Verse. 2238 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

قَالَ ھٰذَا رَحْمَۃٌ مِّنْ رَّبِّيْ۝۰ۚ فَاِذَا جَاۗءَ وَعْدُ رَبِّيْ جَعَلَہٗ دَكَّاۗءَ۝۰ۚ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّيْ حَقًّا۝۹۸ۭ
Qala hatha rahmatun min rabbee faitha jaa waAAdu rabbee jaAAalahu dakkaa wakana waAAdu rabbee haqqan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» ذو القرنين «هذا» أي السد، أي الإقدار عليه «رحمة من ربي» نعمة لأنه مانع من خروجهم «فإذا جاء وعد ربي» بخروجهم القريب من البعث «جعله دكاء» مدكوكا مبسوطا «وكان وعد ربي» بخروجهم وغيره «حقا» كائنا قال تعالى:

98

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } ذو القرنين {هَٰذَا } أي السد أي الإِقدار عليه {رَحْمَةٌ مّن رَّبّى } نعمة لأنه مانع من خروجهم {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى } بخروجهم القريب من البعث {جَعَلَهُ دَكَّاءَ } مدكوكاً مبسوطاَ {وَكَانَ وَعْدُ رَبّى } بخروجهم وغيره {حَقّاً } كائناً.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَعْدُ رَبِّى} القيامة، أو وقت خروجهم بعد قتل الدجال {دَكَّآءَ} أرضاً، أو قطعاً، أو انهدم حتى اندك بالأرض فاستوى معها.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} ذو القرنين {هذا} السد {رحمة} عظيمة ونعمة جسيمة {من ربى} على كافةالعباد لا سيما على مجاهديه. وفيه ايذان بانه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو احسان الهى محض وان ظهر بمباشرتى {فاذا جاء}[بس جون بيايد]{وعد ربى} مصدر بمعنى المفعول وهو يوم القيامة والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجيئ مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى ونحو ذلك {جعله} اى السد الشار اليه مع متانته {دكاء} ارضا مستوية وقرئ دكا اى مدكوكا مستويا بالارض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك وفيه بيان لعظم قدرته تعالى بعد بيان سعة رحمته {وكان وعد ربى} اى وعده المعهود وكل ما وعد به {حقا} ثابتا لا محالة واقعا البتة. وفى التأويلات النجمية وفى قوله {هذا} الى آخر الآية دلالة على نبوته فانه اخبر عن وعد الحق وتحقيق وعده وهذا من شان الانبياء واعجازهم انتهى. وهذا آخر حكاية ذى القرنين. قيل ان يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم حتى اذا كادوا يرون الشعاع قال الذى عليهم ارجعوا فستحفرون غدا ولم يستثن فيعيده الله كما كان فيأتون غدا فيجدونه كالاول فاذا اراد الله خروجه خلق فيهم رجلا مؤمنا فيحفرون السد حتى يبقى منه اليسير فيقول لهم ارجعوا فستحفرون غدا ان شاء الله تعالى فاذا عادوا من الغد الى الحفر قال لهم قولوا بسم الله فيحفرونه ويخرجون على الناس فكل من لحقوه قتلوه واكلوه ولا يمرون على شئ الا اكلوه ولا بماء الا شربوه فيشربون ماء دجلة والفرات ويأكلون ما فيه من السمك والسرطان والسلحفاة وسائر الدواب حتى يأتوا بحيرة طبرية بالشام وهى مملوءة ماء فيشربون فيأتى آخرهم فلا يجدون فيها قطرة ماء فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء وطافوا الارض الا انهم لا يستطيعون أن يأتوا المساجد الاربعة مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد طور سينا ثم يسيرون حتى ينتهوا الى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قلتنا من فى الارض هلم فنقتل من فى السماء فيرمون بنشابهم الى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما ويحصر نبى الله عيسى واصحابه فى جبل الطور حتى يكون رأس الثور لاحدهم خيرا من مائة دينار لاحدكم اليوم فيدعو عليهم عيسى عليه السلام فيرسل الله عليهم دودا تسمى النغف فتأخذهم فى رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط عيسى واصحابه من الطور فلا يجدون فى الارض موضع شبر الا ملأه زهمهم ونتنهم فيدعو الله فيرسل الله طيرا كاعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين منتخب من المصابيح وتفسير التبيان وغيرهما. حديث : وعن زينت ام المؤمنين رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول "لا اله الا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق باصبعيه الابهام والتى تليها" قالت زينت فقلت يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون قال "عم اذا كثر الخبث"تفسير : اى الزنى والمراد بهذا الحديث انه لم يكن فى ذلك الردم ثقبة الى هذا اليوم وقد انفتحت فيه ثقبة وانفتاح الثقبة فيه من علامات قرب القيامة واذا توسعت خرجوا منها وخروجهم بعد خروج الدجال. قال فى فتح القريب المراد بالويل الحزن وقد وقع ما اخبر به عليه السلام بما استأثر به عليهم من الملك والدولة والاموال والامارة وصار ذلك فى غيرهم من الترك والعجم وتشتتوا فى البوادى بعد ان كان العز والملك والدنيا لهم ببركته عليه السلام وما جاء من الاسلام والدين فلما لم يشكروا النعمة وكفروها بقتل بعضهم بعضا وسلب بعضهم اموال بعض سلبها الله منهم ونقلها الى غيرهم كما قال تعالى {أية : وان تتولوا يستبدل قوما غيركم}تفسير : فعلى العاقل ان يحترز من فتنة يأجوج النفس والطبيعة والشيطان ويبنى عليها سد الشريعة الحصينة والطريقة المتينة ويكون اسكندر اقليم الباطن والملكوت واللاهوت.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} ذو القرنين {هَـٰذَا} السّدّ او الاقتدار على تسويته {رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} بقيام السّاعة او بخراب الدّنيا، وان كان المراد بوعد الرّبّ قيام السّاعة فالمعنى اذا قرب مجيء وعد ربّى {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} مدكوكاً مسوّىً بالارض، وقرئ دكّاءً بالمدّ {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} لا تخلّف فيه، نقل انّه اذا كان قبل يوم القيامة فى آخر الزّمان انهدم ذلك السّدّ وخرج يأجوج ومأجوج الى الدّنيا وأكلوا النّاس وهو قوله حتّى اذا افتحت يأجوج ومأجوج وهم من كلّ حدبٍ ينسلون، وعن الصّادق (ع) ليس منهم رجل يموت حتّى يولد له من صلبه الف ولدٍ ذكرٍ ثمّ قال: هم اكثر خلقٍ خلقوا بعد الملائكة، وعن النّبىّ (ص) انّه عدّ من الآيات الّتى تكون قبل السّاعة خروج يأجوج ومأجوج، "حديث : وعنه (ص) انّه سئل عن يأجوج ومأجوج فقال: يأجوج امّة ومأجوج امّة، وكلّ امّةٍ اربعمائة امّةٍ؛ لا يموت الرّجل منهم حتّى ينظر الى الف ذكرٍ من صلبه كلّ قد حمل السّلاح، قيل: يا رسول الله (ص) صفهم لنا، قال: هم ثلاثة اصنافٍ؛ صنف منهم امثال الارز قيل: يا رسول الله (ص) وما الارز؟ - قال: شجر بالشّام طويل، وصنف منهم طولهم وعرضهم سواءٌ، وهؤلاء الّذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش احدى اذنيه ويلتحف بالاخرى ولا يمرّون بفيلٍ ولا وحشٍ ولا جملٍ ولا خنزيرٍ الاّ اكلوه، مقدّمتهم بالشّام وساقتهم بخراسان، يشربون انهار المشرق وبحيرة الطّبريّة"تفسير : ، وورد ايضاً انّهم يدأبون فى حفر السّدّ نهارهم حتّى اذا امسوا وكانوا يبصرون شعاع الشّمس قالوا: نرجع غداً ونفتحه ولا يستثنون، فيعودون من الغد وقد استوى كما كان حتّى اذا جاء وعد الله قالوا: غداً نفتح ونخرج ان شاء الله فيعودون اليه وهو كيهئته حين تركوه فيحرفونه فيخرجون على النّاس فيشربون المياه ويتحصّن النّاس فى حصونهم منهم فيرمون سهامهم الى السّماء فترجع وفيها كهيئة الدّماء فيقولون: قد قهرنا اهل الارض وعلونا أهل السّماء، فيبعث الله عليهم بققاً فى اقفائهم فتدخل فى اذانهم فيهلكون بها، وعن الصّادق (ع) فى قوله عزّ وجلّ اجعل بينكم وبينهم ردماً قال التّقيّة فما اسطاعوا ان يظهروه وما استطاعوا له نقباً، قال اذا عملت بالتّقيّة لم يقدروا لك على حيلةٍ وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين اعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقباً فاذا جاء وعد ربّى جعله دكّاً قال: رفع التّقيّة عند الكشف فانتقم من اعداء الله، وهذه الاخبار كما ترى على التّأويل ادلّ منها على التّنزيل خصوصاً الخبر الاخير فانّه صريح فى التّأويل.

