١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
101
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى } عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتوحيد والتعظيم. {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } استماعاً لذكري وكلامي لإِفراط صممهم عن الحق، فإن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصمت مسامعهم بالكلية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ } بدل من الكافرين {فِى غِطَاءٍ عَن ذِكْرِى } أي القرآن فهم عميٌ لا يهتدون به {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } أي لا يقدرون أن يسمعوا من النبي ما يتلوه عليهم بغضاً له فلا يؤمنون به.
ابن عطية
تفسير : قوله {أعينهم} كناية عن البصائر، لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر، والمعنى: الذين فكرهم بينها وبين {ذكري} والنظر في شرعي حجاب، وعليها {غطاء} ثم قال إنهم {كانوا لا يستطيعون سمعاً} يريد لإعراضهم ونفارهم عن دعوة الحق، وقرأ جمهور الناس: "أفحسِب الذين" بكسر السين بمعنى: أظنوا، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه: "أفحسْبُ" بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود "أفظن الذين كفروا"، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في {الذين كفروا} بعض العرب واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعاً و {أعتدنا} معناه: يسرنا، و"النزل" موضع النزول، و"النزل" أيضاً ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله، ويحتمل أن يراد بالآية هذا المعنى أن المعد لهم بدل النزول جهنم، كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : ثم قال تعالى: {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً} الآية المعنى: قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ: هل نخبركم بالذين خسروا عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعونه فإذا طلبوا ذلك، فقل لهم: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه}، وقرأ ابن وثاب "قل سننبئكم"، وهذه صفة المخاطبين من كفار العرب المكذبين، بالبعث، و"حبطت" معناه: بطلت، و {أعمالهم}: يريد ما كان لهم من عمل خير، وقوله {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} يحتمل أن يريد أنه لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار لا محالة، ويحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه قال فلا قدر لهم عندنا يومئذ، فهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن بعوضة" تفسير : ثم يقرأ {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} وقالت فرقة: إن الاستفهام تم في قوله {أعمالاً} ثم قال: هم {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} فقال سعد بن أبي وقاص هم عباد اليهود والنصارى، وأهل الصوامع والديارات، وقال علي بن أبي طالب هم الخوارج، وهذا إن صح عنه، فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن وروي أن ابن الكواء سأله عن {الأخسرين أعمالاً} فقال له أنت وأصحابك، ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} وليس من هذه الطوائف من يكفر بلقاء الله، وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان، فاتجه بهذا ما قلناه أولاً وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواماً أخذوا بحظهم من صدر الآية، وقوله {أعمالاً} نصب على التمييز، وقرأ الجمهور "فحبِطت" بكسر الباء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال "فحبَطت" بفتح الباء، وقرأ كعب بن عجرة والحسن وأبو عمرو ونافع والناس "فلا نقيم لهم" بنون العظمة، وقرأ مجاهد "فلا يقيم"، بياء الغائب، يريد فلا يقيم الله عز وجل، وقرأ عبيد بن عمير: "فلا يقوم" ويلزمه أن يقرأ "وزن"، وكذلك قول مجاهد "يقول لهم يوم القيامة"، وقوله {ذلك} إشارة إلى ترك إقامة الوزن و {جزاؤهم} خبر الابتداء في قوله {ذلك}، وقوله {جهنم} بدل منه، و {ما} في قوله {بما كفروا} مصدرية و"الهزء" الاستخفاف والسخرية.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَمْعاً} على ظاهره، أو عقلاً فلا يستطيعون سمعه استثقالاً، أو مقتاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً} قال: كانوا عمياً عن الحق فلا يبصرونه، صماً عنه فلا يسمعونه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {لا يستطيعون سمعاً} قال: لا يعقلون سمعاً. والله أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى ذكره: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي} [الآية: 101]. قال ابن عطاء: أعين نفوسهم فى غطاء عن نظر الاعتبار، وأعين قلوبهم فى غطاء عن مشاهدة العيان فى الملكوت، فإذا فتحت عين قلبه بالمشاهدة فتحت عين رأيه بنظر الاعتبار. قوله تعالى: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} [الآية: 101]. قال ابن عطاء: لا يستطيعون سمعًا لأن آذانهم مسدودة عن السَّماع الحق، ومن لم يفتح له قلبه سمع السماع كيف يسمع بظاهر سمعه وهو تبع لسمع قلبه. وقال جعفر الصادق رحمه الله: لا يستطيعون سماع كلام الحق، ولا سماع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا سماع سير الهداة الصالحين من الأنبياء والصديقين لأنهم لم يجعلوا من أهل القبول للحق فمنعوا سماع خطاب الحق.
