Verse. 2229 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

ثُمَّ اَتْـبَـعَ سَبَبًا۝۸۹
Thumma atbaAAa sababan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أتبع سببا» نحو المشرق.

89

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أولاً أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مغرب الشمس أتبعه ببيان أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مطلع الشمس فبين الله تعالى أنه وجد الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً وفيه قولان. الأول: أنه ليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب واغلة في الأرض أو غاصوا في الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش حالهم بالضد من أحوال سائر الخلق. والقول الثاني: أن معناه أنه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبداً ويقال في كتب الهيئة إن حال أكثر الزنج كذلك وحال كل من يسكن البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك، وذكر في كتب التفسير أن بعضهم قال: سافرت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه الواحدة ويلبس الأخرى ولما قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم فلما ارتفع النهار جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً } وفيه وجوه: الأول: أي كذلك فعل ذو القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به. والثاني: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسوله عليه السلام في هذا الذكر. والثالث: كذلك كانت حالته مع أهل المطلع كما كانت مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء كما قضى في أولئك، من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين. والرابع: أنه تم الكلام عند قوله كذلك والمعنى أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم كما وجدهم عليه ذو القرنين ثم قال بعده: {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً } أي كنا عالمين بأن الأمر كذلك.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} ثم أتبع طريقاً يوصله إلى المشرق.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ثم سلك طريقاً، فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مرّ بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل، فإن أطاعوه، وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الأقاليم المتاخمة لهم، وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفاً وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض، حتى بلغ المشارق والمغارب، ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ} أي: أمة {لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس. وقال سعيد بن جبير: كانوا حمراً قصاراً، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك. قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل ابن أبي الصلت، سمعت الحسن، وسأل عن قول الله تعالى: {لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس، تغوروا في المياه، فإذا غربت، خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم. قال الحسن: هذا حديث سمرة، وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئاً، فهم إذا طلعت الشمس، دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس، خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم. وعن سلمة ابن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان، إذا طلعت الشمس، طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} قال: هم الزنج. وقال ابن جرير في قوله: {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس، دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ههنا فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض. وقوله: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} قال مجاهد والسدي: علماً، أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض؛ فإنه تعالى {أية : لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [آل عمران: 5].

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } نحو المشرق.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} قرىء بقطع الألف، وقرىء بوصلها وفيها وجهان: أحدهما: معناهما واحد. الثاني: مختلف. قال الأصمعي: بالقطع إذا لحق، وبالوصل إذا كان على الأثر، وإن لم يلحق. {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} قرىء بكسر اللام، وقرىء بفتح اللام، وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: معناهما واحد. الثاني: معناهما مختلف. وهي بفتح اللام الطلوع، وبكسرها الموضع الذي تطلع منه. والمراد بمطلع الشمس ومغربها ابتداء العمارة وانتهاؤها. {وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً} يعني من دون الشمس ما يسترهم منها من بناء أو شجر أو لباس. وكانوا يأوون إذا طلعت عليهم إلى أسراب لهم، فإذا زالت عنهم خرجوا لصيد ما يقتاتونه من وحش وسمك. قال ابن الكلبي: وهم تاريس وتأويل ومنسك. وهذه الأسماء والنعوت التي نذكرها ونحكيها عمن سلف إن لم تؤخذ من صحف النبوة السليمة لم يوثق بها، ولكن ذكرت فذكرتها. وقال قتادة. هم الزنج.

