١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الضمير في قوله بعضهم عائد إلى: { أية : يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } تفسير : [الأنبياء:96] وقوله: {يَوْمَئِذٍ } فيه وجوه: الأول: أن يوم السد ماج بعضهم في بعض خلفه لما منعوا من الخروج. الثاني: أن عند الخروج يموج بعضهم في بعض قيل إنهم حين يخرجون من وراء السد يموجون مزدحمين في البلاد يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويأكلون لحوم الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله عليهم حيوانات فتدخل آذانهم فيموتون. والقول الثالث: أن المراد من قوله: {يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة وكل ذلك محتمل إلا أن الأقرب أن المراد الوقت الذي جعل الله ذلك السد دكاً فعنده ماج بعضهم في بعض وبعده نفخ في الصور وصار ذلك من آيات القيامة، والكلام في الصور قد تقدم وسيجيء من بعد، وأما عرض جهنم وإبرازه حتى يصير مكشوفاً بأهواله فذلك يجري مجرى عقاب الكفار لما يتداخلهم من الغم العظيم، وبين تعالى أنه يكشفه للكافرين الذين عموا وصموا، أما العمى فهو المراد من قوله: {كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى } والمراد منه شدة انصرافهم عن قبول الحق، وأما الصمم فهو المراد من قوله: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } يعني أن حالتهم أعظم من الصمم لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء زالت عنهم تلك الاستطاعة واحتج الأصحاب بقوله: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } على أن الاستطاعة مع الفعل وذلك لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا، قال القاضي: المراد منه نفرتهم عن سماع ذلك الكلام واستثقالهم إياه كقول الرجل: لا أستطيع النظر إلى فلان.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} الضمير في «تركنا» لله تعالى؛ أي تركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم في بعض. وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج «يومئذٍ» أي وقت كمال السدّ يموج بعضهم في بعض. واستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردّد بعضهم في بعض، كالمولهين من هَمٍّ وخوف؛ فشبههم بموج البحر الذي يضطرب بعضه في بعض. وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يوم انفتاح السدّ يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم. قلت: فهذه ثلاثة أقوال، أظهرها أوسطها، وأبعدها آخرها، وحسن الأول؛ لأنه تقدّم ذكر القيامة في تأويل قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} تفسير : [الكهف: 98]. والله أعلم. قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} تقدّم في «الأنعام». {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} يعني الجن والإنس في عرصات القيامة. {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ} أي أبرزناها لهم. {يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً}. {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} في موضع خفض نعت «للكافرين». {فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي} أي هم بمنزلة من عينه مغطاة فلا ينظر إلى دلائل الله تعالى. {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى، فهم بمنزلة من صمَّ. قوله تعالى: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي ظن. وقرأ عليّ وعكرمة ومجاهد وابن محيصن «أَفَحَسْبُ» بإسكان السين وضم الباء؛ أي كَفَاهم. {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي} يعني عيسى والملائكة وعزيراً. {مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ} ولا أعاقبهم؛ ففي الكلام حذف. وقال الزجاج: المعنى؛ أفحسبوا أن ينفعهم ذلك. {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً}. قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} إلى قوله: {وَزْناً } فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} ـ الآية ـ فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر. روى البخاري عن مصعب قال: سألت أبي «قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً» أهم الحَرُوريّة؟ قال: لا؛ هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبّوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة، فقالوا: لا طعام فيها ولا شراب؛ والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه؛ وكان سعد يسميهم الفاسقين. والآية معناها التوبيخ؛ أي قل لهؤلاء الكفرة الذين عبدوا غيري: يخيب سعيهم وآمالهم غداً؛ فهم الأخسرون أعمالاً، وهم {ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} في عبادة من سواي. قال ابن عباس: يريد كفار أهل مكة. وقال عليّ: هم الخوارج أهل حروراء. وقال مَرَّة: هم الرهبان أصحاب الصوامع. وروي أن ابن الكواء سأله عن الأخسرين أعمالاً فقال له: أنت وأصحابك. قال ابن عطية: ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} وليس من هذه الطوائف من يكفر بالله ولقائه والبعث والنشور، وإنما هذه صفة مشركي مكة عبدة الأوثان؛ وعليّ وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواماً أخذوا بحظهم من هذه الآية. و«أعمالاً» نصب على التمييز. و«حبِطت» قراءة الجمهور بكسر الباء. وقرأ ابن عباس «حَبَطَت» بفتحها. الثانية: قوله تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} قراءة الجمهور «نقيم» بنون العظمة. وقرأ مجاهد بياء الغائب؛ يريد فلا يقيم الله عز وجل. وقرأ عبيد بن عمير «فلا يقوم» ويلزمه أن يقرأ «وزن» وكذلك قرأ مجاهد «فَلاَ يَقُومُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنٌ». قال عبيد بن عمير: يؤتى يوم القيامة بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة. قلت: هذا لا يقال مثله من جهة الرأي، وقد ثبت معناه مرفوعاً في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنه ليأتي الرجلُ العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا إن شئتم {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}»تفسير : . والمعنى أنهم لا ثواب لهم، وأعمالهم مقابلة بالعذاب، فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار. وقال أبو سعيد الخدري: يؤتى بأعمال كجبال تهامة فلا تزن شيئاً. وقيل: يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة؛ كأنه قال: فلا قدر لهم عندنا يومئذٍ؛ والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه ذمُّ السِّمن لمن تكلّفه، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم، بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به التَّرفه والسِّمن. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السَّمين»تفسير : . ومن حديث عِمران بن حُصَين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خيركم قرني ثم الذين يلونهم ـ قال عِمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ـ ثم إن من بعدكم قوماً يَشهدون ولا يُستشهدون ويخونون ولا يُؤتمنون ويَنذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السِّمن» تفسير : وهذا ذمٌّ. وسبب ذلك أن السِّمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشَّرَه، والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها، فهو عبد نفسه لا عبد ربه، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به؛ وقد ذمّ الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} تفسير : [محمد: 12] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان، والقيام بوظائف الإسلام؟ٰ ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهارَه هائماً، وليله نائماً. وقد مضى في «الأعراف» هذا المعنى؛ وتقدّم فيها ذكر الميزان، وأن له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة. «حديث : وقال عليه الصلاة والسلام حين ضحكوا من حَمْش ساق ابن مسعود وهو يصعد النخلة: «تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض»» تفسير : فدل هذا على أن الأشخاص توزن؛ ذكره الغزنوي. قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ} «ذلك» إشارة إلى ترك الوزن، وهو في موضع رفع بالابتداء «جزاؤهم» خبره و{جَهَنَّمُ} بدل من المبتدأ الذي هو «ذلك» و«ما» في قوله: {بِمَا كَفَرُواْ} مصدرية، والهزء الاستخفاف والسخرية؛ وقد تقدّم. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} قال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة الباهلي: الفردوس سرة الجنة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس؛ فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقاً على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» قالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ـ أراه قال ـ وفوقه عرش الرحمن ومنه تَفجّر أنهار الجنة" تفسير : وقال مجاهد: والفردوس البستان بالرومية. الفراء: هو عربي. والفردوس حديقة في الجنة. وفردوس اسم روضة دون اليمامة. والجمع فراديس، قال أمية بن أبي الصلت الثقفي:شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرةً فيها الفَرَاديسُ والفومانُ والبصلُ تفسير : والفراديس موضع بالشام. وكَرْمٌ مُفَرْدَس أي مُعرَّش. {خَالِدِينَ فِيهَا} أي دائمين. {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي لا يطلبون تحويلاً عنها إلى غيرها. والحول بمعنى التحويل؛ قاله أبو عليّ. وقال الزجاج: حال من مكانه حِولاً كما يقال: عَظُم عِظَماً. قال: ويجوز أن يكون من الحيلة، أي لا يحتالون منزلاً غيرها. وقال الجوهري: التحول التنقل من موضع إلى موضع، والاسم الحِول، ومنه قوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}. قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} نفد الشيء إذا تم وفرغ؛ وقد تقدّم. {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي زيادة على البحر عدداً أو وزناً. وفي مصحف أبيّ «مِدَاداً» وكذلك قرأها مجاهد وابن محيصن وحميد. وانتصب «مددا» على التمييز أو الحال. وقال ابن عباس: قالت اليهود لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَا أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً} قالوا: وكيف وقد أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً؟ فنزلت {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} الآية. وقيل: قالت اليهود إنك أوتيت الحكمة، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، ثم زعمت أنك لا علم لك بالروح؟! فقال الله تعالى قل: وإن أوتيت القرآن وأوتيتم التوراة فهي بالنسبة إلى كلمات الله تعالى قليلة. قال ابن عباس: «لِكَلِمَاتِ رَبِّي» أي مواعظ ربي. وقيل: عنى بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو وإن كان واحداً فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من فرائد الكلمات، ولأنه ينوب منابها، فجازت العبارة عنها بصيغة الجمع تفخيماً؛ وقال الأعشى:شعر : ووجهٌ نقيُّ اللون صافٍ يَزينُهُ مع الجِيد لَبَّاتٌ لها ومَعَاصِمُ تفسير : فعبر باللّبات عن اللبة. وفي التنزيل:{أية : نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ} تفسير : [فصلت: 31] و{أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9] {أية : وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} تفسير : [الحجر: 23] وكذلك {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} تفسير : [النمل: 120] لأنه ناب مناب أمة. وقيل: أي ما نفدت العبارات والدلالات التي تدل على مفهومات معاني كلامه سبحانه وتعالى. وقال السديّ: أي إن كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد صفات الجنة التي هي دار الثواب. وقال عكرمة: لنفد البحر قبل أن ينفد ثواب من قال لا إلٰه إلا الله. ونظير هذه الآية {أية : وَلَوْ أَنَّ مَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 27]. وقرأ حمزة والكسائيّ «قَبْلَ أَنْ يَنْفَدَ» بالياء لتقدّم الفعل. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ} أي لا أعلم إلا ما يعلّمني الله تعالى، وعلم الله تعالى لا يحصى، وإنما أمرت بأن أبلغكم بأنه لا إلٰه إلا الله. {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} أي يرجو رؤيته وثوابه ويخشى عقابه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} قال ابن عباس: نزلت في جُنْدُب بن زهير العامريّ، قال: يا رسول الله إني أعمل العمل لله تعالى، وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطُّلِع عليه سَرَّنِي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله طيّبٌ ولا يقبل إلا الطيب ولا يقبل ما شُوركَ فيه» تفسير : فنزلت الآية. وقال طاوس قال رجل: يا رسول الله! إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى وأحب أن يُرى مكاني فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد: جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللهٰ إني أتصدق وأصِل الرَّحِم ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك منّي وأُحَمد عليه فيسرّني ذلك وأُعجَب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً، فأنزل الله تعالى {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}. قلت: والكل مراد، والآية تعم ذلك كله وغيره من الأعمال. وقد تقدّم في سورة «هود» حديث أبي هريرة الصحيح في الثلاثة الذين يقضى عليهم أوّل الناس. وقد تقدّم في سورة «النساء» الكلام على الرياء، وذكرنا من الأخبار هناك ما فيه كفاية. وقال الماوردي وقال جميع أهل التأويل: معنى قوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} إنه لا يرائي بعمله أحداً. وروى الترمذي الحكيم رحمه الله تعالى في «نوادر الأصول» قال: حدّثنا أبي رحمه الله تعالى قال: حدّثنا مكي بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الواحد بن زيد «حديث : عن عبادة بن نُسَيّ قال: أتيت شداد بن أوس في مصلاه وهو يبكي، فقلت: ما الذي أبكاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، إذ رأيت بوجهه أمراً ساءني فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أرى بوجهك؟ قال: «أمراً أتخوفه على أمتي من بعدي» قلت: ما هو يا رسول الله؟ قال:«الشرك والشهوة الخفية» قلت: يا رسول الله! وتشرك أمتك من بعدك؟ قال: «يا شداد أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حَجَراً ولا وَثَناً ولكنهم يراءون بأعمالهم» قلت: يا رسول الله والرياء شرك هو؟ قال: «نعم». قلت: فما الشهوة الخفية؟ قال:«يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر»» تفسير : قال عبد الواحد: فلقيت الحسن، فقلت: يا أبا سعيد! أخبرني عن الرياء أشرك هو؟ قال: نعم؛ أما تقرأ {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}. وروى إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا المعتمر بن سليمان عن ليث عن شهر بن حوشب قال: كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس جالسين، فقالا: إنا نتخوف على هذه الأمة من الشرك والشهوة الخفية، فأما الشهوة الخفية فمن قبل النساء. وقالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك ومن صام صياماً يرائي به فقد أشرك» تفسير : ثم تلا {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}. قلت: وقد جاء تفسير الشهوة الخفية بخلاف هذا، وقد ذكرناه في «النساء». وقال سهل بن عبد الله: وسئل الحسن عن الإخلاص والرياء فقال: من الإخلاص أن تحبّ أن تُكتَم حسناتك ولا تحب أن تُكتَم سيئاتك، فإن أظهر الله عليك حسناتك تقول هذا من فضلك وإحسانك، وليس هذا من فعلي ولا من صنيعي، وتذكر قوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}. {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} تفسير : [المؤمنون: 60] الآية؛ يؤتون الإخلاص، وهم يخافون ألا يقبل منهم؛ وأما الرياء فطلب حظ النفس من عملها في الدنيا؛ قيل له: كيف يكون هذا؟ قال: من طلب بعمل بينه وبين الله تعالى سوى وجه الله تعالى والدار الآخرة فهو رياء. وقال علماؤنا رضي الله تعالى عنهم: وقد يفضي الرياء بصاحبه إلى استهزاء الناس به؛ كما يحكى أن طاهر بن الحسين قال لأبي عبد الله المروزي: منذ كم صرت إلى العراق يا أبا عبد الله؟ قال: دخلت العراق منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم؛ فقال: يا أبا عبد الله سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين. وحكى الأصمعي أن أعرابياً صلى فأطال وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن صلاتك؟ٰ فقال: وأنا مع ذلك صائم. أين هذا من قول الأشعث بن قيس وقد صلى فخفف، فقيل له إنك خففت؛ فقال: إنه لم يخالطها رياء؛ فخلص من تنقصهم بنفي الرياء عن نفسه، والتصنع من صلاته؛ وقد تقدّم في «النساء» دواء الرياء من قول لقمان؛ وأنه كتمان العمل. وروى الترمذي الحكيم حدّثنا أبي رحمه الله تعالى قال: أنبأنا الحِمَّاني قال: أنبأنا جرير عن ليث عن شيخ عن مَعْقِل بن يَسَار قال: قال أبو بكر وشهد به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك، قال: «هو فيكم أخفى من دبيب النمل وسأدلك على شيء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره تقول اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم تقولها ثلاث مرات»»تفسير : . وقال عمر بن قيس الكندي سمعت معاوية تلا هذه الآية على المنبر {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} فقال: إنها لآخر آية نزلت من السماء. وقال عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوحي إلي أنه من قرأ {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً} رفع له نور ما بين عدن إلى مكة حشوه الملائكة يصلون عليه ويستغفرون له»تفسير : . وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء» تفسير : وعن ابن عباس أنه قال له رجل: إني أضمر أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم، فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي} إلى آخر السورة فإن الله تعالى يوقظك متى شئت من الليل؛ ذكر هذه الفضائل الثعلبي رضي الله تعالى عنه. وفي مسند الدارمي أبي محمد أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن عبدة عن زرّ بن حبيش قال: من قرأ آخر سورة الكهف لساعة يريد أن يقوم من الليل قامها؛ قال عبدة فجربناه فوجدناه كذلك. قال ابن العربي: كان شيخنا الطُّرْطُوشيّ الأكبر يقول: لا تذهب بكم الأزمان في مصاولة الأقران، ومواصلة الإخوان؛ وقد ختم سبحانه وتعالى البيان بقوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا}.