القشيري
تفسير : نظروا بأعين رؤوسهم لأنهم فقدوا نظر القلب من حيث الاعتبار والاستدلال، ولم يكن لهم سمع الإجابة لِمَا فقدوا من التوفيق، فتوجه عليهم التكليف ولم يساعدهم التعريف. قوله: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}: لأنهم فقدوا من قِبَلِه - سبحانه - الإسماع؛ فلم يستطيعوا لهم القبول.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي} كانت اعينهم فى غطاء غيرته وشقاء مشقته عن النظر الى مرآة الكون بالحقيقة حتى يروا حقيقة ماهية الاشياء التى لطائفها تذكر القلوب عجائب انوار الذات والصفات وايضا اعينهم فى غطاء الشقاء ولا يرون جمال القرآن الذى هو مذكر جميع الذات والصفات القدمية وايضا كانت اعينهم فى علم الازل مسدودة عن رؤيتنا وايضا رصفتنا التى مذكرة ذكرها ذكر وصف القدم لاهل العدم بعد كونهم وبعد غيبتهم عنا ولا يسمعون كلامنا بالحقيقة ولا يسمع آذان قلوبهم وارواحهم وعقولهم اصوات هواتف غيبنا قال ابن عطا اعين نفوسهم فى غطاء عن نظر الاعتبار واعين قلوبهم فى غطاء عن مشاهدة العيان فى الملكوت فاذا فتح عين قلبه بالمشاهدة فتح عين راسه نظر الاعتبار وقال لا يستطيعون سمعا لان اذانهم مسدودة عن سماع الحق ولم يفتح له سمع السماع كيف يسمع بظاهر سمعه وهو تبع لسمع قلبه.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين} الموصول مع صلته نعت للكافرين او بدل ولذا لا وقف على عرضا كما فى الكواشى {كانت اعينهم} وهم فى الدنيا {فى غطاء} غلاف غليظ محاطة بذلك من جميع الجوانب. والغطاء ما يغطى الشئ ويستره. بالفارسية [برده وبوششي] {عن ذكرى} عن ذكرى عن الآيات المؤدية لاولى الابصار المتدبرين فيها الى ذكرى بالتوحيد والتمجيد كما قيل شعر : ففى كل شئ له آية تدل على انه واحد برك درختان سبز درنظر هوشيار هرورقى دفتريست معرفت كرد كار تفسير : {وكانوا} مع ذلك {لا يستطيعون} لفرط تصاممهم عن الحق وكمال عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم {سمعا} استماعا لذكرى وكلامى يعنى ان حالهم اعظم من الصمم فان الاصم قد يستطيع السمع اذا صيح به وهؤلاء زالت عنهم تلك ا لاستطاعة شعر : جون توقرآن خوانى اى صدر امم كوش شانرا برده سازم ازصمم جشماشنرا نيز سازم جشم بند تابينند وكلامت نشنوند تفسير : قال فى الارشاد وهذا تمثيل لاعراضهم عن الادلة السمعية كما ان الاول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالابصار. قال بعض الكبار كانت اعين نفوسهم فى غطاء الغفلة عن نظر العبرة واعين قلوبهم فى غطاء حب الدنيا وشهواتها عن رؤية درجات الآخرة ودركاتها واعين اسرارهم فى غطاء الالتفات الى الكونين عن شواهد المكون واعين ارواحهم فى غطاء تذكار ما سوى الله تعالى عن ذكر الله تعالى فاذا فتحت العين الباطنة بالمشاهدة فتحت العين الظاهرة بنظر الاعتبار وكذا السمع بظاهر السمع تابع لسمع الباطن ويدخل فى سماع كلام الحق سماع سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير الصالحين.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي} أي: كانت على أعينهم غشاوة الكفر. كقوله: {لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ} أي: غطاء الكفر (أية : فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ) تفسير : [سورة ق:22] أي: أبصر حين لا ينفعه البصر. {وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} أي: لا يسمعون الهدى بقلوبهم. وقال مجاهد: لا يعقلون. قوله: { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِيَ مِن دُونِي