرض. وعن وهب بن منبه أن ذا القرنين رجل من الروم ابن عجوز لما بلغ كان عبداً صالحاً وقال الله عز وجل له: إنى باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها: ناسك والأخرى عند مطلعها يقال لها: منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما فى القطر الأيمن يقال لها: هاويل والأخرى فى القطر الأيسر. يقال لها: تاويل وأمم فى وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. فقال ذو القرنين: يا رب بأى قوة أكابرهم؟ وبأَى جمع أكاثرهم؟ وبأى لسان أناطقهم؟ قال الله تعالى: إنى سأطولك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شئ وألبسك ثوب هيبة فلا يرعدك شئ وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك. فانطلق حتى أتى مغرب الشمس فوجد جمعاً وعدداً لا يحصيه إلا الله فكاثرهم بالظلمة حتى جمعهم فى مكان واحد فدعاهم إلى الله وعبادته فمنهم من آمن ومنهم من صد فعمد إلى من صد فأدخل عليهم الظلمة فدخلت أجوافهم وبيوتهم فدخلوا فى دعوته. فجند من أهل المغرب جنداً عظيما وانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل ففعل فيهم كفعله فى ناسك ثم مضى حتى أتى منسك ففعل فيهم كفعله فى الأمتين وجند منهم جنداً ثم أخذ ناحية اليسرى فأتى تاويل يفعل فيهم كفعله فى من قبلهم ثم عمد إلى الأمم التى فى وسط الأرض. فلما كان مما يلى منقطع الترك مما يلى المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش كالسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذى روح خلقه الله فى الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم فلا شك أنهم سيملكون الأرض ويظهرون عليها ويفسدون فيها {فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال: ما مكنى فيه ربى خير} وقال أعدوا إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم. فانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم نصف الرجل المروع منا لهم مخاليب وأضراس كالسباع والشعر يوارى أجسادهم يتقون به الحر والبرد ولكل واحد أذنان عظيمان يفترش إحدهما ويلتحف بالأخرى يصيِّف فى واحدة ويشتو فى الأخرى ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا فانصرف مقاس ما بين الصدفين وحفره إلى الماء وبناه. قال عكرمة بن عامر الجهنى: خرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليوم الذى أخدمه فيه فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف وكتب فقالوا: استأذِن لنا على رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال: ما لى ولهم يسألوننى عما لا أدرى أنا عبد لا أعلم ما علمنى الله ثم قال: ائتنى بوضوء فأَتيته بوَضوء فتوضأ ثم قام إلى المسجد فركع ركعتين فما انصرف حتى بدا لىَ السرور فى وجهه فقال: اذهب فأدخلهم وأدخل من وجدت بالباب من أصحابى. فلما وقفوا عليه قال: إن شئتم أخبرتكم بما أردتم أن تسألونى عنه قبل أن تتكلموا أو إن شئتم سألتم وأخبرتكم. قالوا: أخبرنا. قال: جئتم تسألوننى عن ذى القرنين وسأخبركم كما تجدونه فى كتبكم مكتوباً: إن أول أمره أنه كان غلاماً من الروم وأعطى ملكا. فسار حتى انتهى إلى أرض مصر فبنى عندها مدينة يقال لها: الإسكندرية فلما فرغ من بنيانها أتاه ملك فعرج به ثم قال: انظر ما تحتك. فقال: أرى مدينتى وأرى مدائن معها ثم عرج به. فقال: انظر. فقال: قد اختلطت مدينتى مع المدائن ثم زاد فقال: انظر. فقال: أرى مدينتى وحدها ولا أرى غيرها. فقال له الملَك: إنما تلك الأرض كلها وذلك السواد المحيط بها البحر وإنما أراد الله أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطاناً فيها فسر فى الأرض وعلم الجاهل وثبِّت العالم. فسار حتى بلغ مغرب الشمس ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شئ فبنى السد ووجد يأْجوج ومأْجوج يقاتلون قوماً ثم مضى ووجد أُمة من الغرانيق يقاتلون قوما كذراع ثم مضى ووجد أُمة يقاتلون قوما وجوههم كوجوه الكلاب ثم مضى فوجد أُمه من الحيات تلتقم الحية الصخرة العظيمة ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض. فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا وإنا نجده فى كتابنا هكذا. وروى أنه رجع من بابل وقد أحاط البَلاء به، وظهرت به آثار السقام وقد رأى فى منامه أنه يموت فوق أرض من حديد وتحت سماء من حديد ثم أخذه العطش والحمى ففرشوا تحته أدرع الحديد وظللوا عليه بالحديد فأيقن بالموت وأوصى إلى أُمه أن تعمل وليمة وأن لا يحضرها من أُصيب بخليل أو محبوب. ولما مات وضع فى تابوت من الذهب ليحمل إلى أُمه بالإسكندرية وله ست وثلاثون سنة وكانت مدة ملكه تسع سنين فقال حكيم الحكماء: ليتكلم كل منكم بكلام ليكون للخاصة مذكراً وللعامة واعظاً. فقام أحدهم فقال: لقد أصبح مُستاس الملوك أسيراً. وقال آخر: هذا الإسكندر كان يحبس الذهب وصار الذهب يحبسه. وقال الآخر: العجب كل العجب أن القوىَّ قد غُلب. وقال آخر: قد كنت لنا واعظاً ولا واعظ أبلغ من وفاتك. وقال آخر: رب هائب أن يذكرك سرًّا وهو الآن لا يخاف جهراً. وقال آخر: يا من ضاقت عليه الأرض فى طولها وعرضها ليت شعرى كيف حالك فى قدر طولك منها. وقال آخر: يا من كان غضبه الموت هلاّ غضب على الموت. وقال آخر: ما لك لم يتحول عضو من أعضائك وقد كنت تزلزل الأرض. ولما ورد على امه فى التابوت شرعت فى عمل الوليمة وقالت: لا يحضرها من أُصيب بمحبوب أو خليل، فلم يحضر أحد. فقلت: ما بال الناس لا يحضرون الوليمة؟ فقالوا: أنت منعتِيهم من الحضور. قالت: كيف ذلك؟ قيل لها: قد أَمرتِ أن لا يحضرها من فقد محبوبا أو خليلا وليس فى الدنيا أحد إلا وقد أصيب بذلك فخف بعض ما بها من الحزن وتسلت بعض تسلية وقالت: رحم الله ولدى لقد عزَّانى أحسن تعزية وسلاّنى بألطف تسلية. {قُلْ} مجيبا لهم {سأَتْلُوا عَلَيْكُمْ} سأقص عليكم أيها السائلون عن ذى القرنين {مِنْهُ} من حاله. وقيل: من الله متعلق بأتلوا وبمحذوف حال من قوله: {ذِكْراً} أى خبرا. والسين هنا وفى قوله: {سأُنبئك} للحال المتصلة بحال التكلم وإن شئت فقل للاستقبال المتصل بحال المتكلم بلا مهلة. وقيل: للاستقبال المفصول بقوله: {عليكم منه ذكرا} وقوله: {بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}. وقيل: إنه لم يقل: أما السفينة الخ متصلا بقوله: {ما لم تستطع صبرا} بل قال ذلك وسكت فأمسكه موسى بثوبه وقال لا أفارقك حتى تخبرنى فأخبره وما يدرى أحد مقدار ما يمكث غير مخبر له لو لم يمسكه. وذكر الزمخشرى أن السين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة يعنى أنها تفيد تأكيد الوعد. وقد صرح بذلك كما قال ابن هشام فى قوله تعالى: {أية : أولئك سيرحمهم الله} تفسير : لكن ذلك مع الاستقبال فى الآية فيجوز أن تكون فى سورة الكهف لتأكيد الوعد بحصول الفعل بدون استقبال وذلك لأنه لا فسحة بين تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائليه قوله تعالى: {قل سأتلوا عليكم منه ذكرا} وتلاوته عليهم قوله تعالى: {إنَّا مكْنَّا لَهُ فِى الأَرْضِ} مهدنا له الأسباب فى الأرض أو مكنا له أمره فيها يتصرف كما شاء. {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ} اراده وتوجه إليه مما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء وما أراده هو مبتدعاً له. {سَبَباً} ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة وآلة. وفسر بالطريق وبالعلم يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به فى أقطار الأرض وفسر بالبلاغ إلى حيث أراد. وذكر بعضهم أن الله عز وجل قرب له أقطار الأرض {فَأَتَبَعَ} سلك. وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الهمزة وإسكان التاء غير مشددة وكذا فى الموضعين الآتيين {سَبَباً} طريقا هى إلى المغرب.
اطفيش
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} يا محمد سؤال امتحان {عَنْ ذِى الْقَرْنَيْنِ} أى عن شأنه كما يدل له الجواب فى الآية، السائلون قريش بتلقين اليهود، وقيل: اليهود كما روى عن السدى، وأكثر الآثار دل على أن الآية نزلت بعد سؤالهم، فالمضارع لتنزيل الماضى منزلة الحاضر، لأن فى سؤالهم إياه مع ما شاهد وأمن أمره صلى الله عليه وسلم نوع غرابة، أو للاستمرار على السؤال إلى أن أجابهم، وعن عقبة بن عامر: جاء نفر من أهل الكتاب بالصف أو الكتب فقالوا: استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لندخل، ففعلت فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما لهم يسألونى عما لا أعلم، لا أعلم إلا ما علمنى ربى"تفسير : ثم قال: ائتنى بوَضوء فتوضأ، فركع فى مصلاه من بيته ركعتين، فسُر وجهه وقال: "حديث : أدخلهم مَن بالباب من أصحابى" تفسير : فأدخلتهم فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن شئتم أخبرتكم بما جئتم للسؤال عنه ". تفسير : ولا يصح ما قيل إن ذى القرنين ملك، وإن عمر سمع فى منى قائلا يقول: يا ذا القرنين؟ فقال: ما لكم وأسماء الملائكة، وإن صح فالمراد أن هذا الاسم من أسماء الملائكة لا تسموا به، ولو سمى به من قبلكم، وقيل: رجل صالح عالم حكيم مهيب، ملَّكه الله الأرض ولا يدرى مَن هو. وعن علىّ لقب بذلك دعا إلى الله، فضرب على قرنه الأيمن فمات، فبعثه الله، وضرب على الأيسر ومات وبعثه الله، وقيل: لأنه انقرض فى عمره قرنان من الناس. وعن وهب بن منبّه: لأن صفحتى رأسه من نحاس، وعن عبيد الله بن يعلى: لأن فى رأسه قرنين كالظلفين، وهو أول من لبس العمامة، لبسها ليسترهما، وقيل: لأن لتاجه قرنين. وعنه صلى الله عليه وسلم: أنه طاف قرنى الدنيا غربها وشرقها. وعن قتادة ويونس بن عبيد: لأن له غديرتين، وقيل: لأنه سخر له النور والظلمة، يهديه النور قدامه إِذا سرى، وتمتد الظلمة وراءه، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى فى نومه كأنه صعد وأخذ بقرنى الشمس، وقيل: لأنه لشجاعته ينطح أقرانه، وقيل: هو فريدون بن أثغيان وهو مسلم، يؤيد بالوحى، أعطى ابنه أبراج العراق والهند والحجاز، وأعطاه التاج، وابنه سلم الروم وديار مصر والمغرب، وابنه نور الصين والترك والمشرق، ووضع لكل قانوناً يحكم به، وسميت قوانينهم سياسة، بمعنى سى إِيسا أى ثلاثة قوانين، وسلطنته خمسمائة عام. ويرد هذا أن الله جل وعلا أخبرنا بسفر ذى القرنين أنه سافر، وذلك لم يسافر بإجماع أهل التاريخ، وإنما مهد له الأرض كاوه الأصبهانى الحداد، الذى مزق به الله ملك الضحاك، إلا أن يثبت له ما يذكر للإسكندر ولا يبالى بعدم ذكر المؤرخين، وقيل: إسكندر اليونانى فيلسوف، وقيل: قلفيص، وقيل: قليص. وقال ابن كثير: هو ابن فيلبس بن مصيم بن هرمسا بن ميطون ابن رومى بن ليطى بن يونان بن يافث بن نونة بن شرخون بن نونط بن نوفل بن رومى بن الأصغر بن العزيز بن العيص بن إِسحاق بن إِبراهيم الخليل، وسرير ملكه مقدونيا غرب القسطنطينية المحمية بينهما خمسة عشر يومًا، وهو الذى غلب دارا الأصغر، واستولى على الفرس، كان مولده فى السنة الثالثة عشرة من مُلك دارا الأكبر. وزعم بعض أنه أبوه، وروى أن أباه جمع له ملوك الروم والمغرب وقهرهم، وانتهى إِلى المحيط، عاد إلى مصر، وبنى الإسكندرية، والمدن الكثيرة، ودخل الشام، وقصد بنى إسرائيل، وقصد بيت المقدس، وذبح فيه، وملك الدنيا، ومات بشهر زور من العراق، وقيل: مات برومية المدائن، وحملوه فى تابوت من ذهب إلى الإسكندرية وعمره اثنان وثلاثون سنة، ومدة مُلكه اثنتا عشرة سنة، وقيل: عمره ست وثلاثون، ومدة مُلكه ست عشرة. فالمراد بذى القرنين الإسكندر وهو الصحيح، لما ذكره الله جل وعلا من التمكين له، ولا ينافى ذلك أنه تلميذ أرسطو الحكيم خمس سنين بأمر أبيه، لأنه تعلّم منه ما يجوز، ولم يتبعه على كفره، كما تلمذ الشافعى وأحمد على أبى حنيفة، وخالفاه. وتلمذ الشافعى على مالك وخالفاه، وتلمذ أحمد وأبو حنيفة على مالك أيضًا، والأشعرى على المعتزلة وخالفهم، ورئيس المعتزلة على الحسن البصرى وخالفه، وأرسطو على أفلاطون وخالفه، وذبحه فى بيت المقدس دليل على إقراره بالله، بل قال له الحكماء: نسجد لك فقال: لا يجوز السجود لغير بارئ الكل، وقيل: هو الإسكندر الرومى وهو متقدم على اليونانى بكثير، ويقال له ذو القرنين الأكبر، واسمه مرزبان بن مردية، من ولد يافث بن نوح، وكان أسود. وقيل: اسمه عبد الله بن الضحاك، وقيل: مصعب بن عبد الله بن قينان ابن منصور بن عبد الله، وذكر بعض المحققين أن الاسكندر الرومى، والإسكندر اليونانى يطلقان على غالب دارا الأصغر والذى عليه الكثير أن المسمى بالإسكندر عند الملوك اثنان بينهما نحو ألفى سنة، وأن أولهما هو المراد بذى القرنين، ويسميه بعضهم الرومى، وبعضهم اليونانى، عمره ألف سنة وستمائة، وقيل: ألفا سنة، وقيل: ثلاثة آلاف، ولا يصح من ذلك شئ، وقيل: ذو القرنين هو أبو كرب بن عمير بن إفريقس الحميرى، وهو الذى افتخر به تبع اليمنى إذ قال: شعر : قد كان ذو القرنين جَدِّى مُسلمًا ملكًا علا فى الأرض غير مفنَّد بلغ المغارب والمشارق يبتغى أسباب مُلك من حكيم مرشد فرأَى مغيب الشمس عند غروبها فى عين ذى خلب وتاط حرمد تفسير : واختاره بعض لأن الأذواء كانوا من اليمن كذى المنار، وذى نواس، وذى رعين، وذى يزن، جدن، ويقال: اجتمع مع إبراهيم خليل الله فى مكة المشرفة، وتعانقا. وروى أنه أسلم على يده، وطاف معه بالكعبة، وثالثهما إسماعيل عليه السلام. وروى أنه حج ماشيًا فلما سمع إبراهيم عليه السلام تلقاه وأوصاه بوصايا. وروى أنه أتى بفرس فقال: لا أركب فى بلد فيه خليل الله، فسخر الله له الأسباب والسحاب، وبشره إبراهيم، فكانت السحابة تحمله، وعساكره وآلاتهم إذا أراد الغزو. وذكر بعض أن ذا القرنين هو شمر بن فرقس، ويقال: شمر يرعش لارتعاش فيه، فقال: إن أباه إفريقس غزا نحو المغرب فى أرض البربر، حتى أتى طنجة، ونقل البربر من فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم فى المغرب، وبنى أفريقية، وعمره مائة وأربع وستون سنة، ودخل العراق والصين، وقلع سمرقند، وهو مغرب شموكند. وقال ابن قتيبة: عمره مائة وسبع وثلاثون. وقال المسعودى: ثلاث وخمسون، وقيل: سبع وثمانون، وقيل: هذا المكنى أبا كرب تُبَّع الأوسط الذى قال: شعر : شهدت على أحمد أنه نبىّ من الله بارئ النَّسَم فلو مد عمرى إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم تفسير : وكان كثير الغزو فأغروا ابنه حسانًا فقتله، واختار بعض المتأخرين أن ذا القرنين الإسكندر ابن فيلسوف غالب دارا، ويقال له: اليونانى والرومى، وشهر بالحكمة دون النبوة، وفى بعض الأعصار السابقة يسمى النبى حكيمًا. وقد قيل: إن الخضر نبى، وأنه وزير ذى القرنين، ومعنى كونه وزيراً له أنه مدبر أمره وأخرج ابن أبى حاتم عن السدى أن اليهود قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: إِنما تذكر إبراهيم وإسماعيل، وعيسى والنبيين لأنك سمعتهم منا فأخبرنا عن نبى لم يذكره الله فى التوراة إلا فى مكان واحد، قال: ومَن هو؟ قالوا: ذو القرنين فنزل قوله تعالى: {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا} ومن للابتداء أو للتبعيض، والمراد من أخباره، والتبعيض أولى وإن رجعنا الضمير إلى الله تعين الابتداء أو تعلقت بأتلو، ويجوز تعليقها بمحذوف حال من ذكراً كما إذا جعلت للتبعيض، وردت الهاء لذى القرنين، والسين للتأكد، والتحتم كأنه قال: لا أترك التلاوة كقوله: شعر : سأشكر عمراً إن تراخت منيتى أيادى لم تمنن وإِن هى جلت تفسير : لا للاستقبال، لأنه ذكر عقب ذلك بقوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأَرْضِ} جعلنا له قدرة وقوة على التصرف فى الأرض من حيث التدبير، والجنود، والهيبة، والوقار، وتسخير السحاب، والظلمة والنور، كما مرّ، حتى قيل: الليل والنهار عنده سواء، ومكنه بلا لام جعله قادراً، وقيل: مكنَّا له النبوة. وقد روى أبو الورقاء، عن علىّ أنه نبى، وعليه مقاتل والضحاك. وسأل ابن الكواء عليًّا فقال: ليس نبيًّا بل عبد صالح، أحب الله فأحبه، ونصح له فنصحه، وهو مذهب الجمهور، وتوقف بعضهم. روى عبد الرازق، وابن المنذر، وابن حاتم، وابن مردويه، والحاكم، وصححه عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أدرى أَتُبَّع كان لعينًا أم لا، وما أدرى أذو القرنين كان نبيًّا أم لا، وما أدرى الحدود كفارة لأهلها أم لا" تفسير : فلعله صلى الله عليه وسلم علم بعد ذلك أنه نبى أو غير نبى كما فى رواية، وأما تُبَّع فعلم بعد ذلك أنه مؤمن، ونهى عن سبّه، وأن الحدود كفارة لمن تاب. {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ} يحتاج إليه فى سلطنته وغيرها {سَبَبًا} طريقا يوصله إليه من علم وقدرة وآلة، ومن للبيان، والمبين سبباً ويقدر مضاف أى من أسباب كل شئ، أو للابتداء، أو للتعليل فلا يقدر مضاف {فَأَتْبَعَ} فأراد بلوغ المغرب فأتبع {سَبَبًا} يصله به.
