١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن {زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ } قطعة قال الخليل الزبرة من الحديد القطعة الضخمة، قراءة الجميع آتوني بمد الألف إلا حمزة فإنه قرأ ائتوني من الإتيان، وقد روى ذلك عن عاصم والتقدير ائتوني بزبر الحديد ثم حذف الباء كقوله: شكرته وشكرت له وكفرته وكفرت له، وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ } فيه إضمار أي فأتوه بها فوضع تلك الزبر بعضها على بعض حتى صارت بحيث تسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً، واعلم أن هذا معجز قاهر لأن هذه الزبر الكثيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنفخ عليها لا يمكن إلا مع القرب منها فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين عليها. قال صاحب الكشاف: قيل بعدما بين: {السَّدَّيْنِ } مائة فرسخ. {والصدفان} بفتحتين جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان وقرىء: {ٱلصَّدَفَيْنِ } بضمتين. {والصدفين} بضمة وسكون والقطر النحاس المذاب لأنه يقطر، وقوله: {قِطْراً } منصوب بقوله: {أَفْرِغْ } وتقديره آتوني قطراً: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ثم قال: {فَمَا ٱسْطَـٰعُواْ } فحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء وقرىء: {فَمَا اصطاعوا} بقلب السين صاداً { أَن يَظْهَرُوهُ } أن يعلوه أي ما قدروا على الصعود عليه لأجل ارتفاعه وملاسته ولا على نقبه لأجل صلابته وثخانته، ثم قال ذو القرنين: {هَـٰذَا رَحْمَةٌ مّن رَّبّى } فقوله هذا إشارة إلى السد، أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده أو هذا الاقتدار والتمكين من تسويته: {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى } يعني فإذا دنا مجيء القيامة جعل السد دكاً أي مدكوكاً مسوى بالأرض. وكل ما انبسط بعد الارتفاع فقد اندك وقرىء دكاء بالمد أي أرضاً مستوية {وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً } وههنا آخر حكاية ذي القرنين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ } قَطَعهُ على قدر الحجارة التي يُبْنى بها فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ } بضم الحرفين وفتحهما وضم الأول وسكون الثاني أي جانبي الجبلين بالبناء ووضع المنافخ والنار حول ذلك {قَالَ ٱنفُخُواْ } فنفخوا {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ } أي الحديد {نَارًا } أي كالنار {قَالَ ءَاتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } هو النحاس المذاب تنازع فيه الفعلان وحذف من الأول لإِعمال الثاني فأفرغ النحاس المذاب على الحديد المحمى فدخل بين زبره فصارا شيئاً واحداً.
ابن عطية
تفسير : قرأ عاصم وحمزة "ايتوني" بمعنى جيئوني، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي "آتوني" بمعنى أعطوني، وهذا كله إنما هو استدعاء إلى المناولة، لا استدعاء العطية والهبة، لأنه قد ارتبط من قوله إنه لا يأخذ منهم الخرج، فلم يبق الاستدعاء المناولة، وإعمال القوة، و"ايتوني": أشبه بقوله: فأعينوني بقوة، ونصب "الزبر" به على نحو قول الشاعر: أمرتك الخير، حذف الجار فنصب الفعل وقرأ الجمهور "زبَر" بفتح الباء، وقرأ الحسن بضمها، وكل ذلك جمع زبرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرصفه وبناه، حتى إذا ساوى بين الصدفين، فاختصر ذلك لدلالة الظاهر عليه، وقرأ الجمهور "ساوى" وقرأ قتادة "سوى"، و"الصدفان": الجبلان المتناوحان، ولا يقال للواحد صدف وإنما يقال صدفان لاثنين لأن أحدهما يصادف الآخر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي "الصَّدَفين" بفتح الصاد وشدها وفتح الدال، وهي قراءة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو "الصُّدفين" بضم الصاد والدال، وهي قراءة مجاهد والحسن، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بضم الصاد وسكون الدال، وهي قراءة أبي رجاء وأبي عبد الرحمن وقرأ الماجشون: بفتح الصاد وضم الدال، وقراءة قتادة "بين الصَّدْفين"، بفتح الصاد وسكون الدال، وكل ذلك بمعنى واحد: هما الجبلان المتناوحان، وقيل "الصدفان": السطحان الأعليان من الجبلين، وهذا نحو من الأول، وقوله {قال انفخوا} إلى آخر الآية معناه أنه كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة، ثم يوقد عليها، حتى تحمى، ثم يؤتى بالنحاس المذاب أو الرصاص أو بالحديد، بحسب الخلاف في القطر، فيفرغه، على تلك الطاقة المنضدة، فإذا التأم واشتد استأنف وصف طاقة أخرى، إلى أن استوى العمل، وقرأ بعض الصحابة: "بقطر أفرغ عليه"، وقال أكثر المفسرين: "القطر": النحاس المذاب، ويؤيد هذا ما روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال كيف رأيته؟ قال رأيته كالبرد المحبر: طريقة صفراء، وطريقة حمراء، وطريقة سوداء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رأيتهتفسير : ، وقالت فرقة "القطر": الرصاص المذاب، وقالت فرقة الحديد المذاب، وهو مشتق من قطر يقطر، والضمير في قوله {استطاعوا} لـ {أية : يأجوج ومأجوج} تفسير : [الكهف: 94]، وقرأت فرقة "فما اسْطاعوا" بسكون السين وتخفيف الطاء، وقرأت فرقة بشد الطاء، وفيها تكلف الجمع بين ساكنين و {يظهروه} معناه: يعلونه بصعود فيه، ومنه في الموطأ: والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، {وما اسطاعوا له نقباً} لبعد عرضه وقوته ولا سبيل سوى هذين إما ارتقاء وإما نقب، وروي أن في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسين فرسخاً، وروي غير هذا مما لا ثبوت له، فاختصرناه، إذ لا غاية للتخرص، وقوله في هذه الآية {انفخوا} يريد بالأكيار، وقوله {اسطاعوا} بتخفيف الطاء، على قراءة الجمهور قيل هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل بل استطاعوا بعينه، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء، فقالوا: {اسطاعوا}، وحذف بعضهم منه الطاء فقال: "استاع" يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة وقرأ حمزة وحده "فما اسطّاعوا" بتشديد الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه، قال أبو علي: هي غير جائزة، وقرأ الأعمش: "فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا" بالتاء في الموضعين، وقوله {هذا رحمة} الآية القائل: ذو القرنين، وأشار بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به، وقرأ ابن أبي عبلة "هذه رحمة"، و"الوعد": يحتمل أن يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به وقت خروج يأجوج ومأجوج، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "دكاً" مصدر دك يدك إذا هدم ورض، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "دكاء" بالمد، وهذا على التشبيه بالناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها، وفي الكلام حذف تقديره جعله مثل دكاء، وأما النصب في {دكاً} فيحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لـ "جعل"، ويحتمل أن يكون "جعل" بمعنى خلق، وينصب {دكاً} على الحال، وكذلك أيضاً النصب في قراءة من مد يحتمل الوجهين، والضمير في {تركنا} لله عز وجل، وقوله {يومئذ} يحتمل أن يريد به يوم القيامة لأنه قد تقدم ذكره، فالضمير في قوله {بعضهم} على ذلك لجميع الناس، ويحتمل أن يريد بقوله {يومئذ} يوم كمال السد، فالضمير في قوله {بعضهم} على ذلك {أية : يأجوج ومأجوج} تفسير : [الكهف: 94]، واستعارة "الموج" لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم في بعض كالمولهين من هم وخوف ونحوه، فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض، وقوله {ونفخ في الصور} إلى آخر الآية معني به يوم القيامة بلا احتمال لغيره، فمن تأول الآية كلها في يوم القيامة، اتسق تأويله، ومن تأول الآية إلى قوله {يموج في بعض} في أمر يأجوج ومأجوج، تأول القول وتركناهم يموجون دأباً على مر الدهر وتناسل القرون منهم فنائهم، ثم {نفخ في الصور} فيجتمعون، و {الصور}: في قول الجمهور وظاهر الأحاديث الصحاح، هو القرن الذي ينفخ فيه للقيامة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنا الجبهة وأصغى بالأذن متى يؤمر"تفسير : ، فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : قولوا حسبنا الله وعلى الله توكلنا، ولو اجتمع أهل منى ما أقلوا ذلك القرن" تفسير : ، وأما "النفخات"، فأسند الطبري إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : "الصور" قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين" تفسير : ، وقال بعض الناس "النفخات" اثنتان: نفخة الفزع، وهي نفخة الصعق، ثم الأخرى التي هي للقيام، وملك الصور هو إسرافيل، وقالت فرقة {الصور} جمع صورة، فكأنه أراد صور البشر والحيوان نفخ فيها الروح، والأول أبين وأكثر في الشريعة، وقوله {وعرضنا جهنم} معناه: أبرزناها لهم لتجمعهم وتحطمهم، ثم أكد بالمصدر عبارة عن شدة الحال، وروى الطبري في هذا حديثاً مضمنه أن النار ترفع لليهود والنصارى كأنها السراب، فيقال هل لكم في الماء حاجة؟ فيقولون نعم، وهذا مما لا صحة له.
