١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً يوصله إليه حتى بلغه، أما قوله: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ففيه مباحث: الأول: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في عين حامية بالألف من غير همزة أي حارة، وعن أبي ذر، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامية؛ وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عامر، والباقون حمئة، وهي قراءة ابن عباس واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية بألف فقال ابن عباس حمئة، فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين كذلك نجده في التوراة، والحمئة ما فيه ماء، وحمأة سوداء، واعلم أنه لا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعاً. البحث الثاني: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضاً قال: {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً } ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: {تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } من وجوه. الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره. الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله: {تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد السخونة. الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفاً قمرياً فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث. ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار. وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه ثم قال تعالى: {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً } الضمير في قوله عندها إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس. والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه، ثم قال تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } وفيه مباحث: الأول: أن قوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبياً وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر. البحث الثاني: قال أهل الأخبار في صفة ذلك الموضع أشياء عجيبة، قال ابن جريج: هناك مدينة لها إثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجبة الشمس حين تغيب. البحث الثالث: قوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } يدل على أن سكان آخر المغرب كانوا كفاراً فخير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم وبين المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح الأمرين كما خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم، وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء، ثم قال ذو القرنين: {أَمَّا مَن ظَلَمَ نَفْسَهُ } أي ظلم نفسه بالإقامة على الكفر. والدليل على أن هذا هو المراد أنه ذكر في مقابلته: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } ثم قال: {فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } أي بالقتل في الدنيا: {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } أي منكراً فظيعاً: {وَأَمَّا مَنْ امَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُ جَزَاء ٱلْحُسْنَىٰ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {جَزَاء ٱلْحُسْنَىٰ } بالنصب والتنوين والباقون بالرفع والإضافة، فعلى القراءة الأولى يكون التقدير فله الحسنى جزاء كما تقول لك هذا الثوب هبة، وأما على القراءة الثانية ففي التفسير وجهان. الأول: فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة الحسنى هي الإيمان والعمل الصالح. والثاني: أن يكون التقدير فله جزاء المثوبة الحسنى ويكون المعنى فله ذا الجزاء الذي هو المثوبة الحسنى والجزاء موصوف بالمثوبة الحسنى وإضافة الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله: { أية : وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [الأنعام: 32] و { أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ } تفسير : [الواقعة: 95] ثم قال: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل الميسر من الزكاة والخراج وغيرهما وتقدير هذا يسر كقوله: { أية : قَوْلاً مَّيْسُورًا } تفسير : [الإسراء: 28] وقرىء يسراً بضمتين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ } موضع غروبها {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا {وَوَجَدَ عِندَهَا } أي العين {قَوْماً } كافرين {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ } بإلهام {إِمَّا أَن تُعَذّبَ } القوم بالقتل {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } بالأسر.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَمِئَةٍ} ذات حمأة، أو طينة سوداء {حامية} حارة فكانت حارة ذات حمأة، وجدها تغرب في نفس العين، أو وراءها كأنها تغرب فيها {إمَّآ أَن تُعَذِّبَ} خُيِّر بين عقابهم والعفو عنهم، أو تعذبهم بالقتل لشركهم، أو تتخذ فيهم حسناً بإمساكهم بعد الأسر لتعلمهم الهدى وتنقذهم من العمى، قيل لم يُسلم منهم إلا رجل واحد.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر، أن ابن عباس رضي الله عنهما ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية في سورة الكهف "تغرب في عين حامية" قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقلت لمعاوية رضي الله عنه: ما نقرؤها إلا {حمئة} فسأل معاوية عبدالله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال عبدالله: كما قرأتها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب رضي الله عنه: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين - وأشار بيده إلى المغرب -. قال ابن أبي حاضر رضي الله عنه: لو أني عندكما أيدتك بكلام وتزداد به بصيرة في {حمئة}. قال ابن عباس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم وإتباعه إياه: شعر : قد كان ذو القرنين عمرو مسلماً ملكاً تدين له الملوك وتحسد فأتى المشارق والمغارب يبتغي أسباب ملك من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثاط حرمد تفسير : فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثاط؟ قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود. فدعا ابن عباس رضي الله عنهما غلاماً فقال له: اكتب ما يقول هذا الرجل. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {في عين حمئة}. وأخرج الحاكم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {في عين حمئة}. وأخرج الحافظ عبد الغني بن سعيد رضي الله عنه في إيضاح الإشكال من طريق مصداع بن يحيى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقرأنيه أبي بن كعب رضي الله عنه كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم {تغرب في عين حمئة} مخففة. وأخرج ابن جرير من طريق الأعرج قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يقرؤها {في عين حمئة} ثم قرأها "ذات حمئة". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ {في عين حمئة} قال كعب رضي الله عنه: ما سمعت أحداً يقرؤها كما هي في كتاب الله غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة "تغرب في حمئة سوداء". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر من طريق عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خالفت عمرو بن العاص عند معاوية في {حمئة} وحامية، قرأتها {في عين حمئة} فقال عمرو: "حامية" فسألنا كعباً فقال: إنها في كتاب الله المنزل "تغرب في طينة سوداء". وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن حاضر، عن ابن عباس قال: كنا عند معاوية فقرأ "تغرب في عين حامية" فقلت له: ما نقرؤها إلا {في عين حمئة} فأرسل معاوية إلى كعب فقال: أين تجد الشمس في التوراة تغرب؟ قال: أما العربية فلا علم لي بها، وأما أنا فأجد الشمس في التوراة تغرب في ماء وطين. وأخرج سعيد بن منصور عن طلحة بن عبيد الله، أنه كان يقرأ "في عين حامية". وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي، عن ابن عباس "في عين حامية" يقول: حارة. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن منيع وابو يعلى وابن جرير وابن مردويه، عن عبدالله بن عمرو قال: "حديث : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: نار الله الحامية، لو ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه، عن أبي ذر قال: "كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار، فرأى الشمس حين غربت فقال: أتدري أين تغرب؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تغرب في عين حامية" غير مهموزة. وأخرج سعيد بن منصور عن أبي العالية قال: بلغني أن الشمس تغرب في عين، تقذفها العين إلى المشرق. وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه، عن ابن جريج في قوله: {ووجد عندها قوماً} قال: مدينة لها اثنا عشر ألفا باب، لولا أصوات أهلها لسمع الناس دوي الشمس حين تجب. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي صالح قال: كان يقال: لولا لغط أهل الرومية سمع الناس وجبة الشمس حين تقع. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: لولا أصوات الصنافر لسمع وجبة الشمس حين تقع عند غروبها.
