Verse. 2232 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

ثُمَّ اَتْبَعَ سَبَبًا۝۹۲
Thumma atbaAAa sababan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أتبع سببا».

92

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن ذا القرنين لما بلغ المشرق والمغرب أتبع سبباً آخر وسلك الطريق حتى بلغ بين السدين، وقد آتاه الله من العلم والقدرة ما يقوم بهذه الأمور. وههنا مباحث: الأول: قرأ حمزة والكسائي السدين بضم السين وسداً بفتحها حيث كان، وقرأ حفص عن عاصم بالفتح فيهما في كل القرآن، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بالضم فيهما في كل القرآن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو السدين وسداً ههنا بفتح السين فيهما وضمها في يس في الموضعين قال الكسائي: هما لغتان، وقيل: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السد بضم السين والجمع سدد، وهو قول أبي عبيدة وابن الأنباري، قال صاحب الكشاف: السد بالضم فعل بمعنى مفعول أي هو مما فعله الله وخلقه، والسد بالفتح مصدر حدث يحدثه الناس. البحث الثاني: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال، وقيل: جبلان بين أرمينية وبين أذربيجان، وقيل: هذا المكان في مقطع أرض الترك، وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً إليه من ناحية الخزر فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق عميق وثيق منيع، وذكر ابن (خرداذبة) في كتاب المسالك والممالك أن الواثق بالله رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل على البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان: مقتضى هذا أن موضعه في الربع الشمالي الغربي من المعمورة، والله أعلم بحقيقة الحال. البحث الثالث: أن ذا القرنين لما بلغ ما بين السدين وجد من دونهما أي من ورائهما مجاوزاً عنهما {قَوْماً } أي أمة من الناس: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } قرأ حمزة والكسائي {يفقهون} بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يمكنهم تفهيم غيرهم والباقون بفتح الياء والقاف، والمعنى أنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم وما كانوا يفهمون اللسان الذي يتكلم به ذو القرنين، ثم قال تعالى: {قَالُواْ يا ذا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام بعد أن وصفهم الله بقوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } والجواب: أن نقول كاد فيه قولان. الأول: أن إثباته نفي، ونفيه إثبات، فقوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } لا يدل على أنهم لا يفهمون شيئاً، بل يدل على أنهم قد يفهمون على مشقة وصعوبة. والقول الثاني: أن كاد معناه المقاربة، وعلى هذا القول فقوله: {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } أي لا يعلمون وليس لهم قرب من أن يفقهوا. وعلى هذا القول فلا بد من إضمار، وهو أن يقال: لا يكادون يفهمونه إلا بعد تقريب ومشقة من إشارة ونحوها، وهذه الآية تصلح أن يحتج بها على صحة القول الأول في تفسير كاد. البحث الرابع: في يأجوج ومأجوج قولان: الأول: أنهما اسمان أعجميان موضوعان بدليل منع الصرف. والقول الثاني: أنهما مشتقان، وقرأ عاصم يأجوج ومأجوج بالهمز. وقرأ الباقون ياجوج وماجوج. وقرىء في رواية آجوج ومأجوج، والقائلون بكون هذين الاسمين مشتقين ذكروا وجوهاً. الأول: قال الكسائي: يأجوج مأخوذ من تأجج النار وتلهبها فلسرعتهم في الحركة سموا بذلك ومأجوج من موج البحر. الثاني: أن يأجوج مأخوذ من تأجج الملح وهو شدة ملوحته فلشدتهم في الحركة سموا بذلك. الثالث: قال القتيبي: هو مأخوذ من قولهم أج الظليم في مشيه يئج أجاً إذا هرول وسمعت حفيفه في عدوه. الرابع: قال الخليل: الأج حب كالعدس والمج مج الريق فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما واختلفوا في أنهما من أي الأقوام فقيل: إنهما من الترك، وقيل: {يَأْجُوجَ } من الترك {وَمَأْجُوجَ } من الجيل والديلم ثم من الناس من وصفهم بقصر القامة وصغر الجثة بكون طول أحدهم شبراً ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبتوا لهم مخاليب في الأظفار وأضراساً كأضراس السباع واختلفوا في كيفية إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس وقيل كانوا يأكلون لحوم الناس وقيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون لهم شيئاً أخضر وبالجملة فلفظ الفساد محتمل لكل هذه الأقسام، والله أعلم بمراده، ثم إنه تعالى حكى عن أهل ما بين السدين أنهم قالوا لذي القرنين: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا } قرأ حمزة والكسائي خراجاً والباقون خرجاً. قيل: الخراج والخرج واحد، وقيل هما أمران متغايران، وعلى هذا القول اختلفوا: قيل: الخرج بغير ألف هو الجعل لأن الناس يخرج كل واحد منهم شيئاً منه فيخرج هذا أشياء وهذا أشياء، والخراج هو الذي يجبيه السلطان كل سنة. وقال الفراء: الخراج هو الاسم الأصلي والخرج كالمصدر وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض. فقال ذو القرنين: {مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى } أي ما جعلني مكيناً من المال الكثير واليسار الواسع خير مما تبذلون من الخراج فلا حاجة بي إليه، وهو كما قال سليمان عليه السلام: { أية : فَمَا ءاتَـٰنِى ٱللَّهُ خَيْرٌ مّمَّا ءاتَـٰكُمْ } تفسير : [النمل: 36] قرأ ابن كثير: (ما مكنني) بنونين على الإظهار والباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام، ثم قال ذو القرنين: {فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } أي لا حاجة لي في مالكم ولكن {أعينوني} برجال وآلة أبني بها السد، وقيل المعنى: {أعينوني} بمال أصرفه إلى هذا المهم ولا أطلب المال لآخذه لنفسي، والردم هو السد. يقال: ردمت الباب أي سددته وردمت الثوب رقعته لأنه يسد الخرق بالرقعة والردم أكثر من السد من قولهم: ثوب مردوم أي وضعت عليه رقاع.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} وهما جبلان من قبل أرمينية وأَذْرَبِيجان. روى عطاء الخراساني عن ابن عباس: «بين السدين» الجبلين أرمينية وأَذْرَبِيجان. {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا} أي من ورائهما: {قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}. وقرأ حمزة والكسائي «يُفْقِهُونَ» بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان أي لا يفقهون غيرهم كلاماً. الباقون بفتح الياء والقاف، أي يعلمون. والقراءتان صحيحتان، فلا هم يفقهون من غيرهم ولا يفقِهون غيرهم. قوله تعالى: {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ} أي قالت له أمة من الإنس صالحة: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ}. قال الأخفش: من همز «يأجوج» فجعل الألفين من الأصل يقول: يأجوج يَفْعول ومأجوج مَفْعول كأنه من أجيج النار. قال: ومن لا يهمز ويجعل الألفين زائدتين يقول: «ياجوج» من يَجَجت وماجوج من مَجَجت وهما غير مصروفين؛ قال رؤبة:شعر : لو أن ياجوجَ وماجوجَ مَعَا وَعادَ عادٌ واستجاشوا تُبَّعَا تفسير : ذكره الجوهري. وقيل: إنما لم ينصرفا لأنهما اسمان أعجميان، مثل طالوت وجالوت غير مشتقين؛ علتاهما في منع الصرف العجمة والتعريف والتأنيث. وقالت فرقة: هو معرب من أَجَّ وأَجَّجَ علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث. وقال أبو عليّ: يجوز أن يكونا عربيين؛ فمن همز «يأجوج» فهو على وزن يفعول مثل يربوع، من قولك أَجَّت النارُ أي ضويت، ومنه الأجيج، ومنه ملح أجاج، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفاً مثل راس، وأما «مأجوج» فهو مفعول من أَجَّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز فيجوز أن يكون خفف الهمزة، ويجوز أن يكون فاعولاً من مَجَّ، وترك الصرف فيهما للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. واختلف في إفسادهم؛ فقال سعيد بن عبد العزيز: إفسادهم أكل بني آدم. وقالت فرقة: إفسادهم إنما كان متوقعاً، أي سيفسدون، فطلبوا وجه التحرز منهم. وقالت فرقة: إفسادهم هو الظلم والغَشْم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، والله أعلم. وقد وردت أخبار بصفتهم وخروجهم وأنهم من ولد يافث. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ولد لنوح سام وحام ويافث فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم وولد حام القبط والبربر والسودان»تفسير : . وقال كعب الأحبار: احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسِف فخلقوا من ذلك الماء، فهم متصلون بنا من جهة الأب لا من جهة الأم. وهذا فيه نظر؛ لأن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يحتلمون، وإنما هم من ولد يافث، وكذلك قال مقاتل وغيره. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل»تفسير : . يعني يأجوج ومأجوج. وقال أبو سعيد: هم خمس وعشرون قبيلة من وراء يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل من هؤلاء ومن يأجوج ومأجوج حتى يخرج من صلبه ألف رجل، ذكره القشيري. وقال عبد الله بن مسعود: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يأجوج ومأجوج أمتان كل أمة أربعمائة ألف (أمة) كل أمة لا يعلم عددها إلا الله لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح» قيل: يا رسول الله صفهم لنا. قال: «هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأَرْز ـ شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع ـ وصنف عرضه وطوله سواء نحواً من الذراع وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار الشرق وبحيرة طبرية فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس»تفسير : . وقال علي رضي الله تعالى عنه: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئاب، وشعور تقيهم الحرّ والبرد، وآذان عظام إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السدّ حتى كادوا ينقبونه فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غداً إن شاء الله تعالى فينقبونه ويخرجون، ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون إلى السماء فيرد السهم عليهم ملطخاً بالدم، ثم يهلكهم الله تعالى بالنغف في رقابهم. ذكره الغزنوي. وقال عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأجوج أمة لها أربعمائة أمير وكذا مأجوج لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده».تفسير : قلت: وقد جاء مرفوعاً من حديث أبي هريرة، خرجه ابن ماجه في السنن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعيده الله أشدّ ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال: ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله تعالى فاستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فيَنْشِفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع عليها الدمُ الذي أحفظ فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله تعالى عليهم نغَفَاً في أقفائهم فيقتلهم بها» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتَشْكَر شَكراً من لحومهم» تفسير : قال الجوهري: شَكِرت الناقةُ تَشكَر شَكَراً فهي شكِرة؛ وأشكر الضرع امتلأ لبناً. وقال وهب بن منبه: رآهم ذو القرنين، وطول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار وأضراس وأنياب كالسباع، وأحناك كأحناك الإبل، وهم هُلْبٌ عليهم من الشعر ما يواريهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، وكل واحد منهم قد عرف أجله لا يموت حتى يخرج له من صلبه ألف رجل إن كان ذكراً، ومن رحمها ألف أنثى إن كانت أنثى. وقال السدي والضحاك: الترك شرذمة من يأجوج ومأجوج خرجت تغير، فجاء ذو القرنين فضرب السدّ فبقيت في هذا الجانب. قال السُّدي: بُني السدّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السدّ فهم التّرك. وقاله قتادة. قلت: وإذا كان هذا، فقد نعت النبي صلى الله عليه وسلم الترك كما نعت يأجوج ومأجوج، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون التّرك قوماً وجوههم كالمجانِّ المُطْرَقَة يلبَسون الشّعر ويمشون في الشّعر» تفسير : في رواية «حديث : ينتعلون الشّعر» تفسير : خرجه مسلم وأبو داود وغيرهما. ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم عددهم وكثرتهم وحِدَّة شوكتهم قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اتركوا الترك ما تركوكم»تفسير : . وقد خرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله تعالى، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله تعالى، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم. وروى أبو داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له دجلة يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين ـ قال ابن يحيـى قال أبو معمر - وتكون من أمصار المسلمين - فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين حتى ينزلوا على شاطىء النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية وهلكوا وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء»تفسير : . الغائط المطمئن من الأرض. والبصرة الحجارة الرخوة وبها سميت البصرة. وبنو قنطوراء هم الترك. يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، ولدت له أولاداً جاء من نسلهم الترك. قوله تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} استفهام على جهة حسن الأدب. «خَرْجاً» أي جعلا. وقرىء «خراجا» والخرج أخص من الخراج. يقال: أَدِّ خَرْج رأسك وخَرَاج مدينتك. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة، ويقع على مال الفيء، ويقع على الجزية، وعلى الغلة. والخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال. والخرج: المصدر. وقوله تعالى: {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} أي ردماً؛ والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. وثوب مردم أي مرقع، قاله الهروي. يقال: ردمت الثلمة أردِمها بالكسر ردماً أي سددتها. والردم أيضاً الاسم وهو السدّ. وقيل: الردم أبلغ من السدّ إذ السدّ كل ما يسدّ به، والردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع. ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض. ومنه قول عنترة:شعر : هـل غـادر الـشـعـراء مـن مُـتَـرَدَّمِ تفسير : أي من قول يُركَّب بعضه على بعض. وقرىء «سَدَّا» بالفتح في السين؛ فقال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح المصدر. وقال الكسائي: الفتح والضم لغتان بمعنى واحد. وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح. ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرؤوا «سَدًّا» بالفتح، وقبله «بين السُّدَّيْنِ» بالضم، وهي قراءة حمزة والكسائي. وقال أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سُد بالضم، وما لا ترى فهو سَدّ بالفتح. الثانية: في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس أهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه، ولا يتركون وما هم عليه، بل يوجعون ضرباً ويحبسون أو يكفلون ويطلقون كما فعل عمر رضي الله عنه. قوله تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ولكن أعينوني بقوّة الأبدان؛ أي برجال وعمل منكم بالأبدان، والآلة التي أبني بها الردم وهو السدّ. وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة؛ فإن القوم لو جمعوا له خرجاً لم يعنه أحد ولوكلوه إلى البنيان، ومعونته بأنفسهم أجمل به وأسرع في انقضاء هذا العمل، وربما أربى ما ذكروه له على الخرج. وقرأ ابن كثير وحده «مَا مَكَّنَنِي» بنونين. وقرأ الباقون {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي}. الثانية: في هذه الآية دليل على أن الملِك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسدّ فرجتهم، وإصلاح ثغورهم، من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفذتها المؤن، لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم؛ وذلك بثلاثة شروط: الأول: ألا يستأثر عليهم بشيء. الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم. الثالث: أن يسوّي في العطاء بينهم على قدر منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفراً فأطلعت الحوادث أمراً بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير، وتُصْرَف بتدبير؛ فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكفّ عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج؛ قال: لست أحتاج إليه وإنما أحتاج إليكم {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} أي اخدموا بأنفسكم معي، فإن الأموال عندي والرجال عندكم، ورأى أن الأموال لا تغني عنهم، فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه، فيعود بالأجر عليهم، فكان التطوّع بخدمة الأبدان أولى. وضابط الأمر أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض، فيؤخذ ذلك المال جهراً لا سراً، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر. والله تعالى الموفق للصواب. قوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} أي أعطوني زبر الحديد وناولونيها. أمرهم بنقل الآلة، وهذا كله إنما هو استدعاء العطية التي بغير معنى الهبة، وإنما هو استدعاء للمناولة، لأنه قد ارتبط من قوله: إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق إلا استدعاء المناولة، وأعمال الأبدان. و{زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} قطع الحديد. وأصل الكلمة الاجتماع، ومنه زُبْرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. وزبرت الكتاب أي كتبته وجمعت حروفه. وقرأ أبو بكر والمفضل «ردما ايتوني» من الإتيان الذي هو المجيء؛ أي جيئوني بزبر الحديد، فلما سقط الخافض انتصب الفعل على نحو قول الشاعر:شعر : أَمَـرْتُــكَ الـخــيـرَ... تفسير : حذف الجار فنصب الفعل. وقرأ الجمهور «زُبَرَ» بفتح الباء. وقرأ الحسن بضمها؛ وكل ذلك جمع زُبْرة وهي القطعة العظيمة منه. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ} يعني البناء فحذف لقوّة الكلام عليه. {بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} قال أبو عبيدة: هما جانبا الجبل، وسميا بذلك لتصادفهما أي لتلاقيهما. وقاله الزهري وابن عباس؛ كأنه يعرض عن الآخر؛ من الصدوف؛ قال الشاعر:شعر : كلاَ الصَّدَفَين يَنْفُذُه سَنَاهَا تَوقَّدُ مثلَ مِصباحِ الظّلامِ تفسير : ويقال للبناء المرتفع: صدف تشبيه بجانب الجبل. وفي الحديث: كان إذا مر بصدف مائل أسرع المشي. قال أبو عبيد: الصدف والهدف كل بناء عظيم مرتفع. ابن عطية: الصَّدفَان الجبلان المتناوِحان ولا يقال للواحد صَدف، وإنما يقال صَدَفان للاثنين؛ لأن أحدهما يصادف الآخر. وقرأ نافع وحمزة والكسائي «الصَّدَفَيْنِ» بفتح الصاد وشدّها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر بن عبد العزيز، وهي اختيار أبي عبيدة لأنها أشهر اللغات. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو «الصُّدُفين» بضم الصاد والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «الصُّدْفَيْنِ» بضم الصاد وسكون الدال، نحو الجُرْف والجُرُف. فهو تخفيف. وقرأ ابن الماجشون بفتح الصاد وضم الدال. وقرأ قتادة «بين الصَّدْفَين» بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد وهما الجبلان المتناوِحان. قوله تعالى: {قَالَ ٱنفُخُواْ} إلى آخر الآية أي على زبر الحديد بالأكيار، وذلك أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار، فذلك قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو بالرصاص أو بالحديد بحسب الخلاف في القطر، فيفرغه على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد ولصق البعض بالبعض استأنف وضع طاقة أخرى، إلى أن استوى العمل فصار جبلاً صَلْداً. قال قتادة: هو كالبُرْد المحبَّر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. ويروى حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول اللهٰ إني رأيت سدّ يأجوج ومأجوج، قال: «كيف رأيته» قال: رأيته كالبُرْد المحبَّر، طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد رأيتَه»تفسير : . ومعنى {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} أي كالنار. ومعنى {آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} أي أعطوني قطراً أفرغ عليه، على التقديم والتأخير. ومن قرأ «ائتوني» فالمعنى عنده تعالوا أفرغ عليه نحاساً. والقطر عند أكثر المفسرين النحاس المذاب، وأصله من القَطْر؛ لأنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقالت فرقة: القطر الحديد المذاب. وقالت فرقة منهم ابن الأنباري: الرصاص المذاب. وهو مشتق من قَطَر يَقطُر قَطْراً. ومنه {أية : وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} تفسير : [سبأ: 12]. قوله تعالى: {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ} أي ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه ويصعدوا فيه؛ لأنه أملس مستوٍ مع الجبل والجبل عالٍ لا يرام. وارتفاع السدّ مائتا ذراع وخمسون ذراعاً. وروي: في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسون فرسخاً؛ قاله وهب بن منبه. {وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} لبعد عرضه وقوّته. وروي في الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه» تفسير : وعقد وهب بن منبه بيده تسعين ـ وفي رواية ـ وحَلّق بإصبعه الإبهام والتي تليها؛ وذكر الحديث. وذكر يحيـى بن سلاّم عن سعد بن أبي عَرُوبة عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن يأجوج ومأجوج يخرقون السدّ كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً فيعيده الله كأشدّ ما كان حتى إذا بلغت مدّتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس» تفسير : الحديث وقد تقدّم. قوله تعالى: {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ} بتخفيف الطاء على قراءة الجمهور. وقيل: هي لغة بمعنى استطاعوا. وقيل: بل استطاعوا بعينه كثير في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء فقالوا: اسطاعوا. وحذف بعضهم منه الطاء فقال: استاع يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة. وقرأ حمزة وحده «فما اسطّاعوا» بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا، ثم أدغم التاء في الطاء فشدّدها، وهي قراءة ضعيفة الوجه؛ قال أبو علي: هي غير جائزة. وقرأ الأعمش «فَمَا اسْتطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسَتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً» بالتاء في الموضعين. قوله تعالى: {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} القائل ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم، والقوّة عليه، والانتفاع به في دفع ضرر يأجوج ومأجوج. وقرأ ابن أبي عَبْلة «هذِهِ رَحْمَةٌ مِنْ ربي». قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} أي يوم القيامة. وقيل: وقت خروجهم. {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} أي مستوياً بالأرض؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكَّاً} تفسير : [الفجر: 21] قال ابن عرفة: أي جعلت مستوية لا أكمة فيها، ومنه قوله تعالى: «جَعَلَهُ دكّاً» قال اليزيدي: أي مستوياً؛ يقال: ناقة دكاء إذا ذهب سنامها. وقال القتبي: أي جعله مدكوكاً ملصقاً بالأرض. وقال الكلبي: قطعاً متكسراً؛ قال:شعر : هل غيرُ غادٍ دَكَّ غاراً فانهدم تفسير : وقال الأزهري: يقال دككته أي دققته. ومن قرأ «دَكَّاءَ» أراد جعل الجبل أرضاً دكاء، وهي الرابية التي لا تبلغ أن تكون جبلاً وجمعها دكاوات. قرأ حمزة وعاصم والكسائي «دكاء» بالمدّ على التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره: جعله مثل دكاء؛ ولا بدّ من تقدير هذا الحذف. لأن السدّ مذكر فلا يوصف بدكاء. ومن قرأ «دَكًّا» فهو مصدر دَكَّ يدك إذا هَدم ورَضّ؛ ويحتمل أن يكون «جعل» بمعنى خلق. وينصب «دَكًّا» على الحال. وكذلك النصب أيضاً في قراءة من مدّ يحتمل الوجهين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن ذي القرنين {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} أي: ثم سلك طريقاً من مشارق الأرض، حتى إذا بلغ بين السدين، وهما جبلان متناوحان، بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيها فساداً، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام كما ثبت في "الصحيحين": «حديث : إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فيقول: ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فقال: إن فيكم أمّتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج» تفسير : ، وقد حكى النووي رحمه الله في "شرح مسلم" عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء، وهذا قول غريب جداً لا دليل عليه، لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم. وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث وهو أبو الترك» تفسير : ، قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، وقال: إنما سمي هؤلاء تركاً؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة، وقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم. وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها، والله أعلم. وقوله: {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي: لاستعجام كلامهم، وبعدهم عن الناس {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً} قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: أجراً عظيماً، يعني: أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه حتى يجعل بينه وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه؛ كما قال سليمان عليه السلام: {أية : أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَـٰنِى ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَـٰكُم} تفسير : [النمل: 36] الآية، وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي: بعملكم وآلات البناء {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} والزبر جمع زبرة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وهي كاللبنة، يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} أي: وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رؤوس الجبلين طولاً وعرضاً، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال {قَالَ ٱنفُخُواْ} أي: أجج عليه النار حتى صار كله ناراً {قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي: هو النحاس، زاد بعضهم: المذاب، ويستشهد بقوله تعالى: {أية : وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} تفسير : [سبأ: 12] ولهذا يشبه بالبُرُد المحبَّر. قال ابن جرير: حدثنا بشر عن يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: «حديث : انعته لي» تفسير : قال: كالبرد المحبر؛ طريقة سوداء، وطريقة حمراء، قال: «حديث : قد رأيته» تفسير : هذا حديث مرسل. وقد بعث الخليفة الواثق في دولته أحد أمرائه، وجهز معه جيشاً سرية؛ لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه باباً عظيماً، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرساً من الملوك المتاخمة له، وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع، ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالاً وعجائب. ثم قال الله تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً }.

الشوكاني

تفسير : ثم حكى سبحانه سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى، وهي ناحية القطر الشمالي بعد تهيئة أسبابه فقال: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي: طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وابن محيصن، ويحيـى اليزيدي، وأبو زيد، عن المفضل بفتح السين. وقرأ الباقون بضمها. قال أبو عبيدة وابن الأنباري وأبو عمرو بن العلاء: السد إن كان بخلق الله سبحانه فهو بضم السين حتى يكون بمعنى مفعول، أي: هو مما فعله الله وخلقه، وإن كان من عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً. وقال ابن الأعرابي: كل ما قابلك فسدّ ما وراءه فهو سدّ وسد نحو الضعف والضعف، والفقر والفقر، والسدّان هما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان، وانتصاب "بين" على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94]. وقيل: موضع بين السدّين هو منقطع أرض الترك مما يلي المشرق لا جبلا أرمينية وأذربيجان. وحكى ابن جرير في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الجزر فشاهده، ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع، و {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا } أي: من ورائهما مجازاً عنهما، وقيل: أمامهما {قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } قرأ حمزة والكسائي (يفقهون) بضم الياء وكسر القاف من أفقه إذا أبان، أي: لا يبينون لغيرهم كلاماً، وقرأ الباقون بفتح الياء والقاف، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، والقراءتان صحيحتان، ومعناهما: لا يفهمون عن غيرهم ولا يفهمون غيرهم، لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم. {قَالُواْ} أي: هؤلاء القوم الذين لا يفهمون قولاً، قيل: إن فهم ذي القرنين لكلامهم من جملة الأسباب التي أعطاه الله، وقيل: إنهم قالوا ذلك لترجمانهم، فقال لذي القرنين بما قالوا له {يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلأرْضِ} يأجوج ومأجوج: اسمان عجميان بدليل منع صرفهما، وبه قال الأكثر. وقيل: مشتقان من أجّ الظليم في مشيه: إذا هرول، وتأججت النار: إذا تلهبت، قرأهما الجمهور بغير همز، وقرأ عاصم بالهمز. قال ابن الأنباري: وجه همزهما وإن لم يعرف له أصل أن العرب قد همزت حروفاً لا يعرف للهمز فيها أصل كقولهم: كبأث ورثأت واستشأث الريح. قال أبو علي: يجوز أن يكونا عربيين، فمن همز فهو على وزن يفعول مثل: يربوع، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقبلها ألفاً مثل: رأس. وأما مأجوج، فهو مفعول من أجّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق. قال: وترك الصرف فيهما على تقدير كونهما عربيين للتأنيث والتعريف كأنه اسم للقبيلة. واختلف في نسبهم؛ فقيل: هم من ولد يافث بن نوح، وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل والديلم. وقال كعب الأحبار: احتلم آدم فاختلط ماؤه بالتراب فخلقوا من ذلك الماء. قال القرطبي: وهذا فيه نظر، لأن الأنبياء لا يحتلمون، وإنما هم من ولد يافث، كذلك قال مقاتل وغيره. وقد وقع الخلاف في صفتهم؛ فمن الناس من يصفهم بصغر الجثث وقصر القامة، ومنهم من يصفهم بكبر الجثث وطول القامة، ومنهم من يقول: لهم مخالب كمخالب السباع، وإن منهم صنفاً يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، ولأهل العلم من السلف ومن بعدهم أخبار مختلفة في صفاتهم وأفعالهم. واختلف في إفسادهم في الأرض؛ فقيل: هو أكل بني آدم؛ وقيل: هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد؛ وقيل: كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء القوم الذين شكوهم إلى ذي القرنين في أيام الربيع فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلا أكلوه. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } هذا الاستفهام من باب حسن الأدب مع ذي القرنين. وقرىء (خراجاً). قال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة ويقع على مال الفيء، ويقع على الجزية وعلى الغلة. والخراج أيضاً اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال، والخرج: المصدر. وقال قطرب: الخرج: الجزية والخراج في الأرض، وقيل: الخرج: ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج: ما يجبيه السلطان؛ وقيل: هما بمعنى واحد {عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا } أي: ردماً حاجزاً بيننا وبينهم. وقرىء {سداً} بفتح السين. قال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم، والفتح المصدر. وقال الكسائي: الفتح والضم لغتان بمعنى واحد، وقد سبق قريباً ما حكيناه عن أبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيدة، وابن الأنباري من الفرق بينهما. وقال ابن أبي إسحاق: ما رأته عيناك فهو سدّ بالضم، وما لا ترى فهو سدّ بالفتح، وقد قدّمنا بيان من قرأ بالفتح وبالضم في السدّين. {قَالَ مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى } أي قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله لي من القدرة والملك {خَيْرٌ } من خرجكم، ثم طلب منهم المعاونة له فقال: {فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ } أي: برجال منكم يعملون بأيديهم، أو أعينوني بآلات البناء، أو بمجموعهما. قال الزجاج: بعمل تعملونه معي. قرأ ابن كثير وحده. (ما مكنني) بنونين، وقرأ الباقون بنون واحدة. {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } هذا جواب الأمر، والردم: ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. قال الهروي: يقال: ردمت الثلمة أردمها بالكسر ردماً: أي سددتها، والردم أيضاً الاسم، وهو السدّ، وقيل: الردم أبلغ من السدّ، إذ السدّ كل ما يسدّ به، والردم: وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوهما حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه: إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض، ومنه قول عنترة:شعر : هل غادر الشعراء من متردّم تفسير : أي: من قول يركب بعضه على بعض. {آتوني زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} أي: أعطوني وناولوني، وزبر الحديد: جمع زبرة، وهي القطعة. قال الخليل: الزبرة من الحديد: القطعة الضخمة. قال الفراء: معنى {آتوني زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} ائتوني بها فلما ألقيت الياء زيدت ألفاً، وعلى هذا فانتصاب {زبر} بنزع الخافض {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ } والصدفان: جانبا الجبل. قال الأزهري: يقال لجانبي الجبل صدفان: إذا تحاذيا لتصادفهما أي: تلاقيهما، وكذا قال أبو عبيدة والهروي. قال الشاعر:شعر : كلا الصدفين ينفده سناها توقد مثل مصباح الظلام تفسير : وقد يقال: لكل بناء عظيم مرتفع: صدف، قاله أبو عبيدة. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص: {الصدفين} بفتح الصاد والدال. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، واليزيدي، وابن محيصن بضم الصاد والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال. وقرأ ابن الماجشون بفتح الصاد وضم الدال، واختار القراءة الأولى أبو عبيد لأنها أشهر اللغات. ومعنى الآية: أنهم أعطوه زبر الحديد، فجعل يبني بها بين الجبلين حتى ساواهما {قَالَ ٱنفُخُواْ } أي قال للعملة: انفخوا على هذه الزبر بالكيران {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } أي: جعل ذلك المنفوخ فيه، وهو الزبر ناراً، أي: كالنار في حرّها وإسناد الجعل إلى ذي القرنين مجاز لكونه الآمر بالنفخ. قيل: كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليها الحطب والفحم بالمنافخ حتى يتحمى، والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار، ثم يؤتى بالنحاس المذاب فيفرغه على تلك الطاقة، وهو معنى قوله: {قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} قال أهل اللغة: القطر: النحاس الذائب، والإفراغ: الصبّ، وكذا قال أكثر المفسرين. وقالت طائفة: القطر الحديد المذاب. وقالت فرقة أخرى منهم ابن الأنباري: هو الرصاص المذاب. {فَمَا ٱسْطَـٰعُواْ } أصله: استطاعوا، فلما اجتمع المتقاربان، وهما التاء والطاء خففوا بالحذف. قال ابن السكيت: يقال: ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع. وبالتخفيف قرأ الجمهور، وقرأ حمزة وحده (فما اسطاعوا) بتشديد الطاء كأنه أراد استطاعوا فأدغم التاء في الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي الفارسي: هي غير جائزة. وقرأ الأعمش (فما استطاعوا) على الأصل، ومعنى {أَن يَظْهَرُوهُ } أن يعلوه أي: فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا على ذلك الردم لارتفاعه وملاسته {وَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ لَهُ نَقْبًا } يقال: نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقاً فخلص إلى ما وراءه. قال الزجاج: ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وانملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدّته وصلابته. {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى } أي: قال ذو القرنين مشيراً إلى السدّ: هذا السدّ رحمة من ربي، أي: أثر من آثار رحمته لهؤلاء المتجاوزين للسدّ ولمن خلفهم ممن يخشى عليه معرتهم لو لم يكن ذلك السد؛ وقيل: الإشارة إلى التمكين من بنائه {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى } أي: أجل ربي أن يخرجوا منه، وقيل: هو مصدر بمعنى المفعول، وهو يوم القيامة {جَعَلَهُ دَكَّاء } أي: مستوياً بالأرض ومنه قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا دُكَّتِ ٱلأرْضُ دَكّاً } تفسير : [الفجر: 21]. قال الترمذي: أي مستوياً، يقال ناقة دكاء: إذا ذهب سنامها. وقال القتيبي: أي جعله مدكوكاً ملصقاً بالأرض. وقال الحليمي: قطعاً متكسراً. قال الشاعر:شعر : هل غير غار دك غاراً فانهدم تفسير : قال الأزهري: دككته، أي: دققته. ومن قرأ {دكاء} بالمد وهو عاصم وحمزة والكسائي أراد التشبيه بالناقة الدكاء، وهي التي لا سنام لها، أي: مثل دكاء، لأن السدّ مذكر فلا يوصف بدكاء. وقرأ الباقون (دكاً) بالتنوين على أنه مصدر، ومعناه ما تقدّم، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الحال، أي: مدكوكاً {وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً } أي: وعده بالثواب والعقاب، أو الوعد المعهود حقاً ثابتاً لا يتخلف. وهذا أخر قول ذي القرنين. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } قال: الجبلين أرمينية وأذربيجان. وأخرج أيضاً عن ابن جريج {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } قال: الترك. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم صححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: يأجوج ومأجوج شبر وشبران وأطولهم ثلاثة أشبار؛ وهم من ولد آدم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وابن عساكر عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ومنسك»تفسير : . وأخرج النسائي من حديث عمرو بن أوس عن أبيه مرفوعاً: «حديث : أنه لا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً»تفسير : . وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض يحفرون السدّ كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غداً، فيعودون إليه أشدّ ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستفتحونه غداً إن شاء الله، ويستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه. ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء قسراً وعلواً، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فيهلكون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفس محمد بيده إن دوابّ الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم»تفسير : . وقد ثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمرّ وجهه وهو يقول: حديث : لا إلٰه إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق، قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث»تفسير : . وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } قال: أجراً عظيماً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {رَدْمًا } قال: هو كأشد الحجاب. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ } قال: قطع الحديد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه {بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ } قال: الجبلين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: رؤوس الجبلين. وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله: {قِطْراً} قال: النحاس. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن قتادة {فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ} قال: أن يرتقوه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: أن يعلوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {جَعَلَهُ دَكَّاء } قال: لا أدري الجبلين يعني به أم بينهما.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} بالفتح قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص. وقرأ الباقون بين السُّدين وبالضم، واختلف فيهما على قولين. أحدهما: أنهما لغتان معناهما واحد. الثاني: أن معناهما مختلف. وفي الفرق بينهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن السد بالضم من فعل الله عز وجل وبالفتح من فعل الآدميين. الثاني: أنه بالضم الاسم، وبالفتح المصدر، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك. والسدان جبلان، قيل إنه جعل الروم بينهما، وفي موضعهما قولان: أحدهما: فيما بين إرمينية وأذربيجان. الثاني:في منقطع الترك مما يلي المشرق. {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أي من دون السدين، وفي {يَفْقَهُونَ} قراءتان: إحداهما: بفتح الياء والقاف يعني أنهم لا يفهمون كلام غيرهم. والقراءة الثانية: بضم الياء وكسر القاف، أي لا يفهم كلامهم غيرهم. قوله عز وجل: {قَالُواْ يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} وهما من ولد يافث بن نوح، واسمهما مأخوذ من أجت النار إذا تأججت، ومنه قول جرير: شعر : وأيام أتين على المطايا كأن سمومهن أجيج نارٍ تفسير : واسمها في الصحف الأولى ياطغ وماطغ. وكان أبو سعيد الخدري يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لاَ يَمُوتُ الرَّجُلُ منهُمْ حتى يُولَدُ لِصُلْبِهِ أَلْفُ رَجُلٍ ". تفسير : واختلف في تكليفهم على قولين: أحدهما: أنهم مكلفون لتمييزهم. الثاني: أنهم غير مكلفين لأنهم لو كلفوا لما جاز ألاَّ تبلغهم دعوة الإسلام. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} قرأ حمزة والكسائي: {خَرَاجاً} وقرأ الباقون {خَرْجاً} وفي اختلاف القراءتين ثلاثة أوجه: أحدها: أن الخراج الغلة، والخرج الأجرة. الثاني: أن الخراج اسم لما يخرج من الأرض، والخرج ما يؤخذ عن الرقاب، قاله أبو عمرو بن العلاء. الثالث: أن الخرج ما يؤخذ دفعة، والخراج ثابت مأخوذ في كل سنة، قاله ثعلب. قوله عز وجل: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} يعني خير من الأجر الذي تبذلونه لي. {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} فيه وجهان: أحدهما: بآلة، قاله الكلبي. الثاني: برجال، قاله مقاتل. {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} فيه وجهان: أحدهما: أنه الحجاب الشديد. الثاني: أنه السد المتراكب بعضه على بعض فهو أكبر من السد. {ءاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها قطع الحديد، قاله ابن عباس ومجاهد. الثاني: أنه فلق الحديد، قاله قتادة. الثالث: أنه الحديد المجتمع، ومنه الزَّبور لاجتماع حروفه في الكتابة، قال تبع اليماني: شعر : ولقد صبرت ليعلموه وحولهم زبر الحديد عشيةً ونهاراً تفسير : {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: الصدفان: جبلان، قال عمرو بن شاش: شعر : كلا الصدفين ينفذه سناها توقد مثل مصباح الظلام تفسير : وفيهما وجهان: أحدهما: أن كل واحد منهما محاذ لصاحبه، مأخوذ من المصادفة في اللقاء، قاله الأزهري. الثاني: قاله ابن عيسى، هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه. ثم فيه وجهان: أحدهما:: أن الصدفين اسم لرأسي الجبلين الثاني: اسم لما بين الجبلين. ومعنى قوله: {سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي بما جعل بينهما حتى وارى رؤوسهما وسوّى بينهما. {قَالَ انفُخُوا} يعني أي في نار الحديد. {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} يعني ليناً كالنار في الحر واللهب. {قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن القطر النحاس، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: أنه الرصاص حكاه ابن الأنباري. الثالث: أنه الصفر المذاب، قاله مقاتل، ومنه قول الحطيئة: شعر : وألقى في مراجل من حديد قدور الصُّفر ليس من البُرام تفسير : الرابع: أنه الحديد المذاب، قاله أبو عبيدة وأنشد: شعر : حُساماً كلون الملح صار حديده حراراً من أقطار الحديد المثقب تفسير : وكان حجارته الحديد وطينه النحاس.