الهواري

تفسير : قوله: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مَّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي} يعني خروجهم {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} أي: الجبلين، أي: السّدّ. وهي تقرأ على وجه آخر: {دَكَّا} ممدودة، أي: أرضاً مستوية. {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}. ذكروا عن عقبة بن عامر الجهني قال: كان يومي الذي كنت أخدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب. فقالوا: استأذن لنا على رسول الله. فانصرفت إليه، فأخبرته بمكانهم. فقال: حديث : مالي ولهم يسألونني عما لا أدري. وإنما أنا عبد لا أعلم إلا ما علمني الله. ثم قال: ايتوني وَضوءاً. فأتيته بوَضوء. فتوضأ، ثم قام إلى المسجد فركع ركعتين. فما انصرف حتى بدا لي السرور في وجهه. فقال: اذهب فأدخلهم وأدخل من وجدت بالباب من أصحابي. فلما وقفوا عليه قال: إن شئتم أخبرتكم بما أردتم أن تسألوني عنه قبل أن تتكلموا. وإن شئتم سألتم وأخبرتكم. قالوا: بل أخبرنا بما جئنا له قبل أن نتكلم. قال: جئتم تسألونني عن ذي القرنين. وسأخبركم عما تجدونه مكتوباً في كتبكم: إن أول أمره أنه كان غلاماً من الروم، وأعطي ملكاً. فسار حتى انتهى إلى أرض مصر، فبنى عندها مدينة يقال لها الإِسكندرية. فلما انتهى من بنائها أتاه ملك فعرج به حتى استقله فرفعه ثم قال له: انظر ما تحتك. فقال: أرى مدينتي وأرى مدائن أخرى. ثم عرج به فقال: انظر، فقال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن. ثم زاد فقال: انظر، فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى غيرها. فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، وهذا السواد البحر. وإنما أراد الله أن يريك الأرض. وقد جعل لك سلطاناً فيها. فسر في الأرض، فعلّم الجاهل، وثبّت العالم. فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السّدّين، وهما جبلان ليّنان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد. فوجد ياجوج وماجوج يقاتلون قوماً وجوههم كوجوه الكلاب، ثم قطعهم فوجد أمة قصاراً يقاتلون الذين وجوههم كوجوه الكلاب. ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار. ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة. ثم أفضى إلى البحر المدير بالأرض. فقالوا: نحن نشهد أن أمره كان هكذا، وإنا نجده في كتابنا هكذا . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: إن خلف ياجوج وماجوج ثلاث أمم [لا يعلم عدتهم إلا الله]: تارس وتاويل وميسك. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال: لم يكن ملكاً ولا نبياً، ولكنه كان عبداً صالحاً، ناصحاً لله فنصحه. دعا قومه إلى الإِيمان فلم يجيبوه. فضربوه على قرنه فقتلوه، فأحياه الله. ثم دعا قومه أيضاً فضربوه على قرنه فقتلوه فأحياه الله فسمِّيَ ذا القرنين. ذكروا أن رجلاً سأل عبد الله بن عمرو عن ياجوج وماجوج: الأذرع هم أم الأشبار؟ فقال: ما أجد من ولد آدم بأعظم منهم ولا أطول. ولا يموت الميت منهم حتى يولد له ألف ولد فصاعداً. قال: قلت فما طعامهم؟ قال: هم في شجر ما هضموا، وفي ماء ما شربوا، وفي نساء ما نكحوا. ذكر بعضهم قال: إن هؤلاء الترك ممن سقط دون الردم من ولد يأجوج ومأجوج. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: يخرج ياجوج وماجوج يموجون في الأرض فيفسدون فيها. ثم قرأ عبدالله: (أية : وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) تفسير : [الأنبياء:96] ثم يبعث عليهم دابة مثل النّغف، فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها. قال: فتنتن الأرض منهم، فتجأر إلى الله، فيرسل الله عليهم ماء فيطهر الأرض منهم. وذكروا عن كعب قال: إن ياجوج وماجوج ينقرون كل يوم بمناقرهم في السّدّ، فيسرعون فيه. فإذا أمسوا قالوا: نرجع غداً فنفرغ منه؛ فيصبحون وقد عاد كما كان. فإذا أراد الله خروجهم قذف على ألسن بعضهم الاستثناء، فيقولون نرجع غداً إن شاء الله فنفرغ منه، فيصبحون وهو كما تركوه فينقبونه، ويخرجون على الناس، فلا يأتون على شيء إلا أفسدوه. فيمر أولهم على البحيرة فيشربون ماءها، ويمر أوسطهم فيلحسون طينها، ويمر آخرهم عليها فيقولون: قد كان ها هنا مرة ماء، فيقهرون الناس، ويفر الناس منهم في البرّيّة والجبال، فيقولون: قهرنا أهل الأرض فهلمّوا إلى أهل السماء. فيرمون نشابهم نحو السماء فترجع تقطر دماً، فيقولون: قد فرغنا من أهل الأرض وأهل السماء، فيبعث الله عليهم أضعف خلقه: النغف: دودّة تأخذهم في رقابهم فتقتلهم حت تنتن الأرض من جيفهم، ويرسل الله الطير فتلقي جيفهم إلى البحر. ثم يرسل الله السماء فتطهر الأرض. وتخرج الأرض زهرتها وبركتها، ويتراجع الناس حتى إن الرمانة لتشبع أهل البيت. [وتكون سلوة من عيش. فبينما الناس كذلك إذ جاءهم خبر ان ذا السويقتين قد غزا البيت] فيبعث المسلمون جيشاً فلا يصلون إليهم، ولا يرجعون إلى أصحابهم، حتى يبعث الله ريحاً طيبة يمانية من تحت العرش، فتكفت روح كل مؤمن. ثم لا أجد مثل الساعة إلا كرجل أنتج مهراً له فهو ينتظر متى يركبه. فمن تكلّف من أمر الساعة ما وراء هذا فهو متكلِّف. ذكروا أن عيسى عليه السلام يقتل الدجال [بباب لد أو عندها] فبينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا ندين لاحد بقتالهم فحرّز عبادي في الطور. ويبعث الله ياجوج وماجوج، وهم كما قصّ (أية : مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ). تفسير : [الأنبياء:96]. فيمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: قد كان ها هنا ماء مرة. فيسيرون حتى ينتهوا إلى الجبل الأحمر لا يعدونه. فيقول بعضهم لبعض: قد قتلنا من في الأرض [إلا من دان لنا] فهلمّوا فلنقتل من في السماء. فيرمون بسهامهم نحو السماء فيردها الله مخضوبة دماً. ويحصرون نبي الله عيسى وأصحابه. فبينما هم كذلك إذ رغبوا إلى الله، فأرسل الله عليهم نغفاً في رقابهم فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة. فيهبط نبي الله عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم ودماؤهم. فيرغب عيسى ومن معه إلى الله فيرسل الله عليهم كأعناق البخت فتلقيهم في البحر. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بعد خروج ياجوج وماجوج

