Verse. 2251 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

كۗہٰيٰعۗصۗ۝۱ۣۚ
KafhayaAAaynsad

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كَهيعَص» الله أعلم بمراده بذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : قبل الخوض في القراءات لا بد من مقدمات ثلاثة. المقدمة الأولى: أن حروف المعجم على نوعين ثنائي وثلاثي، وقد جرت عادة العرب أن ينطقوا بالثنائيات مقطوعة ممالة فيقولوا: با تا ثا وكذلك أمثالها، وأن ينطقوا بالثلاثيات التي في وسطها الألف مفتوحة مشبعة فيقولوا دال ذال صاد ضاد وكذلك أشكالها، أما الزاي وحده من بين حروف المعجم فمعتاد فيه الأمران، فإن من أظهر ياءه في النطق حتى يصير ثلاثياً لم يمله، ومن لم يظهر ياءه في النطق حتى يشبه الثنائي يمله. أما المقدمة الثانية: ينبغي أن يعلم أن إشباع الفتحة في جميع المواضع أصل والإمالة فرع عليه ولهذا يجوز إشباع كل ممال ولا يجوز إمالة كل مشبع من الفتحات. المقدمة الثالثة: للقراء في القراءات المخصوصة بهذا الموضع ثلاثة طرق: أحدها: أن يتمسكوا بالأصل وهو إشباع فتحة الهاء والياء. وثانيها: أن يميلوا الهاء والياء. وثالثها: أن يجمعوا بين الأصل والفرع فيقع الاختلاف بين الهاء والياء فيفتحوا أحدهما أيهما كان ويكسروا الآخر ولهم في السبب الموجب لهذا الاختلاف قولان: الأول: أن الفتحة المشبعة أصل والإمالة فرع مشهور كثير الاستعمال فأشبع أحدهما وأميل الآخر ليكون جامعاً لمراعاة الأصل والفرع وهو أحسن من مراعاة أحدهما وتضييع الآخر. القول الثاني: أن الثنائية من حروف المعجم إذا كانت مقطوعة كانت بالإمالة، وإذا كانت موصولة كانت بالإشباع وها ويا في قوله تعالى: {كهيعص } مقطوعان في اللفظ موصولان في الخط فأميل أحدهما وأشبع الآخر ليكون كلا الجانبين مرعياً جانب القطع اللفظي وجانب الوصل الخطي، إذا عرفت هذا فنقول فيه قراءات: إحداها: وهي القراءة المعروفة فيه فتحة الهاء والياء جميعاً. وثانيها: كسر الهاء وفتح الياء وهي قراءة أبي عمرو وابن مبادر والقطعي عن أيوب، وإنما كسروا الهاء دون الياء ليكون فرقاً بينه وبين الهاء الذي للتنبيه فإنه لا يكسر قط. وثالثها: فتح الهاء وكسر الياء وهو قراءة حمزة والأعمش وطلحة والضحاك عن عاصم، وإنما كسروا الياء دون الهاء، لأن الياء أخت الكسرة وإعطاء الكسرة أختها أولى من إعطائها إلى أجنبية مفتوحة للمناسبة. ورابعها: إمالتهما جميعاً وهي قراءة الكسائي والمفضل ويحيى عن عاصم والوليد بن أسلم عن ابن عامر والزهري وابن جرير وإنما أمالوهما للوجهين المذكورين في إمالة الهاء وإمالة الياء. وخامسها: قراءة الحسن وهي ضم الهاء وفتح الياء، وعنه أيضاً فتح الهاء وضم الياء، وروى صاحب «الكشاف» عن الحسن بضمهما، فقيل له لم تثبت هذه الرواية عن الحسن لأنه أورد ابن جني في كتاب «المكتسب» أن قراءة الحسن ضم أحدهما وفتح الآخر لا على التعيين، وقال بعضهم: إنما أقدم الحسن على ضم أحدهما لا على التعيين لأنه تصور أن عين الفعل في الهاء والياء ألف منقلب عن الواو كالدار والمال، وذلك لأن هذه الألفات وإن كانت مجهولة لأنها لا اشتقاق لها فإنها تحمل على ما هو مشابه لها في اللفظ. والألف إذا وقع عيناً فالواجب أن يعتقد أنه منقلب عن الواو لأن الغالب في اللغة ذلك فلما تصور الحسن أن ألف الهاء والياء منقلب عن الواو جعله في حكم الواو وضم ما قبله لأن الواو أخت الضمة. وسادسها: ها يا بإشمامهما شيئاً من الضمة. المسألة الثالثة: قرأ أبو جعفر كهيعص يفصل الحروف بعضها من بعض بأدنى سكتة مع إظهار نون العين وباقي القراء يصلون الحروف بعضها ببعض ويخفون النون. المسألة الثالثة: القراءة المعروفة صاد، ذكر بالإدغام، وعن عاصم ويعقوب بالإظهار. البحث الثاني: المذاهب المذكورة في هذه الفواتح قد تقدمت لكن الذي يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى كهيعص ثناء من الله على نفسه، فمن الكاف وصفه بأنه كاف ومن الهاء هاد ومن العين عالم ومن الصاد صادق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أنه حمل الكاف على الكبير والكريم، ويحكى أيضاً عنه أنه حمل الياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى، وعن الربيع بن أنس في الياء أنه من مجير، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في العين أنه من عزيز ومن عدل، وهذه الأقوال ليست قوية لما بينا أنه لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة لا بالحقيقة ولا بالمجاز لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطناً، واللغة لا تدل على ما ذكروه فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم أو الملائكة أو الجنة أو النار فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكماً لا تدل عليه اللغة أصلاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {كۤهيعۤصۤ } تقدّم الكلام في أوائل السور. وقال ابن عباس في {كۤهيعۤصۤ }: إن الكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق؛ ذكره ابن عزيز القشيري عن ابن عباس؛ معناه كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالم بهم، صادق في وعده؛ ذكره الثعلبي عن الكلبي والسدي ومجاهد والضحاك. وقال الكلبي أيضاً: الكاف من كريم وكبير وكافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من رحيم، والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق؛ والمعنى واحد. وعن ابن عباس أيضاً: هو اسم من أسماء الله تعالى؛ وعن عليّ رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل وكان يقول: يا كهيعص اغفر لي؛ ذكره الغزنوي. السدي: هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب. قتادة: هو اسم من أسماء القرآن؛ ذكره عبد الرزاق عن مَعْمَر عنه. وقيل: هو اسم للسورة؛ وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف؛ وعلى هذا قيل: تمام الكلام عند قوله: «كهيعص» كأنه إعلام باسم السورة، كما تقول: كتاب كذا أو باب كذا ثم تشرع في المقصود. وقرأ ابن جعفر هذه الحروف متقطعة، ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء، وابن عامر وحمزة بالعكس، وأمالها جميعاً الكسائي وأبو بكر وخلف. وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره. وفتحهما الباقون. وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، وحكى غيره أنه كان يضم ها، وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم يا. قال أبو حاتم: ولا يجوز ضم الكاف ولا الهاء ولا الياء؛ قال النحاس: قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في هَا ويَا. وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا: لا تجوز؛ منهم أبو حاتم. والقول فيها ما بيَّنه هارون القارىء؛ قال: كان الحسن يشم الرفع؛ فمعنى هذا أنه كان يومىء؛ كما حكى سيبويه أن من العرب من يقول: الصلاة والزكاة يومىء إلى الواو، ولهذا كتبتا في المصحف بالواو. وأظهر الدال من هجاء «صۤ» نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد؛ وأدغمها الباقون. قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ * إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }. فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} في رفع «ذكر» ثلاثة أقوال؛ قال الفراء: هو مرفوع بـ«ـكهيعص»؛ قال الزجاج: هذا محال؛ لأن «كهيعص» ليس هو مما أنبأنا الله عز وجل به عن زكريا، وقد خبّر الله تعالى عنه وعن ما بشّر به، وليس «كهيعص» من قصته. وقال الأخفش: التقدير؛ فيما يقص عليكم ذكر رحمة ربك. والقول الثالث: أن المعنى هذا الذي يتلوه عليكم ذكر رحمة ربك. وقيل: «ذكر رحمة ربك» رفع بإضمار مبتدأ؛ أي هذا ذكر رحمة ربك؛ وقرأ الحسن: «ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّك» أي هذا المتلو من القرآن ذَكَّر رحمة ربك. وقرىء «ذَكِّرْ» على الأمر. «ورحمة» تكتب ويوقف عليها بالهاء، وكذلك كل ما كان مثلها، لا اختلاف فيها بين النحويين، واعتلوا في ذلك أن هذه الهاء لتأنيث الأسماء فرقاً بينها وبين الأفعال. الثانية: قوله تعالى: {عَبْدَهُ} قال الأخفش: هو منصوب بـ«ـرحمة». «زكريا» بدل منه؛ كما تقول: هذا ذكر ضرب زيد عمراً؛ فعمراً منصوب بالضرب، كما أن «عبده» منصوب بالرحمة. وقيل: هو على التقديم والتأخير؛ معناه: ذِكر ربك عبده زكريا برحمة؛ فـ«ـعبده» منصوب بالذكر؛ ذكره الزجاج والفراء. وقرأ بعضهم «عَبْدُهُ زكرِيا» بالرفع؛ وهي قراءة أبي العالية. وقرأ يحيـى بن يعمر «ذَكَرَ» بالنصب على معنى هذا القرآن ذَكرَ رحمة عبده زكريا. وتقدمت اللغات والقراءة في «زكريا» في «آل عمران». الثالثة: قوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً } مثل قوله: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} تفسير : [الأعراف: 55] وقد تقدّم. والنداء الدعاء والرغبة؛ أي ناجى ربه بذلك في محرابه. دليله قوله: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ} تفسير : [آل عمران: 93] فبيّن أنه استجاب له في صلاته، كما نادى في الصلاة. واختلف في إخفائه هذا النداء؛ فقيل: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند كبر السن؛ ولأنه أمر دنيوي، فإن أجيب فيه نال بغيته، وإن لم يجب لم يعرف بذلك أحد. وقيل: مخلصاً فيه لم يطلع عليه إلا الله تعالى. وقيل: لما كانت الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء أخفاه. وقيل: «خَفِيًّا» سِرًّا من قومه في جوف الليل؛ والكل محتمل والأوّل أظهر؛ والله أعلم. وقد تقدّم أن المستحب من الدعاء الإخفاء في سورة «الأعراف» وهذه الآية نص في ذلك؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا. وروى إسماعيل قال: حدّثنا مسدد قال: حدّثنا يحيـى بن سعيد عن أسامة بن زيد عن محمد بن عبد الرحمن وهو ابن أبي كبشة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن خير الذكر الخفيّ وخير الرزق ما يكفي» تفسير : وهذا عام. قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }. قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت وجهر به الشافعي، والجهر به أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو به جهراً. قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ} قرىء «وَهَنَ» بالحركات الثلاث أي ضعف. يقال: وهَنَ يَهِن وَهْنا إذا ضعف فهو واهنٌ. وقال أبو زيد يقال: وَهَن يَهِن ووَهِن يَوْهَن. وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته؛ ولأنه أشدّ ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن منه. ووحّده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام، وأشدّ ما تركّب منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها. الثانية: قوله تعالى: {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} أدغم السين في الشين أبو عمرو. وهذا من أحسن الاستعارة في كلام العرب. والاشتعال انتشار شعاع النار؛ شبه به انتشار الشيب في الرأس؛ يقول: شخت وضعفت؛ وأضاف الاشتعال إلى مكان الشعر ومَنْبِته وهو الرأس. ولم يُضِف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا عليه السلام. «وشيباً» في نصبه وجهان: أحدهما: أنه مصدر لأن معنى اشتعل شاب؛ وهذا قول الأخفش. وقال الزجاج: وهو منصوب على التمييز. النحاس: قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل فالمصدر أولى به. والشيب مخالطة الشعر الأبيض الأسود. الثالثة: قال العلماء: يستحب للمرء أن يذكر في دعائه نِعَم الله تعالى عليه وما يليق بالخضوع؛ لأن قوله تعالى: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} إظهار للخضوع. وقوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} إظهار لعادات تفضله في إجابته أدعيته؛ أي لم أكن بدعائي إياك شقياً؛ أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك؛ أي إنك عودتني الإجابة فيما مضى. يقال: شقي بكذا أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أحسنتَ إليه في وقت كذا؛ فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا؛ وقضى حاجته. قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين ويحيـى بن يعمر رضي الله تعالى عنهم «خَفَّتِ» بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وسكون الياء من «الموالي» لأنه في موضع رفع «بخفت» ومعناه انقطعت أي بالموت. وقرأ الباقون «خِفْتُ» بكسر الخاء وسكون الفاء وضم التاء ونصب الياء من «الْمَوَالِيَ» لأنه في موضع نصب بـ«ـخفت». و«الموالي» هنا الأقارب وبنو العم والعصبة الذين يلونه في النسب. والعرب تسمي بني العم الموالي؛ قال الشاعر:شعر : مَهْلاً بَنِي عمِّنَا مَهْلاً مَوَالِينَا لا تَنْبُشُوا بَيْنَنَا ما كان مَدْفُونَا تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق أن يرثه غير الولد. وقالت طائفة: إنما كان مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب ولياً يقوم بالدين بعده؛ حكى هذا القول الزجاج؛ وعليه فلم يسل من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا تُورَث. وهذا هو الصحيح من القولين في تأويل الآية، وأنه عليه الصلاة والسلام أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» تفسير : وفي كتاب أبي داود: «حديث : إن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ورَّثُوا العلم»تفسير : . وسيأتي في هذا مزيد بيان عند قوله: «حديث : يرثني».تفسير : الثانية: هذا الحديث يدخل في التفسير المسند؛ لقوله تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} تفسير : [النمل: 16] وعبارة عن قول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وتخصيص للعموم في ذلك، وأن سليمان لم يرث من داود مالاً خلّفه داود بعده؛ وإنما ورث منه الحكمة والعلم، وكذلك ورث يحيـى من آل يعقوب؛ هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، وإلا ما روي عن الحسن أنه قال: «حديث : يرثني» تفسير : مالاً «حديث : ويرث من آل يعقوب» تفسير : النبوّة والحكمة؛ وكل قول يخالف قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فهو مدفوع مهجور؛ قاله أبو عمر. قال ابن عطية: والأكثر من المفسرين على أن زكريا إنما أراد وراثة المال؛ ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث» تفسير : ألا يريد به العموم، بل على أنه غالب أمرهم؛ فتأمله. والأظهر الأليق بزكريا عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين، فتكون الوراثة مستعارة. ألا ترى أنه لما طلب ولياً ولم يخصص ولداً بلّغه الله تعالى أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله «من آل يعقوب» يريد العلم والنبوة. الثالثة: قوله تعالى: {مِن وَرَآئِي} قرأ ابن كثير بالمدّ والهمز وفتح الياء. وعنه أنه قرأ أيضاً مقصوراً مفتوح الياء مثل عصايَ. الباقون بالهمز والمدّ وسكون الياء. والقراء على قراءة «خِفت» مثل نِمت إلا ما ذكرنا عن عثمان. وهي قراءة شاذة بعيدة جداً؛ حتى زعم بعض العلماء أنها لا تجوز. قال كيف يقول: خَفَّتِ الموالي مِن بعدِي أي من بعد موتي وهو حيّ؟!. النحاس: والتأويل لها ألا يعني بقوله: «مِنْ وَرَائِي» أي من بعد موتي، ولكن من ورائي في ذلك الوقت؛ وهذا أيضاً بعيد يحتاج إلى دليل أنهم خفّوا في ذلك الوقت وقلّوا، وقد أخبر الله تعالى بما يدل على الكثرة حين قالوا: «أيهم يكفل مريم». ابن عطية: «من ورائي» من بعدي في الزمن، فهو الوراء على ما تقدّم في «الكهف.» الرابعة: قوله تعالى: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} امرأته هي إيشاع بنت فاقوذا بن قبيل، وهي أخت حنة بنت فاقوذا؛ قاله الطبريّ. وحنة هي أم مريم حسب ما تقدم في «آل عمران» بيانه. وقال القتبي: امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران، فعلى هذا القول يكون يحيـى ابن خالة عيسى عليهما السلام على الحقيقة. وعلى القول الآخر يكون ابن خالة أمه. وفي حديث الإسراء قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فلقيت ابني الخالة يحيـى وعيسى» تفسير : شاهدا للقول الأوّل. والله أعلم. والعاقر التي لا تلد لكبر سنها؛ وقد مضى بيانه في «آل عمران». والعاقر من النساء أيضاً التي لا تلد من غير كبر. ومنه قوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 50]. وكذلك العاقر من الرجال؛ ومنه قول عامر بن الطفيل:شعر : لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقراً جبانا فما عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} سؤال ودعاء. ولم يصرح بولد لما علم من حاله وبعده عنه بسبب المرأة. قال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة. مقاتل: خمس وتسعين سنة؛ وهو أشبه؛ فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له لكبره؛ ولذلك قال: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}. وقالت طائفة: بل طلب الولد، ثم طلب أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه، تحفظا من أن تقع الإجابة في الولد ولكن يُخْتَرم، ولا يتحصل منه الغرض. السادسة: قال العلماء: دعاء زكريا عليه السلام في الولد إنما كان لإظهار دينه، وإحياء نبوّته، ومضاعفة لأجره لا للدنيا، وكان ربه قد عوّده الإجابة، ولذلك قال: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً}، أي بدعائي إياك. وهذه وسيلة حسنة؛ أن يتَشفَّع إليه بنعمه، ويستدر فضله بفضله؛ يروى أن حاتم الجود لقيه رجل فسأله؛ فقال له حاتم: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنتَ إليه عام أول؛ فقال: مرحباً بمن تَشفَّع إلينا بنا. فإن قيل: كيف أقدم زكريا على مسألة ما يخرق العادة دون إذن؟ فالجواب أن ذلك جائز في زمان الأنبياء. وفي القرآن ما يكشف عن هذا المعنى؛ فإنه تعالى قال: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [آل عمران: 37] فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته؛ فقال تعالى: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} تفسير : [آل عمران: 38] الآية. السابعة: إن قال قائل: هذه الآية تدل على جواز الدعاء بالولد، والله سبحانه وتعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد، ونبه على المفاسد الناشئة من ذلك؛ فقال: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن: 15]. {أية : إِنَّ مِنْ أزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحذَرُوهُمْ}تفسير : [التغابن: 14]. فالجواب أن الدعاء بالولد معلوم من الكتاب والسنة حسب ما تقدّم في «آل عمران» بيانه. ثم إن زكريا عليه السلام تحرز فقال: {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} وقال: {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}. والولد إذا كان بهذه الصفة نفع أبويه في الدنيا والآخرة، وخرج من حدّ العداوة والفتنة إلى حدّ المسرة والنعمة. وقد «حديث : دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس خادمه فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته»» تفسير : فدعا له بالبركة تحرزاً مما يؤدّي إليه الإكثار من الهلكة. وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده، ونجاته في أولاه وأخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء الأولياء؛ وقد تقدم في «آل عمران» بيانه.

البيضاوي

تفسير : وهي ثمان أو تسع وتسعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {كهيعص } أمال أبو عمرو الهاء لأن ألفات أسماء التهجي ياءات وابن عامر وحمزة الياء، والكسائي وأبو بكر كليهما، ونافع بين بين ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون دال الهجاء عند الذال، والباقون يدغمونها.

ابن كثير

تفسير : أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وقرأ يحيى بن يعمر: {ذكّر رحمتِ ربكَ عبدَه زكريا} وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان، وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي "صحيح البخاري": أنه كان نجاراً، يأكل من عمل يده في النجارة. وقوله: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه؛ لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة؛ لكبره، حكاه الماوردي، وقال آخرون: إنما أخفاه؛ لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الآية: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب فقال الله له: لبيك لبيك لبيك {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} أي: ضعفت، وخارت القوى {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً}، أي: اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته:شعر : أَما تَرَى رَأْسِيَ حاكَى لَوْنُه طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أَذْيالِ الدُّجَى واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسْوَدِّةِ مِثْلَ اشتعالِ النارِ في جَمْرِ الغَضا تفسير : والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك. وقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَآئِى} قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:شعر : كَأَنَّ أَيْدِيْهِنَّ في القاعِ القَرِقْ أَيْدِي جَوارٍ يَتَعاطَيْنَ الوَرِقْ تفسير : وقال الآخر:شعر : فَتَّى لو يُباري الشَّمْسَ أَلْقَتْ قِناعَها أو القَمَرَ الساري لأَلْقَى المقالِدا تفسير : ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:شعر : تَغايَرَ الشِّعْرُ منهُ إِذْ سَهِرْتُ لَهُ حَتَى ظَنَنْتُ قَوافِيْهِ سَتَقْتَتِلُ تفسير : وقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي: العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرؤها: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي} بتشديد الفاء، بمعنى: قلت عصباتي من بعدي، وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده؛ ليسوسهم بنبوته ما يوحى إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم، هذا وجه. [الثاني] أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً، ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. [الثالث] أنه قد ثبت في "الصحيحين" من غير وجه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» تفسير : وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: «حديث : نحن معشر الأنبياء لا نورث»تفسير : ، وعلى هذا فتعين حمل قوله: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي} على ميراث النبوة، ولهذا قال؛ {وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} كقوله: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ} تفسير : [النمل: 16] أي: في النبوة، إذ لو كان في المال، لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل: أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة، لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة».تفسير : قال مجاهد في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} كان وراثته علماً، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} قال: يكون نبياً كما كانت آباؤه أنبياء، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن الحسن: يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي، ونبوة آل يعقوب. وعن مالك عن زيد بن أسلم: {وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} قال: نبوتهم. وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره. وقال عبد الزراق: أخبرنا معمر عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يرحم الله زكريا، وما كان عليه من وراثة ماله، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح عن مبارك، هو ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب» تفسير : وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم. وقوله: {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} أي: مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه، وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كهيعص } الله أعلم بمراده بذلك هذا.