ابن عطية

تفسير : قرأت فرقة "اتّبع" بشد التاء، وقرأت فرقة "أتبع" بتخفيفها، وقد تقدم ذكره وهذه الآية تقتضي أنه لما بلغ مطلع الشمس، أي أدنى الأرض من مطلع الشمس، {أتبع} بعد ذلك {سبباً}، أي طريقاً آخر، فهو، والله أعلم، إما يمنة وإما يسرة من مطلع الشمس، و"السدان" فيما ذكر أهل التفسير، جبلان سدا مسالك تلك الناحية من الأرض، وبين طرفي الجبلين فتح، هو موضع الردم، قال ابن عباس: الجبلان اللذان بينهما السد: أرمينية وأذربيجان، وقالت فرقة: هما من وراء بلاد الترك، ذكره المهدوي. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير متحقق، وإنما هما في طريق الأرض مما يلي المشرق ويظهر من ألفاظ التواريخ، أنه إلى ناحية الشمال، وأما تعيين موضع فيضعف، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: "السُّدين" بضم السين، وكذلك "سُداً" حيث وقع، وقرأ حفص عن عاصم بفتح ذلك كله من جميع القرآن، وهي قراءة مجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي، وقرأ ابن كثير "السَّدين" بفتح السين وضم "سداً" في يس، واختلف بعد فقال الخليل وسيبويه: الضم هو الاسم والفتح هو المصدر، وقال الكسائي: الضم والفتح لغتان بمعنى واحد، وقرأ عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحد بعمل فهو بالضم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح. قال القاضي أبو محمد: ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرأ "بين السُّدين" بالضم وبعد ذلك "سَداً" بالفتح، وهي قراءة حمزة والكسائي، وحكى أبو حاتم عن ابن عباس وعكرمة عكس ما قال أبو عبيدة، وقال ابن أبي إسحاق: وما رأته عيناك فهو "سُد" بالضم، وما لا يرى فهو "سَد" بالفتح، والضمير في {دونهما} عائد على الجبلين، أي: وجدهم في الناحية التي تلي عمارة الناس إلى المغرب، واختلف في القوم، فقيل: هم بشر، وقيل جن، والأول أصح من وجوه، وقوله {لا يكادون يفقهون قولاً} عبارة عن بعد السانهم عن ألسنة الناس، لكنهم فقهوا وأفهموا بالترجمة ونحوها، وقرأ حمزة والكسائي "يُفقهون" من أفقه، وقرأ الباقون "يَفقهون" من فقه، والضمير في {قالوا}: للقوم الذين من دون السدين، و {يأجوج ومأجوج}: قبيلتان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعاً كثيرة، اختلف الناس في عددها، فاختصرت ذكره لعدم الصحة، وفي خلقهم تشويه: منهم المفرط الطول، ومنهم مفرط القصر، على قدر الشبر، وأقل، وأكثر، ومنهم صنف: عظام الآذان، الأذن الواحدة وبرة والأخرى زعرى يصيف بالواحدة ويشتو في الأخرى وهي تعمه، واختلفت القراءة فقرأ عاصم وحده "يأجوج ومأجوج" بالهمز وقرأ الباقون: "ياجوج وماجوج" بغير همزة فأما من همز، فاختلف: فقالت فرقة: هو أعجمي علتاه في منع الصرف: العجمة والتأنيث، وقالت فرقة: هو معرب من أجج وأج، علتاه في منع الصرف التعريف والتأنيث، وأما من لم يهمز فإما أن يراهما اسمين أعجميين، وإما أن يسهل من الهمز، وقرأ رؤبة بن العجاج: "آجوج ومأجوج" بهمزة بدل الياء، واختلف الناس في "إفسادهم" الذي وصفوهم به، فقال سعيد بن عبد العزيز: "إفسادهم": أكل بني آدم، وقالت فرقة "إفسادهم" إنما عندهم توقعاً، أي سيفسدون، فطلبوا وجه التحرز منهم، وقالت فرقة: "إفسادهم" هو الظلم والغشم والقتل وسائر وجوه الإفساد المعلوم من البشر، وهذا أظهر الأقوال، لأن الطائفة الشاكية إنما تشكت من ضرر قد نالها، وقولهم {فهل نجعل لك خرجاً} استفهام على جهة حسن الأدب، و"الخرج": المجبي، وهو الخراج، وقال فوم: الخرج: المال يخرج مرة، والخراج المجبي المتكرر، فعرضوا عليه أن يجمعوا له أموالاً يقيم بها أمر السد، قال ابن عباس {خرجاً}: أجراً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم "خرجاً" وقرأ حمزة والكسائي "خراجاً" وهي قراءة طلحة بن مصرف والأعمش والحسن بخلاف عنه وروي في أمر {يأجوج ومأجوج} أن أرزاقهم هي من التنين يمطرونها، ونحو هذا مما لم يصح، وروي أيضاً أن الذكر منهم لا يموت حتى يولد له ألف، والأنثى لا تموت حتى تخرج من بطنها ألف، فهم لذلك إذا بلغوا العدد ماتوا، ويروى أنهم يتناكحون في الطرق كالبهائم، وأخبارهم تضيق بها الصحف، فاختصرتها لضعف صحتها وقوله {قال ما مكني} الآية، المعنى قال لهم ذو القرنين: ما بسطه الله لي من القدرة والملك، خير من خرجكم وأموالكم، ولكن أعينوني بقوة الأبدان، وبعمل منكم بالأيدي، وقرأ ابن كثير "ما مكنني" بنونين، وقرأ الباقون "ما مكني" بإدغام النون الأولى في الثانية، وهذا من تأييد الله تعالى لذي القرنين، فإنه " تهدما" في هذه المحاورة إلى الأنفع الأنزه، فإن القوم، لو جمعوا له خرجاً لم يمنعه منهم أحد، ولوكلوه إلى البنيان، ومعونتهم بالقوة أجمل به، وأمر يطاول مدة العمل، وربما أربى على المخرج، و"الردم" أبلغ من السد، إذ السد كل ما سد به، و"الردم" وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه: إذا رقعه برقاع متكاثفة، بعضها فوق بعض، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : هل غادر الشعراء من متردم تفسير : أي من قول يركب بعضه على بعض.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين} هما هنا جبلان في ناحية الشمال في منقطع أرض الترك حكي أن الواثق بعث بعض من يثق به من أتباعه إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل {وجد من دونهما قوماً} أي أمام السدين قيل هم الترك {لا يكادون يفقهون قولاً} قال ابن عباس: لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم {قالوا يا ذا القرنين} فإن قلت كيف أثبت لهم القول وهم لا يفهمون. قلت تكلم عنهم مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم كلامهم، وقيل معناه لا يكادون يفقهون قولاً إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم الخرس {إن يأجوج ومأجوج} أصلهما من أجيج النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم، وهم من أولاد يافت بن نوح والترك منهم قيل إن طائفة منهم خرجت تغير فضرب ذو القرنين السد فبقوا خارجه فسموا الترك لأنهم تركوا خارجين. قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب والعجم والروم وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج قال ابن عباس "هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء" وروى حذيفة مرفوعاً "أن يأجوج ومأجوج أمة، وكل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه قد حمل السلاح، وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا، وقال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية. وعن علي: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول. وقال كعب: هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم، وذكر وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلاً من الروم ابن عجوز. فلما بلغ كان عبداً صالحاً قال الله سبحانه وتعالى إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس. يقال له ناسك، والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. فقال ذو القرنين بأي قوة أكابدهم وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم؟ فقال الله تعالى إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك، فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك. فانطلق حتى أتى مغرب الشمس، فوجد جمعاً وعدداً لا يحصيهم إلا الله تعالى فكاثرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد، فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب جنداً عظيماً وانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم، حتى أتى هاويل ففعل فيهم كفعله في ناسك ثم مضى حتى منسك ففعل فيهم كفعله في الأمتين، وجند منهم جنداً عظيماً ثم أخذ ناحية اليسرى فأتى تاويل ففعل بهم كفعله فيما قبلها ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض. فلما كان فيما يلي منقطع الترك مما يلي المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقاً أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش والسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض، وليس يزداد خلق كزيادتهم فلا شك أنهم يتملكون الأرض ويظهرون عليها ويفسدون فيها فهل نجعل لك خرجاً، على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟ قال: "ما مكَّنيّ فيه ربي خير" وقال أعدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم. فانطلق حتى توسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخالب وأضراس كالسباع، ولهم هدب شعر يواري أجسادهم، ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى، يصيف في واحدة ويشتي في واحدة, يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا فلما عاين ذو القرنين ذلك انصرف إلى مابين الصدفين فقاس ما بينهما وحفر له الأساس حتى بلغ الماء فذلك قوله تعالى {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} قيل فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا حملوه وأدخلوه أرضهم، فلقوا منهم أذىً شديداً وقيل فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل معناه أنهم سيفسدون عن خروجهم {فهل نجعل لك خرجاً} أي جعلاً وأجراً من الأموال {على أن تجعل بيننا وبينهم سداً} أي حاجزاً فلا يصلون إلينا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم اتبع سببا} اى اخذ طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب آخذا من الجنوب الى الشمال.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {بين السدين}: مفعول، لا ظرف؛ لأنه يستعمل متصرفًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم أتْبَعَ} ذو القرنين {سببًا}: طريقًا ثالثًا بين المشرق والمغرب، سالكًا من الجنوب إلى الشمال، {حتى إذا بلغ بين السدين}: بين الجبلين، اللذين سُدَّ ما بينهما، وهو منقطع أرض الترك، مما يلي المشرق، لا جبال أرمينية وأذربيجان، كما توهم، وفيه لغتان: الضم والفتح، وقيل: ما كان من فعل الله فهو مضموم، وما كان من عمل الخلق فهو مفتوح. {وجد من دونهما} أي: من ورائهما: مما يلي بر الترك، {قومًا}: أمة من الناس {لا يكادون يفقهون}: يفهمون {قولاً}؛ لغرابة لغتهم، وقلة فطنتهم، وقرئ بالضم؛ رباعيًا، أي: لا يُفصحون بكلامهم، واختلف فيهم، قيل: هم جيل من الترك؛ قال السدي: الترك سُرْبة من يأجوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السد، فبقيت خارجة. قلت: ولعلهم طلبوا منه ذلك، حين اعتزلوا قومهم، ثم قال: فجميع الترك منهم. وعن قتادة: أنهم، - أي: يأجوج ومأجوج - اثنتان وعشرون قبيلة، سد ذو القرنين على إحدى وعشرين، وبقيت واحدة، فسُموا الترك؛ لأنهم تُرِكُوا خارجين. قال أهل التاريخ: أولاد نوح عليه السلام ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أَبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخرز والصقالبة ويأجوج ومأجوج. هـ. وقُرِئ بالهمز فيهما؛ لأنه من أجيج النار، أي: ضوؤها وشررها، شُبهوا به في كثرتهم وشدتهم، وهو غير منصرف؛ للعجمة والعلَمية. {قالوا يا ذا القرنين}، إما أن يكون قالوه بواسطة ترجمان، أو يكون فَهم كلامهم، فيكون من جملة ما آتاه الله تعالى من الأسباب، فقالوا له: {إِن يأجوج ومأجوج}، قد تقدم أنهم من أولاد يافث. وما يقال: إنهم من نطفة احتلام آدم لم يصح، واختلف في صفاتهم، فقيل: في غاية صغر الجثة وقصر القامة، لا يزيد قدمهم على شبر، وقيل: في نهاية عِظم الجسم وطول القامة، تبلغ قدودهم نحو مائة وعشرين ذراعًا، وفيهم من عرضه كذلك. حديث : قال عبد الله بن مسعود: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج، فقال:هم أمم، كل أمة أربع مائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذَكَر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح، قيل: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز - وهو شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع - وصنف عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وصنف يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مُقَدَّمَتُهُمْ بالشام، وسَاقَتُهُمْ بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية ". تفسير : فقالوا له: {إِنَّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} أي: في أرضنا، بالقتل، والتخريب، وإتلاف الزرع، قيل: كانوا يخرجون أيام الربيع، فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابسًا إلا احتملوه، وكانوا يأكلون الناس أيضًا. {فهل نجعلُ لك خَرْجًا} أي: جُعْلاً من أموالنا {على أن تجعلَ بيننا وبينهم سدًّا}؛ بالفتح وبالضم، أي: حاجزًا يمنعهم منا؟ {قال ما مكَّني} - بالفك وبالإدغام - أي: ما مكنني {فيه ربي}، وجعلني في مكينًا قادرًا من الملك والمال وسائر الأسباب، {خيرٌ} من جُعْلِكم، فلا حاجة لي به، {فأَعينوني بقوة} الأبدان وعمل الأيدي، كصُنَّاع يحسنون البناء والعمل، وبآلاتٍ لا بد منها في البناء، {أجعلْ بينكم وبينهم رَدْمًا} أي: حاجزًا حصينًا، وبرزخًا مكينًا، وهو أكبر من السد وأوثق، يقال: ثوب مُردم؛ إذا كان ذا رقاع فوق رقاع، وهذا إسعاف لهم فوق ما يرجون. {آتُوني زُبَرَ الحديد}: جمع زبرة، وهي القطعة الكبيرة، وهذا لا ينافي رد خراجهم؛ لأن المأمور الإيتاء بالثمن أو المناولة، كما ينبئ عنه قراءة: "ائتوني"؛ بوصل الهمزة، أي: جيئوني بزبر الحديد، على حذف الباء، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة، دون الخراج على العمل. قال القشيري: استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم، ولم يأخذ منهم عُمالة؛ لما رأى أن من الواجب عليه حق الحماية على حسب المُكنة. هـ. ولعل تخصيص الأمر بالإتيان بها دون سائر الآلات؛ من الفحم والحَطب وغيرهما؛ لأن الحاجة إليها أمسُّ؛ لأنها الركن في السد، ووجودها أعز. قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد، وجعل بيْنهما الفحم والحطب، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، وكان بينهما مائة فرسخ، وذلك قوله تعالى: {حتى إذا ساوى بين الصَّدَفَينِ}، وقرئ بضمهما، أي: ما زال يبني شيئًا فشيئًا حتى إذا جعل ما بين ناصيتي الجبلين من البنيان مساويًا لهما في السُّمْك. قيل: كان ارتفاعه: مائتي ذراع، وعرضه: خمسون ذراعًا. وقرئ {سوَّى}؛ بالتشديد، من التسوية. فلما سوّى بين الجبلين بالبناء، {قال} للعَمَلة: {انفخوا} النيران في الحديد المبني، ففعلوا {حتى إذا جعله} أي: المنفوخ فيه {نارًا} أي: كالنار في الحرارة والهيئة. وإسناد الجعل إلى ذي القرنين، مع أنه من فعل العملة؛ للتنبيه على أنه العمدة في ذلك، وهم بمنزلة الآلة. {قال} للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها: {آتُوني أُفرغ عليه قِطْرًا} أي: آتوني نحاسًا مُذابًا أُفرغه عليه، وإسناد الإفراغ إلى نفسه، لِمَا تقدم. {فما اسطاعوا} أي: استطاعوا {أن يَظْهَرُوه} أيْ: يعلوه بالصعود لارتفاعه، والفاء فصيحة، أي: ففعلوا ما أمرهم به من إيتاء القطر، فأفرغوه عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صلَدًا، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه أو ينتقبوه {فما اسطاعوا أن يَظْهَرُوه}؛ لارتفاعه وملاسته، {وما استطاعوا له نَقْبًا}؛ لصلابته، وهذه معجزة له؛ لأن تلك الزُبَر الكبيرة إذا أثرت فيها حرارة النار لا يقدر أحد أن يجول حولها، فضلاً عن إفراغ القطر عليها، فكأنه تعالى صرف النار عن أبدان المباشرين للأعمال. والله على كل شيء قدير. {قال} ذو القرنين، لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم: {هذا} أي: السد، أو تمكينه منه، {رحمةً} عظيمة {من ربي} على كافة العباد، لا سيما على مجاوريه، وفيه إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق، بل هو إحسان إلهي محض، وإن ظهر بمباشرتي. والتعرض لوصف الربوبية؛ لتربية معنى الرحمة. {فإذا جاء وعدُ ربي}: وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة؛ بأن شارف قيامُها، {جعله} أي: السد المذكور، مع متانته ورصانته، {دكّاءَ}: مدكوكًا مبسوطًا مستويًا بالأرض، وفيه بيان عظمة قدرته تعالى، بعد بيان سعة رحمته، {وكان وعد ربي حقًا}: كائنًا لا محالة. رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِنَّ يأجُوجَ ومأجُوجَ يَحْفِرُون السد، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرونه غَدًا، فيُعِيدُهُ اللهُ كأشَدّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغتْ مُدَّتُهُمْ، حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الذِي عَلَيْهم: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ الله، فَيَعُودُونَ إِلَيْه، وهُوَ على هَيْئَتِهِ كما تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ فيخْرُجُونَ عَلَى النَّاس"تفسير : . وسيأتي في الأنبياء تمام قصة خروجهم، إن شاء الله، وهذا آخر كلام ذي القرنين. قال تعالى: {وتركنا بعضهم يومئذ}: يوم مجيء الوعد، ويخرجون، {يموجُ في بعض}؛ يزدحمون في البلاد، أو: يموج بعض الخلق في بعض، فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم، حيارى من شدة الهول. رُوي أنهم يأتون البحر فيشربونه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر وما ظفروا به، ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون على دخول مكة والمدينة وبيت المقدس، ثم يبعث الله عليهم مرضًا في رقابهم، فيموتون مرة واحدة، فيرسل الله طيرًا فترميهم في البحر، ثم يرسل مطرًا تغسل الأرضَ منهم، ثم تُوضع فيها البركة، وهذا بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام، ثم تنقرض الدنيا كما قال تعالى: {ونُفخ في الصُّور}؛ لقيام الساعة، {فجمعناهم جمعًا}، وسكت الحق تعالى عن النفخة الأولى؛ اكتفاء بذكرها في موضع آخر، أي: جمعنا الخلائق بعدما تفرقت أوصالهم، وتمزقت أجسادهم، في صعيد واحد؛ للحساب والجزاء، جمعًا عجيبًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، {وعرَضْنَا جهنم}؛ أظهرناها وأبرزناها {يومئذ} أي: يوم إذ جمعنا الخلائق كافة، {للكافرين} منهم، بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظًا وزفيرًا، {عَرضًا} فظيعًا هائلاً لا يقدر قدره، وخص العَرض بهم، وإن كان بمرْأى من أهل الموقف قاطبة؛ لأن ذلك لأجلهم. ثم ذكر وصفهم بقوله: {الذين كانت أعينهم} وهم في الدنيا {في غطاءٍ} كثيف وغشاوة غليظة {عن ذكري}: عن سماع القرآن وتدبره، أو: عن ذكري بالتوحيد والتمجيد، أو كانت أعين بصائرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني، {وكانوا لا يستطيعون سمعًا} أي: وكانوا مع ذلك؛ لفرط تصامُمِهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، لا يستطيعون استماعًا منه لذكري وكلامي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية، كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار. الإشارة: السياحة في أقطار الأرض مطلوبة عند الصوفية في بداية المريد، أقلها سبع سنين، وقال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي الله عنه: أقلها أربع عشرة سنة. وفيها فوائد، منها: زيارة الإخوان، والمذاكرة معهم، وهي ركن في الطريق، ومنها: نفع عباد الله، إن كان أهلاً لتذكيرهم، (فلأن يهدي الله به رجلاً واحدًا خير له مما طلعت عليه الشمس). ومنها: تأسيس باطنه وتشحيذ معرفته، ففي كل يوم يلقى تجليًا جديدًا، وتلوينًا غريبًا، يحتاج معه إلى معرفة كبيرة وصبر جديد، فالمريد كالماء، إذا طال مُكثه في مكانه أنتن وتغيَّر، وإذا جرى عَذُبَ وصَفَى. ومنها: أنه قد يلقى في سياحته من يربَحُ منه، أو يزيد به إلى ربه. رُوِيَ أن ذا القرنين بينما هو يسير في سياحته إذ رُفع إلى أمة صالحة، يهدون بالحق وبه يعدلون، يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليْسَتْ لبيوتهم أبواب، وليس عليهم أُمراء، وليس بينهم قضاة، ولا يختلفون ولا يتنازعون، ولا يقتتلون، ولا يضحكون ولا يحزنون، ولا تُصيبهم الآفات التي تُصيب الناس، أطول الناس أعمارًا، وليس فيهم مسكين ولا فظ ولا غليظ، فعجب منهم، وقال: خبِّروني بأمركم، فلم أر في مشارق الأرض ومغاربها مثلكم، فما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: لئلا ننسى الموت؛ ليمنعنا ذلك من طلب الدنيا، قال: فما بال بيوتكم لا أبواب لها؟ قالوا: ليس فيها مُتهم، ولا فينا إلا أمين مؤتمن. قال: فما بالكم ليس فيكم حُكَّام؟ قالوا: لا نختصم، قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لا نتكاثر. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لا نفتخر، قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من أُلفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا، قال: فما بال طريقتكم واحدة وكلمتكم مستقيمة؟ قالوا: من أجل أننا لا نتكاذب، ولا نتخادع، ولا يغتاب بعضنا بعضًا. قال: أخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: صلحت صدورنا فنزع منها الغل والحسد، قال: فما بالكم ليس فيكم فقير ولا مسكين؟ قالوا: من قِبَل أَنَّا نقسم بيننا بالسوية. قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟ قالوا: من قِبَل الذلة والتواضع، قال: فما جعلكم أطول الناس أعمارًا؟ قالوا: من قِبَل أنَّا لا نتعاطى إلا الحق ونحكم بالسوية. قال: فما بالكم لا تضحكون؟ قالوا: لا نغفُل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تحزنون؟ قالوا: من قِبَل أَنَّا وَطَّنَّا أنفسنا للبلاء. فقال: فما بالكم لا تصيبكم الآفاتُ كما تصيب الناس؟ قالوا: لأنا لا نتوكل على غير الله، قال: هل وجدتم آباءكم هكذا؟ قالوا: نعم، وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويُواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويُحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويَصلُون أرحامهم، ويُؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويُوفون بعهدهم، ويَصدُقون في مواعدهم، فأصلح الله تعالى بذلك أمرهم وحفظهم، ما كانوا أحياءًا، وكان حقًا علينا أن نخلفهم في تركتهم. فقال ذو القرنين: لو كنت مُقيمًا لأقمت فيكم، ولكن لم أُومر بالمقام. هـ. ذكره الثعلبي. وقال في القوت: قوله تعالى، في صفة أعدائه المحجوبين: {كانت أعينهم في غطاء عن ذكري}: دليل الخطاب في تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره، ناظرون إلى غيبه، قال تعالى في ضده: {أية : مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} تفسير : [هُود: 20]، وقال: {أية : مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ...} تفسير : [هُود: 24] الآية. هـ. وسبب غطاء القلوب عن الاستماع والاستبصارهو اتباع الهوى

