١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
102
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين من حال الكافرين أنهم أعرضوا عن الذكر وعن استماع ما جاء به الرسول أتبعه بقوله: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَاء } والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر الآيات وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله وهو استفهام على سبيل التوبيخ. المسألة الثانية: قرأ أبو بكر ولم يرفعه إلى عاصم: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بسكون السين ورفع الباء. وهي من الأحرف التي خالف فيها عاصماً، وذكر أنه قراءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلى هذا التقدير فقوله: حسب مبتدأ، أن يتخذوا خبر، والمعنى أفكافيهم وحسبهم أن يتخذوا كذا وكذا، وأما الباقون فقرأوا فحسب على لفظ الماضي، وعلى هذا التقدير ففيه حذف والمعنى: أفحسب الذين كفروا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً. المسألة الثالثة: في العباد أقوال قيل: أراد عيسى والملائكة، وقيل: هم الشياطين يوالونهم ويطيعونهم، وقيل: هي الأصنام سماهم عباداً كقوله: {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ }، ثم قال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلاً } وفي النزل قولان: الأول: قال الزجاج إنه المأوى والمنزل. والثاني: أنه الذي يقام للنزيل وهو الضيف، ونظيره قوله: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ثم ذكر تعالى ما نبه به على جهل القوم فقال: {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قيل إنهم هم الرهبان كقوله تعالى: { أية : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تفسير : [الغاشية: 3]وعن مجاهد أهل الكتاب وعن علي أن ابن الكواء سأله عنهم فقال: هم أهل حروراء والأصل أن يقال هو الذي يأتي بالأعمال يظنها طاعات وهي في أنفسها معاصي وإن كانت طاعات لكنها لا تقبل منهم لأجل كفرهم فأولئك إنما أتوا بتلك الأعمال لرجاء الثواب، وإنما أتبعوا أنفسهم فيها لطلب الأجر والفوز يوم القيامة فإذا لم يفوزوا بمطالبهم بين أنهم كانوا ضالين، ثم إنه تعالى بين صنعهم فقال: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لقاء الله عبارة عن رؤيته بدليل أنه يقال: لقيت فلاناً أي رأيته، فإن قيل: اللقاء عبارة عن الوصول، قال تعالى: { أية : فَالْتَقَى ٱلمَاء عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } تفسير : [القمر: 12] وذلك في حق الله تعالى محال، فوجب حمله على لقاء ثواب الله، والجواب أن لفظ اللقاء، وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول والملاقاة إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور، والذي يقولونه من أن المراد منه لقاء ثواب الله فهو لا يتم إلا بالإضمار، ومن المعلوم أن حمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما يحتاج معه إلى الإضمار. المسألة الثانية: استدلت المعتزلة بقوله تعالى: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } على أن القول بالإحباط والتكفير حق، وهذه المسألة قد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة فلا نعيدها، ثم قال تعالى: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } وفيه وجوه. الأول: أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار. الثاني: لا نقيم لهم ميزاناً لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين لتمييز مقدار الطاعات ومقدار السيئات. الثالث: قال القاضي: إن من غلبت معاصيه صار ما في فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعته. وهذا التفسير بناء على قوله بالإحباط والتكفير، ثم قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ } فقوله: {ذٰلِكَ } أي ذلك الذي ذكرناه وفصلناه من أنواع الوعيد هو جزاؤهم على أعمالهم الباطلة، وقوله: {جَهَنَّمَ } عطف بيان لقوله: {جَزَآؤُهُمْ } ثم بين تعالى أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين: أحدهما: كفرهم. الثاني: أنهم أضافوا إلى الكفر أن اتخذوا آيات الله واتخذوا رسله هزواً، فلم يقتصروا على الرد عليهم وتكذيبهم حتى استهزأوا بهم.
البيضاوي
تفسير : {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أفظنوا والاستفهام للإِنكار. {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى } اتخاذهم الملائكة والمسيح. {مِن دُونِى أَوْلِيَاء } معبودين نافعهم، أو لا أعذبهم به فحذف المفعول الثاني كما يحذف الخبر للقرينة، أوسد أن يتخذوا مسد مفعوليه وقرىء {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي إفكاً فيهم في النجاة، وأن بما في حيزها مرتفع بأنه فاعل حسب، فإن النعت إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل أو خبر له. {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلاً } ما يقام للنزيل، وفيه تهكم وتنبيه على أن لهم وراءها من العذاب ما تستحقر دونه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى } أي ملائكتي وعيسى وعزيراً {مِن دُونِى أَوْلِيَاءَ } أرباباً مفعول ثان ل «يتخذوا» والمفعول الثاني ل «حسب» محذوف. المعنى: أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني ولا أعاقبهم عليه؟ كلا «إنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ} هؤلاء وغيرهم {نُزُلاً } أي هي معدة لهم كالمنزل المعد للضيف.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُزُلاً} طعاماً، أو منزلاً.
النسفي
تفسير : {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى أَوْلِيَاء } أي أفظن الكفار اتخاذهم عبادي ــ يعني الملائكة وعيسى عليهم السلام ــ أولياء نافعهم بئس ما ظنوا. وقيل: «أن» بصلتها سد مسد مفعولي {أفحسب} و{عبادي أولياء} مفعولاً {أن يتخذوا} وهذا أوجه يعني أنهم لا يكونون لهم أولياء {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَـٰفِرِينَ نُزُلاً } هو ما يقام للنزيل وهو الضيف ونحوه فبشرهم بعذاب أليم {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً } {أعمالاً} تمييز. وإنما جمع والقياس أن يكون مفرداً لتنوع الأهواء وهم أهل الكتاب أو الرهبان {ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ } ضاع وبطل وهو في محل الرفع أي هم الذين {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَزْناً } فلا يكون لهم عندنا وزن ومقدار {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ } هي عطف بيان لجزاؤهم {بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُواْ ءايَـٰتِى وَرُسُلِى هُزُواً } أي جزاؤهم جهنم بكفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسوله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } تحولاً إلى غيرها رضا بما أعطوا. يقال: حال من مكانه حولاً أي لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية الوصف لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح مائل الطرف إلى أرفع منه، أو المراد نفي التحول وتأكيد الخلود .