الالوسي
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ} كان السؤال على وجه الامتحان والسائلون في المشهور قريش بتلقين اليهود، وقيل: اليهود أنفسهم وروي ذلك عن السدي، وأكثر الآثار تدل على أن الآية نزلت بعد سؤالهم فالتعبير بصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لما أن في سؤالهم على ذلك الوجه مع مشاهدتهم من أمره صلى الله عليه وسلم ما شاهدوا نوع غرابة، وقيل: للدلالة على استمرارهم على السؤال إلى ورود الجواب، وبعض الآثار يدل على أن الآية نزلت قبل، فعن عقبة بن عامر قال: إن نفراً من أهل الكتاب جاؤوا بالصحف أو الكتب فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لندخل عليه فانصرفت إليه عليه الصلاة والسلام فاخبرته بمكانهم فقال صلى الله عليه وسلم: ما لي ولهم يسألونني عما لا أعلم إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربـي ثم قال: ائتني بوضوء أتوضأ به فأتيته فتوضأ ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين فانصرف حتى بدا السرور في وجهه ثم قال: اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابـي فأدخلتهم فلما رآهم النبـي صلى الله عليه وسلم قال: إن شئتم أخبرتكم بما سألتموني عنه وإن شئتم غير ذلك فافعلوا، والجمهور على الأول ولم تثبت صحة هذا الخبر. واختلف في ذي القرنين فقيل: هو ملك أهبطه الله تعالى إلى الأرض وآتاه من كل شيء سبباً وروي ذلك عن جبير بن نفير، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن عبد الحكم وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن الأنباري في كتاب «الأضداد» وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً ينادي بمنى ياذا القرنين فقال له عمر: ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء فما لكم وأسماء الملائكة، وهذا قول غريب بل لا يكاد يصح، والخبر على فرض صحته ليس نصاً في ذلك إذ يحتمل ولو على بعد أن يكون المراد أن هذا الاسم من أسماء الملائكة عليهم السلام فلا تسموا به أنتم وان تسمى به بعض من قبلكم من الناس. وقيل: هو عبد صالح ملكه الله تعالى الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة ولا نعرف من هو وذكر في تسميته بذي القرنين وجوه، الأول أنه دعا إلى طاعة الله تعالى فضرب على قرنه الأيمن فمات ثم بعثه الله تعالى فدعا فضرب على قرنه الأيسر فمات ثم بعثه الله تعالى فسمي ذا القرنين وملك ما ملك وروي هذا عن علي كرم الله تعالى وجهه، والثاني أنه انقرض في وقته قرنان من الناس، الثالث أنه كانت صفحتا رأسه من نحاس وروي ذلك عن وهب بن منبه، الرابع أنه كان في رأسه قرنان كالظلفين وهو أول من لبس العمامة ليسترهما وروي ذلك عن عبيد بن يعلى، الخامس أنه كان لتاجه قرنان، السادس أنه طاف قرني الدنيا أي شرقها وغربها وروي ذلك مرفوعاً، السابع أنه كان له غديرتان وروي ذلك عن قتادة ويونس بن عبيد، الثامن أنه سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمتد الظلمة من ورائه، التاسع أنه دخل النور والظلمة، العاشر أنه رأى في منامه كأنه صعد إلى الشمس وأخذ بقرنيها. الحادي عشر أنه يجوز أن يكون قد لقب بذلك لشجاعته كأنه ينطح أقرانه كما لقب أزدشيربهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد، ولا يخفى أنه يبعد عدم معرفة رجل مكن له ما مكن في الأرض وبلغ من الشهرة ما بلغ في طولها والعرض، وأما الوجوه المذكورة في وجه تسميته ففيها ما لا يكاد يصح ولعله غير خفي عليك / وقيل: هو فريدون بن اثفيان بن جمشيد خامس ملوك الفرس الفيشدادية وكان ملكاً عادلاً مطيعاً لله تعالى. وفي كتاب «صور الأقاليم» لأبـي زيد البلخي أنه كان مؤيداً بالوحي. وفي عامة التواريخ أنه ملك الأرض وقسمها بين بنيه الثلاثة ايرج وسلم وتور فأعطى ايرج العراق والهند والحجاز وجعله صاحب التاج، وأعطى سلم الروم وديار مصر والمغرب، وأعطى تور الصين والترك والمشرق، ووضع لكل قانوناً تحكم به وسميت القوانين الثلاثة سياسة فهي معربة سي ايسا أي ثلاثة قوانين، ووجه تسميته ذا القرنين أنه ملك طرفي الدنيا أو طول أيام سلطنته فإنها كانت على ما في «روضة الصفا» خمسمائة سنة أو عظم شجاعته وقهره الملوك. ورد بأنه قد أجمع أهل التاريخ على أنه لم يسافر لا شرقاً ولا غرباً وإنما دوخ له البلاد كاوه الأصفهاني الحداد الذي مزق الله تعالى على يده ملك الضحاك وبقي رئيس العساكر إلى أن مات، ويلزم على هذا القول أيضاً أن يكون الخضر عليه السلام على مقدمته بناءً على ما اشتهر أنه عليه السلام كان على مقدمة ذي القرنين ولم يذكر ذلك أحد من المؤرخين. وأجيب بأن من يقول: إنه الإسكندر يثبت جميع ما ثبت للإسكندر في الآيات والأخبار ولا يبالي بعدم ذكر المؤرخين لذلك وهو كما ترى، وقيل: هو اسكندر اليوناني ابن فيلقوس، وقيل: قلفيص، وقيل: قليص. وقال ابن كثير: هو ابن فيليس بن مصريم ابن هرمس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نونه بن شرخون بن تونط بن يوفيل بن رومي بن الأصغر بن العزير بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام وكان سرير ملكه مقدونيا وهي بلدة من بلاد الروم غربـي دار السلطنة السنية قسطنطينية المحمية بينهما من المسافة قدر خمسة عشر يوماً أو نحو ذلك عند مدينة شيروز، وقول ابن زيدون: إنها مصروهم، وهو الذي غلب دارا الأصغر واستولى على ملك الفرس وكان مولده في السنة الثالثة عشر من ملك دارا الأكبر. وزعم بعضهم أنه أبوه وذلك أنه تزوج بنت فيلقوس فلما قربها وجد منها رائحة منكرة فأرسلها إلى أبيها وقد حملت بالإسكندر فلما وضعته بقي في كفالة أبيها فنسب إليه، وقيل: إن دارا الأكبر تزوج بنت ملك الزنج هلابـي فاستخبث ريحها فأمر أن يحتال لذلك فكانت تغتسل بماء السندروس فأذهب كثيراً من ذفرها ثم عافها وردها إلى أهلها فولدت الإسكندر وكان يسمى الإسكندروس. ويدل على أنه ولده أنه لما أدرك دارا الأصغر بن دارا الأكبر وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال له: يا أخي أخبرني عمن فعل هذا بك لأنتقم منه وهو زعم باطل. وقوله: يا أخي من باب الإكرام ومخاطبة الأمثال. وإنما سمي ذا القرنين لملكه طرفي الأرض أو لشجاعته. واستدل لهذا القول بأن القرآن دل على أن الرجل بلغ ملكه إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق وجهة الشمال وذلك تمام المعمول من الأرض ومثل هذا الملك يجب أن يبقى ذكره مخلداً. والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا هذا الإسكندر، وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم والمغرب وقهرهم وانتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر وبنى الإسكندرية ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر واستولى على دارا وقصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها، وقيل: مات برومية المدائن ووضعوه في تابوت من ذهب وحملوه إلى الإسكندرية وعاش اثنين وثلاثين سنة ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة. وقيل: / عاش ستاً وثلاثين ومدة ملكه ست عشرة سنة، وقيل: غير ذلك، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين ملك أكثر المعمورة وثبت بالتواريخ أن الذي هذا شأنه هو الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر كذا ذكره الإمام ثم قال: وهذا القول هو الأظهر للدليل المذكور إلا أن فيه إشكالاً قوياً وهو أنه كان تلميذ أرسطو الحكيم المقيم بمدينة أنينة أسلمه إليه أبوه فأقام عنده خمس سنين وتعلم منه الفلسفة وبرع فيها وكان على مذهبه فتعظيم الله تعالى إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وذلك مما لا سبيل إليه. وأجيب بأنا لا نسلم أنه كان على مذهبه في جميع ما ذهب إليه والتلمذة على شخص لا توجب الموافقة في جميع مقالات ذلك الشخص ألا ترى كثرة مخالفة الإمامين لشيخهما الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه فيحتمل أن يكون مخالفاً له فيما يوجب الكفر، وفي ذبحه في مذبح بيت المقدس دليل على أنه لم يكن يرى جميع ما يراه الحكماء، ولا يخفى أنه احتمال بعيد، والمشهور أنه كان قائلاً بما يقوله الحكماء والذبح المذكور غير متحقق والاستدلال به ضعيف، وقيل: إن قوله بذلك وتمذهبه بمذهب أرسطو لا يوجب كفره إذ ذاك فإنه كان مقراً بالصانع تعالى شأنه معظماً له غير عابد سواه من صنم أو غيره كما يدل عليه ما نقله الشهرستاني أن الحكماء تشاوروا في أن يسجدوا له إجلالاً وتعظيماً فقال: لا يجوز السجود لغير بادىء الكل ولم يكن مبعوثاً إليه رسول فإنه كان قبل مبعث عيسى عليه السلام بنحو ثلثمائة سنة وكان الأنبياء عليهم السلام إذ ذاك من بني إسرائيل ومبعوثين إليهم ولم يكن هو منهم فكان حكمه حكم أهل الفترة. وتعقب بأنه على تسليم ذلك لا يحسم مادة الإشكال لأن الله تعالى لا يكاد يعظم من حكمه حكم أهل الفترة مثل هذا التعظيم الذي دلت عليه الآيات والأخبار، وأيضاً الثالث في التواريخ أن الإسكندر المذكور كان أرسطو بمنزلة الوزير عنده وكان يستشيره في المهمات ويعمل برأيه ولم يذكر فيها أنه اجتمع مع الخضر عليه السلام فضلاً عن اتخاذه إياه وزيراً كما هو المشهور في ذي القرنين. واعترض أيضاً بأن اسكندر المذكور لم يتحقق له سفر نحو المغرب في كتب التواريخ المعتبرة وقد نبه على ذلك كاتب جلبـي عليه الرحمة، وقيل: هو الإسكندر الرومي وهو متقدم على اليوناني بكثير ويقال له: ذو القرنين الأكبر، واسمه قيل: مرزبان بن مردبة من ولد يافث بن نوح عليه السلام وكان أسود، وقيل: اسمه عبد الله بن الضحاك، وقيل: مصعب بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون بن زيد بن كهلان بن سبا بن يعرب بن قحطان، وجعل بعضهم هذا الخلاف في اسم ذي القرنين اليوناني بعد أن نقل القول بأن اسمه الإسكندر بن فيلقوس، وذكر في اسم الرومي ونسبه ما نقل سابقاً عن ابن كثير. وذهب بعض المحققين إلى أن الإسكندر اليوناني والإسكندر الرومي كلاهما يطلقان على غالب دارا الأصغر والتاريخ المشهور بالتاريخ الرومي ويسمى أيضاً السرياني والعجمي ينسب إليه في المشهور وأوله شروق يوم الاثنين من أول سنة من سني ولايته عند ابن البناء ومن أول السنة السابعة وهي سنة خروجه لتملك البلاد كما في «زيج الصوفي» أو من أول السنة التي مات فيها كما في «المبادىء والغايات»، وبعض المحققين ينسبه إلى سولونس بن الطبوخوس الذي أمر ببناء انطاكية وهو الذي صححه ابن أبـي الشكر، وتوقف بعضهم كالغ بك عن نسبته إلى أحدهما لتعارض الأدلة، ونفى بعضهم أن يكون في الزمن المتقدم بين الملوك اسكندران. / وزعم أنه ليس هناك إلا الإسكندر الذي غلب دارا واستولى على ملك فارس وقال: إن ذا القرنين المذكور في القرآن العظيم يحتمل أن يكون هو ويحتمل أن يكون غيره، والذي عليه الكثير أن المسمى بالإسكندر بين الملوك السالفة اثنان بينهما نحو ألفي سنة وأن أولهما هو المراد بذي القرنين ويسميه بعضهم الرومي وبعضهم اليوناني وهو الذي عمر دهراً طويلاً فقيل: عمر ألفاً وستمائة سنة، وقيل: ألفي سنة، وقيل: ثلاثة آلاف سنة ولا يصح في ذلك شيء، وذكر أبو الريحان البيروني المنجم في كتابه المسمى «بالآثار الباقية عن القرون الخالية» أن ذا القرنين هو أبو كرب سمي بن عمير بن أفريقيس الحميري وهو الذي افتخر به تبع اليماني حيث قال:شعر : قد كان ذو القرنين جدي مسلماً ملكاً علا في الأرض غير مفند بلغ المغارب والمشارق يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد تفسير : ثم قال: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي رعين وذي يزن وذي جدن، واختار هذا القول كاتب جلبـي وذكر أنه كان في عصر إبراهيم عليه السلام وأنه اجتمع معه في مكة المكرمة وتعانقا وأن شهرة بلوغ ملك الإسكندر اليوناني تلميذ أرسطو الغاية القصوى في كتب التواريخ كما ذكر الإمام دون هذا إنما هي لقرب زمان اليوناني بالنسبة إليه فإن بينهما نحو ألفي سنة وتواريخ هاتيك الأعصار قد أصابها إعصار ولم يبق ما يعول عليه ويرجع في حل المشكلات إليه، وربما يقال: إن عدم شهرة من ذكر تقوي كونه المسؤول عنه إذ غرض اليهود من السؤال الامتحان وذلك إنما يحسن فيما خفي أمره ولم يشهر إذ الشهرة لا سيما إذا كانت تامة مظنة العلم وإلى كون ذي القرنين في زمان إبراهيم عليه السلام ذهب غير واحد، وقد ذكر الأزرقي أنه أسلم على يده عليه السلام وطاف معه بالكعبة وكان ثالثهما إسماعيل عليه السلام، وروي أنه حج ماشياً فلما سمع إبراهيم عليه السلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا، وقيل: أتى بفرس ليركب فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل فعند ذلك سخر له السحاب ومد له في الأسباب وبشره إبراهيم عليه السلام بذلك فكانت السحابة تحمله وعساكره وجميع آلتهم إذا أرادوا غزو قوم وهؤلاء لم يصرحوا بأن ذا القرنين هذا هو الحميري الذي ذكر لكن مقتضى كلام كاتب جلبـي أنه هو. وذكر أنه يمكن أن يكون إسكندر لقباً لمن ذكر معرباً عن الكسندر ومعناه في اللغة اليونانية آدمي جيد، وربما يقال: إن من قال: اسم الإسكندر مصعب بن عبد الله بن قينان بن منصور إلى آخر النسب السابق المنتهي إلى قحطان عنى هذا الرجل الحميري لا الرومي ولا اليوناني لكن وهم الناقل لأنه لم يقل أحد بأن الروم من أبناء قحطان وكذا اليونان، نعم ذكر يعقوب بن إسحاق الكندي أن يونان أخو قحطان. ورد عليه أبو العباس الناشي في قصيدته حيث قال:شعر : أبا يوسف إني نظرت فلم أجد على الفحص رأياً صح منك ولا عقدا وصرت حكيماً عند قوم إذا امرؤ بلاهم جميعاً لم يجد عندهم عهدا أتقرن الحادا بدين محمد لقد جئت شيئاً يا أخا كندة إدا وتخلط يونانا بقحطان ضلة لعمري لقد باعدت بينهما جدا تفسير : / والمذكور في كتب التواريخ أن ملوك اليمن إلى أن غلبت الحبشة عليها من أبناء قحطان. وأورد على هذا القول في ذي القرنين أنه لم يوجد في كتب التواريخ المعتبرة سمي ابن عمير بن افريقيس في عداد ملوك اليمن والمذكور إنما هو شمر بصيغة فعل الماضي من التشمير بن افريقيس ولم يذكروا بينه وبين افريقيس عميرا وقد ذكر بعضهم فيه أنه ذو القرنين وقالوا: إنه يقال له شمرير عش لارتعاش كان فيه فلعل سمي محرف عن شمر وابن عمير محرف من يرعش، وقد ذكروا في أبيه افريقيس أنه غزا نحو المغرب في أرض البربر حتى أتى طنجة ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم وأنه هو الذي بنى أفريقية وبه سميت وكان ملكه مائة وأربعاً وستين سنة، وفيه أنه خرج نحو العراق وتوجه نحو الصين وأنه قلع المدينة التي تسمى