١٨ - ٱلْكَهْف
18 - Al-Kahf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
109
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص الأولين نبه على كمال حال القرآن فقال: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَـٰتِ رَبّى } والمداد اسم لما تمد به الدواة من الحبر ولما يمد به السراج من السليط، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس لنفد قبل أن تنفد الكلمات، تقرير الكلام أن البحار كيفما فرضت في الاتساع والعظمة فهي متناهية ومعلومات الله غير متناهية والمتناهي لا يفي ألبتة بغير المتناهي، قرأ حمزة والكسائي ينفد بالياء لتقدم الفعل على الجمع والباقون بالتاء لتأنيث كلمات، وروي أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم: { أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] ثم تقرأون: { أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] فنزلت هذه الآية يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. المسألة الثانية: احتج المخالفون على الطعن في قول أصحابنا أن كلام الله تعالى واحد بهذه الآية، وقالوا: إنها صريحة في إثبات كلمات الله تعالى وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله تعالى، قال الجبائي: وأيضاً قوله: {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى } يدل على أن كلمات الله تعالى قد تنفد في الجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه، وأيضاً قال: {ولَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً } وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه والذي يجاء به يكون محدثاً والذي يكون المحدث مثلاً له فهو أيضاً محدث وجواب أصحابنا أن المراد منه الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية، واعلم أنه تعالى لما بين كمال كلام الله أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يسلك طريقة التواضع فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ } أي لا امتياز بيني وبينكم في شيء من الصفات إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد، والآية تدل على مطلوبين: الأول: أن كلمة {إِنَّمَا } تفيد الحصر وهي قوله: {أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ }. والثاني: أن كون الإله تعالى: {إِلَـٰهاً وٰحِداً } يمكن إثباته بالدلائل السمعية، وقد قررنا هذين المطلوبين في سائر السور بالوجوه القوية، ثم قال: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } والرجاء هو ظن المنافع الواصلة إليه والخوف ظن المضار الواصلة إليه، وأصحابنا حملوا لقاء الرب على رؤيته والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله وهذه المناظرة قد تقدمت والعجب أنه تعالى أورد في آخر هذه السورة ما يدل على حصول رؤية الله في ثلاث آيات: أولها: قوله: { أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ } تفسير : [الكهف: 105]. وثانيها: قوله: { أية : كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً } تفسير : [الكهف: 107] وثالثها: قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } ولا بيان أقوى من ذلك ثم قال: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } أي من حصل له رجاء لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح، ولما كان العمل الصالح قد يؤتي به لله وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتبر فيه قيدان: أن يؤتى به لله، وأن يكون مبرأ عن جهات الشرك، فقال: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا }. قيل: نزلت هذه الآية في جندب بن زهير قال - لرسول الله صلى الله عليه وسلم:- إني أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه أحد سرني، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن الله لا يقبل ما شورك فيه » تفسير : وروي أيضاً أنه قال له: « حديث : لك أجران أجر السر وأجر العلانية » تفسير : فالرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة، والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به، والمقام الأول مقام المبتدئين، والمقام الثاني مقام الكاملين والحمد صلى الله عليه وسلم رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
البيضاوي
تفسير : {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً} ما يكتب به، وهو اسم ما يمد الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج. {لّكَلِمَـٰتِ رَبّى } لكلمات علمه وحكمته. {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ } لنفد جنس البحر بأمره لأن كل جسم متناه. {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى } فإنها غير متناهية لا تنفد كعلمه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء. {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } بمثل البحر الموجود. {مَدَداً } زيادة ومعونة، لأن مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهياً للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد، والمتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة. وقرىء «ينفد» بالياء و {مَدَداً } بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب ومداداً. وسبب نزولها أن اليهود قالوا في كتابكم {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] وتقرؤون {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}تفسير : [الإسراء: 85].
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: قل يا محمد: لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله، وحكمه وآياته الدالة عليه، لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جراً، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفسير : [لقمان: 27] وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحوركلها، وقد أنزل الله ذلك: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّي} يقول: لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات الله، والشجر كله أقلام، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها. روى الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان قال: هذه آخر آية أنزلت، يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: {قُلْ} لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} فمن زعم أني كاذب، فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين مما هو مطابق في نفس الأمر، ولولا ما أطلعني الله عليه، وإنما أخبركم {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ} الذي أدعوكم إلى عبادته {إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ} لا شريك له {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} أي: ثوابه وجزاءه الصالح، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً} أي: ما كان موافقاً لشرع الله {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله، صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر عن عبد الكريم الجزري عن طاوس قال: قال رجل: يا رسول الله إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزلت هذه الآية: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد. وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك، فهو له كله، لا حاجة لي فيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، حدثنا كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبيت عنده، تكون له الحاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما هذه النجوى؟» تفسير : قال: فقلنا: تبنا إلى الله، أي نبي الله إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال: «حديث : ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟» تفسير : قال: قلنا: بلى، قال: «حديث : الشرك الخفي؛ أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل».تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، يعني: ابن بهرام قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدراداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا، ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين، يعني: من وسط قراء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه، وأحلّ حلاله وحرّم حرامه، ونزله عند منازله، لا يَحُورُ فيكم إلا كما يَحُور رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس رضي الله عنه، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من الشهوة الخفية والشرك» تفسير : فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفراً، ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؟ أما الشهوة الخفية، فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلاً يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، أو يتصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله، إن من صلى لرجل، أو صام أو تصدق له، لقد أشرك، فقال شداد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك» تفسير : فقال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد إلله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له، ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئاً، فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غني».تفسير : (طريق أخرى لبعضه) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس رضي الله عنه: أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبكاني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية» تفسير : قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: «حديث : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً، فتعرض له شهوة من شهواته، فيترك صومه» تفسير : ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي به، وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر. (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا علي بن ثابت، حدثنا قيس بن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، من أشرك بي أحداً، فهو له كله»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن الله عز وجل أنه قال: «حديث : أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك» تفسير : تفرد به من هذا الوجه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث عن يزيد، يعني: ابن الهاد، عن عمرو عن محمود بن لبيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» تفسير : قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «حديث : الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا عبد الحميد، يعني: ابن جعفر، أخبرني أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، وكان من الصحابة: أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك»تفسير : وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث محمد، وهو البرساني به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي - يعني عبد العزيز بن أبي بكرة - عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سمع، سمع الله به، ومن راءى، راءى الله به» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت رجلاً في بيت أبي عبيدة: أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سمع الناس بعمله، سمع الله به، سامع خلقه وصغره وحقره» تفسير : فذرفت عينا عبد الله. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: يا رب والله ما رأينا منه إلا خيراً، فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي» تفسير : ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة، وهو ثقة بصري، ليس به بأس، وقال ابن وهب: حدثني يزيد بن عياض عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قام رياء وسمعة، لم يزل في مقت الله حتى يجلس».تفسير : وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص عن عوف بن مالك عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل» تفسير : وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس الكندي: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها، ولا تغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قرة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ في ليلة: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ} الآية، كان له من النور من عدن أبين إلى مكة حشو ذلك النور الملائكة» تفسير : غريب جداً. آخر تفسير سورة الكهف ولله الحمد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ } أي ماؤه {مِدَاداً } هو ما يكتب به {لّكَلِمَٰتِ رَبّى } الدالة على حكمه وعجائبه بأن تكتب به {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ } في كتابتها {قَبْلَ أَن تَنفَدَ } بالتاء والياء: تفرغ {كَلِمَٰتُ رَبّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } أي البحر {مَدَداً } زيادة فيه لنفِد، ولم تفرغ هي، ونصبه على التمييز.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه أنواع الدلائل نبه على كمال القرآن فقال: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لّكَلِمَـٰتِ رَبّى } قال ابن الأنباري: سمي المداد مداداً لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء، ويقال للزيت الذي يوقد به السراج: مداد، والمراد بالبحر هنا: الجنس. والمعنى: لو كتبت كلمات علم الله وحكمته، وفرض أن جنس البحر مداداً لها لنفد البحر قبل نفود الكلمات، ولو جئنا بمثل البحر مداداً لنفد أيضاً، وقيل في بيان المعنى: لو كان البحر مداداً للقلم والقلم يكتب {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى } وقوله: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت قوله: {قل لو كان}. وفيه زيادة مبالغة وتأكيد، والواو لعطف ما بعده على جملة مقدّرة مدلول عليها بما قبلها أي: لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته لو لم يجىء بمثله مدداً ولو جئنا بمثله مدداً، والمدد الزيادة، وقيل: عنى سبحانه بالكلمات الكلام القديم الذي لا غاية له ولا منتهى، وهو وإن كان واحداً فيجوز أن يعبر عنه بلفظ الجمع لما فيه من الفوائد، وقد عبّرت العرب عن الفرد بلفظ الجمع، قال الأعشى:شعر : ووجه نقّي اللون صاف يزينه مع الجيد لبات لها ومعاصم تفسير : فعبّر باللبات عن اللبة. قال الجبائي: إن قوله {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى } يدل على أن كلماته قد تنفد في الجملة، وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن المراد: الألفاظ الدالة على متعلقات تلك الصفة الأزلية، وقيل في الجواب: إن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدّل على نفاد الشيء الآخر، ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا تضبطها عقول البشر، أما أنها متناهية، أو غير متناهية فلا دليل على ذلك في الآية. والحق أن كلمات الله تابعة لمعلوماته، وهي غير متناهية، فالكلمات غير متناهية. وقرأ مجاهد وابن محيصن وحميد (ولو جئنا بمثله مداداً) وهي كذلك في مصحف أبيّ، وقرأ الباقون {مدداً} وقرأ حمزة والكسائي (قبل أن ينفد) بالتحتية، وقرأ الباقون بالفوقية، ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلك مسلك التواضع، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } أي: إن حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية، ومن كان هكذا فهو لا يدّعي الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه فقال: {يُوحَىٰ إِلَىَّ } وكفى بهذا الوصف فارقاً بينه وبين سائر أنواع البشر، ثم بيّن أن الذي أوحى إليه هو قوله: {أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } لا شريك له في ألوهيته، وفي هذا إرشاد إلى التوحيد، ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد فقال: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ} الرجاء: توقع وصول الخير في المستقبل، والمعنى: من كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } وهو ما دلّ الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا } من خلقه سواء كان صالحاً، أو طالحاً، حيواناً أو جماداً، قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل في تفسير هذه الآية: إن المعنى لا يرائي بعمله أحداً. وأقول: إن دخول الشرك الجليّ الذي كان يفعله المشركون تحت هذه الآية هو المقدّم على دخول الشرك الخفي الذي هو الرياء، ولا مانع من دخول هذا الخفي تحتها، إنما المانع من كونه هو المراد بهذه الآية. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {لّكَلِمَـٰتِ رَبّى } يقول: علم ربي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: يقول: ينفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام الله وحكمته. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ} الآية قال: أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلٰهاً غيره، وليست هذه في المؤمنين. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رجل: يا نبيّ الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله، وأحبّ أن يرى موطني، فلم يردّ عليه شيئاً حتى نزلت هذه الآية: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا}. وأخرج ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر من طريق السدّي الصغير عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدّق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لقالة الناس فلا يريد به الله، فنزل في ذلك {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } الآية. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: «قال رجل: يا رسول الله أعتق وأحبّ أن يرى، وأتصدّق وأحبّ أن يرى، فنزلت: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ} الآية وهو مرسل. وأخرجه هناد في الزهد عنه أيضاً. وأخرج ابن سعد، وأحمد، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في الشعب عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي هريرة: أن رجلاً قال: يا رسول الله، الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا؟ فقال: حديث : لا أجر له، تفسير : فأعظم الناس ذلك، فعاد الرجل فقال: حديث : لا أجر له. تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن جرير في تهذيبه، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن شدّاد بن أوس قال: كنا نعدّ الرياء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر. وأخرج الطيالسي، وأحمد، وابن أبي الدنيا، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن شدّاد بن أوس أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك، ثم قرأ {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } الآية»تفسير : . وأخرج الطيالسي، وأحمد، وابن مردويه، وأبو نعيم عن شدّاد أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئاً فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشركه أنا عنه غنيّ»تفسير : . وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وابن جرير في تهذيبه، والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ؟ الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان رجل»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي عن شدّاد بن أوس سمعت رسول الله يقول صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتخوّف على أمتي الشرك والشهوة الخفية، قلت: أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراءون الناس بأعمالهم، قلت: يا رسول الله ما الشهوة الخفية؟ قال: يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ويواقع شهوته»تفسير : . وأخرج أحمد، ومسلم، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: «حديث : أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو للذي أشرك»تفسير : ، وفي لفظ: «حديث : فمن أشرك بي أحداً فهو له كله»تفسير : . وفي الباب أحاديث كثيرة في التحذير من الرياء وأنه الشرك الأصغر، وأن الله لا يقبله، وقد استوفاها صاحب الدرّ المنثور في هذا الموضع فليرجع إليه، ولكنها لا تدلّ على أنه المراد بالآية، بل الشرك الجليّ يدخل تحتها دخولاً أوّلياً، وعلى فرض أن سبب النزول هو الرياء كما يشير إلى ذلك ما قدّمنا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرّر في علم الأصول. وقد ورد في فضائل هذه الآية بخصوصها ما أخرجه الطبراني، وابن مردويه عن أبي حكيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم»تفسير : . وأخرج ابن راهويه، والبزار، والحاكم وصححه، والشيرازي في الألقاب، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ في ليلة {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ} الآية، كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة»تفسير : . قال ابن كثير بعد إخراجه: غريب جداً. وأخرج ابن الضريس عن أبي الدرداء قال: من حفظ خاتمة الكهف كان له نور يوم القيامة من لدن قرنه إلى قدمه. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذه الآية {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. قال ابن كثير: وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية هي آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها ولا يغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروى بالمعنى على ما فهمه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وعد بالثواب لمن أطاعه، ووعيد بالعقاب لمن عصاه، قاله ابن بحر ومثله {لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} الثاني: أنه العلم بالقرآن، قاله مجاهد. الثالث: وهذا إنما قاله الله تعالى تبعيداً على خلقه أن يُحصواْ أفعاله ومعلوماته، وإن كانت عنده ثابتة محصية.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَلِمَاتُ رَبِّى} وعده بالثواب والعقاب، أو ذكر ما خلق وما هو خالق، أو علم القرآن، عجز الخلق عن إحصاء معلوماته ومقدوراته.
