Verse. 2247 (AR)

١٨ - ٱلْكَهْف

18 - Al-Kahf (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ كَانَتْ لَہُمْ جَنّٰتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا۝۱۰۷ۙ
Inna allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati kanat lahum jannatu alfirdawsi nuzulan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم» في علم الله «جناتُ الفردوس» هو وسط الجنة وأعلاها والإضافة إليه للبيان «نُزُلاً» منزلاً.

107

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد، ولما ذكر في الكفار أن جهنم نزلهم، أتبعه بذكر ما يرغب في الإيمان والعمل الصالح. فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }. المسألة الثانية: عطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وذلك يدل على أن الأعمال الصالحة مغايرة للإيمان. المسألة الثالثة: عن قتادة الفردوس وسط الجنة وأفضلها، وعن كعب ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس، وفيها الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وعن مجاهد الفردوس هو البستان بالرومية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، ومنها الأنهار الأربعة والفردوس من فوقها، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنها تتفجر أنهار الجنة » تفسير : . المسألة الرابعة: قال بعضهم إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلاً للمؤمنين والكريم إذا أعطى النزل أولاً فلا بد أن يتبعه بالخلعة وليس بعد الجنة بكليتها إلا رؤية الله، فإن قالوا: أليس أنه تعالى جعل في الآية الأولى جملة جهنم نزلا الكافرين ولم يبق بعد جملة جهنم عذاب آخر، فكذلك ههنا جعل جملة الجنة نزلاً للمؤمنين مع أنه ليس له شيء آخر بعد الجنة، والجواب: قلنا للكافر بعد حصول جهنم مرتبة أعلى منها وهو كونه محجوباً عن رؤية الله كما قال تعالى: { أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [المطففين: 15، 16] فجعل الصلاء بالنار متأخر في المرتبة عن كونه محجوباً عن الله، ثم قال تعالى: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } الحول التحول، يقال: حال من مكانه حولاً كقوله عاد في حبها عوداً يعني لا مزيد على سعادات الجنة وخيراتها حتى يريد أشياء غيرها، وهذا الوصف يدل على غاية الكمال لأن الإنسان في الدنيا إذا وصل إلى أي درجة كانت في السعادات فهو طامح الطرف إلى ما هو أعلى منها.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } فيما سبق من حكم الله ووعده، و {ٱلْفِرْدَوْسِ } أعلى درجات الجنة، وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به: أن لهم جنات الفردوس، قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب، وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة، وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وقد روي هذا مرفوعاً من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها»تفسير : . وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة مرفوعاً، وروي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعاً بنحوه، روى ذلك كله ابن جرير رحمه الله، وفي "الصحيحين": «حديث : إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة»تفسير : . وقوله تعالى: {نُزُلاً} أي: ضيافة، فإن النزل الضيافة. وقوله: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي: مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبداً {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي: لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها؛ كما قال الشاعر:شعر : فَحَلَّتْ سُوَيْدا القَلْبِ لا أنا باغِياً سِواها ولا عَنْ حُبِّها أَتَحَوَّلُ تفسير : وفي قوله: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائماً أنه قد يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولاً ولا انتقالاً ولا ظعناً ولا رحلة ولا بدلاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ } في علم الله {جَنَّٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ } هو وسط الجنة وأعلاها والإِضافة إليه للبيان {نُزُلاً } منزلاً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُم جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} في {الْفِرْدَوْسِ} خمسة أقاويل: أحدها: أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة. الثاني: أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه ضمرة مرفوعاً. الثالث: أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد. الرابع: أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج. الخامس: أنه البستان الذي فيه الأعناب، قاله كعب. واختلف في لفظه على أربعة أقاويل: أحدها: أنه عربي وقد ذكرته العرب في شعرها، قاله ثعلب. الثاني: أنه بالرومية، قاله مجاهد. الثالث: انه بالنبطية، فرداساً، قاله السدي. الرابع: بالسريانية، قاله أبو صالح. قوله عز وجل: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي متحولاً وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: بدلاً، قاله الضحاك. الثاني: تحويلاً، قاله مقاتل. الثالث: حيلة، أي لا يحتالون منزلاً غيرها. وقيل إنه يقول أولهم دخولاً إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل مني، ويقول آخرهم دخولاً إنما أخرني الله لأنه ليس أحد أعطاه الله مثل ما أعطاني.