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص "السدين" - بالفتح - الباقون بالضم. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً وحده "يفقهون" بضم الياء وكسر القاف. الباقون بفتح الياء والقاف. وقرأ عاصم وحده "يأجوج ومأجوج" بالهمز. الباقون بلا همز. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً "خراجاً" بالف. الباقون {خرجاً} بغير الف. اخبر الله تعالى عن حال ذي القرنين أنه اتبع طريقاً الى جهاد الكفار الى ان بلغ بين السدين ووصل الى ما بينهما، وهما الجبلان اللذان جعل الردم بينهما - فى قول ابن عباس وقتادة والضحاك. والسد وضع ما ينتفي به الخرق، يقال: سده يسده سداً فهو ساد، والشيء مسدود، وانسد انسداداً، ومنه سدد السهم، لأنه سد عليه طرق الاضطراب. ومنه السداد الصواب، والسد الحاجز بينك وبين الشيء. قال الكسائي: الضم والفتح في السد بمعنى واحد. وقال أبو عبيدة وعكرمة: (السد) - بالضم - من فعل الله، وبالفتح من فعل الآدميين. وقوله {وجد من دونهما} يعني دون السدين {قوماً لا يكادون يفقهون قولاً} اي لا يفهمونه. ومن ضم الياء أراد لا يفهمون غيرهم، لاختلاف لغتهم عن سائر اللغات، وانما قال {لا يكادون} لانهم فقهوا بعض الشيء عنهم، وإن كان بعد شدة، ولذلك حكي عنهم أنهم قالوا {إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} والفقه فهم متضمن المعنى، والفهم للقول هو الذي يعلم به متضمن معناه يقال: فقه يفقه وفقه يفقه. وقوله {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض} حكاية عما قال القوم الذين وجدهم ذو القرنين من دون السدين، فقالوا إن هؤلاء مفسدون في الارض أي في تخريب الديار، وقطع الطرق، وغير ذلك. {فهل نجعل لك خراجاً} فمن قرأ بالألف، فانه أراد الغلة. ومن قرأ بلا ألف أراد الأجر {على أن تجعل بيننا وبينهم} يعني بيننا وبين يأجوج ومأجوج "سداً" قال لهم ذو القرنين {ما مكني فيه ربي خير} من الاجر الذي تعرضون عليّ {فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً} فالردم أشد الحجاب - فى قول ابن عباس -، يقال: ردم فلان موضع كذا يردمه ردماً، وردم ثوبه ترديماً إذا اكثر الرقاع فيه، ومنه قول عنترة: شعر : هل غادر الشعراء من متردّم أم هل عرفت الدار بعد توهم تفسير : اي هل تركوا من قول يؤلف تأليف الثوب المرقع. وقيل الردم السد المتراكب وقرأ ابن كثير "مكنني" بنونين. الباقون بنون واحدة مشددة. من شدد أدغم كراهية المثلين. ومن لم يدغم قال: لانها من كلمتين، لان النون الثانية للفاعل، والياء للمتكلم، وهو مفعول به. وقوله {أعينوني بقوة} أي برجال يبنون، و (الخرج) المصدر لما يجرج من المال، والخراج الاسم لما يخرج عن الارض ونحوها. وترك الهمزة في {ياجوج وما جوج} هو الاختيار، لان الاسماء الاعجمية لا تهمز مثل (طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت). ومن همز قال: لانه ماخوذ من اجج الثار ومن الملح الأجاج، فيكون (مفعولا) منه فى قول من جعله عربياً، وترك صرفه للتعريف والتأنيث، لانه اسم قبيلة ولو قال: لو كان عربياً لكان هذا اشقتاقه ولكنه أعجمي فلا يشتق لكان أصوب قال رؤبة: شعر : لو ان ياجوج وماجوج معاً وعاد عاد واستجاشوا تبعا تفسير : فترك الصرف فى الشعر، كما هو في التنزيل، وجمع يأجوج يآجيج، مثل يعقوب ويعاقيب لذكر الحجل، وولد القبج السلك والانثى سلكة ومن جعل {يأجوج ومأجوج} فاعولا جمعه يواجيج بالواو، مثل طاغوت وطواغيت. وهاروت وهواريت. واما مأجوج فى قول من همز، فـ (مفعول) من أج، كما أن ياجوج (يفعول) منه. فالكلمتان على هذا من أصل واحد في الاشتقاق، ومن لم يهمز ياجوج، كان عنده (فاعول) من (يج) كما ان ماجوج (فاعول) من (مج) فالكلمتان على هذا من أصلين، وليسا فى أصل واحد، كما كانا كذلك فيمن همزهما، وإن كانا من العحمي فهذه التقديرات لا تصح فيهما. وانما مثل بها على وجه التقدير على ما مضى. وقال الجبائي والبخلي وغيرهما: إن ياجوج وماجوج قبيلان من ولد آدم. وقال الجبائي: قيل: انهما من ولد يافث بن نوح، ومن نسلهم الاتراك. وقال سعيد ابن جبير: قوله {مفسدون في الأرض} معناه يأكلون الناس. وقال قوم: معناه انهم سيفسدون، ذهب اليه قتادة.