الشوكاني

تفسير : قوله: {كهيعص } قرأ أبو جعفر هذه الحروف مقطعة، ووصلها الباقون، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء، وعكس ذلك ابن عامر وحمزة، وأمالهما جميعاً الكسائي وأبو بكر وخلف، وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة وفتحهما الباقون. وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف، وحكي عن غيره أنه كان يضم "ها". وقال أبو حاتم: لا يجوز ضمّ الكاف ولا الهاء ولا الياء. قال النحاس: قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا، والإمالة جائزة في "ها" وفي "يا" وقد اعترض على قراءة الحسن جماعة. وقيل في تأويلها: أنه كان يشمّ الرفع فقط. وأظهر الدال من هجاء "صاد" نافع وأبو جعفر وابن كثير وعاصم ويعقوب، وهو اختيار أبي عبيد وأدغمها الباقون. وقد قيل في توجيه هذه القراءات: أن التفخيم هو الأصل، والإمالة فرع عنه، فمن قرأ بتفخيم الهاء والياء فقد عمل بالأصل، ومن أمالهما فقد عمل بالفرع، ومن أمال أحدهما وفخم الآخر فقد عمل بالأمرين، وقد تقدم الكلام في هذه الحروف الواقعة في فواتح السورة مستوفى في أوائل سورة البقرة. ومحل هذه الفاتحة إن جعلت اسماً للسورة على ما عليه الأكثر الرفع على أنها مبتدأ خبرها ما بعدها، قاله الفراء. واعترضه الزجاج فقال: هذا محال لأن {كۤهيعۤصۤ} ليس هو مما أنبأنا الله عزّ وجلّ به عن زكريا، وقد أخبر الله تبارك وتعالى عنه وعما بشر به، وليس {كۤهيعۤصۤ} من قصته، أو على أنها خبر مبتدأ محذوف، وإن جعلت مسرودة على نمط التعديد، فقوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ } خبر لمبتدأ محذوف أي: هذا ذكر رحمة ربك وقيل: هو مبتدأ خبره محذوف أي: فيما يتلى عليك ذكر رحمة ربك. قال الزجاج: {ذكر} مرتفع بالمضمر، والمعنى: هذا الذي نتلوه عليك ذكر رحمة ربك {عَبْدِهِ زكريا} يعني: إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد، وانتصاب {عبده} على أنه مفعول للرحمة، قاله الأخفش. وقيل: للذكر. ومعنى ذكر الرحمة: بلوغها وإصابتها، كما يقال: ذكرني معروف فلان أي: بلغني. وقرأ يحيـى بن يعمر: "ذكر" بالنصب، وقرأ أبو العالية "عبده" بالرفع على أن المصدر مضاف إلى المفعول، وفاعل الذكر هو عبده، وزكريا على القراءتين عطف بيان له أو بدل منه، وقرأ الكلبي: "ذكر" على صيغة الفعل الماضي مشدّداً ومخففاً على أن الفاعل عبده، وقرأ ابن معمر على الأمر، وتكون الرحمة على هذا عبارة عن زكريا، لأن كل نبيّ رحمة لأمته. {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } العامل في الظرف: رحمة. وقيل: ذكر. وقيل: هو بدل اشتمال من زكريا. واختلف في وجه كون ندائه هذا خفياً؛ فقيل: لأنه أبعد عن الرياء، وقيل: أخفاه، لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته، ولكونه من أمور الدنيا. وقيل: أخفاه مخافة من قومه. وقيل: كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفاً هرماً لا يقدر على الجهر. {قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّي} هذه الجملة مفسرة لقوله: {نادى ربه} يقال: وهن يهن وهنا إذا ضعف فهو واهن، وقرىء بالحركات الثلاث. أراد أن عظامه فترت وضعفت قوّته، وذكر العظم، لأنه عمود البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوّته، ولأن أشدّ ما في الإنسان صلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ووحد العظم قصداً إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } قرأ أبو عمرو بإدغام السين في الشين، والباقون بعدمه، والاشتعال في الأصل: انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية، بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها. قال الزجاج: يقال للشيب إذا كثر جدّاً: قد اشتعل رأس فلان، وأنشد للبيد:شعر : فإن ترى رأسي أمسى واضحا سلط الشيب عليه فاشتعل تفسير : وانتصاب {شيباً} على التمييز، قاله الزجاج. وقال الأخفش: انتصابه على المصدر، لأن معنى اشتعل: شاب. قال النحاس: قول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل، والمصدرية أظهر فيما كان كذلك، وكان الأصل اشتعل شيب رأسي، فأسند الاشتعال إلى الرأس لإفادة الشمول {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً } أي لم أكن بدعائي إياك خائباً في وقت من الأوقات، بل كلما دعوتك استجبت لي. قال العلماء: يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع، وذكر نعم الله عليه كما فعل زكريا ها هنا، فإن في قوله: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن نيل مطالبه، وبلوغ مآربه، وفي قوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً } ذكر ما عوّده الله من الإنعام عليه بإجابة أدعيته، يقال شقي بكذا، أي تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه. {وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى } قرأ عثمان بن عفان ومحمد بن علي بن الحسين وأبوه علي ويحيـى بن يعمر "خفت" بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء وفاعله {ٱلْمَوَالِيَ } أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي، أو انقطعوا بالموت، مأخوذاً من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة شاذة بعيدة عن الصواب. وقرأ الباقون {خفت} بكسر الخاء وسكون الفاء على أن فاعله ضمير يعود إلى زكرياء، ومفعوله الموالي، ومن ورائي متعلق بمحذوف لا بخفت، وتقديره: خفت فعل الموالي من بعدي. قرأ الجمهور: {ورائي} بالهمز والمدّ وسكون الياء، وقرأ ابن كثير بالهمز والمدّ وفتح الياء. وروي عنه أنه قرأ بالقصر مفتوح الياء، مثل عصاي. والموالي هنا هم الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العمّ ونحوهم، والعرب تسمي هؤلاء موالي، قال الشاعر:شعر : مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا لا تنشروا بيننا ما كان مدفوناً تفسير : قيل: الموالي الناصرون له. واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده، فقيل: خاف أن يرثوا ماله، وأراد أن يرثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً. وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين، فخاف أن يضيع الدين بموته. فطلب ولياً يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأوّل لأن الأنبياء لا يورثون وهم أجلّ من أن يعتنوا بأمور الدنيا، فليس المراد هنا: وراثة المال، بل المراد: وراثة العلم والنبوّة والقيام بأمر الدين. وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»تفسير : {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِرًا } العاقر: هي التي لا تلد لكبر سنها، والتي لا تلد أيضاً لغير كبر وهي المرادة هنا، ويقال: للرجل الذي لا يلد: عاقر أيضاً، ومنه قول عامر ابن الطفيل:شعر : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا تفسير : قال ابن جرير: وكان اسم امرأته: أشاع بنت فأقود بن ميل، وهي أخت حنة، وحنة هي أمّ مريم. وقال القتيبي: هي أشاع بنت عمران، فعلى القول يكون يحيـى بن زكريا ابن خالة أمّ عيسى، وعلى القول الثاني يكونان ابني خالة كما ورد في الحديث الصحيح. {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } أي أعطني من فضلك ولياً، ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوّز فيها حدوث الولد بينهما وحصوله منهما. وقد قيل: إنه كان ابن بضع وتسعين سنة، وقيل: بل أراد بالوليّ الذي طلبه هو الولد، ولا مانع من سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة، فإن الله سبحانه قد يكرم رسله بما يكون كذلك، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم. {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ} قرأ أهل الحرمين والحسن وعاصم وحمزة وابن محيصن واليزيدي ويحيـى بن المبارك بالرفع في الفعلين جميعاً، على أنهما صفتان للوليّ وليسا بجواب للدعاء. وقرأ يحيـى بن يعمر وأبو عمرو ويحيـى ابن وثاب والأعمش والكسائي بالجزم فيهما، على أنهما جواب للدعاء. ورجح القراءة الأولى أبو عبيد وقال: هي أصوب في المعنى؛ لأنه طلب ولياً هذه صفته فقال: هب لي الذي يكون وارثي. ورجح ذلك النحاس وقال: لأن جواب الأمر عند النحويين فيه معنى الشرط والمجازاة، تقول: أطع الله يدخلك الجنة أي إن تطعه يدخلك الجنة، وكيف يخبر الله سبحانه بهذا، أعني كونه أن يهب له ولياً يرثه، وهو أعلم بذلك، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوّة على ما هو الراجح كما سلف. وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وزعم بعض المفسرين أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وبه قال الكلبي ومقاتل، وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، وقد كان فيهم أنبياء وملوك، وقرىء: "يرثني وارث من آل يعقوب" على أنه فاعل يرثني. وقرىء:"وأرث آل يعقوب" أي أنا. وقرىء: "أو يرث آل يعقوب" بلفظ التصغير على أن هذا المصغر فاعل يرثني. وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظاً ومعنى {وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً } أي مرضياً في أخلاقه وأفعاله؛ وقيل: راضياً بقضائك وقدرك، وقيل: رجلاً صالحاً ترضى عنه، وقيل: نبياً كما جعلت آباءه أنبياء. {رَضِيّاً يٰزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ } قال جمهور المفسرين: إن هذا النداء من الله سبحانه، وقيل: إنه من جهة الملائكة، لقوله في آل عمران {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [آل عمران: 39]، وفي الكلام حذف، أي فاستجاب له دعاءه، فقال: يا زكريا، وقد تقدّم في آل عمران وجه التسمية بيحيـى وزكريا. قال الزجاج: سمي يحيـى لأنه حيـي بالعلم والحكمة التي أوتيها {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } قال أكثر المفسرين: معناه: لم نسمّ أحداً قبله يحيـى. وقال مجاهد وجماعة: معنى {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } أنه لم يجعل له مثلاً ولا نظيراً، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، وردّ هذا بأنه يقتضي تفضيله على إبراهيم وموسى. وقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأوّل أولى. وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسمّ بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين: الأولى: أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم يكلها إلى الأبوين. والجهة الثانية: أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد تشريفه وتعظيمه. {قَالَ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } أي كيف أو من أين يكون لي غلام؟ وليس معنى هذا الاستفهام الإنكار، بل التعجب من قدرة الله وبديع صنعه، حيث يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير، وقد تقدّم الكلام على مثل هذا في آل عمران، {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات إذا صار إلى حال اليبس والجفاف، والأصل عتوا لأنه من ذوات الواو فأبدلوه ياء لكونها أخفّ، ومثل ما في الآية قول الشاعر:شعر : إنما يعذر الوليد ولا يعـ ـذر من كان في الزمان عتياً تفسير : وقرأ يحيـى بن وثاب وحمزة والكسائي وحفص والأعمش {عتياً} بكسر العين، وقرأ الباقون بضم العين وهما لغتان، ومحل جملة {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِرًا } النصب على الحال من ضمير المتكلم، ومحل جملة {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } النصب أيضاً على الحال، وكلا الجملتين لتأكيد الاستبعاد والتعجب المستفاد من قوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } أي كيف يحصل بيننا ولد الآن، وقد كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي وهي الآن عجوز، وأنا شيخ هرم؟ ثم أجاب الله سبحانه على هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله: {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ } الكاف في محل رفع، أي الأمر كذلك، والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا، ثم ابتدأ بقوله: {قَالَ رَبُّكِ } ويحتمل أن يكون محله النصب على المصدرية، أي: قال قولاً مثل ذلك، والإشارة بذلك إلى مبهم يفسره قوله: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وأما على الاحتمال الأوّل فتكون جملة {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره، أي قال: هو مع بعده عندك، عليّ هين، وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد. قال الفراء: أي خلقه عليّ هين {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها. قال الزجاج: أي فخلق الولد لك كخلقك، والمعنى: أن الله سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام لكونه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول: وقد خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئاً، للدلالة على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم. قرأ أهل المدينة وأهل مكة والبصرة وعاصم وابن عامر {وقد خلقتك من قبل} وقرأ سائر الكوفيين: "وقد خلقناك من قبل". {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } أي علامة تدلني على وقوع المسؤول وتحققه وحصول الحبل، والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه. قال ابن الأنباري: وجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر، فسأل الله آية يستدلّ بها على قرب ما منّ به عليه. وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشيطان، لأن إبليس أوهمه بذلك، كذا قال الضحاك والسدّي وهو بعيد جدّاً {قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا} قد تقدّم تفسير هذا في آل عمران مستوفى، وانتصاب {سوياً} على الحال، والمعنى: آيتك أن لا تقدر على الكلام والحال أنك سويّ الخلق ليس بك آفة تمنعك منه، وقد دل بذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران. أن المراد ثلاثة أيام ولياليهنّ. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ } وهو مصلاه، واشتقاقه من الحرب، كأنّ ملازمه يحارب الشيطان. وقيل: من الحرب محركاً، كأن ملازمه يلقى حرباً وتعباً ونصباً {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً } قيل: معنى {أوحى}: أومأ بدليل قوله في آل عمران {أية : إِلاَّ رَمْزًا } تفسير : [آل عمران: 41]. وقيل: كتب لهم في الأرض. وبالأوّل قال الكلبي والقرظي وقتادة وابن منبه، وبالثاني قال مجاهد. وقد يطلق الوحي على الكتابة ومنه قول ذي الرّمة:شعر : سوى الأربع الدهم اللواتي كأنها بقية وحي في بطون الصحائف تفسير : وقال عنترة:شعر : كوحي صحائف من عهد كسرى فأهداها لأعجم طمطميّ تفسير : و«أن» في قوله: {أَن سَبّحُواْ } مصدرية أو مفسرة، والمعنى: فأوحى إليهم بأن صلوا، أو أي صلوا، وانتصاب {بكرة} و{عشياً} على الظرفية. قال الفراء: العشي يؤنث، ويجوز تذكيره إذا أبهم. قال: وقد يقال العشيّ جمع عشية، قيل: والمراد: صلاة الفجر والعصر. وقيل: المراد بالتسبيح: هو قولهم سبحان الله في الوقتين: أي نزهوا ربكم طرفي النهار. وقد أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: {كهيعص } كبير هاد أمين عزيز صادق، وفي لفظ: كاف بدل كبير. وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس، وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس: {كهيعص} قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس: من الصحابة {كهيعص} هو الهجاء المقطع، الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر. وأخرج ابن مردويه عن الكلبي أنه سئل عن {كهيعص } فحدّث عن أبي صالح عن أمّ هانىء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كاف هاد عالم صادق»تفسير : . وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة ابنة عليّ قالت: كان علي يقول: يا كۤهيعۤصۤ اغفر لي. وأخرج أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في: {كهيعص} قال: الكاف الكافي، والهاء الهادي، والعين العالم، والصاد الصادق. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن السدّي قال: كان ابن عباس يقول في كۤهيعۤصۤ وحمۤ ويۤس وأشباه هذا: هو اسم الله الأعظم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعاً في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روى عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف، وردّ العلم في مثلها إلى الله سبحانه، وقد قدّمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة. وأخرج أحمد وأبو يعلى، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان زكريا نجاراً»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن أزر بن مسلم من ذرية يعقوب دعا ربه سرّاً {قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّي } إلى قوله: {خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ } قال: وهم العصبة {يَرِثُنِي} يرث نبوّتي ونبوّة آل يعقوب، فنادته الملائكة، وهو جبريل: إن الله يبشرك {بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ } فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك، فشك وقال: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ } يقول: من أين يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر، قال الله: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي} قال: الورثة: وهم عصبة الرجل. وأخرج الفريابي عنه قال: كان زكريا لا يولد له فسأل ربه فقال: {رب هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوّة. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } قال: مثلاً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف عتياً أو عسياً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: {عِتِيّاً } قال: لبث زماناً في الكبر. وأخرج أيضاً عن السدّي قال: هرماً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } قال: اعتقل لسانه من غير مرض، وفي لفظ من غير خرس، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ } قال: كتب لهم كتاباً. وأخرج ابن أبي الدنيا، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {أَن سَبّحُواْ } قال: أمرهم بالصلاة {بُكْرَةً وَعَشِيّاً }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {كهيعص} فيه ستة أقاويل: أحدها: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الثاني: أنه اسم من أسماء الله، قاله علي كرم الله وجهه. الثالث: أنه استفتاح السورة، قاله زيد بن أسلم. الرابع: أن اسم السورة، قاله لحسن. الخامس: أنه من حروف الجُمل تفسيرلا إله إلا الله، لأن الكاف عشرون والهاء خمسة والياء عشرة والعين سبعون والصاد تسعون. كذلك عدد حروف لا إله إلا الله، حكه أبان بن تغلب. السادس: أنها حروف أسماء الله. فأما الكاف فقد اختلفوا فيها من أي اسم هي على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من كبير، قاله ابن عباس. الثاني: أنها من كاف، قاله الضحاك. الثالث: أنها من كريم، قاله ابن جبير. وأما الهاء فإنها من هادٍ عند جميعهم. وأما الياء ففيها أربعة أقاويل: أحدها: أنها من يمن، قاله ابن عباس. الثاني: من حكيم قاله ابن جبير. الثالث: أنها من ياسين حكاه سالم. الرابع: أنها من يا للنداء وفيه على هذا وجهان: أحدهما: يا من يجيب من دعاه ولا يخيب من رجاه لما تعقبه من دعاء زكريا. الثاني: يا من يجير ولا يجار عليه، قاله الربيع بن أنس. وأما العين ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها من عزيز، قاله ابن جبير. الثاني: أنها من عالم، قاله ابن عباس. الثالث: من عدل، قاله الضحاك. وأما الصاد فإنها من صادق في قول جميعهم فهذا بيان للقول السادس. ويحتمل سابعاً: أنها حروف من كلام أغمضت معانيه ونبه على مراده فيه يحتمل أن يكون: كفى وهدى من لا يعص فتكون الكاف من كفى والهاء من هدى والباقي حروف يعصى لأن ترك المعاصي يبعث على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، فصار تركها كافياً من العقاب وهادياً إلى الثواب وهذا أوجز وأعجز من كل كلام موجز لأنه قد جمع في حروف كلمة معاني كلام مبسوط وتعليل أحكام وشروط. ثم ذكر حال من كفاه وهداه فقال: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ} فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سألِه فاحتمل وجهين: أحدهما: أنه رحمه بإجابته له. الثاني: أنه إجابة لرحمته له. قوله تعالى: {.... نِدآءً خَفِيّاً}[فيه قولان]. أحدهما: قاله ابن جريج، سراً لا رياء فيه. قال قتادة إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي فأخفى زكريا نداءه لئلا ينسب إلى الرياء فيه. الثاني: قاله مقاتل، إنما أخفى لئلا يهزأ الناس به، فيقولون انظروا إلى هذا الشيخ يسأل الولد. ويحتمل ثالثاً: أن إخفاء الدعاء أخلص للدعاء وأرجى للإِجابة للسنة الواردة فيه: إن الذي تدعونه ليس بأصم. قوله تعالى: {... إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} أي ضعف وفي ذكره وهن العظم دون اللحم وجهان: أحدهما: أنه لما وهن العظم الذي هو أقوى كان وهن اللحم والجلد أولى. الثاني: أنه اشتكى ضعف البطش، والبطش إنما يكون بالعظم دون اللحم. {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} هذا من أحسن الاستعارة لأنه قد ينشر فيه الشيب كما ينشر في الحطب شعاع النار. {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي خائباً، أي كنت لا تخيبني إذا دعوتك ولا تحرمني إذا سألتك. قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ...} فيهم أربعة أقاويل: أحدها: العصبة،قاله مجاهد وأبو صالح. الثاني: الكلالة، قاله ابن عباس. الثالث: الأولياء أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي قال لبيد: شعر : ومولى قد دفعت الضيم عنه وقد أمسى بمنزلةِ المُضيمِ تفسير : الرابع: بنو العلم لأنهم كانواْ شرار بني إسرائيل. وسموا موالي لأنهم يلونه في النسب لعدم الصلب. وفيما خافهم عليه قولان: أحدهما: أنه خافهم على الفساد في الأرض. الثاني: أنه خافهم على نفسه في حياته وعلى أشيائه بعد موته. ويجوز أن يكون خافهم على تبديل الدين وتغييره. روى كثير ابن كلثمة أنه سمع علي بن الحسين عليهما السلام يقرأ: {وَإِنِّي خِفْتُ} بالتشديد بمعنى قلّت. وفي قوله: {مِن وَرَآءِي} وجهان: أحدهما: من قدامي وهو قول الأخفش. الثاني: بعد موتي، قاله مقاتل. قوله تعالى: {.. فَهَبْ لِي مِن لَّدنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، قاله أبو صالح. الثاني: يرثني ويرث من آل يعقوب العلم والنبوة، قاله الحسن. الثالث: يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق، قاله عطاء. الرابع: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب الملك، قاله ابن عباس، فأجابه الله إلى وراثة العلم ويرث من آل يعقوب الملك، قاله ابن عباس. فأجابه الله إلى وراثة العلم ولم يجبه إلى وارثة الملك. قال الكلبي: وكان آل يعقوب أخواله وهو يعقوب بن ماثان وكان فيهم الملك، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى. قال مقاتل ويعقوب بن ماثان هو أخو عمران أبي مريم لأن يعقوب وعمران إِبنا ماثان، فروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيَّآ مَا كَانَ عَلَيهِ مِن وَرثَتِهِ ". تفسير : {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: مرضياً في أخلاقه وأفعاله. الثاني: راضياً بقضائك وقدرك. ويحتمل ثالثاً: أن يريد نبياً.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في الحروف التي في أوئل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالاً على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة، ونذكر الآن ما يختص بهذه السورة. قال ابن عباس وابن جبير والضحاك هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى الكاف من "كبير" وقال ابن جبير أيضاً الكاف من "كاف" وقال أيضاً هي من "كريم" فمقتضى أقواله أنها دالة على كل اسم فيه كاف من أسمائه تعالى. قالوا والهاء من "هاد" والياء من "علي" وقيل من "حكيم" وقال الربيع بن أنس هي من "يأمن" لا يجير ولا يجار عليه. قال ابن عباس والعين من "عزيز" وقيل من "عليم" وقيل من "عدل"، والصاد من "صادق" وقال قتادة بل {كهيعص} بجملته اسم السورة، وقالت فرقة بل هي اسم من أسماء الله تعالى. وروي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول يا {كهيعص} اغفر لي، فهذا يحتمل أن تكون الجملة من أسماء الله تعالى ويحتمل ان يريد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينادي الله تعالى بجميع الأسماء التي تضمنها {كهيعص}، كأنه أراد أن يقول "يا كريم يا هادي يا علي يا عزيز يا صادق" اغفر، فجمع هذا كله باختصار في قوله يا {كهيعص}. وقال ابن المستنير وغيره {كهيعص} عبارة عن حروف المعجم، ونسبه الزجاج الى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع {ذكرُ} بانه خبر عن {كهيعص}، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون. وقرأ الجميع كاف بإثبات الألف والفاء. وقرأ نافع الهاء والياء وبين الكسر والفتح ولا يدغم الدال في الذال، وقرأ ابن كثير ونافع أيضاً بفتح الهاء والياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضم الهاء وفتح الياء، وروي عنه ضم الياء، وروي عنه أنه قرأ كاف بضم الفاء. قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس الضم الخالص الذي يوجب القلب، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وقرأ عاصم بكسرها، وقرأت فرقة بإظهار النون من عين وهي قراءة حفص عن عاصم وهو القياس إذ هي حروف منفصلة، وقرأ الجميع غيره بإخفاء النون جعلوها في حكم الاتصال، وقرأ الأكثر بإظهار الدال من صاد، وقرأ أبو عمرو بإدغامه في الذال من قوله {ذكر}، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإظهار هذه الحروف كلها وتخليص بعضها من بعض، وارتفع قوله {ذكرُ} فيما قالت فرقة بقوله {كهيعص} وقد تقدم وجه ذلك، وقالت فرقة: ارتفع على خبر ابتداء تقديره "هذا ذكر" وقالت فرقة: ارتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره فيما أوحي اليك ذكر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن يعمر "ذَكَرَ رحمة ربك" بفتح الذال والكاف والراء على معنى هذا المتلو ذكر "رحمة" بالنصب، هذه حكاية أبي الفتح. وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ "ذَكِّر رحمةَ" بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و"عبدَه" نصب بـ "الرحمة" التقدير ذكر أن رحم ربك عبده"، ومن قال في الكلام تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور "زكرياء" بالمد، وقرأ الأعمش ويحيى وطلحة "زكريا" بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله {نادى} معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى "إخفائه" هذا النداء، فقال ابن جريح ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي عليه السلام "حديث : خير الذكر الخفي" تفسير : وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر، وفي "الدعاء" الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء {زكرياء} وطلبه فكان في أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاوه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك، ويقال وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. و {وهن} معناه ضعف، والوهن في الشخص أو الأمر الضعف وقرأ الأعمش "وهِن" بكسر الهاء {واشتعل} مستعارة للشيب من اشتعال النار على التشبيه به. و {شيباً} نصب على المصدر في قول من رأى {اشتعل} بمعنى شاب، وعلى التمييز في قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلاً آخر، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحماً وامتلأت غيظاً. وقوله {ولم أكن بدعائك رب شقياً} شكر لله تعالى على سالف أياديه عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: {وإني خفت الموالي} الآية، اختلف الناس في المعنى الذي من أجله خاف {الموالي}، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك، وروى قتادة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : يرحم الله أخي زكرياء ما كان عليه ممن يرث ماله" تفسير : .وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب {ولياً} يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل {زكرياء} من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث. قال القاضي أبو محمد عبدالحق بن عطية رضي الله عنه: وهذا يؤيد قول النبي عليه السلام "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة" تفسير : ، ويوهنه ذكر "العاقر". والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال، ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إنا معشر النبياء لا نورث" تفسير : أن لا يريد به العموم بل على أنه غالب امرهم فتأمله، والأظهر الأليق {زكرياء} عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة، ألا ترى أنه إنما طلب {ولياً}، ولم يخصص ولداً فبلغه الله أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله {يرثني} يريد المال، وقوله {ويرث من آل يعقوب} يريد العلم والنبوة. وقال السدي: رغب {زكرياء} في الولد. و {خفت} من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير، وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم "خَفَّتِ" بفتح الخاء والفاء وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل الى {الموالي} والمعنى على هذا انقطع أوليائي وماتوا، وعلى هذه القراءة فإنما طلب {ولياً} يقول بالدين، و {الموالي} بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. وقوله {من ورائي} أي من بعدي في الزمن فهم الولاء على ما بيناه في سورة الكهف، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير. وقرأ ابن كثير "من ورائيَ" بالمد والهمز وفتح الياء، وقرأ أيضاً ابن كثير "من ورايَ" بالياء المفتوحة مثل عصاي، والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء. و"العاقر" من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال. ومن قول عامر بن الطفيل: شعر : لبئس الفتى إن كنت أعـــور عاقراً جباناً فما عذري لدى كل محضر تفسير : و {زكرياء} عليه السلام لما رأى من حاله إنما طلب {ولياً} ولم يصرح بولد لبعد ذلك عنده بسبب المرأة، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون وارثاً. وقالت فرقة: بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظاً من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض المقصود. وقرأ الجمهور "ويرثُني" برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ أبو عمرو والكسائي "يرثْني ويرثْ" بجزم الفعلين، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو جواب "هبْ" إنما تقديره "إن تهبه يرثْني" والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثاً موصوفاً، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما "يرثني وارث من آل يعقوب"، قال أبو الفتح هذا هو التجريد، التقدير: يرثني منه أو به وارث، وقرأ مجاهد "يرثَني ويرثَ" بنصب الفعلين، وقرأت فرقة "يرثني أو يرث من آل يعقوب" على التصغير. وقوله من {آل يعقوب} يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها استعارة و {رضياً} معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول.