ابن عبد السلام
تفسير : {زُبَرَ الْحَدِيدِ} قطعه، أو فلقه، أو الحديد المجتمع ومنه الزبور لاجتماع حروفه {الصَّدَفَيْنِ} جبلان "ع"، أو رأسا جبلين، أو ما بين الجبلين إذا كانا متحاذيين من المصادفة في اللقاء، أو إذا انحرف كل واحد منهما عن الآخر كأنه صدف عنه فساوى بينهما بما جعله بينهما حتى وارى رؤوسهما وسوى بينهما {انفُخُواْ} في نار الحديد حتى إذا جعل الحديد ناراً أي كالنار في الحمى واللهب {قِطْراً} نحاساً، أو رصاصاً أو حديداً مذاباً، فكانت حجارته الحديد وطينه النحاس.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ...} الآية قرأ حمزة وغيره: «ائْتُوني» بمعنى «جيئوني»، وقرأ نافع وغيره: «آتوني» بمعنى «أعْطُوني»، وهذا كله إِنما هو استدعاءُ المناولة، وإِعمالُ القوَّة «والزُّبَر» جمع زُبْرة، وهي القطعة العظيمة منه، والمعنى: فرَصَفَه وبنَاه {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ }، وهما الجبلان، وقوله: {قَالَ ٱنفُخُواْ...} الآية إلى آخر الآية، معناه: أنه كان يأمر بوَضْع طاقة من الزُّبَر والحجارةِ، ثم يوقد عليها حَتَّى تحمَى ثم يؤتَى بالنُّحَاس المُذَاب أو بالرصاص أو بالحديد؛ بحسب الخلافِ في «القِطْر»، فيفرغه على تلك الطاقة المنضَّدة، فإِذا التأم واشتدَّ، استأنَفَ رَصْفَ طاقةٍ أخرى إلى أن استوَى العَمَلُ، وقال أكثر المفسِّرين: «القِطْر»: النُّحَاس المُذَابُ، ويؤيِّد هذا ما روي "حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي رَأَيْتُ سَدَّ يُأْجُوجُ ومَأْجُوجَ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأْيْتَهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُ كَالبُرُدِ المُحَبَّر؛ طَريقَةٌ صَفْرَاءُ، وَطَرِيقَةٌ حَمْرَاءُ، وطَرِيقَةُ سَوْدَاءُ، فَقَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم « قَدْ رَأَيْتَهُ» » تفسير : و{يَظْهَرُوهُ } ومعناه: يعلونه بُصعُودٍ فيه؛ ومنه قوله في «الموطَّإ»، «والشَّمْسُ في حجرِتها قَبْل أَنْ تَظْهَرَ»، {وَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ لَهُ نَقْبًا} لبُعْد عَرْضه وقوَّته، ولا سبِيلَ سَوى هذين: إما ارتقاءٌ، وإِما نَقْب، وروي أن في طُولَه ما بَيْنَ طرفَيِ الجبلَيْنِ مِائَة فَرْسَخِ، وفي عَرْضه خمسينَ فرسخاً، وروي غير هذا مما لم نَقِفْ على صحَّته، فاختصرناه، إِذ لا غاية للتخرُّص؛ وقوله في الآية {ٱنفُخُواْ } يريد بالأَكْيَار. وقوله: {هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي} الآية: القائل ذو القرنين، وأشار بــ {هَـٰذَا } إِلى الرَّدْمِ والقوةِ عليه، والانتفاعِ به، والوعدُ يحتملُ أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به وقْتَ خروجِ يأجُوجَ ومأجوج، وقرأ نافع وغيره: «دَكًّا» مصدر «دَكَّ يَدُكُ»، إِذا هدم ورض، ونَاقةٌ دَكَّاء لا سَنَام لها، والضمير في {تَرَكْنَا } للَّه عزَّ وجلَّ. وقوله: {يَوْمَئِذٍ } يحتمل أنْ يريد به يوم القيامة، ويحتمل أنْ يريد به يَوْمَ كمالِ السَّدِّ، والضميرُ في قوله: {بَعْضَهُمْ } على هذا ليأجوجَ ومأجُوجَ، واستعارة المَوْج لهم عبارةٌ عن الحَيْرة، وتردُّدِ بعضهم في بَعْضٍ، كالمُوَلَّهينَ مِنْ هَمٍّ وخوفٍ ونحوه، فشبَّههم بموجِ البَحْر الذي يضطرب بعضُه في بعض. وقوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ...} إلى آخر الآية: يعني به يومَ القيامة بلا احتمالٍ لغيره، و {ٱلصُّورِ} في قول الجمهور وظاهر الأحاديثِ الصِّحَاحِ: هو القَرْنُ الذي يَنْفُخُ فيه إِسرافيلُ للقيامة.
القشيري
تفسير : استعان بهم في الذي احتاج إليه منهم من الإمداد بما قال: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} فلمَّا فعلوا ما أمرهم به، ونفخوا فيه النار جعل السد بين الصدفين أي جانبي الجبل. ثم أخبر أنه إنما يبقى ذلك إلى أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ له في الخروج، وتندفعَ عن الناس عادية (...) إلى الوقت المضروب لهم في التقدير. وبعد ذلك يكون مِنْ شأنهم ما يريد الله. وبيَّنَ - سبحانه - أَنَّ خروجَهم من وراء سَدِّهم مِنْ أشراط الساعة.
الطوسي