المحلي و السيوطي
تفسير : فال تعالى:{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ } يوم خروجهم {يَمُوجُ فِى بَعْضٍ } يختلط به لكثرتهم {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } أي القرن للبعث {فَجَمَعْنَٰهُمْ } أي الخلائق في مكان واحد يوم القيامة {جَمْعاً }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ } هذا من كلام الله سبحانه بعد انقضاء كلام ذي القرنين، والضمير في {بعضهم} ليأجوج ومأجوج، أي: تركنا بعض يأجوج ومأجوج يوم مجيء الوعد، أو يوم خروج يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم، يقال: ماج الناس: إذا دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء. والمعنى: أنهم يضطربون ويختلطون، وقيل: الضمير في {بعضهم} للخلق، واليوم: يوم القيامة أي: وجعلنا بعض الخلق من الجنّ والإنس يموج في بعض، وقيل: المعنى: وتركنا يأجوج ومأجوج يوم كمال السدّ وتمام عمارته بعضهم يموج في بعض، وقد تقدّم تفسير {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } في الأنعام، قيل: هي النفخة الثانية بدليل قوله بعد: {فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعاً } فإن الفاء تشعر بذلك، ولم يذكر النفخة الأولى لأن المقصود هنا ذكر أحوال القيامة. والمعنى: جمعنا الخلائق بعد تلاشي أبدانهم ومصيرها تراباً جمعاً تاماً على أكمل صفة وأبدع هيئة وأعجب أسلوب. {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضاً } المراد بالعرض هنا: الإظهار، أي: أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها يوم جمعنا لهم، وفي ذلك وعيد للكفار عظيم لما يحصل معهم عند مشاهدتها من الفزع والروعة، ثم وصف الكافرين المذكورين بقوله: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى} أي: كانت أعينهم في الدنيا في غطاء، وهو ما غطى الشيء وستره من جميع الجوانب {عن ذكري} عن سبب ذكري، وهو الآيات التي يشاهدها من له تفكر واعتبار، فيذكر الله بالتوحيد والتمجيد، فأطلق المسبب على السبب، أو عن القرآن العظيم، وتأمل معانيه وتدبر فوائده. ثم لما وصفهم سبحانه بالعمى عن الدلائل التكوينية أو التنزيلية أو مجموعهما، أراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } أي: لا يقدرون على الاستماع لما فيه الحق من كلام الله وكلام رسوله، وهذا أبلغ مما لو قال: وكانوا صماً، لأن الأصمّ قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء لا استطاعة لهم بالكلية، وفي ذكر غطاء الأعين وعدم استطاعة السماع تمثيل لتعاميهم عن المشاهدة بالأبصار وإعراضهم عن الأدلة السمعية. {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الحسبان هنا بمعنى: الظنّ. والاستفهام: للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره. والمعنى: أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردّهم عن قبول الحق، ومعنى {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى } أي: يتخذوهم من دون الله، وهم الملائكة والمسيح والشياطين {أَوْلِيَاء } أي: معبودين، قال الزجاج: المعنى: أيحسبون أن ينفعهم ذلك؟ وقرىء (أفحسب) بسكون السين، ومعناه: أكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على أنه مبتدأ وخبر، يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلاً } أي: هيأناها لهم نزلاً يتمتعون به عند ورودهم. قال الزجاج: النزل: المأوى والمنزل، وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف، فيكون تهكماً بهم كقوله: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. والمعنى: أن جهنم معدّة لهم عندنا كما يعد النزل للضيف، {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } انتصاب {أعمالاً} على التمييز، والجمع للدلالة على إرادة الأنواع منها، ومحل الموصول وهو {ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: هم الذين ضل سعيهم، والمراد بضلال السعي: بطلانه وضياعه، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذمّ، ويكون الجواب: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } ويجوز أن يكون في محل جرّ على أنه نعت لـ {لأخسرين} أو بدل منه، ويكون الجواب أيضاً هو أولٰئك وما بعده، وأول هذه الوجوه هو أولاها، وجملة: {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } في محل نصب على الحال من فاعل {ضلّ}، أي: والحال أنهم يظنون أنهم محسنون في ذلك منتفعون بآثاره، وتكون جملة {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } مستأنفة مسوقة لتكميل الخسران وبيان سببه، هذا على الوجه الأوّل الراجح لا على الوجوه الآخرة، فإنها هي الجواب كما قدّمنا، ومعنى كفرهم بآيات ربهم: كفرهم بدلائل توحيده من الآيات التكوينية والتنزيلية، ومعنى كفرهم بلقائه: كفرهم بالبعث وما بعده من أمور الآخرة، ثم رتب على ذلك قوله: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } أي: التي عملوها مما يظنونه حسناً، وهو خسران وضلال، ثم حكم عليهم بقوله: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً} أي: لا يكون لهم عندنا قدر ولا نعبأ بهم، وقيل: لا يقام لهم ميزان توزن به أعمالهم، لأن ذلك إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين، وهؤلاء لا حسنات لهم. قال ابن الأعرابي: العرب تقول: ما لفلان عندنا وزن، أي: قدر لخسته، ويوصف الرجل بأنه لا وزن له لخفته، وسرعة طيشه، وقلة تثبته. والمعنى على هذا: أنهم لا يعتدّ بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزلة، وقرأ مجاهد (يقيم) بالياء التحتية، أي: فلا يقيم الله، وقرأ الباقون بالنون. ثم بيّن سبحانه عاقبة هؤلاء وما يئول إليه أمرهم فقال: {ذٰلِكَ } أي: الذي ذكرناه من أنواع الوعيد جزاؤهم، ويكون قوله: {جهنم} عطف بيان للجزاء، أو جملة {جزاؤهم جهنم} مبتدأ وخبر، والجملة خبر {ذلك}، والسبب في ذلك أنهم ضموا إلى الكفر اتخاذ آيات الله واتخاذ رسله هزوا، فالباء في {بِمَا كَفَرُواْ } للسببية، ومعنى كونهم هزوا: أنهم مهزوء بهم. وقد اختلف السلف في تعيين هؤلاء الأخسرين أعمالاً، فقيل: اليهود والنصارى، وقيل: كفار مكة، وقيل: الخوارج، وقيل: الرهبان أصحاب الصوامع، والأولى حمل الآية على العموم لكل من اتصف بتلك الصفات المذكورة. ثم ذكر سبحانه بعد هذا الوعيد لهؤلاء الكفار الوعد للمؤمنين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي: جمعوا بينهما حتى كانوا على ضد صفة من قبلهم {كَانَتْ لَهُمْ } قال ابن الأنباري: كانت فيما سبق من علم الله كانت لأهل طاعته {جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب: الشجر الملتف والأغلب عليه العنب. واختار الزجاج ما قاله مجاهد: إن الفردوس: البستان باللغة الرومية، وقد تقدّم بيان النزل، وانتصابه على أنه خبر كان. والمعنى: كانت لهم ثمار جنة الفردوس: نزلاً معداً لهم مبالغة في إكرامهم، وانتصاب {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } على الحال، وكذلك جملة {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } في محل نصب على الحال، والحول: مصدر، أي: لا يطلبون تحوّلاً عنها إذ هي أعزّ من أن يطلبوا غيرها، أو تشتاق أنفسهم إلى سواها. قال ابن الأعرابي وابن قتيبة والأزهري: الحول: اسم بمعنى التحوّل يقوم مقام المصدر، وقال أبو عبيدة والفراء: إن الحول التحويل. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ } الآية قال: الجنّ والإنس {يَمُوجُ } بعضهم {فِى بَعْضِ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } قال: لا يعقلون سمعاً. وأخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر عن عليّ: أنه قرأ "أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ" قال أبو عبيد: بجزم السين وضم الباء. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة: أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد الرزاق، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه من طريق مصعب بن سعد قال: سألت أبي {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ}، وكان سعد يسميهم: الفاسقين. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن مصعب قال: قلت لأبي {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً} الحرورية هم؟ قال: لا ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم: زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي حميصة عبد الله بن قيس قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: في هذه الآية {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } إنهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال: سمعت عليّ بن أبي طالب وسأله ابن الكوّا فقال: {هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } قال: فجرة قريش. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريقين عن عليّ: أنه سئل عن هذه الآية {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } قال: لا أظنّ إلا أن الخوارج منهم، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً }»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا الله الفردوس، فإنها سرّة الجنة، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش»تفسير : . وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمٰن، ومنه تفجر أنهار الجنة»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي، وابن جرير، والحاكم، والبيهقي، وابن مردويه عن عبادة بن الصامت، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن في الجنة مائة درجة، كل درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس»تفسير : . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الفردوس: بستان بالرومية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال: هو الكرم بالنبطية. وأخرج ابن أبي شيبة، وهناد، وابن المنذر، عن عبد الله بن الحارث: أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس قال: هي جنات الأعناب بالسريانية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } قال: متحوّلاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَعْضَهُمْ} القوم الذين ذكرهم ذو القرنين يوم فتح السد، أو الكفار يوم القيامة، أو الجن والإنس عند فتح السد {يَمُوجُ} يختلط، أو يدفع بعضهم بعضاً من موج البحر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج في بعض} قيل هذا عند فتح السد، يقول تركنا يأجوج ومأجوج يموج أي يدخل بعضهم في بعض كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعض لكثرتهم، وقيل هذا عند قيام الساعة يدخل الخلق بعضهم في بعض لكثرتهم ويختلط إنسهم بجنهم حيارى {ونفخ في الصور} فيه دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة {فجمعناهم جمعاً} أي في صعيد واحد {وعرضنا} أي أبرزنا {جهنم يومئذ للكافرين عرضاً} ليشاهدوها عياناً {الذين كانت أعينهم في غطاء} أي غشاء وستر {عن ذكري} أي عن الإيمان والقرآن والهدى والبيان وقيل عن رؤية الدلائل وتبصرها {وكانوا لا يستطيعون سمعاً} أي سمع قبول الإيمان والقرآن لغلبة الشقاء عليهم، وقيل معناه لا يستطيعون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة عداوتهم له. قوله تعالى {أفحسب} أي أفظن {الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} يعني أرباباً يريد عيسى والملائكة، بل هم لهم أعداء يتبرؤون منهم. وقال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله، والمعنى أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي فلا أعاقبهم وقيل معناه أفظنوا أنه ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء {إنا أعتدنا} أي هيأنا {جهنم للكافرين نزلاً} أي منزلاً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي مثواهم وقيل معدة لهم عندنا كالنزل للضيف. قوله تعالى {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً} يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلاً ونوالاً فنالوا هلاكاً وبواراً، قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى، وقيل هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع, وقال علي بن أبي طالب: هم أهل حوراء يعني الخوارج {الذين ضل سعيهم} أي بطل عملهم واجتهادهم {في الحياة الدنيا وهم يحسبون} أي يظنون {أنهم يحسنون صنعاً} أي عملاً ثم وصفهم فقال تعالى {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} يعني أنهم جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك لأنهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فصاروا كافرين بهذه الأشياء {فحبطت أعمالهم} أي بطلت {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً}. قيل لا تقيم لهم ميزاناً، لأن الميزان إنما توضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميزوا مقدار الطاعات ومقدار السيئات. قال أبو سعيد الخدري "يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم من العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئاً فذلك قوله تعالى {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا شيئاً ذلك قوله تعالى {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا حظ ولا قدر ولا وزن (ق) عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ".
ابو السعود
تفسير : قوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ} كلامٌ مَسوقٌ من جنابه تعالى معطوفٌ على قوله تعالى: {جَعَلَهُ دَكَّاء} ومحقِّقٌ لمضمونه أي جعلنا بعضَ الخلائق {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ جاء الوعدُ بمجيء بعضِ مباديه {يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} آخرَ منهم يضطربون اضطرابَ أمواجِ البحر ويختلط إنسُهم وجنُّهم حَيارى من شدة الهول، ولعل ذلك قبل النفخةِ الأولى، أو تركنا بعضَ يأجوجَ ومأجوجَ يموج في بعض آخرَ منهم حين يخرُجون من السد مزدحمين في البلاد. روي أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابَّه ثم يأكلون الشجرَ ومن ظفِروا به ممن لم يتحصّن منهم من الناس، ولا يقدِرون أن يأتوا مكةَ والمدينة وبـيتَ المقدسِ ثم يبعث الله عز وجل نَغَفاً في أقفائهم فيدخُل آذانَهم فيموتون موتَ نفس واحدة، فيرسل الله تعالى عليهم طيراً فتلقيهم في البحر ثم يرسل مطراً يغسل الأرض ويطهرها من نَتْنهم حتى يترُكها كالزَّلَفة ثم يوضع فيها البركة وذلك بعد نزولِ عيسى عليه الصلاة والسلام وقتْل الدجال. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} هي النفخةُ الثانية بقضية الفاء قوله تعالى {فَجَمَعْنَـٰهُمْ} ولعل عدمَ التعرضِ لذكر النفخةِ الأولى لأنها داهيةٌ عامةٌ ليس فيها حالةٌ مختصة بالكفار، ولئلا يقعَ الفصلُ بـين ما يقع منها في النشأة الأولى من الأحوال والأهوالِ، وبـين ما يقع منها في النشأة الآخرة، أي جمعنا الخلائقَ بعدما تفرقت أوصالُهم وتمزقت أجسادُهم في صعيد واحدٍ للحساب والجزاء {جَمْعاً} أي جمعاً عجيباً لا يُكتَنُه كُنهُه. {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ} أي أظهرناها وأبرزناها {يَوْمَئِذٍ} أي يومَ إذْ جمعنا الخلائقَ كافة {لِلْكَـٰفِرِينَ} منهم حيث جعلناها بحيث يرَوْنها ويسمعون لها تغيظاً وزفيراً {عَرْضاً} أي عرضاً فظيعاً هائلاً لا يُقادَر قدرُه، وتخصيصُ العَرض بهم مع أنها بمرأى من أهل الجمعِ قاطبةً لأن ذلك لأجلهم خاصة. {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} وهم في الدنيا {فِى غِطَاء} كثيف وغشاوةٍ غليظة مُحاطةٍ من جميع الجوانب {عَن ذِكْرِى} عن الآيات المؤديةِ لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيدِ، أو كانت أعينُ بصائِرهم في غطاء عن ذكري على وجه يليق بشأني أو عن القرآن الكريم {وَكَانُواْ} مع ذلك {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لفَرْط تصامِّهم عن الحق وكمالِ عداوتهم للرسول عليه الصلاة والسلام {سَمْعاً} استماعاً لذكري وكلامي الحقِّ الذي لا يأتيه الباطلُ من بـين يديه ولا من خلفه، وهذا تمثيلٌ لإعراضهم عن الأدلة السمعيةِ كما أن الأولَ تصويرٌ لتعاميهم عن الآيات المشاهَدةِ بالأبصار، والموصولُ نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أو بـيانٌ جيء به لذمهم بما في حيز الصلةِ وللإشعار بعلّيته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنمَ لهم، فإن ذلك إنما هو لعدم استعمالِ مشاعرِهم فيما عَرَض لهم في الدنيا من الآيات وإعراضِهم عنها مع كونها أسباباً منجِّيةً عما ابتُلوا به في الآخرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتركنا} فى القاموس الترك الجعل كأنه ضد اى وجعلنا {بعضهم} بعض الخلائق {يومئذ} يوم اذ جاء الوعد بمجيئ بعض مباديه {يموج فى بعض} آخر والموج الاضطراب اى يضطربون اضطراب امواج البحر ويختلط انسهم وجنهم حيارى من شدة الهول. وبالفارسية [روز قيامت انس وجن ازروى تحير واضطراب درهم آميزند]. قال فى الارشاد لعل ذلك قبل النفخة الاولى {ونفخ فى الصور} هى النفخة الثانية التى عندها يكون الحشر بمقتضى الفاء التى بعدها ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الاولى لئلا يقع الفصل بين ما يقع فى النشأة الاولى من الاحوال والاهوال وبين ما يقع منها فى النشأة الآخرة. والمعنى نفخ اسرافيل فى الصور ارواح الخلائق عند استعداد صور الاجساد لقبول الارواح كاستعداد الحشيش لقبول الاشتعال بارواحها فاذا هم قيام ينظرون وكل يتخيل ان ذلك الذى كان فيه منام كما يتخيله المستيقظ وقد كان حين مات وانتقل الى البرزخ كالمستيقظ هناك وان الحياة الدنيا كانت له كالمنام وفى الآخر يعتقد فى امر الدنيا والبرزخ انه منام فى منام وان اليقظة الصحيحة هى التى هو عليها فى الدار الآخرة حيث لا نوم فيها. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال "حديث : هو قرن من نور القمه اسرافيل " تفسير : واعلم ان لا شئ من الاكوان اوسع منه واذا قبض الله الارواح من هذه الاجساد الطبيعية حيث كانت اودعها صورا جسدية فى مجموع هذا القرن النور فجمع ما يدركه الانسان بعد الموت فى البرزخ من الامور انما يدركه بعين الصورة التى هو فيها فى القرن وبنورها وهو ادراك حقيقى فمن الصور ما هى مقيدة عن التصرف. ومنها مطلقة كارواح الانبياء كلهم وارواح الشهداء. ومنها ما يكون لها مقيدة عن التصرف. ومنها مطلقة كارواح الانبياء كلهم وارواح الشهداء. ومنها ما يكون لها نظر الى عالم الدنيا فى هذه الدار. ومنها ما يتجلى للنائم فى حضرة الخيال التى هى فيه وهو الذى يصدق رؤياه ابدا وكل رؤيا صادقة ولا تخطى ولكن العابر الذى يعبرها هو المخطى حيث لم يعرف ما المراد بها وكذلك قوم فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا فى تلك الصور ولا يدخلونها فانهم محبوسون فى ذلك القرن ويوم القيامة يدخلون اشد العذاب وهو العذاب المحسوس لا المنخيل كما فى تفسير الفاتحة للفنارى {فجمعناهم} اى جمعنا الخلائق بعدما تمزقت اجسادهم فى صعيد واحد للحساب والجزاء {جمعا} عجيبا لم نترك من الملك والانس والجن والحيوانات احدا وفى الحديث "حديث : السعيد فى ذلك اليوم فى ذلك الجمع من يجد مكانا يضع عليه اصابع رجليه"تفسير : كما فى ربيع الابرار. وقال فى التأويلات النجمية يشير الى ان الله تعالى من كمال قدرته يحيى الخلق بسبب يميتيهم به وهو النفخة وبالنفخة الاولى كما اماتهم كقوله تعالى {أية : ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الارض}تفسير : كذلك بالنفخة الاخيرة احياهم كقوله {نفخ فى الصور فجمعناهم جمعا} وفيه اشارة الى ان الخلق محتاجون الى اتباع سبب كل شئ ليبلغوا اليه وهم لا يقدرون على ان يجعلوا سببا لشئ آخر على ضده والخالق سبحانه هو المسبب فهو قادر على ان يجعل الشئ الواحد سببا لوجود الشيئين المتضادين كما جعل النفخة فى الصور سببا للممات والحياة: وفى المثنوى شعر : سازد اسرافيل روزى ناله را جان دهد بوسيده صد ساله را انبيارا در درون هم نغمهاست طابلبانرا زان حيات بى بهاست نشنود آن نغمهارا كوش حس كز ستمها كوش حس باشد نجس نشنود نغمه برى را آدمى كوبرود زاسرار بريان اعجمى كرجه هم نغمه برى زين عالمست نغمه دل بر تر از هر دودمست كر برى وآدمى زندانيند هر دو در زندان اين نادانيند نغمهاى اندرون او ليا اولا كويدكه اى اجزاى لا هين زلاى نفى سرها بر زنميد اين خيال و وهم يكسو افكنيد اى همه بوشيده دركون وفساد جان باقيتان نروييد ونزاد هين كه اسرافيل وقتند اولياء مرده را زيشان حياتست ونما جان هريك مرده ازكورتن بر جهد ز آواز شان اندر كفن كويد اين آوازها جداست زنده كردن كار آواز خداست ما بمرديم وبكلى كاستيم بانك حق آمد همه بر خاستيم مطلق آن آواز خود ازشه بود كرجه از حلقوم عبدالله بود
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخبراً عن حال تلك الامم انهم تركوا أي بقوا ولم يخترموا، بل اديموا على الصفات التي يبقون بها {يومئذ يموج} بضعهم {في بعض} فلو اقتطعوا عنها لكان قد أخذوا عن تلك الاحوال، وبعض الشيء ما قطع منه، يقال: بعضته أي فرقته بأن قطعته ابعاضاً، والبعض جزء من كل، فان شئت قلت البعض مقدار من الكل وإن شئت قلت: هو مقدار ينقص بأخذه من الجميع، و (الموج) اضطراب الماء بتراكب بعضه على بعض، والمعنى انهم يموجون في بناء السد، ويخوضون فيه متعجبين من السد. ومعنى "يومئذ" يوم انقضاء السد، فكانت حال هؤلاء كحال الماء الذي يتموج باضطراب أمواجه. والترك فى الحقيقة لا يجوز على الله إلا أنه يتوسع فيه فيعبر به عن الاخلال بالشيء بالترك. وقوله {ونفخ في الصور} فالنفخ اخراج الريح من الجوف باعتماد، يقال نفخ ينفخ نفخا ومنه انتفخ إذا امتلأ ريحاً ومنه النفاخة التي ترتفع فوق الماء بالريح. والصور قال عبد الله بن عمر فى حديث يرفعه: انه قرن ينفخ فيه، ومثله روي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري. وقيل انه ينفخ فيه ثلاث نفخات: الاولى - نفخة الفزع التي يفزع من في السماوات والارض. والثانية - نفخة الصعق. والثالثة - نفخة القيام لرب العالمين، وقال الحسن: الصور جمع صورة فيحيون بأن ينفخ في الصور الأرواح، وهو قول أبي عبيدة. وقوله {فجمعناهم جمعاً} يعني يوم القيامة يحشرهم الله أجمع {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً} أي ابرزناها واظهرناها حتى يروها فاذا استبانت وظهرت قيل اعرضت، ومنه قول عمرو: شعر : واعرضت اليمامة واشمخرت كأسياف بايدي مصلتينا تفسير : وقوله {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} شبه الله أعين الكفار الذين لم ينظروا فى أدلة الله وتوحيده ولم يعرفوا الله، بأنها كانت فى غطاء. ومعناه كأنها فى غطاء، {وكانوا لا يستطيعون سمعاً} معناه إنه كان يثقل عليهم الاستماع. وقال البلخي: يجوز أن يكون المراد إنهم لا يسمعون، كما قال تعالى {أية : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة} تفسير : وانما أراد بذلك هل يفعل أم لا؟ لانهم كانوا مقرين بأن الله قادر، لانهم كانوا مقرين بعيسى (ع).
الجنابذي
تفسير : {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} يعنى يوم اتمام السّدّ خلف السّد يموجون يختلطون لا يقدرون على الخروج او يوم دكّ السّدّ والخروج يموجون على وجه الارض لاسراعهم الى القتل والنّهب او يوم القيامة كما نسب الى مولانا امير المؤمنين (ع)، والتّأدية بالماضى على الاوّل ظاهر وعلى الثّانيين لتحقّق وقوعه او لوقوعه بالنّسبة الى محمّد (ص) {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} اى يأجوج ومأجوج ومن دون السّدّ او يأجوج ومأجوج فقط.
الهواري
تفسير : قوله: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} يعني يوم يخرجون من السد. قال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} وقد فسّرنا الصور في غير هذا الموضع. قوله: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} أي: عرضها عليهم فأدخلوها خالدين. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ليس أحد من الخلق كان يعبد من دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له بنعته فيقال لليهود: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد عزيراً. فيقال لهم: هل يسرّكم الماء؟ فيقولون: نعم. فيرون جهنم وهي كهيئة السراب. ثم قرأ: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} ثم يلقى النصارى، فيقال لهم: من تعبدون؟ فيقولون: المسيح. فيقال لهم: هل يسرّكم الماء؟ فيقولون: نعم، فيرون جهنم وهي كهيئة السراب، ثم كذلك بمن كان يعبد من دون الله شيئاً. ثم قرأ (أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) تفسير : [الصافّات:24].
اطفيش
تفسير : {وَتَرَكْنَا} هذا إلى آخر السورة من كلام الله سبحانه وتعالى: {بَعْضَهُمْ} أى بعض يأجوج ومأجوج أو بعض الخلق وهذا الخلق الإنس الجن وهؤلاء من جملة الإنس. واختار بعضهم الوجه الثانى والأول أولى عندى لأن الكلام على يأجوج ومأجود وقد يقوى الثانى بقوله: {ونفخ فى الصور}. {يَوْمَئِذٍ} أى يوم إذ جعلناه دكا أو يوم إذ جاء وعدنا أو يوم إذ خرجوا من السد فإن خروجهم منه مذكور ضمنا فى قوله: فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء. {يَمُوجُ} يختلط ويضطرب كموج الماء فى بعض يختلط الإنس والجن بعضهم ببعض حيارى ويأجوج ومأجوج مزدحمين فى البلاد أو يموجون لكثرتهم. {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ} أى القرن أى ينفخ إسرافيل فيه للبعث فحذف الفاعل وناب المجرور عنه. {فَجَمَعْنَاهُمْ} للحساب {جَمْعاً} لا يغادر أحدا.