ابن عبد السلام

تفسير : {كۤهيعۤصۤ} اسم للسورة أو للقرآن أو لله ـ تعالى ـ أو استفتاح للسورة أو تفسير "لا إله إلا الله" من حروف الجُمَّل، الكاف عشرون، والهاء خمسة والياء عشرة، والعين سبعون، والصاد تسعون، كذلك عدد حروف لا إله إلا الله، أو حروف من حروف أسماء الرب، الكاف من كبير أو كافٍ أو كريم، والهاء من هادٍ، والياء من حكيم أو يمين أو أمين أو يا من يجيب من دعاه ولا يخيب من رجاه، أو يا من يجير ولا يجار عليه، قاله الربيع بن أنس، والعين من عزيز أو عالم أو عدل، والصاد من صادق.

النسفي

تفسير : {كهيعص } قال السدي: هو اسم الله الأعظم، وقيل: هو اسم للسورة. قرأ علي ويحيى بكسر الهاء والياء، ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وأبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وحمزة بعكسه، وغيرهم بفتحهما {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ } خبر مبتدأ أي هذا ذكر {عَبْدَهِ } مفعول الرحمة {زَكَرِيَّا } بالقصر: حمزة وعلي وحفص وهو بدل من {عبده} {إِذْ} ظرف للرحمة {نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } دعاه دعاء سرا كما هو المأمور به وهو أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في أوان الكبر لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة {قَالَ رَبّ } هذا تفسير الدعاء وأصله «يا ربي» فحذف حرف النداء والمضاف إليه اختصاراً{إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } ضعف. وخص العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية والمراد أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن، {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } تمييز أي فشا في رأسي الشيب واشتعلت النار إذا تفرقت في التهابها وصارت شعلاً، فشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار. ولا ترى كلاماً أفصح من هذا، ألا ترى أن أصل الكلام يا رب قد شخت إذ الشيخوخة تشتمل على ضعف البدن وشيب الرأس المتعرض لهما، وأقوى منه ضعف بدني وشاب رأسي ففيه مزيد التقرير للتفصيل، وأقوى منه وهنت عظام بدني، ففيه عدول عن التصريح إلى الكناية فهي أبلغ منه، وأقوى منه أنا وهنت عظام بدني، وأقوى منه إني وهنت عظام بدني، وأقوى منه إني وهنت العظام من بدني ففيه سلوك طريقي الإجمال والتفصيل، وأقوى منه إني وهنت العظام مني ففيه ترك توسيط البدن، وأقوى منه {إني وهن العظم مني} لشمول الوهن العظام فرداً فرداً باعتبار ترك جمع العظم إلى الإفراد لصحه حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فرد، ولهذا تركت الحقيقة في شاب رأسي إلى أبلغ وهي الاستعارة فحصل اشتعل شيب رأسي، وأبلغ منه اشتعل رأسي شيباً لإسناد الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس لإفادة شمول الاشتعال الرأس إذ وزان اشتعل شيب رأسي واشتعل رأسي شيباً، وزان اشتعل النار في بيتي واشتعل بيتي ناراً والفرق نير، ولأن فيه الإجمال والتفصيل كما عرف في طريق التمييز، وأبلغ منه واشتعل الرأس مني شيباً لما مر، وأبلغ منه {واشتعل الرأس شيباً} ففيه اكتفاء بعلم المخاطب إنه رأس زكريا بقرينة العطف على {وهن العظم} {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ } مصدر مضاف إلى المفعول أي بدعائي إياك {رَبّ شَقِيّاً } أي كنت مستجاب الدعوة قبل اليوم سعيداً به غير شقي فيه. يقال: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي إذا خاب ولم ينلها. وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقت حاجته وقضى حاجته .

الخازن

تفسير : {كهيعص} قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ هو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل اسم القرآن، وقيل للسورة وقيل هو قسم أقسم الله تعالى به. عن ابن عباس قال؛ الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، وقيل معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ببريته صادق في وعده. {ذكر} أي هذا الذي نتلو عليك ذكر {رحمة ربك عبده زكريا} قيل معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته {إذ نادى} اي دعا {ربه} في المحراب {نداء خفياً} أي دعاء سراً من قيامه في جوف الليل، وقيل راعى سنة الله في إخفاء دعائه لأن الجهر والإسرار عند الله تعالى سيان، ولكن الإخفاء أولى، وقيل خفت صوته لضعفه سقوط الأضراس {واشتعل الرأس} أي ابيض الشعر {شيباً} أي شمطاً {ولم أكن بدعائك رب شقياً} أي عودتني الإجابة فما مضى ولم تخيبني، وقيل معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان {وإني خفت الموالي من ورائي} أي من بعد موتي والموالي هم بنو العم وقيل العصبة وقيل الكلالة وقيل جميع الورثة {وكانت امرأتي عاقراً} أي لا تلد {فهب لي من لدنك ولياً} أي أعطني من عندك ولداً مرضياً {يرثني ويرث من آل يعقوب} أي ولياً ذا رشاد، وقيل أراد به يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والعلم، وقيل أراد به الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار، والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأن الأنبياء لم يرثوا المال وإنما يورثون العلم، ويبعد عن زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يشفق على ماله أن يرثه بنو عمه، وإنما خاف أن يضيع بنو عمه دين الله ويغيروا أحكامه، وذلك لما أن شاهد من بني إسرائيل تبديل الدين وقتل الأنبياء. فسأل ربه ولداً صالحاً يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع وهذا قول ابن عباس {واجعله رب رضياً} أي براً تقياً مرضياً. قوله تعالى {يا زكريا} المعنى استجاب الله له دعائه فقال يا زكريا {إنا نبشرك بغلام} أي بولد ذكر {اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً} أي لم يسم أحد قبله يحيى وقيل معناه لم نجعل له شبهاً مثلاً، وذلك لأنه لم يعص الله ولم يهم بمعصية قط وقال ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولداً، قيل لم يرد الله تعالى بذلك اجتماع الفضائل كلها ليحيى، وإنما أراد بعضها لأن الخليل والكليم كانا قبله وهما أفضل منه {قال رب أنى يكون لي} أي من أين يكون لي {غلام وكانت امرأتي عاقراً} أي وامرأتي عاقر {وقد بلغت من الكبر عتياً} أي يأساً يريد بذلك نحول الجسم ودقة العظام ونحول الجلد {قال كذلك قال ربك هو علي هين} أي يسير {وقد خلقتك من قبل} أي من قبل يحيى {ولم تك شيئاً وقال رب اجعل لي آية} أي دلالة على حمل امرأتي {قال آيتك} أي علامتك {أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً} أي صحيحاً سليماً من غير بأس ولا خرس، وقيل ثلاث ليال متتابعات والأول أصح قيل إنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله انطلق لسانه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {كيهعص} بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو {كهيعص} بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما. وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. الباقون بتفخيمها {صاد ذكر} مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل {من ورائي} بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي {من وراي} مثل {عصاي} {يرثني ويرث} بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ. الباقون برفعهما {يبشرك} ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة {عتباً} و{جثياً} و{صلياً} و{بكياً} بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في {بكياً} الخزاز عن هبيرة {عتباً} الأولى بالكسر والثاني بالضم. {وقد خلقناك} حمزة وعلي. الآخرون {خلقتك} على التوحيد {إلى آية} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة. الوقوف: {كهيعص} ه كوفى {زكريا} ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ {ذكر رحمة ربك} ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً. {خفياً} ه {شقياً} ه {ولياء} لا {آل يعقوب} ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين {يحيى} لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي. {سمياً} ه {عتياً} ه {كذلك} ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك {شيئاً} ه {آية} ط {سوياً} ه {وعشياً} ه {بقوة} ط {صبياً} ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه {وزكاة} ط {تقياً} ه {عصياً} ه {حياً} ه. التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه. فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين. وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها. والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله {كهيعص} ثناء من الله تعالى على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق. وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى. وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع {ذكر رحمة} على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة {ربك} وانتصب {عبده} على أنه مفعول لذكر و{زكريا} عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ {ذكر} بلفظ الماضي مشدداً تارة و {رحمة} و {عبده} منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو. ومخففاً أخرى و{عبده} مرفوع على الفاعلية. وقرىء {ذكر} على الأمر وهي قراءة ابن معمر. وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا. وفي خفاء ندائه. وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه. ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته. ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم. ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره. ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: {قال رب إني وهن العظم مني} إلى قوله: {واجعله رب رضياً} قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذا قلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل {إني وهن العظم مني} فحصل أني وهنت العظام مني. وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى. وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي. وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل {اشتعل} بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً". وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي". ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير {شيباً} للتعظيم كما هو حق التمييز. ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو {وهن العظم مني} ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ. وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره. وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني. ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً {ولم أكن بدعائك رب شقياً} كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته. تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها. ومعنى {بدعائك} أي بدعائي إياك. واعلم أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه تعالى لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله {وإني خفت الموالي} قال ابن عباس والحسن: أي الورثة. وعن مجاهد العصبة. وعن أبي صالح: الكلالة. وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب. وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد. والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة. وقوله: {من ورائي} أي بعد موتي لا يتعلق بــ {خفت} لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما. وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم. وإنما قال: {خفت} بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال. وقرىء {خفت الموالي} بتشديد الفاء. وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ {خفت} أي درجوا ولم يبق من يعتضد به. ثم صرح بالمسألة قائلاً: {فهب لي} وأكده بقوله: {من لدنك} أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة. من قرأ {يرثني ويرث} بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة. وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟ فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا. واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي صلى الله عليه وسلم. أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة. وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب. وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني. وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب. والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله تعالى عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه. ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين. وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان. فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه. وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية. وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها. واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟ والأول أظهر لقوله في آل عمران {أية : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} تفسير : [آل عمران: 38] ولقوله في سورة الأنبياء {أية : ربي لا تذرني فرداً} تفسير : [الأنبياء: 89] حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال {أنى يكون لي غلام} ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك. والجواب ما مر في آل عمران. واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال. وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس. وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة. فلفظ الإرث مستعمل في المال {أية : وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم} تفسير : [الأحزاب: 17] وفي العلم {أية : وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} تفسير : [غافر: 53] "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رحم الله زكريا وما عليه من يرثه"تفسير : فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال. وكذا قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"،تفسير : وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: {واجعله رب رضياً} لأن النبي لا يكون إلا مرضياً. وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه. والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك. ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به. احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث. واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل عليه السلام. وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها. قوله: {يا زكريا} الكثرون على أنه نداء من الله تعالى لقرينة التخاطب من قوله: {رب إني وهو العظم مني} إلى قوله: {رب أنى يكون لي غلام} ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران {أية : فنادته الملائكة} تفسير : [الآية: 49] وجوز بعضهم الأمرين. واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله. وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله {أية : هل تعلم له سمياً} تفسير : [مريم: 65] وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: {واجعله رب رضياً} وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص. قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: {أية : فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً} تفسير : [مريم: 65] لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير. ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً. قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي. قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم. ولم سمي بيحيى؟ تكلفوا له وجوهاً. فعن ابن عباس لأنه تعالى أحيا عقر أمه. وعن قتادة لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة {أية : أو من كان ميتاً فأحييناه} تفسير : [الأنعام: 122] {أية : إذا دعاكم لما يحييكم} تفسير : [الأنفال: 24]. ولهذا كان من أول من آمن بعيسى. وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء. وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين. قوله: {وقد بلغت من الكبر} قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى {عتياً} وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام. يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس. سؤال: إنه قال في آل عمران {أية : وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} تفسير : [آل عمران: 40] فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟ وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب. قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة. {قال} الأمر {كذلك} تصديقاً له. ثم ابتدأ قائلاً {قال ربك} فمحل {كذلك} رفع، ويحتمل أن يكون نصباً {قال} وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: {هو} أي خلق الغلام {عليّ هين} ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا {أنى يكون لي غلام} أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟ فأجيب بقوله: {كذلك} أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما. ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد {ولم تك شيئاً} لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن {قال رب اجعل لي آية} قد مر تفسير الآية في أول عمران. قوله: {سوياً} قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة. والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ {فخرج على قومه من المحراب} قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه. وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه. {فأوحى إليهم} عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران {إلا رمزاً} وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض. و{أن} هي المفسرة و{سبحوا} أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله. عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة. وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: {يا يحيى خذ الكتاب} أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب} تفسير : [مريم: 30] والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه. ثم أكده بقوله: {بقوة} أي بجد وعزيمة. {وآتيناه الحكم} أي الحكمة. عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت. وعن معمر: العقل. وقيل: النبوة. وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة. والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا. وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو. وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم} تفسير : [آل عمران: 159] وأراد بقوله: {وزكاة} أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: {أية : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} تفسير : [النور: 2] ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة {من لدنا} وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا. وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً. وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود. وقيل: بركة كقول عيسى {جعلني مباركاً} وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم. ثم أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن جملة أحواله بقوله: {وكان تقياً} بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط {وبرّاً بوالديه} لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله {ولم يكن جباراً عصياً} وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق. قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: {أية : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض} تفسير : [القصص: 19] ثم إنه سبحانه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: {حياً} مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى {أية : ويوم أبعث حياً} تفسير : [مريم: 33] وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول. والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً. قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب. قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك. التأويل: إن زكريا الروح {نادى ربه نداء خفياً} من سر السر {قال رب إني وهن} مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب {وكانت امرأتي} يعني الجثة التي هي روح الروح {عاقراً} لا تلد إلا بموهبة من الله {فهب لي من لدنك} سأل {ولياً} فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه {يرثني ويرث من آل يعقوب} أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية {واجعله رب رضياً} بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى} تفسير : [الضحى: 5] {اسمه يحيى} إن الله أحياه بنوره {ولم نجعل له من قبل سمياً} لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" {وقد بلغت من الكبر} أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب {عتياً} يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس {آيتك أن لا تكلم الناس} لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه {ثلاث ليال} هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات {سوياً} متمكناً في هذا الحال من غير تلون {فخرج} زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد {يا يحيى} القلب {خذ} كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل {بقوة} ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً {وآتيناه الحكم} في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره {زكاة} وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا {وبراً بوالديه} الروح والقالب. أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة. وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة {ولم يكن جباراً عصياً} كالنفس الأمارة بالسوء {وسلام عليه يوم يولد} في أصل خلقه {ويوم يموت} من استعمال المعاصي بالتوبة {ويوم يبعث حياً} بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.