اسماعيل حقي
تفسير : {حتى اذا بلغ}[تاجون رسيد] {مغرب الشمس} اى منتهى الارض من جهة المغرب بحيث لا يتمكن احد من مجاوزته ووقف على حافة البحر المحيط. قال الشيخ اى بلغ قوما فى جهة ليس وراءهم احد لانه لا يمكنه ان يبلغ موضع غروب الشمس. قال فى التبيان ولما وصل ذو القرنين الى مغرب الشمس يطلب عين الحياة قال له شيخ هى خلف ارض الظلمة ولما اراد ان يسلك فى الظلمة سأل أى الدواب فى الليل ابصر قالوا الخيل فقال أى الخيل ابصر قالوا الاناث فقال أيى الاناث ابصر قالوا البكارة فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك فركبوا الرماك وترك بقية عسكره فدخلوا الظلمات فساروا يوما وليلة فاصاب الخضر العين لانه كان على مقدمة جيشه صاحب لوائه الاكبر فشرب منها واغتسل واخطأ ذو القرنين: قال الحافظ شعر : فيض ازل بزور زر ار آمدى بدست آب خضر نصيبه اسكندر آمدى تفسير : فساروا على حصحاص من حجارة لا يدرون ما هى فسألوه عنها فقال الاسكندر خذوا من هذه الحجار ما استطعتم فانه من اقل منها ندم ومن اكثر منها ندم فاخذوا وملأوا مخالى دوابهم من تلك الحجارة فلما خرجوا نظروا الى ما فى مخاليهم فوجدوه زمردا اخضر فندموا كلهم لكونهم لم يكثروا من ذلك {وجدها} اى رأى الشمس {تغرب فى عين حمئة} اى ذات حمأة وهى الطين الاسود. بالفارسية [آب مكدر لاى آميز] من حمئت البئر اذا كثرت حمأتها ولعله لما بلغ ساحل البحر رآها كذلك اذ ليس فى مطمح نظره غير الماء كراكب البحر ولذلك قال {وجدها تغرب} ولم يقل كانت تغرب. وقال بعضهم لما بلغ موضعا لم يبق بعده عمارة فى جانب المغرب وجد الشمس كأنها تغرب فى وهذه مظلمة كما ان راكب البحر يراها كأنها تغرب فى البحر اذا لم ير الشط وهى فى الحقيقة تغيب وراء البحر والا فقد علم ان الارض كرة والسماء محيطة به والشمس فى الفلك وجلوس قوم فى قرب الشمس غير موجود والشمس اكثر من الارض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها فى عين من عيون الارض. قال السمرقندى رحمه الله فى بحر العلوم فان قيل قد ورد فى الحديث ان الشمس تشرق من السماء الرابعة ظهرها الى الدنيا ووجهها يشرق لاهل السموات وعظمها مثل الدنيا ثلاثمائة مرة او ما شاء الله فكيف يمكن دخولها فى عين من عيون الارض قلنا ان قدرة الله تعالى باهرة وحكمته بالغة فالله تعالى قادران يدخل السموات السبع والارضين السبع فى اصغر شئ واحقر فما ظنك بما فيها من الشمس وغيرها انتهى. وفى التأويلات فان قال قائل انا قد علمنا ان الشمس فى السماء الرابعة ولها فلك خاص يدور بها فى السماء فكيف يكون غروبها فى عين حمئة قلنا ان الله تعالى لم يخبر عن حقيقة غروبها فى عين حمئة وانمااخبر عن وجدان ذى القرنين غروبها فيها فقال {وجدها تغرب فى عين حمئة} وذلك ان ذا القرنين ركب بحر الغرب واجرى مركب الى ان بلغ فى البحر موضعا لم يتمكن جريان المراكب فيه فنظر الى الشمس عند غروبها وجدها تغرب بنظره فى عين حمئة انتهى. قال بعضهم اذا كان ذو القرنين نبيا فنظر النبى ثاقب يرى الاشياء على ما هى عليها كما رأى النبى عليه السلام النجاشى من المدينة وصلى عليه وان لم يكن نبيا فذلك الوجدان بحسب حسبانه {ووجد عندها} عند تلك العين يعنى عند نهاية العمارة. وبالفارسية {يافت نزديك آن جشمه برساحل درياى محيط غربى]{قوما}[كروهى را در ناسك مذكوراست كه ايشان قومى بودند بت برست سبز جشم سرخ موى لباس ايشان بوست حيوانات وطعام ايشان كوشت حيوان آبى] قال بعضهم قوما فى مدينة لها اثنا عشر الف باب لولا اصوات اهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب وقال الامام السهيلى هم اهل جابلص بالفتح وهى مدينة يقال لها بالسريانية جرجيسا لها عشرة آلاف باب بين كل بابين فرسخ يسكنها قوم من نسل ثمود بقيتهم الذين آمنوا بصالح عليه السلام واهل جابلس آمنوا بالنبى عليه السلام لما مر بهم ليلة الاسراء. وقال فى اسئلة الحكم اما حديث جابلصا وجابلقا وايمان اهاليهما ليلة المعراج وانهما من الانسان الاول فمشهور {قلنا} بطريق الالهام ويدل على نبوته كونه مأمور بالقتال معهم كما قال عليه السلام "حديث : مرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله"تفسير : كما فى التأويلات. قال الحدادى لا يمكن اثبات نبوة الا بدليل قطعى {يا ذا القرنين اما ان تعذب واما ان تتخذ فيه حسنا} امرا ذاحسن فحذف المضاف اى انت مخير فى امرهم بعد الدعوة الى الاسلام اما تعذيبك بالقتل او ابوا واما احسانك بالعفو والاسر وسماهما احسانا فى مقابلة القتل ويجوز ان يكون اما وا ما للتوزيع والتقسيم دون التخيير اى ليكن شأنك معهم اما التعذيب واما الاحسان فالاول لمن بقى على حاله والثانى لمن تاب.