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية. لما بيَّن إعراض الكافرين عن الذِّكر، وعن سماع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أتبعه بقوله: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}. والمعنى: أفظنَّ الذين كفروا أن ينتفعوا بما عبدوه. والمراد بقوله: {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ}: أرباباً، يريد بالعباد: عيسى، والملائكة. وقيل: هم الشياطين يتولَّونهم ويطيعُونَهُم. وقيل: هم الأصنام، سمَّاها عباداً؛ كقوله: {أية : عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} تفسير : [الأعراف: 194]. وهو استفهام توبيخ. قوله: {أَفَحَسِبَ}: العامة على كسر السين، وفتح الباء؛ فعلاً ماضياً، و {أَن يَتَّخِذُواْ} سادٌّ مسدَّ المفعولين، وقرأ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب، وزيد بن عليٍّ، وابن كثيرٍ، ويحيى بن يعمر في آخرين، بسكون السين، ورفع الباء على الابتداء، والخبر "أنْ" وما في حيِّزها. والمعنى: أفكافيهم، وحسيبهم أن يتَّخذوا كذا وكذا. وقال الزمخشريُّ: "أو على الفعل والفاعل؛ لأن اسم الفاعل، إذا اعتمد على الهمزة، ساوى الفعل في العمل؛ كقولك: "أقَائمٌ الزَّيدانِ" وهي قراءة محكيَّةٌ جيِّدةٌ". قال أبو حيَّان: "والذي يظهر أنَّ هذا الإعراب لا يجوزُ؛ لأنَّ حسباً ليس باسم فاعلٍ، فيعمل، ولا يلزم من تفسير شيءٍ بشيء: أن يجرى عليه أحكامه، وقد ذكر سيبويه أشياء من الصِّفات التي تجري مجرى الأسماء، وأنَّ الوجه فيها الرفع، ثم قال: وذلك نحو: مرَرْتُ برجلٍ خير منه أبوهُ، ومررتُ برجلٍ سواءٍ عليه الخير والشر، ومررت برجلٍ اب لهُ صاحبه، ومررتُ برجلٍ حسبك من رجلٍ هو، ومررتُ برجلٍ أيِّما رجلٍ هو". ثم قال أبو حيان: "ولا يبعُد أن يرفع به الظاهر، فقد أجازوا في "مررتُ برجلٍ أبي عشرةٍ أبوه" أن يرتفع "أبوهُ" بـ "أبِي عشرةٍ" لأنه في معنى والدِ عشرةٍ". قوله: "نُزُلاً" فيه أوجهٌ: أحدها: أنه منصوب على الحال، جمع "نَازِلٍ" نحو شارفٍ، وشُرفٍ. الثاني: أنه اسم موضع النُّزولِ. قال ابن عباس: "مَثوَاهُمْ" وهو قول الزجاج. الثالث: أنَّه اسمُ ما يعدُّ للنازلين من الضُّيوف، أي: معدة لهم؛ كالمنزلِ للضَّيف، ويكون على سبيل التهكُّم بهم، كقوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21] وقوله: [الوافر] شعر : 3568-.............. تَحيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وجِيعُ تفسير : ونصبه على هذين الوجهين مفعولاً به، أي: صيَّرنا. وأبو حيوة "نُزْلاً" بسكون الزاي، وهو تخفيف الشَّهيرة. قوله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً}. يعني: الَّذينَ أتعبوا أنفسهم في عملٍ يرجون به فضلاً ونوالاً، فنالُوا هلاكاً وبواراً. قال ابن عباس، وسعد بن أبي وقَّاصٍ: هم اليهود والنَّصارى. وهو قول مجاهدٍ. وقيل: هم الرهبانُ الذين حبسوا أنفسهم في الصَّوامع؛ كقوله تعالى: {أية : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} تفسير : [الغاشية: 3]. وقال عليُّ بن أبي طالبٍ: هم أهلُ حروراء. قوله: {أَعْمَالاً}: تمييزٌ للأخسرين؛ وجمع لاختلاف الأنواع. قوله: {ٱلَّذِينَ ضَلَّ}: يجوز فيه الجر نعتاً، وبدلاً، وبياناً، والنصب على الذِّم، والرفع على خبر ابتداء مضمرٍ. ومعنى خُسْرانهِم أن مثلهم كمن يشتري سلعة يرجُو منها ربحاً، فخسر وخاب سعيهُ، كذلك أعمالُ هؤلاء الذين أتعبُوا أنفسهم مع ضلالهم، فبطل جدُّهم واجتهادهم في الحياة الدنيا، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ} يظنون {أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} أي: عملاً. قوله: {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ} يسمَّى في البديع "تَجْنيسَ التَّصحيف" وتجنيس الخطِّ، وهذا من أحسنه، وقال البحتريُّ: [الطويل] شعر : 3569- ولَمْ يَكُنِ المُغْتَرُّ بالله إذْ شَرَى ليُعْجِزَ والمُعْتَزُّ بالله طَالِبُهْ تفسير : فالأول: من الغُرورِ، والثاني: من العزِّ، ومن أحسن ما جاء في تجنيس التصحيف قوله: [السريع] شعر : 3570- سَقَيْنَنِي ريِّي وغَنَّيْنَنِي بُحْتُ بِحُبِّي حينَ بِنَّ الخُرُدْ تفسير : يصحف بنحو: [السريع] شعر : شَقَيْتَنِي ربِّي وعَنَّيْتَنِي بِحُبِّ يَحْيَى خَتنِ ابنِ الجُرُدْ تفسير : وفي بعض رسائل الفصحاء: قِيلَ قَبْلَ نَداكَ ثَرَاكَ، عَبْدٌ عِنْدَ رَجَاكَ رَجَاكَ، آمِلٌ أمَّكَ. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ}. لقاء الله عبارة عن رؤيته؛ لأنَّه يقال: لقيتُ فلاناً، أي: رأيته. فإن قيل: اللُّقيا عبارةٌ عن الوصول؛ قال الله تعالى: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} تفسير : [القمر: 12]. وذلك في حقِّ الله محالٌ؛ فوجب حمله على ثواب الله. فالجواب: أن لفظ اللقاء، وإن كان في الأصل عبارة عن الوصول إلاَّ أنَّ استعماله في الرؤية مجازٌ ظاهرٌ مشهورٌ، ومن قال بأنَّ المراد منه: لقاء ثواب الله، فذلك لا يتمُّ إلا بالإضمار، وحمل اللفظ على المجاز المتعارفِ المشهور أولى من حمله على ما يحتاج إلى الإضمار. واستدلَّت المعتزلة بقوله تعالى: {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} على أن الإحباط حقٌّ، وقد تقدَّم ذلك في البقرة وقرأ ابن عباس "فَحبَطَتْ" بفتح الباء والعامة بكسرها. قوله: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَزْناً}. قرأ العامة "نُقِيمُ" بنون العظمة، من "أقَامَ" ومجاهدٌ وعبيد بن عميرٍ: "فَلا يُقِيمُ" بياءِ الغيبة، لتقدُّم قوله: "بآيَاتِ ربِّهِمْ" فالضمير يعود عليه، ومجاهدٌ أيضاً "فلا يقُومُ لَهُمْ" مضارع "قَامَ" متعدٍّ، كذا قال أبو حيَّان، والأحسن من هذا: أن تعرب هذه القراءة على ما قاله أبو البقاء: أن يجعل فاعل "يَقومُ" "صنيعُهمْ" أو "سَعْيهُم" وينتصب حينئذٍ "وزْناً" على أحد وجهين: إمَّا على الحال، وإمَّا على التَّمييز. فصل في معنى الآية المعنى: أنَّا نزدري بهم، وليس لهم عندنا وزنٌ ومقدارٌ، تقول العرب: ما لفلانٍ عندي وزنٌ، أي: قدرٌ؛ لخسَّتهِ، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّهُ ليَأتِي يَومَ القيامةِ الرَّجلُ العَظيمُ السَّمينُ، فلا يَزنُ عند الله جَناحَ بَعُوضةٍ" تفسير : وقال: "حديث : اقرءُوا: فَلا نُقِيمُ لهُمْ يَوْمَ القِيامةِ وزْناً ". تفسير : وقيل: المعنى: فلا نقيم لهم يوم القيامة ميزاناً؛ لأنَّ الميزان إنما يوضع؛ لأجل الحسنات والسَّيئات من الموحِّدين؛ لتمييز مقدار الطَّاعات، ومقدار السَّيئات. قال أبو سعيد الخدريُّ: يأتي ناسٌ بأعمالٍ يوم القيامة من عندهم في التَّعظيمِ كجبال تهامة، فإذا وزنوها، لم تَزِنْ شيئاً، فذلك قوله: {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَزْناً}. وقال القاضي: إنَّ من غلبت معاصيه، صارت طاعاته كأنْ لم تكن، فلم يدخل