الثعالبي

تفسير : قوله عزَّ وجل: {كۤهيعۤصۤ} قد تقدَّمَ الكلامُ في فواتح السوَرِ. وقوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} مرتَفِعٌ بقولهِ: {كۤهيعۤصۤ} في قَوْلِ فرقَةٍ. وقيل: إنَّهُ ارتفعَ على أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدأ محذوفٍ تَقْديرُهُ: هذا ذكر، وحكَى أبو عمرو الدَّانِي عن ابن يعمر أَنَّه قرأ: «ذَكِّر رَحْمَة رَبِّكَ»: بفتح الذَّالِ، وكسر الكافِ المشدَّدة، ونصبِ الرَّحمة. وقوله {نَادَىٰ}: مَعناه بالدُّعَاءِ والرغبَةِ؛ قاله ابنُ العربيِّ في «أحكامه». وقوله تعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً}: يناسِبُ قَوْلَهْ: {أية : ٱدعوا ربَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} تفسير : [الأعراف:55]. وفي «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قَال: «حديث : خيرُ الذَّكْرِ الخفيُّ، وخيرُ الرِّزقِ ما يَكْفِي»تفسير : وذلك؛ لأَنَّهُ أَبْعَدُ مِن الرياء، فأَمَّا دُعاءُ زكرياء عليه السلام فإنما كان خفيّاً لوجهين: أَحدُهُما: أَنَّهُ كان ليلاً. والثاني: أَنَّهُ ذَكَرَ في دُعَائه أَحوالاً تفتقرُ إلى الإخفَاءِ؛ كَقَوْلِهِ: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِيَ مِن وَرَآئِي}. وهذا مما يُكْتَمُ. انتهى. و {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ} معناه ضَعُفَ، {وَٱشْتَعَلَ} مُسْتَعَارٌ للشيْب منِ اشتعال النَّار. وقولهُ: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} شُكْر للّه ـــ عز وجل ـــ على سالف أياديه عنده، معناه: قد أَحسنتَ إليَّ فيما سلَف، وسعدتُ بدعائي إيَّاك؛ فالإنعامُ يقتضي أَنْ يشفع أَوله آخره. * ت *: وكذا فسَّر الدَّاوُودِيُّ، ولفظه: «ولم أَكنْ بدُعائِك رَبِّ شقيّاً»، يقولُ: كنْتَ تعرفني الإجابَة فيما مَضىٰ، وقاله قتادةُ: انتهى. وقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِيَ...} الآية، قيل: معناه خاف أَن يرثَ الموَالي مَالَهُ، والموالي: بنو العمّ، والقرابةُ. وقولُه {مِن وَرَآئِي} أَيْ: من بعدي. وقالت فرقةٌ: إنما كان مواليه مهمِلينَ للدِّين؛ فخاف بموته أَنْ يضَيع الدينُ؛ فطلب وليّاً يقومُ بالدين بعده؛ حَكَى هذا القولَ: الزَّجَّاجُ، وفيه: أَنه لا يجوزُ أَن يسأل زَكَرِيَّاءُ من يرث ماله؛ إذاِ الأَنبيَاءِ لا تُورَثُ. قال * ع *: وهذا يُؤَيّده قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا، فَهُو صَدَقَة»تفسير : . والأَظهرُ الأَلْيق بزكرياء عليه السلام أَن يريدَ وِرَاثةَ العِلْم والدِّينِ، فتكون الوارثةُ مستعارةً، وقد بلغه اللّه أَمَلَهُ. قال ابنُ هِشَامٍ: و {مِنْ وَرآئِي} متعلّقٌ بـ {ٱلْمَوَٰلِيَ}، أو بمحذوفٍ هو حالٌ من الموالي، أو مُضَاف إليهم، أَيْ: كائِنِينَ مِنْ وَرَائي، أو فعَل الموالي مِنْ ورائي، ولا يصحّ تعلقه بـــ «خِفْتُ»؛ لفساد المعنى. انتهى. من «المغني». و {خِفْتُ ٱلمَوَٰلِيَ}، هي قراءةُ الجمهور، وعليها هو هذا التفسير. وقرأ عثمانُ بنُ عَفَّانَ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وابنُ عباسٍ، وجماعةٌ «خَفَّتِ» بفتح الخاء، وفتح الفاء، وشدِّها، وكَسْر التَّاء، والمعنى على هذا: قد انقَطَع أَوْلِيَائِي، وماتُوا، وعلى هذه القراءة، فإنما طلب وَليَّا يقوم بالدين. قال ابنُ العربي في «أحكامه»: ولم يخف زكرياءُ وارثَ المالِ، وإنما أَراد إرْثَ النبوءة، وعليها خاف أَن تخرج عن عَقِبه، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال: «حديث : إنَّا ـــ معَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ ـــ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» تفسير : انتهى. وقرأ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ، وابنُ عباسٍ، وغيرُهما ـــ رضي اللّه عنهم ـــ «يرِثُنِي وَارِثٌ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ». * ت *: وقوله: {فَهَبْ لِي} قال ابنُ مَالكٍ في «شرح الكافية» اللامُ هنا: هي لامُ التعدِيَة؛ وقاله ولدُه في «شرح الخلاصة». قال ابنُ هشام: والأَوْلَىٰ عندي أن يمثل للتعدية بنحو: ما أكرم زيداً لعمرو، وما أحبه لبكر، انتهى. وقولُه: {مِن ءَالِ يَعْقُوبَ} يريدُ يرث منهم الحِكْمة، وكذلك العاقرُ من الرجال. وقوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} معناه في اللغة: لم نجعل له مُشَارِكاً في هذا الاسم، أي: لم يسم به قبل يَحْيىٰ، وهذا قول ابن عباس وغيره. وقال مجاهدُ: وغيره: {سَمِيّاً} معناه: مثيلاً، ونظيراً، وفي هذا بعدٌ: لأَنه لا يفضل على إبرَاهِيم ومُوسَىٰ عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص؛ كالسودد، والحصر. والعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون - عليهما السلام - ومعنى قوله: {سَوِيّاً} فيما قال الجمهور، صحيحاً من غير عِلَّة، ولا خرس. وقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات. وقوله: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} قال قتادة، وغيره: كان ذلك بإشارة. وقال مجاهد: بل بكتابة في التراب. قال * ع *: وكِلاَ الوجهين وَحْي. وقوله: {أَنْ سَبِّحُواْ} قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر اللّه، وقول: سُبْحان اللّه.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّ حروف المُعجمِ على نوعين: ثُنائي، وثُلاثي، وقد جرت العادةُ - عادةُ العرب - أن ينطقُوا بالثنائيَّات المقطوعة ممالة، فيقولوا: بَا، تَا، ثَا، وكذلك أمثالها، وأن ينطقوا بالثلاثيَّات التي في وسطها الألف مفتوحة مشبعة، فيقولون: دال ذال، صاد، ضاد، وكذلك أشكالها. أما الزَّايُ وحدُه من بين حُروف المعجم، فمعتادٌ فيه الأمران؛ فإنَّ من أظهر ياءَهُ في النُّطْق حتَّى يصير ثلاثيًّا، لم يُملهُ، ومن لم يظهر ياءه في النطق؛ حتَّى يشبه الثنائيَّ، أماله. واعلم أنَّ إشباع الفتحة في جميع المواضع أصلٌ، والإمالة فرعٌ عليه؛ ولذلك يجوزُ إشباعُ كُلِّ ممالٍ، ولا يجوز إمالةُ كُلِّ مُشْبَعٍ من المفتوحات. والعامَّةُ على تسكين أواخر هذه الأحرفُ المقطعة، لذلك كان بعضُ القرَّاء يقفُ على كُلِّ حرفٍ منها وقفة يسيرة مبالغة في تمييز بعضها من بعض. وقرأ [الحسنُ] "كافُ" بالضمِّ؛ كأنه جعلها معربة، ومنعها من الصَّرف؛ للعلميَّة والتأنيث، وللقراء في إمالة "يَا" [و "ها"] وتفخيمهما، وبعضهم يُعبِّر عن التفخيم بالضمِّ، كما يُعبِّر عن الإمالةِ بالكسر، وإنما ذكرته؛ لأنَّ عبارتهم في ذلك مُوهمةٌ. وأظهر دال "صاد" قبل ذالِ "ذكرُ" نافعٌ، وابن كثير، وعاصم؛ لأنه الأصل، وأدغمها فيها الباقون. والمشهورُ إخفاءُ نون "عَيْن" قبل الصَّاد؛ لأنها تقاربها، ويشتركان في الفمِ، وبعضهم يظهرها؛ لأنها حروفٌ مقطعةٌ يقصدون تمييز بعضها من بعض.

البقاعي

تفسير : ولما كانت هذه السورة تالية للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعمة الإبقاء الأول - بالاستقامة البالغة، افتتحها بالأحرف المقطعة، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب، الداعيةَ إلى الصراط المستقيم، الواصفةَ الكتابَ بالهدى الضامن للاستقامة، والتي تلي واصفته، والتي تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول، فقال: {كهيعص *} وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور، وهي جامعة النعم، وواصفة الكتاب، وذات النعمة الأولى، وذات النعمة الثانية، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى بأربعة على عددها مع قبلها من الأم الجامعة والواصفة وذات النعمة الأولى، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة {ذكر} أي هذا الذي أتلوه عليكم ذكر {رحمت ربك} أي المحسن إليك بالتأييد بكشف الغوامض وإظهار الخبء {عبده} منصوب برحمة، لأنها مصدر بني على التاء، لا أنها دالة على الوحدة {زكريا *} أي ابن ماثان، جزاء له على توحيده وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه، والرحمة منه سبحانه المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ثمرات الرحمة المتصف بها العباد {إذ نادى} ظرف الرحمة {ربه}. ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على كمال القرب، قال: {نداء خفياً *} أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة، فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى، فكأنه قيل: كما ذلك الندا؟ فقيل: {قال رب} بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب {إني وهن} أي ضعف جداً {العظم مني} أي هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني، وهو أصل بنائه، فكيف بغيره! ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها {واشتعل الرأس} أي شعره مني {شيباً ولم أكن} فيما مضى قط مع صغر السن {بدعائك} أي بدعائي إياك {رب شقياً *} فأجرِني في هذه المرة أيضاً على عوائد فضلك، فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره وإن كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة، لكنك فعلت مع أبي إبراهيم عليه السلام مثله، فهو دعاء شكر واستعطاف؛ ثم عطف على "إني وهن" قوله: {وإني خفت الموالي} أي فعل الأقارب أن يسيئوا الخلافة {من وراءي} أي في بعض الزمان الذي بعد موتي {وكانت امرأتي عاقراً} لا تلد أصلاً - بما دل عليه فعل الكون {فهب لي} أي فتسبب - عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة، وخوفي من سوء خلافة أقاربي، ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي، وبلوغي من الكبر حداً لاحراك بي معه - إني أقول لك يا قادراً على كل شيء: هب لي {من لدنك} أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك، لم تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات، لا من جهة سبب أعرفه، فإن أسباب ذلك عندي معدومة. وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان {ولياً *} أي من صلبي بدلالة { ذرية} في السورة الأخرى {يرثني} في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل {ويرث} زيادة على ذلك {من ءال يعقوب} جدنا مما خصصتهم به من المنح، وفضلتهم به من النعم، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام { أية : ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب}تفسير : [ يوسف: 6] ولأن إسرائيل صار علماً على الأسباط كلهم، وكانت قد غلبت عليهم الأحداث؛ وقد استشكل القاضي العضد في " الفوائد الغياثية" كونَ { يرث} على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه عليه الصلاة والسلام لأن يحيى عليه السلام قتل في حياته، ولا يكون وارثاً إلا إذا تخلف بعده، وقد قال تعالى{أية : فاستجبنا له ووهبنا له يحيى}تفسير : [ الأنبياء:90] قال: فتجعل استئنافية، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه عليه السلام - هكذا نقل لي عنه، وأنا أجلّه عن ذلك، لأنه لا يلزم تخلف دعائه ولا يتجرأ على عليّ مقامه بإخلاف ظنه، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح السند، كان تسمية العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثاً مجازاً مرسلاً باعتبار ما يؤول إليه في الجملة، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى عليه السلام علَّمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العلم إرثاً على وجه الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : العلماء ورثة الأنبياء" تفسير : ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه، ولم يرد منع من تسميته إرثاً حال الأخذ، هذا إذا صح أن يحيى عليه السلام مات قبل زكريا عليه السلام، وحينئذ يؤول { من وراءي} بما غاب عنه، أي عجزت عن تتبع أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني، فهب لي ولداً يكون متصفاً بصفاتي، فكان ما سأله، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور لم يصح أصلاً، وينتفي الاعتراض رأساً، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء، مع أن البغوي نقل في أول تفسير سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام، فإنه قال: آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام فمات زكريا عليه السلام، وقيل: قتل، فلما رفع الله عيسى عليه الصلاة والسلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال: إني كنت قد حلفت بإلهي: لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحداً أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن بيوزردان دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دماً يغلي فقال: يا بني إسرائيل! ما شأن هذا الدم يغلي؟ قالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا، فقال: ما صدقتموني، قالوا: لو كان تأول زماننا لتقبل منا، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤوسهم فلم يهدأ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل! ويلكم! أصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله عز وجل، فلو أطعناه فيها لكان أرشد منا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه، فقال لهم بيوزردان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش، وخلا في بني إسرائيل، ثم قال: يا يحيى بن زكريا! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحداً، فهدأ الدم بإذن الله تعالى، ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال: آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره، وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه، قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم، فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل، فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم القتل، ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد. فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته. ولما ختم دعاءه بقوله: {واجعله رب} أي أيها المحسن إلي {رضياً *} أي بعين الرضا منك دائماً حتى يلقاك على ذلك، قيل في جواب من كأنه قال: ماذا قال له ربه الذي أحسن الظن به؟: {يا زكريا إنا} أي على ما لنا من العظمة {نبشرك} إجابة لدعائك؛ وقراءة الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به، لأن المبشر به لغرابته جدير بالإنكار {بغلام اسمه يحيى} ثم وصفه بما عرف به أن مما شرفه به أن ادخر له هذا الاسم فقال: {لم نجعل له} فيما مضى، ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصاً لزمان بني إسرائيل قومه فقال: {من قبل سمياً *} فكأنه قيل: ما قال في جواب هذه البشارة العظمى؟ فقيل: {قال} عالماً بصدقها طالباً لتأكيدها، والتلذيذ بترديدها، وهل ذلك من امرأته أو غيرها؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل {رب} أي المحسن إليّ بإجابة دعائي دائماً {أنّى} أي من أين وكيف وعلى أيّ حال {يكون لي غلام} يولد لي على غاية القوة والنشاط والكمال في الذكورة {وكانت} أي والحال أنه كانت {امرأتي} كانت شابة {عاقراً} غير قابلة للولد عادة وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد لاختلال أحد السبيبن فكيف بها وقد أسنت! {وقد بلغت} أنا {من الكبر عتياً} أي أمراً في اليبس مجاوزاً للحد هو غاية في الكبر ما بعدها غاية، وقد حصل من ذلك من الضعف ويبس الأعضاء وقحلها ما يمنع في العادة من حصول الولد مطلقاً لاختلال السببين معاً فضلاً عن أن يصلح لأن يعبر عنه بغلام؛ قال البغوي في آل عمران: وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ وقال الرازي في اللوامع: إن هذا على الاستخبار أيعطيه الله الولد بتلك الحال أم يقلبه شاباً؟ ولله تعالى في كل صنع تدبيران: أحدهما المعروف الذي يسلكه الناس من توجيه الأسباب إلى المسببات، والآخر يتعلق بالقدرة المحضة، ولا يعرفه إلا أهل الاستبصار - انتهى. {قال كذلك} أي الأمر؛ ثم علله بقوله: {قال ربك} أي الذي عودك بالإحسان، وذكر مقول القول فقال: {هو} أي خلق يحيى منكما على هذه الحالة {عليَّ} أي خاصة {هين} لا فرق عندي بينه وبين غيره {وقد خلقتك} أي قدرتك وصورتك وأوجدتك. ولما كان القصد تشبيه حاله بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من النطفة على ضعف سبيتها لكونها تارة تثمر وتارة لا، وهو الأغلب، أتى بالجار إشارة إلى ذلك فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان {ولم} أي والحال أنك لم: ولما كان عليه السلام شديد التشوف لما يلقى عليه من المعنى في هذه البشرى، أوجز له حتى بحذف النون وليثبت أنه ليس له من ذاته إلا العدم المحض، وينفي أن يكون له من ذاته وجود ولو على أقل درجات الكون لاقتضاء حاله في هذا التعجب لتذكيره في ذلك فقال: {تك شيئاً *} أي يعتد به، ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين أردت، فتحقق بهذا أنه من امرأته هذه العاقر في حال كونهما شيخين، ثم قيل جواباً لمن كأنه قال: ما قال بعد علمه بذلك؟: {قال رب} أي أيها المحسن إليّ بالتقريب! {اجعل لي} على ذلك {ءاية} أي علامة تدلني على وقوعه {قال} أي الله: {ءايتك} على وقوع ذلك {ألا تكلم الناس} أي لا تقدر على كلامهم. ولما بدئت السورة بالرحمة، وكان الليل محل تنزلها"حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول"تفسير : - الحديث، قال: {ثلاث ليال} أي بأيامها - كما ذلك عليه التعبير بالأيام في آل عمران حال كونك {سوياً *} من غير خرس ولا مرض ولا حبسة عن مطلق الكلام، بل تناجي ربك فيها بتسبيحه وتحميده وتلاوة كتابه وكل ما أردت من مثل ذلك وكذا من عدا الناس من الملائكة وغيرهم من صالح عباد الله، وجعلت الآية الدالة عليه سكوتاً عن غير ذكر الله دلالة على إخلاصه وانقطاعه بكليته إلى الله دون غيره {فخرج} عقب إعلام الله له بهذا {على قومه} أي عالياً على العلية منهم {من المحراب} الذي كان فيه وهو صدر الهيكل وأشرف ما فيه، وهو منطلق اللسان بذكر الله منحبسه عن كلام الناس {فأوحى إليهم} أي أشار بشفتيه من غير نطق: قال الإمام أبو الحسن الرماني في آل عمران: والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين، والأول أغلب؛ قال: وأصله الحركة. وسبقه إلى ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فقال: وأما الرمز فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحياناً، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفي من الكلام الذي مثل الهمس بخفض الصوت الرمز. ثم نقل أن المراد به هنا تحرك الشفتين عن مجاهد - انتهى. وهو ظاهر أيضاً في الوحي لأنه مطلق الإشارة والكناية والكلام الخفي، فيجوز أن يكون وحيه بكل منهما، لا يقدر على غير ذلك في مخاطبته للناس، فإذا توجه إلى مناجاة ربه سبحانه انطلق أحسن انطلاق {أن سبحوا} أي أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة وغيرها {بكرة وعشياً *} فحملت امرأته كما قلنا فولدت ولداً فسماه يحيى كما بشرناه به فكبر حتى ميز فقلنا: {يا يحيى خذ الكتاب} أي التوراة {بقوة}. ولما كانت النبوة لا يستضلع بأمرها ويقوى على حملها إلا عند استحكام العقل ببلوغ الأشد، وكان التطويق على أمرها قبل ذلك من العظمة بمكان، دل عليه النون في قوله: {وءاتيناه} بما لنا من العظمة {الحكم} أي النبوة والفهم للتوراة {صبياً *} لغلبة الروح عليه، وهذه الخارقة لم تقتض الحكمة أن تكون لنبينا صلى الله عليه وسلم لأن قومه لا عهد لهم بالنبوة، فكانوا إذا كذبوا لا يكون لهم من أنفسهم ما يلزمهم من التناقض، فعُوّض أعظم من ذلك بغرائز الصدق التي أوجبت له تسميته بالأمين ليكونوا بذلك مكذبين لأنفسهم في تكذيبهم له. وبمزيد إبقاء معجزته القرآنيه بعده تدعو الناس إلى دينه دعاء لا مرد له {و} آتيناه {حناناً} أي رحمة وهيبة ووقاراً ورقة قلب ورزقاً وبركة {من لدنا} من مستقرب المستغرب من عظمتنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة {وزكاة} أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله وأقواله {وكان} أي جبلة وطبعاً {تقياً *} حوافاً لله تعالى {وبراً} أي واسع الأخلاق محسناً {بوالديه ولم يكن} جبلة وطبعاً {جباراً} عليهما ولا على غيرهما؛ ثم قيده بقوله: {عصياً *} إشارة إلى أن يفعل فعل الجبارين من الغلظة والقتل والبطش بمن يستحق ذلك كما قال تعالى لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم {أية : جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم}تفسير : [التحريم: 9] فكان مطيعاً لله قائماً بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي، فهنيئاً له ما أعطاه من هذه الخلال القاضية بالكمال، والتعبير بصيغة المبالغة يفهم أن المنفي الجبل عليها، وما دونها يذهبه الله بغسل القلب أو غيره {وسلام} أي أيّ سلام {عليه} منا {يوم ولد} من كل سوء يلحق بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين {ويوم يموت} من كرب الموت وما بعده، ولعله نكر السلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى عليه الصلاة والسلام {ويوم يبعث} من كل ما يخاف بعد ذلك {حياً *} حياة هي الحياة للانتفاع بها، إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضياً، وخص هذه الأوقات لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه؛ أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام فإنه كان سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، وأهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: ذكره مثل هذه القذاة"تفسير : . قال الهيثمي: وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه أيضاً عن عبد الله بن عمرو ابن عباس رضي الله عنهم، لكن ليس فيه ذكر الذكر، ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما: كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : ما ينبغي أن يكون أحد خيراً من يحيى بن زكريا، قلنا: يا رسول الله! وكيف ذاك؟ قال: ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن؟ {يا يحيى خذ الكتاب} - إلى قوله: {حياً}، مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعمل سيئة ولم يهم بهم"تفسير : . ورواه أيضاً البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور - وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد على من ادعى لله ولداً من حيث إن ذلك قاضٍ على الولد نفسه وعلى أبيه بالحاجة، وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية المنزهة عن الحاجة، وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏كهيعص‏} ‏ قال‏:‏ كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق‏.‏ وفي لفظ‏:‏ كاف بدل كبير‏. وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ‏ {‏كهيعص‏} ‏ قال‏:‏ كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ‏ {‏كهيعص‏}‏ هو الهجاء المقطع الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر‏. وأخرج ابن مردويه ‏"حديث : عن الكلبي، أنه سئل عن ‏ {‏كهيعص‏} ‏ فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏‏ كاف، هاد، عالم، صادق‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير، عن فاطمة بنت علي قالت‏:‏ كان ابن عباس يقول في ‏ {‏كهيعص‏}‏ و ‏(‏حم‏)‏ و ‏(يس)‏ وأشباه هذا، هو اسم الله الأعظم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏كهيعص‏} ‏ قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏كهيعص‏}‏ قال‏:‏ يقول‏:‏ أنا الكبير الهادي عليّ أمين صادق‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله‏:‏ ‏ {‏كهيعص‏}‏ قال‏:‏ الكاف من الملك، والهاء من الله، والعين من العزيز، والصاد من الصمد‏. وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله‏:‏ ‏ {‏كهيعص‏} ‏ قال‏:‏ الكاف مفتاح اسمه كافي، والهاء مفتاح اسمه هادي، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله‏:‏ ‏ {‏كهيعص‏} ‏ قال‏:‏ يا من يجير ولا يجار عليه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏كهيعص‏} ‏ قال‏:‏ اسم من أسماء القرآن‏.‏ والله أعلم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ‏ {‏ذكر رحمة ربك عبده زكريا‏} ‏ بنقل، يقول‏:‏ لما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء‏.‏ فقال‏:‏ ‏ {‏ذكر رحمة ربك‏}‏‏. وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏كان زكريا نجارا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس قال‏:‏ إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏إذ نادى ربه نداء خفياً‏} ‏ قال‏:‏ لا يريد رياء‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إذ نادى ربه نداء خفيا‏ً} ‏ أي بقلبه سراً‏.‏ قال قتادة‏:‏ إن الله يحب الصوت الخفي، والقلب النقي‏. وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال‏:‏ كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن إدريس من ذرية يعقوب دعا ربه سراً، قال‏:‏ ‏{‏رب إني وهن العظم مني‏} ‏ إلى قوله‏:‏ ‏ {‏خفت الموالي من ورائي‏} ‏ وهم العصبة ‏ {‏يرثني ويرث‏} ‏ نبوة ‏{‏آل يعقوب‏}‏ ‏{‏فنادته الملائكة‏}‏ وهو جبريل ‏ {‏إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى‏} ‏ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال‏:‏ يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، فشك وقال‏:‏ ‏ {‏أنى يكون لي غلام‏} ‏ يقول‏:‏ من أين يكون‏؟‏ ‏ {‏وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر‏} ‏‏!‏ قال الله‏:‏ ‏ {‏قد خلقتك من قبل ولم تك شيئا‏ً}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏ {‏وهن العظم مني‏} ‏ يقول‏:‏ ضعف‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وهن العظم مني‏} ‏ قال‏:‏ نحول العظم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولم أكن بدعائك رب شقيا‏ً} ‏ قال‏:‏ قد كنت تُعَودني الإجابة فيما مضى‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عيينة في قوله‏:‏ ‏ {‏ولم أكن بدعائك رب شقيا‏ً}‏ يقول‏:‏ سعدت بدعائك وإن لم تعطني‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن العاص قال‏:‏ أملى عليّ عثمان بن عفان من فيه ‏ {‏وإني خفت الموالي‏} ‏ بنقلها يعني بنصب الخاء والفاء وكسر التاء يقول قلت‏:‏ ‏{‏الموالي‏}‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وإني خفت الموالي من ورائي‏} ‏ قال‏:‏ الورثة، وهم عصبة الرجل‏. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وإني خفت الموالي من ورائي‏} ‏ قال‏:‏ العصبة من آل يعقوب، وكان من ورائه غلام، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وفي لفظ‏:‏ أيوب‏. وأخرج الفريابي، عن ابن عباس قال‏:‏ كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏ {‏رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب‏} ‏ قال‏:‏ يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله‏:‏ ‏ {‏يرثني ويرث من آل يعقوب‏} ‏ قال‏:‏ نبوته وعلمه‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يرحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله‏:‏ ‏ {‏يرثني ويرث من آل يعقوب‏} ‏ فيقول‏:‏ يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح في قوله‏:‏ ‏ {‏ويرث من آل يعقوب‏}‏ قال‏:‏ النبوة يكون نبياً كما كان أبوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {ويرث من آل يعقوب} قال: السنة والعلم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن يحيى بن يعمر أنه قرأها‏:‏ ‏ {‏وإني خفت الموالي من ورائي‏}‏ مشددة بنصب الخاء، وكسر التاء، وقرأها‏:‏ ‏ {‏يرثني ويرث من آل يعقوب‏}‏. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏ {‏يرثني ويرث من آل يعقوب‏}‏‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏يرثني‏}‏ مثقل مرفوع‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال‏:‏ قال داود عليه السلام‏:‏ ‏"‏يا رب هب لي ابنا‏ً"‏ فولد له ابن خرج عليه، فبعث إليه داود جيشاً فقال‏:‏ ‏"‏إن أخذتموه سليماً فابعثوا إلي رجلاً أعرف السرور في وجهه، وإن قتلتموه فابعثوا إلي رجلاً أعرف الشرّ في وجهه‏"‏ فقتلوه فبعثوا إليه رجلاً أسود، فلما رآه علم أنه قتل، فقال‏:‏ رب سألت أن تهب لي ابناً، فخرج علي‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ إنك لم تستثن‏.‏ قال محمد بن كعب‏:‏ لم يقل كما قال زكريا‏:‏ ‏ {‏واجعله رب رضيا‏ً}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال‏:‏ لما دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً هبط جبريل عليه السلام - فبشره بيحيى‏.‏ فقال زكريا عندها‏:‏ ‏{‏أنى يكون لي غلام‏}‏ وأخبر بكبر سنه، وعلة زوجته، فأخذ جبريل عوداً يابساً، فجعله بين كفي زكريا، فقال‏:‏ ادرجه بين كفيك، ففعل، فإذا في رأسه عود بين ورقتين يقطر منهما الماء‏.‏ فقال جبريل‏:‏ إن الذي أخرج هذا الورق من هذا العود، قادر أن يخرج من صلبك، ومن امرأتك العاقر غلاما‏ً. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لم نجعل له من قبل سميا‏}‏ قال‏:‏ لم يسم أحد يحيى قبله‏. وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لم نجعل له من قبل سميا‏}‏ قال‏:‏ لم يسم أحد يحيى قبله‏. وأخرج أحمد في الزهد، عن عكرمة مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏لم نجعل له من قبل سميا‏} ‏ قال‏:‏ لم تلد العواقر مثله ولدا‏ً. وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏لم نجعل له من قبل سميا} ‏ قال‏:‏ مثلا‏ً. وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله‏:‏ ‏{‏لم نجعل له من قبل سميا} ‏ قال‏:‏ شبيها‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء مثله‏. وأخرج البخاري في تاريخه، عن يحيى بن خلاد الزرقي، أنه لما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وقال‏:‏ لأسمينه اسماً لم يسم بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى‏. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس قال‏:‏ لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ‏{‏عتيا‏ً} ‏ أو عييا‏. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم، عن ميمون بن مهران‏:‏ أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس‏؟‏ فقال‏:‏ أخبرني عن قول الله‏:‏ ‏ {‏وقد بلغت من الكبر عتيا} ‏ ما العتي‏؟‏ قال‏:‏ البؤس من الكبر قال الشاعر‏: شعر : إنما يعذر الوليد ولا يعذر من كان في الزمان عتيا تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وقد بلغت من الكبر عتيا‏} ‏ قال‏:‏ نحول العظم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏وقد بلغت من الكبر عتيا}‏ يقول‏:‏ هرما‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ‏ {‏وقد بلغت من الكبر عتيا‏} ‏ قال‏:‏ العتي الذي قد عتا من الولد فيما يرى في نفسه لا ولادة فيه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الثوري قال‏:‏ بلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن المبارك ‏ {‏وقد بلغت من الكبر عتيا‏}‏ قال‏:‏ ستين سنة‏. وأخرج الرامهرمزي في الإسناد، عن وهب بن منبه ‏ {‏وقد بلغت من الكبر عتيا‏}‏ قال‏:‏ هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ عتيا برفع العين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ‏ {‏عتيا‏} ‏ وصليا، بكسر العين والصاد‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عقيل أنه قرأ ‏"‏وقد بلغت من الكبر عسيا‏"‏ بالسين ورفع العين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم، عن نوف في قوله‏:‏ ‏ {‏قال‏‏ رب اجعل لي آية‏} ‏ قال‏:‏ أعطني آية أنك قد استجبت لي‏.‏ فقال‏:‏ ‏ {‏آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً‏}‏ قال ختم على لسانه وهو صحيح سوي ليس به من مرض، فلم يتكلم ثلاثة أيام‏. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً‏}‏ قال‏:‏ اعتقل لسانه من غير مرض‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ثلاث ليال سويا‏}‏ قال‏:‏ من غير خرس‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة والضحاك مثله‏. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏ثلاث ليال سويا‏} ‏ قال‏:‏ صحيحاً لا يمنعك الكلام مرض‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله‏:‏ ‏ {‏فخرج على قومه من المحراب‏}‏ قال‏:‏ المحراب مصلاه‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فأوحى إليهم‏} ‏ قال‏:‏ كتب لهم‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن الحكم ‏ {‏فأوحى إليهم‏}‏ قال‏:‏ كتب لهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ‏ {‏فأوحى إليهم‏} ‏ قال فأشار زكريا‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ‏{‏فأوحى إليهم أن سبحوا‏}‏ قال‏:‏ أشار إليهم إشارة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير ‏ {‏فأوحى إليهم‏}‏ قال‏:‏ أومأ إليهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏فأوحى إليهم أن سبحوا‏} ‏ قال‏:‏ صلوا‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله‏:‏ ‏ {‏بكرة وعشيا‏}‏ قال‏:‏ أمرهم بالصلاة بكرة وعشيا‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ‏{‏فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا‏} ‏ قال‏:‏ البكرة، صلاة الفجر، وعشيا، صلاة العصر‏.

ابو السعود

تفسير : سورة مريم مكية إلا آيتي 58 و71 فمدنيتان السجدة وهي ثمان وتسعون آية {كهيعص} بإمالة الهاءِ والياء وإظهار الدال، وقرىء بفتح الهاء وإمالةِ الياء وبتفخيمهما وبإخفاء النونِ قبل الصادِ لتقاربهما، وقد سلف أن ما لا تكون من هذه الفواتح مفردةً ولا موازِنةً لمفرد فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط ساكنةُ الأعجاز على الوقف، سواءٌ جعلت أسماءً للسور أو مسرودةً على نمط التعديد، وإن لزمها التقاءُ الساكنين لكون مغتفراً في باب الوقف قطعاً فحق هذه الفاتحة الكريمةِ أن يوقف عليها جرياً على الأصل، وقرىء بإدغام الدال فيما بعدها لتقاربهما في المخرج، فإن جُعلت اسماً للسورة على ما عليه إطباقُ الأكثر فمحلُّه الرفعُ، إما على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ والتقديرُ هذا كهيعص أي مسمًّى به وإنما صحت الإشارةُ إليه مع عدم جرَيانِ ذكرِه لأنه باعتبار كونِه على جناح الذكر صار في حكم الحاضِر المشاهَدِ، كما يقال: هذا ما اشترى فلان، أو على أنه مبتدأٌ خبرُه: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ} أي المسمّى به ذكرُ رحمة الخ، فإن ذكرَها لمّا كان مطلَعَ السورةِ الكريمة ومعظمَ ما انطوت هي عليه جُعلت كأنها نفسُ ذكرها، والأولُ هو الأولى لأن ما يجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون معلومَ الانتساب إليه عند المخاطبِ، وإذ لا علمَ بالتسمية من قبل فحقُّها الإخبارُ بها كما في الوجه الأول، وإن جُعلت مسرودةً على نمط التعديدِ حسبما جنَح إليه أهلُ التحقيقِ فذكرُ الخ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ما ينبىء عنه تعديدُ الحروف كأنه قيل: المؤلَّفُ من جنس هذه الحروف المبسوطةِ مراداً به السورةُ ذكرُ الرحمة الخ، وقيل: هو مبتدأٌ قد حُذف خبرُه أي فيما يتلى عليك ذكرُها، وقرىء ذكَّر رحمةَ ربك على صيغة الماضي من التذكير أي هذا المتلوُّ ذكّرها، وقرىء اذكُرْ على صيغة الأمر، والتعرضُ لوصف الربوبـية المنْبئةِ عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام للإيذان بأن تنزيلَ السورة عليه عليه الصلاة والسلام تكميلٌ له عليه السلام، وقوله تعالى: {عَبْده} مفعولٌ لرحمة ربك على أنها مفعولٌ لما أضيف إليها، وقيل: للذكر على أنه مصدرٌ أضيف إلى فاعله على الاتساع، ومعنى ذكرِ الرحمةِ بلوغُها وإصابتُها، كما يقال: ذكرني معروفُ فلان أي بلغني، وقوله عز وعلا: {زَكَرِيَّا} بدل منه أو عطف بـيان له {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً} ظرفٌ لرحمة ربك، وقيل: لذِكرُ على أنه مضافٌ إلى فاعله اتساعاً لا على الوجه الأولِ لفساد المعنى، وقيل: هو بدلُ اشتمالٍ من زكريا كما في قوله: { أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ} تفسير : [مريم: 16] ولقد راعىٰ عليه الصلاة والسلام حسنَ الأدب في إخفاء دعائِه، فإنه مع كونه بالنسبة إليه عز وجل كالجهر أدخلُ في الإخلاص وأبعدُ من الرياء وأقربُ إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولدِ لتوقّفه مبادىءَ لا يليق به تعاطيها في أوان الكِبَر والشيخوخة وعن غائلة مواليه الذين كان يخافهم، وقيل: كان ذلك من عليه السلام لضَعف الهرم، قالوا: كان سنُّه حينئذ ستين، وقيل: خمساً وستين، وقيل: سبعين، وقيل: خمساً وسبعين، وقيل: أكثرَ منها كما مر في سورة آل عِمرانَ. {قَالَ} جملةٌ مفسِّرةٌ لنادى لا محلَّ لها من الإعراب {رَبّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى} إسنادُ الوهن إلى العظم لِما أنه عمادُ البدن ودِعامُ الجسد فإذا أصابه الضَّعفُ والرخاوة أصاب كلَّه، أو لأنه أشدُّ أجزائه صلابةً وقِواماً وأقلُّها تأثراً من العلل فإذا وهَن كان ما وراءه أوهنَ، وإفرادُه للقصد إلى الجنس المنْبىءِ عن شمول الوهْنِ لكل فردٍ من أفراده، ومنّي متعلقٌ بمحذوف هو حالٌ من العظم، وقرىء وهِن بكسر الهاء وبضمها أيضاً، وتأكيدُ الجملة لإبراز كمال الاعتناءِ بتحقيق مضمونها {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} شبّه عليه الصلاة والسلام الشيبَ في البـياض والإنارة بشُواظ النار، وانتشارَه في الشعر وفُشوَّه فيه وأخذَه منه كلَّ مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مُخرجَ الاستعارةِ ثم أَسند الاشتعالَ إلى محل الشعرِ ومنبِتِه، وأخرجه مُخرج التميـيز وأطلق الرأسَ اكتفاءً بما قيّد به العظمَ، وفيه من فنون البلاغة وكمالِ الجزالةِ ما لا يخفى، حيث كان الأصلُ اشتعل شيبُ رأسي فأسند الاشتعالَ إلى الرأس كما ذُكر لإفادة شمولِه لكلها، فإن وِزانَه بالنسبة إلى الأصل وزانُ اشتعل بـيتُه ناراً بالنسبة إلى اشتعل النارُ في بـيته، ولزيادة تقريرِه بالإجمال أولاً والتفصيلِ ثانياً ولمزيد تفخيمِه بالتنكير، وقرىء بإدغام السينِ في الشين {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً} أي ولم أكن بدعائي إياك خائباً في وقت من أوقات هذا العمُر الطويلِ، بل كلما دعوتُك استجبتَ لي، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها أو حالٌ من ضمير المتكلم إذِ المعنى واشتعل الرأسُ شيباً، وهذا توسلٌ منه عليه السلام بما سلف منه من الاستجابة عند كلِّ دعوة إثرَ تمهيدِ ما يستدعي الرحمةَ ويستجلب الرأفةَ من كِبَر السّنِّ وضَعفِ الحال، فإنه تعالى بعد ما عوّد عبدَه بالإجابة دهراً طويلاً لا يكاد يُخيّبه أبداً لا سيما عند اضطرارِه وشدة افتقارِه، والتعرضُ في الموضوعين لوصف الربوبـيةِ المنْبئة عن إضافة ما فيه صلاحُ المربوبِ، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا سيما توسيطُه بـين كان وخبرها لتحريك سلسلةِ الإجابةِ بالمبالغة في التضرّع، ولذلك قيل: إذا أراد العبدُ أن يُستجابَ له دعاؤُه فليدعُ الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه.

السلمي

تفسير : قال إبراهيم بن شيبان: كهيعص: أما الكاف فالله الكافى لخلقه، والهاء فالله الهادى لخلقه، والياء يد الله على الخلقه بالعطف والرزق والعين فالله عالم بما يصلهم، والصاد فالله صادق وعده. وقال ابن عطاء: فى قوله عز وجل: {كۤهيعۤصۤ} قال كافٍ بالانتقام من أعدائه، هادٍ لمن أخلص فى عمله، عليم بحال من أشرك ومن لم يشرك، صادق فى عذابه وثوابه وعقابه ووعده ووعيده.

القشيري

تفسير : تعريفٌ للأحباب بأسرار معاني الخطاب، حروف خَصَّ الحقُّ المخَاطبَ بها بفهم معانيها، وإذا كان للأخيار سماعُها وذِكْرُها، فللرسول ِ - عليه السلام - فَهْمُها وسِرُّها. ويقال أشار بالكاف إلى أنه الكافي في الإنعام والانتقام، والرفع والوضع على ما سبق به القضاء والحُكْم. ويقال في الكاف تعريفٌ بكونه مع أوليائه، وتخويفٌ بخِّفي مَكْرِه في بلائه. ويقال في الكاف إشارة إلى كتابته الرحمة على نَفْسِه قبل كتابة الملائكة الزَّلَّةَ على عباده. والهاءُ تشير إلى هدايته المؤمنين إلى عرفانه، وتعريف خواصه باستحقاق جلال سلطانه، وما له من الحق بحكم إحسانه. والياء إشارة إلى يُسْر نِعَمِه بعد عُسْرِ مِحَنِه. وإلى يده المبسوطة بالرحمة للمؤمنين من عباده. والعين تشير إلى عِلْمِه بأحوالِ عَبْدِهِ في سِرَّه وجَهْرِهِ، وقُلِّه وكُثْرِه، وحالِه ومآلِه، وقدْرِ طاقته وحق فاقته. وفي الصاد إلى أنه الصادق في وعده.

البقلي

تفسير : اخبر الله سبحانه عن كاف كان وجوده الازلى القدمى الابدى كقوله تعالى كان الله والاشارة فيها الى كون وجوده قبل كون الكون واشارة الحقيقة بالكاف خبر عن سرّ القدم فرحابها العارفين الى غيبوبتهم في قفار الاولية والاستغراق في بحار القدمية ليعرفوا بالازلية الاولية وايضا تجلى من كينونية الاحدية التي قيل كل علة على قلوب الموحدين لتغرقهم في بحار كبريائه ويفنيهم في انوار كنه ذاته فاشهدهم كاينة الذات والصفات وبصّرهم بنور كبريائه فابصر والعيون سره نورية مكحولة بنور كبريائه فابصروا بها مشاهدة كنه ذاته فذابوا فيه فاغرقهم انوار مشاهدة الكنه في بحر كمال الذات والصفات حتى لم يبقوا فيها وابقاهم نور كاف الكفاية وبرز لهم سنا كاف حكمته الازلية فعرفوا بها فناء هو في بقائه وبقاءهم ببقائه فطلبوا بقاء البقاء بلا فناء ليستوفوا في البقاء خط مشاهدة البقاء فانكشف لهم كاف بحار الكرم من صفات الكريم فاوصلهم الى بساط قربه فظهر من عين عيون الغيب نورها الهوية وغيّبهم في غيب الغيب وهداهم الى قرب القرب ثم من -----هداهم الى وصل الوصل ثم هداهم بنعت التعريف والمعرفة الى مشاهدات الصفات ثم الى مشاهدات الذات فلما بهتوا في الغيب وتاهوا في وادى غيب ولم يعرفوا من علم الربوبية ذرة ولم يروا من حقيقة الحقيقة شيئا فاخذهم بانداء القدم مع اصوات اجراس الوصلة فلما وصلوا -------الجهل بالحقيقة على الحقيقة فخرج انور عين القدم فعّرفهم النعوت والاسامى مما علموا الصفات والمعاني ومكنهم بالحق في الحق مع الحق فطلبوا من الحق ما وعد الحق لهم من عظيم عطايا فيض جلاله وجماله فيا نور صاد وصبح صدق ظهور اسرار الحق لهم فاكتسبوا بها وصاروا عارفين بها صادقين في صدق رويتها في دعوى معرفتها ومحبتها فما اشرنا بهذه المقالة في من رموز الحق في مفاتيح كنوز الذات والصفات في الكاف والهاء والياء والعين والصاد ففي هذه الحروف الخمسة بيان اسرار القدم والبقاء والازل والابد وسر الصفات والذات ولا يعرفها الا حبيب الحبيب مع حبيب غائب في الحبيب حاضر مع الحبيب سكران في مشاهدته صاح في شهود فيستفيد معنى المعاني من هذه المبانى قال ابراهيم بن شيبا زامّا الكاف فالله الكافى بخلقه والهاء فالله الهادى لخلقه والياء ويد الله على خلقه بالعطف والرزق والعين فالله عالم بما يصلحهم والصاد فالله صادق وحده قيل الكاف معناه الكافى المسائلين حوائجهم والهاء هادى الظالمين والعين علم معانى اشارات المتعرضين في حوائجهم والياء النداء بهذه الدعوات والصاد وصادق فيما وعد للمؤمنين قال بعضهم كريم بعفوه هاد بجوده عالم بمصالح عباده صادق فيما اخبره قال الاستاذ تعريف الاحباب باسرار ومعانى وقد وقع لى من قبيل لطائف الخطاب كافى هم العارفين فى طلبهم وصله وهادى العرافين بنفسه الى نفسه ثم الى دخائر ما في كنوز قدمه من علومه المجهولة الغيبية ينادى بلابل بساتين ورد وصاله العارفين حتى يزيد رغبتهم في المسارعة بنعت الشوق المحبة الى جلال بقائه عليهم ----- العارفين في داء فقدان قرعه ووجدان بقائه صادق بصدق مواعيده قرباته ومداناته للعارفين ورفع حجب الاحتشام عن قلوبهم حتى ينظروا اليه بنظر البسط والانبساط الا بنظر القبض والهيبة لاز هناك ومقام تمتعهم بجماله وجلاله وصحبته وصاله هذه الحروف عيون رحمة ذاته وكرم صفاته بانبيائه واوليائه لذلك قال سبحانه {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {كهيعص} اسم للسورة ومحله الرفع على انه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير هذا كهيعص اى مسمى به وانما صحت الاشارة اليه مع عدم جريان ذكره لانه باعتبار كونه على جناح الذكر صار فى حكم الحاضر المشاهد كما يقال هذا ما اشترى فلان كذا فى الارشاد. وقال فى تفسير الشيخ قسم اقسم بالله تعالى او هى اسم من اسمائه الحسنى ويدل عليه ما قرأوا فى بعض الادعية من قولهم يا كهيعص يا حمعسق اوانه مركب من حروف يشير كل منها الى صفة من صفاته العظمى. فالكاف من كريم وكبير. والهاء من هاد. والياء من رحيم. والعين من عليم وعظيم. والصاد من الصادق او معناه هو تعالى كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق ايديهم عالم ببريته صادق فى وعده. قال الكاشفى [درمواهب صوفيان از مواهب الهى كه برحضرت شيخ ركن الدين علاء الدوله سمنانى قدس سره فرود آمده مذكوراست كه حضرت رسالت را صلى الله عليه وسلم سه صورتست يكى بشرى كقوله تعالى {أية : انما انا بشر مثلكم}تفسير : دوم ملكى جنانكه فرموده است (لست كاحد ابيت عند ربى) سيوم حقى كما قال (لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل) وازين روشنتر (من رآنى فقد رأى الحق) وحق سبحانه را با او درهر صورتى سخن بعبارتى ديكر واقع شده است درصورت بشرى كلمات مركبه جون {أية : قل هو الله احد}تفسير : ودرصورت ملكى حروف مفرده مانند {كهيعص} واخواته ودرصورت حقى كلامى مبهم كه {أية : فاوحى الى عبده ما اوحى} شعر : درتنكناى حرف نكنجد بيان ذوق زان سوى حرف ونقطه حكايات ديكرست تفسير : وفى التأويلات النجمية فى سورة البقرة يحتمل ان يكون {أية : الم}تفسير : وسائر الحروف المقطعة من قبيل المواضعات والمعميات بالحروف بين المحبين لا يطلع عليها غيرهم وقد واضعها الله تعالى مع نبيه عليه السلام فى وقت لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل ليتكلم بها معه على لسان جبريل باسرار وحقائق لا يطلع عليها جبريل ولا غيره. يدل على هذا ما روى فى الاخبار ان جبريل عليه السلام نزل بقوله تعالى {كهيعص} فلما قال كاف قال النبى عليه السلام "علمت" فقال ها فقال "علمت" فقال يا فقال "علمت فقال عين فقال "علمت" فقال صاد فقال "علمت" فقال جبريل كيف علمت ما لم اعلم. وفى اسئلة الحكم علوم القرآن ثلاثة علم لم يطلع الله عليه احدا من خلقه وهو ما استأثر به من علوم اسرار كتابه من معرفة كنه ذاته ومعرفة حقائق اسمائه وصفاته وتفصايل علوم غيوبه التى لا يعلمها الا هو وهذا لا يجوز لاحد الكلام فيه بوجه من الوجوه اجماعا. العلم الثانى ما اطلع عليه نبيه من اسرار الكتاب واختصه به وهذا لا يجوز الكلام فيه الاله عليه السلام او لمن اذن له واوآئل السور من هذا القسم وقيل من القسم الاول. العلم الثالث علوم علمها الله نبيه مما اودع كتابه من المعانى الجليلة والخفية وامره بتعليمها.

ابن عجيبة

تفسير : قيل: هي مختصرة من أسماء الله تعالى، فالكاف من كافٍ، والهاء من هادٍ، والياء من يمين، والعين من عليم أو عزيز، والصاد من صادق. قاله الهروي عن ابن جبير. قال أبو الهيثم: جعل الياء من يمين، من قولك: يَمَن الله الإنسانَ يَيْمنُهُ يمنًا فهو ميْمون. هـ. ولذا ورد الدعاء بها، فقد رُوي عن عليّ - كرم الله وجهه - أنه كان يقول: (يا كهيعص؛ أعوذ بك من الذنوب التي تُوجب النقم، وأعوذ بك من الذنوب التي تغير النعم، وأعوذ بك من الذنوب التي تهتِك العِصَم، وأعوذ بك من الذنوب التي تحبس غيث السماء، وأعوذ بك من الذنوب التي تُديل الأعداء، انصرنا على من ظلمنا). كان يقدم هذه الكلمات بين يدي كل شدة. فيحتمل أن يكون توسل بالأسماء المختصرة من هذه الحروف، أو تكون الجملة، عنده، اسمًا واحدًا من أسماء الله تعالى، وقيل: هو اسم الله الأعظم. ويحتمل أن يشير بهذه الرموز إلى معاملته تعالى مع أحبائه، فالكاف كفايته لهم، والهاء هدايته إياهم إلى طريق الوصول إلى حضرته، والياء يُمنه وبركته عليهم وعلى من تعلق بهم، والعين عنايته بهم في سابق علمه، والصاد صدقه فيما وعدهم به من الإتحاف والإكرام. والله تعالى أعلم. وقيل: هي مختصرة من أسماء الرسول - عليه الصلاة والسلام - أي: يا كافي، يا هادي، يا ميمون، يا عين العيون، أنت صادق مصدق. وعن ماضي بن سلطان تلميذ أبي الحسن الشاذلي - رضي الله عنهما -: [أنه رأى في منامه أنه اختلف مع بعض الفقهاء في تفسير قوله: (كهيعص. حم. عسق)، فقلت: هي أسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنه قال: "كاف"؛ أنت كهف الوجود، الذي يؤم إليه كلُّ موجود، "ها"؛ هبنا لك الملك، وهيأنا لك الملكوت، "يَعَ"؛ يا عين العيون، "ص"؛ صفات الله {مَن يُطع الرسولَ فقد أطاع الله}، "حاء"؛ حببناك، "ميم" ملَّكناك، "عين" علمناك، "سين"؛ ساررناك، "قاف"؛ قربناك. فنازعوني في ذلك ولم يقبلوه، فقلت: نسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفصل بيننا، فسرنا إليه، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا: حديث : الذي قال محمد بن سلطان هو الحقتفسير : ]. وكأنه يشير إلى أنها صفات أفعال.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو "كهيعص" بامالة الهاء وفتح الياء، وقرأ ابن عامر إلا الداجوني عن هشام وحمزة إلا العبسي وخلف في اختياره بفتح الهاء، وامالة الياء. وقرأ الكسائي ويحيى والعليمي والعبسي بامالة الهاء والياء. الباقون بفتحهما، وهم أهل الحجاز والداجوني عن هشام وعاصم إلا يحيى والعليمي ويعقوب وابو جعفر بقطع الحروف على أصله ويظهر الدال من هجاء (صاد) عند ذلك. وكذلك أهل الحجاز وعاصم ويعقوب. قال أبو علي امالة هذه الحروف سائغه، لانها ليست بحروف معنى وانما هي اسماء لهذه الاصوات. وقال سيبوبه: قالوا (با، يا) لأنها اسماء ما يتهجأ به. فلما كانت اسماء غير حروف جازت فيها الامالة كما جازت في الاسماء، ويدلك على انها اسماء انك إذا اخبرت عنها أعربتها [وإن كنت لا تعربها اسماء قبل ذلك] فكما أن اسماء العدد قبل أن تعربها اسماء كذلك هذه الحروف. وإذا كانت اسماء ساغت فيها الامالة. فاما من لم يمل فعلى مذهب أهل الحجاز، وكلهم أخفى (نون، عين) إلا حفصاً عن عاصم فانه بينها. وقال ابو عثمان بيان النون مع حروف الفم لحن إلا أن هذه الحروف تجري على الوقف عليها، والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان، وإن لا تخفى، فقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك اسماء العدد حكمها على الوقف، وعلى انها منفصلة عما بعدها. وقال ابو الحسن تبيين النون أجود فى العربية، لأن حروف العدد والهجاء منفصل بعضها عن بعض. وروي عن أبي عمرو واليزيدي - في رواية أبي عمرو - عنه كسر الهاء والياء. وقال قلت له لم كسرت الهاء؟ قال: لئلا تلتبس بهاء التنبيه، فقلت لم كسرت اليا؟. قال: لئلا تلتبس بـ (يا) التي للنداء إذا قلت: ها زيد ويا رجل. ومن أدغم الدال فى الذال، فلقرب مخرجهما، ومن اظهر، فلأنهما ليسا من جنس واحد. وليسا اختين. وقرأ الحسن بضم الهاء، حكى سيبويه أن في العرب من يقول فى الصلاة بما ينحو نحو الصلوة الضم، وحكى (ها يا) باشمام الضم. قال الزجاج من حكى ضم الياء، فهو شاذ لانه اجتمعت الرواة على ان الحسن ضم الهاء لا غير وقد بينا فى أول سورة البقرة اخلاف العلماء في أوائل امثال هذه السور وشرحنا أقوالهم، وبينا أن أقوى ما قيل فيه انها اسماء السور، وهو قول الحسن وجماعة، وقيل ان كل حرف منها حرف من اسم من اسماء الله تعالى، فالكاف من كبير، والهاء من هاد، والعين من عالم، والصاد من صادق، والياء من حكيم. وروى ذلك عن علي (ع) وابن عباس وغيرهما. وروي عن علي (ع) انه دعا فقال اللهم سألتك يا كهيعص. وقوله {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} رفع {ذكر} على أنه خبر للابتداء وتقديره هذا او فيما يتلى عليكم {ذكر رحمة} أي نعمة ربك {عبده} منصوب بـ {رحمة}. وقال الفراء الذكر مرفوع بـ {كهيعص} والمعنى ذكر ربك عبده برحمته، فهو تقديم وتأخير، ونصب "زكريا" لانه بدل من {عبده}. {إذ نادى ربه نداء خفياً} أي حين دعا ربه دعاء خفياً أي سراً غير جهر، لا يريد به رياء، ذكره ابن جريج. واصل النداء مقصور من ندى الصوت بندى الحلق

الجنابذي

تفسير : قد سبق فى اوّل البقرة ما به غنية عن بيان امثال هذا، وذكر فى خصوص هذا انّه اشار بالكاف الى كربلاء، وبالهاء الى هلاكة اهل البيت، وبالياء الى يزيد، وبالعين الى عطشهم، وبالصّاد الى صبرهم. ونسب الى امير المؤمنين (ع) انّه قال فى دعائه: اسألك يا كهيعص، وقرئ باخفاء نون عين والقياس اظهاره لانّ سكون الحروف المقطّعة فى اوائل السّور عرضىّ بعرض الوقف بنيّة الوصل فلا ينبغى اجراء حكم السّكون والوصل عليها.

الأعقم

تفسير : {كهيعص}، قيل: اسم السورة عن الحسن، وقيل: إسم من أسماء الله، وعن علي (عليه السلام) أنه كان يقول: "يا كهيعص" وقيل: هو من أسماء الله تعالى فالكاف من كافي وكريم، والهاء من هادي، والياء من رحيم وحكيم، والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق {ذكر رحمة ربك} أي هذا المتلوّ من القرآن {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} وإنما قدم رحمة لأن الذكر سبب الرحمة، وقيل: ذكره لمحمد وأمته أخبار زكريا ليعلموا شأنه، والرحمة النعمة، وقيل: زكريا نفسه رحمة من الله على المؤمنين من حيث دعاهم واقتدوا به {إذ نادى ربه} أي دعاه في محرابه {نداء خفيَّاً} قيل: سراً، وقيل: أخفاه عن قومه لأنه أقرب إلى الإِجابة لأنه أفضل، ثم بيَّن تعالى ما دعا به فقال: {رب} أي يا رب {إني وهن العظم مني} أي ضعف لأنه عمود البدن وبه قوامه ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، واختلف في سن زكريا (عليه السلام) فقيل: ستون، وقيل: خمس وستون، وقيل: سبعون، وقيل: خمس وسبعون، وقيل: خمس وثمانون {واشتعل الرأس شيباً}، قيل: عمّ الشيب وقرب الموت، شبّه الموت بشواظ النار في بياضه {ولم أكن بدعائك رب شقيَّاً}، قيل: عوّدتني الإِجابة لدعائي فيما مضى وما خيَّبتني فأجبني إذا دعوتك، وذلك أنه توسل إلى الله بما سلف من الإِستجابة، وعن بعضهم أن محتاجاً سأله وقال: أنا الذي أحسنت إليَّ وقت كذا، وقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته {وإني خفت الموالي من ورائي} من بعدي يعني خشيت على الدين أن يبدّلوه ويغيروه، وقيل: أن يرث علمي من لا يكون من نسلي، وقيل: أراد بالموالي العصبة {وكانت امرأتي عاقراً} لا تلد {فهب لي من لدنك وليَّاً} أي ولداً يكون لي ناصراً على القيام لحفظ الدين في حياتي {يرثني ويرث من آل يعقوب} العلم والنبوة والدين، قيل: هو يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، وقيل: يعقوب بن ماثان أخو زكريا (عليه السلام)، وقيل: يعقوب هذا وأبو مريم ثم عمران أخوان من نسل سليمان بن داوود {واجعله رب رضيَّاً}، قيل: نبياً، وقيل: صالحاً، وعن علي (عليه السلام): "ويرث من آل يعقوب أي يرتقي" وكان زكريا (عليه السلام) من نسل يعقوب بن اسحاق.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {كۤهيعۤصۤ} كان الكلبي يقول: كاف، هاد، عالم، صادق؛ ويقول كاف لخلقه، هاد لعباده، عالم بأمره، صادق في قوله. وكان الحسن يقول: لا أدري ما تفسيره، غير أن قوماً من أصحاب النبي عليه السلام كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها. قال: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} يقول: ذكره لزكرياء رحمة من الله له.

اطفيش

تفسير : بإشباع مد الكاف والعين والصاد وبمد الهاء والياء مدّاً طبيعيّاً وإمالتهما عند الكسائى وأبى بكر وأمال أبو عمرو والهاء وابن عامر وحمزة الياء. وروى عن حمزة إخلاص كسر الياء وعن عاصم كسرها وكسر الهاء كذا قيل عن الكشاف. قلت: الصواب أنه أراد بالكسر الإمالة فإنها تسمى كسراً. وعن الحسن ضمها. ووجه الإمالة أن ألفات أسماء التهجى ياءات. وروى أن السنوسى وافق ابن عامر وحمزة فى إمالة الياء وقرأ نافع الهاء والياء بين بين وأظهر الحرميان وعاصم الدال وأدغمها الباقون فى ذال ذكر بعد قلبها ذالا. وعن ابن عباس كهيعص اسم من أسماء الله. وقيل: اسم القرآن وقيل: للسورة وقيل: قسم. وفى رواية عن ابن عباس: الكاف من كريم وكبير ونحوهما والياء من نحو رحيم والعين من نحو عالم والصاد من نحو صادق. وقيل: المعنى كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم بما فى صدروهم صادق فى وعده ووعيده.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {كهيعص} كاف هاد يجير عظيم صادق {ذِكْرُ رَحمةِ ربِّكَ} هذا المتلو ذكر رحمة ربك، أو مما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك {عَبْدَهُ} مفعول به فذلك، والذكر فعل للرحمة على التجور فى الإِسناد، فإِن الذاكر هو الله، وأَسند الذكر للرحمة، ومعنى كون الرحمة ذكرت عبده أَنها أَصابته، كما تقول: ذكرنى معروفك بتخفيف الكاف وضم الفاء، أَى بلغنى أَو شبهت بالإِنسان، ورمز إِلى ذلك ما للإِنسان، وهو الذكر، على أَن الرحمة الخير لا صفة لله، أَو عبد مفعول الرحمة لأَنه مصدر مبنى على التاء من أَول، وإِنما الذى لا يعمل الأَشياء أَهو الذى زيدت فيه التاء للوحدة. {زكريَّا} بيان ولا دليل على نصبه بأَعنى {إِذْ نَادى ربَّه} متعلق برحمة أَو بذكر المجهول فعلها لرحمة، أَو بدل اشتمال من عبد أَو زكريا {نِدَاءً خَفِيّاً} فى جوف الليل لا أَحد معه، مراعاة لجلال الله، بأَن السر والجهر عنده سواء، ولأَن ذلك أَحضر للنفس والنداء لا ينافى الخفاء، لأنا نقول: يا رب، ولا تسمع أذننا، أَو تسمع ولا يسمع من معنا، وإِذا جهرنا بالنداء فذلك أيضا خفاء، حيث لم يسمع لهدم من يسمع هناك. وقصدنا أَن لا يسمع أَو ذلك كناية عن الإِخلاص، والأول أَولى لأنه الظاهر مع المناسبة، فإنه قصد الإِخفاء للإِخلاص، ولئلا يلام على حب الولد فى كبر سنه، ستين سنة أَو خمس وستين، أو سبعين أَو خمس وسبعين، أَو ثمانين أَو خمس وثمانين، أو اثنتين وتسعين، أو تسع وتسعين، أو مائة وعشرين، وهو أشد خفاء للصوت، وقد قيل خفاء صوته لضعفه بالكبر.

الالوسي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن الكلبـي أنه سئل عن ذلك فحدث عن أبـي صالح عن أم هانىء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كاف هاد عالم صادق، واختلفت الروايات عن ابن عباس، ففي رواية أنه قال: كاف من كريم وها من هاد ويا من حكيم وعين من عليم وصاد من صادق، وفي رواية أنه قال: كبير هاد أمين عزيز صادق، وفي أخرى أنه قال: هو قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسماء الله تعالى، وفي أخرى أنه كان يقول: كهيعص وحم ويس وأشباه هذا هو اسم الله تعالى الأعظم، ويستأنس له بما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجه وابن جرير عن فاطمة بنت علي قالت: كان علي كرم الله تعالى وجهه يقول ياكهيعص اغفر لي، وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم قالوا كهيعص هو الهجاء المقطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصاد من المصور. وأخرج أيضاً عن محمد بن كعب نحو ذلك إلا أنه لم يذكر الياء، وقال الصاد من الصمد. وأخرج أيضاً عن الربيع بن أنس أنه قال في ذلك: يا من يجير ولا يجار عليه، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة أنه اسم من أسماء القرآن، وقيل: إنه اسم للسورة وعليه جماعة، وقيل حروف مسرودة على نمط التعديد ونسب إلى جمع من أهل التحقيق، وفوض البعض علم حقيقة ذلك إلى حضرة علام الغيوب. وقد تقدم تمام الكلام في ذلك وأمثاله في أول سورة البقرة فتذكر، وقرأ الجمهور كاف بإسكان الفاء، وروي عن الحسن ضمها وأمال نافع هاويا بين اللفظين وأظهر دال صاد ولم يدغمها في الذال بعد وعليه الأكثرون. وقرأ الحسن بضم الهاء وعنه أيضاً ضم الياء وكسر الهاء، وعن عاصم ضم الياء وعنده أيضاً كسرهما، وعن حمزة فتح الهاء وكسر الياء، قال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن المقري الرازي في كتاب «اللوامح»: إن الضم في هذه الأحرف ليس على حقيقته وإلا لوجب قلب ما بعدهن من الألفات واوات بل المراد أن ينحي هذه الألفات نحو الواو على لغة أهل الحجاز وهي التي تسمى ألف التفخيم ضد الإمالة، وهذه الترجمة كما ترجموا عن الفتحة الممالة المقربة من الكسر بالكسر لتقريب الألف بعدها من الياء انتهى، ووجه الإمالة والتفخيم أن هذه الألفات لما لم يكن لها أصل حملوها على المنقلبة عن الواو تارة، وعن الياء أخرى فجوز الأمران دفعاً للتحكم. وقرأ أبو جعفر بتقطيع هذه الحروف وتخليص بعضها من بعض واقتضى ذلك إسكان آخرهن، والتقاء الساكنين مغتفر في باب الوقف، وأدغم أبو عمرو دال صاد في الذال بعد. وقرأ حفص عن عاصم وفرقة بإظهار النون من عين، والجمهور على إخفائها. واختلف في إعرابه فقيل على القول بأن كل حرف من اسم / من أسمائه تعالى لا محل لشيء من ذلك ولا للمجموع من الإعراب، وقيل: إن كل حرف على نية الإتمام خبر لمبتدأ محذوف أي هو كاف هو هاد وهكذا أو الأول على نية الإتمام كذلك والبواقي خبر بعد خبر. وعلى ما روي عن الربيع قيل: هو منادى وهو اسم من أسمائه تعالى معناه الذي يجير ولا يجار عليه. وقيل لا محل له من الإعراب أيضاً وهو كلمة تقال في موضع نداء الله تعالى بذلك العنوان مثل ما يقال مهيم في مقام الاستفسار عن الحال وهو كما ترى، وعلى القول بأنه حروف مسرودة على نمط التعديد قالوا: لا محل له من الإعراب.

سيد قطب

تفسير : يدور سياق هذه السورة على محور التوحيد؛ ونفي الولد والشريك؛ ويلم بقضية البعث القائمة على قضية التوحيد.. هذا هو الموضوع الأساسي الذي تعالجه السورة، كالشأن في السورة المكية غالباً. والقصص هو مادة هذه السورة. فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى. فقصة مريم ومولد عيسى. فطرف من قصة إبراهيم مع أبيه.. ثم تعقبها إشارات إلى النبيين: إسحاق ويعقوب، وموسى وهرون، وإسماعيل، وإدريس. وآدم ونوح. ويستغرق هذا القصص حوالي ثلثي السورة. ويستهدف إثبات الوحدانية والبعث، ونفي الولد والشريك، وبيان منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين. ومن ثم بعض مشاهد القيامة، وبعض الجدل مع المنكرين للبعث. واستنكار للشرك ودعوى الولد؛ وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة.. وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل. وللسورة، كلها جو خاص يظللها ويشيع فيها، ويتمشى في موضوعاتها.. إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية.. الانفعالات في النفس البشرية، وفي "نفس" الكون من حولها. فهذا الكون الذي نتصوره جماداً لا حس له يعرض في السياق ذا نفس وحس ومشاعر وانفعالات، تشارك في رسم الجو العام للسورة. حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكاراً: {أية : أن دعوا للرحمـن ولداً وما ينبغي للرحمـن أن يتخذ ولدا }. تفسير : أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها. والقصص الرئيسي فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة. وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى. والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال. فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} وهو يناجي ربه نجاء: {إذ نادى ربه نداء خفياً}.. ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيراً. ويكثر فيها اسم {الرحمن}. ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ود: {أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمـن ودا} تفسير : ويذكر من نعمة الله على يحيى أن آتاه الله حناناً {وحناناً من لدنا وزكاة وكان تقياً}. ومن نعمة الله على عيسى أن جعله براً بوالدته وديعاً لطيفاً: {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً}.. وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال. كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته.. كذلك تحس أن للسورة إيقاعاً موسيقياً خاصاً. فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق: رضيا. سريا. حفيا. نجياً.. فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالاً في الغالب. مدّاً. ضداً. إدّاً، هدّاً، أو زاياً: عزّا. أزّاً. وتنوع الإيقاع الموسيقي والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جلياً في هذه السورة. فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا: {ذكر رحمة ربك عبده زكريا. إذ نادى ربه نداء خفياً... الخ}. وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً. فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً.. الخ} إلى أن ينتهي القصص، ويجيء التعقيب، لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم، وللفصل في قضية بنوته. فيختلف نظام الفواصل والقوافي.. تطول الفاصلة، وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية. على النحو التالي: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون.. الخ}. حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص عادت القافية الرخية المديدة: {أية : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً. إذ قال لابيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً.. }. تفسير : حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام، تغير الإيقاع الموسيقي وجرس القافية: {أية : قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمـن مداً. حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً... الخ }. تفسير : وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال: {أية : وقالوا: اتخذ الرحمـن ولداً. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.. الخ }. تفسير : وهكذا يسير الإيقاع الموسيقي في السورة وفق المعنى والجو؛ ويشارك في إبقاء الظل الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة، وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ومن معنى إلى معنى. ويسير السياق مع موضوعات السورة في أشواط ثلاثة: الشوط الأول يتضمن قصة زكريا ويحيى، وقصة مريم وعيسى. والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى. والشوط الثاني يتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك أمة. ثم إشارات إلى قصص النبيين، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة؛ ومصير هؤلاء وهؤلاء. وينتهي بإعلان الربوبية الواحدة، التي تعبد بلا شريك: {أية : رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً؟ }. تفسير : والشوط الثالث والأخير يبدأ بالجدل حول قضية البعث، ويستعرض بعض مشاهد القيامة. ويعرض صورة من استنكار الكون كله لدعوى الشرك، وينتهي بمشهد مؤثر عميق من مصارع القرون! {أية : وكم أهلكنا قبلهم من قرن. هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً}تفسير : فنأخذ في الدرس الأول: {كاف. ها. يا. عين. صاد}.. هذه الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض السور، والتي اخترنا في تفسيرها أنها نماذج من الحروف التي يتألف منها هذا القرآن، فتجيء نسقاً جديداً لا يستطيعه البشر مع أنهم يملكون الحروف ويعرفون الكلمات، ولكنهم يعجزون أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن. وبعدها تبدأ القصة الأولى. قصة زكريا ويحيى. والرحمة قوامها. والرحمة تظللها. ومن ثم يتقدمها ذكر الرحمة: {ذكر رحمة ربك عبده زكريا}.. تبدأ القصة بمشهد الدعاء. دعاء زكريا لربه في ضراعة وفي خفية: {إذ نادى ربه نداء خفياً. قال: رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا، ولم أكن بدعائك رب شقياً. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً، فهب لي من لدنك ولياً، يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضياً}.. إنه يناجي ربه بعيداً عن عيون الناس، بعيداً عن أسماعهم. في عزلة يخلص فيها لربه، ويكشف له عما يثقل كاهله ويكرب صدره ويناديه في قرب واتصال: {رب..} بلا واسطة حتى ولا حرف النداء. وإن ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء ولكن المكروب يستريح إلى البث، ويحتاج إلى الشكوى. والله الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر، فيستحب لهم أن يدعوه وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم. {أية : وقال ربكـم ادعوني أستجب لكم}تفسير : ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق، ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر؛ وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يضام من يلجأ إليه، ولا يخيب من يتوكل عليه. وزكريا يشكو إلى ربه وهن العظم. وحين يهن العظم يكون الجسم كله قد وهن. فالعظم هو أصلب ما فيه، وهو قوامه الذي يقوم به ويتجمع عليه. ويشكو إليه اشتعال الرأس شيبا. والتعبير المصور يجعل الشيب كأنه نار تشتعل ويجعل الرأس كله كأنما تشمله هذه النار المشتعلة، فلا يبقى في الرأس المشتعل سواد. ووهن العظم واشتعال الرأس شيباً كلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها الذي يعانيه زكريا ويشكوه إلى ربه وهو يعرض عليه حاله ورجاءه.. ثم يعقب عليه بقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقياً} معترفاً بأن الله قد عوده أن يستجيب إليه إذا دعاه، فلم يشق مع دعائه لربه، وهو في فتوته وقوته. فما أحوجه الآن في هرمه وكبرته أن يستجيب الله له ويتم نعمته عليه. فإذا صور حاله، وقدم رجاءه، ذكر ما يخشاه، وعرض ما يطلبه.. إنه يخشى من بعده. يخشاهم ألا يقوموا على تراثه بما يرضاه. وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها ـ وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين ـ وأهله الذين يرعاهم ـ ومنهم مريم التي كان قيماً عليها وهي تخدم المحراب الذي يتولاه ـ وماله الذي يحسن تدبيره وإنفاقه في وجهه. وهو يخشى الموالي من ورائه على هذا التراث كله، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته.. قيل لأنه يعهدهم غير صالحين للقيام على ذلك التراث.. {وكانت امرأتي عاقراً}.. لم تعقب فلم يكن له من ذريته من يملك تربيته وإعداده لوراثته وخلافته. ذلك ما يخشاه. فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح، الذي يحسن الوراثة، ويحسن القيام على تراثه وتراث النبوة من آبائه وأجداده: {فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب}. ولا ينسى زكريا، النبي الصالح، أن يصور أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبرته: {واجعله رب رضيا} لا جباراً ولا غليظاً، ولا متبطراً ولا طموعاً. ولفظة {رضي} تلقي هذه الظلال. فالرضي الذي يرضى ويرضي. وينشر ظلال الرضى فيما حوله ومن حوله. ذلك دعاء زكريا لربه في ضراعة وخفية. والألفاظ والمعاني والظلال والإيقاع الرخي. كلها تشارك في تصوير مشهد الدعاء. ثم ترتسم لحظة الاستجابة في رعاية وعطف ورضى.. فالرب ينادي من الملأ الأعلى: {يا زكريا}.. ويعجل له البشرى: {إنا نبشرك بغلام} ويغمره بالعطف فيختار له اسم الغلام الذي بشره به: {اسمه يحيى}. وهو اسم فذ غير مسبوق: {لم نجعل له من قبل سمياً}.. إنه فيض الكرم الإلهي يغدقه على عبده الذي دعاه في ضراعة، وناجاه في خفية، وكشف له عما يخشى، وتوجه إليه فيما يرجو. والذي دفعه إلى دعاء ربه خوفه الموالي من بعده على تراث العقيدة وعلى تدبير المال والقيام على الأهل بما يرضي الله. وعلم الله ذلك من نيته فأغدق عليه وأرضاه. وكأنما أفاق زكريا من غمرة الرغبة وحرارة الرجاء، على هذه الاستجابة القريبة للدعاء. فإذا هو يواجه الواقع.. إنه رجل شيخ بلغ من الكبر عتياً، وهن عظمه واشتعل شيبه، وامرأته عاقر لم تلد له في فتوته وصباه: فكيف يا ترى سيكون له غلام؟ إنه ليريد أن يطمئن، ويعرف الوسيلة التي يرزقه الله بها هذا الغلام: {قال: رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً؟}. إنه يواجه الواقع، ويواجه معه وعد الله. وإنه ليثق بالوعد، ولكنه يريد أن يعرف كيف يكون تحقيقه مع ذلك الواقع الذي يواجهه ليطمئن قلبه. وهي حالة نفسية طبيعية. في مثل موقف زكريا النبي الصالح. الإنسان! الذي لا يملك أن يغفل الواقع، فيشتاق أن يعرف كيف يغيره الله! هنا يأتيه الجواب عن سؤاله: أن هذا هين على الله سهل. ويذكره بمثل قريب في نفسه: في خلقته هو وإيجاده بعد أن لم يكن. وهو مثل لكل حي، ولكل شيء في هذا الوجود: {قال: كذلك قال ربك: هو عليَّ هين. وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً}. وليس في الخلق هين وصعب على الله. ووسيلة الخلق للصغير والكبير، وللحقير والجليل واحدة: كن. فيكون. والله هو الذي جعل العاقر لا تلد. وجعل الشيخ الفاني لا ينسل؛ وهو قادر على إصلاح العاقر وإزالة سبب العقم، وتجديد قوة الإخصاب في الرجل. وهو أهون في اعتبار الناس من إنشاء الحياة ابتداء. وإن كان كل شيء هيناً على القدرة: إعادة أو إنشاء. ومع ذلك فإن لهفة زكريا على الطمأنينة تدفع به أن يطلب آية وعلامة على تحقق البشرى فعلاً. فأعطاه الله آية تناسب الجو النفسي الذي كان فيه الدعاء وكانت فيه الاستجابة.. ويؤدي بها حق الشكر لله الذي وهبه على الكبر غلاماً.. وذلك أن ينقطع عن دنيا الناس ويحيا مع الله ثلاث ليال ينطلق لسانه إذا سبح ربه، ويحتبس إذا كلم الناس، وهو سوي معافى في جوارحه لم يصب لسانه عوج ولا آفة. {قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً}.. وكان ذلك: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً}.. ذلك ليعيشوا في مثل الجو الذي يعيش فيه، وليشكروا الله معه على ما أنعم عليه وعليهم من بعده. ويترك السياق زكريا في صمته وتسبيحه، ويسدل عليه الستار في هذا المشهد ويطوي صفحته ليفتح الصفحة الجديدة على يحيى؛ يناديه ربه من الملأ الأعلى: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة..}. لقد ولد يحيى وترعرع وصار صبياً، في الفجوة التي تركها السياق بين المشهدين. على طريقة القرآن في عرضه الفني للقصص، ليبرز أهم الحلقات والمشاهد، وأشدها حيوية وحركة. وهو يبدأ بهذا النداء العلوي ليحيى قبل أن يتحدث عنه بكلمة. لأن مشهد النداء مشهد رائع عظيم، يدل على مكانة يحيى، وعلى استجابة الله لزكريا، في أن يجعل له من ذريته ولياً، يحسن الخلافة بعده في العقيدة وفي العشيرة. فها هو ذا أول موقف ليحيى هو موقف انتدابه ليحمل الأمانة الكبرى. {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}.. والكتاب هو التوراة كتاب بني إسرائيل من بعد موسى، وعليه كان يقوم انبياؤهم يعلمون به ويحكمون. وقد ورث يحيى أباه زكريا، ونودي ليحمل العبء وينهض بالأمانة في قوة وعزم، لا يضعف ولا يتهاون ولا يتراجع عن تكاليف الوراثة.. وبعد النداء يكشف السياق عما زود به يحيى لينهض بالتبعة الكبرى: {وآتيناه الحكم صبياً. وحناناً من لدنا وزكاة، وكان تقياً}.. فهذه هي المؤهلات التي زوده الله بها وأعده وأعانه على احتمال ما كلفه إياه عندما ناداه.. آتاه الحكمة صبياً. فكان فذاً في زاده، كما كان فذا في اسمه وفي ميلاده. فالحكمة تأتي متأخرة. ولكن يحيى قد زود بها صبياً. وآتاه الحنان هبة لدنية لا يتكلفه ولا يتعلمه؛ إنما هو مطبوع عليه ومطبوع به. والحنان صفة ضرورية للنبي المكلف رعاية القلوب والنفوس، وتألفها واجتذابها إلى الخير في رفق. وآتاه الطهارة والعفة ونظافة القلب والطبع؛ يواجه بها أدران القلوب ودنس النفوس، فيطهرها ويزكيها. {وكان تقياً} موصولاً بالله، متحرجاً معه، مراقباً له، يخشاه ويستشعر رقابته عليه في سره ونجواه. ذلك هو الزاد الذي آتاه الله يحيى في صباه، ليخلف أباه كما توجه إلى ربه وناداه نداء خفيا. فاستجاب له ربه ووهب له غلاماً زكياً.. وهنا يسدل الستار على يحيى كما أسدل من قبل على زكريا. وقد رسم الخط الرئيسي في حياته، وفي منهجه، وفي اتجاهه. وبرزت العبرة من القصة في دعاء زكريا واستجابة ربه له، وفي نداء يحيى وما زوده الله به. ولم يعد في تفصيلات القصة بعد ذلك ما يزيد شيئاً في عبرتها ومغزاها.. والآن فإلى قصة أعجب من قصة ميلاد يحيى.. إنها قصة ميلاد عيسى. وقد تدرج السياق من القصة الأولى ووجه العجب فيها هو ولادة العاقر من بعلها الشيخ، إلى الثانية ووجه العجب فيها هو ولادة العذراء من غير بعل! وهي أعجب وأغرب. وإذا نحن تجاوزنا حادث خلق الإنسان أصلاً وإنشائه على هذه الصورة، فإن حادث ولادة عيسى ابن مريم يكون أعجب ما شهدته البشرية في تاريخها كله، ويكون حادثاً فذاً لا نظير له من قبله ولا من بعده. والبشرية لم تشهد خلق نفسها وهو الحادث العجيب الضخم في تاريخها! لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب وأم، وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث؛ فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز العجيبة الثانية في مولد عيسى من غير أب، على غير السنة التي جرت منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، ليشهدها البشر؛ ثم تظل في سجل الحياة الإنسانية بارزة فذة تتلفت إليها الأجيال، إن عز عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها إنسان! لقد جرت بسنة الله التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء، حتى المخلوقات التي لا يوجد فيها ذكر وأنثى متميزان تتجمع في الفرد الواحد منها خلايا التذكير والتأنيث.. جرت هذه السنة أحقاباً طويلة حتى استقر في تصور البشر أن هذه الطريقة الوحيدة، ونسوا الحادث الأول. حادث وجود الإنسان لأنه خارج عن القياس. فأراد الله أن يضرب لهم مثل عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة، وأنها لا تحتبس داخل النواميس التي تختارها. ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها الله، وأن ينفذ الناموس الذي اختاره. وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية معلماً بارزاً على حرية المشيئة، وعدم احتباسها داخل حدود النواميس {ولنجعله آية للناس}. ونظراً لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فرق من الناس أن تتصوره على طبيعته وأن تدرك الحكمة في إبرازه، فجعلت تضفي على عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ صفات ألوهية، وتصوغ حول مولده الخرافات والأساطير، وتعكس الحكمة من خلقه على هذا النحو العجيب، ـ وهي إثبات القدرة الإلهية التي لا تتقيد ـ تعكسها فتشوه عقيدة التوحيد. والقرآن في هذه السورة يقص كيف وقعت هذه العجيبة، ويبرز دلالتها الحقيقية، وينفي تلك الخرافات والأساطير. والسياق يخرج القصة في مشاهد مثيرة، حافلة بالعواطف والانفعالات، التي تهز من يقرؤها هزاً كأنما هو يشهدها: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذت من دونهم حجاباً. فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشراً سوياً. قالت: إني أعوذ بالرحمـن منك إن كنت تقياً. قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً. قالت: أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً؟ قال: كذلكِ قال ربكِ هو عليَّ هين، ولنجعله آية للناس ورحمة منا.. وكان أمراً مقضياً}.. فهذا المشهد الأول ـ فتاة عذراء. قديسة، وهبتها أمها وهي في بطنها لخدمة المعبد. لا يعرف عنها أحد إلا الطهر والعفة حتى لتنسب إلى هارون أبي سدنة المعبد الإسرائيلي المتطهرين ـ ولا يعرف عن أسرتها إلا الطيبة والصلاح من قديم. ها هي ذي تخلو إلى نفسها لشأن من شؤونها التي تقتضي التواري من أهلها والاحتجاب عن أنظارهم.. ولا يحدد السياق هذا الشأن، ربما لأنه شأن خاص جداً من خصوصيات الفتاة.. وها هي ذي في خلوتها، مطمئنة إلى انفرادها. ولكن ها هي ذي تفاجأ مفاجأة عنيفة.. إنه رجل مكتمل سوي: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً}.. وها هي ذي تنتفض انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها، فتلجأ إلى الله تستعيذ به وتستنجد وتستثير مشاعر التقوى في نفس الرجل، والخوف من الله والتحرج من رقابته في هذا المكان الخالي: {قالت: إني أعوذ بالرحمـن منك إن كنت تقياً} فالتقيّ ينتفض وجدانه عند ذكر الرحمن، ويرجع عن دفعة الشهوة ونزغ الشيطان.. وهنا يتمثل الخيال تلك العذراء الطيبة البريئة ذات التربية الصالحة، التي نشأت في وسط صالح، وكفلها زكريا، بعد أن نذرت لله جنينا.. وهذه هي الهزة الأولى. {قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا}.. وليتمثل الخيال مقدار الفزع والخجل. وهذا الرجل السوي ـ الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها ـ فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها ـ يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول، وهو أنه يريد أن يهب لها غلاماً، وهما في خلوة ـ وهذه هي الهزة الثانية. ثم تدركها شجاعة الأنثى المهددة في عرضها! فتسأل في صراحة: كيف؟ {قالت: أنى يكون لي غلام، ولم يمسسني بشر، ولم أك بغياً؟}.. هكذا في صراحة. وبالألفاظ المكشوفة. فهي والرجل في خلوة. والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفاً. فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلاماً؟ وما يخفف من روع الموقف ان يقول لها: {إنما أنا رسول ربك} ولا أنه مرسل ليهب لها غلاماً طاهراً غير مدنس المولد، ولا مدنس السيرة، ليطمئن بالها. لا. فالحياء هنا لا يجدي، والصراحة أولى.. كيف؟ وهي عذراء لم يمسسها بشر، وما هي بغي فتقبل الفعلة التي تجيء منها بغلام! ويبدو من سؤالها أنها لم تكن تتصور حتى اللحظة وسيلة أخرى لأن يهبها غلاماً إلا الوسيلة المعهودة بين الذكر ولأنثى. وهذا هو الطبيعي بحكم التصور البشري. {قال: كذلك قال ربك: هو عليَّ هين. ولنجعله آية للناس، ورحمة منا}.. فهذا الأمر الخارق الذي لا تتصور مريم وقوعه، هين على الله. فأمام القدرة التي تقول للشيء كن فيكون، كل شيء هين، سواء جرت به السنة المعهودة أو جرت بغيره. والروح يخبرها بأن ربها يخبّرها بأن هذا هين عليه. وأنه أراد أن يجعل هذا الحادث العجيب آية للناس، وعلامة على وجوده وقدرته وحرية إرادته. ورحمة لبني إسرائيل أولاً وللبشرية جميعاً، بإبراز هذا الحادث الذي يقودهم إلى معرفة الله وعبادته وابتغاء رضاه. بذلك انتهى الحوار بين الروح الأمين ومريم العذراء.. ولا يذكر السياق ماذا كان بعد الحوار، فهنا فجوة من فجوات العرض الفني للقصة. ولكنه يذكر أن ما أخبرها به من أن يكون لها غلام وهي عذراء لم يمسسها بشر، وأن يكون هذا الغلام آية للناس ورحمة من الله. أن هذا قد انتهى أمره، وتحقق وقوعه: {وكان أمراً مقضياً} كيف؟ لا يذكر هنا عن ذلك شيئاً. ثم تمضي القصة في مشهد جديد من مشاهدها؛ فتعرض هذه العذراء الحائرة في موقف آخر أشد هولاً: {فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً. فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة؛ قالت: يا ليتني مت قبل هـذا وكنت نسياً منسياً}.. وهذه هي الهزة الثالثة.. إن السياق لا يذكر كيف حملته ولا كم حملته. هل كان حملاً عادياً كما تحمل النساء وتكون النفخة قد بعثت الحياة والنشاط في البويضة فإذا هي علقة فمضغة فعظام ثم تكسى العظام باللحم ويستكمل الجنين أيامه المعهودة؟ إن هذا جائز. فبويضة المرأة تبدأ بعد التلقيح في النشاط والنمو حتى تستكمل تسعة أشهر قمرية، والنفخة تكون قد أدت دور التلقيح فسارت البويضة سيرتها الطبيعية.. كما أنه من الجائز في مثل هذه الحالة الخاصة أن لا تسير البويضة بعد النفخة سيرة عادية، فتختصر المراحل اختصاراً؛ ويعقبها تكون الجنين ونموه واكتماله في فترة وجيزة.. ليس في النص ما يدل على إحدى الحالتين. فلا نجري طويلاً وراء تحقيق القضية التي لا سند لنا فيها.. فلنشهد مريم تنتبذ مكاناً قصياً عن أهلها، في موقف أشد هولاً من موقفها الذي أسلفنا. فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق، بينها وبين نفسها، فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة. ثم تواجه الآلام الجسدية بجانب الآلام النفسية. تواجه المخاض الذي {أجاءها} إجاءة إلى جذع النخلة، واضطرها اضطراراً إلى الاستناد عليها. وهي وحيدة فريدة، تعاني حيرة العذراء في أول مخاض، ولا علم لها بشيء، ولا معين لها في شيء.. فإذا هي قالت: {يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً} فإننا لنكاد نرى ملامحها، ونحس اضطراب خواطرها، ونلمس مواقع الألم فيها. وهي تتمنى لو كانت {نسياً}: تلك الخرقة التي تتخذ لدم الحيض، ثم تلقى بعد ذلك وتنسى! وفي حدة الألم وغمرة الهول تقع المفاجأة الكبرى: {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً. وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكلي واشربي وقري عيناً، فإما ترين من البشر أحداً فقولي: إني نذرت للرحمـن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا}.. يا لله! طفل ولد اللحظة يناديها من تحتها. يطمئن قلبها ويصلها بربها، ويرشدها إلى طعامها وشرابها. ويدلها على حجتها وبرهانها! لا تحزني.. {قد جعل ربك تحتك سرياً} فلم ينسك ولم يتركك، بل أجرى لك تحت قدميك جدولاً سارياً ـ الأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع أو تدفق من مسيل ماء في الجبل ـ وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتساقط عليك رطباً. فهذا طعام وذاك شراب. والطعام الحلو مناسب للنفساء. والرطب والتمر من أجود طعام النفساء. {فكلي واشربي} هنيئاً. {وقري عيناً} واطمئني قلباً. فأما إذا واجهت أحداً فأعلنيه بطريقة غير الكلام، أنك نذرت للرحمن صوماً عن حديث الناس وانقطعت إليه للعبادة. ولا تجيبي أحداً عن سؤال.. ونحسبها قد دهشت طويلاً، وبهتت طويلاً، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة تهزه ليساقط عليها رطباً جنياً.. ثم أفاقت فاطمأنت إلى أن الله لا يتركها. وإلى أن حجتها معها.. هذا الطفل الذي ينطلق في المهد.. فيكشف عن الخارقة التي جاءت به إليها.. {فأتت به قومها تحمله..!}.. فلنشهد هذا المشهد المثير: إننا لنتصور الدهشة التي تعلو وجوه القوم ـ ويبدو أنهم أهل بيتها الأقربون في نطاق ضيق محدود ـ وهم يرون ابنتهم الطاهرة العذراء الموهوبة للهيكل العابدة المنقطعة للعبادة.. يرونها تحمل طفلاً! {قالوا: يا مريم لقد جئت شيئا فريا. يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغياً!} إن ألسنتهم لتنطلق بالتقريع والتأنيب: {يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً} فظيعاً مستنكراً. ثم يتحول السخط إلى تهكم مرير: {يا أخت هارون} النبي الذي تولى الهيكل هو وذريته من بعده والذي تنتسبين إليه بعبادتك وانقطاعك لخدمة الهيكل. فيا للمفارقة بين تلك النسبة التي تنتسبينها وذلك الفعل الذي تقارفينه! {ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغياً} حتى تأتي بهذه الفعلة التي لا يأتيها إلا بنات آباء السوء والأمهات البغايا! وتنفذ مريم وصية الطفل العجيب التي لقنها إياها: {فأشارت إليه}.. فماذا نقول في العجب والغيظ الذي ساورهم وهم يرون عذراء تواجههم بطفل؛ ثم تتبجح فتسخر ممن يستنكرون فعلتها فتصمت وتشير لهم إلى الطفل ليسألوه عن سرها! {قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟}. ولكن ها هي ذي الخارقة العجيبة تقع مرة أخرى: {قال: إني عبد الله، آتاني الكتاب، وجعلني نبياً، وجعلني مباركاً أين ما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً}. وهكذا يعلن عيسى ـ عليه السلام ـ عبوديته لله. فليس هو ابنه كما تدعي فرقة. وليس هو إلهاً كما تدعي فرقة. وليس هو ثالث ثلاثة هم إله واحد وهم ثلاثة كما تدعي فرقة. ويعلن أن الله جعله نبياً، لا ولداً ولا شريكاً. وبارك فيه، وأوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته. والبر بوالدته والتواضع مع عشيرته. فله إذن حياة محدودة ذات أمد. وهو يموت ويبعث. وقد قدر الله له السلام والأمان والطمأنينة يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً.. والنص صريح هنا في موت عيسى وبعثه. وهو لا يحتمل تأويلاً في هذه الحقيقة ولا جدالاً. ولا يزيد السياق القرآني شيئاً على هذا المشهد. لا يقول: كيف استقبل القوم هذه الخارقة. ولا ماذا كان بعدها من أمر مريم وابنها العجيب. ولا متى كانت نبوته التي أشار إليها وهو يقول: {آتاني الكتاب وجعلني نبياً}.. ذلك أن حادث ميلاد عيسى هو المقصود في هذا الموضع. فحين يصل به السياق إلى ذلك المشهد الخارق يسدل الستار ليعقب بالغرض المقصود في أنسب موضع من السياق، بلهجة التقرير، وإيقاع التقرير: {ذلك عيسى ابن مريم. قول الحق الذي فيه يمترون. ما كان لله أن يتخذ من ولد. سبحانه. إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون. وإن الله ربي وربكم فاعبدوه. هـذا صراط مستقيم}.. ذلك عيسى ابن مريم، لا ما يقوله المؤلهون له أو المتهمون لأمه في مولده.. ذلك هو في حقيقته وذلك واقع نشأته. ذلك هو يقول قول الحق الذي فيه يمترون ويشكون. يقولها لسانه ويقولها الحال في قصته: {ما كان لله أن يتخذ من ولد} تعالى وتنزه فليس من شأنه أن يتخذ ولداً. والولد إنما يتخذه الفانون للامتداد، ويتخذه الضعاف للنصرة. والله باق لا يخشى فناء، قادر لا يحتاج معيناً. والكائنات كلها توجد بكلمة كن. وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون.. فما يريد تحقيقه يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعين.. وينتهي ما يقوله عيسى ـ عليه السلام ـ ويقوله حاله بإعلان ربوبية الله له وللناس، ودعوته إلى عبادة الله الواحد بلا شريك: {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم}.. فلا يبقى بعد شهادة عيسى وشهادة قصته مجال للأوهام والأساطير.. وهذا هو المقصود بذلك التعقيب في لغة التقرير وإيقاع التقرير. وبعد هذا التقرير يعرض اختلاف الفرق والأحزاب في أمر عيسى فيبدو هذا الاختلاف مستنكراً نابياً في ظل هذه الحقيقة الناصعة: {فاختلف الأحزاب من بينهم}.. ولقد جمع الإمبراطور الروماني قسطنطين مجمعاً من الأساقفة ـ وهو أحد المجامع الثلاثة الشهيرة ـ بلغ عدد أعضائه ألفين ومائة وسبعين أسقفاً فاختلفوا في عيسى اختلافاً شديداً، وقالت كل فرقة فيه قولاً.. قال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء. وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: هو أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن والروح القدس. وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة: الله إله وهو إله وأمه إله. وقال بعضهم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته. وقالت فرق أخرى أقوالاً أخرى. ولم يجتمع على مقالة واحدة اكثر من ثلاث مائة وثمانية اتفقوا على قول. فمال إليه الإمبراطور ونصر أصحابه وطرد الآخرين وشرد المعارضين وبخاصة الموحدين. ولما كانت العقائد المنحرفة قد قررتها مجامع شهدتها جموع الأساقفة فإن السياق هنا ينذر الكافرين الذين ينحرفون عن الإيمان بوحدانية الله، ينذرهم بمشهد يوم عظيم تشهده جموع أكبر، وترى ما يحل بالكافرين المنحرفين: {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم. أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا، لـكن الظالمون اليوم في ضلال مبين. وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون}. ويل لهم من ذلك المشهد في يوم عظيم. بهذا التنكير للتفخيم والتهويل. المشهد الذي يشهده الثقلان: الإنس والجن، وتشهده الملائكة، في حضرة الجبار الذي أشرك به الكفار. ثم يأخذ السياق في التهكم بهم وبإعراضهم عن دلائل الهدى في الدنيا. وهم في ذلك المشهد أسمع الناس وأبصر الناس: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا، لـكن الظالمون اليوم في ضلال مبين}.. فما أعجب حالهم!.. لا يسمعون ولا يبصرون حين يكون السمع والبصر وسيلة للهدى والنجاة. وهم أسمع شيء وأبصر شيء يوم يكون السمع والبصر وسيلة للخزي ولإسماعهم ما يكرهون وتبصيرهم ما يتقون في مشهد يوم عظيم! {وأنذرهم يوم الحسرة}.. يوم تشتد الحسرات حتى لكأن اليوم ممحض للحسرة لا شيء فيه سواها، فهي الغالبة على جوه، البارزة فيه. أنذرهم هذا اليوم الذي لا تنفع فيه الحسرات: {إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون} وكأنما ذلك اليوم موصول بعدم إيمانهم، موصول بالغفلة التي هم فيها سادرون. أنذرهم ذلك اليوم الذي لا شك فيه؛ فكل ما على الأرض ومن على الأرض عائد إلى الله، عودة الميراث كله إلى الوارث الوحيد!: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون}..