النسفي
تفسير : {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ } أي ماء البحر {مِدَاداً لّكَلِمَـٰتِ رَبّى } قال أبو عبيدة: المداد: ما يكتب به أي لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان البحر مداداً لها والمراد بالبحر الجنس {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } بمثل البحر {مَدَداً } لنفد أيضاً والكلمات غير نافدة. و{مدداً} تمييز نحو «لي مثله رجلاً» والمدد مثل المداد وهو ما يمد به. {ينفد} حمزة وعلي، وقيل: قال حيي بن أخطب: في كتابكم {أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}تفسير : [البقرة: 269] ثم تقرؤون{أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}تفسير : [الإسراء: 85] فنزلت يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله {قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } فمن كان يأمل حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضاً وقبول، أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه والمراد باللقاء القدوم عليه. وقيل: رؤيته كما هو حقيقة اللفظ والرجاء على هذا مجرى على حقيقته {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } خالصاً لا يريد به إلا وجه ربه ولا يخلط به غيره. وعن يحيى بن معاذ: هو ما لا يستحي منه {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا } هو نهي عن الشرك أو عن الرياء قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا الشرك الأصغر»تفسير : قالوا: وما الشرك الأصغر قال: «حديث : الرياء»تفسير : قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن يخرج الدجال في تلك الثمانية عصمه الله من فتنة الدجال، ومن قرأ {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليَّ} إلى آخرها عند مضجعه كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه، وإن كان مضجعه بمكة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ».
الثعالبي
تفسير : وأما قوله سبحانه: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّي...} الآية: فروي أن سبب الآية أنَّ اليهود قالَتْ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيُّ الأُمَمِ كُلَّها وأنَّكَ أُعُطِيتَ مَا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ مِنَ الْعِلْمِ، وأَنْتَ مُقَصِّرٌ، قَدْ سُئِلْتَ عَنْ الرُّوحِ، فَلَمْ تُجِبْ فيهِ؟، ونحو هذا من القول؛ فأنزل اللَّه الآية مُعْلِمَةً باتساع معلوماتِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدْعٍ، فالمعنى: لو كان البحْرُ مداداً تكتب به معلوماته تعالى، لنَفِدَ قبل أنْ يستوفيها، «وكلمات ربِّي» هي المعاني القائمة بالنَّفْس، وهي المعلوماتُ، ومعلوماتُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لا تتناهى والبحر متناهٍ ضرورةً، وذكر الغَزَّالِيُّ في آخر «المنهاج» أن المفسِّرين يقولون في قوله تعالى: {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّي }، أن هذه هي الكلماتُ التي يقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ لأهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّة باللُّطْفِ والإِكرام، مما لا تكيِّفه الأوهام، ولا يِحُيطُ به عِلْمُ مخْلوقِ، وحُقَّ أنْ يكون ذلك كذلك، وهو عطِاءُ العزيز العليم؛ على مقتضى الفَضْل العظيم، والجود الكريمِ، أَلاَ لِمِثْلِ هذا فليعملِ العَامِلُونَ. انتهى. وقوله: {مَدَداً }، أي زيادة. * ت *: وكذا فسَّره الهَرَوِيُّ ولفظه: وقوله تعالى: {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً }، أي زيادة انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي} يقول: علم ربي. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} يقول: ينفد ماء البحر قبل أن ينفد كلام الله وحكمته. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي البختري قال: صحب سلمان رجل ليتعلم منه فانتهى إلى دجلة وهي تطفح، فقال له سلمان: أنزل فاشرب. فشرب، قال له: ازدد، فازداد. قال: كم نقصت منها؟ قال: ما عسى أن أنقص من هذه؟ قال سلمان: فكذلك العلم، تأخذ منه ولا تنقصه.
التستري
تفسير : قوله: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ}[109] قال: أي بعلم ربي وعجائبه، ثم قال: إن من علمه كتابه، لو أن عبداً أعطي لكل حرف من القرآن ألف فهم لما بلغ نهايته علم الله فيه، لأنه كلامه القديم، وكلامه صفته، ولا نهاية لصفاته، كما لا نهاية له، وإنما يفهم على قدر ما يفتح الله على قلوب أوليائه من فهم كلامه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} [الآية: 109]. قال الحسين: مقياس العدم فى الوجود فى معنى وجوده. فأما خاص الخاص من كلامه، وما لا يوصف أكثر مما قد أشير إليه، وإنما يذكر الناس ما بغيرهم معانى العبودية من عمل، وثواب، وعقاب، ووعد، ووعيد على حسب ما تحتمله عقولهم، فأما الكمال من فائدة الكلام، فالأنبياء والأولياء والأصفياء.
