Verse. 2224 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

اِنَّا مَكَّنَّا لَہٗ فِي الْاَرْضِ وَاٰتَيْنٰہُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا۝۸۴ۙ
Inna makkanna lahu fee alardi waataynahu min kulli shayin sababan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا مكنا له في الأرض» بتسهيل السير فيها «وآتيناه من كل شيء» يحتاج إليه «سببا» طريقا يوصله إلى مراده.

84

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } أي مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول. {وَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء } أراده وتوجه إليه. {سَبَباً } وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ } بتسهيل السير فيها {وَءَاتَيْنَٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ } يحتاج إليه {سَبَباً } طريقاً يوصله إلى مراده.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَباً} علماً يتسبب به إلى إرادته، أو ما يستعين به على لقاء الملوك وقتل الأعداء وفتح البلاد.

النسفي

تفسير : {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ} جعلنا له فيها مكانة واعتلاء {وَءَاتَيِنَاه مِن كُلّ شَىْء } أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه {سَبَباً } طريقاً موصلاً إليه {فَأَتْبَعَ سَبَباً } والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة فأراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً. يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً. {فأتبع سبباً} { ثم أتبع} كوفي وشامي الباقون: بوصل الألف وتشديد التاء. عن الأصمعي: أتبع لحق واتبع اقتفى وإن لم يلحق {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ } أي منتهى العمارة نحو المغرب وكذا المطلع قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بدء أمره أنه وجد في الكتب أن أحد أولاد سام يشرب من عين الحياة فيخلد فجعل يسير في طلبها والخضر وزيره وابن خالته فظفر فشرب ولم يظفر ذو القرنين»تفسير : {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأة من حمئت البئر إذا صارت فيها الحمأة. {حامية} شامي وكوفي غير حفص بمعنى حارة. عن أبي ذر: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: «حديث : أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟»تفسير : قلت الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإنها تغرب في عين حامية.»تفسير : وكان ابن عباس رضي الله عنهما عند معاوية فقرأ معاوية {حامية} فقال: ابن عباس: حمئة فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: كما يقرأ أمير المؤمنين. ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين كذلك نجده في التوراة فوافق قول ابن عباس رضي الله عنهما، ولا تنافي فجاز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً {وَوَجَدَ عِندَهَا } عند تلك العين {قَوْماً } عراة من الثياب لباسهم جلود الصيد وطعامهم ما لفظ البحر وكانوا كفاراً {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } إن كان نبياً فقد أوحى الله إليه بهذا وإلا فقد أوحي إلى نبي فأمره النبي به، أو كان إلهاماً خير بين أن يعذبهم بالقتل إن أصروا على أمرهم وبين أن يتخذ فيهم حسناً بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا، أو التعذيب القتل وإتخاذ الحسن الأسر لأنه بالنظر إلى القتل إحسان.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه من كل شيء سببا‏ً} ‏ قال‏:‏ علما‏ً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏فأتبع سببا‏ً} ‏ قال‏:‏ المنزل‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وآتيناه من كل شيء سببا‏ً}‏ قال‏:‏ علماً‏.‏ من ذلك تعليم الألسنة، كان لا يعرف قوماً إلا كلمهم بلسانهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه، أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار‏:‏ تقول أن ذا القرنين كان يربط خيله بالثنايا‏؟‏ قال له كعب رضي الله عنه‏:‏ إن كنت قلت ذاك فإن الله قال‏:‏ ‏ {‏وآتيناه من كل شيء سببا‏ً}‏‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وآتيناه من كل شيء سببا‏ً}‏ قال‏:‏ منازل الأرض وأعلامها‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فأتبع سبباً‏}‏ قال‏:‏ منزلاً وطرفاً من المشرق إلى المغرب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏فأتبع سببا‏ً} ‏ قال‏:‏ هذه لأن الطريق كما قال فرعون لهامان ‏{أية : ‏ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب‏} تفسير : ‏[‏غافر: 36‏]‏ أسباب السموات، طريق السموات‏.‏ قال‏:‏ والشيء يكون اسمه واحداً وهو متفرق في المعنى‏.‏ وقرأ {‏وتقطعت بهم الأسباب‏} ‏[‏البقرة: 166‏]‏ قال‏:‏ أسباب الأعمال‏.