اليوم سمرقند وقالوا: إنها معرب شمركند وإلى ذلك يشير دعبل الخزاعي بقوله يفتخر بملوك اليمن: شعر : هموا كتبوا الكتاب بباب مرو وباب الشاش كانوا الكاتبينا وهم سموا بشمر سمرقندا وهم غرسوا هناك النابتينا تفسير : وأنه إنما لقب بذي القرنين لذؤابتين كانتا له وكان ملكه على ما قال ابن قتيبة مائة وسبعاً وثلاثين سنة وعلى ما قال المسعودي ثلاثاً وخمسين سنة وعلى ما قال غيرهما سبعاً وثمانين سنة، ثم إن هذا لم يكن بأبـي كرب وإنما المكنى به على ما رأيناه في بعض التواريخ أسعد بن كليكرب ويقال له تبع الأوسط ويذكر أنه آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وفي ذلك يقول:شعر : شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيراً له وابن عم تفسير : وذكروا أنه كان شديد الوطأة كثير الغزو فمله قومه فأغروا ابنه حسان على قتله فقتله، ولا يخفى أن كلا هذين الشخصين لا يصح أن يكون المراد بذي القرنين الذي ذكر أنه لقي إبراهيم عليه السلام أما الأول فلأنهم ذكروا أنه ملك بعد ياسر ينعم ابن عمرو وملك ياسر بعد بلقيس زوجة سليمان عليه السلام وكان عمها فكيف يتصور أن يكون هذا ذاك مع بعد زمان ما بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام. وأما الثاني فلأنه بعد هذا بكثير مع أنه لم يطلق عليه أحد ذا القرنين ولا نسب إليه غزواً في مشارق الأرض ومغاربها ورأيت في بعض الكتب أن في زمن منو جهر بن ايرج بن افريدون بعث موسى عليه السلام وكان ملك اليمن في زمانه شمر أبا الملوك وكان في طاعته انتهى، وعليه أيضاً لا يمكن أن يكون شمر هذا هو ذا القرنين السابق وهو ظاهر وإذا أسقطت جميع هذه الأقوال عن الاعتبار بناءً على ما قيل إن أخبار ملوك اليمن مضطربة لا يكاد يوقف على روايتين متفقتين فيها واعتبرت القول بأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام ملك منهم هو ذو القرنين بناءً على حسن الظن بقائل ذلك أشكل الأمر من وجه آخر وهو أن كتب التواريخ قاطبة ناطقة بأن فريدون كان في زمان إبراهيم عليه السلام وأنه قسم المعمورة بين بنيه الثلاثة حسبما تقدم فكيف يتسنى مع هذا القول بأن ذا القرنين رجل من ملوك اليمن كان في ذلك الزمان أيضاً، ويجىء نحو هذا الإشكال إذا قلنا إن ذا القرنين هو أحد الإسكندرين اليوناني والرومي وقلنا بأنه كان في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً، والحاصل أن القول بأن فريدون كان في ذلك الزمان وكان مالكاً المعمورة كما في عامة تواريخ الفرس يمنع القول بأن ذا القرنين في ذلك الزمان غيره بل القول بوجود أحد الثلاثة من فريدون وذي القرنين التبعي وأحد الإسكندرين / في ذلك الزمان وملكه المعمورة يمنع من القول بوجود غيره منهم في ذلك الزمان وملكه المعمورة أيضاً، واستشكل كون ذي القرنين أياً كان من هؤلاء الثلاثة في زمان إبراهيم عليه السلام بأن نمرود كان في زمانه أيضاً، وقد جاء ملك الدنيا مؤمنان وكافران أما المؤمنان فسليمان عليه السلام وذو القرنين وأما الكافران فنمرود وبختنصر ولا مخلص من ذلك على تقدير صحة الخبر إلا بأن يقال كان زمان إبراهيم عليه السلام ممتداً ووقع ملكهما الدنيا متعاقباً وهو كما ترى. ورأيت في بعض الكتب القول بأن ذا القرنين ملك بعد نمرود وينحل به الإشكال. وقال بعضهم: الذي تقتضيه كتب التواريخ عدم صحة الخبر أو تأويله إذ ليس في شيء منها عموم ملك سليمان عليه السلام أو ملك نمرود أو بختنصر والظاهر عدم الصحة. واستشكل أيضاً كونه في ذلك الزمان بأنه لم يذكر في التوراة كما يدعيه اليهود اليوم كافة ويبعد ذلك غاية البعد على تقدير وجوده فالظاهر من عدم ذكره عدم كونه موجوداً. وأجيب بأنا لا نسلم عدم ذكره، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أن اليهود قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنك إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين لأنك سمعت ذكرهم منا فأخبرنا عن نبـي لم يذكره الله تعالى في التوراة إلا في مكان واحد قال: ومن هو؟ قالوا: ذو القرنين الخبر بل الظاهر من سؤالهم أن له ذكراً في كتابهم وإنكارهم اليوم ذلك لا يلتفت إليه على أن ما ذكر في الاستشكال مجرد استبعاد ولا يخفى أنه ليس مانعاً قوياً، هذا وبالجملة لا يكاد يسلم في أمر ذي القرنين شيء من الأقوال عن قيل وقال، وكأني بك بعد الاطلاع على الأقوال وما لها وما عليها تختار أنه الإسكندر بن فليقوس غالب دارا وتدعى أنه يقال له اليوناني كما يقال له الرومي وأنه كان مؤمناً بالله تعالى لم يرتكب مكفراً من عقد أو قول أو فعل وتقول إن تلمذته على أرسطو لا تمنع من ذلك: شعر : فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل تفسير : وقد تتلمذ الأشعري على المعتزلة ورئيس المعتزلة على الحسن، وقد خالف أرسطو أفلاطون في أكثر المسائل وكان تلميذه، والقول بأن أرسطو كان بمنزلة الوزير عنده وكان يستشيره في المهمات ويعمل برأيه لا يدل على اتباعه له في سائر اعتقاداته فإن ذلك على تقدير ثبوته إنما هو في الأمور الملكية لا المسائل الاعتقادية على أن الملا صدر الدين الشيرازي ذكر أن أرسطو كان حكيماً عابداً موحداً قائلاً بحدوث العالم ودثوره المشار إليه بقوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء كَطَىّ ٱلسّجِلّ لِلْكُتُبِ } تفسير : [الأنبياء: 104] وما شاع عنه في أمر العالم توهم ناشىء من عدم فهم كلامه ومثله في ذلك سائر أساطين الحكماء ولا نسلم عدم سفره نحو المغرب ولا ثبوت أن الخضر كان وزير ذي القرنين، وإن اشتهر ليقدح عدم كونه وزيراً عنده في كونه ذا القرنين وقيل: إنه كان وزيراً عند ملك يقال له ذو القرنين أيضاً لكنه غير هذا ووقع الاشتباه في ذلك، وقيل: يمكن أن يكون عليه السلام في جملة الحكماء الذين معه وكان كالوزير عنده لا يقدح في ذلك استشارة غيره في بعض الأمور وكان مشتهراً إذ ذاك بالحكمة دون النبوة. وفي الأعصار القديمة كانوا يسمون النبـي حكيماً ولعله كان مشتهراً أيضاً باسم آخر وعدم تعرض المؤرخين لشيء من ذلك لا يدل على العدم، وقيل لا نسلم عدم التعرض بل قولهم إن الخضر كان وزير ذي القرنين قول بأنه كان وزير الإسكندر المذكور عند القائل بأنه ذو القرنين ولا يمنع من ذلك كون الخضر على الأصح نبياً والإسكندر ليس كذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً عن الجمهور لأن المراد من وزارته له تدبير أموره ونصرته ولا ضرر في نصرة نبـي وتدبيره أمور ملك صالح غير نبـي وهو واقع في بني إسرائيل؛ وإن لم تختر ما ذكر فإن اخترت أنه من ملوك اليمن أو اسكندر / آخر يلزمك إما القول بأنه لم يكن في زمن إبراهيم عليه السلام وإما القول بأنه كان في زمنه بعد نمرود أو معه إلا أنه تحت إمرته ولم يكن فريدون إذ ذاك ويلزمك طي الكشح عن كتب التواريخ كما يلزمك على أتم وجه لو اخترت أنه فريدون. والأقرب عندي لإلزام أهل الملل والنحل الضالين الذين يشق عليهم نبذ كتب التواريخ وعدم الالتفات إلى ما فيها بالكلية مع كثرتها وانتشارها في مشارق الأرض ومغاربها وتباين أديان مؤلفيها واختلاف أعصارهم اختيار أنه الاسكندر بن فيلقوس غالب دارا:شعر : وما علي إذ ما قلت معتقدي دع الجهول يظن الجهل عدواناً تفسير : واليهود قاطبة على هذا لكنهم لعنهم الله تعالى وقعوا في الإسكندر ونسبوه أقبح نسبة مع أنهم يذكرون أنه أكرمهم حين جاء إلى بيت المقدس وعظم أحبارهم والله تعالى أعلم. ثم إن السؤال ليس عن ذات ذي القرنين بل عن شأنه فكأنه قيل ويسألونك عن شأن ذي القرنين {قُلْ} لهم في الجواب {سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً} الخطاب للسائلين والهاء لذي القرنين ومن تبعيضية، والمراد من أنبائه وقصصه، والجار والمجرور صفة {ذِكْراً} قدم عليه فصار حالاً، والمراد بالتلاوة الذكر وعبر عنه بذلك لكونه حكاية عن جهة الله عز وجل أي سأذكر لكم نبأ مذكوراً من أنبائه، ويجوز أن يكون الضمير له تعالى ومن ابتدائية ولا حذف والتلاوة على ظاهرها أي سأتلو عليكم من جهته سبحانه وتعالى في شأنه ذكراً أي قرآناً، والسين للتأكيد والدلالة على التحقق المناسب لتقدم تأييده صلى الله عليه وسلم وتصديقه بإنجاز وعده أي لا أترك التلاوة البتة كما في قوله:شعر : سأشكر عمراً إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت تفسير : لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل لأن هذه الآية ما نزلت بانفرادها قبل الوحي بتمام القصة بل موصولة بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة والسلام.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس الأخير في سورة الكهف قوامه قصة ذي القرنين، ورحلاته الثلاث إلى الشرق وإلى الغرب وإلى الوسط، وبناؤه للسد في وجه يأجوج ومأجوج. والسياق يحكي عن ذي القرنين قوله بعد بناء السد: {قال هـذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً}.. ثم يعقب الوعد الحق، بالنفخ في الصور ومشهد من مشاهد القيامة.. ثم تختم السورة بثلاثة مقاطع، يبدأ كل مقطع منها: بقوله: {قل}. وهذه المقاطع، تلخص موضوعات السورة الرئيسية واتجاهاتها العامة. وكأنما هي الإيقاعات الأخيرة القوية في اللحن المتناسق.. وتبدأ قصة ذي القرنين على النحو التالي: {ويسألونك عن ذي القرنين. قل: سأتلوا عليكم منه ذكراً}.. وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة فقال: "حديث : حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.. فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالوا لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول تروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول. ما كان من أمرهم؟ فإنهم كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها. ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.. فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد. قد أمرنا أحبار يهود ان نسأله عن أمور.. فأخبرهم بها. فجاءوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: يا محمد أخبرنا.. فسألوه عما أمرهم به. فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - "أخبركم غداً عما سألتم عنه" - ولم يستثن ـ فانصرفوا عنه. ومكث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبريل عليه السلام، حتى أرجف أهل مكة؛ وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكث الوحي عنه؛ وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبرائيل ـ عليه السلام ـ من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، وقول الله عز وجل: {ويسألونك عن الروح..} الآية ". تفسير : هذه رواية. وقد وردت عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ رواية أخرى في سبب نزول آية الروح خاصة، ذكرها العوفي. وذلك أن اليهود قالوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أخبرنا عن الروح. وكيف تعذب الروح التي في الجسد وإنما الروح من الله؟ ولم يكن نزل عليه شيء. فلم يحر إليهم شيئاً. فأتاه جبريل فقال له:{قل: الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}.. إلى آخر الرواية. ولتعدد الروايات في أسباب النزول، نؤثر أن نقف في ظل النص القرآني المستيقن. ومن هذا النص نعلم أنه كان هناك سؤال عن ذي القرنين. لا ندري ـ على وجه التحقيق ـ من الذي سأله. والمعرفة به لا تزيد شيئاً في دلالة القصة. فلنواجه النص بلا زيادة. إن النص لا يذكر شيئاً عن شخصية ذي القرنين ولا عن زمانه أو مكانه. وهذه هي السمة المطردة في قصص القرآن. فالتسجيل التاريخي ليس هو المقصود. إنما المقصود هو العبرة المستفادة من القصة. والعبرة تتحقق بدون حاجة إلى تحديد الزمان والمكان في أغلب الأحيان. والتاريخ المدون يعرف ملكاً اسمه الاسكندر ذو القرنين. ومن المقطوع به أنه ليس ذا القرنين المذكور في القرآن. فالإسكندر الإغريقي كان وثنياً. وهذا الذي يتحدث عنه القرآن مؤمن بالله وحده معتقد بالبعث والآخرة. ويقول أبو الريحان البيروني المنجم في كتاب: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" إن ذا القرنين المذكور في القرآن كان من حمير مستدلاً باسمه. فملوك حمير كانوا يلقبون بذي. كذي نواس وذي يزن. وكان اسمه أبو بكر بن افريقش. وأنه رحل بجيوشه إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، فمر بتونس ومراكش وغيرهما؛ وبنى مدينة إفريقية فسميت القارة كلها باسمه. وسمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس. وقد يكون هذا القول صحيحاً. ولكننا لا نملك وسائل تمحيصه. ذلك انه لا يمكن البحث في التاريخ المدون عن ذي القرنين الذي يقص القرآن طرفاً من سيرته، شأنه شأن كثير من القصص الوارد في القرآن كقصص قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم. فالتاريخ مولود حديث العهد جداً بالقياس إلى عمر البشرية. وقد جرت قبل هذا التاريخ المدون أحداث كثيرة لا يعرف عنها شيئاً. فليس هو الذي يستفتى فيها! ولو قد سلمت التوراة من التحريف والزيادات لكانت مرجعاً يعتمد عليه في شيء من تلك الأحداث. ولكن التوراة أحيطت بالأساطير التي لا شك في كونها أساطير. وشحنت كذلك بالروايات التي لا شك في أنها مزيدة على الأصل الموحي به من الله. فلم تعد التوارة مصدراً مستيقناً لما ورد فيها من القصص التاريخي. وإذن فلم يبق إلا القرآن. الذي حفظ من التحريف والتبديل. هو المصدر الوحيد لما ورد فيه من القصص التاريخي. ومن البديهي أنه لا تجوز محاكمة القرآن الكريم إلى التاريخ لسببين واضحين: أولهما: أن التاريخ مولود حديث العهد، فاتته أحداث لا تحصى في تاريخ البشرية، لم يعلم عنها شيئاً. والقرآن يروي بعض هذه الأحداث التي ليس لها لدى التاريخ علم عنها! وثانيهما: أن التاريخ ـ وإن وعى بعض هذه الأحداث ـ هو عمل من أعمال البشر القاصرة يصيبه ما يصيب جميع أعمال البشر من القصور والخطأ والتحريف. ونحن نشهد في زماننا هذا ـ الذي تيسرت فيه أسباب الاتصال ووسائل الفحص ـ أن الخبر الواحد أو الحادث الواحد يروى على أوجه شتى، وينظر إليه من زوايا مختلفة، ويفسر تفسيرات متناقضة. ومن مثل هذا الركام يصنع التاريخ، مهما قيل بعد ذلك في التمحيص والتدقيق! فمجرد الكلام عن استفتاء التاريخ فيما جاء به القرآن الكريم من القصص، كلام تنكره القواعد العلمية المقررة التي ارتضاها البشر، قبل أن تنكره العقيدة التي تقرر أن القرآن هو القول الفصل. وهو كلام لا يقول به مؤمن بالقرآن، ولا مؤمن بوسائل البحث العلمي على السواء. إنما هو مراء!!! لقد سأل سائلون عن ذي