الجنابذي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ} اى الجانب الّذى يلى المغرب من الرّبع المسكون تنزيلاً ومقام الطّبع من عالم الكون والملكوت السّفلىّ من العالم الّتى هى دار الشّياطين والجنّة ومقام الاشقياء والاشرار فانّ الكامل يتنزّل تارةً الى عالم الطّبع والملكوت السّفلى حتّى يشاهد دقائقهما ويستجمع كمالاتهما ويصعد اخرى وقوله {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ذات الطّين الاسود، يشير الى التّأويل؛ فانّ شمس الرّوح والعقل غروبهما فى عين الطّبع الحمئة الّتى اختلط ماء الوجود فيها بحمأة المادّة ولوازمها من الحدود والتّعيّنات والاعدام فى العالم الصّغير والكبير وفى عين الملكوت السّفلى الّتى ماؤها اقلّ وحمأتها اكثر، وامّا غروب الشّمس المحسوس فانّه ليس الاّ بالتّجاوز عن دائرة الافق، وما قيل فى بيانه من احتمال انّه بلغ ساحل البحر المحيط فلم يكن فى مطمح نظره الاّ الماء قرآها تغرب فى الماء، لا يناسب التّعبير بالغروب فى العين الحمئة بل يناسبه التّعبير بالغروب فى الماء او فى البحر وامّا عالم الطّبع وما تحته فيناسبه التّعبير عنه بالعين الحمئة لاختفاء ماء الوجود تحت حمأة المادّة ولوازمها فيه. وما روى عن سيّدنا ومولانا امير المؤمنين (ع) من قوله فى عينٍ حاميةٍ فى بحرٍ دون المدنية الّتى ممّا يلى المغرب يعنى جابلقا، ناظرٌ الى التّأويل فانّ البحر الّذى دون جابلقا هو عالم الطّبع فانّ جالبلقا هو عالم المثال الهابط وهو المدنية الّتى تلى المغرب ودونه عالم الطّبع ودون عالم الطّبع عالم الجنّة والشّياطين المعبّر عنه بالملكوت السّفلى، ولفظ الحامية امّا من الحمأة بمعنى الحمئة او من الحمى بمعنى الحارّة وهكذا قوله (ع) لمّا انتهى مع الشّمس الى العين الحامية وجدها تغرب فيها ومعها سبعون الف ملكٍ يجرّونها بسلاسل الحديد والكلاليب يجرّونها فى قعر البحر فى قطر الارض الايمان كما تجرى السّفينة على ظهر الماء، ناظرٌ الى التّأويل، والمراد بقطر الارض الايمن عالم الطّبع فانّه ايمن بالنّسبة الى عالم الجنّة، او المراد به عالم المثال العلوىّ فانّه كثيراً ما يعبّر عنه بالارض {وَوَجَدَ عِندَهَا} عند العين الحمئة {قَوْماً} نكّر القوم ولم يصفه بوصفٍ كما فى قرينتيه تحقيراً لهم كأنّهم لغاية حقارتهم ونكارتهم لا يمكن توصيفهم وتعيينهم بوجهٍ {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} هذا الخطاب يدلّ على نبوّته اذ شأن الانبياء (ع) ان يخاطبوا بخطاب الله الاّ ان يقال: انّ الله خاطبه على لسان نبىّ وقته {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ} بسبب كفرهم وبعدهم بالقتل والاسر والنّهب وسائر انواع التّعذيب {وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} بتعليم الشّرائع واصلاح المفاسد ووضع السّياسات الشّرعيّة فيهم والعفو عن مسيئهم، وان مع صلته مبتدءٌ والخبر محذوف اى امّا تعذيبك كائن فيهم او اتّخاذك الحسن فيهم.