ابو السعود

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ} شروعٌ في تلاوة الذكر المعهودِ حسبما هو الموعودُ، والتمكينُ هٰهنا الإقدارُ وتمهيدُ الأسباب، يقال: مكّنه ومكّن له ومعنى الأولِ جعله قادراً وقوياً، ومعنى الثاني جعل له قدرةً وقوةً، ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في المعنى يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر كما في قوله عز وعلا: { أية : مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} تفسير : [الأنعام، الآية 6] أي جعلناهم قادرين من حيث القُوى والأسبابُ والآلاتُ على أنواع التصرفاتِ فيها، ما لم نجعلْه لكم من القوة والسَّعة في المال والاستظهارِ بالعَدد والأسباب، فكأنه قيل: ما لم نمكنْكم فيها أي ما لم نجعلْكم قادرين على ذلك فيها أو مكنّا لهم في الأرض ما لم نمكنْ لكم، وهكذا إذا كان التمكينُ مأخوذاً من المكان بناءً على توهّم ميمِه أصليةً كما أشير إليه في سورة يوسفَ عليه الصلاة والسلام، والمعنى إنا جعلنا له مَكِنةً وقدرةً على التصرف في الأرض من حيث التدبـيرُ والرأيُ والأسبابُ، حيث سُخّر له السحابُ، ومُدّ له في الأسباب، وبُسط له النورُ، وكان الليلُ والنهار عليه سواءً، وسُهِّل عليه السيرُ في الأرض، وذُلّلت له طرقها {وَآتَيْنَـٰهُ مِن كُلّ شَىْء} أراده من مُهمّات مُلكه ومقاصدِه المتعلقة بسلطانه {سَبَباً} أي طريقاً يوصله إليه وهو كلُّ ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى ذكره: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 84]. قال ابن عطاء: جعلنا الدنيا طوع يده، فإذا أراد طويت له الأرض، وإذا أحب انقلبت له الأعيان، وإذا شاء مشى على الماء وإذا هوى طار فى الهواء وكذا من أخلص لنا مكناه من مملكتنا يتقلب فيها حيث يشاء ممَن كان للملك كان الملك له. قوله تعالى ذكره: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الآية: 84]. قال جعفر: إن الله عز وجل جعل لكل شئ سببًا، وجعل الأسباب معانى الوجود فمن شهد السبب انقطع عن المسبب، ومن شهد صنع المسبب امتلأ قلبه من دنيا الأسباب وإذا امتلأ قلبه من الريبة حال بينه وبين الملاحظة وحجبه عن المشاهدة. قوله تعالى: {فَأَرَدتُّ}، {فَأَرَدْنَآ}، {فَأَرَادَ رَبُّكَ}. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء: لما قال الخضر: فأردت أوصى إليه فى السر من أنت حتى تكون لك إرادة فقال فى الثانية: فأردنا فأوصى إليه فى السر من أنت ومن موسى حتى يكون لكما إرادة فرجع وقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ}. وسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء: أما قوله: {فَأَرَدتُّ} قال: شفقة على الخلق، وقوله: {فَأَرَدْنَآ} رحمة، وقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ} رجوعًا إلى الحقيقة. وقال الحسين: فى قوله: "أردت وأردنا وأراد ربك". المقام الأول: استيلاء الحق، والمقام الثانى: مكالمة مع العبد والمقام الثالث: رجوع إلى باطن الغلبة فى الظاهر فصار به باطن الباطن ظاهر الظاهر من غيب الغيب، وعيان العيان غيب الغيب، كما أن القرب من الشىء بالنفوس هو العبد والقرب منها بها وهو القرب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} اخبر سبحانه عن ذى القرنين عليه السّلام انه اعطاه خلقة قدرته والبسه تمكين فعله حتى سهل له قلب الاشياء وكان يفعل ما يشاء بالله ويحكم بحكمه ما يريد وكان مجمع عين الجمع من حيث نور تجلى الذات والصفات والفعل فيه ومعنى آتيناه من كل شئ سببا من كل ما فى الملكوت السفلى له برهانا وحكمة وعلما ومعرفة بالله وسببا الى قرب الله من ان ذلك الشئ له ك ان مرآة الحق يرى فيها علوم الغيبية وحكم القدرية ويبلغ بها الى معادنها من اسرار الازلية فكان مقامه تدريج الترقى من عالم الفعل الى عالم الصفة ومن عالم الصفة الى عالم الذات ولو كان على محل تحقيق الكلى لما احاله الحق الى الاسباب من الاشياء الحدثان التى هى وسائط الحكمة واخرجه من الاشياء الى معدن الاصل وهو دنو الدنو كما فعل بحبيبه عليه السلام حيث اخرجه من الحدثان وافرده من جميع الاسباب وبلغه الى حقيقة الحقيقة حيث شاهد الحق بالحق وفنى الكل فيه ولم يصرف طرفه الى الغير حيث لا حيث ولا غير وهذا وصف قول الله سبحانه وتعالى دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى وقال ما زاغ البصر وما طغى قال ابن عطا فى قوله انا مكنا له جعلنا الدنيا طوع يده فاذا اراد طويت الارض واذا احب انقلبت له الاعيان واذا شاء مشى على الماء واذا هوى طار فى الهواء وكذا من اخلص سريرته مكناه من مملكتنا ينقلب فيها كيف يشاء فمن كان للملك كان الملك له وقال جعفر ان الله تعالى جعل لكل شئ سببا وجعل الاسباب معانى الوجود فمن شهد السبب انقطع عن المسبب ومن شهد صنع المسبب امتلاء قلبه من زينة الاسباب واذا امتلاء قلبه من الزينة حال بينه وبين الملاحظة وحجبه عن المشاهدة.