تفسير : قرأ {الصدفين} - بضم الصاد والدال - ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر، الباقون - بفتح الصاد والدال - إلا أبا بكر عن عاصم، فانه ضم الصاد وسكن الدال. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصاً {قال آتوني} قصراً. الباقون ممدوداً. وقرأ حمزة وحده {فما اسّطاعوا} مشددة الطاء بالادغام، وهو ضعيف - عند جميع النحويين - لان فيه جمعاً بين ساكنين. حكى الله تعالى عن ذي القرنين أنه قال للقوم الذين شكوا اليه فساد ياجوج وماجوج فى الارض وبذلوا له المال، فلم يقبله، وقال لهم اعينوني برجال واعطوني وجيئوا بزبر الحديد، لا عمل منه - في وجوه ياجوج وماجوج - الردم. والزبرة الجملة المجتمعة من الحديد والصفر ونحوهما، واصله الاجتماع، ومنه (الزبور) وزبرت الكتاب إذا كتبته، لانك جمعت حروفه. والحديد معروف حددته تحديداً إذا أرهتفه، ومنه حد الشيء نهايته. وقال ابن عباس ومجاهد: زبر الحديد قطع الحديد. وقال قتادة: فلق الحديد. وقوله {حتى إذا ساوى بين الصدفين} تقديره انهم جاؤا بزبر الحديد وطرحوه حتى إذا ساوى بين الصدفين مما جعل بينهما أي وازى رؤسهما. والصدفان جبلان - في قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابراهيم - وقيل: هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه، وفيه ثلاث لغات - ضم الصاد والدال وفتحهما وتسكين الدال وضم الصاد - فال الراجز: شعر : قد أخذت ما بين عرض الصدفين ناحيتيها وأعالي الركنين تفسير : وقال ابو عبيدة: الصدفان جانبا الجبل. وقوله {قال انفخوا} يعني قال ذو القرنين انفخوا النار على الحديد، والزبر فنفخوا {حتى إذا جعله ناراً} أي مائعاً مثل النار، قال لهم {آتوني} أي اعطوني. وقرئ بقطع الهمزة ووصلها، فمن قطع، فعلى ما قلناه، ومن وصل خفض وقصر، وقيل معناه جيؤني {أفرغ عليه قطراً} نصب {قطراً} بـ {أفرغ} ولو نصبه بـ {آتوني} لقال أفرغه. والقطر النحاس فى قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة - وأراد بذلك أن يلزمه. وقال ابو عبيدة: القطر الحديد المذاب وانشد: شعر : حساماً كلون الملح صاف حديده جرازاً من اقطار الحديد المنعت تفسير : وقال قوم: هو الرصاص النقر، واصله القطر، وكل ذلك إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقوله فما اسطاعوا أن يظهروه أي لم يقدروا أن يعلوه {وما استطاعوا له نقباً} من اسفله - في قول قتادة. وفي (استطاع) ثلاث لغات، استطاع يستطيع، واسطاع يسطيع، بحذف التاء، واستاع يستيع بحذف الطاء، استثقلوا اجتماعهما من مخرج واحد. فأما اسطاع يسطيع، فهي من أطاع يطيع، جعلوا السين عوضاً من ذهاب حركة العين. ثم {قال} ذو القرنين {هذا} الذي يسهل فعله من الردم بين الجبلين نعمة {من ربي} عليكم {فإذا جاء وعد ربي} لاهلاكه عند اشراط الساعة {جعله دكاء} أي مدكوكاً مستوياً بالارض، من قولهم: ناقة دكاء، لا سنام لها، بل هي مستوية السنام. ومن قرأ "دكاً" منوناً أراد دكه دكاً، وهو مصدر. ومن قرأ بالمد أراد جعل الجبل أرضاً دكاء منبسطة وجمعها دكاءات. وقال ابن مسعود: في حديث مرفوع إن ذلك يكون بعد قتل عيسى الدجال. وقيل إن هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط. وقيل: إنه وراء در بند، وبحر خزران من ناحية (أرمينية وآذربيجان) يمضي اليه. وقيل: ان مقدار ارتفاع السد مئتي ذرع وإنه من حديد يشبه الصمت وعرض الحائط نحو من خمسين ذراعاً. وقوله {وكان وعد ربي حقاً} معناه ما وعد الله بأنه يفعله، لا بد من كونه، فانه حق لا يجوز ان يخلف وعده وروي ان رجلا جاء الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: اني رأيت سد يأجوج ومأجوج، فقال (صلى الله عليه وسلم) فكيف رأيته قال رأيته كأنه رداء محبر، فقال له رسول لله (صلى الله عليه وسلم) قد رأيته.
الجنابذي
تفسير : {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} الزُبرة القطعة العظيمة والجملة بدل تفصيلىّ من قوله اعينونى {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ} يعنى فآتوه زبر الحديد حتّى اذا ساوى ذو القرنين او الحديد {بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} قرئ الصّدفين بالتّحريك وبضمّتين وبضمّ الاوّل وسكون الدّال والمقصود منهما جانبا الجبلين {قَالَ} للعملة {ٱنفُخُواْ} فى المنافيخ {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} كالنّار باحمائه {قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} قطراً متنازعٌ فيه لكلا الفعلين، والقطر النّحاس روى عن مولانا ومقتدانا امير المؤمنين (ع) انّه قال: فاحتفروا له جبل حديدٍ فقلعوا له امثال اللّبن فطرح بعضه على بعضٍ فيما بين الصّدفين، وكان ذو القرنين هو اوّل من بنى ردماً على وجه الارض ثمّ جعل عليه الحطب والهب فيه النّار ووضع عليه المنافيخ فنفخوا عليه قال فلمّا ذاب قال آتونى بقطرٍ فاحتفرو له جبلاً من مسٍّ فطرحوه على الحديد فذاب معه واختلط به.