ابن عبد السلام

تفسير : {أتَّبِعُ} و {اتَّبع} واحد، أو بالقطع إذا لحق وبالوصل إذا كان على الأثر وإن لم يلحق.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم اتبع سببا} اى تبع وسلك طريقا راجعا من مغرب الشمس موصلا الى مشرقها. قال الكاشفى [قوم تماسك را باخودبرده لشكر نوررا زبيش روان كرد وعسكر ظلمت را ازبس بداشت وبجانب جنوب متوجه شده قوم هاويل را كه قطر ايمن بود مسخر كرد بهمان طريق كه درناسك مذكور شد بس روى بمشرق نهاد].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {مَطْلِعَ} فيه لغتان: الكسر والفتح،و {كذلك}: خبر عن مضمر، أي: أمر ذي القرنين كما وصفنا لك، أو صفة مصدر محذوف لِوَجَد، أو {نجعل} أي: وجدا أو جعلا كذلك، أو صفة لقوم، أي: على قوم مثل ذلك القبيل، الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم، أو صفة لستر، أي: سترًا مثل ستركم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم أَتْبَع} ذو القرنين {سببًا}: طريقًا راجعًا من مغرب الشمس، موصلاً إلى مشرقها، {حتى إِذا بلغ مَطْلِعَ الشمس} أي: الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولاً من معمورة الأرض، قيل: بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل: في أقل من ذلك. {وجدها تطْلُع على قوم} عراة {لم نجعلْ لهم من دونها سترًا} من اللباس والبنيان، قيل: هم الزنج، وفي اللباب: قيل: إنهم بنو كليب، وقيل: إن بني كليب طائفة منهم، وهم قوم بآخر صين الصين، على صور بني آدم، إلاّ أنهم لهم أذناب كأذناب الكلاب،ووجوه كوجوه الكلاب، وأكثر قُوتِهم الحوت، ومَن مات منهم أكلوه، وملأوا موضع دماغه مسكًا وعنبرًا، وحبسوه عندهم؛ تبركًا بآبائهم وأبنائهم. ثم قال: وليس لهم لباس إلا الجلود على عورتهم. هـ. وعن كعب: أن أرضهم لا تمسك الأبنية، وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب أو البحر، فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، يتراعون فيها كما ترعى البهائم. قال رجل من سمَرْقَنْد: خرجت حتى جاوزت الصين، فقالوا لي: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلاً حتى بلغتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه، ويلبس الأخرى، وكان صاحبي يُحسن لسانهم، فسألهم فقالوا: جئتنا تنظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة، فغشي عليَّ، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلَعت الشمس على الماء، إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سربًا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج. هـ. وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض. هـ. وقوله تعالى: {كذلك}: أي: أمر ذي القرنين كما وصفنا، في رفعة المحل وبسط الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل مغرب الشمس، من التخيير والاختيار، أو وجد قومًا عند مطلع الشمس كذلك، وحكم فيهم، بحكم أولئك. أو: {لم نجعل لهم} سترًا مثل ستركم من اللباس والأكنان والجبال. قال الحسن: كانت أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس هربوا إلى البحر. هـ. قال تعالى: {وقد أحطْنا بما لديه} من الأسباب والعُدَد، وما صدر عنه وما لاقاه {خُبْرًا}: علمًا تعلق بظواهره، وخفايا أمره، يعني: أن ذلك بلغ من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير. الإشارة: كان ذو القرنين في الظاهر يلتمس مطلع الشمس الحسية، وفي الباطن يلتمس مطلع الشمس المعنوية، وهي شمس القلوب، التي تكشف أستار الغيوب، ثم أتبع سبَبًا يُوصل إلى شمس العيان، فوجدها تطلع على قلوب أهل العرفان، لم يجعل لهم من دونها سِتْرًا على الدوام، لما أتحفهم به من غاية الوصال والإكرام، حتى قال قائلهم: لو حجب عني الحق تعالى طرفة عين ما أعددت نفسي من المسلمين، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقول: وجدها تطلع على أهل التجريد، الخائضين في بحار التوحيد، وأسرار التفريد، وفيهم قال المجذوب رضي الله عنه: شعر : أقَارِئينَ عِلْــمَ التَّوْحِيدِ هُنَا البُحورُ إلَيَّ تُنْبِي هَذَا مَقَامُ أَهْلِ التَّجْرِيد الْوَاقفِينَ مَع ربِّي تفسير : قد تجرّدوا من لباس الزينة والافتخار، ولبسوا لباس المسكنة والافتقار، فعوضهم الله تعالى في قلوبهم لباس الغنى والعز والاقتدار، صبروا قليلاً، واستراحوا زمنًا طويلاً، تذللوا قليلاً، وعزّوا عزًا طويلاً، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. ثمَّ أخذ ذو القرنين من الجنوب إلى الشمال

الجنابذي

تفسير : وعلّةً من علل جانب المشرق من الرّبع المسكون او من العالم تمكّن منها من الوصول اليه والتّسلّط على اهله والتّصرّف فيهم.