اسماعيل حقي

تفسير : {انا مكنا له فى الارض} شروع فى تلاوة الذكر المعهود حسبما هو الموعود والتمكين ههنا الاقدار وتمهيد الاسباب فلا يحتاج الى المفعول يقال مكنه ومكن له ومعنى الاول جعله قادرا قويا ومعنى الثانى جعل له قدرة وقوة ولتلازمهما فى الوجود وتقاربهما فى المعنى يستعمل كل منهما فى محل الآخر كما فى قوله {أية : مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم}تفسير : اى جعلناهم قادرين من حيث القوى والاسباب والآلات على انواع التصرفات فيها ما لم نجعله لكم من القوة والسعة فى المال والاستظهار بالعدد والاسباب فكأنه قيل ما لم نمكن لكم فيها اى ما لم نجعلكم قادرين على ذلك فيها او مكنا لهم فى الارض ما لم نمكن لكم وهذا اذا كان التمكين مأخوذا من المكان بناء على توهم ان ميمه اصلية او المعنى انا جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف من حيث التدبير والرأى والاسباب حيث سخر له السحاب ومد له فى الاسباب وبسط له النور وكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير فى الارض وذللت له طرقها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان ابراهيم عليه السلام بمكة فاقبل عليها ذو القرنين فلما كان بالابطح قيل له فى هذه البلدة ابراهيم خليل الرحمن فقال ذو القرنين ما ينبغى لى ان اركب فى بلدة فيها ابراهيم خليل الرحمن فنزل ذو القرنين ومشى الى ابراهيم فسلم عليه ابراهيم واعتنقه فكان هو اول من عانق عند السلام كما فى انسان العيون ودرر الغرر فعند ذلك سخر له السحاب لان من تواضع رفعه الله فكانت السحاب تحمله وعساكره وجميع آلاتهم اذا ارادوا غزوة قوم وسخر له النور والظلمة فاذا سرى يهديه النور من امامه وتحوطه الظلمة من ورائه شعر : جون نهد در تو صفات جبرئيل همجو فرخى برهوا جويى سبيل جون نهند در تو صفتهاى خرى صد برت كر مست در آخور برى جونكه جشم دل شده محرم بنور ظلمت كون ومكان شد ازتو دور هركه نا بينا شود اندر جهان روز او باشب برابر بى كمان تفسير : {وآتيناه من كل شئ} اراد من مهمات ملكه ومقاصده المتعلقة بسلطانه {سببا} اى طريقا يوصل اليه وهو كل ما يتوصل به الى المقصود من علم او قدرة او آلة. وبالفارسية [دست آويزى كه بدان سبب اوران آن جيز ميسر ميشد].