اطفيش

تفسير : {قَالَ هذَا} أى السد أو الإقدار على تسويته. {رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى} نعمة منه تبارك وتعالى على عباده لأنه حاجز لهم عن عباده الآخرين. {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى} أى ميقاته الذى وقّته لخروجهم وهو قريب من قيام الساعة جداً. وقيل: وعده قيامها والمراد بمجيئه على هذا قرب قيامها جداً لأنهم يخرجون قبل قيامها. {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} مصدر بمعنى مفعول مدكوكا أى مبسوطا على الأرض ولك ما انبسط على الأرض بعد ارتفاع فقد اندك. وقرأ الكوفيون دكاء بالمد والهمزة من غير تنوين فهو وصف أى أرضا مستوية. وعلى القراءتين فالظاهر أن السد كله يجعل يومئذ دكا لعلهم يفتحون كله أو يفتحون بعضه ويزيد الله الباقى أو المراد يجعله دكا جعل موضع فتحهم دكاء بأن يبقيه كما فتحوه ويزيدوا بقيته من غد يومهم. {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى} أى الوعد المذكور لأنه تكرار معرفة أو وعده مطلقا. {حقا} ثابتا يقع لا محالة: وهذا من كلام ذى القرنين ويجوز من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد خوطب بقوله تعالى: {قل سأَتلوا} قال أبو هريرة: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد بيده عقدة التسعين تفسير : ومعنى عقدة التسعين أن يجعل طرف السبابة فى وسط الإبهام من باطنها فتدوران كالحلقة. وروى قتادة عن أَبى رافع عن أبى هريرة مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى يكاد يرون شعاع الشمس فيقول الذى عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً فيجدونه غداً قد أعاده الله كما كان حتى إذا بلغت مدتهم قال: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله فيعودون إليه من الغد فيجدونه كما تركوه فيخرقونه فيخرجون إلى الناس فيتبعون المياه فيتحصن الناس منهم فى حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وفيها دم تقطر به فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا أهل السماء فيزدادون قسوة . تفسير : وخرَّج الترمذى أنهم إذا وصلوا جبل بيت المقدس قالوا: لقد قتلنا من فى الأرض فهلم نقتل من فى السماء فيرمون بنشابهم إلى جهة السماء فترجع محمرة دما فيبعث الله عز وجل عليهم نغَفا فى رقابهم فيموتون. قال: فوالذى نفسى بيده إن دواب الأرض لتسمن وتَشْكَر من لحومهم شكراً. أَخرجه الترمذى. والنغف: دود يكون فى أنوف الإبل والغنم وهو من أضعف خلق الله عز وجل يقهرهم به. وقيل: يرسل عليهم طيرا كالنبق أو كأذيال الخيل. وشكرت الشاةُ: امتلأ ضرعها لبناً. والمراد أن دواب الأرض تسمن ويكثر لحمها. روى أنهم يشربون ماء المشرق وبحيرة طبرية ودجلة والفرات فيمر آخرهم فيقول: لقد كان فى هذه الأماكن ماء ويحضر نبى الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغبون إلى الله تعالى فيرسل على يأجوج ومأجوج النغف فى رقابهم فيصبحون فَرْسَى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبى الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيرغبون إلى الله عز وجل فيرسل طيراً كأعناق البُخْت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. وروى: فى البحر. وروى الترمذى: فتطرحهم بالمهبل يعنى البحر عند مطلع الشمس وليسوا يشربون ماء البحر المالح. ثم يرسل الله تعالى مطرا لا يكن منه بيت يغسل الأرض كالزلقة ثم يقال للأرض: إيتى رزقك وردى بركتك فيومئذ يأكل العصبة من الرمانة ويستظلون بقشرها وتكون البركة حتى إن اللَّقِحة من الإبل لتكفى القبيلة واللقِحة من البر لتكفى ما دون القبيلة واللَّقِحة من الغنم لتكفى الفخذ من الناس فبينما هم كذلك أن بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم ويقبض الله تعالى روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمُر فعليهم تقوم الساعة. قال كعب: إذا خرجوا فر الناس منهم فى البرية والجبال. وروى حديث : أن المسلمين يبعثون جيشاً ينظرون حال يأجوج ومأجود وهم موتى حينئذ فلا يصلون إليهم ولا يرجعون إلى أصحابهم حتى يبعث الله إليهم ريحاً طيبة يمانية من تحت العرش فتقبض روح كل مؤمن. قال صلى الله عليه وسلم: ثم لا أجد مثل الساعة إلا كرجل أنتج مُهراً فهو ينظر متى يركبه قيل: هم قبيلتان لا تنحصران ولا تتركان قطرة ماء إذا خرجتا إلا شربتاه ولا خضراء إلا قلعتاها يمر أوائلهم على بحيرة طبرية ويشربون ماءها ويأتى مَن بَعْدَهم فيقولون: كان هنا ماء فيلحسون الطين الذى بقى يتسافدون على الطرقات كالحمير وينزل جبريل على عيسى بن مريم عليه السلام ويقول له: أحرز عبادى . تفسير : وفى رواية: حديث : حرِّز . تفسير : وفى رواية: حديث : حوِّز إلى جبل الطور فإنى قد أخرجت عبادا لا يطيق أحد قتالهم ولم يكن معه فى ذلك الوقت من المؤمنين إلا اثنا