في الوزن شيءٌ من طاعته، وهذا التفسير بناه على قول الإحباط والتكفير. قوله: {ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ}: فيه أوجه كثيرة. الأول: أن يكون "ذلك" خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك والمعنى: الذي ذكرتُ من حبوط أعمالهم وخسَّة أقدارهم و "جَزاؤهُمْ جَهنَّمُ" جملة برأسها. الثاني: أن يكون "ذلك" مبتدأ أوَّل، و "جَزَاؤهُمْ" مبتدأ ثانٍ، و "جهنَّم" خبره، وهو [وخبره] خبر الأول، والعائد محذوف، أي: جزاؤهم به، كذا قال أبو البقاء، فالهاء في "بِهِ" تعود على "ذلك" و "ذلك" مشارٌ به إلى عدمِ إقامةِ الوزن. قال أبو حيَّان: "ويحتاج هذا التَّوجيهُ إلى نظرٍ" قال شهاب الدين: إن عنى النَّظرَ من حيث الصِّناعةُ، فمسلَّم، ووجه النظر: أن العائد حذف من غير مسوِّغ إلاَّ بتكلفٍ؛ فإنَّ العائد على المبتدأ، إذا كان مجروراً، لا يحذفُ إلاَّ إذا جر بحرف تبعيضٍ، أو ظرفية، أو يجرُّ عائداً جُرَّ قبله بحرفٍ، جُرَّ به المحذوف؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3571- أصِخْ فالَّذي تُدْعَى بِهِ أنْتَ مُفْلِحُ ................ تفسير : أي: مفلحٌ به، وإن عنى من حيث المعنى، فهو معنى جيدٌ. الثالث: أن يكون "ذلك" مبتدأ، و "جَزاؤهُمْ" بدلٌ، أو بيان، و "جهنَّم" خبره. الرابع: أن يكون "ذلك" مبتدأ أيضاً، و "جَزاؤهم" خبره، و "جهنَّم" بدلٌ، أو بيانٌ، أو خبر ابتداء مضمر. الخامس: أن يجعل "ذلك" مبتدأ، و "جَزاؤهُمْ" بدلٌ، أو بيانٌ، و "جهنَّم" خبر ابتداء مضمر، و "بِمَا كفروا" خبر الأول، والجملة اعتراضٌ. السادس: أن يكون "ذلكَ" مبتدأ، والجارُّ: الخبر، و "جَزاؤهُمْ جهنَّم" جملة معترضة، وفيه بعدٌ. السابع: أن يكون "ذلكَ" إشارة إلى جماعة، وهم مذكورون في وقله: "بالأخْسرِينَ"، وأشير إلى الجمع؛ كإشارة الواحد؛ كأنه قيل: أولئك جزاؤهم جهنَّم، والإعراب المتقدم يعود على هذا التقدير. ومعنى الكلام: أنَّ ذلك الجزاء جزاءٌ على مجموعِ أمرين: كفرهم، واتِّخاذهم آيات الله ورسله هزواً، فلم يقتصروا على الردِّ عليهم وتكذيبهم، حتَّى استهزءوا بهم. قوله: "واتَّخذُوا" فيه وجهان: أحدهما: أنه عطفٌ على "كَفرُوا" فيكون محلُّه الرفع؛ لعطفه على خبر "إنَّ". الثاني: أنه مستأنفٌ، فلا محلَّ له، والباء في قوله: "بِمَا كفرُوا" لا يجوز تعلُّقها بـ "جَزاؤهُمْ" للفصلِ بين المصدر ومعموله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} قال: ظن كفرة بني آدم أن يتخذوا الملائكة من دونه أولياء. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر، عن علي بن أبي طالب أنه قرأ {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} قال أبو عبيد: بجزم السين وضم الباء. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة، أنه قرأ {أفحسب الذين كفروا} يقول: أفحسبهم ذلك.
ابو السعود
تفسير : {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي كفروا بـي كما يُعرب عنه قوله تعالى: {عِبَادِى} والحُسبان بمعنى الظن وقد قرىء أفظنّ والهمزةُ للإنكار والتوبـيخِ على معنى إنكارِ الواقعِ واستقباحِه، كما في قولك: أضربتَ أباك؟ لا إنكارِ الوقوعِ، كما في قوله: أأضرِب أبـي؟ والفاء للعطف على مقدر يُفصح عنه الصلةُ على توجيه الإنكارِ والتوبـيخِ إلى المعطوفَين جميعاً كما إذا قُدّر المعطوفُ عليه في قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} منفياً أي لا تسمعون فلا تعقلون لا إلى المعطوف فقط كما إذا قُدّر مُثْبتاً أي أتسمعون فلا تعقلون، والمعنى أكفروا بـي مع جلالة شأني فحسِبوا {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِى} من الملائكة وعيسى وعُزيرٍ عليهم السلام وهم تحت سلطاني وملكوتي {أَوْلِيَاء} معبودين ينصُرونهم من بأسي، وما قيل إنها للعطف على ما قبلها من قوله تعالى: {كَانَتْ} الخ {وَكَانُواْ} الخ ـ دَلالةً على أن الحُسبانَ ناشىءٌ من التعامي والتصامِّ وأُدخل عليها همزةُ الإنكار ذماً على ذم وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكّدِ للذم ـ يأباه تركُ الإضمار والتعرضُ لوصف آخرَ غيرِ التعامي والتصامِّ على أنهما أُخرجا مُخرَجَ الأحوال الجِبِلّية لهم، ولم يذكروا من حيث إنهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحُسبانهم ليحسُن تفريعُه عليهما، وأيضاً فإنه دينٌ قديمٌ لا يمكن جعلُه ناشئاً عن تصامّهم عن كلام الله عز وجل، وتخصيصُ الإنكار بحُسبانهم المتأخرِ عن ذلك تعسّفٌ لا يخفى، وما في حيز صلةِ أن سادٌّ مسدَّ مفعولَيْ حسِب كما في قوله تعالى: {أية : وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } تفسير : [المائدة: 71] أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياءَ على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لِما أنه إنما يكون من الجانبـين، وهم عليهم الصلاة والسلام منزَّهون عن وَلايتهم بالمرة لقولهم: {أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } تفسير : [سبأ: 41] وقيل: مفعولُه الثاني محذوفٌ أي أفحسبوا اتخاذَهم نافعاً لهم، والوجهُ هو الأولُ لأن في هذا تسليماً لنفس الاتخاذِ واعتداداً به في الجملة، وقرىء أفحَسْبُ الذين كفروا أي أفحسبُهم وكافيهم أن يتخذوهم أولياءَ على الابتداء والخبرِ، أو الفعلِ والفاعل فإن النعتَ إذا اعتمد الهمزةَ ساوى الفعلَ في العمل، فالهمزة حينئذ بمعنى إنكار الوقوع {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ} أي هيأناها {لِلْكَـٰفِرِينَ} المعهودين، عدلَ عن الإضمار ذمًّا لهم وإشعاراً بأن ذلك الاعتادَ بسبب كفرهم المتضمّنِ لحسبانهم الباطل {نُزُلاً} أي شيئاً يتمتعون به عند ورودِهم وهو ما يقام للنزيل أي الضيفِ مما حضر من الطعامِ، وفيه تخطئةٌ لهم في حسبانهم وتهكّمٌ بهم حيث كان اتخاذُهم إياهم أولياءَ من قبـيل إعتاد العتادِ وإعدادِ الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل: إنا أعتدنا لهم مكان ما أعدّوا لأنفسهم من العُدة والذُّخْر جهنمَّ عُدّةً. وفي إيراد النُزُل إيماءٌ إلى أن لهم وراءَ جهنمَ من العذاب ما هو أنموذجٌ له، وقيل: النزلُ موضعُ النزول، ولذلك فسره ابن عباس رضي الله عنهما بالمثوى. {قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم} الخطابُ الثاني للكفرة على وجه التوبـيخِ والجمعُ في صيغة المتكلم لتعيـينه من أول الأمر وللإيذان بمعلومية النبأ للمؤمنين أيضاً {بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً} نصبٌ على التميـيز والجمعُ للإيذان بتنوعها، وهذا بـيانٌ لحال الكفرة باعتبار ما صدَر عنهم من الأعمال الحسَنةِ في أنفسها وفي حُسبانهم أيضاً حيث كانوا معجَبـين بها واثقين بنيل ثوابِها ومشاهدةِ آثارِها غِبَّ بـيان حالِهم باعتبار أعمالِهم السيئةِ في أنفسها مع كونها حسنةً في حسبانهم.