اطفيش

تفسير : إلى المشرق.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} طريقا من المغرب إِلى المشرق، راجعا.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي طريقاً راجعاً من مغرب الشمس موصلاً إلى مشرقها.

ابن عاشور

تفسير : تقدم خلاف القراء في {أتْبَعَ سَبَباً} فهو كذلك هنا. ومطلع الشمس: جهة المشرق من سلطانه ومملكته، بلغ جهة قاصية من الشرق حيث يُخال أن لا عمران وراءها، فالمطلع مكان الطلوع. والظاهر أنه بلغ ساحل بحر اليابان في حدود منشوريا أو كوريا شرقاً، فوجد قوماً تطلع عليهم الشمس لا يسترهم من حرها، أي لا جبل فيها يستظلون بظلّه ولا شجر فيها، فهي أرض مكشوفة للشمس، ويجوز أن يكون المعنى أنهم كانوا قوماً عراة فكانوا يتّقون شعاع الشمس في الكهوف أو في أسراب يتخذونها في التراب. فالمراد بالستر ما يستر الجسد. وكانوا قد تعودوا ملاقاة حرّ الشمس، ولعلهم كانوا يتعرضون للشمس ليدفعوا عن أنفسهم ما يلاقونه من القُر ليلاً. وفي هذه الحالة عبرة من اختلاف الأمم في الطبائع والعوائد وسيرتهم على نحو مناخهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (89) - ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعاً فَسَلَكَ الطَّرِيقَ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلى مَشْرِقِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: ذهب إلى مكان آخر.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن جده في الطلب واتباعه للسبب بقوله: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} [الكهف: 89-90] إشارة إلى أن هذا العالم عالم الأسباب لم يبلغ أحد إلى شيء من الأشياء، ولا إلى مقصد من المقاصد إلا أن مكنه الله تعالى، وأتاه سبب بلاغ ذلك الشي والمقصد، ووفقه لاتباع ذلك السبب، فباتباع السبب بلغ ذة القرنين مغرب الشمس ومطلعها. وبقوله: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} [الكهف: 91] يشير إلى أنه كما أتيناه من كل شيء سبباً؛ ليبلغ به إلى ذلك الشيء، كذلك أتيناه علم سبب الذي يبلغ بين السدين، {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} [الكهف: 89] أي: ذلك السبب. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف: 93]. فإن قيل: فكيف أخبر عنهم؟ إنهم {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}. ثم قال: {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} [الكهف: 94] قلنا: كلمة كاد: ليست لوقوع الفعل كقوله تعالى: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} تفسير : [مريم: 90] أي: قربت لانفطار فلم تنفطر، وإذا دخل فيها لا الجحود دوماً النفي يكون لوقوع الفعل كقوله تعالى: {أية : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [البقرة: 71] أي: قرب ألاَّ يذبحوها فذبحوها، وكذلك قوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف: 93] أي: قرب ألاَّ يفقهون قولاً يلين به قلب ذي القرنين؛ ليجعل لهم السد ففقهوا بإلهام الحق تعالى: {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} [الكهف: 94] والذي يدل على هذا قوله تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف: 95] أي: أعطاني الله من التمكين في قبول الخير والعمل به خير من تجرد قولكم. {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} [الكهف: 95] من ترتيب الآلات لا بالقول، {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} [الكهف: 95] ففسر القوة بقوله: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} [الكهف: 96-97]. وفي قوله: {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} [الكهف: 98] دلالة على نبوته، فإنه أخبر عن وعد الحق تعالى، وتحقق وعده وهذا من شأن الأنبياء وإعجازهم، والله أعلم. ثم اعلم أن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل لوجود كل شيء سبباً من أسباب السماوات والأرض، ولبلوغ كل أحد إلى مقام من مقامات الدنيا والآخرة، وإلى قربة من قربات الحضرة سبباً مناسباً له، فإذا أراد بلوغ أحد إلى مقام أو قربة يؤتيه سبب ذلك، ويوفقه لإتباع ذلك السبب، فكما أتى لذي القرنين {أية : مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 84] ووفقه لاتباع الأسباب فاتبع سبباً حتى بلغ به مشرق الأرض ومغربها وجوانبها كلها، وسخر الخلق ويسَّر الملك، حصلت المقاصد بإتباع أسبابها. كذلك أتى لكل رسول ونبي وولي ومؤمن ومسلم وفاسق ومنافق وكافر أسباب بلوغه إلى الرسالة والنبوة والولاية