اطفيش
تفسير : {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} إلخ من كلام الله صدق به كلام ذى القرنين كما إذا أمر سلطان رجلا بذكر شئ للناس، فذكره وصدقه السلطان بكلام يعقبه ويؤكده، والترك بمعنى الجعل، والهاء للخلق والعطف على جعله دكا، ويومئذ يوم إِذ جاء الوعد بمجئ بعض مبادئه، الموج الاضطراب، شبه بموج البحر حتى إنه يختلط الجن والإنس والوحش من شدة الهول، ولأن الجن تعرف أن الإنس أعرف منهم، فيطلبون منهم معرفة ما شأن هذا الهول، والوحش مع نفرتها ترى الإنسان أولى بأن تلتجئ إِليهم من ذلك الهول، أو الهاء للناس خاصة يموج بعضهم فى بعض بخروج يأجوج ومأجوج، فزعا ويجوز أن يكون هذا أيضًا من كلام ذى القرنين، أى صيَّرنا الناس يموج بعض فى بعض حين تم السد تعجبًا منه، أو صيَّرنا يأجوج ومأجوج يموج بعض فى بعض داخل السد، لا مخرج لهم منه، ويجوز على أنه من كلام الله عز وجل أن تكون الهاء ليأجوج ومأجوج، يموج بعض فى بعض عند خروجهم من دحمين فى البلاد، واختاره أبو حيان، ومن حديث النواس بن سمعان: "ثم يأتى عيسى عليه السلام قوما قد عصمهم الله من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجتهم فى الجنة". فبينما هم كذلك أوحى الله عز وجل إليه أنى قد أخرجت عباداً لى لا يأْذن لأحد بقاتلهم، فأخرج بعبادى إلى الطور فيخرج يأجوج ومأجوج، فينشفون الماء، ويتحصن الناس عنهم فى بيوتهم، ويضمون إليهم مواشيهم، فيشربون ماء العيون كلها، فيمر آخرهم فيقول كان هنا ماء، ورأس الثور أو الحمار يومئذ خير من مائة دينار، ويقولون فرغنا من أهل الأرض، فلنقاتل أهل السماء، فترجع نشابهم بالدم، فيرغب عيسى والمؤمنون فى إهلاكهم، فيصبحون موتى بدودة فى أعناقهم موت نفس واحدة بلا حس يسمع. ويطلب المسلمون رجلا يخرج ليخبرهم، فيخرج مسلم وطَّن نفسه على الموت فيبشرهم أن الله أهلك عدوهم، فيخرجون بدوابهم، وتسمن من لحمهم، ويعم الأرض نتنهم ورهمهم، ويعم أهل الأرض دخان من السماء، أو ريح من اليمن تشبهه ثلاثة أيام، ويرسل الله طيراً كالبُخت تلقيهم فى البحر، ويغسل الله الأرض بمطر كالزلفة، وتنبت الأرض ما لم تنبت حتى تشبع العصابة رمانة، ويستظلون بقشرها، وترويهم اللقحة ويوقدون من سلاحهم سبع سنين. {وَنُفِخَ فِى الصُّورِ} نفخة البعث، لأنها وعيد الكفار، ولقوله: {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} والصور: قرن دارته السماوات والأرض كل روح فى ثقبه. قال أبو سعيد الخدرى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنَى جبينه، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ"تفسير : . وقيل: الصور جمع صورة أو اسم جمعها. قال القرطبى: من أنكر الصور كمن أنكر العرش، وأجمعوا أن النافخ إسرافيل، وذكر القرطبى أن معه ملكاً آخر نافخًا والهاء للخلق يجمعهم بعد فنائهم وتفتتهم فى أرض واحدة للحساب، وتنكير جمعًا وعرضًا للتنظيم، وعرض جهنم إظهارها بحيث يراها الكافر، وبسمع حسها، زفيرها، وخصهم بالذكر لأنهم المعاقبون بها، ويومئذ يوم إذ جمعنا الخلائق.
الالوسي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ} كلام مسوق من جنابه سبحانه وتعالى وضمير الجمع المجرور عند بعض المحققين للخلائق، والترك بمعنى الجعل وهو من الأضداد، والعطف على قوله تعالى: {أية : جَعَلَهُ دَكّاءَ} تفسير : [الكهف: 98] وفيه تحقيق لمضمونه، ولا يضر في ذلك كونه محكياً عن ذي القرنين أي جعلنا بعض الخلائق {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ جاء الوعد بمجىء بعض مباديه {يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} آخر منهم، والموج مجاز عن الاضطراب أي يضطربون اضطراب البحر يختلط إنسهم وجنهم من شدة الهول وروي هذا عن ابن عباس، ولعل ذلك لعظائم تقع قبل النفخة الأولى، وقيل: الضمير للناس والمراد وجعلنا بعض الناس يوم إذ جاء الوعد بخروج يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر لفزعهم منهم وفرارهم وفيه بعد؛ وقيل: الضمير للناس أيضاً، والمراد وجعلنا بعض الناس يوم إذ تم السد يموج في بعضهم للنظر إليه والتعجيب منه ولا يخفى أن هذا يتعجب منه. وقال أبو حيان: الأظهر كون الضمير ليأجوج ومأجوج أي وتركنا بعض يأجوج ومأجوج يموج في بعض آخر منهم حين يخرجون من السد مزدحمين في البلاد وذلك بعد نزول عيسى عليه السلام، ففي «صحيح مسلم» من حديث النواس بن سمعان بعد ذكر الدجال وهلاكه بباب لد على يده عليه السلام حديث : ثم يأتي عيسى عليه السلام قوماً قد عصمهم الله تعالى من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هم كذلك إذ أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فَحَرِّزْ عبادي إلى الطور ويبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس فينشفون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم ويضمون إليهم مواشيهم فيشربون مياه الأرض حتى أن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبساً حتى أن من يمر من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول قد كان هٰهنا ماء مرة ويحصر عيسى نبـي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور ورأس الحمار لأحدهم خيراً من مائة دينارتفسير : ؛ وفي رواية مسلم وغيره حديث : فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم نقتل من في السماء فيرمون نشابهم إلى السماء فيردها الله تعالى عليهم مخضوبة دماً للبلاء والفتنة فيرغب نبـي الله وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسىتفسير : ، وفي رواية داود حديث : كالنغف في أعناقهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة لا يسمع لهم حس فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو فيتجرد رجل منهم محتسباً نفسه قد وطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى / بعضهم على بعض فينادي يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم فيخرجون من مداينهم وحصونهم فيسرحون مواشيهم فما يكون لها مرعى إلا لحومهم فتشكر أحسن ما شكرت عن شيء ويهبط نبـي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون فيها موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيستغيثون بالله تعالى فيبعث الله سبحانه ريحاً يمانية غبراء فتصير على الناس غماً ودخاناً ويقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاثة أيام وقد قذفت الأرض جيفهم في البحرتفسير : ، وفي رواية فيرغب نبـي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، وفي رواية فترميهم في البحر ـ وفي أخرى في النار ولا منافاة كما يظهر بأدنى تأمل ـ حديث : ثم يرسل الله عز وجل مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرِّسْل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنينتفسير : ، ولعل الله تعالى يحفظ ذلك في الأودية ومواضع السيول زيادة في سرور المسلمين أو يحفظها حيث هلكوا ولا يلقيها معهم حيث شاء ولا يعجز الله تعالى شيء، والحديث يدل على كثرتهم جداً، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن ابن مسعود مرفوعاً حديث : أن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم من صلبه ألفاً من الذريةتفسير : . وحمله بعضهم على طول العمر. وفي «البحر» أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم ولم يصح في ذلك شيء. وأعجب ما روي في ذلك قول مكحول الأرض مسيرة مائة عام ثمانون منها يأجوج ومأجوج وهي أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة لا تشبه أمة الأخرى وهو قول باطل، ومثله ما روي عن أبـي الشيخ عن أبـي أمامة الدنيا سبعة أقاليم فليأجوج ومأجوح ستة وللباقي إقليم واحد وهو كلام من لا يعرف الأرض ولا الأقاليم. نعم أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه من طريق البكالي عن ابن عمر أن الله تعالى جزأ الإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم يأجوج ومأجوج وجزء سائر الناس إلا أني لم أقف على تصحيحه لغير الحاكم وحكم تصحيحه مشهور ويعلم مما تقدم ومما سيأتي إن شاء الله تعالى بطلان ما يزعمه بعض الناس من أنهم التاتار الذين أكثروا الفساد في البلاد وقتلوا الأخيار والأشرار. ولعمري أن ذلك الزعم من الضلالة بمكان وإن كان بين يأجوج ومأجوج وأولئك الكفرة مشابهة تامة لا تخفى على الواقفين على أخبار ما يكون وما كان إبطال ما يزعمه بعض الناس من أنهم التاتار. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } الظاهر أن المراد النفخة الثانية لأنه المناسب لما بعد. ولعل عدم التعرض لذكر النفخة الأولى لأنها داهية عامة ليس فيها حالة مختصة بالكفار، وقيل: لئلا يقع الفصل بين ما يقع في النشأة الأولى من الأحوال والأهوال وبين ما يقع منها في النشأة الآخرة. والصور قرن جاء في الآثار من وصفه ما يدهش العقول. وقد صح عن أبـي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنا جبينه وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ»تفسير : . وزعم أبو عبيدة أنه جمع صورة وأيد بقراءة الحسن {ٱلصور} بفتح الواو فيكون لسورة وسور ورد ذلك أظهر من أن يخفى، ولذلك قال أبو الهيثم على ما نقل عنه الإمام القرطبـي: من أنكر أن يكون الصور قرناً / فهو كمن أنكر العرش والصراط والميزان وطلب لها تأويلات. وذكر أن الأمم مجمعة على أن النافخ فيه إسرافيل عليه السلام {فَجَمَعْنَـٰهُمْ} أي الخلائق بعد ما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء {جَمْعاً} أي جمعاً عجيباً لا يكتنه كنهه.