القشيري
تفسير : أي توهموا أنه ينفعهم ما فعلوه حسب ظنهم، واعتقدوا في أصنامهم استحقاقَ التعظيم، وكانوا يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3]، {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104] وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفحسب الذين كفروا} الهمزة للانكار والتوبيخ على معنى انكار الواقع واستقباحه كما فى قولك أضربت اباك لانكار الوقوع كما فى أتضرب اباك والفاء للعطف على مقدر تفصح عنه الصلة على توجيه الانكار والتوبيخ الى المعطوفين جميعا اى أكفروا بى مع جلالة شأنى فحسبوا وظنوا {ان يتخذوا عبادى} من الملائكة وعيسى وعزير وهم تحت سلطانى وملكوتى {من دونى} مجاوزين اياى اى تاركين عبادتى {اولياء} معبودين ينصرونهم من بأسى على معنى ان ذلك ليس من الاتخاذ فى شئ لما انه انما يكون من الجانبين وهم عليهم السلام منزهون عن ولايتهم بالمرة لقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم وقيل مفعول له الثانى محذوف اى أفحسبوا اتخاذهم نافعا لهم والوجه هو الاول لان فى هذا تسليما لنفس الاتخاذ واعتدادا به فى الجملة كذا فى الارشاد {انا اعتدنا جهنم} هيأناها {للكافرين} المعهودين {نزلا} وهو ما يدل للنزيل والضيف اى احضرنا جهنم للكافرين كالنزل المعد للضيف وفيه تهكم بهم كقوله {أية : فبشرهم بعذاب اليم}تفسير : وايماء الى ان لهم وراء جهنم من العذاب ما هى انموذج له وهو كونهم محجوبين عن رؤية الله تعالى كما قال تعالى {أية : كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم انهم لصالوا الجحيم}تفسير : جعل الصلىّ اى الدخول تاليا فى المرتبة للمحجوبية فهو دونها فى الرتبة وفسره ابن عباس رضى الله عنهما بموضع النزول والمثوى. فالمعنى بالفارسية [منزل ومأوايى كه براى مهمان آرند ودرين معنى تهكم است برآنكه ايشانرا عذابها خواهد بود كه دوزخ دربيش آن جيزى محقر باشد]. وفى الآية اشارة الى ان من ادعى محبة الله وولاءه لا يتخذ من دون الله اولياء اذ لا يجتمع ولاية الحق وولاية الخلق ومن كفر بنعمة الولاء واتخذ من دون الله اولياء فله جهنم البعد والقطيعة ابدا. وقد قال بعض المحققين ابت المحبة ان تستعمل محبا لغير محبوبه وحب الله تعالى قطب تدور عليه الخيرات واصل جامع لانواع الكرامات وعلامته الجريان على موجب الامر والنهى كما قال بعضهم نزه ربك وعظمه من ان يراك حيث نهاك او فقدك حيث امرك فالذين كفروا اضاعوا ايامهم بالكفر والآثام وعبدوا المعدوم وهو ما سوى الله الملك العلام واكلوا وشربوا فى الدنيا كالانعام فلا جرم جعل الله لهم جهنم نزلا وشر مقام واما المؤمنين فقد جاهدوا فى الله بالطاعات واشتغلوا بالرياضيات والمجاهدات وما عبدوا غير الموجود الحقيقى فى وقت من الاوقات فلا جرم أحسن الله اليهم بالدرجات العاليات فالخلاص والنجاة فى التوجه الى الله رفيع الدرجات - حكى - انه كان ملك مشرك جبار فأخذه المسلمون فجعلوه فى قمقمة ووضعوها فى نار شديدة فاسلم وتضرع الى الله تعالى فامطرت السماء فخرجت ريح شديدة والقتها فى مملكة فرآها اهل تلك المملكة وسألوه فقال انا الملك الفلانى فلما اسلمت وتضرعت الى الله خلصنى من الشدة فاسلم اهل تلك المملكة لما رأوا عظم قدرة الله تعالى وشاهدوا شواهد توحيده والحمد لله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أن يتخذوا}: سد مسد المفعولين، أو حذف الثاني، أي: أَحَسِبُوا اتخاذهم نافعَهم و {نزلاً}: حال من جهنم. يقول الحقّ جلّ جلاله: منكرًا على الكفار المتقدمين: {أفَحَسِبَ الذين كفروا} حين أعرضوا عن ذكري، وكانت أعينهم في غطاء عن رؤية دلائل توحيدي، {أن يتخذوا عبادي} كالملائكة والمسيح وعزير، أو الشياطين؛ لأنهم عباد، {من دُونِي أولياءَ} أي: معبودين من دوني، يُوالونهِم بالعبادة، أن ذلك ينفعهم، أو: ألا نعذبهم على ذلك، بل نعذبهم على ذلك، {إِنا أَعتدنا}؛ يَسَّرنا وهيأنا {جهنمَ للكافرين نُزُلاً} أي: شيئًا يتمتعون به أول ورودهم القيامة. والنزُل: ما يقدم للنزيل أي: الضيف، وعدل عن الإضمار؛ ذمًا لهم على كفرهم، وإشعارًا بأن ذلك الإعتاد بسبب كفرهم، وعبَّر بالإعْتادِ؛ تهكمًا بهم، وتخطئة لهم، حيث كان اتخاذهم أولياء من قبيل العتاد، وإعداد الزاد ليوم المعاد، فكأنه قيل: إنا أعتدنا لهم، مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذُّخْرِ،، جهنم؛ عدة لهم. وفي ذكر النُزل: إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هو أنموذج له، وتستحقر دونه، وقيل: النزل: موضع النزول، أي: أعتدناها لهم منزلاً يقيمون فيه. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما أحببتَ شيئًا إلا وكنتَ له عبدًا، وهو لا يُحب أن تكون لغيره عبدًا، فأَفْرد قلبك لله، وأَخْرِج منه كلَّ ما سواه، فحينئذ تكونُ عبدًا لله، حرًا مما سواه، فكل ما سوى الله باطلٌ، وظل آفل، فكن إبراهيميًا، حيث قال: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}تفسير : [الأنعَام: 76]، فارفع أيها العبد همتك عن الخلق، وعلقها بالملك الحق، فلا تُحب إلا الله، ولا تطلب شيئًا سواه، كائنًا ما كان، من جنس الأشخاص، أو من جنس الأحوال أو المقامات أو الكرامات؛ لئلا تنخرط في سلك من اتخذ من دون الله أولياء، فتكون كاذبًا في العبودية. رُوِيَ عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه قال: قرأتُ الفاتحة، فقلت: الحمد لله رب العالمين. فقال لي الهاتف مِنْ قِبَل الله تعالى: صدقت، فقلت: الرحمن الرحيم، فقال: صدقت. فقلت: مالك يوم الدين، فقال: صدقت. فلما قلتُ: إياك نعبد، قال كذبتَ؛ لأنك تعبد الكرامات، قال: ثم أدبني، وتبت لله تعالى. ذكره ابن الصباغ مُطولاً. قلت: ولعله قبل ملاقاة الشيخ، ولذلك عاتبه بقوله: يا أبا الحسن عِوَضُ ما تقول: "سَخِّر لي خلقك"، قل: يا رب كن لي، أرأيت إن كان لك أيفوتك شيء؟ نفعنا الله بجميعهم. وهذا الغلط يقع للمتوجهين ولغيرهم....
الطوسي
تفسير : قرأ الاعشى ويحيى بن يعمر إلا النقار "أفحسب" بتسكين السين وضم الباء، وهي قراءة علي (ع) الباقون بكسر السين وفتح الباء. يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {أفحسب الذين كفروا} بتوحيد الله وجحدوا ربوبيته {أن يتخذوا عبادي من دونه أولياء} أي انصاراً يمنعونهم من عقابي لهم على كفرهم، وقد أعددت {جهنم للكافرين نزلاً} أي مأوى ومنزلا - فى قول الزجاج وغيره - وقال قوم: النزل الطعام جعل الله لهم طعاماً والنزل الربع. ومن ضم الباء من "أحسب" معناه حسبهم على اتخاذهم عباد الله من دونه أولياء أن جعل لهم جهنم نزلا ومأوى. وقيل بل هم لهم اعداء يعني، الذين عبدوا المسيح والملائكة ثم أمر نبيه (ع) أن يقول لهم{هل ننبئكم بالأخسرين} أي نخبركم بالاخسرين {أعمالاً} وهم {الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} وإن افعالهم طاعة وقربة وقيل انهم اليهود والنصارى، وقيل الرهبان منهم. وروي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: هم أهل حروراء من الخوارج وسأله ابن الكوّا عن ذلك، فقال (ع): انت واصحابك منهم وهم {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} أي جاز عنهم وهلك، وهم مع ذلك {يحسبون} أي يظنون أنهم يفعلون الافعال الجميلة والحسبان هو الظن وهو ضد العلم. وفى الآية دلالة على أن المعارف ليست ضرورية، لانهم لو عرفوا الله تعالى ضرورة لما حسبوا غير ذلك، لأن الضروريات لا يشك فيها. وقوله {الأخسرين أعمالاً} نصب على التمييز. ومن قرأ "أفحسب" بضم الباء وسكون السين كما عنده {أن يتخذوا} فى موضع رفع، ومن جعلها فعلا ماضياً جعل (أن) في موضع نصب بوقوع حسب عليه.