عشر أماً وأربعة آلاف امرأة ثمانة آلاف رجل فينحاز بهم إلى جبل الطور ويرسل الله عز وجل عليهم طيرا كالنبق أو كأذيال الخيل فتدخل تحت آباطهم وخلف آذانهم ويهلكون بها ويمكث المسلمون يطبخون من قسيهم ورماحهم سبع سنين . تفسير : وعن أبى سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لَيُحَجَّنّ البيت وليعتمرنّ بعد خروج يأجوج ومأجوج تفسير : رواه البخارى. وذكره الشيخ هود بلا ذكر لرواية: ولا يدخل مكة والمدينة وبيت المقدس يأجوج ومأجوج والدجال. وذكر بعضهم أنهم يمكثون فى الأرض سبع سنين وأن أول مقدمتهم بالشام وساقتهم ببلخ. وأن فى التوراة أنهم يخرجون أيام المسيح ويقولون: بنو إسرائيل أصحاب أموال وأوانٍ كثيرة فينهبون نصفهم فيرسل الله عليهم صيحة فيموتون فيستغنى بنو إسرائيل بروثهم عن الحطب سبع سنين كذا قيل وفيه أن روثهم حرام فإنما ينتفع به الفسقة وإذا قتلهم الله أيقنت الأرض بوَدكهم ولحومهم وشحومهم. وذكر القرطبى عن كعب أن الله سبحانه وتعالى يرسل السماء أربعين يوما فتنبت الأرض حتى إن الرمانة لتشبع السكن. قيل لكعب: ما السكن؟ قال: أهل البيت. وأخرج ابن ماجة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعث عليهم دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضا فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا فيقولون: مَن رجلٌ يشترى نفسه وينظر ما فعلوا فينزل إليهم رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى فينادى: ألا أبشروا فقد هلك عدوكم. فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم فما يكون لها رَعىٌ إلا لحومُهم وتَشْكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قط. وأخرج ابن ماجة وأبو بكر بن أبى شيبة - واللفظ لابن ماجة - عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: لما كانت ليلة أُسْرِىَ برسول الله صلى الله عليه وسلم لقى إبراهيمَ وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم فردوا الحديث إلى عيسى قال: قد عُهد إلىَّ فيما دون وجْبتها وأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله فذكر خروج الدجال قال: فأنزل فأَقتله فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا شئ إلا أفسدوه فيجأرون إلى الله فأدعو الله أن يميتهم فتنتن الأرض من ريحهم فيجأرون إلى الله فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فتحملهم فتلقيهم فى البحر ثم تُنسف الجبال وتُمد الأرض مد الأديم فُعهِد إلىّ إذا كان كذلك انت الساعة كالحمل لا يدرى أهلها متى تَفْجؤُهم بولادتها. وقال ابن أبى شيبة: ليلا أو نهارا. قال العوام: ورجه تصديق ذلك فى كتاب الله تعالى: {أية : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون} تفسير : أراد ابن أبى شيبة: {أية : واقترب الوعد الحق} تفسير : ا هـ ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذى روح.

اطفيش

تفسير : {قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى} شكر الله فى قلبه على هذه النعمة، أو خاطب به الحاضرين ممن كان يأجوج ومأجوج يضرونهم، ومن غيرهم، وهذا أولى لأن فيه الدعاء إلى الله، ولأن فيه تحبيب الله إلى خلقه، والإشارة إنما هى إِلى السد لحضوره، ولقوله: {جعله دكاء} فإن هاءه للسد، فهو أولى من كونها للتمكين من بنائه، ومن تقدير مضاف أى بناء هذا، ومن كون الإشارة إِلى السد بمعناه المصدرى، ومعنى كون ذلك رحمة أنه أثر رحمة، وبالغ بجعله نفس الرحمة، وإذا جعلت الإشارة للتمكن فكون التمكن رحمة باعتبار أنه سبب، وفى الإخبار بأَنه رحمة من ربى تلويح بأنه إِحسان إلهى، لا طاقة للبشر عليه عادة، وفى ذكر الرب تربية معنى الرحمة. {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى} أى وقت وعده، وإسناد المجئ إِلى الوعد مجاز من إِسناده إلى وقته حقيقة، أو الوعد بمعنى الموعود، وهو وقته، أو وقوعه فلا حذف مضاف، ولا مجاز فى الإسناد، والمراد بوقت ذلك يوم القيامة، وقيل: وقت خروج يأجوج ومأجوج علمه من نبى أو غيره أو إلهام، ولا يساعده كلام الله، والمراد مجيئه مع ما معه من خروج يأجوج ومأجوج، والدجال ونزول عيسى عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها لا وقوعه فقط. {جَعَلَهُ} ربى {دَكَّاءَ} صيَّره دكًّا أى مدكوكًا مسوى بالأرض، ونفس الدك مبالغة، وعلم ذى القرنين بهذا الجعل من تمام علمه بمجئ الساعة بإخبار نبى أو غيره أو إلهام، أو من كتاب حزقيال إذ من مبادئها دك الجبال الشامخة، أو دكا كالشئ المدقوق كالمطحون، وفى الكلام حذف أى يستمر إلى آخر الزمان، فإذا جاء وعد ربى جعله دكا. {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا} ثابتًا لا محالة أى وعده المعهود، أو كل ما وعد، فيدخل ذلك المعهود أولا، وهذا آخر كلام ذى القرنين قيل به قوله: {فإذا جاء وعد ربى} مؤكد له.