الجنابذي

تفسير : موصلاً الى ما بين مطلع الشّمس ومغربها.

اطفيش

تفسير : إلى جهة الشمال.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} معترضًا بين المغرب والمشرق من مطلع الشمس إلى الشمال.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من مطلع الشمس إلى الشمال.

ابن عاشور

تفسير : السدّ ــــ بضم السين وفتحها ــــ: الجبل. ويطلق أيضاً على الجدار الفاصل، لأنه يسد به الفضاء، وقيل: الضم في الجبل والفتح في الحاجز. وقرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، وخلف، ويعقوب ــــ بضم السين ــــ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم ــــ بفتح السين ــــ على لغة عدم التفرقة. والمراد {بالسدين} هنا الجبلان، وبالسد المفرد الجدار الفاصل، والقرينة هي التي عيّنت المراد من هذا اللفظ المشترك. وتعريف {السَّدَّيْنِ} تعريف الجنس، أي بين سدّين معينين، أي اتبع طريقاً آخر في غزوه حتى بلغ بين جبلين معلومين. ويظهر أن هذا السبب اتّجه به إلى جهة غير جهتي المغرب والمشرق، فيحتمل أنها الشمال أو الجنوب. وعينه المفسّرون أنه للشمال، وبنوا على أن ذا القرنين هو إسكندر المقدوني، فقالوا: إن جهة السدّين بين (أرمينيا وأذربيجان). ونحن نبني على ما عيّناه في الملقب بذي القرنين، فنقول: إن موضع السدين هو الشمال الغربي لصحراء (قوبِي) الفاصلة بين الصين وبلاد المغول شمال الصين وجنوب (منغوليا). وقد وجد السد هنالك ولم تزل آثارهُ إلى اليوم شاهدَها الجغرافيون والسائحون وصورت صوراً شمسية في كتب الجغرافيا وكتب التاريخ العصرية. ومعنى {لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أنهم لا يعرفون شيئاً من قول غيرهم فلغتهم مخالفة للغات الأمم المعروفة بحيث لا يعرفها تراجمة ذي القرنين لأن شأن الملوك أن يتخذوا تراجمة ليترجموا لغات الأمم الذين يحتاجون إلى مخاطبتهم، فهؤلاء القوم كانوا يتكلمون بلغة غريبة لانقطاع أصقاعهم عن الأصقاع المعروفة فلا يوجد من يستطيع إفهامهم مراد الملك ولا هم يستطيعون الإفهام. ويجوز أن يكون المعنى أنهم قوم متوغلون في البداوة والبلاهة فلا يفهمون ما يقصده من يخاطبهم. وقرأ الجمهور {يَفْقَهُونَ} ــــ بفتح الياء التحتية وفتح القاف ــــ أي لا يفهمون قول غيرهم. وقرأ حمزة، والكسائي ــــ بضم الياء وكسر القاف ــــ أي لا يستطيعون إفهام غيرهم قولهم. والمعنيان متلازمان. وهذا كما في حديث الإيمان: «نسمع دويّ صوته ولا نفهم ما يقول». وهؤلاء القوم مجاورون ياجوج وماجوج، وكانوا أضعف منهم فسألوا ذا القرنين أن يقيهم من فساد ياجوج وماجوج. ولم يذكر المفسرون تعيين هؤلاء القوم ولا أسماء قبيلهم سوى أنهم قالوا: هم في منقطع بلاد الترك نحو المشرق وكانوا قوماً صالحين فلا شك أنهم من قبائل بلاد الصين التي تتاخم بلاد المغول والتّتر. وجملة {قَالُوا} استئناف للمحاورة. وقد بينا في غير موضع أن جمل حكاية القول في المحاورات لا تقترن بحرف العطف كما في قوله تعالى: { أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } تفسير : [البقرة:30] الآية. فعلى أول الاحتمالين في معنى {لا يَكَادونَ يَفْقَهونَ قَولاً} أنهم لا يدركون ما يطلب منهم من طاعة ونظام ومع ذلك يعربون عما في نفوسهم من الأغراض مثل إعراب الأطفال، وعلى الاحتمال الثاني أنهم أمكنهم أن يفهم مرادهم بعد لأي. وافتتاحهم الكلام بالنداء أنهم نادوه نداء المستغيثين المضطرين، ونداؤهم إياه بلقب ذي القرنين يدل على أنه مشهور بمعنى ذلك اللقب بين الأمم المتاخمة لبلاده. وياجوج وماجوج أمة كثيرة العدد فيحتمل أن الواو الواقعة بين الاسمين حرف عطف فتكون أمة ذات شعبين، وهم المغول وبعض أصناف التتار. وهذا هو المناسب لأصل رسم الكلمة ولا سيما على القول بأنهما اسمان عربيان كما سيأتي فقد كان الصنفان متجاورين. ووقع لعلماء التاريخ وعلماء الأنساب في اختلاف إطلاق اسمي المغول والتتار كل على ما يطلق عليه الآخر لعسر التفرقة بين المتقاربين منهما، وقد قال بعض العلماء: إن المغول هم ماجوج بالميم اسم جد لهم يقال له أيضاً (سكيثوس) وربما يقال له (جيته). وكان الاسم العام الذي يجمع القبيلتين ماجوج ثم انقسمت الأمة فسميت فروعها بأسماء خاصة، فمنها ماجوج وياجوج وتتر ثم التركمان ثم الترك. ويحتمل أن الواو المذكورة ليست عاطفة ولكنها جاءت في صورة العاطفة فيكون اللفظ كلمة واحدة مركبة تركيباً مزجياً، فيتكون اسماً لأمة وهم المغول. والذي يجب اعتماده أن ياجوج وماجوج هم المغول والتتر. وقد ذكر أبو الفداء أن ماجوج هم المغول فيكون ياجوج هم التتر. وقد كثرت التتر على المغول فاندمج المغول في التتر وغلب اسم التتر على القبيلتين. وأوضح شاهد على ذلك ما ورد في حديث أمّ حبيبة حديث : عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم ياجوج وماجوج مثل هذه». وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليهاتفسير : . وقد تقدم آنفاً. ولا يعرف بالضبط وقت انطلاقهم من بلادهم ولا سبب ذلك. ويقدّر أن انطلاقهم كان أواخر القرن السادس الهجري. وتشتت ملك العرب بأيدي المغول والتتر من خروج جنكيز خان المغولي واستيلائه على بخارى سنة ست عشرة وستمائة من الهجرة ووصلوا ديار بكر سنة 628هــــ ثم ما كان من تخريب هولاكو بغداد عاصمة ملك العرب سنة 660هــــ. ونظير إطلاق اسمين على حي مؤتلف من قبيلتين إطلاق طسم وجديس على أمّة من العرب البائدة، وإطلاق السكاسك والسكرن في القبائل اليمنية، وإطلاق هلال وزغبة على أعراب إفريقية الواردين من صعيد مصر، وإطلاق أولاد وزاز وأولاد يحيى على حيّ بتونس بالجنوب الغربي، ومَرَادة وفِرْجان على حي من وطن نابل بتونس. وقرأ الجمهور {ياجوج وماجوج} كلتيهما بألف بعد التحتية بدون همز، وقرأه عاصم بالهمز. واختلف المفسرون في أنه اسم عربي أو معرّب، وغالب ظني أنه اسم وضعه القرآن حاكى به معناه في لغة تلك الأمة المناسب لحال مجتمعهم فاشتق لهما من مادة الأج، وهو الخلط، إذ قد علمت أن تلك الأمة كانت أخلاطاً من أصناف. والاستفهام في قوله {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ}، مستعمل في العَرض. والخرْج: المال الذي يدفع للملك. وهو ــــ بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء ــــ في قراءة الجمهور. ويقال فيه الخراج بألف بعد الراء، وكذلك قرأه حمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ الجمهور {سُدًّا} بضم السين وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف بفتح السين . وقوله {ما مكَّنّي فِيه ربِّي خيرٌ} أي ما آتاني الله من المال والقوة خير من الخراج الذي عرضتموه أو خير من السد الذي سألتموه، أي ما مكنني فيه ربي يأتي بخير مما سألتم، فإنه لاح له أنه إن سد عليهم المرورَ من بين الصدفين تحيلوا فتسلقوا الجبال ودخلوا بلاد الصين، فأراد أن يبني سُوراً ممتداً على الجبال في طول حدود البلاد حتى يتعذّر عليهم تسلق تلك الجبال، ولذلك سمّاه رَدْماً. والردم: البناء المردّم. شبه بالثوب المردّم المؤتلف من رقاع فوق رقاع، أي سُداً مضاعفاً. ولعله بَنى جدارين متباعدين وردم الفراغ الذي بينهما بالتُراب المخلوط ليتعذر نقبه. ولما كان ذلك يستدعي عملة كثيرين قال لهم: {فأعينوني بقوة}أي بقوّة الأبدان، أراد تسخيرهم للعمل لدفع الضر عنهم. وقد بنى ذو القرنين وهو (تْسين شي هوانق تِي) سلطان الصين هذا الردم بناء عجيباً في القرن الثالث قبل المسيح وكان يعمل فيه ملايين من الخَدمَة، فجعل طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة كيلومتر. وبعضهم يقول: ألفا ومائتي ميل، وذلك بحسب اختلاف الاصطلاح في تقدير الميل، وجعل مبدأه عند البحر، أي البحر الأصفر شرقي مدينة (بيكنغ) عاصمة الصين في خط تجاه مدينة (مُكْدن) الشهيرة. وذلك عند عرض 40.4ْ شمالاً، وطول 12.02ْ شرقاً، وهو يلاقي النهر الأصفر حيث الطول 111.50ْ شرقاً، والعرض 39.50ْ شمالاً، وأيضاً في 37ْ عرض شمالي. ومن هنالك ينعطف إلى جهة الشمال الغربي وينتهي بقرب 99ْ طولاً شرقياً و40ْ عرضاً شمالياً. وهو مبني بالحجارة والآجر وبعضه من الطين فقط. وسمكه عند أسفله نحو 25 قدماً وعند أعلاه نحو 15 قدماً وارتفاعه يتراوح بين 15 إلى 20 قدماً، وعليه أبراج مبنية من القراميد ارتفاع بعضها نحو 40 قدماً. وهو الآن بحالة خراب فلم يبق له اعتبار من جهة الدفاع، ولكنه بقي علامة على الحد الفاصل بين المقاطعات الأرضية فهو فاصل بين الصين ومنغوليا، وهو يخترق جبال (يابلوني) التي هي حدود طبيعية بين الصين وبلاد منغوليا فمنتهى طرَفه إلى الشمال الغربي لصحراء (قوبي). وقرأ الجمهور {مَكَّنّي} بنون مدغمة، وقرأه ابن كثير بالفك على الأصل. وقوله {ءَاتُوني زُبَرَ الحَدِيدِ} هو أمر لهم بمناولة زبر الحديد. فالإيتاء مستعمل في حقيقة معناه وهو المناولة وليس تكليفاً للقوم بأن يجلبوا له الحديد من معادنه لأن ذلك ينافي قوله {ما مكَّني فيه ربي خير فأعينوني بقوة} أي أنه غني عن تكليفهم إنفاقاً على جعل السدّ. وكأن هذا لقصد إقامة أبواب من حديد في مداخل الردم لمرور سيول الماء في شُعَب الجبل حتى لا ينهدم البناء بأن جعل الأبواب الحديدية كالشبابيك تمنع مرور الناس ولا تمنع انسياب الماء من بين قضبها، وجعل قضبان الحديد معضودة بالنحاس المذاب المصبوب على الحديد. والزُبَر: جمع زُبْرة، وهي القطعة الكبيرة من الحديد. والحديد: معدن من معادن الأرض يكون قِطعاً كالحَصَى ودون ذلك فيها صلابة. وهو يصنف ابتداء إلى صنفين: ليّن، ويقال له الحديد الأنثى، وصُلب ويقال له الذكر. ثم يُصنف إلى ثمانية عشر صنفاً، وألوانه متقاربة وهي السنجابي، منها ما هو إلى الحمرة، ومنها ما هو إلى البياض، وهو إذا صهر بنار قوية في أتون مغلق التأمت أجزاؤه وتجمعت في وسط النار كالإسفنجة واشتدت صلابته لأنه بالصهر يدفع ما فيه من الأجزاء الترابية وهي المسماة بالصدأ والخبث، فتعلو تلك الأجزاء على سطحه وهي الزبَد. وخبَث الحديد الوارد في الحديث: « حديث : إنّ المدينة تنفي خبَثها كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد ». تفسير : ولذلك فبمقدار ما يطفو من تلك الأجزاء الغريبة الخبيثة يخلص الجزء الحديدي ويصفو ويصير زُبَراً. ومن تلك الزُبر تُصنع الأشياء الحديدية من سيوف وزجاج ودروع ولأمات، ولا وسيلة لصنعه إلاّ الصهر أيضاً بالنار بحيث تصير الزبرة كالجَمر، فحينئذ تُشَكّل بالشكل المقصود بواسطة المطارق الحديدية. والعصرُ الذي اهتدى فيه البشر لصناعة الحديد يسمى في التاريخ العصر الحديدي. وقوله: {حتَّى إذا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ} أشعرت {حَتَّى}بشيء مغيّاً قبلها، وهو كلام محذوف تقديره: فآتوه زُبَر الحديد فنضدها وبناها حتى إذا جعل ما بين الصدفين مساوياً لعلو الصدفين. وهذا من إيجاز الحذف. والمساواة: جعل الأشياء متساوية، أي متماثلة في مقدار أو وصف. والصدفان ــــ بفتح الصاد وفتح الدال ــــ في قراءة الجمهور وهو الأشهر. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب ــــ بضم الصاد والدال، وهو لغة. وقرأه أبو بكر عن عاصم ــــ بضم الصاد وسكون الدال ــــ. والصدف: جانب الجبل، وهما جانبا الجبلين وهما السدان. وقال ابن عطية والقزويني في «الكشف»: لا يقال إلاّ صدفان بالتثنية، ولا يقال لأحدهما صَدف لأن أحدهما يصادف الآخر، أي فالصدفان اسم لمجموع الجانبين مثل المِقَصّان لما يقطع به الثوب ونحوه. وعن أبي عيسى: الصدف كلّ بناء عظيم مرتفع. والخطاب في قوله {انْفُخُوا} وقوله {ءَاتُونِي} خطاب للعملة. وحذف متعلّق {انْفُخُوا} لظهوره من كون العمل في صنع الحديد. والتقدير: انفخوا في الكِيرَان، أي الكيران المصفوفة على طول ما بين الصدفين من زُبر الحديد. وقرأ الجمهور: {قَالَ ءَاتُونّي} مثل الأول. وقرأه حمزة، وأبو بكر عن عاصم {ائتوني} على أنه أمر من الإتيان، أي أمرهم أن يحضروا للعمل. والقطر ــــ بكسر القاف ــــ: النّحاس المُذاب. وضمير {اسْطَاعُوَا} و {اسَتَطَاعُوا} ليأجوج ومأجوج. والظهور: العلو. والنقب: كسر الرّدم، وعدم استطاعتهم ذلك لارتفاعه وصلابته. و {اسْطَاعُوَا} تخفيف {اسَتَطَاعُوا}، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة. وابتدىء بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف. ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل {اسَتَطَاعُوا} ويثني بفعل {اسْطَاعُوَا} لأنه يثقل بالتكرير، كما وقع في قوله آنفاً { أية : سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً } تفسير : [الكهف: 78] ثم قوله: { أية : ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبراً } تفسير : [الكهف: 82]. ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا إيثار فعل ذي زيادة في المبنى بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى. وقرأ حمزة وحده {فَما اسْطَّاعوا} الأول بتشديد الطاء مدغماً فيها التاء. وجملة {قال هذا رحمة من ربي} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنه لما آذن الكلام بانتهاء حكاية وصف الردم كان ذلك مثيراً سؤال من يسأل: ماذا صدر من ذي القرنين حين أتم هذا العمل العظيم؟ فيجاب بجملة: {قال هذا رحمة من ربي}. والإشارة بهذا إلى الرّدم، وهو رحمة للناس لما فيه من ردّ فساد أمّة ياجوج وماجوج عن أمة أخرى صالحة. و (من) ابتدائية، وجعلت من الله لأنّ الله ألهمه لذلك ويسرّ له ما هو صعب. وفرع عليه {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً} نطقاً بالحكمة لأنه يعلم أن كل حادث صائر إلى زوال. ولأنه علم أن عملاً عظيماً مثل ذلك يحتاج إلى التعهد والمحافظة عليه من الانهدام، وعلم أنّ ذلك لا يتسنى في بعض أزمان انحطاط المملكة الذي لا محيص منه لكلّ ذي سلطان. والوعد: هو الإخبار بأمر مستقبل. وأراد به ما في علم الله تعالى من الأجل الذي ينتهي إليه دوام ذلك الردم، فاستعار له اسم الوعد. ويجوز أن يكون الله قد أوحى إليه إن كان نبيئاً أو ألهمه إن كان صالحاً أن لذلك الردم أجلاً معيناً ينتهي إليه. وقد كان ابتداء ذلك الوعد يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : فُتح اليوم من رَدم ياجوج وماجوج هكذا، وعقد بين أصبعيه الإبهام والسبابة » تفسير : كما تقدم. والدك في قراءة الجمهور مصدر بمعنى المفعول للمبالغة، أي جعله مدكوكاً، أي مسوّى بالأرض بعد ارتفاع. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف {جَعلهُ دَكّاءَ} بالمد. والدكاء: اسم للناقة التي لا سنام لها، وذلك على التشبيه البليغ. وجملة {وكان وعد ربي حقاً} تذييل للعلم بأنه لا بد له من أجل ينتهي إليه لقوله تعالى: { أية : لكل أجل كتاب } تفسير : [الرعد:38] و { أية : لكل أمة أجل } تفسير : [يونس:49] أي وكان تأجيل الله الأشياء حقاً ثابتاً لا يتخلف. وهذه الجملة بعمومها وما فيها من حكمة كانت تذييلاً بديعاً.