الجنابذي
تفسير : {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بولاية علىٍّ (ع) {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ} من دون اذنى {أَوْلِيَآءَ} او ان يتّخذوا عبادى حالكونهم من دونى اى مغايرين لى اولياء يعنى افحسبوا ان يتّخذوا معاوية وليّاً من دون علىٍّ (ع) او من دون اذنى او مغايرين لى غير متّصلين بى هكذا فسّرت الآية فى الاخبار ولا ينافى ذلك تعميم الآية فى كلّ كافرٍ وفى كلّ متّخذٍ وليّاً او معبوداً من دون اذنٍ من الله فى ولايته او فى تولّيه {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ} بولاية علىٍّ (ع) {نُزُلاً} منزلاً او مهيّأً لهم تشريفاً فانّ النّزل ما يتهيّؤ للضّيف النّازل تشريفاً له.
الأعقم
تفسير : {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي} أي كيف ظنوا {أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء}، قيل: أراد عيسى والملائكة الذين يتخذونهم أولياء ينصرونهم كلا بل هم أعداؤهم تبرون منهم، وقيل: هم الشياطين يوالونهم ويطيعونهم {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً}، قيل: مأوىً منزلاً {قل} يا محمد {هل أنبئكم} هل أخبركم {بالأخسرين أعمالاً} الآية نزلت في اليهود والنصارى، وقيل: في الرهبان والقسيسين الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع عن علي (عليه السلام) {الذين ضلّ سعيهم} ضاع عملهم في الحياة الدنيا {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} هم الرهبان عن علي (عليه السلام)، أن يظنوا أنهم أحسنوا ولا شيء أعظم من أن يتصور الإِنسان أنه محق وهو في الحقيقة مبطل، وهذه صفة المتبدعة والمقلدة الذين اتبعوا أئمة الضلال فيحسبون أنهم على شيء وعاقبتهم الهلاك، ثم بيّن تعالى حالهم فقال: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} أي جحدوا ثوابه وجزاءه والمراد القيامة لقاء جزائه {فحبطت أعمالهم} أي بطل جزاء أعمالهم {فلا نقيمُ لهم يوم القيامة وزناً} يعني لا قيمة له عند الله ولا كرامة، وقيل: لا نقيم لأعمالهم وزناً لأنها تبطل، وقيل: إنما يكون لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين، ولما تقدم الوعيد عقبه بذكر الوعد فقال سبحانه: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، قيل: الطاعات {كانت لهم} قيل: معناه تكون لهم، وقيل: كان لهم في حكم الله وعلمه {كانت لهم جنات الفردوس}، قيل: أعلا الجنة وأحسنها، ومنها يتفجر أنهار الجنة وفوقها العرش في خبر مرفوع، وقيل: ربوة الجنة وأوسطها وأرفعها، وقيل: هو البستان الذي فيه الأعناب {نزلاً}، قيل: منزلاً، وقيل: منازلاً ذات نزل {خالدين فيها} دائمين {لا يبغون عنها حولاً} تحويلاً إلى مكان آخر {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي} البحر اسم للجنس أعني جنس البحار، المداد اسم ما يمدّ به الدواة وما يمدَّ به السراج من السليط، ويقال: السماء مداد الأرض، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وكان البحر مداداً لها، والبحر اسم لجنس البحار {لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً} لنفد أيضاً والكلمات غير نافدة، وقيل: كلمات ما أعدّ لأهل الثواب وأوعد لأهل العقاب، وقيل: مقدوراته وحكمه وعجائبه {قل} يا محمد {إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ أَنَّما إلهكم إله واحد} لا شريك له في الإِلهية تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه} الآية نزلت في رجل جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إني أحب الجهاد وأحب أن يرى مكاني، فأنزل الله هذه الآية، وقيل: نزلت في جندب بن زهير كان يصلي ويصوم لقالة الناس لا يريد به وجه الله فنزلت الآية {فمن كان يرجوا لقاء ربه} جزاؤه وما وعد الله المؤمنين على التوحيد والتمسك بالشريعة، وقيل: من كان يخاف الله لم يراه على معصية، والرجاء يتضمن المعنيين الخوف والأمل، قال الشاعر: شعر : فلا كل ما ترجو من الخير كائنٌ ولا كل ما ترجو من الشر واقع تفسير : وقوله: {فليعمل عملاً صالحاً} خالصاً، وقيل: الصالح ما وافق الشرع وأمر الله به {ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}، قيل: لا يرائي بعبادة الله، وقيل: الربا الشرك الأصغر، وروي مرفوعاً، ومن قرأ عند مضجعه: {قل إنما أنا بشر مثلكم} إلى آخر السورة كان له نوراً في مضجعه يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه إلى أن يكتبه، وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتى يستيقظ.
اطفيش
تفسير : {أَفَحِسبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الهمزة للإنكار والتوبيخ أو للتعجب من جملة ما عطفته الفاء بعدها أو داخلة على محذوف معطوف عليه بالفاء كسائر نظائره فى الوجهين وحسب بمعنى ظن وقد قرأ ابن مسعود أفظن الذين كفروا. {أَنْ يَتَّخِذُوا} فى تأويل مصدر سد مسد مفعولى حسب لاشتماله على المسند والمسند إليه كأنه قيل: أفحسبوا أنفسهم متخذين أو مفعول أول والثانى محذوف يقدر بعد قوله تبارك وتعالى {أولياء} تقديره نافعهم، أو لا أعذبهم به. {عِبَادِى} الملائكة وعيسى وعزيرا. {مِنْ دُونِى} متعلق بيتخذوا أو بمحذوف حال من قوله: {أَوْلِيَاءَ} أربابا وأولياء مفعول ثان ليتخذوا. والمعنى على الوجه الأول فى مفعولى حسب: أفحسبوا أن يتخذوا عبادى فى الدنيا بعبادتهم إياهم أولياء لدفع عذاب الآخرة أو أولياء ينفعونهم فى الآخرة لا يصح ذلك أبدا بل عبادى المعبودون أعداء لهم فى الدنيا والآخرة متبرئون منهم وما أمرتهم بمولاة من يعبدون بل بعبادتى وتوحيدى أو فحسبوا أن يتخذوهم أولياء فلا أعاقبهم أو لا أغضب عليهم كلا لا يكون ذلك. وأما على الوجه الثانى فالمعنى ظاهر كأنه قيل: أفحسبوا اتخاذهم عبادى أولياء نافعا لهم أو مزيحا عنهم العذاب كلا. وعن ابن عباس: عبادى الشياطين. وقرأ علىّ أفحسب إسكان السين وضم الباء على أنه اسم فعل بمعى يكفى أى فيكفى الذين كفروا أن يتخذوا الخ فيكون الذين مفعولا له وأن يتخذوا فاعل حسب أو هو وصف بمعنى الكاف مضاف للذين مبتدأ خبره أن يتخذوا أو أن يتخذوا فاعله أغنى من الخير لاعتماده على الاستفهام أو خبر مقدم وأن يتخذوا مبتدأ والمعنى أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما كما حسبوا وهى قراءة جيدة. {إِنَّا أَعْتَدْنَا} عيّأنا {جَهَنَّمَ لِلْكَافِرينَ} هؤلاء وغيرهم {نُزُلا} ما يقدم لمن نزل بالإنسان ضيفا أو عينا من طعام ومتكأ وذلك تهكم بهم كقوله عز وعلا: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : كأنه قيل: نضيّفهم بجهنم وفيه تنبيه على أن لهم وراءها من العذاب ما يستحقونها بالنسبة إليه كالعقارب والحيات الجهنمية والزمهرير والجوع والعطش الشديدين فإن ما يستعجل للضيف قليل بالنسبة إلى ما بُعد له بعد. وقيل: نزلا بمعنى منزل وفيه تهكم أيضا.