الجنابذي

تفسير : {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ} مشرقها ومغربها {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} وعلّة من علله بها تمكّن تمكّناً تامّاً من الوصول اليه والتّصرفّ فيه والتّسلّط عليه فانّ الاشياء الكونيّة كلّها مسبّبات عن الموجودات العلويّة من الاشباح المثاليّة والارواح المجرّدة ولكلّ بحسب المراتب الطّوليّة علل واسباب عديدة بها يمكن الوصول اليه والتّصرّف فيه والتّسلّط عليه، وقد ورد انّه رفع الى السّماء فكشط له عن الارض وهو كناية عن اتّصاله بالملكوت، وعالم الملكوت، وعالم الملكوت اسباب قريبة لما فى الملك فأعطى من كلّ شيءٍ سببه وعلّته ولذلك سهل عليه السّير فى شرق الارض وغربها والتّسلّط على سهلها وجبلها.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى ٱلأَرْضِ} شروع في تلاوة الذكر المعهود حسبما هو الموعود، والتمكين هٰهنا الإقدار وتمهيد الأسباب يقال مكنه ومكن له كنصحته ونصحت له وشكرته وشكرت له؛ وفرق بينهما بأن معنى الأول جعله قادراً ومعنى الثاني جعل له قدرة وقوة ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في المعنى يستعمل كل منهما في محل الآخر وهكذا إذا كان التمكين مأخوذاً من المكان بناءً على توهم ميمه أصلية؛ والمعنى أنا جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، وقيل: تمكينه في الأرض من حيث أنه سخر له السحاب ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وفي ذلك أثر ولا أراه يصح، وقيل: تمكينه بالنبوة وإجراء المعجزات، وروى القول بنبوته أبو الشيخ في «العظمة» عن أبـي الورقاء عن علي كرم الله تعالى وجهه وإلى ذلك ذهب مقاتل ووافقه الضحاك. ويعارضه ما أخرجه ابن عبد الحكم في «فتوح مصر» وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن الأنباري في «المصاحف» وابن أبـي عاصم في «السنة» وابن مردويه من طريق أبـي الفضل أن ابن الكواء سأل علياً كرم الله تعالى وجهه عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله تعالى فأحبه ونصح الله تعالى فنصحه، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أنه قال: ذو القرنين بلغ السدين وكان نذيراً ولم أسمع بحق أنه كان نبياً، وإلى أنه ليس بنبـي ذهب الجمهور وتوقف بعضهم لما أخرجه / عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبـي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ما أدري أتبع كان لعيناً أم لا وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم لا وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا» تفسير : وأنت تعلم أن هذا النفي لم يكن ليستمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يكون درى عليه الصلاة والسلام فيما بعد أنه لم يكن نبياً كما يدل عليه ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه فإنه لم يكن يقول ذلك إلا عن سماع، ويشهد لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن سالم بن أبـي الجعد قال: سئل علي كرم الله تعالى وجهه عن ذي القرنين أنبـي هو؟ فقال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول هو عبد ناصح الله تعالى فنصحه. {وَءاتَيْنَاهُ مِنَ كُلّ شَىْء} أراده من مهمات ملكه ومقاصده المعلقة بسلطانه {سَبَباً} أي طريقاً يوصله إليه وهو كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة لا العلم فقط وإن وقع الاقتصار عليه في بعض الآثار، ومن بيانية والمبين سبباً وفي الكلام مضاف مقدر أي من أسباب كل شيء، والمراد بذلك الأسباب العادية، والقول بأنه يلزم على التقدير المذكور أن يكون لكل شيء أسباب لا سبب وسببان ليس بشيء، وجوز أن يكون من تعليلية فلا تقدير واختاره بعضهم فتأمل، واستدل بعض من قال بنبوته بالآية على ذلك وليس بشيء كما لا يخفى.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآتَيْنَاهُ} (84) - إِنَّا أَعْطَيْنَاهُ مُلْكاً عَظِيماً ثَابِتاً مُمَكَّناً لَهُ فِيهِ، وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ عِلْماً، وَبَسَطْنَا لَهُ اليَدَ، وَقَدَّرْنَا لَهُ الأَسْبَابَ الَّتِي تُوصِلُهُ إِلى مَا يُرِيدُ. سَبَباً - عِلْماً وَطَرِيقاً يُوصِلُهُ إِلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التمكين: أي أننا أعطيناه إمكانات يستطيع بها أن يُصرِّف كل أموره التي يريدها؛ لأنه مأمون على تصريف الأمور على حَسْب منهج الله، كما قال تعالى في آية أخرى عن يوسف عليه السلام: {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ ..}تفسير : [يوسف: 56]. فالتمكين يعني إعطاءه إمكانات لكل غرض يريده فيُصرِّف به الأمور، لكن لماذا مكنّاه؟ مكنّاه لأنه مأمون على تصريف الأمور وَفْق منهج الله، ومأمون على ما أعطاه الله من إمكانات. وقوله: {وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 84] أي: أعطيناه أسباباً يصل بها إلى ما يريد، فما من شيء يريده إلا ويجعل الله له وسيلة مُوصِّلة إليه. فماذا صنع هو؟ {فَأَتْبَعَ ...}.