ابن عطية

تفسير : لما فرغ من ذكر الكفرة والأخسرين أعمالاً الضالين، عقب بذكر حالة المؤمنين ليظهر التباين، وفي هذا بعث النفوس على اتباع الحسن القويم، واختلف المفسرون في {الفردوس} فقال قتادة إنه أعلى الجنة وربوتها، وقال أبو هريرة إنه جبل تنفجر منه أنهار الجنة، وقال أبو أمامة، إنه سرة الجنة، ووسطها، وروى أبو سعيد الخدري أنه تنفجر منه أنهار الجنة، وقال عبد الله بن الحارث بن كعب إنه جنات الكرم والأعناب خاصة من الثمار، وقاله كعب الأحبار، واستشهد قوم لذلك بقول أمية بن أبي الصلت: [البسيط] شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل تفسير : وقال الزجاج قيل إن {الفردوس} سريانية، وقيل رومية، ولم يسمع بـ {الفردوس} في كلام العرب إلا في بيت حسان: [الطويل] شعر : وإن ثواب الله كل موحد جنان من الفردوس فيها يخلد تفسير : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس"تفسير : ، وقالت فرقة {الفردوس} البستان بالرومية، وهذا اقتضاب القول في {الفردوس} وعيون ما قيل، وقوله {نزلاً} يحتمل الوجهين اللذين قدمناهما قبل، و"الحلول" بمعنى التحول، قال مجاهد: متحولاً، ومنه قول شصار: [مجزوء الرجز] شعر : لكل دولة أجل ثم يتاح لها حول تفسير : وكأنه اسم جمع، وكأن واحده حوالة، وفي هذا نظر، وقال الزجاج عن قوم: هي بمعنى الحيلة في التنقل. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف متكلف، وأما قوله {قل لو كان البحر} إلى آخر الآية، فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي عليه السلام كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها، ومبعوث إليها، وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، وأنت مقصر، قد سئلت في الروح ولم تجب فيه، ونحو هذا من القول، فنزلت الآية معلمة باتساع معلومات الله عز وجل، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدع ولا نكير، فعبر عن هذا بتمثيل ما يستكثرونه، وهو قوله {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي} و"الكلمات": هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، ومعلومات الله سبحانه لا تناهى، و {البحر} متناه، ضرورة، وقرأ الجمهور: "تنفد" بالتاء من فوق، وقرأ عمرو بن عبيد "ينفد" بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة: قبل أن تقضي كلمات ربي، وقوله {مداداً} أي زيادة، وقرأ الجمهور: "مداداً" وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد والأعرج "مدداً"، فالمعنى لو كان البحر {مداداً} تكتب به معلومات الله عز وجل، لنفد قبل أن يستوفيها، وكذلك إلى ما شئت من العدد، و {إنما أنا بشر مثلكم} لم أعط إلا ما أوحي إلي وكشف لي، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: "ينفد" بالياء من تحت، وقرأ الباقون بالتاء، وقوله {قل إنما أنا بشر مثلكم} المعنى: {إنما أنا بشر} ينتهي علمي إلى حيث {يوحى إلي} ومهم ما يوحى إلي، أنما إلهكم إله واحد، وكان كفرهم بعبادة الأصنام فلذلك خصص هذا الفصل مما أوحي إليه، ثم أخذ في الموعظة، والوصاة البينة الرشد، و {يرجو} على بابها، وقالت فرقة: {يرجو} بمعنى يخاف، وقد تقدم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ربه وكل موقن بلقاء ربه، فلا محالة أنه بحالتي خوف ورجاء، فلو عبر بالخوف لكان المعنى تاماً على جهة التخويف والتحذير، وإذا عبر بالرجاء فعلى جهة الإطماع وبسط النفوس إلى إحسان الله تعالى، أي {فمن كان يرجو} النعيم المؤبد من ربه {فليعمل} وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى، وقال ابن جبير في تفسيرها لا يرائي في عمله وقد روي حديث أنها نزلت في الرياء، حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يجاهد ويحب أن يحمده الناس، وقال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْفِرْدَوْسِ} وسط الجنة وأطيب موضع فيها، أو أعلاها وأحسنها، أو بستانها، أو البستان الجامع لمحاسن كل بستان، أو كل بستان محوط فردوس، وهو عربي أو رومي، أو سرياني وبالنبطية فرداساً.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ }: اختلف المفسِّرون في «الفِرْدَوسِ» فقال قتادة: إِنه أعلى الجَنَّةَ وَرَبْوتها، وقال أبو هريرة: إِنه جَبَلٌ تتفجَّر منه أنهارُ الجَنَّة، وقال أبو أُمَامَةِ: إِنه سُرَّة الجنة ووسطها، وروى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، أنه تتفجَّر منه أنهار الجَنَّة، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ: « حديث : إِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فٱسْأَلُوهُ الفِرْدَوْس ». تفسير : * ت *: ففي «البخاريِّ» من حديث أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : إِنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللَّهُ لِلمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّه، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْن كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فاسْأَلُوَهُ الفِرْدَوُسَ؛ فإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمٰنِ، ومِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ » تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } «الحِوَلُ» بمعنى المتحوَّل. قال مجاهدٌ: متحوَّلاً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية. لما ذكر وعيد الكفَّار، ونزلهم، أتبعه بوعيدِ المؤمنين ونزلهم. قال قتادة: الفِرْدَوس: وسطُ الجنَّة، وأفضلها. وعن كعبٍ: ليس في الجنانِ أعلى من جنَّة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف، والنَّاهون عن المنكر. وعن مجاهدٍ: الفردوسُ: هو البستان، بالرومية. وقال عكرمة: هو الجنَّة بلسان الحبش. وقال الزجاج: هو بالروميَّة منقولٌ إلى لفظ العربيَّة. وقال الضحاك: هي الجنَّة الملتفَّة الأشجارِ. وقيل: هي التي تنبت ضروباً من النَّبات. وقيل: الفردوس: الجنَّة من الكرم خاصَّة. وقيل: ما كان عاليها كرماً. وقيل: كلُّ ما حُوِّط عليه، فهو فردوس. وقال المبرِّد: الفردوس فيما سمعتُ من العرب: الشَّجرُ الملتفُّ، والأغلب عليه: أن يكون من العنب، واختلفوا فيه: فقيل: هو عربيٌّ، وقيل: هو أعجميٌّ، وقيل: هو روميٌّ، أو فارسيٌّ، أو سرياني، قيل: ولم يسمعْ في كلام العرب إلاَّ في قوله حسَّان: [الطويل] شعر : 3572- وإنَّ ثَوابَ الله كُلَّ مُوحِّدٍ جِنَانٌ من الفِرْدوس فيهَا يَخُلَّدُ تفسير : وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه سمع في شعر أميَّة بن أبي الصَّلت: [البسيط] شعر : 3573- كَانَتْ مَنازِلهُمْ إذ ذَاكَ ظَاهِرةً فيهَا الفَراديسُ ثمَّ الثُّومُ والبَصَلُ تفسير : ويقال: كرمٌ مفردسٌ، أي: معرِّش، ولهذا سمِّيت الروضة التي دون اليمامةِ فردوساً. وإضافة جنَّاتٍ إلى الفردوس إضافة تبيينٍ، وجمعه فراديسُ؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : في الجنَّة مائةُ درجةٍ ما بَيْنَ كلِّ درجةٍ مسيرةُ مائة عامٍ، والفِردوسُ أعلاها درجةً، وفيها الأنهارُ الأربعة، والفِرْدَوسُ من فَوْقِهَا، فإذا سَألتمُ الله تعالى، فاسْألُوهُ الفِرْدوسَ؛ فإنَّ فوقها عَرْشُ الرَّحمنِ، ومِنْهَا تُفجَّرُ أنهارُ الجنَّة ". تفسير : قوله: "نُزُلاً": فيه ما تقدَّم: من كونه اسم مكان النزول، أو ما يعدُّ للضَّيف، وفي نصبه وجهان: أحدهما: أنه خبر "كَانَتْ" و "لهُمْ" متعلقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من "نُزلاً" أو على البيان، أو بـ "كَانَتْ" عند من يرى ذلك. والثاني: أنه حالٌ من "جنَّات" أي: ذوات نُزُلٍ، والخبر الجارُّ. وإذا قلنا بأنَّ النُّزل هو ما يهيَّأ للنَّازل، فالمعنى: كانت لهم ثمارٌ جنَّات الفردوس، ونعيمها نزلاً، ومعنى "كَانتْ لَهُمْ" أي: في علم الله قبل أن يخلقوا. قوله: {لاَ يَبْغُونَ}: الجملة حال: إمَّا من صاحب "خَالِدينَ" وإمَّا من الضمير في "خَالِدِينَ" فتكون حالاً متداخلة. والحِوَلُ: قيل: مصدر بمعنى "التَّحَوُّل" يقال: حال عن مكانه حِوَلاً؛ فهو مصدر؛ كالعِوَج، والعِوَد، والصِّغر؛ قال: [الرجز] شعر : 3574- لِكُلِّ دَولةٍ أجَلْ ثم يُتَاحُ لهَا حِوَلْ تفسير : والمعنى: لا يطلبون عنها تحوُّلاً إلى غيرها؟ وقال الزجاج: "هو عند قومٍ بمعنى الحيلة في التنقُّل" وقال ابن عطيَّة: "والحِوَلُ: بمعنى التَّحول؛ قال مجاهد: مُتحوَّلاً" وأنشد الرَّجز المتقدم، ثم قال: "وكأنَّه اسمُ جمعٍ، وكأنَّ واحده حوالةٌ" قال شهاب الدين: وهذا غريبٌ، والمشهور الأول، والتصحيح في "فِعَلٍ" هو الكثير، إن كان مفرداً؛ نحو: "الحِوَلِ" وإن كان جمعاً، فالعكس؛ نحو: "ثِيرَة" و "كِبَرة". قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} الآية. لما ذكر في هذه السورة أنواع الدَّلائل والبيِّنات، وشرح فيها أقاصيص الأوَّلين، نبَّه على كمال حال القرآن، فقال: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي}. قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد، تزعمُ أنّك قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة: 269]. ثم تقول: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85]. فأنزل الله هذه الآية. وقيل: لمَّا نزلت: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} قالت اليهود: أوتينا التوراة، وفيها علمُ كلِّ شيءٍ، فأنزل الله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي}. والمِدَادُ: اسمٌ لما تمدُّ به الدَّواة من الحبرِ، ولما يمدُّ به السِّراجُ من السَّليط، وسمي المدادُ مداداً؛ لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة. وقال مجاهدٌ: لو كان البحر مداداً للقلم والقلم يكتب "لنفِد البَحْرُ" أي: ماؤهُ. قوله: "تنفد": قرأ الأخوان "يَنْفدَ" بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازي، والباقون بالتاء من فوق؛ لتأنيث اللفظ، وقرأ السلميُّ - ورويت عن أبي عمرو وعاصم - "تنفَّد" بتشديد الفاء، وهو مطاوع "نفَّد" بالتشديد؛ نحو: كسَّرته، فتكسَّر، وقراءة الباقين مطاوع "أنْفَدتُّهُ". قوله: "ولَوْ جِئْنَا" جوابها محذوفٌ لفهم المعنى، تقديره: لَنفِدَ، والعامة على "مَدداً" بفتح الميم، والأعمش قرأ بكسرها، ونصبه على التمييز كقوله: [الطويل] شعر : 3575-................ فإنَّ الهَوَى يَكْفِيكهُ مثلهُ صَبْرا تفسير : وقرأ ابن مسعود، وابن عبَّاس "مِداداً" كالأول، ونصبه على التَّمييز أيضاً عند أبي البقاء، وقال غيره - كأبي الفضل الرازيِّ -: إنه منصوب على المصدر، بمعنى الإمداد؛ نحو: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] قال: والمعنى: ولو أمددناهُ بمثله إمداداً. فصل في معنى الآية المعنى: ولو كان الخلائقُ بكتبُون، والبَحْرُ يمدُّهم، لنفد ما في البحر، ولم تنفدْ كلماتُ ربِّي {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} أي بمثل ماء البحر في كثرته. قوله: {مَدَداً} نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 27]. واستدلُّوا بهذه الآية على أنَّها صريحةٌ في إثباتِ كلماتٍ كثيرة لله تعالى. قال ابن الخطيب: وأصحابنا حملوا الكلماتِ على متعلِّقات علم الله تعالى. قال الجبائيُّ: وأيضاً قوله: {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} يدلُّ على أنَّ كلمات الله تعالى، قد تنفدُ في الجملة، وما ثبت عدمهُ، امتنع قدمهُ. وأيضاً قال: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا}. وهذا يدلُّ على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه، والذي يجيءُ به يكون محدثاً، والذي يكون المحدثُ كلامهُ فهو أيضاً محْدَثٌ. فالجوابُ: بأنَّ المراد به الألفاظ الدَّالَّة على تعلُّقات تلك الصِّفاتِ الأزليَّة. ولمَّا بيَّن تعالى تمام كلامه أمر محمَّداً صلى الله عليه وسلم بأن يسلك طريقة التَّواضع، فقال: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}. أي: لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلاَّ في أنَّ الله تعالى، أوحى إليّ أنَّه لا إله إلاَّ هو الواحد الأحد. قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: علَّم الله - عزَّ وجلَّ - رسوله صلى الله عليه وسلم التواضع، فأمره أن يُقرَّ، فيقول: أنا آدميٌّ مثلكم إلاَّ أنِّي خُصِصْتُ بالوحي. قوله: {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} وهو يدلُّ على مطلوبين: أحدهما: أن كلمة "أنَّما" تفيد الحصر. والثاني: كون الإله واحداً. قوله: {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ}: "أنَّ" هذه مصدرية، وإن كانت مكفوفة بـ "ما" وهذا المصدر فائمٌ مقام الفاعل؛ كأنَّه قيل: إنَّما يوحى إليَّ التوحيد. قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ}. الرَّجاء: هو ظنُّ المنافع الواصلة، والخوفُ: ظنُّ المضارِّ الواصلة إليه، فالرَّجاءُ هو الأملُ. وقيل: معنى "يَرْجُو لقاءَ ربِّه" أي: يخاف المصير إليه، فالرجاء يكون بمعنى الخوف، والأمل جميعاً؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 3576- فَلاَ كُلُّ مَا تَرجُو مِنَ الخَيْرِ كَائِنٌ ولا كَلُّ مَا تَرْجُو من الشَّرِ واقِعُ تفسير : فجمع بين المعنيين، وأهل السُّنة حملوا لقاء الربِّ على رؤيته. والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله. قوله تعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً}. قرأ العامة: "ولا يُشْرِكْ" بالياء من تحتُ، عطف نهي على أمرٍ، ورُويَ عن أبي عمرو "ولا تُشْرِكْ" بالتاءِ من فوق؛ خطاباً على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ثم التفت في قوله "بِعبادَةِ ربِّهِ" إلى الأول، ولو جيء على الالتفات الثاني، لقيل: "ربِّك" والباء سببيةٌ، أي: بسبب. وقيل: بمعنى "في". فصل في ورود لفظ الشرك في "القرآن الكريم" قال أبو العبَّاس المقري: ورد لفظ "الشِّرْك" في القرآن بإزاء معنيين: الأول: بمعنى الشِّرك في العمل؛ كهذه الآية. الثاني: بمعنى العَدْل؛ قال تعالى: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 36]. أي: ولا تعدلوا به شيئاً. فصل في بيان الشرك الأصغر قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : أخْوَفُ مَا أخَافُ عَليْكُمُ الشِّركُ الأصْغَرُ، قَالُوا: وما الشِّرْكُ الأصغر؟ قال: الرِّيَاءُ ". تفسير : وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّ الله تَعالَى يَقُولُ: أنَا أغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمنْ عَمِلَ عملاً أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي، فَأنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وهُوَ للَّذي عَمِلهُ ". تفسير : وعن أبي الدَّرداء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أوَّلِ سُورةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجالِ ". تفسير : وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ قَرَأ أوَّلَ سُورةِ الكَهْفِ، كَانَتْ لَهُ نُوراً مِنْ قَدمَيْهِ إلى رأسِهِ، ومَنْ قَرَأهَا، كَانَتْ لَهُ نُوراً مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ ". تفسير : وعن سمرة بن جُنْدبٍ، عن أبيه قال: قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ عَشْرَ آياتٍ مِنَ الكهْفِ حِفْظاً، لَمْ يَضرَّهُ فِتْنَةُ الدَّجالِ، ومن قَرَأ السُّورة كُلَّهَا، دَخلَ الجنَّة ". تفسير : وعن عبد الله بن أبي فروة، قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا أدُلُّكمْ على سُورةٍ شيَّعها سَبْعُونَ ألفَ ملكٍ، حِينَ نَزلَتْ، ملأَ عِظَمُهَا مَا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولتَالِيهَا مِثْلُ ذلِكَ؟ قالوا: بَلَى يا رسُول الله، قَالَ: سُورَةُ الكَهْفِ مَنْ قَرَأها يَوْمَ الجُمعةِ، غُفِرَ لهُ إلى الجُمعةِ الأخرى، وزِيَادةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، وأعْطِي نُوراً يَبْلغُ السَّماءَ، وَوُقِيَ فِتْنةَ الدَّجالِ ".