اطفيش
تفسير : {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِى مِنْ دُونِى أَوْلِيَاءَ} أكفروا بى، فحسب الذين كفروا بى، وحسبوا بمعنى ظنوا، وقيل: العطف على مذكور، وهو كانت إلخ أو كانوا ولا ينافيه، لأنه لا تفريع على تعاميهم وتصاممهم، لأنهما نزلا منزلة الضرورى، لأنا نقول الاختيار والتشبيه مع ذلك مراعيان، والاستفهام توبيخ واستقباح، وعبادى نحو: عيسى والملائكة وعزير والإضافة للتشريف، وعلى تشريف الله سبحانه لهم بنوا عبادتهم. وقال قتادة: الملائكة والعموم أولى. وعن ابن عباس الشياطين وهو ضعيف لا يصح عنه. وعن مقاتل الأصنام، وهو ضعيف لأنه لا دليل على تخصيصها، ولأن الأصل أن لا يطلق العبد على غير العاقل. وقال بعضهم: المراد العقلاء وغيرهم كالأصنام، وفيه ما ذكرت، وأن الأصل عدم التغليب والإضافة فى هذه الوجوه يمعنى الملك لا للتشريف. وأولياء بمعنى معبودين أو أنصاراً من بأسى، وليست أن مخففة لنصب المضارع، بحذف النون، وأن يتخذوا فى تأويل مصدر مفعول أول بحسب، والثانى محذوف، أى أفحسب الذين كفروا اتخاذهم إلخ نافعًا أو دافعًا للعذاب، أو نحو ذلك، وإِنما لم يكف عن مفعولين، لأنه ليس فيه ما أصله المبتدأ والخبر، كما فى المخففة، ولا فيه ما يعلقه عن طلب مفردين نحو علمت، هل قام زبد. {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ} هيّأنا وهو دليل على أنها مخلوقة قبل يوم القيامة، ويحتمل أن المراد قضاؤها فى الأزل أو إثباتها فى اللوح المحفوظ. {لِلْكَافِرِينَ} أظهر مكان الإضمار ليذكر علة استحقاق جهنم، وهى الكفر، ويقبحهم بذكره، وتعليق الحكم بمعنى المشتق يؤذن بعلية معنى ما منه الاشتقاق. {نُزُلاً} شبها بما يعد للضيف من طعام وشراب عكسًا تحقيراً لهم، وتلويحًا بأن ما حسبوه ذخراً لهم من عبادة غير الله، استحال عليهم خسارة وخزياً، وبأنها من حيث إنها دار لهم خسيسة، ولو بضرب من الملائكة ونحوه كالشئ القليل للضيف المعجل له به قبل ما يحتفل له به بالنسبة إلى ما يكون فيها بعد من الأنكال والأغلال، وأنواع العذاب. وقال الزجاج: النزل موضع النزول، وكذا روى عن ابن عباس، وقيل: جمع نازل، وعليه فهو حال.
الالوسي
تفسير : {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي كفروا بـي كما يعرب عنه قوله تعالى: {عِبَادِى} والحسبان بمعنى الظن، وقد قرأ عبد الله {أفظن} والهمزة للإنكار والتوبيخ على معنى إنكار الواقع واستقباحه. والفاء للعطف على مقدر يفصح عنه الصلة على توجيه الإنكار والتوبيخ وإلى المعطوفين جميعاً على ما اختاره شيخ الإسلام. والمعنى أكفروا بـي مع جلالة شأني فحسبوا {أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي} من الملائكة وعيسى ونحوهم عليهم السلام من المقربين كما تشعر به الإضافة فإن الأكثر أن تكون في مثل هذا اللفظ لتشريف المضاف. واقتصر قتادة في المراد من ذلك على الملائكة؛ والظاهر إرادة ما يعمهم وغيرهم ممن ذكرنا واختاره أبو حيان / وغيره، وروي عن ابن عباس أن المراد منه الشياطين وفيه بعد ولعل الرواية لا تصح. وعن مقاتل أن المراد الأصنام وهو كما ترى، وجوز بعض المحققين أن يراد ما يعم المذكورين والأصنام وسائر المعبودات الباطلة من الكواكب وغيرها تغليباً. ولعل المقام يقتضي أن لا تكون الإضافة فيه للتشريف أي أفظنوا أن يتخذوا عبادي الذي هم تحت ملكي وسلطاني. {مِن دُونِى} أي مجاوزين لي {أَوْلِيَاء} أي معبودين أو أنصاراً لهم من بأسي. وما في حيز صلة (أن) قيل ساد مسد مفعولي (حسب) أي أفحسبوا أنهم يتخذونهم أولياء. وكأن مصب الإنكار أنهم يتخذونهم كذلك إلا أنه أقحم الحسبان للمبالغة، وقيل: المراد ما ذكر على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء لما أنه إنما يكون من الجانبين والمتخذون بمعزل عن ولايتهم لقولهم سبحانك أنت ولينا من دونهم، وقيل: (أن) وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أول لحسب والمفعول الثاني محذوف أي أفحسبوا اتخاذهم نافعهم أو سبباً لرفع العذاب عنهم أو نحو ذلك. وهو مبني على تجويز حذف أحد المفعولين في باب علم وهو مذهب بعض النحاة، وتعقب بأن فيه تسليماً لنفس الاتخاذ واعتداداً به في الجملة والأولى ما خلا عن ذلك. هذا وفي «الكشف» أن التحقيق أن قوله تعالى: {فحسب} معطوف على {كانت ...وكانوا} [الكهف: 101] دلالة على أن الحسبان ناشىء عن التعامي والتصام وأدخل عليه همزة الإنكار ذماً على ذم وقطعاً له عن المعطوف عليهما لفظاً لا معنى للإيذان بالاستقلال المؤكد للذم كأنه قيل لا يزيلون ما بهم من مرضى الغشاوة والصمم ويزيدون عليهما الحسبان المترتب عليهما. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من وضع الظاهر مقام المضمر زيادة للذم انتهى. وفي «إرشاد العقل السليم» بعد نقل ما ذكر إلى قوله كأنه قيل الخ أنه يأبـى ذلك ترك الإضمار والتعرض لوصف آخر غير التعامي والتصام على انهما أخرجا مخرج الأحوال الجبلية لهم ولم يذكرا من حيث انهما من أفعالهم الاختيارية الحادثة كحسبانهم ليحسن تفريعه عليهما. وأيضاً فإنه دين قديم لهم لا يمكن جعله ناشئاً عن تصامهم عن كلام الله عز وجل. وتخصيص الإنكار بحسبانهم المتأخر عن ذلك تعسف لا يخفى انتهى، ولا يخلو عن بحث فتأمل. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وزيد بن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم والشافعي عليه الرحمة ويحيـى بن يعمر ومجاهد وعكرمة وقتادة ونعيم بن ميسرة والضحاك وابن أبـي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة ومسعود بن صالح وابن كثير ويعقوب بخلاف عنهما {أَفَحَسِبَ} بإسكان السين وضم الباء مضافاً إلى {ٱلَّذِينَ} وخرج ذلك على أن حسب مبتدأ وهو بمعنى محسب أي كافي و{أَنْ يَتَّخِذُواْ} خبره أي أفكافيهم اتخاذهم عبادي من دوني أولياء. وفيه دلالة على غاية الذم لأنه جعل ذلك مجموع عدتهم يوم الحساب وما يكتفون به عن سائر العقائد والفضائل التي لا بد منها للفائز في ذلك اليوم. وجعل الزمخشري المصدر المتحصل من أن والفعل فاعلاً لحسب لأنه اعتمد على الهمزة واسم الفاعل إذا اعتمد ساوى الفعل في العمل، واعترض عليه أبو حيان بأن حسب مؤول باسم الفاعل وما ذكر مخصوص بالوصف الصريح. ثم أشار إلى جوابه بأن سيبويه أجاز في مررت برجل خير منه أبوه وبرجل سواء عليه الخير والشر وبرجل أب له صاحبه وبرجل إنما رجل هو وبرجل حسبك من رجل الرفع بالصفات المؤولة، وذكر أنهم أجازوا في مررت برجل أبـي عشرة أبوه ارتفاع أبوه بأبـي عشرة لأنه في معنى والد عشرة وحينئذٍ فلا كلام فيما ذكر الزمخشري. {إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ} أي هيأناها وهو ظاهر في أنها مخلوقة اليوم {لِلْكَـٰفِرِينَ} المعهودين عدل عن الإضمار ذماً لهم وإشعاراً بأن ذلك الاعتداد / بسبب كفرهم المتضمن لحسبانهم الباطل {نُزُلاً} أي شيئاً يتمتعون به عند ورودهم وهو ما يقام به للنزيل أي الضيف مما حضر من الطعام واختار هذا جماعة من المفسرين. وفي ذلك على ما قيل تخطئة لهم في حسبانهم وتهكم به حيث كان اتخاذهم إياهم أولياء من قبيل إعتاد العتاد وإعداد الزاد ليوم المعاد فكأنه قيل أنا أعتدنا لهم مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذخر جهنم عدة، وفي إيراد النزل إيماء إلى أن لهم وراء جهنم من العذاب ما هي أنموذج له، ولا يأبـى ذلك قوله تعالى: {أية : جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ } تفسير : [الكهف: 106] لأن المراد هناك أنها جزاؤهم بما فيها فافهم، وقال الزجاج: النزل موضع النزول، وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل: هو جمع نازل ونصبه على الحال وقرأ أبو حيوة وأبو عمرو بخلاف عنه {نزلاً} بسكون الزاي.