القطان

تفسير : السدين: الجبلين. خَرْجا: اجرة من اموالنا. ردما: حاجزا. زبر الحديد: قطع الحديد، المفرد زبرة. الصدفين: واحدها صدف: جانب الجبل. قطرا: نحاسا مذابا، او رصاصا. ان يظهروه: ان يرقوا عليه ويجتازوه. دكَّاء: مهدوما مستويا مع الارض. نفخ في الصور: الصور: قرنٌ ينفخ فيه فيحدث صوتا عاليا. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً}. وهذه رحلة ذي القرنين الثالثة فلما وصل الى مكان بعيد بين جبلين وجد هناك قوما لا يفهمون ما يقال لهم لغرابة لغتهم وجهلهم. ويقال ان الجبلين المذكورين عند مدينة دربند، بالقرب من مدينة ترمذ حيث يعرف بباب الحديد. {قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً}. قال المجاورون لهذين الجبلين لذي القرنين انه يوجد اناس مفسدون في الارض وهم يأجوج ومأجوج، ويقال انهم التتر والمغول، وكانوا يغيرون على الأمم المجاورة لهم فيفسدون ويدمرون، ولذلك توسل المجاورون الى ذي القرنين ان يجعل بينهم وبينهم سدا. ولذلك أجاب طلبهم بانه بحول الله وقوته سيبني هذا السد، وشرع فيه وقال لهم: أعينوني بما تقدرون عليه من رجال وادوات احققْ لكم هذا الطلب و {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً}. وطلب منهم ان يمدوه بقطع الحديد، فاقام سدا عاليا ساوى به بين حافتي الجبلين، ثم امر ان يوقدوا نارا حتى انصهر الحديد فصب عليه النحاسَ المذاب، فاصبح سدا منيعا. ويقول الخبراء الذين زاروا تلك المنطقة: ان هذا السد موجود الآن ويُعرف بسد دربند، وطوله 50 ميلا وراتفاعه 29 قدما، وسمكه عشرة اقدام، وتتخلله بعض الأبواب الحديدية، وفي اعلاه برج للمراقبة. {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً}. فما استطاع يأجوج ومأجوج ان يجتازوه، ولا ان ينقبوه لصلابته. وبعد ان أتم ذو القرنين بناء السد، قال شاكرا لله: {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}. ان هذا السد من رحمة الله بكم، وسيظل قائما حتى يسويه بالارض، وان امر الله نافذ لا محالة. وهذا النص لا يحدد زمنا معينا لخروج يأجوج ومأجوج، ففي سورة الانبياء {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ...} فمن الجائز ان تكون هي غارات المغول والتتر التي دمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو، ويكون هذا تصديقا للحديث الصحيح الذي رواه الامام احمد "حديث : عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا. وحلّق باصبعيه السبابة والابهام. قلت: يا رسول الله انهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم اذا كثر الخبث ". تفسير : {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} وتركنا يأجوج ومأجوج خلق السد يموج بعضهم في بعض لكثرتهم الى ان نأمر بفتحِهِ ويخرجون الى ما وراءه يفسدون ويدمرون كعادتهم. فاذا كان موعد يوم القيامة ونفخ في الصور، يجمع الله الخلائق جميعا للحساب والجزاء. قراءات: قرأ نافع وحمزة والكسائي وابن عامر وابو بكر ويعقوب: بين السدّين بضم السين. والباقون بين السدين بفتح السين، وهما لغتان. وقرأ حمزة والكسائي: "لا يكادون يفقهون قولا" بضم الياء وكسر القاف. والباقون: يفقهون بفتح الياء والقاف. وقرأ عاصم وحده: يأجوج ومأجوج بالهمز. والباقون: ياجوج وماجوج بدون همز. وقرأ أهل الكوفة: خراجا، الا عاصما: خرجا. وقرأ ابن كثير: ما مكنني. وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر الصُدفين بضم الصاد والدال، وقرأ ابو بكر: الصدفين بضم الصاد واسكان الدال. والباقون: الصدفين بفتح الصاد والدال. وقرأ حمزة وابو بكر: ائتوني. والباقون: آتوني بمد الهمزة. وقرأ اهل الكوفة: دكاء بالهمزة مع المد. والباقون: دكا، بدون همزة.

د. أسعد حومد

تفسير : (92) - ثُمَّ أَتْبَعَ طَرِيقاً ثَالِثاً مُعْتَرِضاً مِنْ مَشَارِقِ الأَرْضِ إِلى الشِّمَالِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ذهب إلى مكان آخر.