السلمي

تفسير : قال أبو بكر الوراق: من أنزل نفسه فى الدنيا منزل الصادقين أنزله الله فى الآخرة منزلة المقربين. قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} تفسير : [مريم: 96]. وقال الحسين: من نظر إلى العمل حجب عمن عَمِلَ له ومن نظر إلى من عَمِلَ له العمل حجب عن رؤية العمل. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون رحمه الله يقول: مثل المؤمن كالأرض تطيق حمل كل شىء، وكالمطر إذا سقط سقى كل شىء أراد أو لم يرد.

القشيري

تفسير : لهم جنات مُعَجَّلة سراً، ولهم جنان مؤجلة جهراً. اليوم جنان الوصل وغداً جنان الفضل. اليوم جنان العرفان وغداً جنان الرضوان.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين آمنوا} فى الدنيا {وعملوا الصالحات} من الاعمال وهى ما كانت خالصة لوجه الله تعالى {كانت لهم} فى علم الله تعالى {جنات الفردوس}[بهشتهاى فردوس يعنى بوستانهاى مشتمل براشجاركه اكثر آن تاك بود]. قال فى القاموس الفردوس البستان يجمع كل ما يكون فى البساتين يكون فيه الكروم وقد يؤنث عربية او رومية نقلت او سريانية انتهى {نزلا} خبر كانت والجار والمجرور متعلق بمحذوف على انه حال من نزلا والنزل المنزل وما هيئ للضيف النازل اى كانت جنات الفردوس منازل مهيأة لهم او ثمار جنات الفردوس نزلا او جعلت نفس الجنات نزلا مبالغة فى اكرام. وفيه ايذان بانها عند ما اعدها الله لهم على ما جرى على لسان النبوة من قوله "حديث : اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : بمنزلة النزل بالنسبة الى الضيافة. قال الكاشفى هى دولة اللقاء: قال الحافظ شعر : نعت فردوس زاهد روماراروى دوست قيمت هركس بقدر همت والاى اوست تفسير : وفى المثنوى شعر : هشت جنت فت دوزخ بيش من هست بيدا همجوبت بيش شمن تفسير : ومن هنا قال ابو يزيد البسطامى قدس سره لو عذبنى الله يوم القيامة لشغلنى بالجنة ونعيمها فلا جنة اعلى من جنة اللقاء والوصال ولا نار اشد من نار الهجران والفراق شعر : روزشب غصه وخون ميخورم وجون نخورم جون زديدار تو دورم بجه باشم دلشاد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إِن الذين آمنوا} بآيات ربهم ولقائه، {وعملوا} الأعمال {الصالحات كانت لهم}؛ فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده، {جنَّاتُ الفردوسِ}، وهي أعلى الجنان. وعن كعب: أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي: أهل الوعظ والتذكير من العارفين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : في الجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُل دَرَجتين كما بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْض، أَعلاها الفِرْدَوس، ومِنْها تَفَجَّرُ أنْهَارُ الجنَّةِ، فَوْقَها عَرْشُ الرحمن، فإذَا سَأَلْتُمُ اللهُ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ "تفسير : . وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: "حديث : جنان الفردوس أربع: جنتان من فِضَّةٍ، أبنيتهما وآنيتُهُما، وجنَّتان من ذهب، أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظُرُوا إلى ربهمْ إلا رِدَاءُ الكبْرياءِ على وَجْهِه"تفسير : . وقال قتادة: الفردوس: ربوة الجنة. وقال أبو أمامة: هي سرة الجنة. وقال مجاهد: الفردوس: البستان بالرومية. وقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار. كانت لهم {نُزُلاً} أي: مقدمة لهم عند ورودهم عليه، على حذف مضاف، أي: كانت لهم ثمار جنة الفردوس نُزلاً، أو جعلنا نفس الجنة نُزلاً، مبالغةً في الإكرام، وفيه إيذان بأن ما أعدَّ الله لهم على ما نطق به الوحي على لسان النبوة بقوله: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر"تفسير : . هو بمنزلة النُزُل بالنسبة إلى الضيافة وما بعدها، وإن جُعِلَ النُزل بمعنى المنزل؛ فظاهر. {خالدين فيَبْغُون عنها حِوَلاً} أي: لا يطلبون تحولاً عنها؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم، وأرفع منها، حتى تنزع إليه أنفسهم، أو تطمح نحوه أبصارهم. ونعيمهم مجدد بتجدد أنفاسهم، لا نفادَ له ولا نهاية؛ لأنه مكون بكلمة "كن"، وهي لا تتناهى. قال تعالى: {قل لو كان البحرُ} أي: جنس البحر {مِدَادًا}، وهو ما تمد به الدواة من الحِبْر، {لِكلماتِ ربي} وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة، من اللطف والإكرام، مما لا تكيفُه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، فلو كانت البحار مدادًا والأشجار أقلامًا لنفدت، ولم يبق منها شيء، {قبل أن تنفد كلماتُ ربّي}؛ لأن البحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية. ثم أكّده بقوله: {ولو جئنا بمثله مدَدًا} أي: لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى، هذا لو لم يجيء بمثله مددًا، بل ولو جئنا بمثله {مددًا}؛ عونًا وزيادة؛ لأن ما دخل عالم التكوين كله متناهٍ. {قل} لهم: {إِنما أنا بشرٌ مثلكم} يتناهى كلامي، وينقضي أجلي، وإنما خُصصت عنكم بالوحي والرسالة؛ {يُوحى إِليَّ} من تلك الكلمات: {أنما إِلهكم إِله واحد} لا شريك له في الخلق، ولا في سائر أحكام الألوهية، {فمن كان يرجو لقاء ربه}: يتوقعه وينتظره، أو يخافه، فالرجاء: توقع وصول الخير في المستقبل، فمن جعل الرجاء على بابه، فالمعنى: يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول. ومن حمله على معنى الخوف، فالمعنى: يخاف سوء لقائه. قال القشيري: حَمْلُه على ظاهره أَوْلى؛ لأن المؤمنين قاطبةً يرجون لقاءَ الله، فالعارفون بالله يرجون لقاءه والنظر إليه والمؤمنون يرجون لقاءه وكرامته بالنعيم المقيم. هـ. بالمعنى. والتعبير بالمضارع في {يرجو}؛ للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين: الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء، أي: فمن استمر على رجاء لقاء كرامة الله ورضوانه {فليعملْ}؛ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة {عملاً صالحًا}، وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله، ومدارها على الإتقان؛ ظاهرًا، والإخلاص؛ باطنًا. وقال سهل: العمل الصالح: المقيد بالسُنَّة، وقيل: هو اعتقاد جواز الرؤية وانتظار وقتها. {ولا يُشرك بعبادةِ ربه أحدًا} إشراكًا جليًا، كما فعل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا؛ حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه، أو إشراكًا خفيًا، كما يفعله أهل الرياء، ومن يطلب به عوضًا أو ثناءً حسنًا. قال شهر بنُ حَوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلاً يُصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحمد عليه، ويتصدق يبتغي وجه الله ويُحب أن يُحمد عليه، ويحج كذلك؟ قال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول:"حديث : أنا خيرُ شريك، فمن كان له شريك فهو له"تفسير : . ورُوي أن جُنْدبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَال لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأعْمَلُ العَمَلَ للهِ تَعَالى، فإذا اطُّلِعَ عَلَيْهِ سرَّني، فقال له عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَكَ أَجْرَان: أجْرُ السِّرِّ، وأَجْرُ العَلاَنِيَةِ"تفسير : . وذلك إذا قصد أن يُقْتَدَى به، وكان مُخْلصًا في عمله. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية -: "حديث : إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، وإياكم وشرك السرائر، فإنَّ الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، فشق ذلك على القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يذهب الله عنكم صغير الشرك وكبيره؟ قالوا: بلى، قال: قولوا: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك من كل ما لا أعلم ". تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَنْ قَرَأ آخرَ سورة الكَهف - يعني: {إن الذين آمنوا} إلى آخره - كَانَتْ لَهُ نُورًا من قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، وَمَنْ قَرَأَهَا كُلَّها كانَتْ له نُورًا من الأرْضِ إلى السَّمَاءِ"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ عِنْدَ مَضْجِعِهِ: {قل إنما أنا بشر مثلكم} الخ، كَانَ لَهُ مِنْ مَضْجَعِهِ نُورًا يَتَلألأ إلى مَكّةَ، حَشْوُ ذلِكَ النُّور مَلائِكَةٌ يُصَلُون حَتَّى يَقُومَ، وإنْ كَانَ بِمَكَةَ كانَ لَهُ نُورًا إلى البيتِ المَعْمُور"تفسير : . قلت: ومما جُرِّب أن من قرأ هذه الآية، {إن الذين آمنوا} الخ، ونوى أن يقوم في أي ساعة شاء، فإن الله تعالى يُوقظه بقدرته. وانظر الثعلبي. الإشارة: إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة - كانت لهم جنة المعارف نُزلاً، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً؛ لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها، بفضل الله وكرمه، كما قال القائل: شعر : مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ تفسير : ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد؛ {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي... } الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل: إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان؛ فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس؛ عاجلاً ولا آجلاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة او آمنوا بالبيعة الخاصّة وعملوا الصّالحات طبق ما شرط عليهم فى البيعة الخاصّة {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} والفردوس اعلى درجات الجنان وورد انّ هذه نزلت فى ابى ذرٍّ (ره) والمقداد (ره) وسلمان الفارسىّ (ره) وعمّار بن ياسر (ره) جعل الله عزّ وجلّ لهم جنّات الفردوس نزلاً اى مأوى ومنزلاً، والنّزل المنزل وما يهيّأ للضّيف ان ينزّل عليه تشريفاً.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَانَتْ لَهُمْ} فى علم الله ووعده سواء وجدت أو ستوجد أو المراد أنها موجودة ثابتة لهم من الدنيا أو سبق بها أيضاً علم الله عز وجل. {جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ} أى جنة تسمى الفردوس والإضافة للبيان وهو وسط الجنة وأعلاها. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا سألتم فاسألوا الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلاها وفوقه عرض الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنةتفسير : . والمراد فى الآية أن الفردوس للذين آمنوا وعملوا الصالحات وغير الفردوس أيضاً لهم كما تقول: هذه الدار لزيد ولست تعنى أن باقى الدار لغيره. ويحتمل أن يراد نوع المؤمنين لهم جنات الفردوس وباقى الجنان لغيرهم كما قال كعب: ليس فى الجنات جنة أعلى من الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وذكر بعضهم أن الفردوس جبل فى الجنة تتفجر منه أَنهار الجنة. وذكر بعضهم أن الفردوس جنان. وقيل: العنب والنخل وبعضها الشامل لأنواع الشجر والنبات وفيه النخل. قيل: هو لفظ رومى. وقيل: حبشى ونقل إلى العربية. ومَن أراد أن يقوم فى وقت من الليل مخصوص فليقرأ: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى آخر السورة عند مضجعه ويقول: اللهم نبِّهنى فى وقت كذا فإن روحى بيدك وأنت تقول: {أية : الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها} تفسير : أذكرك وتذكرنى وأستغفرك فتغفر لى إنك على كل شئ قدير فتفعل ما تريد. وإن زاد إلى ذلك: اللهم لا تولنى غيرك ولا تحرمنى خيرك وإن بعثت لى رسولا من عندك يوقظنى إلى ذكرك فى وقت كذا وكذا فحسن إن شاء الله. وذلك مشاهد بإذن الله سبحانه وفضله. إما أن يهتف بك هاتف: يا فلان أو يتقاتل هِرٌّ وآخر فتستيقظ أو يوجد الاستيقاظ بشئ غير ذلك أو بلا شئ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن فى كل ليلة ساعة إجابة لا يرد فيها دعاء مسلم لأمر آخرة أو دنيا إلا أعطاه الله إياه فاقرأ الآية وانو تلك الساعة تستيقظ إيها إن شاء الله واشكرنى فى دعائك ولا تَدْعُ على أحد بسوء ولو ظلمك اشكر نعمتى . تفسير : {نُزلاً} ما يحضر للضيف أو منزلا كما مر. وإذا كانت مثل ما يعجل للضيف فما بالك بما وراءها من مزيد.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بيان بطريق الوعد لمآل الذين اتصفوا بأضداد ما اتصف به الكفرة إثر بيان مآلهم بطريق الوعيد أي إن الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه سبحانه. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ} من الأعمال {كَانَتْ لَهُمْ} فيما سبق من حكم الله تعالى ووعده فالمضي باعتبار ما ذكر. وفيه على ما قال شيخ الإسلام إيماء إلى أن أثر الرحمة يصل إليهم بمقتضى الرأفة الأزلية بخلاف ما مر من جعل جهنم للكافرين نزلاً فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم، وقيل: يجوز أن يكون ما وعدوا به لتحققه نزل منزلة الماضي فجيء بكان إشارة إلى ذلك. ولم يقل أعتدنا لهم كما قيل فيما مر للإشارة إلى أن أمر الجنات لا يكاد يتم بل لا يزال ما فيها يزداد فإن إعتاد الشيء وتهيئته يقتضي تمامية / أمره وكماله. وقد جاء في الآثار أنه يغرس للمؤمن بكل تسبيحة يسبحها شجرة في الجنة، وقيل: التعبير بما ذكر أظهر في تحقق الأمر من التعبير بالإعتاد ألا ترى أنه قد تهيأ دار لشخص ولا يسكنها ولا يخلو عن لطف فافهم. {جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ} أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه الكرم بالنبطية وأصله فرداسا، وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن عبد الله بن الحرث أن ابن عباس سأل كعباً عن الفردوس فقال: جنة الأعناب بالسريانية، وقال عكرمة: هي الجنة بالحبشية، وقال القفال: هي الجنة الملتفة بالأشجار، وحكى الزجاج أنها الأودية التي تنبت ضروباً من النبات، وقال المبرد: هي فيما سمعت من العرب الشجر الملتف والأغلب عليه العنب. ونص الفراء على أنه عربـي أيضاً ومعناه البستان الذي فيه كرم وهو مما يذكر ويؤنث، وزعم بعضهم أنها لم تسمع في كلام العرب إلا في قول حسان:شعر : وإن ثواب الله كل موحد جنان من الفردوس فيها يخلَّد تفسير : وهو لا يصح فقد قال أمية بن أبـي الصلت:شعر : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس ثم الفوم والبصل تفسير : وجاء في شعر جرير في أبيات يمدح بها خالد بن عبد الله القسري حيث قال:شعر : وإنا لنرجو أن نرافق رفقة يكونون في الفردوس أول وارد تفسير : ومما سمعه أهل مكة قبل إسلام سعد قول هاتف:شعر : أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف تفسير : والحق أن ذكرها في شعر الإسلاميين كثير وفي شعر الجاهليين قليل، وأخرج البخاري ومسلم وابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنها تفجر أنهار الجنة» تفسير : وعن أبـي عبيدة بن الجراح مرفوعاً «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض والفردوس أعلى الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس» وروى عن كعب أنه ليس في الجنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وصح أن أهل الفردوس ليسمعون أطيط العرش. وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي موسى الأشعري مرفوعاً «الفردوس مقصورة الرحمن» وكل ذلك لا ينافي كون الفردوس في اللغة البستان كما توهم إذ لا مانع من أن يكون أعلى الجنة بستاناً لكنه لكونه في غاية السعة أطلق على كل قطعة منه جنة فقيل جنات الفردوس كذا قيل. واستشكل بأن الآية حينئذ تفيد أن كل المؤمنين في الفردوس المشتمل على جنات وهذا لا يصح على القول بأن الفردوس أعلى الدرجات إذ لا شبهة في تفاوت مراتبهم. وكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات طائفة مخصوصة من مطلق المؤمنين مع كونه في مقابلة الكافرين ليس بشيء. وقال أبو حيان: الظاهر أن معنى جنات الفردوس بساتين حول الفردوس ولذا أضيفت الجنات إلى الفردوس. وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لما أن الآية حينئذ تفيد أن جميع المؤمنين في جنات حول الفردوس ومن المعلوم أن منهم من هو في الفردوس. وقيل: الأمر كما ذكر أبو حيان / إلا أنه يلتزم الاستخدام في الآية بأن يراد مطلق الجنات فيما بعد، وفيه مع كونه خلاف الظاهر ما لا يخفى. وقيل المراد من جنات الفردوس جميع الجنات والإضافة إلى الفردوس التي هي أعلاها باعتبار اشتمالها عليها ويكفي في الإضافة هذه الملابسة، ولعلك تختار أن الفردوس في الآثار بمعنى وفي الآية بمعنى آخر وتختار من معانيه ما تكلف في الإضافة فيه كالشجر الملتف ونحوه، وظاهر بيت حسان وبيت أمية شاهد على أن للفردوس معنى غير ما جاء في الآثار فليتدبر. واعلم أنه استشكل أيضاً ما جاء من أمر السائل بسؤال الفردوس لنفسه مع كونه أعلى الجنة بخبر أحمد عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : إذا صليتم علي فاسألوا الله تعالى لي الوسيلة أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو» تفسير : وأجيب بأنه لا مانع من انقسام الدرجة الواحدة إلى درجات بعضها أعلى من بعض وتكون الوسيلة عبارة عن أعلى درجات الفردوس التي هي أعلى درجات الجنان، ونظير ذلك ما قيل في حد الإعجاز فتذكر، وقيل المراد من الدرجة في حديث الوسيلة درجة المكانة لا المكان بخلافها فيما تقدم فلا إشكال. والجار والمجرور متعلق بمحذوف على أنه حال من قوله تعالى: {نُزُلاً} أو على أنه بيان كما في سعيا لك وخبر كان في الوجهين {نُزُلاً} أو على أنه الخبر و {نُزُلاً} حال من {جَنَّـٰتُ} فإن جعل بمعنى ما يهيأ للنازل فالمعنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس نزلاً أو جعلت نفس الجنات نزلاً مبالغة في الإكرام وفيه إيذان بأنها عندما أعد الله تعالى لهم على لسان النبوة من قوله تعالى: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" تفسير : بمنزلة النزل بالنسبة إلى الضيافة، وإن جعلت بمعنى المنزل فالمعنى ظاهر.

ابن عاشور

تفسير : هذا مقابل قوله: {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً} على عادة القرآن في ذكر البشارة بعد الإنذار. وتأكيد الجملة للاهتمام بها لأنها جاءت في مقابلة جملة {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا}، وهي مؤكدة كي لا يظن ظانّ أن جزاء المؤمنين غير مهتم بتأكيده مع ما في التأكيديْن من تقوية الإنذار وتقوية البشارة. وجعل المسند إليه الموصولَ بصلة الإيمان وعمل الصالحات للاهتمام بشأن أعمالهم، فلذلك خولف نظم الجملة التي تقابلها فلم يقل: جزاؤهم الجنّة. وقد تقدّم نظير هذا الأسلوب في المخالف بين وصف الجزاءَين عند قوله تعالى في هذه السورة: { أية : إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها } تفسير : [الكهف: 29] ثم قوله: { أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } تفسير : [الكهف: 30]. وفي الإتيان بــــ {كانت} دلالة على أن استحقاقهم الجنّات أمر مستقر من قبل مهيّأ لهم. وجيء بلام الاستحقاق تكريماً لهم بأنهم نالوا الجنة باستحقاق إيمانهم وعملهم. كما قال تعالى: { أية : وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } تفسير : [الزخرف:72]. وجمع الجنّات إيماء إلى سعة نعيمهم، وأنها جنان كثيرة كما جاء في الحديث: « حديث : إنها جنان كثيرة ». تفسير : والفردوس: البستان الجامع لكل ما يكون في البساتين، وعن مجاهد هو معرّب عن الرومية. وقيل عن السريانية. وقال الفراء: هو عربي، أي ليس معرباً. ولم يرد ذكره في كلام العرب قبل القرآن. وأهل الشام يقولون للبساتين والكروم: الفراديس. وفي مدينة حلب باب يسمّى باب الفراديس. وإضافة الجنات إلى الفردوس بيانية، أي جنات هي من صنف الفردوس. وورد في الحديث أن الفردوس أعلى الجنّة أو وسط الجنّة. وذلك إطلاق آخر على هذا المكان المخصوص يرجع إلى أنه علم بالغلبة. فإن حُملت هذه الآية عليه كانت إضافة {جنات} إلى {الفردوس} إضافة حقيقية، أي جنات هذا المكان. والنزُل: تقدم قريباً. وقوله: {لا يبغون عنها حولاً} أي ليس بعدما حوته تلك الجنات من ضروب اللّذات والتمتع ما تتطلع النفوس إليه فتود مفارقة ما هي فيه إلى ما هو خير منه، أي هم يجدون فيها كل ما يخامر أنفسهم من المشتهى. والحِوَل: مصدر بوزن العِوج والصِغر. وحرف العلة يصحح في هذه الصيغة لكن الغالب فيما كان على هذه الزنة مصدرا التصحيحُ مثل: الحِول، وفيما كان منها جمعاً الإعلال نحو: الحِيل جمع حِيلة. وهو من ذوات الواو مشتق من التحول.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن الأعمال الصالحة والإيمان سبب في نيل جنات الفردوس. والآيات الموضحة لكون العمل الصالح سبباً في دخول الجنة كثيرة جداً. كقوله تعالى: {أية : وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً}تفسير : [الكهف: 2-3]، وقوله: {أية : أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الأعراف: 43] أي بسببه، وقوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [الزخرف: 72]. وقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ}تفسير : [مريم: 61] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه فإن قيل هذه الآيات فيها الدلالة على أن طاعة الله بالإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة. وقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : "لن يدخل أحدكم عمله الجنة" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمة منه وفضل" تفسير : يرد بسببه إشكال على ذلك. فالجواب - أن العمل لا يكون سبباً لدخول الجنة إلا إذا تقبله الله تعالى وتقبله له فضل منه. فالفعل الذي هو سبب لدخول الجنة هو الذي تقبله الله بفضله، وغيره من الأعمال لا يكون سبباً لدخول الجنة. والجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر، هذا أظهرها عندي. والعلم عند الله تعالى. وقد قدمنا أن "النزل" هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم.

الواحدي

تفسير : {جنات الفردوس} وهو وسط الجنَّة وأعلاها درجةً. وقوله: {لا يبغون عنها حولاً} لا يريدون أن يتحوَّلوا عنها. {قل لو كان البحر مداداً} وهو ما يكتب به {لكلمات ربي} أَيْ: لكتابتها، وهي حِكَمُه وعجائبه، والكلمات: هي العبارات عنها {لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله} بمثل البحر {مدداً} زيادة على البحر. {قل إنما أنا بشر مثلكم} آدميٌّ مثلكم {يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحدٌ فمن كان يرجو لقاء ربه} ثواب ربه {فليعمل عملاً صالحاً} خالصاً {ولا يشرك} ولا يراءِ {بعبادة ربه أحداً} نزلت هذه الآية في النَّهي عن الرِّياء بالأعمال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كانت لهم: أي جزاء إيمانهم وعملهم الصالح. الفردوس نزلاً: هو وسط الجنة وأعلاها ونزلاً منزل إكرام وإنعام. لا يبغون عنها حولا: أي لا يطلبون تحولاً منها لأنها لا خير منها أبداً. لو كان البحر: أي ماؤه مداداً. قبل أن تنفد كلمات ربي: أي قبل أن تفرغ. لنفد البحر: أي ولم تنفذ هي أي لم تفرغ. يرجو لقاء ربه: يأمل وينتظر البعث والجزاء يوم القيامة حيث يلقى ربه تعالى. ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: أي لا يرائي بعمله أحداً ولا يشرك في عبادة الله تعالى غيره تعالى. معنى الآيات: بعدما ذكر تعالى جزاء أهل الشرك والأهواء وأنه جهنم ناسب ذكر جزاء أهل الإِيمان والتقوى التي هي عمل الصالحات واجتناب المحرمات فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي صدقوا الله ورسوله وآمنوا بلقاء الله، ووعد لأوليائه، ووعيده لأعدائه من أهل الشرك والمعاصي، وعملوا الصالحات فأدوا الفرائض والواجبات وسارعوا في النوافل والخيرات هؤلاء {كَانَتْ لَهُمْ} في علم الله وحكمه {جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ} أي بساتين الفردوس منزلاً ينزلونه ودار كرامة يكرمون فيها وينعمون، والفردوس أعلى الجنة وأوسطها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم واصفاً لها ومرغباً فيها وقد ارتادها وانتهى إلى مستوى فوقها ليلة الإِسراء والمعراج قال: "حديث : إن سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن تبارك وتعالى، ومنه تفجر أنهار الجنة"تفسير : ، كما في الصحيح، وقوله تعالى {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} أي ماكثين فيها أبداً لا يطلبون متحولاً عنها إذ نعيمها لا يمل وسعادتها لا تنقص، وصفْوها لا يكدر وسرورها لا ينغص بموت ولا بمرض ولا نصب ولا تعب جعلني الله ومن قال أمين من أهلها. آمين. وقوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} تضمنت هذه الآية رداً على اليهود الذين لما نزل قول الله تعالى {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85] في الرد عليهم لما سألوا عن الروح بواسطة وفد قريش إليهم. فقالوا: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى قل لو كان البحر مداداً الآية رداً عليهم وإبطالاً لمزاعمهم فأعلمهم وأعلم كل من يدعي العلم الذي ما فوقه علم بأنه لو كان ماء البحر مدادا وكان كل غصن وعود في أشجار الدنيا كلها قلماً، وكتب بهما لنفد ماء البحر وأغصان الشجر ولم تنفد كلمات ربي التي تحمل العلوم والمعارف الإِلهية وتدل عليها وتهدي إليها فسبحان الله وبحمده، سبحانه الله العظيم سبحان الله الذي انتهى إليه علم كل شيء وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}. يأمر تعالى رسوله بأن يقول للمشركين الذين يطلبون منه المعجزات كالتي أوتى موسى وعيسى: إنما أنا بشر مثلكم لا أقدر على ما لا تقدرون عليه أنتم، والفرق بيننا هو أنه يوحى إلي الأمر من ربي وأنتم لا يوحى إليكم يوحى إلي أنما إلهكم أي معبودكم الحق وربكم الصدق هو إله واحد الله ربكم ورب آبائكم الأولين. وقوله {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ} أي يأمل وينتظر {لِقَآءَ رَبِّهِ} خوفاً منه وطمعاً فيه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} وهو مؤمن موقن، {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} فإن الشرك محبط للعمل مبطل له، وبهذا يكون رجاءه صادقاً وانتظاره صالحاً صائباً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- بيان أفضل الجنان وهو الفردوس الأعلى. 3- علم الله غير متناهي لأن كلماته غير متناهية. 4- تقرير صفة الكلام لله تعالى. 5- تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ليس روحاً ولا نوراً فحسب كما يقول الغلاة الباطنية. 6- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك. 7- تقرير أن الرياء شرك لما ورد أن الآية نزلت في بيان حكم المرء يجاهد يريد وجه الله ويرغب أن يرى مكانه بين الناس، يصلي ويصوم ويحب أن يثنى عليه بذلك.