القرنين. سألوا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأوحى إليه الله بما هو وارد هنا من سيرته. وليس أمامنا مصدر آخر غير القرآن في هذه السيرة. فنحن لا نملك التوسع فيها بغير علم. وقد وردت في التفاسير أقوال كثيرة، ولكنها لا تعتمد على يقين. وينبغي أن تؤخذ بحذر، لما فيها من إسرائيليات وأساطير. وقد سجل السياق القرآني لذي القرنين ثلاث رحلات: واحدة إلى المغرب، وواحدة إلى المشرق، وواحدة إلى مكان بين السدين.. فلنتابع السياق في هذه الرحلات الثلاث. يبدأ الحديث عن ذي القرنين بشيء عنه: {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً}.. لقد مكن الله له في الأرض، فأعطاه سلطاناً وطيد الدعائم؛ ويسر له أسباب الحكم والفتح، وأسباب البناء والعمران، وأسباب السلطان والمتاع.. وسائر ما هو من شأن البشر أن يمكنوا فيه في هذه الحياة. {فأتبع سببا}. ومضى في وجه مما هو ميسر له، وسلك طريقه إلى الغرب. {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة، ووجد عندها قوماً. قلنا: يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً. قال: أما من ظلم فسوف نعذبه، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى، وسنقول له من أمرنا يسرا}. ومغرب الشمس هو المكان الذي يرى الرائي أن الشمس تغرب عنده وراء الأفق. وهو يختلف بالنسبة للمواضع. فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف جبل. وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الماء كما في المحيطات الواسعة والبحار. وفي بعض المواضع يرى أنها تغرب في الرمال إذا كان في صحراء مكشوفة على مد البصر.. والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي ـ وكان يسمى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده ـ فرأى الشمس تغرب فيه. والأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار. حيث تكثر الأعشاب ويتجمع حولها طين لزج هو الحمأ. وتوجد البرك وكأنها عيون الماء.. فرأى الشمس تغرب هناك و {وجدها تغرب في عين حمئة}.. ولكن يتعذر علينا تحديد المكان، لأن النص لا يحدده. وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده. وكل قول غير هذا ليس مأموناً لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح. عند هذه الحمئة وجد ذو القرنين قوماً: {قلنا: يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً}. كيف قال الله هذا القول لذي القرنين؟ أكان ذلك وحياً إليه أم إنه حكاية حال. إذ سلطه الله على القوم، وترك له التصرف في أمرهم فكأنما قيل له: دونك وإياهم. فإما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً؟ كلا القولين ممكن، ولا مانع من فهم النص على هذا الوجه أو ذاك. والمهم أن ذا القرنين أعلن دستوره في معاملة البلاد المفتوحة، التي دان له أهلها وسلطه الله عليها. {قال: أما من ظلم فسوف نعذبه، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكرا. وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى، وسنقول له من أمرنا يسرا}. أعلن أن للمعتدين الظالمين عذابه الدنيوي وعقابه، وأنهم بعد ذلك يردون إلى ربهم فيعذبهم عذاباً فظيعاً {نكرا} لا نظير له فيما يعرفه البشر. أما المؤمنون الصالحون فلهم الجزاء الحسن، والمعاملة الطيبة، والتكريم والمعونة والتيسير. وهذا هو دستور الحكم الصالح. فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير والجزاء الحسن عند الحاكم. والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء.. وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاء حسناً، ومكاناً كريماً وعوناً وتيسيراً؛ ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإهانة وجفوة.. عندئذ يجد الناس ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج. أما حين يضطرب ميزان الحكم فإذا المعتدون المفسدون مقربون إلى الحاكم مقدمون في الدولة؛ وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون. فعندئذ تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة إفساد. ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد. ثم عاد ذو القرنين من رحلة المغرب إلى رحلة المشرق، ممكناً له في الأرض، ميسرة له الأسباب: {ثم أتبع سبباً. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا. كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا}. وما قيل عن مغرب الشمس يقال عن مطلعها. فالمقصود هو مطلعها من الأفق الشرقي في عين الرائي. والقرآن لم يحدد المكان. ولكنه وصف طبيعته وحال القوم الذي وجدهم ذو القرنين هناك: {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً}.. أي إنها أرض مكشوفة، لا تحجبها عن الشمس مرتفعات ولا أشجار. فالشمس تطلع على القوم فيها حين تطلع بلا ساتر.. وهذا الوصف ينطبق على الصحارى والسهوب الواسعة. فهو لا يحدد مكاناً بعينه. وكل ما نرجحه أن هذا المكان كان في أقصى الشرق حيث يجد الرائي أن الشمس تطلع على هذه الأرض المستوية المكشوفة، وقد يكون ذلك على شاطئ إفريقية الشرقي. وهناك احتمال لأن يكون المقصود بقوله: {لم نجعل لهم من دونها سترا} إنهم قوم عراة الأجسام لم يجعل لهم ستراً من الشمس.. ولقد أعلن ذو القرنين من قبل دستوره في الحكم، فلم يتكرر بيانه هنا، ولا تصرفه في رحلة المشرق لأنه معروف من قبل، وقد علم الله كل ما لديه من افكار واتجاهات. ونقف هنا وقفة قصيرة أمام ظاهرة التناسق الفني في العرض.. فإن المشهد الذي يعرضه السياق هو مشهد مكشوف في الطبيعة: الشمس ساطعة لا يسترها عن القوم ساتر. وكذلك ضمير ذي القرنين ونواياه كلها مكشوفة لعلم الله.. وكذلك يتناسق المشهد في الطبيعة وفي ضمير ذي القرنين على طريقة التنسيق القرآنية الدقيقة. {ثم أتبع سبباً. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولا. قالوا: يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ قال: ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً. آتوني زبر الحديد. حتى إذا ساوى بين الصدفين قال: انفخوا. حتى إذا جعله ناراً قال: آتوني أفرغ عليه قطراً. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً. قال: هـذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقاً}. ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين {بين السدين} ولا ما هما هذان السدان. كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدين صناعيين. تفصلهما فجوة أو ممر. فوجد هنالك قوماً متخلفين: {لا يكاد يفقهون قولاً}. وعندما وجدوا فاتحاً قوياً، وتوسموا فيه القدرة والصلاح.. عرضوا عليه أن يقيم لهم سداً في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فساداً؛ ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم.. وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم. وتبعاً للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض فقد رد عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال؛ وتطوع بإقامة السد؛ ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر بين الحاجزين الطبيعيين؛ فطلب إلى أولئك القوم المتخلفين أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية: {فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً. آتوني زبر الحديد}.. فجمعوا له قطع الحديد، وكومها في الفتحة بين الحاحزين، فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما. {حتى إذا ساوى بين الصدفين} وأصبح الركام بمساواة القمتين {قال: انفخوا} على النار لتسخين الحديد {حتى إذا جعله ناراً} كله لشدة توهجه واحمراره {قال: آتوني أفرغ عليه قطراً} أي نحاساً مذاباً يتخلل الحديد، ويختلط به فيزيده صلابه. وقد استخدمت هذه الطريقة حديثاً في تقوية الحديد؛ فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته. وكان هذا الذي هدى الله إليه ذا القرنين، وسجله في كتابه الخالد سبقاً للعلم البشري الحديث بقرون لا يعلم عددها إلا الله. بذلك التحم الحاجزان، وأغلق الطريق على يأجوج ومأجوج {فما اسطاعوا أن يظهروه} ويتسوروه {وما استطاعوا له نقباً} فينفذوا منه. وتعذر عليهم أن يهاجموا أولئك القوم الضعاف المتخلفين. فأمنوا واطمأنوا. ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم. ولكنه ذكر الله فشكره. ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه. وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض إليه الأمر، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة، فتعود الأرض سطحاً أجرد مستوياً. {قال: هـذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء. وكان وعد ربي حقاً}.. وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين. النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب؛ فيجتاح الأرض شرقاً وغرباً؛ ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق؛ ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه.. إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل؛ ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعبير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق. ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله. وبعد فمن يأجوج ومأجوج؟ وأين هم الآن؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون! كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن، وفي بعض الأثر الصحيح. والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين: {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقاً}. وهذا النص لا يحدد زماناً. ووعد الله بمعنى وعده بدك السد ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار، وانساحوا في الأرض، ودمروا الممالك تدميراً. وفي موضع آخر في سورة الأنبياء: {أية : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق... }. تفسير : وهذا النص كذلك لا يحدد زمانا معيناً لخروج يأجوج ومأجوج فاقتراب الوعد بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاء في القرآن: {أية : اقتربت الساعة وانشق القمر}تفسير : والزمان في الحساب الإلهي غيره في حساب البشر. فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون، يراها البشر طويلة مديدة، وهي عند الله ومضة قصيرة. وإذن فمن الجائز أن يكون السد قد فتح في الفترة ما بين: {اقتربت الساعة} ويومنا هذا. وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي انسياح يأجوج ومأجوج. وهنالك حديث صحيح رواه الإمام أحمد عن سفيان الثوري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها حبيبة، عن زينب بنت جحش ـ زوج النبي صلى الله عليه وسلم ـ قالت: "حديث : استيقظ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: "ويل للعرب من شر قد اقتربت. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وحلق (بإصبعيه السبابة والإبهام). قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبيث ". تفسير : وقد كانت الرؤيا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً ونصف قرن. وقد وقعت غارات التتار بعدها، ودمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو في خلافة المستعصم آخر ملوك العباسيين. وقد يكون هذا تعبير رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلم ذلك عند الله. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين. ثم نعود إلى سياق السورة. فنجده يعقب على ذكر ذي القرنين للوعد الحق بمشهد من مشاهد القيامة. {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض، ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا؛ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً، الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري، وكانوا لا يستطيعون سمعا}. وهو مشهد يرسم حركة الجموع البشرية من كل لون وجنس وأرض. ومن كل جيل وزمان وعصر، مبعوثين منشرين. يختلطون ويضطربون في غير نظام وفي غير انتباه، تتدافع جموعهم تدافع الموج وتختلط اختلاط الموج.. ثم إذا نفخة التجمع والنظام: {ونفخ في الصُّور فجمعناهم جمعا} فإذا هم في الصف في نظام! ثم إذا الكافرون الذين أعرضوا عن ذكر الله حتى لكأن على عيونهم غطاء، ولكأن في أسماعهم صمماً.. إذا بهؤلاء تعرض عليهم جهنم فلا يعرضون عنها كما كانوا يعرضون عن ذكر الله. فما يستطيعون اليوم إعراضاً. لقد نزع الغطاء عن عيونهم نزعاً فرأوا عاقبة الإعراض والعمى جزاء وفاقاً! والتعبير ينسق بين الإعراض والعرض متقابلين في المشهد، متقابلين في الحركة على طريقة التناسق الفني في القرآن. ويعقب على هذا التقابل بالتهكم اللاذع والسخرية المريرة: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء. إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا}.. أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا مخلوقات الله المستعبدة له انصاراً لهم من دونه، ينصرونهم منه ويدفعون عنهم سلطانه؟ إذن فليلقوا عاقبة هذا الحسبان: {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا}.. ويا له من نزل مهيأ للاستقبال، لا يحتاج إلى جهد ولا انتظار. فهو حاضر ينتظر النزلاء الكفار! ثم تختم السورة بالإيقاعات الأخيرة، تلخص خطوطها الكثيرة، وتجمع إيقاعاتها المتفرقة: فأما الإيقاع الأول فهو الإيقاع حول القيم والموازين كما هي في عرف الضالين، وكما هي على وجه اليقين.. قيم الأعمال وقيم الأشخاص.. {قل: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟ أولـئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}. {قل: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً} الذين لا يوجد من هم أشد منهم خسراناً؟ {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} فلم يؤد بهم إلى الهدى، ولم ينته بهم إلى ثمرة أو غاية: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} لأنهم من الغفلة بحيث لا يشعرون بضلال سعيهم وذهابه سدى، فهم ماضون في هذا السعي الخائب الضال، ينفقون حياتهم فيه هدراً.. قل هل ننبئكم من هم هؤلاء؟ وعندما يبلغ من استتارة التطلع والانتظار إلى هذا الحد يكشف عنهم فإذا هم: {أولـئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم}.. وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تتغذى بنوع سام من الكلأ ثم تلقى حتفها.. وهو أنسب شيء لوصف الأعمال.. إنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة.. ثم تنتهي إلى البوار! {أولـئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم}.. {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}.. فهم مهملون، لا قيمة لهم ولا وزن في ميزان القيم الصحيحة {يوم القيامة}. ولهم بعد ذلك جزاؤهم: {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا}. ويتم التعاون في المشهد بعرض كفة المؤمنين في الميزان وقيمتهم: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها حولا}.. وهذا النزل في جنات الفردوس في مقابل ذلك النزل في نار جهنم. وشتان شتان! ثم هذه اللفتة الدقيقة العميقة إلى طبيعة النفس البشرية وإحساسها بالمتاع في قوله: {لا يبغون عنها حولا}.. وهي تحتاج منا إلى وقفة بإزاء ما فيها من عمق ودقة.. إنهم خالدون في جنات الفردوس.. ولكن النفس البشرية حوَّل قلب. تمل الاطراد، وتسأم البقاء على حال واحدة أو مكان واحد؛ وإذا اطمأنت على النعيم من التغير والنفاد فقدت حرصها عليه. وإذا مضى على وتيرة واحدة فقد تسأمه. بل قد تنتهي إلى الضيق به؛ والرغبة في الفرار منه! هذه هي الفطرة التي فطر عليها الأنسان لحكمة عليا تناسب خلافته للأرض، ودوره في هذه الخلافة. فهذا الدور يقتضي تحوير الحياة وتطويرها حتى تبلغ الكمال المقدر لها في علم الله. ومن ثم ركز في الفطرة البشرية حب التغيير والتبديل؛ وحب الكشف والاستطلاع، وحب الانتقال من حال إلى حال، ومن مكان إلى مكان، ومن مشهد إلى مشهد، ومن نظام إلى نظام.. وذلك كي يندفع الإنسان في طريقه، يغير في واقع الحياة، ويكشف عن مجاهل الأرض؛ ويبدع في نظم المجتمع وفي أشكال المادة.. ومن وراء التغير والكشف والإبداع ترتقي الحياة وتتطور؛ وتصل شيئاً فشيئاً إلى الكمال المقدر لها في علم الله. نعم إنه مركوز في الفطرة كذلك ألفة القديم، والتعلق بالمألوف، والمحافظة على العادة. ولكن ذلك كله بدرجة لا تشل عملية التطور والإبداع، ولا تعوق الحياة عن الرقي والارتفاع. ولا تنتهي بالأفكار والأوضاع إلى الجمود والركود. إنما هي المقاومة التي تضمن التوازن مع الاندفاع. وكلما اختل التوازن فغلب الجمود في بيئة من البيئات انبعثت الثورة التي تدفع بالعجلة دفعة قوية قد تتجاوز حدود الاعتدال. وخير الفترات هي فترات التعادل بين قوتي الدفع والجذب، والتوازن بين الدوافع والضوابط في جهاز الحياة. فأما إذا غلب الركود والجمود. فهو الإعلان بانحسار دوافع الحياة، وهو الإيذان بالموت في حياة الأفراد والجماعات سواء. هذه هي الفطرة المناسبة لخلافة الإنسان في الأرض. فأما في الجنة وهي دار الكمال المطلق.. فإن هذه الفطرة لا تقابلها وظيفة. ولو بقيت النفس بفطرة الأرض، وعاشت في هذا النعيم المقيم الذي لا تخشى عليه النفاد، ولا تتحول هي عنه، ولا يتحول هو عنها لانقلب النعيم جحيماً لهذه النفس بعد فترة من الزمان؛ ولأصبحت الجنة سجناً لنزلائها يودون لو يغادرونه فترة، ولو إلى الجحيم، ليرضوا نزعة التغير والتبديل! ولكن بارئ هذه النفس ـ وهو أعلم بها ـ يحول رغباتها، فلا تعود تبغي التحول عن الجنة، وذلك في مقابل الخلود الذي لا تحول له ولا نفاد! وأما الإيقاع الثاني فيصور العلم البشري المحدود بالقياس إلى العلم الإلهي الذي ليست له حدود؛ ويقربه إلى تصور البشر القاصر بمثال محسوس على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير. {قل: لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}.. والبحر أوسع وأغزر ما يعرفه البشر، والبشر يكتبون بالمداد كل ما يكتبون؛ وكل ما يسجلون به علمهم الذي يعتقدون أنه غزير! فالسياق يعرض لهم البحر بسعته وغزارته في صورة مداد يكتبون به كلمات الله الدالة على علمه؛ فإذا البحر ينفد وكلمات الله لا تنفد. ثم إذا هو يمدهم ببحر آخر مثله، ثم إذا البحر الآخر ينفد كذلك وكلمات الله تنتظر المداد! وبهذا التصوير المحسوس والحركة المجسمة يقرب إلى التصور البشري المحدود معنى غير المحدود، ونسبة المحدود إليه مهما عظم واتسع. والمعنى الكلي المجرد يظل حائراً في التصور البشري ومائعاً حتى يتمثل في صورة محسوسة. ومهما أوتي العقل البشري من القدرة على التجريد فإنه يظل في حاجة إلى تمثل المعنى المجرد في صور وأشكال وخصائص ونماذج.. ذلك شأنه مع المعاني المجردة التي تمثل المحدود، فكيف بغير المحدود؟ لذلك يضرب القرآن الأمثال للناس؛ ويقرب إلى حسهم معانيه الكبرى بوضعها في صور ومشاهد، ومحسوسات ذات مقومات وخصائص وأشكال على مثال هذا المثال. والبحر في هذا المثال يمثل علم الإنسان الذي يظنه واسعاً غزيراً. وهو ـ على سعته وغزارته ـ محدود. وكلمات الله تمثل العلم الإلهي الذي لا حدود له، والذي لا يدرك البشر نهايته؛ بل لا يستطيعون تلقيه وتسجيله. فضلاً على محاكاته. ولقد يدرك البشر الغرور بما يكشفونه من أسرار في أنفسهم وفي الآفاق، فتأخذهم نشوة الظفر العلمي، فيحسبون أنهم علموا كل شيء، أو أنهم في الطريق! ولكن المجهول يواجههم بآفاقه المترامية التي لا حد لها، فإذا هم ما يزالون على خطوات من الشاطئ، والخضم أمامهم أبعد من الأفق الذي تدركه أبصارهم! إن ما يطيق الإنسان تلقيه وتسجيله من علم ضئيل قليل، لأنه يمثل نسبة المحدود إلى غير المحدود. فليعلم الإنسان ما يعلم؛ وليكشف من أسرار هذا الوجود ما يكشف.. ولكن ليطامن من غروره العلمي، فسيظل أقصى ما يبلغه علمه ان يكون البحر مداداً في يده. وسينفد البحر وكلمات الله لم تنفد؛ ولو أمده الله ببحر مثله فسينتهي من بين يديه وكلمات الله ليست إلى نفاد.. وفي ظل هذا المشهد الذي يتضاءل فيه علم الإنسان ينطلق الإيقاع الثالث والأخير في السورة، فيرسم أعلى أفق للبشرية ـ وهو أفق الرسالة الكاملة الشاملة. فإذا هو قريب محدود بالقياس إلى الأفق الأعلى الذي تتقاصر دونه الأبصار، وتنحسر دونه الأنظار: {قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلـهكم إلـه واحد. فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}.. إنه أفق الألوهية الأسمى.. فأين هنا آفاق النبوة، وهي ـ على كل حال ـ آفاق بشرية؟ {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي...}.. بشر يتلقى من ذلك الأفق الأسمى. بشر يستمد من ذلك المعين الذي لا ينضب. بشر لا يتجاوز الهدى الذي يتلقاه من مولاه. بشر يتعلم فيعلم فيعلم.. فمن كان يتطلع إلى القرب من ذلك الجوار الأسنى، فلينتفع بما يتعلم من الرسول الذي يتلقى، وليأخذ بالوسيلة التي لا وسيلة سواها: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}.. هذا هو جواز المرور إلى ذلك اللقاء الأثير. وهكذا تختم السورة ـ التي بدأت بذكر الوحي والتوحيد ـ بتلك الإيقاعات المتدرجة في العمق والشمول، حتى تصل إلى نهايتها فيكون هذا الإيقاع الشامل العميق، الذي ترتكز عليه سائر الأنغام في لحن العقيدة الكبير..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح هذه القصة بــــ {وَيَسْئَلُونَكَ} يدلّ عل أنها مما نزلت السورة للجواب عنه كما كان الابتداء بقصة أصحاب الكهف اقتضاباً تنبيهاً على مثل ذلك. وقد ذكرنا عند تفسير قوله تعالى: { أية : ويسألونك عن الروح قل الرّوح من أمر ربّي } تفسير : في سورة الإسراء (85) عن ابن عباس: أن المشركين بمكة سألوا النبي ثلاثة أسئلة بإغراء من أحبار اليهود في يثرب. فقالوا: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبي. وإن أجاب عن بعضها وأمسك عن بعض فهو نبي؟. وبيّنا هنالك وجه التعجيل في سورة الإسراء النازلة قبل سورة الكهف بالجواب عن سؤالهم عن الروح وتأخير الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين إلى سورة الكهف. وأعقبنا ذلك بما رأيناه في تحقيق الحق من سَوق هذه الأسئلة الثلاثة في مواقع مختلفة. فالسائلون: قريش لا محالة، والمسؤول عنه: خبر رجل من عظماء العالم عرف بلقب ذي القرنين، كانت أخبار سيرته خفيّة مُجملة مغلقة، فسألوا النبي عن تحقيقها وتفصيلها، وأذن له الله أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق، فكان أحْبار اليهود منفردين بمعرفة إجمالية عن هذه المسائل الثلاث وكانت من أسرارهم فلذلك جَرّبوا بها نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حِكميةً أو خُلقيةً فلذلك قال الله: {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِنهُ ذِكراً}. والمراد بالسؤال عن ذي القرنين السؤال عن خبره، فحذف المضاف إيجازاً لدلالة المقام، وكذلك حذف المضاف في قوله: {مِنْهُ} أي من خبره و (مِن) تبعيضية. والذكر: التذكر والتفكر، أي سأتلو عليكم ما به التذكر، فجعل المتلو نفسه ذكراً مبالغة بالوصف بالمصدر، ولكن القرآن جاء بالحق الذي لا تخليط فيه من حال الرجل الذي يوصف بذي القرنين بما فيه إبطال لما خلط به الناس بين أحوال رجال عظماء كانوا في عصور متقاربة أو كانت قصصهم تُساق مساق من جاسوا خلال بلاد متقاربة متماثلة وشوهوا تخليطهم بالأكاذيب، وأكثرهم في ذلك صاحب الشاهنامة الفردوسي وهو معروف بالأكاذيب والأوهام الخرافية. اختلف المفسرون في تعيين المسمى بذي القرنين اختلافاً كثيراً تفرقت بهم فيه أخبار قصصية وأخبار تاريخية واسترواح من الاشتقاقات اللفظية، ولعل اختلافهم له مزيد اتصال باختلاف القصّاصين الذين عُنوا بأحوال الفاتحين عناية تخليط لا عناية تحقيق فراموا تطبيق هذه القصة عليها. والذي يجب الانفصال فيه بادىء ذي بدء أن وصفه بذي القرنين يتعين أن يكون وصفاً ذاتياً له وهو وصف عربي يظهر أن يكون عرف بمدلوله بين المثيرين للسؤال عنه فترجموه بهذا اللفظ. ويتعيّن أن لا يحمل القرنان على الحقيقة، بل هما على التشبيه أو على الصورة. فالأظهر أن يكونا ذُؤابتين من شعر الرأس متدليتين، وإطلاق القرن على الضفيرة من الشعر شائع في العربية، قال عُمر بن أبي ربيعة: شعر : فلثمت فاها آخذاً بقُرونها شُرب النزيف ببرَد ماء الحشرج تفسير : وفي حديث أم عطية في صفة غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم عطية: «فجعلنا رأسها ثلاثة قرون»، فيكون هذا الملك قد أطال شعر رأسه وضفره ضفيرتين فسمي ذا القرنين، كما سمّي خِربَاق ذا اليدين. وقيل: هما شبه قرني الكبش من نحاس كانا في خوذة هذا الملك فنُعت بهما. وقيل: هما ضربتان على موضعين من رأس الإنسان يشبهان منبتي القرنين من ذوات القرون. ومن هنا تأتي الأقوال في تعيين ذي القرْنين، فأحد الأقوال: إنه الإسكندر بن فيليبوس المقدوني. وذكروا في وجه تلقيبه بذي القرنين أنه ضفر شعره قرنين. وقيل: كان يلبس خوذة في الحرب بها قرنان، وقيل: رسم ذاته على بعض نقوده بقرنين في رأسه تمثيلاً لنفسه بالمعبود (آمون) معبود المصريين وذلك حين ملَك مصر. والقول الثاني: إنه ملك من ملوك حمير هو تُبّع أبو كرب. والقول الثالث: أنه ملك من ملوك الفرس وأنه (أفريدون بن أثفيان بن جمشيد). هذه أوضح الأقوال، وما دونها لا ينبغي التعويل عليه ولا تصحيح روايته. ونحن تجاه هذا الاختلاف يحق علينا أن نستخلص من قصته في هذه الآية أحوالاً تقرّب تعيينه وتزييف ما عداه من الأقوال، وليس يجب الاقتصار على تعيينه من بين أصحاب هذه الأقوال بل الأمر في ذلك أوسع. وهذه القصة القرآنية تعطي صفات لا محيد عنها: إحداها: أنه كان ملكاً صالحاً عادلاً. الثانية: أنه كان ملهَماً من الله. الثالثة: أن مُلكه شمل أقطاراً شاسعة. الرابعة: أنه بلغ في فتوحه من جهة المغرب مكاناً كان مجهولاً وهو عين حَمئة. الخامسة: أنه بلغ بلاد يأجوج ومأجوج، وأنها كانت في جهة مما شمله ملكه غير الجهتين الشرقية والغربية فكانت وسطاً بينهما كما يقتضيه استقراء مبلغ أسبابه. السادسة: أنه أقام سدّاً يحول بين ياجوج وماجوج وبين قوم آخرين. السابعة: أن ياجوج وماجوج هؤلاء كانوا عائثين في الأرض فساداً وأنهم كانوا يفسدون بلاد قوم موالين لهذا الملك. الثامنة: أنه كان معه قوم أهل صناعة متقنة في الحديد والبناء. التاسعة: أن خبره خفيّ دقيق لا يعلمه إلاّ الأحبار علماً إجمالياً كما دل عليه سبب النزول. وأنت إذا تدبرت جميع هذه الأحوال نفيت أن يكون ذو القرنين إسكندر المقدوني لأنه لم يكن ملكاً صالحاً بل كان وثنياً فلم يكن أهلاً لتلقي الوحي من الله وإن كانت له كمالات على الجملة، وأيضاً فلا يعرف في تاريخه أنه أقام سُدّاً بين بلدَين. وأما نسبة السد الفاصل بين الصين وبين بلاد ياجوج وماجوج إليه في كلام بعض المؤرخين فهو ناشىء عن شهرة الإسكندر، فتوهم القصاصون أن ذلك السد لا يكون إلاّ من بنائه، كما توهم العرب أن مدينة تَدمر بناها سليمان - عليه السلام -. وأيضاً فإن هيرودوتس اليوناني المؤرخ ذكر أن الإسكندر حارب أمة (سكيثوس). وهذا الاسم هو اسم ماجوج كما سيأتي قريباً. وأحسب أن لتركيب القصة المذكورة في هذه السورة على اسم اسكندر المقدوني أثراً في اشتهار نسبة السد إليه. وذلك من أوهام المؤرخين في الإسلام. ولا يعرف أن مملكة إسكندر كانت تبلغ في الغرب إلى عين حمئة، وفي الشرق إلى قوم مجهولين عُراة أو عديمي المساكِن، ولا أن أمته كانت تلقبه بذي القرنين. وإنما انتحل هذا اللقب له لما توهموا أنه المعْنيّ بذي القرنين في هذه الآية، فمنحُه هذا اللقب من مخترعات مؤرخي المسلمين، وليس رسم وجهه على النقود بقرنين مما شأنه أن يلقب به. وأيضاً فالإسكندر كانت أخباره مشهورة لأنه حارب الفرس والقبط وهما أمّتان مجاورتان للأمة العربية. ومثل هذه المبطلات التي ذكرناها تتأتى لإبطال أن يكون الملكُ المتحدث عنه هو أفريدون، فإما أن يكون من تبابعة حمير فقد يجوز أن يكون في عصر متوغل في القدم. وقد توهم بعض المفسرين أنه كان معاصراً إبراهيم عليه السلام وكانت بلاده التي فتحها مجهولة المواقع. ولكن يبعد أن يكون هو المراد لأن العرب لا يعرفون من خبره مثل هذا، وقد ظهر من أقوالهم أنّ سبب هذا التوهم هو وجود كلمة (ذو) التي اشتهر وجود مثلها في ألقاب ملوك اليمن وتبابعته. فالذي يظهر لي أن ذا القرنين كان ملكاً من ملوك الصين لوجوه: أحدها: أن بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير وصنائع. الثاني: أن معظم ملوكهم كانوا أهل عدل وتدبير للمملكة. الثالث: أن من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم وجعلها في ضفيرتين فيظهر وجه تعريفه بذي القرنين. الرابع: أن سُداً ورَدْماً عظيماً لا يعرف له نظير في العالم هو موجود بين بلاد الصين وبلاد المَغُول، وهو المشهور في كتب الجغرافيا والتاريخ بالسور الأعظم، وسيرد وصفه. الخامس: ما روت أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة فقال: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من رَدم ياجوج وماجوج هكذا»، تفسير : وأشار بعقد تسعين (أعني بوضع طرف السبابة على طرف الإبهام). وقد كان زوال عظمة سلطان العرب على يد المغول في بغداد فتعين أن ياجوج وماجوج هم المغول وأن الردم المذكور في القرآن هو الردم الفاصل بين بلاد المغول وبلاد الصين وبانيه ملك من ملوكهم، وأن وصفه في القرآن بذي القرنين توصيف لا تلقيب فهو مثل التعبير عن شَاول ملك إسرائيل باسم طالوت. وهذا الملك هو الذي بنى السدّ الفاصل بين الصين ومنغوليا. واسم هذا الملك (تْسِينْشِي هْوَانْفتي) أو (تْسِينْ شِي هْوَانْقْ تِي). وكان موجوداً في حدود سنة سبع وأربعين ومائتين قبل ميلاد المسيح فهو متأخر عن إسكندر المقدوني بنحو قرن. وبلاد الصين في ذلك العصر كانت متدينة بدين (كنفيشيوس) المشرع المصلح، فلا جرم أن يكون أهل شريعته صالحين. وهذا الملك يؤخذ من كتب التاريخ أنه ساءت حالته في آخر عمره وأفسد كثيراً وقتل علماء وأحرق كتباً، والله أعلم بالحقيقة وبأسبابها. ولما ظن كثير من الناس أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو إسكندر بن فيليبوس نحلوه بناء السدّ. وزعموه من صنعه كما نحلوه لقب ذي القرنين. وكل ذلك بناء أوهام على أوهام ولا أساس لواحِد منهما ولا علاقة لإسكندر المقدوني بقصة ذي القرنين المذكورة في هذه السورة. والأمر في قوله {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم} إذن من الله لرسوله بأن يَعد بالجواب عن سؤالهم عملاً بقوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله}على أحد تأويلين في معناه. والسين في قول {سَأَتْلُوا عَلَيْكُم} لتحقيق الوعد كما في قوله تعالى: { أية : قال سوف أستغفر لكم ربّي } تفسير : في سورة يوسف (98). وجعل خبر ذي القرنين تلاوة وذكراً للإشارة إلى أن المهم من أخباره ما فيه تذكير وما يصلح لأن يكون تلاوةً حسب شأن القرآن فإنّه يُتلى لأجل الذكر ولا يُساق مساق القصص. وقوله {مِنْهُ ذِكْراً} تنبيه على أن أحواله وأخباره كثيرة وأنهم إنما يهمهم بعض أحواله المفيدة ذكراً وعظة. ولذلك لم يقل في قصة أهل الكهف: نحن نقصّ عليك من نبئهم، لأن قصتهم منحصرة فيما ذكر، وأحوال ذي القرنين غير منحصرة فيما ذكر هنا. وحرف (من) في قوله {مِنْهُ ذِكْراً} للتبعيض باعتبار مضاف محذوف، أي من خبره. والتمكين: جعل الشيء متمكناً، أي راسخاً، وهو تمثيل لقوّة التصرف بحيث لا يزعزع قوته أحد. وحق فعل (مكنّا) التعدية بنفسه، فيقال: مكّناه في الأرض كقوله { أية : مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } تفسير : [الأنعام:6]. فاللام في قوله: {مَكَّنَّا لَهُ في الأَرْضِ} للتوكيد كاللام في قولهم: شكرت له، ونصحت له، والجمْع بينهما تفنن. وعلى ذلك جاء قوله تعالى: { أية : مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } تفسير : [الأنعام:6]. فمعنى التمكين في الأرض إعطاء المقدرة على التصرف. والمراد بالأرض أهل الأرض، والمراد بالأرض أرض معينة وهي أرض مُلكه. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } تفسير : [يوسف:56]. والسبب: حقيقته الحبل، وأطلق هنا على ما يتوسل به إلى الشيء من علم أو مقدرة أو آلات التسخير على وجه الاستعارة كقوله تعالى: { أية : وتقطعت بهم الأسباب } تفسير : في سورة البقرة (166). و{كُلّ شَيْءٍ} مستعمل هنا في الأشياء الكثيرة كما تقدم في نظائره غير مرة منها قوله تعالى: { أية : ولو جاءتهم كل آية } تفسير : [يونس:97] أي آتيناه وسائل أشياء عظيمة كثيرة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويسألونك: أي كفار قريش بتعليم يهود لهم. ذي القرنين: الإِسكندر باني الإِسكندرية المصرية الحميري أحد الملوك التبابعة وكان عبداً صالحاً. سأتلوا عليكم منه ذكراً: سأقص عليكم من حاله خيراً يحمل موعظة وعلماً. مكنا له في الأرض: بالحكم والتصرف في ممالكها. من كل شيء سببا: أي يحتاج إليه سبباً موصلاً إلى مراده. فأتبع سببا: أي فأتبع السبب سبباً آخر حتى انتهى إلى مراده. تغرب في عين حمئة: ذات حماة وهي الطين الأسود وغروبها إنما هو نظر العين وإلا فالشمس في السماء والبحر في الأرض. قوماً: أي كافرين. عذاباً نكرا: أي عظيماً فظيعا. يسرا: أي ليناً من القول سَهْلاً من العمل. قوم لم نجعل لهم من دونها سترا: القوم هم الزِّنْج ولم يكن لهم يومئذ ثياب يلبسونها ولا منازل يسكنونها وإنما لهم أسراب في الأرض يدخلون فيها. كذلك: أي الأمر كما قلنا لك ووصفنا. بين السدين: السدان جبلان شمال شرق بلاد الترك سد ذو القرنين ما بينهما فقيل فيهما سدان. قوماً لا يكادون يفقهون قولا: لا يفهمون كلام من يخاطبهم إلا بشدة وبطء وهم يأجوج ومأجوج. معنى الآيات: هذه قصة العبد الصالح ذي القرنين الحمْيَري التُّبعي على الراجح من أقوال العلماء، وهو الأسكندر باني الأسكندرية المصرية، ولأمر ما لقَّب بذي القرنين، وكان قد تضمن سؤال قريش النبي صلى الله عليه وسلم بإيعاذ من يهود المدينة ذا القرنين إذ قالوا لقريش سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين فإن أجابكم عنها فإنه نبي، وإلا فهو غير نبي فَرَوْا رأيكم فيه فكان الجواب عن الروح في سورة الإِسراء وعن الفتية وذي القرنين في سورة الكهف هذه وقد تقدم الحديث التفصيلي عن أصحاب الكهف في أول السورة وهذا بدء الحديث المتضمن للإِجابة عن الملك ذي القرنين عليه السلام قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ} يا نبينا {عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ} للسائلين من مشركي قريش {سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} أي سأقرأ عليكم من أمره وشأنه العظيم ذكراً خبراً يحمل الموعظة والعلم والمعرفة: وقوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} هذه بداية الحديث عنه فأخبر تعالى أنه مكن له في الأرض بالملك والسلطان، وأعطاه من كل شيء يحتاج إليه في فتحه الأرض ونشر العدل والخير فيها سبباً يوصله إلى ذلك، وقوله {فَأَتْبَعَ سَبَباً} حسب سنة الله في تكامل الأشياء فمن صنع إبرة وتابع الأسباب التي توصل بها إلى صنع الإِبرة فإنه يصنع المسلة، وهكذا تابعه بين أسباب الغزو والفتح والسير في الأرض {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وهي على ساحل المحيط الأطلنطي، وكونها تغرب فيها هو بحسب رأي العين، وإلا فالشمس في السماء والعين الحمئة والمحيط إلى جنبها في الأرض وقوله تعالى: {وَوَجَدَ عِندَهَا} أي عند تلك العين في ذلك الإِقليم المغربي {قَوْماً} أي كافرين غير مسلمين فأذن الله تعالى له في التحكم والتصرف فيهم إذ يسر له أسباب الغلبة عليهم وهو معنى قوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} وقد يكون نبياً ويكون قوله الله تعالى هذا له وحياً وهو {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ} بالأسر والقتل، {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} وهذا بعد حربهم والتغلب عليهم فأجاب ذو القرنين ربه بما أخبر تعالى به: {أَمَّا مَن ظَلَمَ} أي بالشرك والكفر {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} بالقتل والأسر، {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ} بعد موته {فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} أي فظيعاً أليماً. {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي أسلم وحسن إسلامه {فَلَهُ جَزَآءً} على إيمانه وصالح أعماله {ٱلْحُسْنَىٰ} أي الجنة في الآخرة {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} فلا نغلظ له في القول ولا نكلفه ما يشق عليه ويرهقه. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي ما تحصل عليه من القوة فتح المغرب استخدمه في مواصلة الغزو والفتح في المشرق {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ} بدائيين لم تساعدهم الأرض التي يعشيون عليها على التحضر فلذا هم لا يبنون الدور ولا يلبسون الثياب، ولكن يسكنون الكهوف والمغارات والسراديب وهو ما دل عليه قوله تعالى: {لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا} أي الشمس {سِتْراً}. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} أي القول الذي قلنا والوصف الذي وصفنا لك من حال ذي القرنين {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ} من قوة وأسباب مادية وروحية {خُبْراً} أي علماً كاملا. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ} أي ذو القرنين {سَبَباً} أي واصل طريقه في الغزو والفتح {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} وهما جبلان بأقصى الشمال الشرقي للأرض بنى ذو القرنين بينهما سداً عظيما حال به دون غزو يأجوج ومأجوج للإِقليم المجاور لهم، وهم القوم الذين قال تعالى عنهم {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} فلا يفهمون ما يقال لهم ويخاطبون به إلا بشدة وبطء كبير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذ هذا جواب آخر أسئلة قريش الثلاثة. قرأه عليهم قرآنا موحى به إليه. 2- إتباع السبب السبب ويصل به ذو الرأي والإِرادة إلى تحقيق ما هو كالمعجزات. 3- قول: ذو القرنين: {أَمَّا مَن ظَلَمَ..... الخ} يجب أن يكون مادة دستورية يحكم به الأفراد والجماعات لصدقها وإجابيتها وموافقتها لحكم الله تعالى ورضاه، ومن الأسف أن يعكس هذا القول السديد والحكم الرشيد فيصبح أهل الظلم مكرمين لدى الحكومات، وأهل الإِيمان والإِستقامة مهانين!! 4- بيان وجود أمم بدائية إلى عهد ما بعد ذي القرنين لا يلبسون ثياباً ولا يسكنون سوى الكهوف والمغارات ويوجد في البلاد الكيئية إلى الآن قبائل لا يرتدون الثياب، وإنما يضعون على فروجهم خيوط وسيور لا غير. 5- تقرير أن هذا الملك الصالح قد ملك الأرض فهو أحد أربعة حكموا الناس شرقاً وغرباً.
القطان
تفسير : ذكراً: خبرا. مكنّا له في الارض: جعلنا له قوة وسلطة. آتيناه من كل شيء سببا: هيأنا له السبب الذي يوصله الى ما يريد. وأتبع سببا: سار في طريقه. حمئة: ذات طين اسود. نكرا: فظيعا. الحسنى: المثوبة الحسنة. يسرا: سهلا ميسرا. خبرا: علما. {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} يسألك بعض زعماء قريش ايها الرسول عن نبأ ذي القرنين فقل لهم سأقص عليكم بعض اخباره. روي في سبب نزول سورة الكهف ان زعماء قريش ارسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن ابي معيط الى احبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وَصِفا لهم صفته، واخبراهم بقوله فانهم اهل الكتاب الاول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الانبياء.. فقال لهم اليهود: سلوه عن ثلاث، فان اخبركم بهن فهو نبي مرسل والا فهو رجل متقوِّل فروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول، ما كان من امرهم، فانهم كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الارض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فان اخبركم بذلك فهو نبيّ فاتبعوه... فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، فأخبروهم بما قال اليهود. فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن هذه الأمور الثلاثة. فقال: اخبركم غدا عما سألتم ولم يَقُلْ ان شاء الله، ومكث خمس عشرة ليلة لم يأته الوحي. فأرجف اهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة قد اصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه! وشق ذلك على النبي الكريم، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف. وهناك روايات اخرى في سبب النزول ولا يهمنا ذلك كله، والمهم العبرة من القصص القرآني ويكفينا ذلك. {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} انا مكنا لأمره في الأرض، فاعطيناه سلطانا قويا، ويسرنا له اسباب الحكم والفتح، واسباب البناء والعمران، وآتيناه الكثير من العلم بالاسباب كي يستطيع توجيه الأمور، ورحل ثلاث رحلات: واحدة الى المغرب، وواحدة الى المشرق، وواحدة الى ما بين السدّين. قراءات: قرأ ابن عامر واهل الكوفة: فأتْبع سببا، بفتح الهمزة وسكون التاء، والباقون: فاتَّبع سببا: بجعل الهمزة الف وصل، وتشديد التاء المفتوحة. {فَأَتْبَعَ سَبَباً} ومضى بهذه الاسباب يبسط سلطانه على الارض، حتى اذا وصل الى مكان بعيد جهة مغرب الشمس، ووقف على حافة البحر، وجد الشمس تغرب عند عين ذات حمأة وطين اسود، ووجد بالقرب من هذه العين قوما كفارا. فألهمه الله ان يتخذ فيهم احد امرين: اما ان يدعوهم الى الايمان، وهذا امر حسن في ذاته؛ واما ان يقاتلهم إن لم يجيبوا داعي الايمان. قراءات: قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا حفصا: في عين حامئة. والباقون: في عين حمئة بفتح الحاء وكسر الميم وفتح الهمزة، كما هو في المصحف. قرأ اهل الكوفة الا ابا بكر: فله جزاءً الحسنى: بنصب جزاء مع التنوين. والباقون فله جزاءُ الحسنى: برفع جزاء واضافته الى الحسنى. فقال ذو القرنين: ان من ظلم نفسه بالبقاء على الشرك، استحق العذاب في هذه الدنيا على يديه، ثم يرجع الى ربه فيعذبه عذابا شديدا. واما من استجاب وآمن بِرِبِه وعمل صالحا، فله المثوبة الحسنى في الآخرة، وسنعامله في الدنيا برفق ولين ويسر. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} وقفل راجعا من مغرب الشمس حتى بلغ مشرق الشمس حيث بلغ غاية المعمور من الارض في ذلك الزمن، فوجدها تطلع على قوم ليس لهم بناء يكنّهم، ولا لباس لهم، فهم عراة في العراء او في سراديب في الارض. {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} ان امر ذي القرنين كما وصفنا من قبل بلوغه طرفي المشرق والمغرب، ونحن مطلعون على جميع احواله لا يخفى علينا شيء منها.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ} {سَأَتْلُواْ} (83) - وَتَسْأَلُكَ قُرَيْشٌ يَا مُحَمَّدُ - بِتَلْقِينٍ مِنَ اليَهُودِ - عَنْ خَبَرِ ذِي القَرْنَيْنِ، فَقُلْ لَهُمْ سَأَقُصُّ عَلَيْكُمْ قِصَّتَهُ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهَا رَبِّي. (وَلا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَنْ هُوَ ذُو القَرْنَيْنِ هَذا الْمَقْصُودُ فِي هَذِهِ القِصَّةِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ ذَا القَرْنَيْنِ المُشَارُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ رَجُلٌ مٌؤْمِنٌ، يَعْرِفُ اللهَ وَيَمْتَثِلُ لأَمْرِهِ).