اطفيش
تفسير : {آتُونِى زُبَرَا الحَدِيدِ} جعلوها آتية إلىّ بأن تأتونى بها كأنه قال: أعطونى زبر الحديد أى قطعه الكبار والقطعة زُبره بضم الزاء وإسكان الباء. وإن قلت: أليست زبر الحديد وللقِطر مالا؟ قلت: بلى ولكنه مال مردود فى منافعهم ومنافع العباد لا مال يأخذه ذو القرنين ويرجع به متملل له والمال الذى جعلوا له إما يريدون أن يأخذه ويذهب به أو يترتب عليهم أبدا فى ذمتهم لكل سنة مثلا كذا وكذا والإعانة بآلة ليست خراجا بل إعانة بالقوة ومناولة. وقد قرأ أبو بكر {ردماً ائتونى زبر الحديد} أمر من الإتيان أى بزبر الحديد فيكسر تنوين ردما الساكن ونصب على نزع الخافض على هذه القراءة. ويحتمل أن يريد بالقوة القوة التى أطلبها منكم ولو نوع مال لكن ليس خراجا لى. ويحتمل أن يأتوه بالزبر والقِطر فيشتريه وجملة آتونى بدل من أعينونى أو متسأنفة جوابا لسؤال كأنهم قالوا: ما تلك القوة؟ قال: عمال وصناع وآلة. فقالوا: وما تلك الآلة؟ فقال: أتونى زبر الحديد والحطب فآتوه إياها. {حتَّى إذَا سَاوَى بَيْن الصَّدَفَيْنِ} أى الجانبين أى جانبى الجبلين والمراد أنه ساوى بينهما ببناء الزبر والحطب أى جعل ما بينهما مساويا بهما فى العلو وذلك من الصدف وهو الميل لأنه كلا من الجانبين منعدل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل والجانبان أيضاً متقابلان. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بضم الصاد والدال. وقرأ أبو بكر بضم الصاد وإسكان الدال. وقرئ بفتح الصاد وضم الدال وذلك لُغات بمعنى. وقرئ سَوَّى بفتح السين وتشديد الواو وإسقاط الألف قبلها. وقرئ سُووِىَ بضم السين ممدودة بواو ساكنة وبعد الواو واو مكسورة بعدها ياء مفتوحة وعليها فالغائب مستتر أى سُووِىَ الخلل بينهما. وقيل بجواز حذف الموصول مع بقاء صلته ولو لم يذكر مثله، وجواز حذف النائب أى سووى ما بين الصدفين ويجوز كون بين بمعنى الفصل أَى ساوى فصلهما أى وصله. قال بعضهم: بُعد ما بين الصدفين فرسخ وذكر الكوفى أنه مائة فرسخ حفره حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب جعله كالعجين للصخر والبناء من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما بتركيب الحطب والفحم على الحديد والحديد عليهما وعَرْض ذلك التركيب خمسون ذراعاً وطوله إلى جهة السماء مائة ذراع وأمرهم بالفتح كما قال الله عز وعلا: {قَالَ انْفُخُوا} فى النار بالمنفاخ فنفخوا. {حَتَّى إذَا جَعَلَهُ} بنفخهم أى جعل بين الصدفين وهذا دليل على تصريف بين حيث رجع إليها ضميراً منصوباً على أن مفعول به إلا أن يقال: إن بين هنا بمعنى الفصل أو يرد الضمير إلى الخلل المقدر أو الموصول المقدر على ضعف أو إلى الحديد فإن زبر الحديد حديد. وإنما أضيفت للجنس إضافة عام للخاص أو إلى المنفوخ فيه المدلول عليه بانفخوا. {نَاراً} مبالغة كقولك: زيد أسد أو على نية أداة التشبيه أى مثل نار أو كنار فى شدة الحر فإن الحديد المذاب أخو النار أو نار حقيقة انظر إلى اشتعال الفحم والحطب وإلى حمرة الحديد وصيرورته جمرة حمراء. {قال آتَونى} أى آتونيه وهذه الهاء التى قدرت عائدة إلى قِطرا فى قوله: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} فإنه تنازعه آتونى وأفرغ وأعمل فيه الثانى وأعمل الأول فى ضميره وحذف لأنه فضلة وهو تلك الهاء التى قدرت وباب التنازع مما يجوز فيه عود الضمير إلى متأخر لفظا ورتبة ولما كان عوده إلى متأَخر لفظا ورتبة على خلاف الأصل وكان صعبا على الإنسان كان يحذف إذا كان فضلة ولو كان العامل فى قِطر هو الأول لأعمل أفرغ فى ضميره وأثبت به أن يقال: أفرغه بهاء عائدة إلى متأَخر لفظا لا رتبة إذ يتوهم بعدم إثباته حينئذ أن أفرغ عامل فى قِطرا وبذلك تمسك الكوفيون على ترجيح إعمال التالى للظاهر والكوفيون لا يعتبرون هذا التوهم فرجحوا الأول. والقِطر: النحاس المذاب لأنه يقطَّر وهاء عليه عائدة إلى ما عادت عليه هاء جعله. وقرأ حمزة وأبو بكر قال ايتونى بهمزة الوصل من الإتيان بعدها ياء مبدلة من همزة أنى أى ائتونى به أى بقِطر. والإفراغ: الصب. فلما آتوه القِطر أفرغه على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصارا جبلا صلدا أكلت النار الحطب والفحم وصار النحاس المذاب مكانهما وذلك معجزة عظيمة لأن الزُّبرة الواحدة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر أحد على القرب منها فأمكنهم الله من العمل قرب