اطفيش
تفسير : {حَتَّى إذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أى فى عين ذات حمأة. والحمأَة. الطينة السوداء المنتنة. ويقال: حمئت البئر أى صارت فيها الحمأَة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى وأبو بكر حامية أى حارة. وهى قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر والحسن. حديث : وعن أبى ذر رضى الله عنه: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: يا أبا ذر أتدرى اين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. فإنها تغرب فى عين حاميةتفسير : . ولا منافاة بين القراءتين لجواز أن تكون العين جامعة للطينة السوداء وللحرارة. وقرأ ابن عباس حمئة عند معاوية. فقرأ معاوية حامية بالألف وياء. فقال ابن عباس: حمئة. فقال معاوية لعهد الله بن عمر: كيف تقرأ؟ قال: كما يقرأ أمير المؤمنين. ثم وجه إلى كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: فى ماء وطين. كذلك نجد فى التوراة. وروى أنه قال: فى ناط أَى ماء وطين فوافق قراءة ابن عباس وكان رجل حاضرا فأَنشد: شعر : فرأَى مغيب الشمس عند ماء بها ............. البيت تفسير : وروى أَن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا فى القراءة فجعل بينهما كعبا فوافق ابن عباس. ولعل غيوبها فى ماء وطين إنما هو بحسب نظر بالغ بساحل البحر المحيط بأن يكون قد بلغه ذو القرنين فرآها كذلك إذ لم يكن - حيث يقع بصره - غير الماء كما أن راكب البحر يراها كأنها تغيب فى البحر ولذلك قال: {وجدها تغرب} ولم يقل: كانت تغرب فكأنه قيل: تغرب فى ظنه أو علمه غير المطابق أو فى الحال التى لقيها كأنها تغرب فى ذلك؛ فإن جرم الشمس أضعاف الدنيا ولكن رواية كعب يتبادر منها أنها تغيب فى ذلك حقيقة ولو احتملت التأويل المذكور وعلى التأويل قرب الله له ساحل الجانب الآخر غير الذى هو فيه بقدر ما يرى طينه ويرى الشمس كأنها غائبة فيه وتكون العين البحر المحيط. ويجوز أن تكون فى معنى عند أى عند عين حمئة. {وَوَجَدَ عِنْدَهَا} أى عند العين من الجانب الذى هو فيه {قَوْماً} لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما لَفَظَه البحر وهم كفار. وقال ابن جريج: هم قوم فى مدينة لها اثنا عشر ألف باب وهم كفار. ويقال: إنها جابرسا واسمها بالسريانية حرحيسا. وقيل: بعضهم مؤمن وبعضهم كافر. وروى أنهم قوم من ثمود آمنوا بصالح وفيهم كفار لولا ضجيج أهل تلك المدينة لسمع الناس وجهة الشمس حين تَجِب أى حين تغيب. فإن كان هذا حديثاً عنه صلى الله عليه وسلم فلا إشكال وإلا فما لنا لا نسمع ضجيجهم الغائب لوجبتها عن أسماعنا. {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إمَّا أَنْ تُعَذِّبَ} بالقتل على كفرهم {وَإمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} بالإرشاد إلى التوحيد وتعليم الشرائع فذلك تخيير له بين قتلهم ودعائهم إلى الإيمان. وقيل: تعذيبهم: قتلهم واتخاذ الحسن فيهم: أسرهم سماه إحساناً بالنظر إلى القتل وفى مقابلته. وقيل: تعذيبهم: قتلهم. واتخاذ الحسن فيهم: تركهم. وقيل: اتخاذ الحسن: أن يأسرهم فيعلمهم الإيمان. وعلى أن فيهم مؤمنين وكافرين فالمراد بالقوم الكافرون والكلام فى التعذيب واتخاذ الحسن كما أن المراد بالقوم الكافرون والمؤمنون وإما تقسيم لفعله فيهم فالتعذيب للكفرة واتخاذ الحسن للمؤمنين والأول أنسب بقوله: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ} نفسه بالكفر والمعاصى والإصرار عليهما بعد أن دعوته للإيمان. {فَسَوْفَ نُعَذِّبهُ} نقتله إن لم يكن كتابياً معطياً للجزية فهم كحكم هذه الشريعة. ظاهر كلام بعض أنه قال: الحسن. {ثُمَّ يُرَدُّ إلَى ربِّهِ} للبعث إذا قامت الساعة. {فَيُعذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً} غير مألوف وغير معروف لشدته قال قتادة: كان يطبخ من أصر على الكفر فى القدورة فيجتمع عليه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وقرئ بإسكان الكاف.
اطفيش
تفسير : {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} منتهى الأرض من جهة المغرب، ساحل البحر المحيط الغربى، وفيه الجزائر الخالدات ينبت فيها الزعفران وغيره بلا حرث، ومنها يؤخذ الأطوال والأغراض، وهل المغرب أفضل من المشرق، ولذلك ابتدأ به ذو القرنين، ولقربه منه، ولحركته الشمسية، وذلك قول المغاربة، وقال المشارقة: المشرق أفضل. قال السيوطى: لا قطع بتفضيل إِحدى الجهتين على الأخرى لتعارض الأدلة، والخلاف فى غير مكة والمدينة، وبيت المقدس، فالثلاثة أفضل إجماعا. {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} ذات حمأة، وهى الطين الأسود. يقال: حمئت البئر تحمأ إذا كثرت حمأتها. سأل معاوية كعب الأحبار: أين تجد الشمس تغرب فى التوراة، فقال: سل أهل العزيمة، فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإنى أجدها تغرب فى التوراة فى ماء وطين، وأشار بيده نحو المغرب، فقال ابن حاضر: عندى ما يؤدى، فقال ابن عباس: ما هو؟ قال: قول تبع فى ذى القرنين: شعر : فرأى مغرب الشمس عند غروبها فى عين ذى خلب وتلط حرمد تفسير : قال ابن عباس: ما الخلب؟ قال: الطين، قال: فما التلط؟ قال: الحمأة، قال: ما الحرمد؟ قال: الأسود، فأحضر ابن عباس غلامًا يكتب ذلك، ومعنى غروبها فى عين حمئة أَنها عندها فى رأى العين، أو تغرب فيها بالتوهم، كما ترى تطلع من البحر أو الأرض، وتغرب فى أحدهما، والعين الحمئة: البحر، فإنه عند الله كالقطرة، وزعم بعض أنها تغرب من الماء شتاء فى الليل، فيكون سخنًا لطول الليل، بخلاف ليل الصيف، والحق أنها لا تزال فى السماء تغيب عن موضع، وتطلع على موضع. ومعنى سجودها عند العرش فى الحديث: سجودها وهى جارية فى موضع مخصوص، تحت موضع مخصوص من العرش، لأن العرش محيط بالأرض كلها، وهى أبداً تحته، أو شبه غاية انحطاطها كل ليلة بالسجود، وذلك الانحطاط هو مستقرها، ولا يصح ما قيل: إنها تسجد تحت العرش فوق السموات السبع، تسرع سرعة الملائكة، وترجع إلى موضعها فى وقت الفجر، لأن العيان ينكر ذلك، ومعاينة شأنها صريح فى بطلان ذلك كما يأتى قريبًا بعض ذلك، بل الخليل رصدها فى منارة الإسكندرية، فرأى الشفق الأبيض ينتقل من حيث غربت، من موضع إلى موضع فى المغرب، والشمال والمشرق، حتى طلعت من المشرق، والله قادر. ومعنى مسيرها تحت الأرض: أن الأرض حالت بينها وبين أصحاب كل ليل، وسترتها وهى أكبر من الأرض بأضعاف فيما قيل، وفى بعض الآفاق تبقى الشمس ظاهرة ستة أشهر، وتغرب عنها ستة أشهر، كما فى أُمتى عرض تسعين، وتغيب مقدار ساعة، ويظهر نورها من قبل المشرق فى بعض العروض، كما فى بلغار. وذكر ابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : سخونة الماء شتاء لطول مكث الشمس فى الأرض فى الليل وإذا كان الصيف أسرعت فيبرد الماء"تفسير : والله أعلم بصحة الحديث فى هذا. {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} عند تلك العين، على ساحل البحر، ولباسهم جلود السباع، وطعامهم ما يلقيه البحر، وهم ناس لا يحصيهم إِلا الله، أو قوم من ثمود، يسكنون جابرسا، وبالسريانية جرجيا، والجمهور على أنهم كافرون، وقيل: بعضهم مؤمنون. {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذَّبَ} أى تعذبهم بالقتل من أول الأمر {وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} أمراً ذا حُسن، أو أمراً حسنًا بفتح السين، أو نفس الحسن بالإسكان، وهو أن لا تقتلهم حتى تدعوهم إلى الله عز وجل، فيأبوا، واستدل بالآية على أنه نبى، وأجيب بأن القول بواسطة ملك أو نبى ذلك العصر أو بإلهام، واعترض بأَنه لا يجترأ على القتل بالإلهام. قلت: بلى. لأن صاحبه يتوثق، وأما أن يستدل على الجواز بذبح إبراهيم ولده، فلا لأن رؤيا الأنبياء وحى، ولم يقل: وإما أن تدعوهم تلويحا بتفضيل الدعاء إلى الله على القتل أول مرة، بأن ذكره بلفظ الحسن.
الالوسي
تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ} أي منتهى الأرض من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحد من مجاوزته ووقف كما هو الظاهر على حافة البحر المحيط الغربـي الذي يقال له أوقيانوس وفيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هِيَ مبدأ الأطوال على أحد الأقوال {وَجَدَهَا} أي الشمس {تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي ذات حمأة وهي الطين الأسود من حمئت البئر تحمأ حمأ إذا كثرت حمأتها. وقرأ عبد الله وطلحة بن عبيد الله وعمرو بن العاص وابنه عبد الله وابن عمر ومعاوية والحسن وزيد بن علي وابن عامر وحمزة والكسائي {حامية} بالياء أي حارة، وأنكر هذه القراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أول ما سمعها، فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طريق عثمان بن أبـي حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية قرأ {في عين حامية} فقال له: ما نقرؤها إلا حَمِئَةٍ فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرأها؟ فقال: كما قرأتها فقلت: في بيتي نزل القرآن فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة فقال كعب: سل أهل العزيمة فإنهم أعلم بها وأما أنا فإني لم أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب، قال ابن أبـي حاضر: لو أني / عندكما أيدتك بكلام تزاد به بصيرة في {حَمِئَةٍ}، قال ابن عباس: وما هو؟ قلت: قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه قد كان ذو القرنين إلى آخر الأبيات الثلاثة السابقة ومحل الشاهد قوله:شعر : فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد تفسير : فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قال: ابن أبـي حاضر الطين بكلامهم فقال: فما الثأط؟ قال: الحمأة فقال: فما الحرمد؟ قال: الأسود فدعا ابن عباس غلاماً فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل ولا يخفى أنه ليس بين القراءتين منافاة قطعية لجواز كون العين جامعة بين الوصفين بأن تكون ذات طين أسود وماؤها حار ولجواز كون القراءة بالياء أصلها من المهموز قلبت همزته ياء لإنكسار ما قبلها وإن كان ذلك إنما يطرد إذا كانت الهمزة ساكنة كذا قيل. وتعقب بأنه يأباه ما جرى بين ابن عباس ومعاوية. وأجيب بأنه إذا سلم صحته فمبناه السماع والتحكيم لترجيح إحدى القراءتين، وظاهر ما سمعت ترجيح قراءة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكأن رجوع معاوية لقراءة ابن عباس على ما ذكره القرطبـي كان لذلك. نعم ما أخرجه ابن أبـي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه حديث : عن أبـي ذر قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حمار فرأى الشمس حين غربت فقال: أتدري حيث تغرب؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تغرب في عين حامية تفسير : ، غير مهموزة يوافق قراءة معاوية ويدل على أن {فِى عَيْنٍ} متعلق بتغرب كما هو الظاهر، وقول بعض المتعسفين بأنه متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل {وَجَدَهَا} مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وكأن الذي دعاه إلى القول بذلك لزوم إشكال على الظاهر فإن جرم الشمس أكبر من جسم الأرض بأضعاف مضاعفة فكيف يمكن دخولها في عين ماء في الأرض، وهو مدفوع بأن المراد وجدها في نظر العين كذلك إذ لم ير هناك إلا الماء لا أنها كذلك حقيقة وهذا كما أن راكب البحر يراها كأنها تطلع من البحر وتغيب فيه إذا لم ير الشط والذي في أرض ملساء واسعة يراها أيضاً كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها، ولا يرد على هذا أنه عبر بوجد والوجدان يدل على الوجود لما أن وجد يكون بمعنى رأى كما ذكره الراغب فليكن هنا بهذا المعنى. ثم المراد بالعين الحمئة إما عين في البحر أو البحر نفسه، وتسميته عيناً مما لا بأس به خصوصاً وهو بالنسبة لعظمة الله تعالى كقطرة وإن عظم عندنا وزعم بعض البغداديين أن {فِى} بمعنى عند أي تغرب عند عين، ومن الناس من زعم أن الآية على ظاهرها ولا يعجز الله تعالى شيء ونحن نقر بعظم قدرة الله عز وجل ولا نلتفت إلى هذا القول، ومثله ما نقله الطرطوشي من أنها يبلعها حوت بل هذا كلام لا يقبله إلا الصبيان ونحوهم فإنها قد تبقى طالعة في بعض الآفاق ستة أشهر وغاربة كذلك كما في أفق عرض تسعين وقد تغيب مقدار ساعة ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض كما في بلغار في بعض أيام السنة فالشمس على ما هو الحق لم تزل سائرة طالعة على قوم غاربة على آخرين بحسب آفاقهم بل قال إمام الحرمين: لا خلاف في ذلك، ويدل على ما ذكر ما أخرجه ابن أبـي حاتم في «تفسيره» وأبو الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، وكذا ما أخرجه ابن عساكر عن الزهري أن خزيمة بن حكيم السلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سخونة الماء في الشتاء وبرده في الصيف فقال: إن الشمس إذا سقطت تحت الأرض سارت حتى تطلع من مكانها فإذا طال الليل كثر لبثها في الأرض فيسخن / الماء لذلك فإذا كان الصيف مرت مسرعة لا تلبث تحت الأرض لقصر الليل فثبت الماء على حاله بارداً، ولا يخفى أن هذا السير تحت الأرض تختلف فيه الشمس من حيث المسامتة بحسب الآفاق والأوقات فتسامت الأقدام تارة ولا تسامتها أخرى فما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن قال: إذا غربت الشمس دارت في فلك السماء مما يلي دبر القبلة حتى ترجع إلى المشرق الذي تطلع منه وتجري منه في السماء من شرقها إلى غربها ثم ترجع إلى الأفق مما يلي دبر القبلة إلى شرقها كذلك هي مسخرة في فلكها وكذلك القمر لا يكاد يصح. ويشكل على ما ذكر ما أخرجه البخاري حديث : عن أبـي ذر قال: كنت مع النبـي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش تفسير : فذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَـا} تفسير : [يس: 38]. وأجيب بأن المراد أنها تذهب تحت الأرض حتى تصل إلى غاية الانحطاط وهي عند وصولها دائرة نصف النهار في سمت القدم بالنسبة إلى أفق القوم الذين غربت عنهم وذلك الوصول أشبه شيء بالسجود بل لا مانع أن تسجد هناك سجوداً حقيقياً لائقاً بها فالمراد من تحت العرش مكاناً مخصوصاً مسامتاً لبعض أجزاء العرش وإلا فهي في كل وقت تحت العرش وفي جوفه، وهذا مبني على أنه جسم كري محيط بسائر الأفلاك والفلكيات وبه تحدد الجهات وهذا قول الفلاسفة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه ما يتعلق بذلك، وعلى ما ذكر فالمراد بمستقرها محل انتهاء انحطاطها فهي تجري عند كل قوم لذلك المحل ثم تشرع في الارتفاع، وقال الخطابـي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش إنها تستقر تحته استقراراً لا نحيط به نحن وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك في سورة يس، وبالجملة لا يلزم على هذا التأويل خروج الشمس عن فلكها الممثل بل ولا عن خارج المركز وإن اختلف قربها وبعدها من العرش بالنسبة إلى حركتها في ذلك الخارج. نعم ورد في بعض الآثار ما يدل على خروجها عن حيزها، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الشمس إذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلع الشمس وهو وإن لم تأباه قواعدنا من شمول قدرة الله تعالى سائر الممكنات وعدم امتناع الخرق والالتئام على الفلك مطلقاً إلا أنه لا يتسنى مع تحقق غروبها عند قوم وطلوعها عند آخرين وبقائها طالعة نحو ستة أشهر في بعض العروض إلى غير ذلك مما لا يخفى فلعل الخبر غير صحيح. وقد نص الجلال السيوطي على أن أبا الشيخ رواه بسند واه ثم إن الظاهر على رواية البخاري ورواية ابن أبـي شيبة ومن معه أن أبا ذرّ رضي الله تعالى عنه سئل مرتين إلا أنه رد العلم في الثانية إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم طلباً لزيادة الفائدة ومبالغة في الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم. {وَوَجَدَ عِندَهَا} أي عند تلك العين على ساحل البحر {قَوْماً} لباسهم على ما قيل: جلود السباع وطعامهم ما لفظه البحر، قال وهب بن منبه: هم قوم يقال لهم: ناسك لا يحصيهم كثرة إلا الله تعالى. وقال أبو زيد السهيلي: هم قوم من نسل ثمود كانوا يسكنون جابرسا وهي مدينة عظيمة لها اثنا عشر باباً / ويقال لها بالسريانية: جرجيسا، وروي نحو ذلك عن ابن جريج، وزعم ابن السائب أنه كان فيهم مؤمنون وكافرون، والذي عليه الجمهور أنهم كانوا كفاراً فخيره الله تعالى بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإيمان وذلك قوله تعالى: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذّبَ} بالقتل من أول الأمر {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} أي أمراً ذا حسن على حذف المضاف أو على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة وذلك بالدعوة إلى الحق والإرشاد إلى ما فيه الفوز بالدرجات؛ ومحل إن مع صلته إما الرفع على الابتداء أو على الخبر وإما النصب على المفعولية إما تعذيبك واقع أو إما أمرك تعذيبك أو إما تفعل أو توقع تعذيبك وهكذا الحال في الاتخاذ، وقدم التعذيب لأنه الذي يستحقونه في الحال لكفرهم، وفي التعبير ـ بإما أن تتخذ فيهم حسناً ـ دون إما أن تدعوهم مثلاً إيماء إلى ترجيح الشق الثاني. واستدل بالآية من قال بنبوته، والقول عند بعضهم بواسطة ملك وعند آخرين كفاحاً ومن لم يقل بنبوته قال: كان الخطاب بواسطة نبـي في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاماً لا وحياً بعد أن كان ذلك التخيير موافقاً لشريعة ذلك النبـي. وتعقب هذا بأن مثل هذا التخيير المتضمن لإزهاق النفوس لا يجوز أن يكون بالإلهام دون الإعلام وإن وافق شريعة، ونقض ذلك بقصة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه بالرؤيا وهي دون الإلهام، وفيه أن رؤية الأنبياء عليهم السلام وإلهاماتهم وحي كما بين في محله، والكلام هنا على تقدير عدم النبوة وهو ظاهر. وقال علي بن عيسى: المعنى قلنا يا محمد قالوا أي جنده الذين كانوا معه يا ذا القرنين فحذف القول اعتماداً على ظهور أنه ليس بنبـي وهو من التكلف بمكان، وقريب منه دعوى أن القائل العلماء الذين معه قالوه عن اجتهاد ومشاورة له بذلك ونسبه الله تعالى إليه مجازاً، والحق أن الآية ظاهرة الدلالة في نبوته ولعلها أظهر في ذلك من دلالة قوله تعالى: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى} تفسير : [الكهف: 82] على نبوة الخضر عليه السلام، وكأن الداعي إلى صرفها عن الظاهر الأخبار الدالة على خلافها، ولعل الأولى في تأويلها أن يقال: كان القول بواسطة نبـي.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} الآية. قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم "حمئة" بلا ألف بعد الحاء، وبهمزة مفتوحة بعد الميم المكسورة. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم "حامية" بألف بعد الحاء، وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل. فعلى القراءة الأولى فمعنى "حمئة" ذات حمأة وهي الطين الأسود، ويدل لهذا التفسير قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26] والحمأ: الطين كما تقدم. ومن هذا المعنى قول تبع الحميري فيما يؤثر عنه يمدح ذا القرنين: شعر : بلغ المشارق والمغارب يبتغى أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد تفسير : والخلب - في لغة حمير -: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. وعلى قراءة "حامية" بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنها حارة، وذلك لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. ولا منافاة بين القراءتين حق. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وجدها تغرب في عين حمئة" أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه - إلى آخر كلامه. ومقتضى كلامه أن المراد بالعين في الآية البحر المحيط، وهو ذو طين أسود. والعين تطلق في اللغة على ينبوع الماء. والينبوع: الماء الكثير. فاسم العين يصدق على البحر لغة. وكون من على شاطىء المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط في البحر أمر معروف. وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} ذات حمأةٍ، وهو الطِّين الأسود {ووجد عندها} عند العين {قوماً قلنا: يا ذا القرنين إما أن تعذب} إمَّا أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه {وإمَّا أن تتخذ فيهم حسناً} تأسرهم فتعلِّمهم الهدى، خيَّره الله تعالى بين القتل والأسر، فقال: {أما من ظلم} أشرك {فسوف نعذبه} نقتله إذا لم يرجع عن الشِّرك {ثم يرد إلى ربه} بعد القتل {فيعذبه عذاباً نكراً} يعني: في النَّار. {وإمَّا مَنْ آمن وعمل صالحاً فله جزاءً الحسنى} الجنَّة {وسنقول له من أمرنا يسراً} نقول له قولاً جميلاً. {ثم أتبع سبباً} سلك طريقاً آخر يوصله إلى المشرق. {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم} عُراةٍ {لم نجعل لهم من} دون الشمس {ستراً} سقفاً ولا لباساً. {كذلك} القبيل الذين كانوا عند مغرب الشَّمس في الكفر {وقد أحطنا بما لديه} من الجنود والعدَّة {خبراً} علماً؛ لأنَّا أعطيناه ذلك. {ثم أتبع سبباً} ثالثاً يُبلِّغه قطراً من أقطار الأرض. {حتى إذا بلغ بين السدين} وهما جبلان سدَّ بينهما ذو القرنين {وجد من دونهما} عندهما {قوماً لا يكادون يفقهون قولاً} لا يفهمون كلاماً، فاشتكوا إليه فساد يأجوج ومأجوج، وأذاهم إيَّاهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 86- وسار حتى وصل إلى مكان سحيق جهة الغرب، فوجد الشمس - فى رأى العين - تغرب فى مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود، وبالقرب من هذه العين وجد ذو القرنين قوماً كافرين، فألهمه الله أن يتخذ فيهم أحد أمرين: إما أن يدعُوهم إلى الإيمان، وهذا أمر حسن فى ذاته، وإما أن يقاتلهم إن لم يجيبوا داعى الإيمان. 