القطان

تفسير : الفردوس: المنازل العليا في الجنة: حِوَلا: تحولا. مدادا: حبرا. يرجو لقاء ربه: يطمع في لقائه. بعد ان ذكر سبحانه ما اعده للكفار من عذاب، جزاءَ جحودهم بربهم واستهزائهم برسله وآياته - بين هنا المقابل، وهو حال المؤمنين وما ينتظرون من نعيم مقيم وجنات تجري من تحتها الانهار فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً}. ان الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤا به، وعملوا صالح الاعمال جزاؤهم اعلى المنازل في الجنة، خالدين فيها ابدا، لا يرضون غيرها بديلا. ثم ختم السورة ببيان حال القرآن الذي فيه الدلائل والبينات على وحدانية الله، وارساله الرسل، وكلماته التي لا نهاية لها، فالبحرُ وسعته مهما كبر يظل صغيراً الى جنب علم الله وكلماته التي تمثل العلم الالهي الذي لا حدود له، والذي لا يدرك البشر نهايته. {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي... } قل ايها الرسول للناس: ان علم الله محيط بكل شيء، ولو كان ماء البحر مدادا يسطر به كلمات الله الدالة على علمه وحكمته لنفد هذا المداد، ولو مد بمثله، قبل ان تنفذ كلماتُ الله، لأن علوم الله وكلماته لا نهاية لها. ومثل قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}تفسير : [لقمان:27]. {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ... } قل لهم ايها الرسول: انما انا انسان مثلكم أستمد علمي من الوحي الإِلهي، اعلمكم ما علمني الله اياه، وقد اوحى الله الي ان ربكم واحد لا شريك له، فمن كان يطمع في لقاء الله وثوابه فليعمل الاعمال الصالحة مخلصا له، {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} هذا هو العمل العظيم الذي ينجي الانسان عند لقاء ربه. وهكذا تختم سورة الكهف التي بدأت بذكر الوحي والتوحيد بما بدئت به من ان محمدا عليه الصلاة والسلام بشر مرسل يوحى اليه، والتوحيد وعدم الشرك هما الجواز الذي يوصل الى الجنة. نسأل الله تعالى ان يجعل علمنا خالصا لوجهه الكريم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتُ} (107) - أَمَّا السُّعَدَاءُ فَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ التِي تُرْضِي اللهَ، وَهؤُلاَءِ يَكُونُ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللهِ جَنَّاتٍ تَجْرِي فِيهَا الأَنْهَارِ، وَتَكُونُ مَنْزِلاً لَهُمْ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ - حديث : الفِرْدَوْسُ مِنْ رَبْوَةِ الجَنَّةِ هِيَ أَوْسَطُهَا وَأَحْسَنُهَاتفسير : ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [الكهف: 107] سبق أن قلنا: إن الإيمان هو تصحيح الينبوع الوجداني العقدي لتصدر الأفعال مناسبة لإيمانك بمَنْ شرّع، ومن هنا كان الإيمان أولاً وشرطاً لقبول العمل، وإلاَّ فهناك مَنْ يعمل الخير لا من منطلق إيماني بل لاعتبارات أخرى، والنية شَرْط لازم في قبول العمل. لذلك يعاقب الله تعالى مَنْ يعمل لغير الله، يعاقبه بأنْ ينكره صاحبه ويجحده ويكرهه بسببه، بدل أنْ يعترفَ له بالجميل. ومن هنا قالوا: (اتق شّرَّ مَنْ أحسنتَ إليه)؛ وهذا قول صحيح لأنك حين تُحسِن إلى شخص تدكُّ كبرياءه، وتكون يدك العليا عليه، فإذا ما أخذ حظاً من الحياة وأصبح ذا مكانة بين الناس فإن كان غير سَوِيِّ النفس فإنه لا يحب مَنْ تفضل عليه في يوم من الأيام ودَكَّ كبرياءه؛ لذلك تراه يكره وجوده، ولا يحب أنْ يراه وربما دبَّر لك المكائد لتختفي من طريقه، وتُخلي له الساحة؛ لأنك الوحيد الذي يحرجه حضورك. لذلك، مَنْ عمل عملاً لغير الله أسلمه الله لمن عمل له، فليأخذ منه الجزاء، وإذا بالجزاء يأتي على خلاف ما تنتظر، فقد فعلت له ليُكرمك فإذا به يُهِينك، فعلْتَ له ليحترمك فإذا به يَحْقِرك، فعلتَ له لِيُواليك فإذا به عدو لك؛ لذلك يقولون: العمل لله عاجل الجزاء، أما العمل لغير الله فغير مضمون العواقب، فقد يُوفي لك وقد لا يُوفي. ثم أردف الحق - سبحانه وتعالى - الإيمانَ بالعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح لا بُدَّ له أن ينطلق من الإيمان ويصدر عنه، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الكهف: 107]. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [الكهف: 107] يعني: عمل الشيء الصالح، فإن كان الشيء صالحاً بنفسه فليتركه على صلاحه لا يفسده، أو يزيده صلاحاً، كبئر الماء الذي يشرب منه الناس، فإمّا أن تتركه على حال صلاحه لا تُلقي فيه ما يسدُّه أو يُفسِده فتُخرج الصالح عن صلاحه، وإما أنْ تزيده صلاحاً فتُضيف إليه ما يُحسِّن من أدائه ويُزيد من كفاءته كأنْ تبني حوله سوراً يحميه أو غطاءً يحفظه، أو آلةَ رفع تُيسِّر على الناس استعماله. والفرد حين يعمل الصالحات تكون حصيلته من صلاح غيره أكثرَ من حصيلته من عمله هو؛ لأنه فَرْد واحد، ويستفيد بصلاح المجتمع كله، ومن هنا لا ينبغي أنْ تستثقلَ أوامر الشارع وتكليفاته؛ لأنه يأخذ منك ليعطيك وَليُؤمِّن حياتك وقت الحاجة والعَوَز، وحينما يتوفّر لك هذا التكافل الاجتماعي تستقبل الحياة بنفس راضية حال اليُسْر مطمئنة حال العُسْر. وساعةَ أنْ يأمرك الشرع بكفالة اليتيم وإكرامه، فإنه يُطمئِنك على أولادك من بعدك، فلا تحزن إنْ أصابك مكروه؛ لأنك في مجتمع متعاون، سيكفل أولادك، بل قد يكون اليتيم في ظل الإسلام وتعاليمه أسعَد حظاً من حياته في رعاية أبيه؛ لأنه بموت أبيه يجد المؤمنين جميعاً آباءَ له، وربما كان أبوه مشغولاً عنه في حياته لا يُفيده بشيء، بل ويصدُّ عنه الخير حيث يقول الناس: أبوه موجود وهو يتكفّل به. لذلك يقول أحمد شوقي: شعر : لَيْسَ اليَتيمُ مَنِ انتهَى أَبَواهُ مِنْ هَمِّ الحيَاةِ وخَلَّفَاهُ ذَليلا إنَّ اليَتِيمَ هُوَ الذِي تَلْقَى لَهُ أُمَّا تخلَّتْ أَوْ أباً مَشْغُولا تفسير : وقوله تعالى: {كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} [الكهف: 107] الفردوس: هو أعلى الجنة، والنُّزُل: ما يُعده الإنسان لإكرام ضيفه من الإقامة ومَقوّمات الحياة وتَرَفها، والإنسان حينما يُعِدُّ النُزْلَ لضيفه يعده على حَسْب قدراته وإمكانياته وعلمه بالأشياء، فما بالك إنْ كان المعِدّ لِلنُّزُل هو الله تبارك وتعالى؟ ثم يقول الحق سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا: أَبو فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أَبي أُمامة الباهلي. قال: {ٱلْفِرْدَوْسِ} [الآية: 107]: هي سرة الجنة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} [الآية: 108]. قال: يعني متحولا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً} [الآية: 109] قال: يعني للقلم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}. قالَ الأَمام زيد بن علي عليهما السَّلامُ الفِرْدَوسُ: البُستانُ بالروميةِ. ويقال الفِردوسُ: سُرَّة الجَنةِ. ويقال الفِردوسُ: أَعلى الجَنةِ وأوسَطِها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خلاص أهل الإخلاص بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الكهف: 107] يشير إلى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في الدنيا، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي: على وفق الشريعة وقانون الطريقة إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم خلقوا في صفة ومقام واستعداد، {كَانَتْ لَهُمْ} [الكهف: 107] عند النزول من أعلى مراتب القرب والعبور على عالم الأرواح للتعلق بالقالب، {جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ} [الكهف: 107] وهي أحظى شيء من الجنان وأنعم وأعز وألطف {نُزُلاً} [الكهف: 107] ما يتهيأ للنازلين ولعابري السبيل {خَالِدِينَ فِيهَا} [الكهف: 108] أي: خالدين في تلك الصفة والمقام إلى الأبد لا تغير لهم، {لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً} [الكهف: 108] أي: لا يبغون التحويل من تلك الصفات التي خلقوا عليها؛ لدناءة الهمة وخسة النفس، بل هم على تلك الصفة ثابتون؛ لعلو الهمة ونفاسة النفس. {لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [الكهف: 109] يشير به إلى أن كلمات قديمة غير متناهية مع أنها ألفاظ للعدد فيها محال، وألا يحصى فيها العدد فكيف بإشاراتها وأسرارها ومعانيها ولطائفها وحقائقها؟! فإنها غير محصورة ولا متناهية لكلمة واحدة من كلماته. وبقوله: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] يشير إلى أن بني آدم في البشرية واستعداد الإنسانية سواء النبي والولي والمؤمن والكافر، والفرق بينهم بفضيلة الإيمان والولاية والنبوة والوحي والمعرفة بأن إله العالمين إله واحد، {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 3-4] فالمعرفة الحقيقية ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج عند حصور الوصول في التقاء اللقاء في معنى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] {فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110] بالوصول والوصال، {عَمَلاً صَالِحاً} [الكهف: 110] والعمل الصالح متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، والتسنن بسنته ظاهراً وباطناً: * فأمَّا سنته ظاهراً: بترك الدنيا واختيار الفقر ودوام العبودية. * وأما سنته باطناً: فالتبتل إلى الله تبتيلا وقطع النظر عمَّا سواه كما فعل، {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 16-17] وهذا تحقيق قوله: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} [الكهف: 110] أي: ما أشرك في طلب اللقاء شيئاً من الدنيا والآخرة، ولهذا {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم: 18] وبلغ المقصد الأعلى، وكان {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} تفسير : [النجم: 9].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، وشمل هذا الوصف جميع الدين، عقائده، وأعماله، أصوله، وفروعه الظاهرة، والباطنة، فهؤلاء -على اختلاف طبقاتهم من الإيمان والعمل الصالح -لهم جنات الفردوس. يحتمل أن المراد بجنات الفردوس، أعلى الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الثواب، لمن كمل فيه الإيمان والعمل الصالح، والأنبياء والمقربون. ويحتمل أن يراد بها، جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب، جميع طبقات أهل الإيمان، من المقربين، والأبرار، والمقتصدين، كل بحسب حاله، وهذا أولى المعنيين لعمومه، ولذكر الجنة بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس، ولأن الفردوس يطلق على البستان، المحتوي على الكرم، أو الأشجار الملتفة، وهذا صادق على جميع الجنة، فجنة الفردوس نزل، وضيافة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وأي: ضيافة أجل وأكبر، وأعظم من هذه الضيافة، المحتوية على كل نعيم، للقلوب، والأرواح، والأبدان، وفيها ما تشتهيه الأنفس. وتلذ الأعين، من المنازل الأنيقة، والرياض الناضرة، والأشجار المثمرة،. والطيور المغردة المشجية، والمآكل اللذيذة، والمشارب الشهية، والنساء الحسان، والخدم، والولدان، والأنهار السارحة، والمناظر الرائقة، والجمال الحسي والمعنوي، والنعمة الدائمة، وأعلى ذلك وأفضله وأجله، التنعم بالقرب من الرحمن ونيل رضاه، الذي هو أكبر نعيم الجنان، والتمتع برؤية وجهه الكريم، وسماع كلام الرءوف الرحيم، فلله تلك الضيافة، ما أجلها وأجملها، وأدومها وأكملها"، وهي أعظم من أن يحيط بها وصف أحد من الخلائق، أو تخطر على القلوب، فلو علم العباد بعض ذلك النعيم علما حقيقيا يصل إلى قلوبهم، لطارت إليها قلوبهم بالأشواق، ولتقطعت أرواحهم من ألم الفراق، ولساروا إليها زرافات ووحدانا، ولم يؤثروا عليها دنيا فانية، ولذات منغصة متلاشية، ولم يفوتوا أوقاتا تذهب ضائعة خاسرة، يقابل كل لحظة منها من النعيم من الحقب آلاف مؤلفة، ولكن الغفلة شملت، والإيمان ضعف، والعلم قل، والإرادة نفذت فكان، ما كان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقوله { خَالِدِينَ فِيهَا } هذا هو تمام النعيم، إن فيها النعيم الكامل، ومن تمامه أنه لا ينقطع { لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا } أي: تحولا ولا انتقالا لأنهم لا يرون إلا ما يعجبهم ويبهجهم، ويسرهم ويفرحهم، ولا يرون نعيما فوق ما هم فيه.