ذلك بالنفخ والإفراغ وكان كالبُرْد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. وروى حديث : أن رجلا جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره بالردم فقال: صفة. قال: يا رسول الله انطلقت إلى أرض ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت فى بيت فلما كان وقت الغروب سمعت ضجة عظيمة أفزعتنى فارتعدت منها فقال صاحب البيت: لا بأس عليك؛ إن هذه الضجة أصوات قوم يذهبون هذه الساعة من خلف هذا الردم تريد أن تنظر إليه، فإذا لَبِنُه مثل الصخرة ومساميره مثل جذوع النخل كله من حديد كأنه البُرْد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء . تفسير : وقال ابن عطية فى روايته: حديث : طريقة صفراء وطريقة سوداء وطريقة حمراء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت قد رأيته. من سره أن ينظر إلى مَن رأى الردم فلينظر هذا الرجلتفسير : . وذهابهم وقت الغروب إنما هو إلى منازلهم يعملون فى تثقيب هذا السد إلى الغروب ليجيئوا إلى هذه الجهة كل يوم فيرده الله كما كان بعد أن كادت تضئ منه الشمس ويقولون: عدا نفتحه وإذا أراد الله عز وجل ألقى فتحه على لسان كبيرهم على الفتح أن يقول: غدا نفتحه إن شاء الله فيجدونه كما تركوه فيثقبونه. وروى عن بعض أنه بناه من صخور مرتبطة بكلاليب حديد وما بقى أجوف بين الصخور أفرغ فيه النحاس المذاب. وروى أنه لما بنى ذو القرنين السد حمد الله وأثنى عليه ونام فوقه فصعد حيوان من البحر سد الأفق واستعلى على السد برمية سهم فظنوا أنه يريد ابتلاعهم ففزعوا وضربوه بالسهام فلم يلتفت إليهم فانتبه فقال: ما لكم؟ فقالوا: انظر ما حل بنا وكان متوجها إليه. فقال: ما كان لله ليأخذ نفسا قبل انقضاء أجلها وقد منعنى من العدو وما كان الله ليسلط علىَّ دابة من البحر تهلكنى وقطعت عمرى فى مصالح عباده بتوفيقه فدنا منه فقال: أيها الملك أنا حيوان من هذا البحر وقد رأَيت هذا السد بُنى وخرب سبع مرات ولم يرد على ذلك، ثم غاب فى البحر. تبارك مَن له هذا الملك العظيم لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وروى أنهُ لما فرغ من السد سر سرورا عظيما وأمر بسرير فنصب له على السد ورقى عليه وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا رب الأرباب ومسهل الصعاب أنت ألهمتنى أسد هذا المكان صوناً للبلاد وإراحة للعباد وقمعاً لهذا العدو المطبوع على الفساد فأَحسن لى المثوبة يوم ورُدَّ عربتى وأحسن أوبتى. ثم سجد سجدة أطال فيها ثم استوى على فراشة واستلقى على ظهره وأغفى غفوة فطلع من البحر طالع سد الأفقى بطوله وارتفع كالعمامة العظيمة السوداء فسد الضوء عن الأرض فبادرت الجيوش والمقاتلة قسيهم واشتد الصياح فانتبه ونادى: ما شأنكم؟ فقالوا: الذى ترى. فقال: امسكوا عن سلاحكم وكفوا لم يكن الله عز وجل ليلهمنى لما أراد ويغربنى عن أهلى ومسقط رأسى فى البلاد لمصالح العباد مدة عشرين سنة وستة أشهر ثم يسلط على بهيمة من بهائم البحر المسجور. فكفوا. وأقبل المطالع نحو السد وارتفع عليه رمية منهم ثم قال: أيها الملك أنا ساكن هذا البحر وقد رأيت هذا المكان مسدودا سبع مرات وفى وحى الله عز وجل: أنا ملكا صورته صورتك واسمه اسمك يسده سدا مؤبدا فأحسن الله معونتك وأجزل مثوبتك ورد غربتك وأحسن أوبتك فأنت ذلك الملك الهمام وعليك من الله السلام ثم غاب عن بصره فلم يعلم كيف ذهب والله أعلم. وفى جبل يأْجوج ومأْجوج حيات وأفاعٍ عظيمة جدا ويسير فى هذا الجبل فى النادر من يريد أن ينظر ما وراءه فلا يصل إلى طرفه الأعلى ولا يمكنه الرجوع فيهلك وربما رجع من ألفٍ واحدٌ فيخبر أنه رأى خلف الجبل نيرانا عظيمة وطلوعه من هذه الجهة ممكن وإنما يمتنع من داخل لملاسته وقيامه كالحائط. وكان يأْجوج ومأْجوج أخوين شقيقين تناسلا، وكانت لهم غارات على من جاورهم قبل وصول ذى القرنين إليهم فأخلوا كثيرا من البلاد وأهلكوا غزيرا من العباد، فكانت منهم طائفة عفيفة ينكرون ذلك عليهم فلما وصل ذو القرنين إليهم أقام بجيوشه عليهم وشكت الطائفة العفيفة إليه ما فعلوا من البلاد والأمم المجاورة من الفساد وأنهم على خلاف مذهبهم وبريئون من معتقدهم وشهدت لهم قبائل كثيرة بذلك فمال إليهم وتركهم خارج السد وأقطعهم تلك الأراضى ليعمروها ويأكلوها وهم الخزلجية والسنية والخرجز والبغرغر والكماكية والحاجانية والأنكش والتركش والخفشاج والخيج والغر والتلغى وأمم عظيمة يطول ذكرها.