الجيلاني

تفسير : أخبر عنه سبحانه بقوله: {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا وفضلنا {مَكَّنَّا لَهُ} وقدرناه {فِي ٱلأَرْضِ} تمكناً تاماً وقدرة كاملة {وَ} ذلك {آتَيْنَاهُ} أعطيناه تأييداً له وتعضيداً {مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 84] موصلاً إلى مبتغاه وما أَمِلَه؛ يعني: وفَّقنا وهيأنا أسبابه للوصول إلى كل مطلوبٍ قَصَدَه وأراد الوصول {فَأَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 85] حتى ارتكب أمر الوثوقة واتكاله علينا، وبإنجاحنا إياه إلى مبتغاه. ثم لما أراد أن يسير نحو المغرب، فاتبع سببه وسار {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ} أي: موضعاً تغيب الشمس فيه؛ يعني: لم يبلغه حقيقةً، وإنما بلغ قوماً ليس وراءهم؛ أي: نهاية حد العمارة من جانب المغرب على ساحل المحيط {وَجَدَهَا} أي: الشمس {تَغْرُبُ} وتغيب {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي: ذات حمأة وهي الطين والماء، وقرئ: "حمية" أي: حارةٍ. ويجوز أن يكون عيناً ذات حماءةٍ حرارةٍ، يعني: غروبها في رأي العين على عين صفتها هذه، وإلا فلا تسع الشمس في جميع كرة الأرض، فكيف بجزءٍ منها؛ إذ نسبه كرة الأرض إلى عظم جرم الشمس عند أهل الرصد كنسبةِ جزءٍ من مائةٍ وست وستين جزءاً. {وَوَجَدَ عِندَهَا} أي: عند العين الموصوفة {قَوْماً} كفاراً نافين للصانع الحكيم، لباسُهم جلود الوحوش وطعامهم ما لفظ البحر بالموج من أنواع الحيوانات الميتة، فلما وصل ذو القرنين إليهم ووجدهم كفاراً، خيرناه في أمرهم عنايةً منا بأن {قُلْنَا} له وألهمنا عليه منادياً: {يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} لك الخيار في شأن هؤلاء الكفار {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ} أي: تهلكهم وتستأصلهم بكفرهم؛ بيحث لا يبقى منه أحد {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ} وتصنع {فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86] شرعاً وديناً كما في سائر المؤمنين. ثم لما خُيّر ذو القرنين في أمرهم، وفُوِّض أمرُهم إليه: {قَالَ} على مقتضى العدل والإنصاف الذي جبله الحق عليه: ادعوهم أولاً إلى الإيمان، وألقِ عليهم كلمة التوحيد والعرفان: {أَمَّا مَن ظَلَمَ} واستعلى وأبى وأصرّ على ما عليه من الكفر منه والهوى {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} أي: نقتله حداً بعد عرض الإسلام، ولم يقبل في دار الدنيا {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ} في يوم الجزاء {فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87] شديداً مجهولاً لا يعرفه أهل الدنيا. {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ} منهم {وَعَمِلَ} على مقتضى الإيمان عملاً {صَالِحاً} فنصلح حالهم، ونراعيه في الدنيا {فَلَهُ} في يوم الجزاء عند واهب العطايا {جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} والمثوبة العظمى والدرجة العليا والجزاء الأوفى {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا} الذي أمرنا بالتخير في أمر أولئك الهالكين في تيه الغواية {يُسْراً} [الكهف: 88] سهلاً معتدلاً بين إفراط القتل والاستئصال، وتفريط الإبقاء على الكفر والضلال مداهنةً. {ثُمَّ} بعدما وضع بين أهل المغرب الشرعَ بالأمر الإلهي {أَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 89] آخر يوصِله إلى المشرق، وسار {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِاً} ومضع شروقه وإضاءته على العالم {وَجَدَهَا تَطْلُعُ} وتضيء أولاً {عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْر} [الكهف: 90] يعني: لم نجعل لهم حائلاً كثيفاً وحجاباً غليظاً؛ ليكون ستراً لهم من حرّ الشمس وقت طلوعها لا من الجبل ولا من الحجر والشجرة وغيرها، بل كلهم عزلُ عراةُ لا لباس لهم أصلاً، وهم يحفرون الأرض، ويتخذون سراديب وأخاديد يدل الأبنية؛ لأن