ابن عاشور
تفسير : {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ} الترك: حقيقته مفارقة شيء شيئاً كان بقربه، ويطلق مجازاً على جعل الشيء بحالة مخالفة لحالة سابقة تمثيلاً لحال إلفائه على حالة، ثم تغييرها بحال من كان قرب شيء ثم ذهب عنه، وإنما يكون هذا المجاز مقيداً بحالة كان عليها مفعول تَرك، فيفيد أن ذلك آخر العهد، وذلك يستتبع أنه يدوم على ذلك الحال الذي تركه عليها بالقرينة. والجملة عطف على الجملة التي قبلها ابتداء من قوله {حتى إذا بلغ بين السدين} فهذه الجملة لذكر صنع الله تعالى في هذه القصة الثالثة من قصص ذي القرنين إذ ألهمه دفع فساد ياجوج وماجوج، بمنزلة جملة {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب} في القصة الأولى، وجملة {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً} فجاء أسلوب حكاية هذه القصص الثلاث على نسق واحد. و {يومئذ} هو يوم إتمام بناء السد المستفاد من قوله {فما اسطاعوا أن يظهروه} الآية. و {يَمُوج} يضطرب تشبيهاً بموج البحر. وجملة {يَمُوج} حال من {بعضهم} أو مفعول ثان لــــ {تَرَكنا} على تأويله بــــ(جعلنا)، أي جعلنا ياجوج وماجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصراً عليهم ودفع عن غيرهم: شعر : والنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله تفسير : لأنهم إذا لم يجدوا ما اعتادوه من غزو الأمم المجاورة لهم رجع قويهم على ضعيفهم بالاعتداء. {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَـٰهُمْ جَمْعاً} {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَـٰفِرِينَ عَرْضاً * ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}. تخلصٌ من أغراض الاعتبار بما في القصة من إقامة المصالح في الدنيا على أيدي من اختاره الله لإقامتها من خاصة أوليائه، إلى غرض التذكير بالموعظة بأحوال الآخرة، وهو تخلص يؤذن بتشبيه حال تموجهم بحال تموج الناس في المحشر، تذكيراً للسامعين بأمر الحشر وتقريباً بحصوله في خيال المشركين. فإن القادر على جمع أمة كاملة وراء هذا السد، بفعل من يسره لذلك من خلقه، هو الأقدر على جمع الأمم في الحشر بقدرته، لأنّ متعلقات القدرة في عالم الآخرة أعجب. وقد تقدّم أن من أهم أغراض هذه السورة إثبات البعث. واستعمل الماضي موضع المضارع تنبيهاً على تحقيق وقوعه. والنفخ في الصور تمثيلية مكنية تشبيهاً لحال الدّاعي المطاع وحال المدعو الكثير العدد السريع الإجابة، بحال الجند الذين ينفذون أمر القائد بالنفير فينفخون في بوق النفير، وبحال بقية الجند حين يسمعون بوق النفير فيسرعون إلى الخروج. على أنه يجوز أن يكون الصور من مخلوقات الآخرة. والحالة الممثلة حالة غريبة لا يعلم تفصيلها إلا الله تعالى. وتأكيد فعلي {جمعناهم} و {عرضنا} بمصدريهما لتحقق أنه جمع حقيقي وعرض حقيقي ليسا من المجاز، وفي تنكير الجمع والعرض تهويل. ونعت الكافرين بــــ {الذين كانت أعينهم في غطاء} للتنبيه على أن مضمون الصلة هو سبب عرض جهنم لهم، أي الذين عرفوا بذلك في الدنيا. والغطاء: مستعار لِعدم الانتفاع بدلالة البصر على تفرد الله بالإلهية. وحرف (من) للظرفية المجازية، وهي تَمكُّن الغطاء من أعينهم بحيث كأنها محوية للغطاء. و (عن) للمجاوزة، أي عن النظر فيما يحصل به ذكري. ونفي استطاعتهم السمع أنهم لشدة كفرهم لا تطاوعهم نفوسهم للاستماع. وحذف مفعول {سمعا} لدلالة قوله {عن ذكري} عليه. والتقدير: سمعاً لآياتي، فنفي الاستطاعة مستعمل في نفي الرغبة وفي الإعراض كقوله { أية : وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } تفسير : [فصلت:5]. وعرَض جهنم مستعمل في إبرازها حين يشرفون عليها وقد سيقوا إليها فيعلمون أنها المهيئة لهم، فشبه ذلك بالعرض تهكماً بهم، لأنّ العرض هو إظهار ما فيه رغبة وشهوة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} {فَجَمَعْنَاهُمْ} (99) - وَيَوْمَ يَدُكُّ اللهُ هذَا السَّدَّ يَخْرُجُ هؤُلاَءِ فَيَمُوجُونَ فِي النَّاسِ، وَيُفْسِدُونَ عَلَى النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ، وَيُتْلِفُونَ أَشْيَاءَهُمْ. وَحِينَ يَحِينُ مَوْعِدُ قِيَامِ السَّاعَةِ يَنْفُخُ الْمَلَكُ فِي الصُّورِ، وَيَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ جَمِيعاً إِلَيْهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ. يَمُوجُ - يَخْتَلِطُ وَيَضْطَرِبُ. نُفِخَ فِي الصُّورِ - نُفِخَ فِي القَرْنِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ؛ وَالْصُّورُ قَرْنٌ إِذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً.
الثعلبي
تفسير : {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ}، يعني الخلق {يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ}: يدخل {فِي بَعْضٍ} ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} في صعيد واحد، {وَعَرَضْنَا}: وأبرزنا {جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ}، يعني يوم القيامة {لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً}. ثمّ وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ}: غشاوة وغفلة {عَن ذِكْرِي}، يعني: الإيمان والقرآن {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي صلى الله عليه وسلم {أَفَحَسِبَ}: أفظنّ. وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أفحسْبُ)، أي كفاهم ذلك {ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي}، يعني عيسى والملائكة {مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ}؟ كلاّ بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عباداً كما قال في موضع آخر: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} تفسير : [الأعراف: 194]. {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً * قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحاً، فنالوا به هلاكاً وعطباً، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلاً وربحاً، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عُنوا بذلك فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع». وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: {أية : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَاراً حَامِيَةً} تفسير : [الغاشية: 3-4]. وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا علياً عن قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً}، قال: «أنتم يا أهل حروراء». {ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ}: بطلت وذهبت {أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أُناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً، فذلك قوله: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}. [حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاءً: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزيّاد عن] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرؤوا: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} ". تفسير : [أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون باباً أهونهن مثل نكاح الرجل أُمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً}. {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً}، يعني سخرية. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} اختلفوا في الفردوس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الجنّة مئة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس ". تفسير : [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان واللفظ له قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جنّات الفردوس أربع: جنتان من ذهب أبنيتهما ومافيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاّ رداء الكبرياء على وجهه ". تفسير : وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسناً وطيباً لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أُمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروباً من النبات، وجمعها فراديس: وقال أُمية: شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل تفسير : {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي يطلبون عنها تحولاً إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعَر والعِوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولاً: إنما أدخلني الله أولهم؛ لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولاً: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني. {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} الآية، قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: {أية : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [البقرة: 269] ثمّ يقول: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} أي ماؤه {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} حكمه وعجائبه. وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء؛ لتقدم الفعل، {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}: عوناً وزيادة. وفي مصحف أُبي: (ولو جئنا بمثله مداداً) ونظيرها قوله عزّ وجلّ {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ} تفسير : [لقمان: 27] الآية. {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنبّي صلى الله عليه وسلم إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرنّي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلاّ الطيب ولا يقبل ما شورك فيه"تفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال أنس: قال رجل: يانبي الله، إنّي أُحب الجهاد في سبيل الله، وأُحب أن يُرى مكاني، فأنزل الله: {قُلْ} يا محمد: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}: خلق آدمي مثلكم. قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، {يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} لا شريك له {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ}: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر: شعر : فلا كل ما ترجو من الخير كائن ولا كل ما ترجو من الشر واقع تفسير : فجمع المعنيين في بيت واحد. {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}: خالصاً {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}، أي ولا يراءِ. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: "حديث : أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه". تفسير : [أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا الشرك الأصغر». قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم "تفسير : . أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندباً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سمّع سمّع الله به، ومن يراءِ يراءِ الله به ". تفسير : وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبّي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم ". تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت هذه الآية: "حديث : إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أُمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء. ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك ". تفسير : قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: "حديث : أولا أدلّكم على ما يُذهب عنكم صغير الشرك وكبيره؟». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ". تفسير : وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أوحي إلّي أن من قرأ: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} الآية رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة ". تفسير : [وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد عن] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإذا كانت القيامة تركناهم يموج بعضهم في بعض، كموج الماء لا تستطيع أن تفرق بعضهم من بعض، كما أنك لا تستطيع فصل ذرات الماء في الأمواج، يختلط فيهم الحابل بالنابل، والقويّ بالضعيف، والخائف بالمخيف، فهم الآن في موقف القيامة، وقد انتهت العداوات الدنيوية، وشُغِل كل إنسان بنفسه. وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} [الكهف: 99]. وهذه هي النفخة الثانية؛ لأن الأولى نفخة الصَّعْق، كما قال تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ}تفسير : [الزمر: 68]. فالنفخة الأولى نفخة الصَّعْق، والثانية نفخة البَعْث والقيامة، والصَّعْق قد يكون مميتاً، وقد يكون مُغْمِياً لفترة ثم يفيق صاحبه، فالصَّعْق المميت كما في قوله تعالى: {أية : وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ * فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ}تفسير : [الذاريات: 43-44]. أما الصَّعْقة التي تُسبِّب الإغماء فهي مِثْل التي حدثت لموسى - عليه السلام - حينما قال: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأعراف: 143]. فالجبل الأشمّ الراسي الصَّلْب اندكّ لما تجلَّى له الله، وخر موسى مصعوقاً مُغمى عليه، وإذا كان موسى قد صُعِق من رؤية المتجلَّى عليه، فكيف برؤية المتجلِّي سبحانه؟ وكأن الحق سبحانه أعطى مثلاً لموسى - عليه السلام - فقال له: ليست ضنيناً عليك بالرؤية، ولكن قبل أن تراني انظر إلى الجبل أولاً ليكون لك مثالاً، إذن: لا يمنع القرآن أن يتجلى الله على الخَلْق، لكن هل نتحمل نحن تجلِّي الله؟ فمن رحمة الله بنا ألاَّ يتجلى لنا على الحالة التي نحن عليها في الدنيا. أما في الآخرة، فإن الخالق سبحانه سيُعِدّنا إعداداً آخر، وسيخلقنا خِلْقة تناسب تجلِّيه سبحانه على المؤمنين في الآخرة؛ لأنه سبحانه القائل: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}تفسير : [القيامة: 22-23]. وسوف نلحظ هذا الإعداد الجديد في كُلِّ أمور الآخرة، ففيها مثلاً تقتاتون ولا تتغوطون؛ لأن طبيعتكم في الآخرة غير طبيعتكم في الدنيا. لذلك جاء السؤال من موسى - عليه السلام - سؤالاً علمياً دقيقاً: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأعراف: 143] أي: أرِني كيفية النظر إليك؛ لأني بطبيعتي وتكويني لا أراك، إنما إنْ أريتني أنت أرى. وفي ضوء هذه الحادثة لموسى - عليه السلام - نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُخيِّروا بين الأنبياء، فإن الناس يُصْعقون يوم القيامة، فأكون أولَ مَنْ تنشقُّ عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذٌ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صُعِق، أم حُوسِب بصَعْقة الأولى ". تفسير : قالوا: لأنه صُعِق مرة في الدنيا، ولا يجمع الله تعالى على عبده صَعقتَيْن. ثم يقول الحق سبحانه: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أحوال القيامة وأهوالها وأهل القرب منها بقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ} [الكهف: 99] أي: خذلنا بعض من بقي بعد هبوب الريح الطيبة، وقبض أرواح المؤمنين والمسلمين. {يَمُوجُ} [الكهف: 99] بالهرج والمرج والقتل والقتال، {فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99] فيه إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق على جبلة الإنسانية التي رأت الملائكة بنظر الملكوتي في ملكوت آدم عليه السلام حيث قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 30] فالله سبحانه وتعالى على قانون حكمته، ووفق مشيئته الأزلية عصم من عصم منهم من إظهار هذه الصفات الذميمة، وبدَّلها باستعمال أكسير الشريعة بالصفات الملكية والأخلاق الربانية، وترك من ترك منهم بالخذلان، فظهر منهم هذه الصفات الذميمة المجبولة عليها كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34]، وقال: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ} تفسير : [عبس: 17]. ولهذا ما كذب الله تعالى الملائكة حين قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30] فأجابهم بقوله تعالى: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 30] يعني: أني أعلم من هم المنظورون بنظر العناية فاعصمهم عن إظهار هذه الصفات، وأوفقهم لتبديلها، وأزكيهم عنها كما قال تعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 49] وقال: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} تفسير : [النور: 21]. وبقوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} [الكهف: 99] يشير إلى أن الله تعالى من كمال قدرته يحيي الخلق بسبب ويميتهم به وهو النفخة، فبالنفخة الأولى كما أفناهم بقوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 68] كذلك بالنفخة الأخيرة أحياهم كقوله: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً} [الكهف: 99] وفيه إشارة إلى أن الخلق محتاجون إلى اتباع سبب كل شيء؛ ليبلغوا إليه وهم لا يقدرون على أن يجعلوا سبباً لشيء آخر على ضده، والخالق سبحانه هو المسبب فهو قادر على أن يجعل الشيء الواحد سبباً لوجود الشيئين المتضادين، كما جعل النفخة في الصور سبباً للممات والحياة. وبقوله تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً} [الكهف: 100] يشير إلى أن جهنم لو كانت معروضة على أرواح الكافرين قبل يوم القيامة، كما كانت معروضة على أرواح المؤمنين لآمنوا بها كما آمن المؤمنون بها إن لم يكن {أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ} [الكهف: 101] من ذكر الله، {وَكَانُواْ لاَ} [الكهف: 101] {يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} [الكهف: 101] لكلام الله؛ لأن آذان قلوبهم مفتوحة والكافرون هم: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ} [الكهف: 101] أعين نفوسهم في غطاء الغفلة عن نظر العبرة، وأعين قلوبهم في غطاء حب الدنيا وشهواتها عن رؤية درجات الآخرة ودركاتها، وأعين أسرارهم في غطاء الالتفات إلى الكونين عن شواهد هذا الكون، وأعين أرواحهم في غطاء تذكار ما سوى الله عن ذكر الله تعالى كما قال تعالى: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} [الكهف: 101] يسمع به كلام الحق وكلام أرباب الصدق. {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ} [الكهف: 102] يشير به: إن قلوب عباده بيده يقلبها كيف يشاء، فكيف يتخذ الكافرون أولياء من غير معونة من الله، أو بغير إرادته وخلاف مشيئته؟ وفيه أيضاً وعيد لمن ادَّعى محبة الله وولائه وهو بحسب أن يكفر بنعمة الولاء ويتخذ من دون الله أولياء، {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ} [الكهف: 102] البعد والقطيعة {لِلْكَافِرِينَ} [الكهف: 102] الكافري النعمة، {نُزُلاً} [الكهف: 102].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يحتمل أن الضمير، يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس -من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها- يموج بعضهم ببعض، كما قال تعالى {أية : حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ } تفسير : ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة، وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض، من الأهوال والزلازل العظام، بدليل قوله: { ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي: إذا نفخ إسرافيل في الصور، أعاد الله الأرواح إلى الأجساد، ثم حشرهم وجمعهم لموقف القيامة، الأولين منهم والآخرين، والكافرين والمؤمنين، ليسألوا ويحاسبوا ويجزون بأعمالهم، فأما الكافرون -على اختلافهم- فإن جهنم جزاؤهم، خالدين فيها أبدا.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} [99] 332 - أنا عمرو بن زُرارة، قال: نا إسماعيل، عن سليمان التَّيمِّي عن أسلم العِجْليِّ، عن بشر بن شغافٍ، عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : قال أعرابيٌّ: يا رسول اللهِ، ما الصُّورُ؟ قال: "قرنٌ يُنفخُ فيه ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):