ابن عاشور
تفسير : أعقب وصف حرمانهم الانتفاع بدلائل المشاهدات على وحدانية الله وإعراضهم عن سماع الآيات بتفريع الإنكار لاتخاذهم أولياء من دون الله يزعمونها نافعة لهم تنصرهم تفريعَ الإنكار على صلة الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري، لأن حسبانهم ذلك نشأ عن كون أعينهم في غطاء وكونهم لا يستطيعون سمعاً، أي حسبوا حسباناً باطلاً فلم يغن عنهم ما حسبوه شيئاً، ولأجله كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً. وتقدم حرف الاستفهام على فاء العطف لأن للاستفهام صدر الكلام وهو كثير في أمثاله. والخلاف شهير بين علماء العربية في أن الاستفهام مقدم من تأخير، أو أن العطف إنما هو على ما بعد الاستفهام بعد حذف المستفهم عنه لدلالة المعطوف عليه. فيقدر هنا: أأمِنوا عذابي فحسبوا أن يتخذوا إلخ... وأول القولين أولى. وقد تقدمت نظائره منها قوله تعالى: { أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } تفسير : في سورة البقرة (75). والاستفهام إنكاري، والإنكار عليهم فيما يحسبونه يقتضي أن ما ظنوه باطل، ونظيره قوله { أية : أحسب الناس أن يتركوا } تفسير : [العنكبوت:2]. و {أن يتخذوا} سادٌّ مسدّ مفعولي {حسب} لأنه يشتمل على ما يدل على المفعولين فهو ينحل إلى مفعولين. والتقدير: أحسبَ الذين كفروا عبادي متخِذين أولياء لهم من دوني. والإنكار متسلط على معمول المفعول الثاني وهو {أولياء} المعمول لــــ {يتخذوا} بقرينة ما دل عليه فعل {حسب} من أن هنالك محسوباً باطلاً، وهو كونهم أولياء باعتبار ما تقتضيه حقيقة الولاية من الحماية والنصر. و {عبادي} صادق على الملائكة والجنّ والشياطين ومن عبدوهم من الأخيار مثل عيسى عليه السلام، ويصدق على الأصنام بطريق التغليب. و {من دوني} متعلّق بــــ {أولياء} إما بجعل {دوني} اسماً بمعنى حول، أي من حول عذابي، وتأويل {أولياء} بمعنى أنصاراً، أي حائلين دون عذابي ومانعيهم منه، وإما بجعل {دوني} بمعنى غيري، أي أحسبوا أنهم يستغنون بولايتهم. وصيغ فعل الاتخاذ بصيغة المضارع للدلالة على تجدده منهم وأنهم غير مقلعين عنه. وجعل في «الكشاف» فعل {يتخذوا} للمستقبل، أي أحسبوا أن يتخذوا عبادي أولياء يوم القيامة كما اتّخذوهم في الدنيا، وهو المشار إليه بقوله {وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا}. ونظرّه بقوله تعالى: { أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم } تفسير : [سبأ: 40 - 41]. وإظهار الذين كفروا دون أن يقال: أفحسبوا، بإعادة الضمير إلى الكافرين في الآية قبلها، لقصد استقلال الجملة بدلالتها، وزيادةً في إظهار التوبيخ لهم. وجملة {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً}مقررة لإنكار انتفاعهم بأوليائهم فأكد بأن جهنم أُعدت لهم نزلاً فلا محيص لهم عنها ولذلك أكد بحرف (إنّ). و {أعتدنا:} أعددنا، أبدل الدال الأولى تاء لقرب الحرفين، والإعداد: التهيئة، وقد تقدم آنفاً عند قوله تعالى: { أية : إنا أعتدنا للظالمين ناراً } تفسير : [الكهف: 29]. وجَعل المسند إليه ضميرَ الجلالة لإدخال الروع في ضمائر المشركين. والنُزُل ــــ بضمتين ــــ: ما يُعدّ للنزيل والضيف من القِرى. وإطلاق اسم النزل على العذاب استعارة علاقتها التهكم، كقول عمرو بن كلثوم: شعر : قريناكم فعجّلنا قِراكم قُبيلَ الصبح مِرْدَاةً طحونا
الشنقيطي
تفسير : الهمزة في قوله تعالى: {أفحسب} للإنكار والتوبيخ. وفي الآية حذف دل المقام عليه. قال بعض العلماء: تقدير المحذوف هو: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، ولا أعاقبهم العقاب الشديد! كلا!! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد. بدليل قوله تعالى بعده: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً} وقال بعض العلماء: تقديره: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء! وأن ذلك ينفعهم. كلا! لا ينفعهم بل يضرهم. ويدل لهذا قوله تعالى عنهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر: 3] وقوله عنهم: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : [يونس: 18]. ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله: {أية : قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [يونس: 18]، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم. أو أن ذلك ينفعهم - جاء مبيناً في مواضع، كقوله في أول سورة "الأعراف": {أية : ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [الأعراف: 3] الآية. فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية، لأنه يضرهم ولا ينفعهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي من دون الله لأحد، وإنما الموالاة في الله، كقوله: {أية : وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ}تفسير : [الكهف: 26] الآية، وقوله:{أية : وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}تفسير : [هود: 113]، وقوله: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ}تفسير : [الشورى: 44] الآية، وقوله {أية : وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ}تفسير : [الأنعام: 51] الآية، وقوله: {أية : وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ}تفسير : [الأنعام: 70] الآية، ونحو ذلك من الآيات. وسيأتي له قريباً إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح وأمثلة. والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله "عبادي" أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزير. لا الشياطين ونحوهم، لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالباً. وقد بين تعالى: أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ}تفسير : [سبأ: 40-41] الآية، وقوله {إنا أعتدنا} قد أوضحنا معناه في قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً}تفسير : [الكهف: 29] الآية، فأغنى عن إعادته هنا. وفي قوله {نزلاً} أوجه من التفسير للعلماء، أظهرها" أن "النزل" هو ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه. والمعنى: أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ربهم هو جهنم المعدة لهم، كقوله: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [آل عمران: 21]. وقوله: {أية : يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}تفسير : [الكهف: 29]. وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى. {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} لأن ذلك الماء الذي يشوي الوجوه ليس فيه إغاثة، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو قادم. الوجه الثاني - أن "نزلاً" بمعنى المنزل، أي اعتدنا جهنم للكافرين منزلاً، أي مكان نزول، لا منزل لهم غيرها. وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن "النزل" جمع نازل، كجمع الشارف على شرف بضمتين. والذي يظهر في إعراب "نزلاً" أنه حال مؤولة بمعنى المشتق. أو مفعول لـ "اعتدنا" بتضمينه معنى صيرنا أو جعلنا. والله تعالى أعلم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفحسب الذين كفروا: الاستفهام