أوْلِيَاءَ} يعني من عبد الملائكة؛ أي أفحسبوا أن تتولاهم الملائكة على ذلك، أي: لا يتولونهم. وليس بهذا أمرتهم؛ إنما أمرتهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً. { إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي: أعددنا { جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً}. قوله: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} وهم أهل الكتاب، ضَلَّ أوائلهم فاتَّبعهم أواخرهم على ضلالتهم، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}. قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً}. وهي مثل قوله: (أية : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) تفسير : [المؤمنون:103] قال: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً}. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً} ذكروا عن أبي هريرة قال: الفردوس جبل في الجنة تتفجر منه أنهار الجنة. {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي: مُتَحَوِّلاً في تفسير مجاهد. قوله: { قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً} أي: مداداً للقلم يستمد منه للكتاب {لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي: آخر مثله من باب المدد. وهي تقرأ على وجه آخر: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} يُسْتَمَدُّ مِنْهُ لِلْقَلَمِ، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، أي: علمه الذي خلق الأشياء كلها.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ} بدل من الكافرين أو نعت ذم أو خبر لمحذوف أو مفعول لمحذوف. {كَانَت أَعْيُنُهُمْ} بصائر قلوبهم. أو شبههم بقوم عُمْى لا يهتدون لما ينفعهم {فِى غِطَاء} غشاوة وستر. {عنْ ذِكْرِى} عن القرآن فهم لا يهتدون به أو عما وضعته لينظر فيه للاستدلال وهو كل ما يدل على الله ويتذكر به فإنه تذكير من الله يتذكر به من ينكر أو عما يكون موصلا إلى ذكرى بالتعظيم والتوحيد وهو أيضا ما ذكرته. {وَكَانُوا} فى الدنيا {لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} بعيدين عن سماع القرآن والوعظ بقلوبهم كبعد من أزال الله السمع عن أذانه بالكلية وخلقه كجماد حتى إن سمعه محال لا يستطاع فإن هذا أبعد عن السمع من الأصم قد يسمع إذا صيح به وذلك لغلبة الخذلان والشقاء عليهم. وقيل: لا يستطيعون أن يسمعوا بآذانهم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة بغضهم وعداوتهم له فهم لا يعقلونه فلا يؤمنون به.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} بصائر قلوبهم، وهم فى الدنيا {فِى غِطَاءٍ} فى خذلان أو هو شبيه بالجسم الغليظ الذى يغطى {عَنْ ذِكْرِى} آياتى المؤدية لأولى الأبصار المتدبرين فيها إِلى ذكرى بالتوحيد والطاعة والنفور عن المعصية، وذلك إطلاق للمسبب، وإرادة السبب، ومَن لم يتذكر بالآيات كأنه أعمى، أو الذكر ما أنزل على الأنبياء أو القرآن. {وَكَانُوا} مع ذلك {لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} إذعانًا للحق، وذلك تشبيه لهم حيث لا ينتفعون بما سمعوا من الشرع بمن هو أصم، ويجوز أن يقدر سمعًا لذكرى المذكور أولا بنفسه، وأما أن يقدر هنا الذكرى ويراد به ما لم يرد أولا، فلا يجوز إذ لا دليل عليه مثل أن يراد أولا الموعظة، وهنا القرآن كما قال ابن هشام فى المغنى: الدليل اللفظى لا بد من مطابقته للمحذوف معنى، فلا يصح أن يقال زيد ضارب، وعمرو أى وعمرو ضارب على أن الضرب الأول بالمعنى المعروف، والثانى بمعنى مسافر.