القشيري
تفسير : اي لا تُعَدُّ معاني كلمات الله لأنه لا نهاية لها؛ فإِنَّ متعلقاتِ الصفةِ القديمةِ لا نهاية لها؛ كمعلوماتِ الحق - سبحانه - ومقدوراته وسائر متعلقات صفاته. والذي هو مخلوقٌ لا يَسْتَوْفِي ما هو غير مُتَنَاهٍ - وإنْ كَثُرَ ذلك.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} ان الله سبحانه اخبر بهذه الآية ان اوهام الخليقة تقاصرت عن ادراك علومه وحكمته بالحقيقة وان ابصارها كليلة عن الاحاطة بذاته وان قلوبها عاجزة عن فهم معانى صفاته فى ذاته وذاته فى صفاته وان الكونى لو كان كل ذرة منه بحر الا ساحل لها مدادا وان من العرش الى الثرى كل ذرة منها ميدانا وصحارى من اقلام وجميع الاولين والآخرين من الازل الى الابد يكتبون كلمات القدمية لفنيت الكل عن حصرها وبقيت الكلمات غير محصورة بحصر الحدثان وكيف ذلك والحوادث منتهية وصفات الازلية منزهة عن نقايص الحدوثية والعدد والمدد من قبل الخليقة فلو كان بالمثل هذه البحور والاقلام والايدى تكتب ما فى قلب عارف فى ساعة من كلام الحق وخطابه وحديثه ووحيه لنفد البحر وينقطع الاقلام والايدى ولا ينتهى تلك الكلمات لانها قائمة بالصفات والذات والصفات منزهة عن تقدير المقدرين وحسبان المتوهمين وحساب المحاسبين قال الله ولو انما فى الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله واشارة الحقيقة اى لو كان بحار القلوب مملوة من مداد الخواطر واسرارها التى تدور فى سرادق الكبرياء اقلاما وتستمد مدادها من بحر الافعال لنفدت عند نشر معانى علم الله فى كلمة من كلمات الله لان ملك البحار افعالية والكلمات صفاتية والافعال متلاشية تحت انوار الصفات ولا تعجب ان جميع الاكوان من العرش الى الثرى لو كانت كل ذرة منها الف بحر لا ساحل لها يكون قطرة من بحر خواطر القلوب واسرارها سبحان المنزه عن احاطة المخلوقات بشئ من علمه قال سبحانه ولا يحيطون به علما قال الحسين مقياس العدم فى الوجود فى معنى وجوده فاما خاص الخاص من كلامه فلو كانت ابد الابد اقلاما ومدادا وبياضا ما نفد معانى كلمة من كلماته ولا يوصف اكثر مما قد اشير اليه وانما يذكر للناس ما يفيدهم معانى العبودية من علم وثواب وعقاب ووعد ووعيد على حسب ما يحتمله عقولهم فاما الكمال من فايدة الكلام فللانبياء والاصفياء والاولياء.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل لوكان البحر}[بكوا كرباشد درياى محيط كه شامل ارضست] كذا فى تفسير الكاشفى. وقال غيره يريد الجنس يعنى لو كان ماء جنس البحر {مدادا} نقسا وحبرا والثلاثة بمعنى ما يكتب به نزلت حين قال حييى بن اخطب فى كتابكم {أية : ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا} تفسير : ثم تقرأون {أية : وما اوتيتم من العلم الا قليلا}تفسير : كأنه يشير الى ان التوراة خير كثير فكيف يخاطب اهلها بهذا الخطاب يعنى ان ذلك خير كثير بالنسبة الينا ولكنه قطرة من بحر كلمات الله شعر : علمها از بحر علمش قطره اين جوخورشيدست وآنها ذره كر كسى درعلم صد لقمان بود بيش علم كاملش نادان بود تفسير : لانه لو كان ماء البحر مدادا {لكلمات ربى} لكلمات علمه وحكمته يعنى لمعلوماته وحكمه فتكتب من ماء البحر كما تكتب من المداد والحبر. قال فى تفسير الجلالين {لكلمات ربى} اى لكتابتها وهى حكمه وعجائبه والكلمات هى العبارات عنها انتهى {لنفد البحر} يعنى ماء جنس البحر باسره مع كثرته ولم يبق فيه شئ لان كل جسم متناه {قبل ان تنفد كلمات ربى} اى من غير ان تفنى معلوماته وحكمه فانها غير متناهية لا تنفد كعلمه فلا دلالة للكلام على نفادها بعد نفاد البحر وانما اختار جمع القلة على الكثرة وهى الكلم تنبيها على ان ذلك لا يقابل بالقليل فكيف بالكثير كما فى بحر العلوم. وقال ابو القاسم الفزارى فى الاسئلة المقحمة ما معنى قوله كلمات ربى فذكر بلفظ الجمع وكلمته واحدة صفة له والجواب قيل معانى كلمات ربى فلا نهاية لها لان متعلقات الصفات القديمة غير متناهية والفلاسفة يحملون كل كلمة جاءت فى القرآن على الروح ويقولون بان الروح الانسانية قديمة منه بدت واليه تعود. ورأيت فى كلمات بعض المعاصرين الذين يدعون التحقيق فى الكلام ويحومون حول هذا الحمى اظهارا من نفوسهم التفطن فى الشطح ولكن تارة يعرض بها وتارة يصرح بذلك واياكم ثم اياكم والاغترار بها فانها من اوائل حكم الفلسفة واوائل العلوم مسوقة ولكنها عند البحث فلما تعود بطائل يتروج وهو مطرى ويهجر وهو منشور انتهى {ولو جئنا بمثله} بمثل البحرالموجود يعنى بمائة. وقال الكاشفى [واكرنيز بياريم مثل درياى محيط]{مددا} تمييزا اى زيادة ومعونة اى لنفد ايضا والكلمات غير نافدة لعدم تناهيها فحذف جزاء الثانى لدلالة الاول عليه ويجوز ان يكون التقدير ولو جئنا بمثله مددا ما نفدت كلمات الله وهو أحسن لكونه أوفق بقوله {ولو أن ما فى الأرض من شجر أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله} ولانه يدل به على تحقق نفاد البحر وعدم تحقق نفاد الكلمات صريحا فيكفى مؤنة كثيرة من الكلام كما فى بحر العلوم. قال فى الارشاد قوله {ولو جئنا} كلام من جهته تعالى غير داخل فى الكلام الملقن يجئ به لتحقيق مضمونه وتصديق مدلوله والواو لعطف الجملة على نظيرتها اى لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى لو لم يجئ بمثله مددا ولو جئنا بقدرتنا القاهرة بمثله عونا وزيادة لان مجموع المتناهيين متناه بل مجموع ما يدخل تحت الوجود من الاجسام لا يكون الا متناهيا لقيام الادلة القاطعة على تناهى الابعاد. قال الامام قولنا الله تعالى قادر على مقدورات غير متناهية مع قولنا ان حدوث ما لا نهاية له محال معناه ان قادرية الله تعالى لا تنتهى الى حد الا ويصح منه الايجاد بعد ذلك انتهى اى فلا يلزم منه عدم تناهى الممكنات. قال شيخى وسندى قدس الله سره فى بعض تحريراته قوله كلما علمه وحكمته الظاهر ان المراد الكلمات التى يعبر بها عن معلومات الله تعالى وما يتعلق به حكمته فكلمة قبل على المجاز عن نفاد البحر دون ان يكون لها تحقق النفاد اى ينفد