والإيمان والإسلام والفسق والنفاق والكفر، ووفقه لإتباع الأسباب حتى يبلغ مقام من القربة والجنة والنار، فكل الخلق قد بلغوا بإتباع الأسباب التي أتاهم الله تعالى إلى مقاماتهم ودرجاتهم ودركاتهم، وأقام كل واحد منهم في مقامه ومنزله إلا نبينا حبيب الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أُعطِيَ أسباب العبور من المقامات كلها من البراق وجبريل والرفرف وغيره حتى بلغ إلى مقام قاب قوسين، ثم انقطعت عنه أسباب السماوات والأرض فبقي بلا سبب من المخلوقات، وهو من مقام نهاية المخلوقات فمسبب الأسباب، فسبحانه وتعالى من عظم فضله عليه كان سبباً به حتى بعثه إلى مقام لا مقامية بفضله وكرمه بلا واسطة، وهو المقام المحمود الذي قال تعالى: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإسراء: 79] وهو المخصوص به من بين سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فافهم جيداً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي لما وصل إلى مغرب الشمس كر راجعا، قاصدا مطلعها، متبعا للأسباب، التي أعطاه الله، فوصل إلى مطلع الشمس فـ { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } أي: وجدها تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس، إما لعدم استعدادهم في المساكن، وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم، وعدم تمدنهم، وإما لكون الشمس دائمة عندهم، لا تغرب عنهم غروبا يذكر، كما يوجد ذلك في شرقي أفريقيا الجنوبي، فوصل إلى موضع انقطع عنه علم أهل الأرض، فضلا عن وصولهم إليه إياه بأبدانهم، ومع هذا، فكل هذا بتقدير الله له، وعلمه به ولهذا قال { كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبَرًا } أي: أحطنا بما عنده من الخير والأسباب العظيمة وعلمنا معه، حيثما توجه وسار. { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق، قاصدا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان، كانا سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، سدا بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وجد من دون السدين قوما، لا يكادون يفقهون قولا لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية، ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم، وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا: { إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ } بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا } أي جعلا { عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي، وهو: إفسادهم في الأرض، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: { مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ } أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } أي: مانعا من عبورهم عليكم. { آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ } أي: قطع الحديد، فأعطوه ذلك. { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد { قَالَ انْفُخُوا } النار أي: أوقدوها إيقادا عظيما، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد، فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس، الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد { قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } أي: نحاسا مذابا، فأفرغ عليه القطر، فاستحكم السد استحكاما هائلا وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته. فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها وقال: { هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي } أي: من فضله وإحسانه عليَّ، وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان عليه السلام، لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، قال: {أية : هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } تفسير : بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض فإن النعم الكبار، تزيدهم أشرا وبطرا. كما قال قارون -لما آتاه الله من الكنوز، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة- قال: {أية : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي }. تفسير : وقوله: { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي } أي: لخروج يأجوج ومأجوج { جَعَلَهُ } أي: ذلك السد المحكم المتقن { دَكَّاءَ } أي: دكه فانهدم، واستوى هو والأرض { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا }.