١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
91
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَذٰلِكَ } أي الأمر كما قلنا {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ } أي عند ذي القرنين من الآلات والجند وغيرهما {خُبْراً } علما.
النسفي
تفسير : {كَذٰلِكَ } أي أمر ذي القرنين كذلك أي كما وصفناه تعظيماً لأمره {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ } من الجنود والآلات وأسباب الملك {خُبْراً } نصب على المصدر لأن في {أحطنا} معنى خبرنا، أو بلغ مطلع الشمس مثل ذلك أي كما بلغ مغربها، أو تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم يعني أنهم كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } بين الجبلين وهما جبلان سد ذو القرنين ما بينهما. {السَّدين} و{سًداً} مكي وأبو عمرو وحفص {السُّدين} و{سدا} حمزة وعلي، وبضمهما: غيرهم. قيل: ما كان مسدوداً خلقة فهو مضموم، وما كان من عمل العباد فهو مفتوح. وانتصب {بين} على أنه مفعول به لـ {بلغ} كما انجر بالإضافة في {هذا فراق بيني وبينك} وكما ارتفع في{أية : لقد تقطع بينكم}تفسير : [الأنعام: 94] لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفاً وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا } من ورائهما {قَوْماً } هم الترك {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } أي لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها. {يُفقهون} حمزة وعلي أن لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لأن لغتهم غريبة مجهولة. {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، وهمزهما عاصم فقط. وهما من ولد يافث أو يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل والديلم {مُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ} قيل كانوا يأكلون الناس. وقيل: كانوا يخرجوا أيام الربيع فلا يتركون شيئاً أخضر إلا أكلوه، ولا يابساً إلا احتملوه، ولا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح. وقيل: هم على صنفين طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } {خراجا} حمزة وعلي أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا}.
البقاعي
تفسير : ولما كان أمره مستغرباً في نفسه وفي الاطلاع عليه لا سيما عند القرب، قال تعالى: {كذلك} أي أمره كما ذكرنا لكم على سبيل الاقتصار {وقد أحطنا} بما لنا من العظمة، {بما لديه} أي كله من الأمور التي هي أغرب المستغرب {خبراً *} أي من جهة بواطن أموره فضلاً عن ظواهرها، فلا يستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف، ولا يظن أن تفصيل أمر الروح خفي عنا، لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها، شواهدها وغوائبها، وكيف لا ونحن أوجدناها ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ما تدعو إليه الحكمة، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا أمر الروح تفصيلاً يعجز عن حفظه الألباء {ثم أتبع} في إرادته ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج {سبباً *} من جهة الشمال، واستمر أخذاً فيه {حتى إذا بلغ} في مسيره ذلك {بين السدين} أي الجبلين المانعين من وراءهما من الوصول منهما إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وآذربيجان، أملسان يزلق عليهما كل شيء؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين، والباقون بضمهما، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: المضموم من فعل الله، والمفتوح من فعل الناس. {وجد من دونهما} أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين {قوماً} أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد، فهم لذلك {لا يكادون يفقهون قولاً *} أي لا يقربون من أن يفهموه ممن مع ذي القرنين فهماً جيداً كما يفهم غيرهم، ودل وصفهم بما يأتي على أنهم يفهمون فهماً ما بعد بُعد ومحاولة طويلة، لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ذي القرنين، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه، وهذا يدل على أن بينهم وبين بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة، وفيافي واسعة، منعت من اختلاطهم بهم، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جداً لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال، أو لغير ذلك، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئاً من كلامهم، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف، ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله: {قالوا} أي مترجموهم أو جيرانهم - الذين من دونهم - كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم، أو بالإشارة كما يخاطب إليكم: {يا ذا القرنين} مسنا الضر {إن يأجوج ومأجوج} وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث، لا يطاق أمرهم، ولا يطفأ جمرهم، وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية آدم عليه السلام {مفسدون في الأرض} بأنواع الفساد {فهل نجعل لك خرجاً} نخرجه لك من أموالنا - هذا على قراءة الجماعة، وزاد حمزة والكسائي ألفاً، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: بل الخرج ما تبرعت به، والخراج بالألف ما لزمك. {على أن تجعل} في جميع ما {بيننا وبينهم} من الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من المكنة {سداً *} يصل بين هذين الجبلين {قال} بعفة وديانة وقصد للخير: {ما مكني}. ولما كان لمكنته حالتان: إحداهما ظاهرة، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه، وباطنة ولا يقع أحد عليها بحدس ولا توهم، لأنها مما لم يؤلف مثله، فلا يقع المتوسم عليه، قرأ ابن كثير بإظهار النون في { مكنني} وغيره بالإدغام، إشارة إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر، قدم ضميره فقال: {فيه ربي} أي المحسن إليّ بما ترون من الأموال والرجال، والفهم في إتقان الأمور، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق {خير} أي من خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمان عليه السلام {أية : فما آتانيَ الله خير مما آتاكم} تفسير : [النمل: 36] {فأعينوني بقوة} أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك، فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه، لا لمثل هذا {أجعل بينكم} أي بين ما تختصون به {وبينهم ردماً *} أي حاجزاً حصيناً موثقاً بعضه فوق بعض، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد؛ قال البغوي: فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض. {ءاتوني } بفتح الهمزة بعدها ساكنة، ومدها على قراءة أي أعطوني وبهمزة وصل، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إليّ فقد أجبتكم إلى سؤالكم، ثم ابتدأ مغرياً على هذه القراءة فقال: {زبر الحديد} أي عليكم به فأحضروا إليّ قطعة، فأتوه بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفاً من الحديد وصفاً من الحطب، قال البغوي: فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد. {حتى إذا ساوى} أي بذلك البناء {بين الصدفين} أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين، سميا لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك الحالة عرضاً وطولاً، وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم - دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة، فكأنهما جدار فتح فيه باب، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره {قال} أي للصناع: {انفخوا} في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار، واستمر كذلك {حتى إذا جعله} أي كله {ناراً قال} للقوم: {ءاتوني} بالنحاس {أفرغ عليه} أي الحديد المحمى {قطراً *} منه بعد إذابته، فإن القطر: النحاس الذائب، هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة، وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس. ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً، ثم قال الله تعالى: {فما} أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما {اسطاعوا} أي يأجوج ومأجوج وغيرهم {أن يظهروه} أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته {وما استطاعوا له نقباً *} لثخنه وصلابته، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر، ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر، ويؤيده أنهم يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " حديث : إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس"تفسير : - الحديث. وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "حديث : فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم"تفسير : وروياه عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: "حديث : مثل هذا وعقد تسعين"تفسير : . فكأنه قيل: فما قال حين أفرغه؟ قيل: {قال هذا} أي السد {رحمة من ربي} المحسن إليّ بإقداري عليه ومنع الفساد به { فإذا جاء وعد ربي} بقرب قيام الساعة {جعله دكاء} بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعاً من الصرف. ولما كان هذا أمراً مستعظماً خارقاً للعادة، علله بقوله: { وكان وعد ربي} الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام الساعة { حقاً * } كائناً لا محالة، فلذلك أعان على هدمه، وعن قتادة قال: "ذكر لنا أن رجلاً - وفي رواية: حديث : عن رجل من أهل المدينة قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال انعته لي، قال: كالبرد المحبر: طريقة سوداء وطريقة حمراء، وفي رواية: طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء من نحاس، وفي رواية أنه قال: انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعملونه" تفسير : - رواه الطبري وابن أبي عمر والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه عنه والبزار من وجه آخر من طريق أبي بكرة رضي الله عنه - ذكر ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف، وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش - وكان أمير تلك الجيوش التي بها عبد الرحمن بن ربيعة في أيام عمر رضي الله عنه - ما نصه: وحدث مطر بن ثلج التميمي قال: دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده - يعني: وكان ملك الباب من جهة آل كسرى فأقبل رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز فتساءلا، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن: أيها الأمير! أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ إني بعثته منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه، وزودته مالاً عظيماً، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه، وزودته لكل ملك هدية، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه، فذكر أنه أحسن إلى البازيار، قال: فتشكر لي البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما، وإذا دون السد خندق أشد سواداً من الليل لبعده، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار: على رسلك! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب، فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، وإن لم تدركها حتى تفع فذلك شيء، فخرجت علينا باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها، وهي هذه، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهربراز: هذه خير من هذه البلدة - يعني الباب - وايم الله! لأنتم أحب إليّ ملكة من آل كسرى، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني، وايم الله! لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر، فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال: ما حال الردم وما شبهه؟ فقال: هذا الثوب الذي على هذا الرجل، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود، أو وشيه أحمر وأرضه سوداء، فقال مطر: صدق والله الرجل! لقد نفذ ورأى، قال عبد الرحمن: أجل! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ { آتوني زبر الحديد} إلى آخر الآية، وقال عبد الرحمن لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان - انتهى. وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج بينهما تبكيتاً لليهود الآمرين بذلك - دال من قصة موسى عليه السلام على قيام الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه، وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه. ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب، وأدرج في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من العلم، الناكبين عما استبان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا يستخفه ضجر فيستعجل، ولا يعيبه أمر فيستمهل، وختمه بما هو علم عظيم للساعة، ذكر ما يكون إذإ ذاك وما يكون بعده إلى حصول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره؛ ولما كان ذلك أمراً عظيماً، دل عليه بالنون فقال عاطفاً على تقديره: فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان، وصدق في قوله {فإذا جاء وعد ربي} فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال: {وتركنا بعضهم} أي بعض من خلف السد ومن أمامه {يومئذ} أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا مقدمتهم بالشام وساقطتهم بخراسان، وهم - كما قال الله تعالى - { من كل حدب ينسلون}. {يموج} أي يضطرب { في بعض} كما يموج البحر، فأهلكوا ما مروا عليه من شيء إلا ما أراد الله، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى الخلائق أجمعين { ونفخ في الصور} أي النفخة الثانية لقوله: {فجمعناهم} ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى، أو ونفخ في الصور فمات الخلائق كلهم، فبليت أجسامهم، وتفتتت عظامهم، كما كان من تقدمهم، ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه، وتفرقهم في أقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك {جمعاً} فأقمناهم دفعة واحدة كلمح البصر، وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب {وعرضنا} أي أظهرنا {جهنم يومئذ} أي إذ جمعناهم لذلك {للكافرين عرضاً *} ظاهراً لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفاً؛ ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال: {الذين كانت} كوناً كأنه جبلة لهم {أعينهم} الوجهية والقلبية { في غطاء عن ذكري} بعدم النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلاً على الساعة بإفنائه إثر إحيائه وإعادته بعد إبدائه { وكانوا} بما جبلناهم عليه { لا يستطيعون} أي استطاعة عظيمة تسعدهم، لضعف عقولهم، وغرق استبصارهم في فضولهم {سمعاً *} لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع، لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة؛ ثم عطف على ما أفهمه ذلك قوله موبخاً لهم ومبكتاً: {أفحسب} أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن كلماتي، وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم، وإنما قال: {الذين كفروا} دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك {أن يتخذوا} أي ولو بذلوا الجهد {عبادي} من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح، والأموات كالأصنام. ولما كان كل شيء دونه سبحانه، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون رتبته من المراتب، أثبت الجار فقال: { من دوني أولياء} أي مبتدئين اتخاذهم من دون إذني، والمفعول الثاني لـ {حسب} محذوف تقديره: ينصرونهم ويدفعون عنهم ويجعلون بعضهم ولداً ولا أعذبهم. ولما كانت غاية اتخاذ الولي أن يفعل ما يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ، جاز كون هذا ساداً مسد مفعولي {حسب} لأن معناه: أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني؟ ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري: ليس الأمر كذلك، بل أصلد زندهم، وخاب جدهم، وغاب سعدهم، حسن جداً قوله مؤكداً لأجل إنكارهم: {إنا أعتدنا جهنم} التي تقدم أنا عرضناها لهم { للكافرين نزلاً *} نقدمها لهم أول قدومهم كما يعجل للضيف، فلا يقدر أحد على منعها عنهم، ولهم وراءها ما يحتقر بالنسبة إليه كما هو شأن ما بعد النزل بالنسبة إليه.
ابو السعود
تفسير : {كَذٰلِكَ} أي أمرُ ذي القرنين كما وصفناه لك في رفعة المحلِّ وبسطةِ المُلك، أو أمرُه فيهم كأمره في أهل المغرِب من التخيـير والاختيارِ، ويجوز أن يكون صفةَ مصدرٍ محذوف لوجد أو نجعل أو صفةَ قومٍ، أي على قوم مثلَ ذلك القَبـيل الذي تغرُب عليهم الشمس في الكفر والحُكم، أو ستراً مثلَ سترِكم من اللباس والأكنان والجبال وغيرِ ذلك {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ} من الأسباب والعَدد والعُدد {خُبْراً} يعني أن ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به إلا علمُ اللطيفِ الخبـير. هذا على الوجه الأولِ وأما على الوجوه الباقيةِ فالمرادُ بما لديه ما يتناول ما جرى عليه وما صدر عنه وما لاقاه فتأمل. {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي طريقاً ثالثاً معترِضاً بـين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بـين الجبلين الذين سُدّ ما بـينهما وهو منقطَعُ أرضِ الترك مما يلي المشرِق، لا جبلا أرمينيةَ وأَذَرْبـيجان كما توهم، وقرىء بالضم، قيل: ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح، وانتصاب بـين على المفعولية لأنه مبلوغ وهو من الظروف التي تستعمل أسماءً أيضاً كما ارتفع في قوله تعالى: { أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94] وانجرّ في قوله تعالى: { أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف: 78] {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا} أي من ورائهما مجاوزاً عنهما {قَوْماً} أي أمة من الناس {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} لغرابة لغتِهم وقلة فِطنتِهم، وقرىء من باب الإفعال أي لا يُفهمون السامعَ كلامَهم، واختلفوا في أنهم من أي الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من الترك، وقال السدي: التّركُ سريةٌ من يأجوجَ ومأجوجَ، خرجت فضرب ذو القرنين السدّ فبقيت خارجَه فجميعُ الترك منهم، وعن قتادة: أنهم اثنتان وعشرون قبـيلة سدّ ذو القرنين على إحدى وعشرين قبـيلةً منهم وبقيت واحدة فسُمّوا التركَ لأنهم تركوا خارجين. قال أهل التاريخ: أولادُ نوح عليه السلام ثلاثةٌ: سامٌ وحامٌ ويافثُ، فسامٌ أبو العرب والعجمِ والروم، وحامٌ أبو الحبشةِ والزَّنج والنُّوبة، ويافثُ أبو الترك والخَزَر والصقالبة ويأجوجَ ومأجوج. {قَالُواْ} أي بواسطة مترجمِهم أو بالذات على أن يكون فهمُ ذي القرنين كلامَهم وإفهامُ كلامِه إياهم من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب {يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} قد ذكرنا أنهما من أولاد يافثَ بنِ نوحٍ عليه السلام، وقيل: يأجوجُ من الترك ومأجوجُ من الجيل، واختلف في صفاتهم فقيل: في غاية صِغرِ الجُثة وقِصَر القامة لا يزيد قدُّهم على شبر واحد، وقيل: في نهاية عِظَم الجسم وطولِ القامة تبلغ قدُودهم نحوَ مِائةٍ وعشرين ذراعاً وفيهم من عَرضُه كذلك، وقيل: لهم مخالبُ وأضراسٌ كالسباع وهما اسمانِ أعجميان بدليل منْع الصرفِ، وقيل: عربـيان من أجّ الظليمُ إذا أسرع وأصلهما الهمزة كما قرأ عاصم، وقد قرىء بغير همزةٍ ومُنع صرفُهما للتعريف والتأنيث {مُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ} أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلافِ الزروع، وقيل: كانوا يخرُجون أيام الربـيع فلا يتركون أخضرَ إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه، وقيل: كانوا يأكلون الناسَ أيضاً {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} أي جُعْلاً من أموالنا، والفاء لتفريع العَرض على إفسادهم في الأرض، وقرىء خَراجا وكلاهما واحد كالنَّول والنوال، وقيل: الخراجُ ما على الأرض والذمة والخَرْجُ المصدر، وقيل: الخرج ما كان على كل رأس والخراجُ ما كان على البلد، وقيل: الخرجُ ما تبرعْتَ به والخراج ما لزِمك أداؤُه {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا} وقرىء بالضم.
اسماعيل حقي
تفسير : {كذلك} اى امر ذى القرنين كما وصفناه لك فى رفعة المحل وبسطة الملك اوامره فيهم كامره فى اهل الغرب من التخيير والاختيار. قال الكاشفى [همجنان كرد اسكندر با ايشان كه با اهل مغرب كرد وبجانب قطر ايسر روان شد وبقومى رسيدكه ايشان راتأويل خوانند وبايشان همان سلوك نمود] {وقد احطنا بما لديه} من الاسباب والعدد. وبالفارسية [وبدرستى كه ما احاطه داشتيم بآنجه نزديك اوبود] {خبرا} تمييز اى علما تعلق بظواهره وخفاياه. وبالفارسية [ازروى آكاهى] يعنى ان ذلك من الكثرة بحيث لا يحيط به الا علم اللطيف الخبير فانظر الى سعة لطف الله تعالى وامداده بمن شاء من عباده فانه ذكر وهب بن منبه ان ذاالقرنين كان رجلا من الاسكندرية ابن امرأة عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان خارجا عن قومه ولم يكن بافضلهم حسبا ولا نسبا ولكنه نشأ فى ذات حسن وجمال وحلم ومروءة وعفة من لدن كان غلاما الى ان بلغ رجلا ولم يزل منذ نشأ يتخلق بمكارم الاخلاق ويسمو الى معالى الامور الى ان علا صيته وعز فى قومه والقى الله تعالى عليه الهيبة ثم انه زاد به الامر الى ان حدث نفسه بالاشياء فكان اول ما اجمع عليه رأيه الاسلام فاسلم ثم دعا قومه الى الاسلام فاسلموا عنوة منه عن آخرهم ثم كان من امره ما كان [اسكندررا برسيدند مشرق ومغرب بجه كرفتى كه ملوك بيشين را خزائن ولشكر بيش ازتو بود جنين فتح ميسر نشد كفت بعون خدى عز وجل كه هر مملكت راكه كرفتم رعيتش را نيازردم ونام بادشاهانرا جزبنيكويى نبردم شعر : بزركش نحوانند اهل خرد كه نام بزر كان بزشتى برد تفسير : وقال بعضهم شعر : فلم ار مثل العدل للمرء رافعا ولم ار مثل الجور للمرء واضعا كنت الصحيح وكنامنك فى سقم فان سقمت فانا السالمون غدا دعت عليك اكفت طالما ظلمت ولن ترّد يد مظلومة أبدا تفسير : وفى تفسير التبيان كان اى ذو القرنين ملكا جبارا فلما هلك ابوه ولى مكانه فعظم تجبره وتكبره فقيض الله له قرينا صالحا فقال له ايها الملك دع عنك التجبر وتب الى الله تعالى قبل ان تموت فغضب عليه الاسكندر وحبسه فمكث فى المحبس ثلاثة ايام فبعث الله اليه ملكا كشف سقف المجبس واخرجه منه واتى به منزله فلما اصبح اخبر الاسكندر بذلك فجاء الى السجن فرأى سقف السجن قد ذهب فاقشعر جلد الاسكندر وعلم ان ملكه ضعيف عند قدرة الله تعالى فانصرف متعجبا وطلب الرجل المحبوس فوجده قائما يصلى على جبل طالس فقال الرجل لذى القرنين تب الى الله فهمّ بأخذه وامر جنوده به فارسل الله عليهم نارا فاحرقتهم وخر الاسكندر مغشيا عليه فلما افاق تاب الى الله تعالى وتضرع الى الرجل الصالح واطاع الله واصلح سيرته وقصد الملوك الجبابرة وقهرهم ودعا الناس الى طاعة الله وتوحيده وكان من اول امره ان بنى مسجدا واسعا طوله اربعمائة ذراع وعرض الحائط اثنان وعشرون ذراعا وارتفاعه فى الهواء مائة ذراع. وفيه اشارة الى انه ينبغى للغنى عند اول امره ان يصرف شطرا من ماله الى وجه من وجوه الخير لا الى ما يشتهيه طبعه ويميل اليه نفسه كما ان المفتى اذا تصدر يبدأ فى فتواه بما يتعلق بالتوحيد ونحوه وكذا لابس جديد او مغسول يبدأ بالمسجد والصلاة والذكر ونحوها لا بالخروج الى السوق وبيت الخلا ونحوهما. ثم ان الفتح الصورى انما يبتنى على الاسباب الصورية اذ لا يحصل التسخير غالبا الا بكثرة العدد والعدد واما الفتح المعنى فحصوله مبنى على الفناء وترك الاسباب والتوجه الى مسبب الاسباب كما قال الصائب شعر : هركس كشيد سربكريبان نيستى تسخير كرد مملكت بى زوال را تفسير : فالاسكندر الحقيقى الذى لا يزول ملكه ولا يحيط بما لديه الا الله تعالى هو من ايد ظاهره باحكام الطاعات ومعاملات العبودية وباطنه بانوار المشاهدات وتجليات الربوبية فانه حينئذ تموت النفس الامارة وتزول يدها العادية القاهرة عن قلعة القلب ويظهر جنود الله التى لا يعلمها الا هو لكثرتها اللهم اجعلنا المؤيدين بالانوار الملكوتية والامداد اللاهوتية انك على ما تشاء قدير.
الجنابذي
تفسير : {كَذَلِكَ} صفة لسترٍ اى ستراً مثل ذلك السّتر يعنى لم نجعل لهم قبل ذلك السّتر، او حال من الشّمس اى وجدها حالكونها مثل ذلك، او تطلع حالكونها مثل ذلك المذكور ممّن عند الشّمس بان لم نجعل لها من دونها ستراً من غيم التّعيّنات والحدود وغبرة الاهواء والكثرات، او حال من فاعل وجدها اى حالكون ذى القرنين كذلك اى مثل من كان عند الشّمس غير مستورٍ بستر غير الشّمس، او خبر مبتدءٍ محذوف جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال ذى القرنين، او عن حال الشّمس، او عن حال القوم على سبيل الاعجاب كأنّه قيل: على سبيل الاستعجاب والاستغراب؛ الم يكن لهم ستر غير الشّمس؟ - فأجاب تأكيداً بقوله: حالهم كذلك، او التّقدير: امره كما ذكر {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} علماً، يعنى انّ ذا القرنين ومن عنده حين البلوغ الى مطلع الشّمس واحوالهم ومالهم من الاموال فى العالم الصّغير والكبير وان كانوا مختفين عن اهل العالم غير معلومين لهم لغاية البعد هذا بحسب التّنزيل ولفنائهم عن افعالهم واوصافهم وذواتهم بحسب التّأويل لكنّهم ملعومون لنا باقون فى علمنا لم يعزبوا عن علمنا والجملة حاليّة او مستأنفة.
الهواري
تفسير : قوله: {كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} أي: هكذا كان ما قص من أمر ذي القرنين. قال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي: طرق الأرض ومعالمها لحاجته { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} أي: بين الجبلين { وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي: لا يفقهون كلام غيرهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي: لا يفقه أحد كلامهم. { قَالُوا يَا ذَا القَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} أي: قاتلون الناس في الأرض {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} أي: جُعلا { عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً}. { قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي: من جُعلكم { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي: بعدد، عدد من الرجال { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}. { ءَاتُونِي} أي: أعطوني { زُبَرَ الحَدِيدِ} أي: قطع الحديد في تفسير مجاهد {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي: رأس الجبلين، ساوى ما بينهما فسدّه. { قَالَ انفُخُوا} أي: على الحديد { حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} يعني أحماه بالنار { قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} فيها تقديم؛ أي: أعطوني قطراً أفرغ عليه. والقِطر النحاس؛ فجعل أساسه الحديد، وجعل ملاطه النحاس ليلزمه. قال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله، قد رأيت سدّ ياجوج وماجوج. قال: حديث : أنعته لي. قال: هو كالبُرد المُحَبَّر، طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد رأيته .