البحر ولا يتحقق لكلمات الرب نفاد. فان قلت انما يتم ما ذكرتم اذا كانت الكلمات هى المعلومات المحكومة والمقدورة كالممكنات والممتنعات فكيف يتم ما ذكرتم اذ كل منهما مما ينفد ويتناهى فههنا اشكال لانه ان قيل انهما ليسا من المعلومات فيلزم انهما من غير المعلومات فلزم على البارى تعالى ما هو المحال والمفقود فى حقه الاعلى من الجهل والغفلة فهو غير متصور فى شأنه العلى. قلنا ان البحر اذا كان مدادا وكانت كل قطرة منه قد عينت لان يكتب بها نفسها باعتبار كونها من الكلمات والملعومات ينفد بكتابة نفسه وقطراته ولا يبقى منه شئ يكتب به ما عداه من الكلمات ولو جيئ بمثله مددا لان جميع المتناهى متناه فضلا عن نفاد الكلمات وتناهى المعلومات فانها غير متناهية لا تنفد او قلنا او المراد مطلق الملعومات العام الشامل لكل ما يتعلق به علمه سواء كان ذات البارى تعالى وصفاته العليا واسماءه الحسنى او غيره من الموجودات الممكنة والمعدومات الممتنعة فحينئذ يتم ما ذكرنا وان كان يرى فى صورة ما لا يتم ولا يصح باعتبار ان يكون من المعلومات ماله تناه ونفاد من الممكنات والممتنعات ثم ان فى اطلاق الكلمات على بعض ما يتعلق به علمه تعالى ما ليس فى اطلاق المعلومات عليه من الاشكال والخفاء كذات البارى تعالى وصفاته مع انهما من المعلومات المعبر عنها بالكلمات بالمحكومات او بالمقدورات اولى منه بالمعلومات اذ فى اضافة الكلمات الى الرب اشعار به واشارة اليه وتسمية الممكنات بالكلمات من تسمية المسبب باسم السبب لانها انما تكونت بكلمة كن كما قال تعالى {أية : انما امره اذا اراد}تفسير : الآية ومحصل الكلام ان نفاد البحر وقوعا او فرضا امر ذاتى غير معلل مطلقا كان مدادا ام لا فان كل جسم متناه ونافد قطعا وعدم نفاد كلمات الرب لا وقوعا ولا فرضا امر ذاتى غير معلل ازلا فانها غير متناهية ابدا ولا نافذة سرمدا انتهى كلام حضرة الشيخ روح الله روحه.
الجنابذي
تفسير : {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} الآية جارية بحسب الظّاهر على طريق المخاطبات العرفيّة حين المبالغة فى امرٍ من وضع قضايا فرضيّة وتعليق الحكم عليها يعنى انّ كلمات الرّبّ من الكثرة وعدم النّهاية بمرتبةٍ لو فرض انّ جميع بحار الارض او جنس بحار الارض كان مداداً لها لما وفى بها مثل قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان:27]، لكن لمّا كانت مفروضات الله تعالى شأنه مبتنيّةً على حقائق عينيّة بحسب الواقع وان كانت تترائى فرضيّة بحسب الانظار الحسّيّة، فانّه لا مجازفة ولا اغراق فى كلمات الله وكلمات خلفائه كان المراد بالبحر هو البحر الفاعلىّ الذى هو المشيّة وقد فسّرت فى قوله تعالى ن، والقلم بهذا البحر، ويكون المراد حينئذٍ بسبعة ابحرٍ المراتب السّبع الفاعليّة الّتى كلّ بمنزلة المداد بالنّسبة الى ما بعده وهى الملائكة المهيّمون المقرّبون والصّافات صفّاً والمدبّرات امراً والنّفس الانسانيّة والحيوانيّة والنّباتيّة والطّبع الجماديّة، او المراد بسبعة ابحرٍ الا بحر القابليتّه من مادّة الكلّ والجسم المطلق والعنصر والجماد والنّبات والحيوان والانسان بحسب بشريّته فانّ كلاًّ بجهته القابليّة مادّة ومداد لما فوقه، او المراد بالبحر البحر القابلىّ الّذى هو مادّة الموادّ وهيولى الهيوليات، والمراد بسبعة ابحرٍ الابحر القابليّات السّتّة المذكورة بجعل بحر الانسان باعتبار نفسه وعقله بحرين، او المراد بسبعة ابحرٍ البحار السّبعة الفاعليّات وكلّ ذلك من سعة وجوه القرآن وصحّة حمله على الكلّ {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} قرئ بكسر الميم وفتحه من المداد او المدد، والمراد بالمثل ان كان المراد بالبحر الفاعليّة المطلقة القابليّة المطلقة، او القابليّة المطلقة فالمراد الفاعليّة المطلقة، وان كان المراد بالبحر المشيّة والفاعليّة الاولى فالمثل القابليّة الاولى او القابليّة الاولى فالفاعليّة الاولى، ولمّا اوهم امره تعالى له (ص) بان يخبر القوم بانّ كلمات الله غير متناهية انّه احاط بها ولو اجمالاً وليست تلك الاحاطة بقوّة بشريّة بل بشأنٍ آلهىٍّ وقوّة غير بشريّةٍ امره تعالى شأنه ان يتنزّل الى مقامه البشرىّ ولا يرفع شأنه عمّن ارسل اليهم ليتوهّموا المجانسة ويأنسوا به فقال {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ..}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّى} أى لعلم ربى ويسمى العلم كلمة لأن ما يعلمه أحد يتكلم به فى الجملة. والمداد: اسم لما تمد به الدواة من حبر أسود أو أصفر أو أحمر أو أزبر أو غير ذلك وما يمد به السراج من الزيت أو غيره. ويقال: السماء مداد الأرض ويقدر مضاف فى قوله: كان البحر أى ماء البحر لأن البحر اسم للأرض التى فيها ذلك الماء لا للماء. ويجوز أن يراد به الماء مجازا تسمية للحال باسم لمحل ولأحد المتجاورين باسم الآخر. والمعنى لو كان ماء البحر مداداً يكتب الخلائق به كلهم علم الله {لَنَفِدَ الْبَحْرُ} أى انقضى ملؤه وفرغ. {قَبْلَ أَنْ تنْفَدَ} وقرأ حمزة والكسائى فى رواية عنهما قبل أن ينفد بالمثناة التحتية. {كَلِمَاتُ رَبِّى} علمه وحكمه {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ} أى بمثل البحر. {مَدَداً} زيادة وهو كالمداد وقد قرأ ابن عباس مداداً. وقرأ الأعرج مددا بكسر الميم جمع مدة وهى ما يمد به الكاتب فيكتب به والنصب على التمييز وجواب لو محذوف أى لنفد أيضا ولم تنفد كلمات ربى فإنه كلماته لا تتناهى بخلاف الأجسام. قيل: قال يحيى بن أخطب: فى كتابكم: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً" ثم تقرأون: "وما أوتيم من العلم إلا قليلا" فنزل: {قل لو كان البحر مدادا} إلى قوله: {مدداً} يعنى أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. وقيل: لما نزل: {أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} تفسير : قالت اليهود: أوتينا التوراة وفيها علم كل شئ فأنزل الله تبارك وتعالى: {قل لو كان البحر مدادا} - إلى قوله - {مددا}.