الالوسي
تفسير : {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} وهم في الدنيا {فِى غِطَاء} كثيف وغشاوة غليظة محاطة بذلك من جميع الجوانب {عَن ذِكْرِي} عن الآيات المؤدية لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيد. فالذكر مجاز عن الآيات المذكورة من باب إطلاق المسبب وإرادة السبب. وفيه أن من لم ينظر نظراً يؤدي به إلى ذكر التعظيم كأنه لا نظر له البتة وهذا فائدة التجوز. وقيل: الكلام على حذف مضاف أي عن آيات ذكري وليس بذاك، ويجوز أن يكون المراد بالأعين البصائر القلبية. والمعنى كانت بصائرهم في غطاء عن أن يذكروني على وجه يليق بشأني أو عن ذكري الذي أنزلته على الأنبياء عليهم السلام، ويجوز أن يخص بالقرآن الكريم. {وَكَانُواْ} مع ذلك {لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} نفي لسماعهم على أتم وجه ولذا عدل عن وكانوا صماً الأخصر إليه. والمراد أنهم مع ذلك كفاقدي حاسة السمع بالكلية وهو مبالغة في تصوير إعراضهم عن سماع ما يرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار فلا حاجة إلى تقدير لذكري المراد منه القرآن أو مطلق الشرائع الإلٰهية فإنه بعد تخصيص الذكر المذكور في النظم الكريم أولاً بالآيات المشاهدة لا يصير قرينة على هذا الحذف. قال ابن هشام في «المغني»: إن الدليل اللفظي لا بد من مطابقته للمحذوف معنى فلا يصح زيد ضارب وعمرو أي ضارب على أن الأول بمعناه المعروف والثاني بمعنى مسافر. وتقدير ذلك وإرادة معنى الآيات منه مجازاً بعد المجاز أظهر، وقال بعض المحققين: إن تقدير ذلك إنما هو بقرينة قوله تعالى {سَمْعاً} وأن الكافرين هذا حالهم لا بقرينة ذكر الذكر قبل ليجىء كلام ابن هشام، ولا يخفى أنه لا كلام في تقدير الذكر بمعنى القرآن أو الشرائع الإلٰهية إذا أريد من الذكر المذكور ذلك. والموصول نعت الكافرين أو بدل منه أو بيان جىء به لذمهم بما في حيز الصلة وللإشعار بعليته لإصابة ما أصابهم من عرض جهنم لهم.
الشنقيطي
تفسير : التحقيق في قوله: {ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} أنه في محل خفص نعتاً للكافرين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة - أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعاً. وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة، كقوله في تغطية أعينهم: {أية : وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}تفسير : [البقرة: 7] الآية، وقوله: {أية : وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية: 23] الآية، وقوله: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}تفسير : [الرعد: 19]، وقوله: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}تفسير : [غافر: 58] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقال في عدم استطاعتهم السمع: {أية : أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ}تفسير : [محمد: 23]، وقال: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً}تفسير : [الكهف: 57]. وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة "هود" في الكلام على قوله تعالى: {أية : يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}تفسير : [هود: 20] فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضاً طرفاً من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} وقد بين تعالى في موضع آخر: أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض الله لصاحبه شيطاناً فيجعله له قرينا. وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}تفسير : [الزخرف: 36] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 101- وذلك لأن أعينهم فى الدنيا كانت فى غفلة عن التبصر فى آيات الله كأن عليها غطاء، وكانوا لضلالهم لا يستطيعون سماع دعوة الحق كفاقدى حاسة السمع. 102- هل عميت بصائر الذين كفروا، فظنوا أن اتخاذهم آلهة من عبادى - كالملائكة وعيسى - يعبدونها من دونى نافع لهم وصارف عنهم العذاب؟ إنا أعتدنا لهم جهنم مقراً ينالون فيه ما يستحقون من جزاء. 103- قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين: هل أخبركم بأشد الناس خسراناً لأعمالهم، وحرماناً من ثوابها؟ 104- هم الذين بطل عملهم فى الحياة الدنيا لفساد اعتقادهم، وهم يعتقدون أنهم يحسنون بعملهم صنيعاً. 105- هؤلاء هم الذين كفروا بدلائل قدرة الله، وأنكروا يوم البعث والحساب، فضاعت أعمالهم، واستحقوا يوم القيامة التحقير والإهمال، إذ ليس لهم عمل يُعْتدّ به. 106- ذلك الذى بيَّناه وفصَّلناه شأن هؤلاء، وجزاؤهم عليه جهنم، بسبب كفرهم وسخريتهم بما أنزل الله من آيات، وما أرسل من رسل. 107- إن الذين صدقوا فى الإيمان وعملوا الأعمال الصالحة؛ جزاؤهم جنات الفردوس ينزلون فيها.