أرضهم لا تمسك النباء {كَذَلِكَ} أي: هم أيضاً كفارُ مثل أهل المغرب، وهم أشدُّ الناس في الحروب والمعارك وأجرئهم على القتال والاقتحام في الوغاء، ولهم آلاتُ واسلحة عجيبةُ وعُدَدٌ بديعة لا كمثل سائر آلات الناس وعُدَدهم، وهم أكثرهم أيضاً عدداً. {وَ} مع كثر عددهم ومركهم وخداعهم {قَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} [الكهف: 91] يعني: أعلمنا إسكندرَ ومن عنده من الجند والخدمة علماً بجال أعدائهم، فقاتلوا معهم وغلبوا عليهم، فوضع عليهم أيضاً شعائر الإسلام مثل ما وضع لأهل المغرب {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 92] ثالثاً، وسار على العرض بين المشرق والمغرب. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} أي: بين الجبلين اللذين سدَّ بينهما إسكندر بسدٍ منيعٍ، وهما جبلا يأجوج ومأجوج {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا} أي: عندهما {قَوْماً} أعجمياً {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ} ويفهمون {قَوْلاً} [الكهف: 93] لغةً من اللغات المتداولة. {قَالُواْ} بلسان الواسطة والترجمان: {يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} نحن أناس ضعفاء مظلومون نحتاج إلى إعانتك؛ لتنقذنا من يد الظلمة {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} عَلَمَان للقبيلتين من الترك هما {مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: في أرضنا هذه بأنواع الفسادات. قيل: كانوا يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر ربطاً إلا أكلوه، ولا يباساً إلا حملوه، وقيل: كانوا يأكلون الناس أيضاً. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} جُعلاً نوزع بيننا فيبلغ مبلغاً وافياً {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ} بسطوتك وسلطتك {بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} [الكهف: 94] منيعاً لا يمكنهم الخروج علينا فنأمن شرهم بجاهك. {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي: ما جعلني وخصني ربي بفضله وجوده مكيناً من المال والملك خير مما تجمعوت بتوزيعكم وتخريجكم، ولا حاجة إلى أموالكم بل إلى إعانتكم وسعيكم أُجراء {فَأَعِينُونِي} في وضع هذا السد {بِقُوَّةٍ} أي: عملةٍ وصنَّاع يأخذون مني أجرتهم ويعلمون {أَجْعَلْ} بفضل الله وسعة جوده إن تعلق به مشيئته {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} [الكهف: 95] حاجزاً حصيناً منعياً وثيقاً؛ بحيث لا يقبل التخريب إلى انقراض الدنيا. {آتُونِي} وأحضروا عندي أولاً {زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} أي: قطعها الكبيرة، فَأتَوا بها فأمرهم بحفر الأرض إلى أن وصل الماء، فوضع الأساس من الصخر النحاس المذاب حتى وصل وجه الأرض، ثم أمرهم بتنضيد قطع الحديد بأن وضعوا بين كلا قطعتي الحديد فحماً وحطباً، وأمرهم بارتفاعهم هكذا {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} أي: بين جانبي الجبلين حتى امتلأ بين الجبلين، وصار ما بينهما مساوياً للطرفين في الرفعة، ثم أمرهم بوضع المنافع العظام من كلا طرفي السد. ثم {قَالَ} لهم: {ٱنفُخُواْ} فنفخوا {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} أي: جعل المنفوخ فيه مثل النار في اللون الحرارة، فاحترق الحطب والفحم، واتصل بالزُبَر المحماة وبقيت فُرَجُ صغارُ إلى حيث لم تصل إلى الملاسة والاستواء {قَالَ آتُونِيۤ} نحاساً مذاباً {أُفْرِغْ} وأصب {عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف: 96] حتى يصير ملساءً مسوى لا فُرجَ لها، ولا يرى أوصالها أصلاً فصَبّ فاستوى فصار أملس كأنه لا فُرجَ فيه أصلاً. {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ} أي: ما قدر يأجوج ومأجوج {أَن يَظْهَرُوهُ} ويصعدوا عليه ويعلوا لارتفاعه وملاسته {وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} [الكهف: 97] لعمقه وغلظة كننه.