الالوسي

تفسير : {قَالَ} أي ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم {هَـٰذَا} إشارة إلى السد، وقيل: إلى تمكنه من بنائه والفضل للمتقدم ليتحد مرجع الضمير المتأخر أي هذا الذي ظهر على يدي وحصل بمباشرتي من السد الذي شأنه ما ذكر من المتانة وصعوبة المنال {رَحْمَةً} أي أثر رحمة عظيمة وعبر عنه بها للمبالغة {مِّن رَّبِّى} على كافة العباد لا سيما على مجاوريه وكون السد رحمة على العباد ظاهر وإذا جعلت الإشارة إلى التمكن فكونه رحمة عليهم باعتبار أنه سبب لذلك، وربما يرجح المتقدم أيضاً باحتياج المتأخر إلى هذا التأويل وإن كان الأمر فيه سهلاً، وفي الإخبار عنه بما ذكر إيذان على ما قيل بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة بل هو إحسان إلٰهي محض وإن ظهر بالمباشرة، وفي التعرض لوصف الربوبية تربية معنى الرحمة، وقرأ ابن أبـي عبلة {هـٰذه رحمة} بتأنيث اسم الإشارة وخرج على أنه رعاية للخبر أو جعل المشار إليه القدرة والقوة على ذلك. {فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى} أي وقت وعده تعالى فالكلام على حذف مضاف والإسناد إلى الوعد مجاز وهو لوقته حقيقة، ويجوز أن يكون الوعد بمعنى الموعود وهو وقته أو وقوعه فلا حذف ولا مجاز في الإسناد بل هناك مجاز في الطرف، والمراد من وقت ذلك يوم القيامة، وقيل: وقت خروج يأجوج ومأجوج، وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم والمراد بمجيئه ما ينتظم مجيئه ومجىء مباديه من خروجهم وخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونحو ذلك لا دنو وقوعه فقط كما قال الزمخشري وغيره فإن بعض الأمور التي ستحكى تقع بعد مجيئه حتماً {جَعَلَهُ} أي السد المشار إليه مع متانته ورصانته {دَكَّاءَ} بألف التأنيث الممدودة والموصوف مؤنث مقدر أي أرضاً مستوية، وقال بعضهم: الكلام على تقدير مضاف أي مثل دكاء وهي ناقة لا سنام لها ولا بد من التقدير لأن السد مذكر لا يوصف بمؤنث، وقرأ غير الكوفيين (دكاً) على أنه مصدر دككته وهو بمعنى المفعول أي مدكوكاً مسوى بالأرض أو على ظاهره والوصف به للمبالغة، والنصب على أنه مفعول ثان لجعل وهي بمعنى صير، وزعم ابن عطية أنها بمعنى خلق وليس بشيء. وهذا الجعل وقت مجىء الوعد بمجىء بعض مباديه وفيه بيان لعظم قدرته تعالى شأنه بعد بيان سعة رحمته عز وجل وكان علمه بهذا الجعل على ما قيل من توابع علمه بمجىء الساعة إذ من مباديها دك الجبال الشامخة الراسخة ضرورة أنه لا يتم بدونها واستفادته العلم بمجيئها ممن كان في عصره من الأنبياء عليهم السلام، ويجوز أن يكون / العلم بجميع ذلك بالسماع من النبـي وكذا العلم بمجىء وقت خروجهم على تقدير أن يكون ذلك مراداً من الوعد يجوز أن يكون عن اجتهاد ويجوز أن يكون عن سماع. وفي «كتاب حزقيال» عليه السلام الإخبار بمجيئهم في آخر الزمان من آخر الجربياء في أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله تعالى وإفسادهم في الأرض وقصدهم بيت المقدس وهلاكهم عن آخرهم في بريته بأنواع من العذاب وهو عليه السلام قبل اسكندر غالب دارا فإذا كان هو ذا القرنين فيمكن أن يكون وقف على ذلك فأفاده علماً بما ذكر والله تعالى أعلم، ثم إن في الكلام حذفاً أي وهو يستمر إلى آخر الزمان فإذا جاء وعد ربـي جعله دكاء {وَكَانَ وَعْدُ رَبّى} أي وعده سبحانه المعهود أو كل ما وعد عز وجل به فيدخل فيه ذلك دخولاً أولياً {حَقّاً} ثابتاً لا محالة واقعاً البتة وهذه الجملة تذييل من ذي القرنين لما ذكره من الجملة الشرطية وتأكيد لمضمونها وهو آخر ما حكى عن قصته.