87- فأعلن ذو القرنين فيهم: أن من ظلم منهم نفسه بالبقاء على الشرك، استحق العذاب الدنيوى على يديه، ثم يرجع إلى ربه فيعذبه عذاباً شديداً ليس معروفاً لهم. 88- وأن من استجاب له وآمن بربّه وعمل صالحاً، فله العاقبة الحسنى فى الآخرة، وسنعامله فى الدنيا برفق ويسر. 89- ثم سار ذو القرنين كذلك، مستعيناً بتوفيق الله، واتبع سبباً للوصول إلى مطلع الشمس مشرقا. 90- حتى بلغ مشرق الشمس - فى رأى العين - فى نهاية ما وصل إليه من العمران، فوجدها تطلع على قوم يعيشون على الفطرة الأولى لا يسترهم من حرها ساتر. 91- وكما دعا ذو القرنين السابقين من أهل المغرب إلى الإيمان دعا هؤلاء وسار فيهم سيرته الأولى. 92- ثم سار كذلك مستعيناً بما هيَّأ الله له من أسباب التوفيق، سالكاً طريقاً بين الشرق والغرب.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} (86) - فَسَلَكَ هَذا الطَّرِيقَ حَتَّى وَصَلَ إِلى أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ السَّائِرُ، نَحْوَ الغَرْبِ (وَقِيلَ إِنَّهُ وَقَفَ عَلَى سَاحِلِ المُحِيطِ الأَطْلَسِيِّ)، فَرَأَى الشَّمْسَ وَكَأَنَّهَا تَغْرُبُ، فِي البَحْرِ، فِي عَيْنٍ مِنْ طِينٍ أَسْوَدَ، وَوَجَدَ فِي المَكَانِ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ فِي سَيْرِهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ كُفَّاراً، وَقَدْ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ بِطَرِيقِ الإِلْهَامِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، إِنْ هُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِتَعْلِيمِهِمْ طَرِيقَ الهُدَى وَالرَّشَادِ، وَيُبَصِّرَهُمْ بِأَحْكَامِ الشَّرَائِعِ وَالقَوَانِينِ. تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ - بِحَسَبِ رَأْيِ العَيْنِ. حِمْئَةٍ - ذَاتِ حَمْأَةٍ وَالحَمْأَةُ هِيَ الطِّينُ الأَسْوَدُ وَهُنَاكَ مَنْ قَرَأَهَا فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ أَيِ حَارَّةٍ. حُسْناً - الدَّعْوَةُ إِلَى الحَقِّ وَالهُدَى بِالمَعْرُوفِ وَالإِحْسَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبلوغه مغرب الشمس دليل على أنه لم يكُنْ بهذا المكان، بل كان قادماً إليه من المشرق. ومعنى {مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ} هل الشمس تغرب؟ هي تغرب في عين الرائي في مكان واحد، فلو لاحظتَ الشمس ساعة الغروب لوجدتها تغربُ مثلاً في الجيزة، فإذا ذهبت إلى الجيزة وجدتها تغرب في مكان آخر وهكذا، إذن: غروبها بمعنى غيابها من مرأىَ عينك أنت؛ لأن الشمس لا تغيب أبداً، فهي دائماً شارقة غاربة، بمعنى أنها حين تغرب على قوم تشرق على آخرين؛ لذلك تتعدد المشارق والمغارب. وهذه أعطتنا دوام ذكر الله ودورانه على الألسنة في كل الأوقات، فحين نصلي نحن الظهر مثلاً يصلي غيرنا العصر، ويصلي غيرهم المغرب، وهكذا فالحق سبحانه مذكور في كل وقت بكل وقت، فلا ينتهي الظهر لله، ولا ينتهي العصر لله، ولا ينتهي المغرب لله، بل لا ينتهي الإعلام بواحدة منها طوال الوقت، وعلى مَرِّ الزمن؛ لذلك يقول أهل المعرفة: يا زمن وفيك كل الزمن. ثم يقول تعالى: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ..} [الكهف: 86] أي: في عين فيها ماء. وقلنا: إن الحمأ المسنون هو الطين الذي اسودّ لكثرة وجوده في الماء. وفي تحقيق هذه المسألة قال عالم الهند أبو الكلام آزاد، ووافقه فضيلة المرحوم الشيخ عبد الجليل عيسى، قال: عند موضع يسمى (أزمير). وقوله: {وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ..} [الكهف: 86] أي: عند هذه العين {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86] إذن: فهذا تفويض له من الله، ولا يُفوَّض إلا المأمون على التصرُّف {إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ..} [الكهف: 86] ولا بُدّ أنهم كانوا كفرة أو وثنيين لا يؤمنون بإله، فإما أنْ تأخذهم بكفرهم، وإما أن تتخذَ فيهم حُسْناً. لكن ما وجه الحُسْن الذي يريد الله أن يتخذه؟ يعني أنهم قد يكونون من أهل الغفلة الذين لم تصلهم الدعوة، فبيّن لهم وجه الصواب ودلّهم على دين الله، فَمنْ آمن منهم فأحسن إليه، ومَنْ أصرّ على كُفْره فعذّبه، إذن: عليك أن تأخذهم أولاً بالعِظَة الحسنة والبيان الواضح، ثم تحكم بعد ذلك على تصرفاتهم. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} معناه سَوداءٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):