اطفيش
تفسير : {قُلْ} للمؤمنين وغيرهم إن استبعدت عقولهم شيئًا من أمر الجنة، إن قدرة الله عز وجل تامة لا يعجز عن شئ، ومن ذلك كمال علمه، روى الترمذى عن ابن عباس: أن حيى بن أخطب اليهودى قال: فى كتابكم ومن يؤت الحكمة إلخ، فيه: "أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"تفسير : [الإسراء: 85] والحكمة العلم فتناقضت الآيتان. الجواب ظاهر هو أن الخير الكثير قليل بالنسبة إلى الكل، وقال بعض اليهود أيضاً تدعى العلم، وعجزت عن علم الروح ما هو، فنزل مع أن علم الروح مما لا يحتاج إليه فى الدين. {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ} أل للاستغراق، فشمل البحر المحيط والبحور الخارجة منه، وما لم يخرج منه {مِدَادًا لِكَلِمَاتِ} معلومات {رَبِّى} وكل نبتة قلما {لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} عونًا وزيادة، لأن معلوماته لا تنتهى، وذلك تمثيل لنا بما هو أقرب لأفهامنا فإنه لا يفى بها سبعة أبحر ولا آلاف ألف، وأكثر بلا نهاية عدد، وذكر السبعة لأن الناس يذكرونها فى الكثرة، والمراد لو جئنا بمثله، فكيف لو لم نجئ بذلك، أو يقدر لو لم نجئ ولو جئنا، والمراد لنفد البحر وهى باقية، إذ لا تنفد البتة كائنا ما كان، ومدداً تمييز ووجهه أن فى الأبحر مددا أيضًا إذ كل جزء من ماء زيادة على ما قبله، وأظهر الكلمات، والبحر لزيادة التقرير، وفى إضافة رب للياء والإظهار مع التكرير وزيادة تفخيم للمضاف، وتشريف للمضاف إليه.
الالوسي
تفسير : {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ} أي جنس البحر {مِدَاداً} هو في الأصل اسم لكل ما يمد به الشيء واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر {لّكَلِمَـٰتِ رَبّى} أي معداً لكتابة كلماته تعالى، والمراد بها كما روي عن قتادة معلوماته سبحانه وحكمته عز وجل {لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ} مع كثرته ولم يبق منه شيء لتناهيه {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبّى} لعدم تناهيها {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} عوناً وزيادة لأن مجموع / المتناهيين متناه بل جميع ما يدخل في الوجود على التعاقب أو الاجتماع متناه ببرهان التطبيق وغيره من البراهين، وهذا كلام من جهته تعالى شأنه غير داخل في الكلام الملقن جيء به لتحقيق مضمونه وتصديق مدلوله على أتم وجه، والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة المذكور عليها دلالة واضحة أي لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته تعالى لو لم نجيء بمثله مدداً ولو جئنا بمثله مدداً، والكلام في جواب {لَوْ} مشهور وليس قوله تعالى: {قَبْلَ أَن تَنفَدَ} للدلالة على أن ثم نفاداً في الجملة محققاً أو مقدراً لأن المراد منه لنفد البحر وهي باقية إلا أنه عدل إلى المنزل لفائدة المزاوجة وان ما لا ينفد عند العقول العامية ينفد دون نفادها وكلما فرضت من المد فكذلك والمثل للجنس شائع على أمثال كثيرة تفرض كل منها مدداً، وهذا كما في «الكشف» أبلغ من وجه من قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ} تفسير : [لقمان: 27] وذلك أبلغ من وجه آخر وهو ما في تخصيص هذا العدد من النكتة ولم يرد تخصيص العدة ثم فيه زيادة تصوير لما استقر في عقائد العامة من أنها سبعة حتى إذا بالغوا فيما يتعذر الوصول إليه قالوا هو خلف سبعة أبحر، وفي إضافة الكلمات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم في الموضعين من تفخيم المضاف وتشريف المضاف إليه ما لا يخفى، وإظهار البحر والكلمات في موضع الإضمار لزيادة التقرير، ونصب {مَدَداً} على التمييز كما في قوله:شعر : فإن الهوى يكفيكه مثله صبرا تفسير : وجوز أبو الفضل الرازي نصبه على المصدر على معنى ولو أمددنا بمثله إمداداً وناب المدد عن الإمداد على حد ما قيل في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً} تفسير : [نوح: 17] وفيه تكلف. وقرأ حمزة والكسائي وعمرو بن عبيد والأعمش وطلحة وابن أبـي ليلى {قبل أن ينفد} بالياء آخر الحروف، وقرأ السلمي {أن تنفد} بالتشديد على تفعل على المضي وجاء كذلك عن عاصم وأبـي عمرو فهو مطاوع نفد مشدداً نحو كسرته فتكسر. وقرأ الأعرج {بمثله مدداً} بكسر الميم على أنه جمع مدة وهو ما يستمده الكاتب فيكتب به، وقرأ ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والأعمش بخلاف والتيمي وابن محيصن وحميد والحسن في رواية وأبو عمرو كذلك وحفص كذلك أيضاً {مداداً} بألف بين الدالين وكسر الميم. وسبب النزول أن حيي بن أخطب كما رواه الترمذي عن ابن عباس قال: في كتابكم {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } تفسير : [البقرة: 269] ثم تقرؤون {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85] ومراده الاعتراض بأنه وقع كتابكم تناقض بناء على أن الحكمة هي العلم وأن الخير الكثير هو عين الحكمة لا آثارها وما يترتب عليها لأن الشيء الواحد لا يكون قليلاً وكثيراً في حالة واحدة فالآية جواب عن ذلك بالإرشاد إلى أن القلة والكثرة من الأمور الإضافية فيجوز أن يكون الشيء كثيراً في نفسه وهو قليل بالنسبة إلى شيء آخر فإن البحر مع عظمته وكثرته خصوصاً إذا ضم إليه أمثاله قليل بالنسبة إلى كلماته عز وجل، وقيل سبب ذلك أن اليهود قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: كيف تزعم أنك نبـي الأمم كلها ومبعوث إليها وأنك أعطيت من العلم ما يحتاجه الناس، وقد سئلت عن الروح فلم تجب فيه؟ ومرادهم الاعتراض بالتناقض بين دعواه عليه الصلاة والسلام وحاله في زعمهم بناء على أن العلم بحقيقة الروح مما يحتاجه الناس وأنه صلى الله عليه وسلم لم يفده عبارة ولا إشارة والجواب عن هذا منع كون العلم بحقيقة الروح مما يحتاجه الناس في أمر دينهم المبعوث له الأنبياء عليهم السلام والقائل «حديث : أنتم أعلم بأمور دنياكم» تفسير : لا يدعي علم ما يحتاجه الناس مطلقاً، وأنت تعلم أن الآية لا تكون جواباً عما ذكر على تقدير صحة كون ذلك سبب / النزول إلا بضم الآية الآتية إليها ومع هذا يحتاج ذلك إلى نوع تكلف.