الشنقيطي

تفسير : اعلم أولاً - أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود وقد بينه النَّبي صلى الله عليه وسلم فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينه له. وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم - أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما بيان من كتاب أوضحته السنة، فصار بضميمة السنة إلى القرآن بياناً وافياً بالمقصود، والله جل وعلا قال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [النحل: 44] فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة، لأنه قال هنا {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} الآية. وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين "يومئذ" من قوله {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} أنه يوم إذ جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض. ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم. وإذا تقرر أن معنى "يومئذ" يوم إذ جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم - فاعلم أن الضمير في قوله {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ} على القول بأنه لجميع بني آدم فالمراد يوم القيامة. وإذاً فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد، وقربه منه. وعلى القول بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج. فقوله بعده {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} يدل في الجملة على أنه قريب منه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية "قال هذا رحمة من ربي" هو إشارة إلى السد. أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي جعل السد دكا. أي مدكوكاً مبسوطاً مسوى بالأرض. وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك. ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام اهـ. وآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنبياء: 96-97] الآية. لأن قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} وإتباعه لذلك بقوله {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يدل في الجملة على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها. وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم روسية، وأن السد فتح منذ زمان طويل. فإذا قيل: إنما تدل الآيات المذكورة في "الكهف" و "الأنبياء" على مطلق اقتراب يوم القيامة من دك السد واقترابه من يوم القيامة - لا ينافي كونه قد وقع بالفعل. كما قال تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}تفسير : [الأنبياء: 1] الآية. وقال: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}تفسير : [القمر: 1]، وقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها.."تفسير : الحديث، وقد قدمناه في سورة "المائدة". فقد دل القرآن والسنة الصحيحة على أن اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، وإذاً فلا ينافي دك السد الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدك السد إلى الآن. فالجواب - هو ما قدمنا أن هذا البيان بهذه الآيات ليس وافياً بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) وحدثني محمد بن مهران الرازي (واللفظ له)، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان قال: "حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: "ما شأنكم؟" قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم! إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي هل كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طائفة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة "الكهف" إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً. "يا عباد فاثبتوا"" قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يارسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره" قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الريح"تفسير : . فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له: فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت دراً وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر - ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله: فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلامات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدراجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهو من كل حرب ينسلون. فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم. فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة ثم يقال للأرض: انبتي ثمرك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانه، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس. واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذا بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم. فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة" انتهى بلفظه من صحيح مسلم رحمه الله تعالى. وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم: بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية, وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النَّبي صلى الله عليه وسلم مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فهو باطل. لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود. والعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ومأجوج هم روسية، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلاً - هي حجة عقلية في زعم صاحبها، وهي بحسب المقرر في الجدل قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي، فينتج نقيض المقدم. وصورة نظمه أن يقول: لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى الآن، لاطلع عليهم الناس لتطور طرق المواصلات، لكنهم لم يطلع عليهم أحد ينتج فهم ليسوا وراء السد إلى الآن، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم كما هو معلوم. وبعبارة أوضح لغير المنطقي: لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم - هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد. ومن المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي، إذا كان مركباً من شرطية متصلة واستثنائية، فإنه يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات: الأولى - أن يقدح فيه من جهة شرطيته، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحاً. الثانية - أن يقدح فيه من جهة استثنائيته. الثالثة - أن يقدح فيه من جهتهما معاً. وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض: الربط فيه بين المقدم والتالي غير صحيح. فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس غير صحيح. لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس، ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة "المائدة" من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة. وذلك في قوله تعالى: {أية : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [المائدة: 26] الآية، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه، لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق. وعلى كل حال، فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، زاعمين أنه منزل في التوراة أو غيره من الكتب السماوية - باطل يقيناً لا يعول علينا. لأن الله جل وعلا صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم، كقوله: {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ}تفسير : [المائدة: 13]، وقوله: {أية : تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً}تفسير : [الأنعام: 91]، وقوله: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}تفسير : [البقرة: 79]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [آل عمران: 78] إلى غير ذلك من الآيات - بخلاف هذا القرآن العظيم، فقد تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه، ولم يكله أحد حتى يغير فيه أو يبدل أو يحرف، كما قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]، وقال: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 16-17]، وقال: {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42]. وقال في النَّبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 3-4]، وقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو يكذبوا بحق. ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات: في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضاً على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفاً: وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا كذبه. وبهذا التحقيق - تعلم أن القصص المخالفة للقرآن والسنة الصحيحة التي توجه بأيدي بعضهم، زاعمين أنها في الكتب المنزلة - يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح، التي لم تحرف ولم تبدل. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {جَعَلَهُ دَكَّاً} [الكهف: 98] قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو "دكاً" بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي {جعله دكاء} بألف التأنيث الممدودة تأنيث الأدك. ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد قدمنا إيضاحه.

د. أسعد حومد

تفسير : (98) - وَلَما انْتَهَى ذُو القَرْنَيْنِ مِنْ إِقَامَةِ السَّدِّ قَالَ: هَذَا السَّدُّ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِالنَّاسِ، إِذْ حَالَ دُونَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَالْعَيْثِ وَالفَسَادِ فِي الأَرْضِ، فَإِذا اقْتَرَبَ الوَعْدُ الْحَقُّ، وَحَانَ مَوْعِدُ خُرُوجِهِمْ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ، دَكَّهُ اللهُ، وَسَوَّاهُ بِالأَرْضِ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ حَقّاً مَفْعُولاً لاَ مَحَالَةَ. جَعَلَهُ دَكَّاءَ - مَدْكُوكاً مِنْ أَسَاسِهِ وَمُسَوَّى بِالأَرْضِ. وَتَقُولُ العَرَبُ نَاقَةٌ دَكَّاءُ أَيْ لاَ سَنَامَ لَهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لم يَفُتْ ذا القرنين - وهو الرجل الصالح - أنْ يسند النعمة إلى المنعم الأول، وأنْ يعترف بأنه مجرد واسطة وأداة لتنفيذ أمر الله: {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} [الكهف: 98] لأنني أخذتُ المقوِّمات التي منحني الله إياها، واستعملتها في خدمة عباده. الفكر مخلوق لله، والطاقة والقوة مخلوقة لله، المواد والعناصر في الطبيعة مخلوقة لله، إذن: فما لي أن أقول: أنا عملتُ كذا وكذا؟ ثم يقول تعالى: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ..} [الكهف: 98] أي: الآخرة {جَعَلَهُ دَكَّآءَ ..} [الكهف: 98] فإياكم أن تظنوا أن صلابة هذا السَّد ومتانته باقية خالدة، إنما هذا عمل للدنيا فحسب، فإذا أتى وَعْد الله بالآخرة والقيامة جعله الله دكاً وسوّاه بالأرض، ذلك لكي لا يغترون به ولا يتمردون على غيرهم بعد أنْ كانوا مُستذلّين مُستضعفين ليأجوج ومأجوج. وكأنه يعطيهم رصيداً ومناعة تقيهم الطغيان بعد الاستغناء. {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} [الكهف: 98] واقعاً لا شَكَّ فيه. والتحقيق الأخير في مسألة ذي القرنين وبناء السد أنه واقع بمكان يُسمَّى الآن (بلخ) والجبلان من جبال القوقاز، وهما موجودان فعلاً، وبينهما فَجْوة مبنيُّ فيها، ويقولون: إن صاحب هذا البناء هو قورش، وهذا المكان الآن بين بحر قزوين والبحر الأسود. ثم يقول الحق سبحانه: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {جَعَلَهُ دَكَّآءَ} يعني مَدكُوكاً مُلزقاً بالأَرضِ.