اطفيش
تفسير : {آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ} قطع الحديد، جمع زبرة كغرفة وغرف، وذلك من زبرت الكتاب جمعت حروفه، وزبرت الحديد جمعت فيها أجزاء منه، وطلب إيتاء الزبر لا ينافى أنه لم يقبل منهم شيئًا، لأنه أراد آتونى بزبر الحديد أستردها منكم، أو أراد ناولوها إياى، وهى من مالى ومال الله، فهذا من الإعانة بالقوة. وأما أن تقول الإيتاء بزبر الحديد على طريق العارية، فلا يجرى فى الجواب، لأن ذلك إعانة بالمال لا بالقوة وحدها، ولا يقال أراد بالخرج المال الكثير المقاوم، أو المقارب، أو المقارب لما يعمل لهم من النفع، وأما ما قل فلا بأْس به، ودخل فى قوة وأراده فيها، لأنا نقول: الزبر غير قليل، لأنها أعظم ما يحتاج إليه السد، وأغلى، ولذلك لم يذكر الصخر والحطب، وقد يكون زبر الحديد مرادا عملها له من ماله ومال الله، وقد تكون مستثناة، كأنه قال لا أحتاج إلى مالكم إلا زبر الحديد وقوتكم، وقد يكونون أرادوا بالخروج ما يستمر على الدوام كالخراج المضروب على الناس، أو على أرضهم مثلا لا ما ينقطع كالزبر، وهنا حذف تقديره فآتوها إياه فجعل بينى. {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} حتى صار ما بين الجبلين من بنائه مساويًا لهما فى العلو، وضمير ساوى للسد المفهوم أى ساوى السد الهواء المقابل للجبلين بينهما من الأرض إلى فوق، فلزم مساواة الجبلين، ولو كان لذى القرنين لقال: ساوى بشد الواو وأجازه بعض، والمشهور أن الصدف الجانب من الجبل. {قَالَ} ذو القرنين لعملة {انْفُخُوا} بالكيران فى زبر الحديد المسطرة مع الصخر بين الجبلين، وهنا حذف تقديره فجعلوا ينفخون. {حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ} صيره {نَارًا} كنار فى الحرارة واللون والضمير فى جبل لذى القرنين مجازاً، لأن الجاعل العملة، وأسند الجعل إليه لأنه العمدة والأمر أو يقدر مضاف، أى جعل عملته، والهاء للمنفوخ فيه. {قَالَ} للذين يتولون أمر النحاس وإذابته، وللنافخين {آتُونِى} أعطونى من المتولين أمر النحاس أى صيروا القطر آتيا أى حاضراً {أُفْرِغْ عَلَيْهِ} أى على المنفوخ فيه {قِطْرًا} نحاسًا مذابًا عند الجمهور، أو رصاصًا مذابا أو حديداً مذابًا، ومفعول آتونى محذوف أى آتونيه برد الهاء للقطر، ولجواز عود الضمير للمتأَخر فى التنازع، وقطراً مفعول أفرغ، ولو كان هو المفعول لأفرغ لقيل أفرغه، ولا مانع من جعله مفعولا به لآتونى وحذف ضميره من أفرغ، وإسناد قول آتونى والإفراغ إلى ذى القرنين كإسناد الجعل إليه، وهنا حذف تقديره فآتوه القطر، فأفرغه عليه، والتصق بعض ببعض، فصار جبلا صلداً، فجاء يأجوج ومأَجوج، وقصدوا أن يعلوه أو ينقبوه أو امتثلوا أمره.
الالوسي
تفسير : {ءاتُونِى زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} جمع زبرة كغرف في غرفة وهي القطعة العظيمة، وأصل الزبر الاجتماع ومنه زبرت الكتاب جمعت حروفه وزبرة الأسد لما اجتمع على كاهله من الشعر، وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن زبر الحديد فقال: قطعة وأنشد قول كعب بن مالك:شعر : تلظى عليهم حين شد حميها بزبر الحديد والحجارة شاجر تفسير : وطلب إيتاء الزبر لا ينافي أنه لم يقبل منهم شيئاً لأن المراد من الإيتاء المأمور به الإيتاء بالثمن أو مجرد المناولة والإيصال وإن كان ما آتوه له لا إعطاء ما هو لهم فهو معونة مطلوبة، وعلى تسليم كون الإيتاء بمعنى الإعطاء لا المناولة يقال: إن إعطاء الآلة للعمل لا يلزمه تملكها ولو تملكها لا يعد ذلك جعلاً فإنه إعطاء المال لا إعطاء مثل هذا، وينبىء عن أن المراد ليس الإعطاء قراءة أبـي بكر عن عاصم {أية : رَدْمًا ٱئْتُونِى} تفسير : [الكهف: 95-96] بكسر التنوين ووصل الهمزة من أتاه بكذا إذ جاء به له وعلى هذه القراءة نصب {زُبُراً} بنزع الخافض أي جيئوني بزبر الحديد وتخصيص زبر الحديد بالذكر دون الصخور والحطب ونحوهما لما أن الحاجة إليها أمس إذ هي الركن القوي في السد ووجودها أعز. وقرأ الحسن {زبر} بضم الباء كالزاي. {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} في الكلام حذف أي فأتوه إياها فأخذ يبني شيئاً فشيئاً حتى إذا جعل ما بين جانبـي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في العلو فبين مفعول ساوى وفاعله ضمير ذي القرنين، وقيل: الفاعل ضمير السد المفهوم من الكلام أي فأتوه إياها فأخذ يسد بها حتى إذا ساوى السد الفضاء الذي بين الصدفين ويفهم من ذلك مساواة السد في العلو للجبلين، والصدف كما أشرنا إليه جانب الجبل وأصله على ماقيل: الميل، ونقل في «الكشف» أنه لا يقال للمنفرد صدف حتى يصادفه الآخر ثم قال: فهو من الأسماء المتضايفة كالزوج وأمثاله، وقال أبو عبيدة: هو كل بناء عظيم مرتفع ولا يخفى أنه ليس بالمراد هنا. وزعم بعضهم أن المراد به هنا الجبل وهو خلاف ما عليه الجمهور. وقرأ قتادة (سوى) من التسوية. وقرأ ابن أبـي أمية عن أبـي بكر عن عاصم {سووى} بالبناء للمجهول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والزهري ومجاهد والحسن {ٱلصدفين} بضم الصاد والدال وهي لغة حمير كما أن