للتقريع والتوبيخ. أن يتخذوا عبادي: كالملائكة وعيسى بن مريم والعزير وغيرهم. أولياء: أرباباً يعبدوهم بأنواع من العبادات. نزلا: النزل: ما يعد للضيف من قرى وهو طعامه وشرابه ومنامه. ضل سعيهم: أي بطل عملهم وفسد عليهم فلم ينتفعوا به. يحسنون صنعا: أي بعمل يجازون عليه بالخير وحسن الجزاء. بآيات ربهم: أي بالقرآن وما فيه من دلائل التوحيد والأحكام الشرعية. ولقائه: أي كفروا بالبعث والجزاء. وزناً: أي لا نجعل لهم قدراً ولا قيمة بل نزدريهم ونذلهم. ذلك: أي أولئك جزاؤهم جهنم وأطلق لفظ ذلك بدل أولئك، لأنهم بكفرهم وحبوط أعمالهم أصبحوا غثاء كغثاء السيل لا خير فيه ولا وزن له فحسن أن يشار إليه بذلك. معنى الآيات: ينكر تعالى على المشركين شركهم ويوبخهم مقرعاً لهم على ظنهم أن اتخاذهم عِبَادهُ من دونه أولياء يعبدونهم كالملائكة حيث عبدهم بعض العرب والمسيح حيث عبده النصارى، والعزير حيث عبده بعض اليهود، لا يغضبه تعالى ولا يعاقبهم عليه. وكيف لا يغضبه ولا يعاقبهم عليه وقد أعد جهنم للكافرين نزلاً أي دار ضيافة لهم فيها طعامهم وفيها شرابهم وفيها فراشهم كما قال تعالى {أية : لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} تفسير : [الأعراف: 41] هذا ما دلت عليه الآية الأولى [102] وهي قوله تعالى {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً}. وقوله تعالى في الآية الثانية [103] يخبر تعالى بأسلوب الاستفهام للتشويق للخبر فيقول {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم} أيها المؤمنون {بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً} إنهم {ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} أي عملاً، ويعرفهم فيقول {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} فلم يؤمنوا بها، وبلقاء ربهم فلم يعملوا العمل الذي يرضيه عنهم ويسعدهم به وهو الإِيمان الصحيح والعمل الصالح الذي شرعه الله لعباده المؤمنين به يتقربون به إليه. فلذلك حبطت أعمالهم لأنها شرك وكفر وشر وفساد، {فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} إذ لا قيمة لهم ولا لأعمالهم الشركية الفاسدة الباطلة فإن أحدهم لا يزن جناح بعوضة لخفته. وأخيراً أعلن تعالى عن حكمه فيهم وعليهم فقال {ذَلِكَ} أي المذكور من غثاء الخلق {جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ} وعلل للحكم فقال: {بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً} أي بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات ربهم وبرسله فكان الحكم عادلاً، والجزاء موافقاً والحمد الله رب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير شرك من يتخذ الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء آلهة يعبدوهم تحت شعار التقرب إلى الله تعالى والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله تعالى بحبهم والتقرب إليهم. 2- تقرير هلاك أصحاب الأهواء الذين يعبدون الله تعالى بغير ما شرع ويتوسلون إليه بغير ما جعله وسيلة لرضاه وجنته. كالخوارج والرهبان من النصارى والمبتدعة الروافض والإِسماعيلية، والنصيرية والدروز ومن إليهم من غلاة المبتدعة في العقائد والعبادات والأحكام الشرعية. 3- لا قيمة ولا ثقل ولا وزن لعمل لا يوافق رضا الله تعالى وقبوله له، كما وزن عند الله تعالى لصاحبه، وإن مات خوفا من الله أو شوقاً إليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} (102) - أَفَظَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِي، وَاتَّخَذُوا عِبَادِي، الَّذِينَ هُمْ فِي قَبْضَتِي، وَتَحْتَ سُلْطَانِي، كَالمَلاَئِكَةِ وَعِيسَى وَعُزَيْرٍ ... مَعْبُودَاتٍ مِنْ دُونِي أَنَّ هؤُلاَءِ المَعْبُودِينَ سَيَنْفَعُونَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يُجْدِيهِمْ نَفْعاً، وَلَنْ يُنْجِيَهُمْ مِمَّا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ النَّكَالِ وَالوَبَالِ، وَلَنْ يُنْجِيَهُمْ مِنَ العَذَابِ، فَقَدْ هَيَّأْنَا جَهَنَّمَ وَأَعْدَدْنَاهَا لِهؤُلاَءِ الْكَافِرِينَ لِتَكُونَ لَهُمْ مَقَرّاً وَمُسْتَقَرّاً (نُزُلاً). نُزُلاً - مَنْزِلاً أَوْ شَيْئاً يَمْتَنِعُونَ بِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ ..} [الكهف: 102] يعني: أعَمُوا عن الحق فظنُّوا أنْ يتخذوا عبادي من دوني أولياء؟ وسبق أن تحدثنا عن كلمة (عِبَادي) وقلنا: إنهم المؤمنون بي المحبون لي، الذين اختاروا مرادات الله على اختيارات نفوسهم، وفرَّقْنا بين عبيد وعباد. والكلام هنا عن الذين كفروا الذين اتخذوا عباد الله المقربين إليه المحبين له أولياء من دون الله، كما قال تعالى: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ..}تفسير : [النساء: 172]. فكيف تتخذونهم أولياء من دوني وتعاندونني بهم وهم أحبتي؟ يقول تعالى: {أية : وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [التوبة: 30] ومنهم مَنْ قال: الملائكة بنات الله، فكيف تتخذونهم أولياء من دون الله وهم لا يستنكفون أن يكونوا عباداً لله، ويروْنَ شرفهم وعِزَّتهم في عبوديتهم له سبحانه، فإذا بكم تتخذونهم أولياء من دوني، ويا ليتكم جعلتُم ذلك في أعدائي، فهذا منهم تغفيل حتى في اتخاذ الشركاء؛ لذلك كان جزاءَهم أنْ نُعِدَّ لهم جهنم: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً} [الكهف: 102] والنُّزُل: ما يُعَدُّ لإكرام الضيف كالفنادق مثلاً، فهذا من التهكّم بهم والسُّخرية منهم. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا برهان وبيان، لبطلان دعوى المشركين الكافرين، الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء، شركاء لله يعبدونهم، ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء، ينجونهم من عذاب الله، وينيلونهم ثوابه، وهم قد كفروا بالله وبرسله. يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول: { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ } أي: لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله معاديا لله أبدا، فإن الأولياء موافقون لله في محبته ورضاه، وسخطه وبغضه، فيكون على هذا المعنى مشابها لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ }. تفسير : فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له وهو معاد لله فهو كاذب ويحتمل -وهو الظاهر- أن المعنى أفحسب الكفار بالله المنابذون لرسله أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم وينفعونهم من دون الله ويدفعون عنهم الأذى؟ هذا حسبان باطل وظن فاسد فإن جميع المخلوقين ليس بيدهم من النفع والضر شيء ويكون هذا كقوله تعالى {أية : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا } {أية : وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } تفسير : ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه ضال خائب الرجاء غير نائل لبعض مقصوده. { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نزلا } أي ضيافة وقرى فبئس النزل نزلهم وبئست جهنم ضيافتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):