اطفيش
تفسير : {كَذَلِكَ} خبر لمحذوف أى أمره معهم كذلك وهذا من باب التخلص البديعى ويجوز تعليقه بوجد أى وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً كما وجدها تغرب فى عين حمئة قريبة المنظر فى الحالين هذان الوجهان ظهرا لى. وقال غيرى: كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها فيتعلق ببلغ الثانى فى الآية. وقيل: يتعلق بمحذوف أى حكم فى القوم عند مطلع الشمس كما حكم فى القوم عند مغربها وصححه بعضهم. وقيل: يتعلق بنجعل أى لم نجعل لهم من دونها ستراً كما جعلنا لكم ستراً بحصون وجبال وشجر ولباس فالإشارة إلى ما هو ستر. وقيل: صفة لمصدر محذوف لوجد أو لنجعل أو نعت لقوم أى على قوم مثل ذلك القوم الذين تغرب عليهم الشمس فالكفر والحكم عليهم ثم رأيت الوجه الأول الذى ظهر لى منصوصاً عليه للشيخ هود رحمه الله والزمخشرى والقاضى والعبارة له هكذا أى أمر ذى القرنين كما وصفناه فى رفعة المكان وبسطة الملك أو أمره فيهم كأمره فى أهل المغرب من التخيير والاختيار. {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} أى أحاط علمنا بما عند ذى القرنين من جنود وآلات وعدد وأسباب ملك. فخُبرا تمييز محول عن الفاعل بمعنى العلم. والمراد بهذه الجملة تكثير ما عند ذى القرنين من ذلك أحطنا بظواهر ذلك وخفاياه البالغة مبلغا لا يحيط به غيرى لأننى اللطيف الخبير ويجوز أن يراد بما لديه ما عنده من الصلاحية للملك وتأهّله له ويجوز أن يكون خُبراً مفعولا مطلقاً لتضمن أحطنا معنا علمنا والخبر هو العلم.
اطفيش
تفسير : {كَذَلِكَ} أمر ذى القرنين المفصل فى الآيات من شأن أهل المغرب، وأهل المشرق كذلك، ووجه التشبيه أن الإخبار كالعيان، وقيل: الكاف زائدة، وفائدة لفظ ذلك تعظيم الأمر أو أمره فى أهل مطلع الشمس مثل ذلك الأمر الصادر منه، فى أهل المغرب من التخيير والاختيار، أو وجدها تطلع وجدانًا ثابتًا كذلك الوجدان الذى وجدها به حين تغرب فى عين حمئة، أو لم نجعل لهم ستراً جعلا ثابتًا، كذلك الجعل الذى تفضلنا به عليكم من اللباس والبقاء الفاخرين، أو ستراً ثابتاً كستركم، وكلاهما لا يتبادر أو وجدها تطلع على قوم ثابت مثل ذلك القبيل الذى تغرب عليهم فى الكفر، والحكم أو حتى إذا بلغ مطلعها مثل ذلك البلوغ الذى بلغ مغربها. {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ} من الجنود والآلات والأسباب، وما لاقى وقاسى فى أثناء السير إلى أن بلغ، فالأمر أكثر وأعظم مما ذكرنا لكم، ولا يحيط به إلا الله، وهذا تعظيم بعد التعظيم بقوله: {كذلك} أو هذا تعظيم للسبب الموصل إِلى مطلع الشمس. {خُبْرًا} علمًا بظاهر ذلك وباطنه الخفى.