د. أسعد حومد
تفسير : (101) - وَهؤُلاَءِ الكَافِرُونَ، الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا هَذا العِقَابَ، هُمُ الَّذِينَ تَغَافَلُوا عَنْ قَبُولِ الهُدَى، وَاتِّبَاعِ الحَقِّ، وَكَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ عَنِ اللهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ. غِطَاءٍ - غِشَاءٍ غَليظٍ، وَسِتْرٍ كَثِيفٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: على أبصارهم غشاوة تمنعهم إدراك الرؤية، ليس هذا وفقط، بل: {وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً} [الكهف: 101]. والمراد هنا السمع الذي يستفيد منه السامع، سَمْع العبرة والعِظَة، وإلا فآذانهم موجودة وصالحة للسمع، ويسمعون بها، لكنه سمَاعٌ لا فائدةَ منه؛ لأنهم ينفرون من سماع الحق ومن سماع الموعظة ويسدُّون دونها آذانهم، فهم في الخير أذن من طين، وأذن من عجين كما نقول. أما المؤمنون فيقول الحق تبارك وتعالى فيهم: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ ..}تفسير : [المائدة: 83]. إذن: فكراهية أولئك للمسموع جعلتهم كأنهم لا سَمْعَ لهم، كما نقول نحن في لغتنا العامية: (أنت مطنش عني)، يعني: لا تريد أنْ تسمعَ، ومن أقوال أهل الفكاهة: قال الرجل لصاحبه: فيك مَنْ يكتم السرَّ؟ قال: نعم، قال: أعْطني مائة جنيه، قال: كأنِّي لم أسمع. ولذلك حكى القرآن عن كفار مكة قولهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}تفسير : [فصلت: 26]. يعني: شَوِّشُوا عليه، ولا تُعطوا الناس فرصة لسماعه، ولو أنهم علموا أن القرآن لا يؤثر في سامعه ما قالوا هذا، لكنهم بأذنهم العربية وملكتهم الفصيحة يعلمون جيداً أن القرآن له تأثير في سامعه تأثيراً يملك جوانب نفسه، ولا بُدَّ لهذا العربي الفصيح أنْ يهتزّ للقرآن، ولا بُدَّ أنه سيعرف أنه مُعْجِز، وأنه غير قَوْل البشر، وحتماً سيدعوه هذا إلى الإيمان بأن هذا الكلام كلام الله، وأن محمداً رسول الله؛ لذلك قال بعضهم لبعض محذراً: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ..}تفسير : [فصلت: 26]. وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الجاثية: 7-8]. وقد يتعدَّى الأمر مجرد السماع إلى منْع الكلام كما جاء في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ ..}تفسير : [إبراهيم: 9]. فليس الأمر منْع الاستماع، بل أيضاً منع الكلام، فربما تصل كلمة إلى آذانهم وهم في حالة انتباه فتُؤثّر فيهم، أي منعوهم الكلام كما يُقال: اسكت، أو أغلق فمك. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):