الجيلاني

تفسير : فلما تم السد واستوى {قَالَ} ذو القرنين مسترجعاً إلى الله شاكراً لأنعمه: {هَـٰذَا} أي: إتمام هذه السد على الوجه الأسَدّ الأحكام {رَحْمَةٌ} نازلةُ عليّ {مِّن رَّبِّي} إذ لولا توفيقه وتمكينه لما صدر عني بقوتي أمثال هذا {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} وقرُب قيام الساعة، وظهر أماراتها وأشراطها. ومن جملة أماراتها: خروج يأجوج ومأجوج {جَعَلَهُ} سبحانه هذا السد السديد الرفيع {دَكَّآءَ} أي: مدكوكاً مسوى مفتتاً أجزاؤه؛ بحيث لم يبقَ له ارتفاع أصلاً، وهم حينئذ يخرجون على الناس {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي} بقيام الساعة واستواء الأ{ض، وكونها دكاً بحيث لا عِوجَ لها ولا أمتاً {حَقّاً} [الكهف: 98] ثابتاً محققاً لا شبهة فيهز ثم قال سبحانه: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} اي: وبعدما جعلنا الأرض مبسوطة مدكوكة بمقتضى قهرنا وجلالنا، وجعلنا السد السديد الرفعيت المنيع مسوى، أخرجنا يأجوج ومأجوج بإقدارنا إياهم بالخروج، وتركنا بعض الناس يموج ويزدحم ويدخل من صولتهم واستيلائهم بعضاً مضطربين ومضطرين، {وَ} هم في ذلك الاضراب والتشتت من استيلاْ أولئك الظلمة القهارين القتّالين {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} للحشر إلى المحشر وقامت الطامة الكبرى {فَجَمَعْنَاهُمْ} حينئذ؛ أي: جميع الخلائق للعرض والحساب {جَمْعاً} [الكهف: 99] مجتمعين في المحشر. {وَ} بعد جمعنا إياهم {عَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ} أي: يوم الحشر {لِّلْكَافِرِينَ} المعرضينَ المكذبينَ للرسل والكتب، المنكرينَ ليوم العرض والجزاء {عَرْضاً} [الكهف: 100] على سبيل الإلزام والتبكيت للقوم {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} في النشأة الأولى {فِي غِطَآءٍ} وغشاوةٍ كثيفةٍ {عَن ذِكْرِي} أي: عن آياتي الدالة على ذكري المؤدي إلى التفكر والتدبر في آلائي ونعمائي، المؤدي إلى ملاحظة ذاتي المنتهية إلى المكاشفة والمشاهدة للمؤنين المؤَيدين من عندي، المنجذبين نحو توحيدي {وَكَانُواْ} أيضاً {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} ولا يقدرون {سَمْعاً} [الكهف: 101] أي: إصغاءً والتفاتاً؛ اي: استماع كلمة الحق لتعطيلهم من خبث فطرتهم وطينتهم نعمةَ الحق الموهوبة لهم لاستماع كلمة الحق وإصفاء دلائل التوحيد عن مقتضاها. ثم قال سبحانه على سبيل التقريع والتوبيخ للكفرة المشركين المتخذين آلهة سوى الله من مصنوعاته ومخلوقاته: {أَفَحَسِبَ} وظن القوم {ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} وأشركوا بسبب {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ} مثل عزير وعيسى وجميع الأوثان والأصنام {أَوْلِيَآءَ} آلهة يعبدونهم كعبادتي أنا لا نأخذهم ولا ننتقم منهم في يوم الجزاء؟! كلا وحاشا. وكيف لا نأخذهم {إِنَّآ} من كمال قهرنا وغضبنا على من أشرك بنا غيرناَ، وأثبت إلهاً سوانا {أَعْتَدْنَا} وهيأنا {جَهَنَّمَ} البعد والخذلان الممتلة بنيران الحرمان {لِلْكَافِرِينَ} المعرضين عن مقتضيات آياتنا وكتبنا ورسلنا {نُزُلاً} [الكهف: 102] أي: منزلاً معداً ينزلون فيها يوم الجزاء نزول المؤمنين في جنة الوصال ومقر الآمال. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمشركين المتخذين أرباباً من دون الله من مصنوعاته، يعبدونهم مثل عبادته، وينكرون توحيده، ويكذبون كتبه ورسله المبينة لأحوال النشأتين {هَلْ نُنَبِّئُكُم} أي: نخبركم ونرشدكم أيها المنهمكون في الخسران والطغيان {بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} [الكهف: 103] أي: العاملين الذين خسروا من جهة أعمالهم مع أنهم زعموا الربح فيها. وهم: {ٱلَّذِينَ ضَلَّ} أي: بطل وضاع {سَعْيُهُمْ} الذين سعوا {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بإتيان الأعمال الصالحة والإنفاق، وبناء بقاع الخير وغير ذلك، كالرهابنة والقسيسين، وكذا عموم أهل العجب والرياء من أي: أمةٍ كانت {وَهُمْ} في النشأة الأولى {يَحْسَبُونَ} ويظنون {أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} [الكهف: 104] ينفعهم عند الله، ويتوقعون المثوبة العظمى والدرجة العليا لأجلها، مع أنهم خاسرون خسراناً مبيناً؛ لفقدهم ما هو مبني الأعمال ومناط العبادات، وهو الإيمان بتوحيد الله والتصديقُ بكتبه ورسله. {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء الأشقياء المجبولون على الكفر والشقاق هم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وكذبوا {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} الدالة على توحيده وتصديق رسله وكتبه {وَلِقَائِهِ} الموعود لعباده عند إنجلاء جميعهم وارتفاع أستارهم {فَحَبِطَتْ} أي: ضاعت واضمحلت وضلت في النشأة الأخرى {أَعْمَالُهُمْ} التي جاءوا بها في النشأة الأولى، ولطلب النفع والربح {فَلاَ نُقِيمُ} ونضيع {لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعدة لجزاء الأعمال وتنقيدها {وَزْناً} [الكهف: 105] مقداراً يُنتفع ويُعتد بها؛ لانحباطها وسقوطها عن درجة الاعتبار لدى الملك الجبار. بل: {ذَلِكَ} العلم المترتب على الكفر والشرك {جَزَآؤُهُمْ} ونفعهم العائد لهم لأجل أعمالهم في يوم الجزاء {جَهَنَّمُ} البعد والحرمان، وسعيرُ الطرد والخسران {بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ} أي: بكفرهم واتخاذهم {آيَاتِي وَرُسُلِي} المؤيدين بآياتي، المبعوثين على تبيين دلائل توحيدي بين عبادي {هُزُواً} [الكهف: 106] محل استهزاء يستهزئون وينكرون عليها عتواً وعناداً. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأيقنوا بتوحيد الذات والصفات والأفعال {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة إلى التوحيد الذاتي، الملائمة المناسبة لشعائره ومناسكه {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ} وهو وسط الجنة المشرف على أطرافها المرتفع منها. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا سَألتُمُ الله فَأسألُوا الفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ وَسَطُ الجَنَّةِ ". تفسير : وهو بستان الغيب ومهبط الفتوحات الغيبية، وأيضاً هو أعلى مراتب التوحيد، وعند ذلك انتهى السير والسلوك، وبعد ذلك السلوك فيه لا إليه وبه {نُزُلاً} [الكهف: 107] أي: منزلاً ينزلون إليه ويتمكنون. {خَالِدِينَ فِيهَا} ولصفائها ونضارتها، ودوام لَذَّاتها الروحانية وفيوضاها {لاَ يَبْغُونَ} ولا يطلبون بالطبع والإرادة {عَنْهَا حِوَلاً} [الكهف: 108] أي: انتقالاً وتحويلاً؛ لكونه مقر فطرتهم الأصلية ومنزل استعداداتهم الحقيقية؛ إذ فوقه عرش الرحمن المفيض لجميع القوابل والاستعدادات مقتضياتها. ثم لما طعن اليهود في القرآن، وأرادوا أن يثبتوا التناقض في بعض آياته مع بعض؛ حيث قالوا: أنتم تقرأون في كتابكم تارة: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269] وتارة تقرأون: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85] وما هو إلا تناقض صريح. أمر سبحانه حبيبه بقوله: {قُل} لهم يا أكمل الرسل كلاماً يُسقط شبهتهم إن أنصفوا، نحن لا ندعي أن من أوتي الحكمة فقد أوتي بجميع معلومات الله وعلومه، وكيف ندَّعي هذا وهو ممتنع محالُ في غاية الامتناع والاستحالة؛ إذ {لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ} أي: جنس البحر، وهو جميع كرة الأرض {مِدَاداً} أي: ماء يُمدُّ به القلم للرقم والكتابة {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} أي: لثبتها وكتبها {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} وانتهى ألبتة؛ لتناهيه وكونه محدداً {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} لكونها غير متناهية {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} غير محدودةٍ بحدٍ معين، وكيف لا تنفذ وتتناهى {وَ} أي: بمثل جنس البحر بل بأضعاف أمثاله وآلافها {مَدَداً} [الكهف: 109] إذ لا مناسبة بين المتناهي وغير المتناهي، وإن فرض أضعافا وآلافاً. {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما بلغت لهم كلمات الله الغير المحصورة كلاماً خيالياً عن وصمة التفوق، والتفضل المفضي للرعونة ناشئاً عن محض الحكمة والفطنة: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} قابل للعلوم الإدراكات على مقتضى البشرية، لا فرق بيني وبينكم بحسب الفطرة، غاية في الأمر أنه {يُوحَىٰ إِلَيَّ} ويُفاض إفاضة علمٍ و عين حقٍ {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ} ومعبودكم ومُظهركم {إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أحدٌ صمد فرد وتر، ليس له شريكُ ولا نظيرُ ولا وزيرُ، بل هو مستقلُ في الوجود والإيجاد والإظهار، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد استقلالاً إرادةً واختياراً، وإنما امتيازي عنكم بهذا. {فَمَن كَانَ} منكم {يَرْجُواْ} رجاءَ مؤملٍ بصيرٍ {لِقَآءَ رَبِّهِ} مكاشفةً ومشاهدةً {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} قالعاً لأصل أنانيته وهويته، قامعاً لمقتضيات أوصاف بشريته وبهيميته، مزيلاً لذمائم أخلاقه وأطواره {وَ} مع ذلك {لاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} [الكهف: 110] من خلقه، أي: لا يقصد من عمله وعبادته الرياءَ والسمعةَ والعُجبَ والنخوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "أَخوْفَُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّركُ الأَصْغَرُ". قالوا: وما الشرك الأصغر؟. قال: "الرِّيَاءُ ". تفسير : وقال تبارك وتعالى: "أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، فَمَنْ عَمِل عَمَلاً أَشْرَكَ فِيْهِ غَيْرِيْ فَأنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ الَّذِيْ عَمِلَهُ لأَجْلِهِ". وبالجملة: يعمل على وجهٍ يسقط الكثرة والاثنينية لا على وجهٍ يؤيدها ويكثرها، بل العامل العارف لا يطلب لعلمه الجزاء أيضاً، بل إنما يعلم امتثالاً لأمره سبحانه وطلباً لمرضاته، ولا يخطر بباله شيء وساه. جعلنا الله ممن تحقق بمقام التوحيد، وأمَّنه عن توهم الرياء والتقليد، وحفظه من كل شيطان مريد. خاتمسة السورة عليك أيها الموحد القاصد للتحقق في مقام التمكن من التوحيد. قرَّرَك الله في مقعد صدقك ويقينك، وثبتك في مقر تثبيتك وتمكينك. أن تحفظ أعمالك التي جئت بها متفرقاً الوصولَ إلى محل القبول عن مداخل الرياء والسمعة والعجب وأنواع الرعونات؛إذ هي كلها شباكُ الشيطان وعقاله، يقيد بها خواص عباد الله، ويلهيهم بها عما هم عليه من الرضا والتسليم، ويوقعهم في قتنةٍ عظيمةٍ ومعصيةٍ كبيرةٍ مستلزمةٍ للشرك بالله، العياذ به من غوائل الشيطان وتسويلاته ويخلصها لمحض وجهه الكريم. فعليك أن تلازم العزلة، وتداوم الخلوة حتى لا يلحقكمن الخلطة أمثال هذه الأمراض العضال، وأيضاً لك أن تجلي خاطرك وتصفي ضميرك عن هواجسك المتعلقة بأمور معاشك بين بني نوعك، فإن أكثر عروض هذه الأمراض إما يحصل من الأماني واللذات الوهمية من الجاه والثروة والتفوق على الأقران وغير ذلك. وإن شئت أن يسهل عليك الأمر فاشغل جوارحك لكسب ضرورات معاشك في بعض الأحيا، واقنع بأقل المعيشة وسدّ الرمق، واحذر عن فضول العيش، فإن أكثر فحول الرجال قد استرق بفضول الأماني والآمال. وبالجملة: نعم القرين العزلة، والفرار عن تغريرات الدنيا الغدارة المكارة، والخمول في زوايا الكهوف والأغوار عن اختلاط أصحاب الخسار والبوار. وِفقنا بفضلك وجودكَ بما تحب منا وترضى.