فتحهما في قراءة / الأكثرين لغة تميم، وقرأ أبو بكر وابن محيصن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن {ٱلصدفين} بضم فسكون. وقرأ ابن جندب بفتح فسكون، وروي ذلك عن قتادة، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ بضم ففتح وهي قراءة أبان عن عاصم، وقرأ الماجشون بفتح فضم. {قَالَ} للعملة {ٱنفُخُواْ} أي بالكيران في زبر الحديد الموضوعة بين الصدفين ففعلوا {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ} أي جعل المنفوخ فيه {نَارًا} أي كالنار في الحرارة والهيئة فهو من التشبيه البليغ، وإسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع أنه فعل الفعلة للتنبيه على أنه العمدة في ذلك وهم بمنزلة الآلة {قَالَ } الذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها، وقيل لأولئك النافخين قال لهم بعد أن نفخوا في ذلك حتى صار كالنار وتم ما أراده منهم أولاً {ءَاتُوني} من الذين يتولون أمر النحاس {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} أي آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني في باب التنازع أولى إذ لو كان {قِطْراً} مفعول {ءاتُونِى} لأضمر مفعول {أَفْرِغْ} وحذفه وإن جاز لكونه فضلة إلا أنه يوقع في لبس. والقطر كما أشرنا إليه النحاس المذاب وهو قول الأكثرين، وقيل: الرصاص المذاب، وقيل: الحديد المذاب وليس بذاك، وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة وأبو بكر بخلاف عنه {ٱئْتُونِى} بهمزة الوصل أي جيئوني كأنه يستدعيهم للإغاثة باليد عند الإفراغ، وإسناد الإفراغ إلى نفسه للسر الذي وقفت عليه آنفاً، وكذا الكلام في قوله{أية : أَجْعَلْ}تفسير : [الكهف: 95] وقوله: {سَاوَىٰ} على أحد القولين.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتُونِي} (96) - قَالَ ائْتوُنِي بِقِطَعِ الحَدِيدِ، فَأَتَوْهُ بِهَا، فَأَخَذَ يُنَضِّدُهَا بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ الأَسَاسِ، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِهَا رُؤُوسَ الْجِبَالِ طُولاً وَعَرْضاً، أَضْرَمَ النَّارَ، حَتَّى إِذَا صَارَ الْحَدِيدُ كُلُّهُ نَاراً، قَالَ: اتُونِي بِالنُّحَاسِ الذَّائِبِ لِيَصُبَّهُ عَلَى الحَدِيدِ المُحَمَّى. فَصَارَ السَدُّ كُلُّهُ كُتْلَةً وَاحِدَةً. زُبَرَ الحَدِيدِ - وَاحِدُها زُبْرةٌ أَيْ قِطْعَةٌ ضَخْمَةٌ. القِطْرُ - النٌّحَاسُ الذَّائِبُ. الصَّدَفَيْنِ - جَانِبَيِ الْجَبَلَيْنِ - أَوْ رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لم يكن ذو القرنين رجلاً رحالة، يسير هكذا بمفرده، بل مكَّنه الله من أسباب كل شيء، ومعنى ذلك أنه لم يكن وحده، بل معه جيش وقوة وعدد وآلات، معه رجال وعمال، معه القوت ولوازم الرحلة، وكان بمقدوره أنْ يأمرَ رجاله بعمل هذا السدِّ، لكنه أمر القوم وأشركهم معه في العمل لِيُدرِّبهم ويُعلِّمهم ما داموا قادرين، ولديهم الطاقة البشرية اللازمة لهذا العمل. والحق - تبارك وتعالى - يقول: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا ..}تفسير : [الطلاق: 7] فما دام ربك قد أعطاك القوة فاعمل، ولا تعتمد على الآخرين؛ لذلك تجد هنا أوامر ثلاثة: أعينوني بقوة، آتوني زبر الحديد، آتوني أفرغ عليه قطراً. زبر الحديد: أي قطع الحديد الكبيرة ومفردها زُبْرة، والقِطْر: هو النحاس المذاب، لكن، كيف بنى ذو القرنين هذا السد من الحديد والنحاس؟ هذا البناء يشبه ما يفعله الآن المهندسون في المعمار بالحديد والخرسانة؛ لكنه استخدم الحديد، وسَدَّ ما بينه من فجوات بالنحاس المذاب ليكون أكثر صلابة، فلا يتمكن الأعداء من خَرْقه، وليكون أملسَ ناعماً فلا يتسلقونه، ويعلُون عليه. فقوله: {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ ..} [الكهف: 96] الصدف: الجانب، ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ..}تفسير : [الأنعام: 157] أي: مال عنها جانباً. فمعنى: ساوى بين الصدفين. أي: ساوى الحائطين الأمامي والخلفي بالجبلين: {قَالَ ٱنفُخُواْ ..} [الكهف: 96] أي: في الحديد الذي أشعل فيه، حتى إذا التهب الحديد نادى بالنحاس المذَاب: {قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف: 96] وهكذا انسبكَ الحديد الملتهب مع النحاس المذَاب، فأصبح لدينا حائطٌ صَلْبٌ عالٍ أملس. لذلك قال تعالى بعدها: {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ} معناه قِطعُ الحَدِيد. تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} يعني بين الجَبلينِ ويقال: الصُدُفَينِ. تفسير : وقوله تعالى: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} معناه صبُ عليهِ صفراً. ويقال حَديدٌ ذَائبٌ. ويقال هو الرَّصاصُ.
همام الصنعاني
تفسير : 1719- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ}: [الآية: 96]، قال: قطع الحديد. 1721- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً}: [الآية: 96]، قا ل: أفرغ عليه نحاساً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):