الالوسي
تفسير : {كَذٰلِكَ} خبر مبتدأ محذوف أي أمر ذي القرنين ذلك، والمشار إليه ما وصف به قبل من بلوغ المغرب والمشرق وما فعله، وفائدة ذلك تعظيمه وتعظيم أمره أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أي وجدها تطلع وجداناً كوجدانها تغرب في عين حمئة أو صفة مصدر محذوف لنجعل أي لم نجعل لهم ستراً جعلاً كائناً كالجعل الذي لكم فيما تفضلنا به عليكم من الألبسة الفاخرة والأبنية العالية، وفيه أنه لا يتبادر إلى الفهم أو صفة {أية : سِتْراً} تفسير : [الكهف: 90] والمعنى عليه كسابقه، وفيه ما فيه أو صفة {أية : قَوْمٌ} تفسير : [الكهف: 90] أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليه الشمس في الكفر والحكم أو معمول {أية : بَلَغَ}تفسير : [الكهف: 90] أي بلغ مغربها كما بلغ مطلعها. {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ} من الجنود والآلات وأسباب الملك {خُبْراً} علماً تعلق بظواهره وخفاياه ويفيد هذا على الأول زيادة تعظيم الأمر وأنه وراء ما وصف بكثير مما لا يحيط به الاعلم اللطيف الخبير، وهو على الأخير تهويل لما قاسى في السير إلى أن بلغ فيكون المعنى وقد أحطنا بما لاقاه وحصل له في أثناء سيره خبراً أو تعظيم للسبب الموصل إليه في قوله تعالى {أية : فَأَتْبَعَ سَبَباً * حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ} تفسير : [الكهف: 85-86] أي أحطنا بما لديه من الأسباب الموصلة إلى هذا الموضع الشاسع مما لم نؤت غيره وهذا كما في «الكشف» أظهر من التهويل، وعلى الثاني تتميم يفيد حسن اختياره أي أحطنا بما لديه من حسن التلقي وجودة العمل خبراً، وعلى الثالث لبيان أنه كذلك في رأي العين وحقيقته لا يحيط بعلمها / غير الله تعالى، وعلى الرابع والخامس تذييل للقصة أو بالقصتين فلا يأباهما كما توهم، وعلى السادس تتميم يؤكد أنه سن بهم سنته فيمن وجدهم في مغرب الشمس.
ابن عاشور
تفسير : . الكاف للتشبيه، والمشبه به شيء تضمنه الكلام السابق بلفظه أو معناه. والكاف ومجرورها يجوز أن يكون شِبه جملة وقع صفة لمصدر محذوف يدلّ عليه السياق، أي تشبيهاً مماثلاً لما سمعت. واسم الإشارة يشير إلى المحذوف لأنه كالمذكور لتقرر العلم به، والمعنى: من أراد تشبيهه لم يشبهه بأكثر من أن يشبهه بذاته على طريقة ما تقدم في قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } تفسير : في سورة البقرة (143). ويجوز أن يكون جزء جملة حذف أحد جزأيها والمحذوف مبتدأ. والتقدير: أمر ذي القرنين كذلك، أي كما سمعت. ويجوز أن يكون صفة ل {قَوْماً} أي قوماً كذلك القوم الذين وجدهم في مغرب الشمس، أي في كونهم كفاراً، وفي تخييره في إجراء أمرهم على العقاب أو على الإمهال. ويجوز أن يكون المجرور جزء جملة أيضاً جلبت للانتقال من كلام إلى كلام فيكون فصل خطاب كما يقال: هذا الأمر كذا. وعلى الوجوه كلها فهو اعتراض بين جملة {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ مطلع الشمس} الخ... وجملة { أية : ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين } تفسير : [الكهف: 92، 93] الخ... هذه الجملة حال من الضمير المرفوع في {ثم اتبع}. و {بِما لَدَيهِ}: ما عنده من عظمة الملك من جند وقوّة وثروة. والخبرُ ــــ بضم الخاء وسكون الموحدة ــــ: العلم والإحاطة بالخبر، كناية عن كون المعلوم عظيماً بحيث لا يحيط به علماً إلاّ علاّم الغيوب.
د. أسعد حومد
تفسير : (91) - لَقَدْ كَانَ حَالُ ذِي القَرْنَيْنِ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ قَبْلُ: مَكَّنَا لَهُ فِي الأَرْضِ، وَبَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَمَغْرِبَهَا، وَنَحْنُ عَلَى عِلْمٍ وَاطِّلاَعٍ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَحْوَالِ جَيْشِهِ، لاَ يَخْفَى عَلَيْنَا مِنْهُ شَيءٌ. خُبْراً - عِلْماً شَامِلاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كذلك: يعني ذهب كذلك، كما ذهب للمغرب ذهب للمشرق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):