ابن عاشور
تفسير : لما ابتدئت هذه السورة بالتنويه بشأن القرآن ثم أفيض فيها من أفانين الإرشاد والإنذار والوعد والوعيد، وذكر فيها من أحسن القصص ما فيه عبرة وموعظة، وما هو خفي من أحوال الأمم، حُول الكلام إلى الإيذان بأن كل ذلك قليل من عظيم علم الله تعالى. فهذا استئناف ابتدائي وهو انتقال إلى التنويه بعلم الله تعالى مفيضِ العلم على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن المشركين لما سألوه عن أشياء يظنونها مفحمة للرسول وأن لا قبل له بعلمها علمه الله إياها، وأخبر عنها أصدق خبر، وبيّنها بأقصى ما تقبله أفهامهم وبما يقصر عنه علم الذين أغروا المشركين بالسؤال عنها، وكان آخرها خبر ذي القرنين، أتبع ذلك بما يعلم منه سعة علم الله تعالى وسعة ما يجري على وفق علمه من الوحي إذا أراد إبلاغ بعض ما في علمه إلى أحد من رسله. وفي هذا رد عجز السورة على صدرها. وقيل: نزلت لأجل قول اليهود لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف تقول، أي في سورة الإسراء {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} وقد أوتينا التّوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: { أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } تفسير : في سورة الإسراء (85). وقال الترمذي عن ابن عباس: قال حيي بن أخطب اليهودي: في كتابكم { أية : ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } تفسير : [البقرة:269] ثم تقرأون: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}، فنزل قوله تعالى: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي...} الآية. وكلمات الله: ما يدلّ على شيء مِن علمه مما يوحي إلى رسله أن يبلغوه، فكل معلوم يمكن أن يخبر به. فإذا أخبر به صار كلمة، ولذلك يطلق على المعلومات كلمات، لأن الله أخبر بكثير منها ولو شاء لأخبر بغيره، فإطلاق الكلمات عليها مجاز بعلاقة المآل. ونظيرها قوله تعالى: { أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يَمُدُّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } تفسير : [لقمان:27]. وفي هذا دليل لإثبات الكلام النفسي ولإثبات التعلّق الصلوحي لصفة العلم. وقل من يتنبه لهذا التعلّق. ولما كان شأن ما يُخبِر الله به على لسان أحد رسله أن يكتَب حرصاً على بقائه في الأمة، شبهت معلومات الله المخبَر بها والمطلق عليها كلمات بالمكتوبات، ورُمز إلى المشبه به بما هو من لوازمه وهو المِداد الذي به الكتابة على طريقة المكنية، وإثبات المداد تخييل كتخيُّل الأظفار للمنية. فيكون ما هنا مثل قوله تعالى: {ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} فإن ذكر الأقلام إنما يناسب المداد بمعنى الحِبر. ويجوز أن يكون هنا تشبيه كلمات الله بالسراج المضيء، لأنه يهدي إلى المطلوب، كما شبه نور الله وهديُه بالمصباح في قوله تعالى: { أية : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } تفسير : [النور:35] ويكون المداد تخييلاً بالزيت الذي يمد به السراج. والمدَاد يطلق على الحِبر لأنه تُمَد به الدواة، أي يمد به ما كان فيها من نوعه، ويطلق المداد على الزيت الذي يمد به السراج وغلب إطلاقه على الحبر. وهو في هذه الآية يحتمل المعنيين فتتضمّن الآية مكنيتين على الاحتمالين. واللام في قوله {لكلمات} لام العلّة، أي لأجل كلمات ربي. والكلام يؤذن بمضاف محذوف، تقديره: لكتابة كلمات ربي، إذ المداد يراد للكتابة وليس البحر مما يكتب به ولكن الكلام بني على المفروض بواسطة (لو). والمداد: اسم لما يمد به الشيء، أي يزاد به على ما لديه. ولم يقل مداداً، إذ ليس المقصود تشبيهه بالحبر لحصول ذلك بالتشبيه الذي قبله وإنما قصد هنا أن مثله يمده. والنفاد: الفناء والاضمحلال، ونفاد البحر ممكن عقلاً. وأما نفاد كلمات الله بمعنى تعلقات علمه فمستحيل، فلا يفهم من تقييد نفاد كلمات الله بقيد الظرف وهو {قَبْلَ} إمكان نفاد كلمات الله؛ ولكن لما بُني الكلام على الفرض والتقدير بما يدل عليه (لو) كان المعنى لو كان البحر مداداً لكلمات ربي وكانت كلمات ربي مما ينفد لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي. وهذا الكلام كناية عن عدم تناهي معلومات الله تعالى التي منها تلك المسائل الثلاث التي سألوا عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يقتضي قوله: {قبل أن تنفد كلمات ربي} إن لكلمات الله تعالى نفاداً كما علمته. وجملة {ولو جئنا بمثله مدداً} في موضع الحال. و {لو} وصلية، وهي الدالة على حالة هي أجدر الأحوال بأن لا يتحقق معها مفاد الكلام السابق فيُنبّه السامع على أنها متحقق معها مُفاد الكلام السابق. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به } تفسير : في سورة آل عمران (91)، وهذا مبالغة ثانية. وانتصب {مدداً} على التمييز المُفسر للإبهام الذي في لفظ {بِمِثله}، أي مثل البحر في الإمداد.
الشنقيطي
تفسير : أمر جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يقول {لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي} أي لو كان ماء البحر مداداً للأقلام التي تكتب بها كلمات الله "لنفد البحر" أي فرغ وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربيَ {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي ببحر آخر مثله مدداً، أي زيادة عليه. وقوله "مددا" منصوب على التمييز، ويصح إعرابه حالاً. وقد زاد هذا المعنى إيضاحاً في سورة "لقمان" في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}تفسير : [لقمان: 27] الآية وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها سبحانه وتعالى علواً كبيراً.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّكَلِمَاتِ} {كَلِمَاتُ} (109) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ مَاءُ البَحْرِ كُلُّهُ حِبْراً (مِدَاداً) لِلْقَلَمِ الذِي تُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ اللهِ، وَحِكَمُهُ وَآيَاتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، لَنَفَدَ مَاءُ البَحْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ كِتَابَةُ ذَلِكَ وَتُسْتَنْفَدَ، وَلَوْ كَانَ وَرَاءَ البَحْرِ بُحُورٌ أُخْرَى تَمُدُّهُ. المِدَادُ - المَادَّةُ التِي يُكْتَبُ بِهَا - الحِبْرُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأن قدرته تعالى لا حدود لها، وما دامت قدرته لا حدود لها فالمقدورات أيضاً لا حدود لها؛ لذلك لو كان البحر مداداً أي: حِبْراً يكتب به كلمات الله التي هي (كُنْ) التي تبرز المقدورات ما كان كافياً لكلمات الله {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [الكهف: 109] أي: بمثل البحر. ونحن نقول مثلاً عن السلعة الجيدة: لا يستطيع المصنع أنْ يُخرِج أحسن من هذه، أما صنعة الله فلا تقف عند حد؛ لأن المصنع يعالج الأشياء، أما الحق - تبارك وتعالى - فيصنعها بكلمة كُنْ؛ لذلك نجد في أرقى فنادق الدنيا أقصى ما توصَّل إليه العلم في خدمة البشر أنْ تضغط على زِرٍّ معين، فيُخرِج لك ما تريد من طعام أو شراب. وهذه الأشياء بلا شكَّ مُعدَّة ومُجهَّزة مُسْبقاً، فقط يتم استدعاؤها بالضغط على زر خاص بكل نوع، لكن هل يوجد نعيم في الدنيا يحضر لك ما تريد بمجرد أن يخطر على بالك؟ إذن: فنعيم الدنيا له حدود ينتهي عندها. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [يونس: 24]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد استنفدتم وسائلكم في الدنيا، وبلغتم أقصى ما يمكن من مُتَعِها وزينتها، فتعالوا إلى ما أعددتُه أنا لكم، اتركوا ما كنتم فيه من أسباب الله، وتعالوا عِيشُوا بالله، كنتم في عالم الأسباب فتعالوْا إلى المسبِّب. وإنْ كان الحق سبحانه قد تكلم في هذه الآية عن المداد الذي تُكتب به كلمات الله، فقد تكلَّم عن الأقلام التي يكتب بها في آية أخرى أكثر تفصيلاً لهذه المسألة، فقال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [لقمان: 27]. ونقف هنا عند دِقَّة البيان القرآني، فلو تصوَّرنا ما في الأرض من شجر أقلام، مع ما يتميز به الشجر من تجدُّد مستمر، وتكرُّر دائم يجعل من الأشجار ثروة لا حَصْر لها ولا تنتهي، وتصوَّرنا ماء البحر مداداً يُكتب به إلا أنّ ماء البحر منذ خلقه الله تعالى محدود ثابت لاَ يزيد ولا ينقص. لذلك لما كان الشجر يتجدَّد ويتكرَّر، والبحر ماؤه ثابت لا يزيد. قال سبحانه: {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ..}تفسير : [لقمان: 27] ليتناسب تزايد الماء مع تزايد الشجر، والمراد سبعة أمثاله، واختار هذا العدد بالذات؛ لأنه مُنتَهى العدد عند العرب. وقد أوضح لنا العلم دورة الماء في الطبيعة، ومنها نعلم أن كمية الماء في الأرض ثابتة لا تزيد؛ لأن ما يتم استهلاكه من الماء يتبخّر ويعود من جديد فالإنسان مثلاً لو شَرِب طيلة عمره مائة طن من الماء، فاحسب ما يخرج منه من بول وعرق وفضلات في عملية الإخراج تجدها نفس الكمية التي شربها، وقد تبخرتْ وأخذَتْ دورتها من جديد؛ لذلك يقولون: رُبَّ شربةِ ماء شربها من آدم الملايين. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل لهم مخبرا عن عظمة الباري، وسعة صفاته، وأنها لا يحيط العباد بشيء منها: { لَوْ كَانَ الْبَحْرُ } أي: هذه الأبحر الموجودة في العالم { مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } أي: وأشجار الدنيا من أولها إلى آخرها، من أشجار البلدان والبراري، والبحار، أقلام، { لَنَفِدَ الْبَحْرُ } وتكسرت الأقلام { قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي } وهذا شيء عظيم، لا يحيط به أحد. وفي الآية الأخرى {أية : ولو أنَّمَا في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم } تفسير : وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات، منقضية منتهية، وأما كلام الله، فإنه من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة، ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب فالله فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله تعالى، كعلمه، وحكمته، وقدرته، ورحمته، فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك بأن الله، له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن/ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [109] 334 - أنا قُتيبة بن سعيدٍ، نا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدة، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت قريشٌ لليهود: أعطونا شيئاً نسألُ به هذا الرجل، فقال: سلوه عن الروح. فسألوه، فنزلت: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 85]. قالوا: أُوتينا علماً كثيراً، أُوتينا التوراة، ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً، فأنزل اللهُ: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ}.
همام الصنعاني
تفسير : 1727- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، قال: أخبرني عمرو بن مالِكٍ، قال: سمعت أبا الجوزاء يقول في قوله: {قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي}: [الآية: 109]، قال: لو كان كل شَجَرةٍ في الأرْضِ أقْلاماً، {أية : وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ}تفسير : : [لقمان: 27]، لو كان مدَاداً لنَفِد الماءُ وتسكرت الأقلام، {قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي}: [الآية: 109].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):