الثعلبي
تفسير : {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً}، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم: كان نبياً. وقال الآخرون: كان ملكاً عادلاً صالحاً. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهداً يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر. واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سُمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرناً. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعاً. وقيل: لأنه أُعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة. {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء {سَبَباً} علماً يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغاً إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) . {فَأَتْبَعَ}: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فأتبع)، (ثمّ اتبع) بقطع الألف وجزم الثاني: لحق {سَبَباً}، قال ابن عباس: منزلاً، وقال مجاهد: طريقاً بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: {أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [غافر: 36-37] يعني الطرق. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة. ويدل عليه ما [أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النبّي صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا أبا ذر أين تغرب هذه؟". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تغرب في عين حامية ". تفسير : وقال عبد الله بن عمرو: حديث : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: " في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض" . تفسير : وقرأ الباقون: {حَمِئَةٍ} مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أُبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سّوداء)، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر رجل من الأزد يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية: (وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلاّ {حَمِئَةٍ} . فقال معاوية لعبد الله بن عمر: وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن. فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاماً تزداد به نصرة في قولك: {حَمِئَةٍ} . قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع: شعر : قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً ملِكاً تدين له الملوك وتسجد بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى معاد الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد تفسير : قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط ؟ قلت: الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلاً أو غلاماً، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق. {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً}، يعني ناساً {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ}: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد. {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ}، أي كفر {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ}: نقتله {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ} في الآخرة {فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً}: منكراً. {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ}، قرأ أهل الكوفة {جَزَآءً} نصباً منوّناً على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأُضيف الجزاء إليهما كما قال: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [يوسف: 109] والدار هي الآخرة: و {أية : وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} تفسير : [البينة: 5]. {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: {يُسْراً} أي معروفاً. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً}، أي سلك طريقاً ومنازل {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً}، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر؛ وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضاً لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم. وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا: ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ها هنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أُميّة قال: وجدت رجلاً بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلاً فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أُذنه ويلبس الأُخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلّما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج. قوله تعالى: {كَذَلِكَ} اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أتبع سبباً كما أتبع سبباً. وقيل: كما وجد [القبيلتين] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: {كَذَلِكَ} أي كذلك أمرُهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ}، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات {خُبْراً}: علماً. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم. الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزاً بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ بفتح السين وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي {يَفْقَهُونَ} بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يُفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: {يَفْقَهُونَ} بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولاً. {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} قيل: كلّمهُ عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين). وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيراً من شر، ولا ضلالاً من هدى، {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار)، وهو ضوؤها وشررها، شُبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هم من ولد يافت ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. وقوله تعالى: {مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ}، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلاّ أكلوه، ولا شيئاً يابساً إلاّ احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذىً شديداً وقتلاً. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم. [أخبرنا عبد الله بن حامد الوّزان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النبّي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال: حديث : "يأجوج أُمّة ومأجوج أُمّة، كل أُمّة أربعمئة ألف أُمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح". قيل: يا رسول الله صفهم لنا. قال: "هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز" قيل: يا رسول الله، وما الأُرز؟ قال: "شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومئة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومئة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأُخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلاّ أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية" . تفسير : قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلاً من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبداً صالحاً، قال الله تعالى: « يا ذا القرنين إني باعثك إلى أُمم الأرض، وهي أُمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أُمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجّن والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأُمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأُمّة في قطر الأرض الأيمن يُقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يُقال لها: تاويل». فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلاّ أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة اُكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أُكاثرهم؟ وبأي صبر أُواسيهم؟ وبأي لسان أُناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أُخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أُدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أُصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أُتقن أُمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أُحصيهم؟ وبأي جند أُقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نفساً إلاّ وسعها، ولا تحملها إلاّ طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها». قال الله تعالى: «إنّي سأُطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأُحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كل شيء، وأُلبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأُسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جنداً من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك». فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمُّ الأُمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعاً وعدداً لا يحصيهم إلاّ الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأساً لا يطيقهم إلاّ الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فمنهم من آمن ومنهم من صدّ عنه، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أُمماً عظيمة، فجعلهم جنداً واحداً. ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأُمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يُقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملاً. فانطلق يقود تلك الأُمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفناً من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحاً فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلّما خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنوداً كفعله في الأُمتين اللتين قبلها. ثمّ كرّ مقبلاً حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها. فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأُمم التي في وسط الأرض من الجّن والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أُمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلاّ ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا. قال علي بن أبي طالب: "منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكّل واحد منهم أُذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأُخرى وليس منهم ذكر ولا أُنثى إلاّ وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أُنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحداً فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا". فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مئة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخاً. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يُذاب ثمّ يُصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علاّه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقاً من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد. فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامداً إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أُمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أُمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أُمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعماراً، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ. فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: "أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها؛ برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أرَ أحداً مثلكم، فخبروني خبركم". قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟». قالوا: عمداً فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا. قال: "فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟". قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلاّ أمين مؤتمن. قال: "فما بالكم ليس عليكم أمير؟". قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك. قال: "فما بالكم ليس فيكم حكّام؟". قالوا: لا نختصم. قال: "فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟". قالوا: لا نتكاثر. قال: "فما بالكم ليس فيكم ملوك؟". قالوا: لا نفتخر. قال: "فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟". قالوا: مِن أُلفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: "فما بالكم لا تقتتلون؟ ". قالوا: من أجل أنّا شُبنا أنفسنا بالأحلام. قال: "فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟". قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضاً. قال: "فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟". قالوا: صحت صدورنا فنُزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا. قال: "فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟". قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية. قال: "فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟". قالوا: من قبل الذل والتواضع. قال: "فما جعلكم أطول النّاس أعماراً؟". قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل. قال: "فما بالكم لا تضحكون؟". قالوا: لا نغفل عن الاستغفار. قال: "فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟". قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه. قال: "فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟ ". قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم. قال: "وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟". قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقاً على الله أن يخلفهم في ذريتهم. وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غداً. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذابلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غداً، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفاً عليهم في أقفائهم فيقتلونهم". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكراً من لحومهم ". تفسير : وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: {وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء: 96] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض" قال أبو الهيثم: الدجلة "فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء". قال صلى الله عليه وسلم "فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دماً للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دوداً كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حساً، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه: أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعىً غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط ". تفسير : قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس. في قوله تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} قرأ أهل الكوفة: (خراجاً) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج: ما لزمك أداؤه. {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً}: حاجزاً فلا يصلون إلينا؟ {قَالَ} لهم ذو القرنين: {مَا مَكَّنِّي} على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار {فِيهِ رَبِّي} وقوّاني عليه {خَيْرٌ}، ولكن {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}: حاجزاً كالحائط والسدّ. قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة». قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ}، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ}، وهما الجبلان بضمّ الصاد والدال، وفتحهما وأمر بالنّار فأُرسلت فيه، ثمّ {قَالَ ٱنفُخُواْ}، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: {آتُونِيۤ أُفْرِغْ}: أصب عليه {قِطْراً}، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس. {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} ويعلوه من فوقه، {وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} من أسفله. قال قتادة ذُكر لنا حديث : أن رجلاً قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: "انعته لي". قال: كالبرد المحبّر؛ طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: "قد رأيته" . تفسير : {قَالَ} ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: {هَـٰذَا} السّد {رَحْمَةٌ}: نعمة {مِّن رَّبِّي}؛ فلذلك لم يقل: هذه. {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ} ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّاً) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ذو القرنين: هذا لقبه؛ لأنه ربما كان في تكوينه ذا قرنين، أو يلبس تاجاً له اتجاهان؛ أو لأنه بلغ قرني الشمس في المشرق وفي المغرب. وقد بحث العلماء في: مَنْ هو ذو القرنين؟ فمنهم مَنْ قال: هو الإسكندر الأكبر المقدوني الطواف في البلاد، لكن الإسكندر الأكبر كان في مقدونيا في الغرب، وذو القرنين جاب المشرق والمغرب مما دعا عالماً محققاً من علماء الهند هو: أبو الكلام آزاد - وزير المعارف الهندي - إلى القول بأنه ليس هو الإسكندر الأكبر، بل هو قورش الصالح، وهذه رحلته في الشرق والغرب وبين السدين، كما أن الإسكندر كان وثنياً، وكان تلميذاً لأرسطو، وذو القرنين رجل مؤمن كما سنعرف من قصته. وعلى العموم، ليس من صالح القصة حَصْرها في شخص بعينه؛ لأن تشخيص حادثة القصة يُضعِف من تأثيرها، ويصبغها بصِبْغة شخصية لا تتعدى إلى الغير فنرى مَنْ يقول بأنها مسألة شخصية لا تتكرر. إذن: لو جاء العلم في ذاته سنقول: هذه الحادثة أو هذا العَمَل خاص بهذا الشخص، والحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يضرب لنا مثلاً يعُمُّ أي شخص، ماذا سيكون مَسْلكه وتصرّفه إنْ مكَّنَ الله له ومنحه الله قوة وسلطة؟ ولو حددَ القرآن هذه الشخصية في الإسكندر أو قورش أو غيرهما لَقُلْنَا: إنه حَدث فرديّ لا يتعدى هذا الشخص، وتنصرف النفس عن الأُسْوة به، وتفقد القصة مغزاها وتأثيرها. ولو كان في تعيينه فائدة لَعيَّنه الله لَنَا. وسبق أنْ أوضحنا أن الحق - سبحانه - عندما ضرب مثلاً للذين كفروا، قال: {أية : ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ..}تفسير : [التحريم: 10] ولم يُعيّنهما على التحديد؛ لأن الهدف من ضرب المثل هنا بيان أن الرسول المرسَل من الله لهداية الناس لم يتمكّن من هداية زوجته وأقرب الناس إليه؛ لأن الإيمان مسألة شخصية، لا سيطرة فيها لأحد على أحد. وكذلك لما ضرب الله مثلاً للذين آمنوا قال: {أية : ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ .. }تفسير : [التحريم: 11]. ففرعون الذي أضَلَّ الناس وادَّعى الألوهية زوجته مؤمنة، وكأن الحق سبحانه يُلمِّح للناس جميعاً أن رأيك في الدين وفي العقائد رَأْي ذاتي، لا يتأثر بأحد أيّاً كان، لا في الهداية بنبي، ولا في الغواية بأضلِّ الضالين الذي ادعى الألوهية. وهكذا يحفظ الإسلام للمرأة دورها وطاقتها ويحترم رأيها. إذن: الحق سبحانه وتعالى أتى بهذه القصة غير مُشخّصة لتكون نموذجاً وأُسْوة يحتذي بها كل أحد، وإلاَّ لو شخصتْ لارتبطتْ بهذا الشخص دون غيره، أما حينما تكلم الحق سبحانه عن مريم فنراه يحددها باسمها، بل واسم أبيها؛ ذلك لأن ما سيحدث لمريم مسألة خاصة بها، ولن تحدث بعدها أبداً في بنات آدم، لذلك عيَّنها وشخَّصها؛ لأن التشخيص ضروري في مثل هذا الموقف. أما حين يترك المثل أو القصة دون تشخيص، فهذا يعني أنها صالحة لأنْ تتكرر في أيّ زمان أو في أيّ مكان، كما رأينا في قصة أهل الكهف، وكيف أن الحق سبحانه أبهمهم أسماءً، وأبهمهم مكاناً وأبهمهم زماناً، وأبهمهم عدداً، ليكونوا أُسْوة وقُدْوة للفتيان المؤمنين في أيِّ زمان، وفي أيِّ مكان، وبأيِّ عدد. وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ ..} [الكهف: 83] نلاحظ أن مادة السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن أخذتْ حيِّزاً كبيراً فيه، فقد ورد السؤال للنبي من القوم ست عشرة مرة، إحداها بصيغة الماضي في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ..}تفسير : [البقرة: 186]. وخمس عشرة مرة بصيغة المضارع، كما في: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ ..}تفسير : [البقرة: 189]. وقوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ ..}تفسير : [البقرة: 215]. {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ..}تفسير : [البقرة: 217]. {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ..}تفسير : [البقرة: 219]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ..}تفسير : [البقرة: 219]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ..}تفسير : [البقرة: 220]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ..}تفسير : [البقرة: 222]. {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ..}تفسير : [المائدة: 4]. {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ..}تفسير : [الأعراف: 187] ثلاث مرات، [النازعات: 42]. {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ ..}تفسير : [الأنفال: 1]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ..}تفسير : [الإسراء: 85]. {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ ..} [الكهف: 83]. {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ..}تفسير : [طه: 105]. خمسة عشر سؤالاً بالمضارع، إلا أن الجوابَ عليها مختلف، وكلها صادرة عن الله الحكيم، فلا بُدَّ أنْ يكون اختلاف الجواب في كل سؤال له مَلْحظ، ومن هذه الأسئلة ما جاء من الخصوم، ومنها ما سأله المؤمنون، السؤال من المؤمنين لرسول الله - وقد نهاهم أنْ يسألوه حتى يهدأوا - إلحاحٌ منهم في معرفة تصرُّفاتهم وإنْ كانت في الجاهلية، إلا أنهم يريدون أنْ يعرفوا رأي الإسلام فيها، فكأنهم نَسُوا عادات الجاهلية ويرغبون في أن تُشرَّع كل أمورهم على وَفْق الإسلام. وبتأمّل الإجابة على هذه الأسئلة تجد منها واحدةً يأتي الجواب مباشرة دون {قُلْ} وهي في قوله تعالى:{أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ..}تفسير : [البقرة: 186] وواحدة وردتْ مقرونة بالفاء {فَقُلْ} وهي قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً}تفسير : [طه: 105]. وباقي الأسئلة وردت الإجابة عليها بالفعل {قُلْ}، فما الحكمة في اقتران الفعل بالفاء في هذه الآية دون غيرها؟ قالوا: حين يقول الحق سبحانه في الجواب {قُلْ} فهذه إجابة على سؤال سُئِلَهُ رسول الله بالفعل، أي: حدث فعلاً منهم، أما الفاء فقد أتتْ في الجواب على سؤال لم يُسأله، ولكنه سيُسأله مستقبلاً. فقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ ..}تفسير : [طه: 105] سؤال لم يحدث بَعْد، فالمعنى: إذا سألوك فَقُلْ، وكأنه احتياط لجواب عن سؤال سيقع. فإذا قُلْتَ: فما الحكمة في أنْ يأتي الجواب في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ..}تفسير : [البقرة: 186] خالياً من: قُلْ أو فَقُلْ: مع أن {إِذَا} تقتضي الفاء في جوابها؟ نقول: لأن السؤال هنا عن الله تعالى، ويريد سبحانه وتعالى أنْ يُجيبهم عليه بانتفاء الواسطة من أحد؛ لذلك تأتي الإجابة مباشرة دون واسطة: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ ..}تفسير : [البقرة: 186]. قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ ..} [الكهف: 83] أي: عن تاريخه وعن خبره والمهمة التي قام بها: {قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} [الكهف: 83]. وأيُّ شرف بعد هذا الشرف، إن الحق تبارك وتعالى يتولّى التأريخ لهذا الرجل، ويُؤرّخ له في قرآنه الكريم الذي يُتلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة والذي يُتحدّى به، ليظل ذِكْره باقياً بقاء القرآن، خالداً بخلوده، ويظل أثره فيما عمل أُسْوة وقُدْوة لمن يعمل مثله. إنْ دَلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن العمل الصالح مذكور عند الله قبل أنْ يُذكَرَ عند الخلق. فأيُّ ذكْر أبقى من ذكر الله لخبر ذي القرنين وتاريخه؟ و{مِّنْهُ} أي: بعضاً من ذِكْره وتاريخه، لا تاريخه كله. وكلمة (ذِكْر) وردت في القرآن الكريم بمعان متعددة، تلتقي جميعها في الشرف والرفعة، وفي التذكُّر والاعتبار. وإنْ كانت إذا أُطلقتْ تنصرف انصرافاً أولياً إلى القرآن، كما في قوله تعالى:{أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] وبعد ذلك تُستعمل في أيّ كتاب أنزله الله تعالى من الكتب السابقة، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43]. وقد يُطلَق الذكر على ما يتبع هذا من الصِّيت والشرف والرفعة وتخليد الاسم، كما في قوله تعالى:{أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..}تفسير : [الأنبياء: 10]. وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..}تفسير : [الزخرف: 44]. أي: صيت حَسَن وشرف ورفْعة كون القرآن يذكر هذا الاسم؛ لأن الاسم إذا ذُكِر في القرآن ذاعَ صِيتُه ودَوَّى الآفاق. وقلنا في قصة زيد بن حارثة أنه كان عبداً بعد أنْ خُطِف من قومه وَبيع في مكة لخديجة رضي الله عنها، ثم وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك أطلقوا عليه زيد بن محمد، فلما عَلِم أهله بوجوده في مكة أتى أبوه وعمه، وكلّموا رسول الله في شأن زيد فقال: خَيِّروه. فلما خَيَّروا زيداً قال: ما كنتُ لأختار على رسول الله أحداً، لذلك أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم وسمَّاه زيدَ بن محمد، فلما أراد الحق سبحانه أن يبطل التبني، ونزل قوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ ..}تفسير : [الأحزاب: 40] وقال: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الأحزاب: 5]. فلا تقولوا: زيد بن محمد. وقولوا: زيد بن حارثة، وهنا حَزِنَ زَيْد لهذا التغيير، ورأى أنه خسر به شرفاً عظيماً بانتسابه لمحمد، ولكن الحق سبحانه وتعالى يجبر خاطر زيد، ويجعل اسمه عَلَماً يتردد في قرآن يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة، فكان زيد هو الصحابي الوحيد الذي ورد ذكره باسمه في كتاب الله في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ..}تفسير : [الأحزاب: 37]. فأيُّ شرف أعلى وأعظم من هذا الشرف؟ ونلحظ في هذه الآية: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الأحزاب: 5] أن الحق سبحانه لم يتهم رسوله صلى الله عليه وسلم بالجور، فقال: {أية : هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الأحزاب: 5] فما فعله الرسول كان أيضاً قِسْطاً وعدلاً، وما أمر الله به هو الأقسط والأعدل. إذن: فذِكْر ذي القرنين في كتاب الله شرف كبير، وفيه إشارة إلى أن فاعل الخير له مكانته ومنزلته عند الله، ومُجازىً بأنْ يُخلّد ذكره ويبقى صِيته بين الناس في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة الخضر أعقبها بقصة ذي القرنين ورحلاته الثلاث إلى الغرب، والشرق، وإلى السَّدين، وبناؤه للسدّ في وجه "يأجوج ومأجوج" وهي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وجميعها ترتبط بالعقيدة والإيمان، وهو الهدف الأصيل للسورة الكريمة. اللغَة: (ذو القرنين) هو الاسكندر المقدوني وهو ملِكٌ صالح أعطي العلم والحكمة، سمي بذي القرنين لأنه ملك مشارق الأرض ومغاربها وكان مسلماً عادلاً قال الشاعر: شعر : قد كان ذو القرنين قبلي مسلماً ملكاً علا في الأرض غير مفنَّد بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب مُلكٍ من كريمٍ سيد تفسير : {حَمِئَةٍ} كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء {سَدّاً} السدُّ: الحاجز والحائل بين الشيئين {رَدْماً} الردَّم. السدُّ المنيع وهو أكبر من السدّ لأن الرَّدم ما جعل بعضه على بعض حتى يصبح كالحجاب المنيع فالردم الحاجز الحصين المتين {زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} قطع الحديد مفردة زُبرة وهي القطعة {ٱلصَّدَفَيْنِ} جانبا الجبل قال أبو عبيدة: الصَّدف كل بناء عظيم مرتفع {قِطْراً} القِطر: النحاس المذاب {نَقْباً} خرقاً وثقْباً {دَكَّآءَ} مدكوكاً مسوَّى بالأرض قال الأزهري: دككته أي دققته {يَمُوجُ} يختلط ويضطرب {ٱلْفِرْدَوْسِ} قال الفراء: البستان الذي فيه العنب وقال ثعلب: كل بستان يحوَّط عليه فهو فردوس. سَبَبُ النّزول: أ - قال قتادة: إن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ..} الآية. ب - قال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إني أتصدق، وأصلُ الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيُذكر ذلك مني وأُحمد عليه فيسرني ذلك وأُعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً فأنزل الله {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}. التفسِير: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ} أي يسألك اليهود يا محمد عن ذي القرنين ما شأنه؟ وما قصته؟ {قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} أي قل لهم سأقص عليكم من نبأه وخبره قرآناً ووحياً {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} أي يسرنا له أسباب الملك والسلطان والفتح والعمران، وأعطيناه كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف قال المفسرون: ذو القرنين هو "الاسكندر اليوناني" ملكَ المشرق والمغرب فسمي ذا القرنين، وكان ملكاً مؤمناً مكَّن الله له في الأرض فعدل في حكمه وأصلح، وكان في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما روي أن الذين ملكوا الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبختنصر {فَأَتْبَعَ سَبَباً} أي سلك طريقه الذي يسره الله له وسار جهة المغرب {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ} أي وصل المغرب {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي وجد الشمس تغرب في ماء وطين - حسب ما شاهد لا حسب الحقيقة - فإِن الشمس أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض قال الرازي: إن ذا القرنين لما بلغ أقصى المغرب ولم يبق بعدة شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهذه مظلمة وإِن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إِذا لم ير الشطَّ وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} أي وجد عند تلك العين الحارة ذات الطين قوماً من الأقوام {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} أي قلنا له بطريق الإِلهام: إما أن تقتلهم أو تدعوهم بالحسنى إلى الهداية والإيمان قال المفسرون: كانوا كفاراً فخيَّره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإِسلام فيُحسن إليهم {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} أي من أصرَّ على الكفر فسوف نقتله {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} أي ثم يرجع إلى ربه فيعذبه عذاباً منكراً فظيعاً في نار جهنم {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} أي وأمّا من آمن بالله وأحسن العمل في الدنيا وقدَّم الصالحات فجزاؤه الجنة يتنعَّم فيها {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} أي نيسر عليه في الدنيا فلا نكلفه بما هو شاق بل بالسهل الميسَّر. اختار الملك العادل دعوتهم بالحسنى فمن آمن فله الجنة، والمعاملة الطيبة، والمعونة والتيسير، ومن بقي على الكفر فله العذاب والنكال في الدنيا والآخرة {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي سلك طريقاً بجنده نحو المشرق {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ} أي حتى إِذا وصل أقصى المعمورة من جهة الشرق حيث مطلع الشمس في عين الرائي {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} أي وجد الشمس تشرقُ على أقوامٍ ليس لهم من اللباس والبناء ما يسترهم من حر الشمس فإِذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب تحت الأرض، وإِذا غربتْ خرجوا لمكاسبهم قال قتادة: مضى ذو القرنين يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلاّ من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب قوماً في أسراب عراةً، ليس لهم طعام إلا ما أنضجته الشمس إذا طلعت، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم، وذُكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان ويقال إنهم الزنج {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} أي كذلك فعل بأهل المشرق من آمن تركه ومن كفر قتله كما فعل بأهل المغرب وقد أحطنا علماً بأحواله وأخباره، وعتاده وجنوده، فأمرُه من العظمة وكثرة المال بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي سلك طريقاً ثالثاً بين المشرق والمغرب يوصله جهة الشمال حيث الجبال الشاهقة {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} أي حتى إذا وصل إلى منطقة بين حاجزين عظيمين، بمنقطع أرض بلاد الترك مما يلي أرمينية وأذربيجان قال الطبري: والسَّدُ: الحاجز بين الشيئين وهما هنا جبلان سُدَّ ما بينهما، فردَم ذو القرنين حاجزاً بين يأجوج ومأجوج من ورائهم ليقطع مادة غوائلهم وشرهم عنهم {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي وجد من وراء السدين قوماً متخلفين لا يكادون يعرفون لساناً غير لسانهم إلا بمشقة وعُسر قال المفسرون: إنما كانوا لا يفقهون القول لغرابة لغتهم، وبطء فهمهم، وبعدهم عن مخالطة غيرهم، وما فهم كلامهم إلا بواسطة ترجمان {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي قال القوم لذي القرنين: إن يأجوج ومأجوج - قبيلتان من بني آدم في خلقهم تشويهٌ، منهم مفرطٌ في الطول، ومنهم مفرطٌ في القِصر - قومٌ مفسدون بالقتل والسلب والنهب وسائر وجوه الشر قال المفسرون: كانوا من أكلة لحوم البشر، يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابساً إلا احتملوه {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} أي هل نفرض لك جزءاً من أموالنا كضريبة وخراج {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} أي لتجعل سدا يحمينا من شر يأجوج ومأجوج قال في البحر: هذا استدعاءٌ منهم لقبول ما بيذلونه على جهة حسن الأدب {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي ما بسطه الله عليَّ من القُدرة والمُلك خيرٌ مما تبذلونه لي من المال {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي لا حاجة لي إلى المال فأعينوني بالأيدي والرجال {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} أي أجعل بينكم وبينهم سدا منيعاً، وحاجزاً حصيناً، وهذه شهامة منه حيث رفض قبول المال وتطوَّع ببناء السد واكتفى بعون الرجال {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} أي أعطوني قطع الحديد واجعلوها لي في ذلك المكان {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} أي حتى إذا ساوى البناء بين جانبي الجبلين {قَالَ ٱنفُخُواْ} أي انفخوا بالمنافيخ عليه {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} أي جعل ذلك الحديد المتراكم كالنار بشدة الإِحماء {قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} أي أعطوني أصبُّ عليه النحاس المذاب قال الرازي: لما أتوه بقطع الحديد وضع بعضها على بعض حتى صارت بحيث تسدُّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت كالنار صبَّ النحاس المذاب على الحديد المحمي فالتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} أي فما استطاع المفسدون أن يعلوه ويتسوروه لعلوه وملاسته {وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} أي وما استطاعوا نقبه من أسفل لصلابته وثخانته، وبهذا السد المنيع أغلق ذو القرنين الطريق على يأجوج ومأجوج {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} أي قال ذو القرنين: هذا السدُّ نعمةٌ من الله ورحمة على عباده {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} أي فإِذا جاء وعد الله بخروج يأجوج ومأجوج وذلك قرب قيام الساعة {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} أي جعله الله مستوياً بالأرض وعاد متهدماً كأن لم يكن بالأمس {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} أي كان وعده تعالى بخراب السدِّ وقيام الساعة كائناً لا محالة.. وهٰهنا تنتهي قصة ذي القرنين ثم يأتي الحديث عن أهوال الساعة وشدائد القيامة قال تعالى {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} أي تركنا الناس يوم قيام الساعة يضطرب بعضهم ببعض - لكثرتهم - كاضطراب موج البحر {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} أي ونفخ في الصور النفخة الثانية فجمعناهم للحساب والجزاء في صعيد واحدٍ جمعاً لم يتخلف منهم أحد {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} أي أبرزنا جهنم وأظهرناها للكافرين يوم جمع الخلائق حتى شاهدوها بأهوالها عرضاً مخيفاً مفزعاً {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي} أي هم الذين كانوا في الدنيا عُمياً عن دلائل قدرة الله ووحدانيته فلا ينظرون ولا يتفكرون {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى لظلمة قلوبهم قال أبو السعود: وهذا تمثيلٌ لإِعراضهم عن الأدلة السمعية، وتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار فكأنهم عمْيٌ صم {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ} الهمزة للإِنكار والتوبيخ أي أفظنَّ الكافرون أن يتخذوا بعض عبادي آلهة يعبدونهم دوني كالملائكة وعزير والمسيح ابن مريم، وأن ذلك ينفعهم أو يدفع عنهم عذابي؟ قال القرطبي: جواب الاستفهام محذوف تقديره أفحسبوا أن ذلك ينفعهم، أولا أعاقبهم {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً} أي هيأنا جهنم وجعلناها ضيافةً لهم كالنُزُل المعد للضيف قال البيضاوي: وفيه تهكمٌ بهم وتنبيهٌ على أن لهم وراءها من العذاب ما تستحقر جهنم دونه {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين هل نخبركم بأخسر الناس عند الله؟ {ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي بطل عملهم وضاع في هذه الحياة الدنيا لأن الكفر لا تنفع معه طاعة قال الضحاك: هم القسيّسون والرهبان يتعبدون ويظنون أن عبادتهم تنفعهم وهي لا تقبل منهم {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} أي يظنون أنهم محسنون بأفعالهم {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي كفروا بالقرآن وبالبعث والنشور فبطلت أعمالهم {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} أي ليس لهم عند الله قيمةٌ ولا وزن، ولا قدرٌ ولا منزلة وفي الحديث "حديث : يُؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة"تفسير : {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً} أي ذلك جزاؤهم وعقوبتهم نارُ جهنم بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسله {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي آمنوا بالله وعملوا بما يرضيه {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} أي لهم أعلى درجات الجنة وهي الفردوس منزلاً ومستقراً {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي ماكثين فيها أبداً لا يطلبون عنها تحولاً قال ابن رواحة: في جنان الفِردوس ليسَ يخافون: خُروجاً عنها ولا تحويلاً {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} هذا تمثيلٌ لسعة علم الله والمعنى لو كانت بحار الدنيا حبراً ومداداً وكتبت به كلمات الله وحكمه وعجائبه {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} أي لفني ماء البحر على كثرته وانتهى، وكلامُ الله لا ينفد لأنه غير متناهٍ كعلمه جل وعلا {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي ولو أتينا بمثل ماء البحر وزدناه به حتى يكثر فإِن كلام الله لا يتناهى {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي قل لهم يا محمد إِنما أنا إِنسان مثلكم أكرمني الله بالوحي، وأمرني أن أخبركم أنه واحدٌ أحد لا شريك له {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} أي فمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} أي فليخلص له العبادة {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} أي لا يرائي بعمله ولا يبتغي بما يعمل غير وجه الله، فإِن الله لا يقبل إِلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم. البَلاغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {مَطْلِعَ.. مَغْرِبَ}. 2- التشبيه البليغ {جَعَلَهُ نَاراً} أي كالنار في الحرارة وشدة الإِحمرار حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 3- الاستعارة {يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} شبّههم لكثرتهم وتداخل بعضهم في بعضٍ بموج البحر المتلاطم واستعار لفظ يموج لذلك ففيه استعارة تبعية. 4- الاستعارة أيضاً {كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي} أي كانوا ينظرون فلا يعتبرون وتُعرض عليهم الآيات الكونية فلا يؤمنون، ولم تكن أعينهم حقيقةً في غطاء وحجاب وإِنما هو بطريق التمثيل. 5- الجناس الناقص {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ} لتغير الشكل وبعض الحروف، ويسمى أيضاً جناس التصحيف. 6- الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}؟ 7- المقابلة اللطيفة {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} مقابل {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} الآية. لطيفَة: كثيراً ما يرد في القرآن لفظ "حبط" وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تأكل نوعاً ساماً من الكلأ ثم تَلْقى حتفها، وهذا اللفظ أنسب شيء لوصف الأعمال فإِنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة ثم تنتهي إلى البوار.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن السؤال وجوابه بالفضل والنوال بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} [الكهف: 83] إن السائل لا يرد وأن في القصص للقلوب عبرة وتقوية وتبيناً. وبقوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} [الكهف: 84] يشير إلى تمكين الخلافة أي: مكناه بخلافتنا في الأرض {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 84] أي: أعطيناه بالخلافة ما كان سبب وجود كل مقدور من مقدوراتنا بالأصالة حتى صار قادراً على قلب الأعيان، وكانت الدنيا مسخرة له فلو أراد طويت له الأرض، وإذا شاء مشى على الباب وإذا أحب طار في الهواء أو يدخل النار. {فَأَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 85] أي: سبب كل مقدور فصار مقدوراً له بالخلافة في الأرض ما كان مقدوراً لنا بالأصالة في السماء والأرض. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] فإن قال قائل: إنا قد علمنا أن الشمس في السماء الرابعة ولها فلك خاص يدور بها في السماء، فكيف يكون غروبها في عين حمئة؟ قلنا: إن الله تعالى لم يخبر عن حقيقة غروبها في عين حمئة، وإنما أخبر عن وجودان ذي القرنين غروبها فيها، فقال: وجدها تغرب في عين حمئة، وذلك أن ذا القرنين ركب بحر المغرب وأجرى مركبه إلى أن يبلغ في البحر موضعاً لم يتمكن جريان المراكب فيه فنظر إلى الشمس عند غروبها وجدها تغرب بنظره في عين حمئة. وقوله تعالى: {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86] يدل على أن ذا القرنين كان نبياً؛ لأنه أمر بالقتال معهم بقوله: {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ} [الكهف: 86] وأمر باتخاذ الإيمان منهم بقوله: {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86] والنبوة مبنية على هذين الأمرين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" تفسير : ويدل على نبوته أيضاً قوله تعالى: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ} [الكهف: 87] أو كفر ولا يقبل الإيمان منه {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} [الكهف: 87] أي: نقلته {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87] أي: عذاباً مخلداً لا يعرف آخره إلى الأبد. {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} [الكهف: 88] أي: الجنة والقربة في الآخرة {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 88] أي: قولاً لا يهتدي به إلى الله باليسر والسهولة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كان أهل الكتاب أو المشركون، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين، فأمره الله أن يقول: { سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } فيه نبأ مفيد، وخطاب عجيب. أي: سأتلوا عليكم من أحواله، ما يتذكر فيه، ويكون عبرة، وأما ما سوى ذلك من أحواله، فلم يتله عليهم. { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ } أي: ملكه الله تعالى، ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض، وانقيادهم له. { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا } أي: أعطاه الله من الأسباب الموصلة له لما وصل إليه، ما به يستعين على قهر البلدان، وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران، وعمل بتلك الأسباب التي أعطاه الله إياها، أي: استعملها على وجهها، فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه، ولا كل أحد يكون قادرا على السبب، فإذا اجتمع القدرة على السبب الحقيقي والعمل به، حصل المقصود، وإن عدما أو أحدهما لم يحصل. وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها، لم يخبرنا الله ولا رسوله بها، ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم، فلهذا، لا يسعنا غير السكوت عنها، وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها، ولكننا نعلم بالجملة أنها أسباب قوية كثيرة، داخلية وخارجية، بها صار له جند عظيم، ذو عدد وعدد ونظام، وبه تمكن من قهر الأعداء، ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأنحائها، فأعطاه الله، ما بلغ به مغرب الشمس، حتى رأى الشمس في مرأى العين، كأنها تغرب في عين حمئة، أي: سوداء، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع، ووجد عندها، أي: عند مغربها قوما. { قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا } أي: إما أن تعذبهم بقتل، أو ضرب، أو أسر ونحوه، وإما أن تحسن إليهم، فخير بين الأمرين، لأن الظاهر أنهم كفار أو فساق، أو فيهم شيء من ذلك، لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق، لم يرخص في تعذيبهم، فكان عند ذي القرنين من السياسة الشرعية ما استحق به المدح والثناء، لتوفيق الله له لذلك، فقال: سأجعلهم قسمين: { أَمَّا مَنْ ظَلَمَ } بالكفر { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا } أي: تحصل له العقوبتان، عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة. { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى } أي: فله الجنة والحالة الحسنة عند الله جزاء يوم القيامة، { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } أي: وسنحسن إليه، ونلطف له بالقول، ونيسر له المعاملة، وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين الأولياء، العادلين العالمين، حيث وافق مرضاة الله في معاملة كل أحد، بما يليق بحاله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):