ابن عاشور

تفسير : حروف هجاء مرسومة بمسمياتها ومقروءة بأسمائها فكأنها كتبت لمن يتهجاها. وقد تقدم القول في مجموع نظائرها. وفي المختار من الأقوال منها في سورة البقرة وكذلك موقعها من الكلام. والأصل في النطق بهذه الحروف أن يكون كل حرف منها موقوفاً عليه، لأنّ الأصل فيها أنها تعداد حروف مستقلة أو مختزلة من كلمات. وقرأ الجمهور جميع أسماء هذه الحروف الخمسة بإخلاص الحركات والسكون بإسكان أواخر أسمائها. وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب اسمَ الحرف الثاني وهو {ها} بالإمالة. وفي رواية عن نافع وابن كثير قرأ (ها) بحركة بين الكسر والفتح. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي (يا) بالإمالة. وقرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر بإظهار دَال (صاد). وقرأ الباقون بإدغامه في ذال ذكر {أية : ذِكر رحمة ربك }تفسير : [مريم: 2] وإنما لم يمد (ها) و (يا) مع أنّ القارىء إنما ينطق بأسماء هذه الحروف التي في أوائل السور لا بمسمياتها المكتوبة أشكالُها، واسمَا هذين الحرفين مختومان بهمزة مخففة للوجه الذي ذكرناه في طالع سورة يونس وهو التخفيف بإزالة الهمزة لأجل السكت. واعلم أنك إن جريت على غير المختار في معاني فواتح السور، فأما الأقوال التي جعلت الفواتح كلها متحدة في المراد فالأمر ظاهر، وأما الأقوال التي خصت بعضها بمعان، فقيل في معنى {كهيعص} إن حروفها مقتضبة من أسمائه تعالى: الكافي أو الكريم أو الكبير، والهاء من هادي، والياء من حكيم أو رحيم، والعين من العليم أو العظيم، والصاد من الصادق، وقيل مجموعها اسم من أسمائه تعالى، حتى قيل هو الاسم الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وقيل اسم من أسماء القرآن، أي بتسمية جديدة، وليس في ذلك حديث يعتمد.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. كقوله هنا: {كۤهيعۤصۤ} في سورة "هود" فأغنى عن إعادته هنا. وقوله {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} خبر مبتدأ محذوف. أي هذا ذكر رحمة ربك. وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، والأول أظهر. والقول بأنه خبر عن قوله "كهيعص" ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما. وقوله: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} لفظة "ذكر" مصدر مضاف إلى مفعوله. ولفظة "رحمة" مصدر مضاف إلى فَاعله وهو "ربك". وقوله {عبده} مفعول به للمصدر الذي هو "رحمة" المضاف إلى فاعله، على حد قوله في الخلاصة: شعر : وبعد جره الذي أضيف له كمل بنصب أو برفع علمه تفسير : وقوله "زكريا" بدل من قوله "عبده" أو عطف بيان عليه. وقد بين جل وعلا في هذه الآية: أن هذا الذي يتلى في أول هذه السورة الكريمة هو ذكر الله رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفياً أي دعاه في سر وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه يكون دعائه خفياً يدل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحاً به في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}تفسير : [الأنعام: 63] الآية، وقوله تعالى: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}تفسير : [الأعراف: 55]. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. فقول من قال: إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن يلوموه على طلب الولد، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر سنه وسن امرأته، وكونها عاقراً. وقول من قال: إنه أخفاه لأنه طلب أمر دنيوي، فإن أجاب الله دعاءه فيه نال ما كان يريد. وإن لم يجبه لم يعلم ذلك أحد، إلى غير ذلك من الأقوال، كل ذلك ليس بالأظهر. والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء. ودعاء زكريا هذا لم يبين الله في هذا الموضع مكانه ولا وقته، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة "آل عمران" في قوله: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنًّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}تفسير : [آل عمران: 37-38] الآية. فقوله "هنالك" أي في ذلك المكان الذي وجد فيه ذلك الرزق عند مريم. وقال بعضهم: "هنالك" أي في ذلك الوقت، بناء على أن هنا ربما أشير بها إلى الزمان. وقوله في دعائه هذا: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} أي ضعف. والوهن: الضعف. وإنما ذكر ضعف العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن، لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن. وقوله: {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} الألف واللام في "الرأس" قاما مقام المضاف إليه. إذ المراد: واشتعل رأسي شيبا. والمراد باشتعال الرأس شيباً: إنتشار بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه: شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرج الشيب مميزاً، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم الخاطب أنه رأس زكريا. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة - انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مراراً: أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس، باشتعال الرأس شيبا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر: شعر : ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وما أرعويت وشيباً رأسي اشتعلا تفسير : ومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته. شعر : واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضا تفسير : وقوله "شيباً" تمييز محول عن الفاعل في أظهر الأعاريب. خلافاً لمن زعم أنه ما ناب عن المطلق من قوله "واشتعل" لأنه اشتعل بمعنى شاب، فيكون "شيباً" مصدراً منه في المعنى - ومن زعم أيضاً أنه مصدر منكر في موضع الحال. وهذا الذي ذكره الله هنا عن زكرياء في دعائه من إظهار الضعف والكبر جاء في مواضع أخر. كقوله هنا: {أية : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً}تفسير : [مريم: 8]، وقوله في "آل عمران": {أية : وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ}تفسير : [آل عمران: 40] الآية. وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ينبغي للداعي إظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي لم أكن بدعائي إياك شقيا، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، يعني أنك عودتني الإجابة فيما مضى. والعرب تقول: شقى بذلك إذا تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وربما أطلقت الشقاء. على التعب، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117] وأكثر ما يستعمل في ضد السعادة. ولا شك أن إجابة الدعاء من السعادة، فيكون عدم إجابته من الشقاء.

الواحدي

تفسير : {كهيعص} معناه: الله كافٍ لخلقه، هادٍ لعباده، يده فوق أيديهم، عالمٌ ببريَّته، صادقٌ في وعده. {ذكر} هذا ذكر {رحمة ربك عبده زكريا} أَيْ: هذا القول الذي أنزلت عليك ذكر رحمة الله سبحانه عبده بإجابة دعائه لمَّا دعاه، وهو قوله: {إذ نادى ربه} دعا ربَّه {نداءاً خفياً} سرَّاً لم يطَّلعْ عليه غير الله. {قال رب إني وهن} ضعف {العظم مني} أَيْ: عظمي {واشتعل الرأس شيباً} وكثر شيب رأسي جداً {ولم أكن بدعائك} بدعائي إيَّاك {ربِّ شقياً} أَيْ: كنت مستجاب الدَّعوة قد عوَّدتني الإِجابة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- حروف صوتية لبيان أن القرآن المعجز من هذه الحروف، ولتنبيههم فيسمعون. 2- هذا - أيها الرسول - قصص ربك عن رحمته لعبده ونبيه زكريا. 3- حين التجأ إلى الله ودعاه فى خفية عن الناس. 4- فقال: رب إنى قد ضعفت، وشاب رأسى، وكنت بدعائك غير شقى يا رب، بل كنت سعيداً مستجاب الدعوة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: كَهَيَعَص: هذه من الحروف المقطعة تكتب كهيعص وتُقرأ كاف، هاء يا عين صاد. ومذهب السلف أن يقال فيها: الله أعلم بمراده بذلك. ذكر رحمة ربك: أي هذا ذكر رحمة ربك. نادى ربه: أي قال: يا رب ليسأله الولد. نداءً خفيا: أي سر بعداً عن الرياء. وهن العظم مني: أي رق وضعف لكبر سني. واشتعل الرأس شيباً: أي انتشر الشيب في شعر رأسي انتشاراً النار في الحطب. ولم أكن بدعائك رب شقيا: أي إنك لم تخيبني فيما دعوتك فيه قبل فلا تخيبني اليوم فيما أدعوك فيه. وإني خفت الموالي: أي خشيت بني عمي أن يضيعوا الدين بعد موتي. إمرأتي عاقراً: لا تلد واسمها أشاع وهي أخت حنة أم مريم. فهب لي من لدنك ولياً: أي ارزقني من عندك ولداً. ويرث من آل يعقوب: أي جدي يعقوب العلم والنبوة. واجعله رب رضيا: أي مرضياً عندك. سميا: أي مسمى يحيى. معنى الآيات: أما قوله تعالى: كَهَيعص فإن هذا من الحروف المقطعة والراجح أنها من المتشابه الذي نؤمن به ونفوض فهم معناه لمنزله سبحانه وتعالى فنقول: {كۤهيعۤصۤ} الله أعلم بمراده به. وأما قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} فإن معناه: مما تتلو عليك في هذا القرآن يا نبينا فيكون دليلاً على نبوتك ذكر رحمة ربك التي رحم بها عبده زكريا حيث كبرت سنه، وامرأته عاقر لا يولد لها ورغب في الولد لمصلحة الدعوة الإِسلامية إذ لا يوجد من يخلفه فيها إذا مات نظراً إلى أن الموجود من بني عمه ومواليه ليس بينهم كفؤ لذلك بل هم دعاة إلى السوء فنادى ربه نداء خفياً قائلاً: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} أي رق وضعف، {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} أي شاب شعر رأسي لكبر سني، {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي في يوم من الأيام بمعنى أنك عودتني الاستجابة لما أدعوك له ولم تحرمني استجابة دعائي فأشقى به دون الحصول على رغبتي. {وَإِنِّي} يا ربي قد {خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} أن يضيعوا هذه الدعوة دعوة الحق التي هي عبادتك بما شرعت وحدك لا شريك لك، وذلك بعد موتي {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ} أي من عندك تفضلاً به علي إذ الأسباب غير متوفرة للولد: المرأة عاقر وأنا شيخ كبير هرم، {وَلِيّاً} أي ولداً يلي أمر هذه الدعوة بعد وفاتي فيرثني فيها {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} جدي ما تركوه بعدهم من دعوة أبيهم وهي الحنيفية عبادة الله وحده لا شريك له {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} أي واجعل الولد الذي تهبني يا ربي {رَضِيّاً} أي عبداً صالحاً ترضاه لحمل رسالة الدعوة إليك، فأجابه الرب تبارك وتعالى بما في قوله: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي من سمي باسمه يحيى قط. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بإخباره بهذا الذي أخبر به عن زكريا عليه السلام. 2- استحباب السرية في الدعاء لأنه أقرب إلى الاستجابة. 3- وجود العقم في بعض النساء. 4- قدرة الله تعالى فوق الأسباب إن شاء تعالى أوقف الأسباب وأعطى بدونها. 5- تقرير مبدأ أن الأنبياء لا يورثون فيما يخلفون من المال كالشاه والبعير وإنما يورثهم الله أولادهم في النبوة والعلم والحكمة.

القطان

تفسير : كاف. ها. يا. عين. صاد. هكذا تُقرأ. وهي تنبيه للسامعين، وتوجيه لنظرهم. وهَن العظم مني: ضعف ورقّ من الكبر. اشتعل الرأسُ شيبا: صار الشيب كأنه نار، والشَّعر كالحطب، والمقصود أن رأسه شابَ من الكبر. ولم اكنْ بدعائك ربِّ شقيا: وكنت بدعائي لك سعيدا غير شقي، فإنك كنتَ تستجيب لي دائما. الموالي: أقارب الرجل. من ورائي: من بعد موتي. عاقر: لا تلد، ويقال للرجل والمرأة عاقر. وليّا. وراثا. رضيّا: مرضيّا عندك. ذُكر زكريا في القرآن الكريم ثمان مرات: في سورة آل عمران، والانعام، ومريم والأنبياء. ولم يذكر نسب زكريا في القرآن، ولا في كتب الأنبياء عند اهل الكتاب. وكل ما هو معروف أنه من وَلَدِ سليمان بن داود، وكان زوجاً لخالة مريم. وذكر في حديث المعراج ان زكريا ويحيى ابنا خالةٍ وعلى هذا يكون ذلك تجوُّزا. ويحيى بن زكريا عُرف عنه الصلاح وطلبُ العلم منذ صباه، فكان يقضي أكثر أوقاته في البريّة يعيش على العسَل والجراد، حتى حصل على رتبة عالية في الشريعة الموسوية، وأصبح مرجعا مهماً لكلِّ من يَستفتي في أحكامها. {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً}. وكان يحيى على أكملِ أوصاف الصلاح والتقوى، وقد نُبّىء قبل الثلاثين، وكان يدعو الناس الى التوبة من الذنوب، وكان يُعَمِّدُهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا. وهو الذي عمَّدَ المسيح واسمه عندهم "يوحَنّا المَعْمَدان". وكان حاكمُ فلسطين في زمنه "هيرودس" وكانت له بنت أخٍ يقال لها "هيروديا" كانت بارعةَ الجمال، فأراد عمُّها ان يتزوجها. وكانت البنت موافقةً وكذلك أمها، غير ان يحيى لم يرضَ عن هذا الزواج لأنه محرَّم. فاخذت الأُم ابنتَها الى مجلس عمِّها وجعلتها ترقص له، وقالت لها: إذا عَرَضَ عليك شيئا، فاطلبي رأس يحيى. ففعلتْ. ووفّى لها عمّها الحاكمُ بذلك.. قتل يحيى وأحضر لها رأسه على طبق. وبعد ان قُتل يحيى أخذ المسيحُ يَجْهَرُ بدعوته، وقام في الناس واعظاً. {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ.... }. نقصّ عليك أيها الرسول خَبَر رحمتِنا لعبدِنا زكريا حين دعا ربَّه في خفيةٍ عن الناس، فقال: ربِّ إني قد ضعُفت، وشابَ رأسي، وإنك يا ربّ تمنُّ عليَّ دائما وتستجيب دعائي. لذلك فإني سعيدٌ بدعائي لك، ولم أكن به شقيا. لقد خِفتُ بعد موتي ألا يحسن أقاربي القيامَ على امر الدين، وامرأتي عاقر لا تلد، فارزقْني من رحمتِك وفضلِك غلاماً يخلُفُني في قومي، اجعله يا ربّ يرثني في العلم والدِين، ويرِث من آل يعقوب واجعلْه يا رب بَرّاً تقيا مرضيا عندك وعند خلقك. والمراد بالوراثة هنا وراثةُ العلم والدين، لأن الأنبياء لا يُوَرّثِون مالاً ولا عقارا. قراءات: قرأ ابو عمرو والكسائي: يرثْني ويرثْ من آلِ يعقوبَ بجَزْمِ الفِعلين.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - كَافْ. هَا. يَا. عَيْن. صَادْ. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : قوله عزّ وجلّ {كۤهيعۤصۤ} قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها. فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة، وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قَسم أقسم الله تعالى به، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه. أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامدُ بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فى قوله عزّ وجلّ {كۤهيعۤصۤ} قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضاً: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده {ذِكْرُ} رُفِع بكهيعص وإن شئت قلت: هذا ذكر {رَحمة رَبّكَ عَبْدَهُ زَكريا}، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب. وقرأ بعضهم عبده زكريّا بالرفع على أنّ الفعل له {إِذْ نَادَىٰ} دعا {رَبّهُ} فى محرابه حيث يقرب القربان {نداءً خفيّاً} دعاء سرّاً من قومه فى جوف الليل، مخلصاً فيه لم يطلع عليه أحد إّلا الله عزّ وجلّ قال {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ} ضعف {ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} شمطاً، يقول: شخت وضعفت، ومن الموت قربت {ولم أكن بدعائك ربِّ شقياً} يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني. قوله {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي} قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خفت) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الموالي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خفت) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصباً، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أُمّته، فسأل ربّه ولداً صالحاً يأمنه على أُمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} لا تلد {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ} أعطني من عندك {وَلِيّاً} ابناً {يَرِثُنِي وَيَرِثُ} وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّاً وارثاً، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث {مِنْ آلِ يَعْقُوَب} النبّوة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان اخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} أي صالحاً براً تقياً مرضيّاً، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبياً كما جعلت أباه نبيّاً. أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } يقول عند ذلك: "رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة" . تفسير : قوله {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ} فيه اضمار وإختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} ولد ذكر {ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} قال قتادة والكلبي: لم يُسمَّ أحدٌ قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيهاً، ومثله دليله قوله تعالى {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} [مريم: 65] أي مِثلاً وعدلاً، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل: لم يكن له مثل فى أمر النساء لأنه كان سيّداً وحصورا وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولداً، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه. {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً } أي وامرأتي عاقر كقوله {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 29] أي من هو في المهد صبيّ {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} أي يبساً، قال قتادة: نحول العظمْ يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ فى شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أُبيّ وإبن عباس عسيّاً، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عتياً بكسر العين ومثله جثيّاً وصليّاً وبُكيّاً والباقون بالضم فيهما وهما لغتان. {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ}، من قبْل يحيى، {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً} آيةً على حمل امرأتي {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} أي صحيحاً سليماً من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيراً لونه فأنكروه فقالوا له: مالك يا زكريّا؟ فاوحى أي أومى إليهم، ويقال: كتب في الأرض أن سبّحوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكرةً وعشياً والسبحة الصلاة. قوله {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} بجدّ {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ} يعني الفهم {صَبِيّاً} يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صِبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وآتيناه الحكم صبيّا {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب: شعر : تحنّنْ علىَّ هداك المليك فإن لكلّ مقام مقالاً تفسير : أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة: شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : وأصله من حنين الناقة. أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده. وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا} قال: الحنان: المحبّة {وَزَكَاةً} قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص. وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهراً من الذنوب. {وَكَانَ تَقِيّاً} مسلماً مخلصاً مطيعاً. أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدَّثنا أبو الأزهر، حدَّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلاّ قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا ". تفسير : {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} باراً بهما لا يعصيهما {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً} قالا: متكبراً. قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب. {عَصِيّاً} شديد العصيان لربّه. {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّاً. أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الازهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمتُ على نفسي وسلَّم الله عليك.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه خمسة حروف مقطعة، تُنطق باسم الحرف لا بمُسمَّاه، لأن الحرف له اسم وله مُسمَّى، فمثلاً كلمة (كتب) مسماها (كتب)، أما بالاسم فهي كاف، تاء، باء. فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. وفي القرآن الكريم سور كثيرة ابتُدِئَتْ بحروف مُقطعة تُنطق باسم الحرف لا مُسمَّاه، وهذه الحروف قد تكون حَرفاً واحداً مثل: ن، ص، ق. وقد تكون حرفين مثل: طه، طس. وقد تكون ثلاثة أحرف مثل: الم، طسم. وقد تأتي أربعة أحرف مثل: المر. وقد تأتي بخمسة أحرف مثل: كهيعص، حمعسق. لذلك نقول: لا بُدَّ في تعلُّم القرآن من السماع، وإلاَّ فكيف تُفرِّق بين الم في أول البقرة فتنطقها مُقطَّعة وبين {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1] فتنطقها موصولة؟ وصدق الله تعالى حين قال: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ}تفسير : [القيامة: 18]. ونلاحظ في هذه الحروف أنه يَنطِق بالمسمّى المتعلم وغير المتعلم، أما الاسم فلا ينطق به ولا يعرفه إلا المتعلّم الذي عرف حروف الهجاء. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميّاًَ لم يجلس إلى معلم، وهذا بشهادة أعدائه، فمن الذي علمه هذه الحروف؟ إذن: فإذا رأيت هذه الحروف المقطعة فاعلم أن الحق سبحانه وتعالى نطق بها بأسماء الحروف، ونحن نتكلم بمُسمَّيات الحروف لا بأسمائها. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {كۤهيعۤصۤ} [الآية: 1]. قال: كاف من كريم، وهاء من هاد. وعين من عليم. وياء من حكيم. وصاد من صادق. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [الآية: 6]. قال: كان وارثه غلاماً وكان زكريا من ذرية يعقوب.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {وَهَنَ} ضعف يقال وَهَن يهنُ فهو وَاهِنٌ والوهنُ ضعفُ القوة {ٱشْتَعَلَ} الاشتعال انتشار شعاع النار {عَاقِراً} العاقر: التي لا تلد لكبر سنها {عِتِيّاً} العِتيُّ: النهاية في الكبر واليبس والجفاف يقال: عتا الشيخ كبر وولّى قال الشاعر: شعر : إنما يُعذر الوليدُ ولا يُعذر من كان في الزَّمان عِتّياً تفسير : {حَنَاناً} الحنان: الشفقة والرحمةُ والمحبةُ، وأصله من حنين الناقة على ولدها وحنانيْك تريد رحمتك قال طرفة: شعر : أبَا منذر أفنيت فاسْتبق بعضَنا حنانَيْك بعضُ الشر أهونُ من بعض تفسير : {ٱنتَبَذَتْ} ابتعدت وتنحَّت {سَوِيّاً} مستوي الخلقة {ٱلْمَخَاضُ} اشتداد وجع الولادة والطلق {سَرِيّاً} السريُّ: النهر والجدول لأن الماء يسري فيه {فَرِيّاً} الفريُّ: العظيم من الأمر. التفسِير: {كۤهيعۤصۤ} حروفٌ مقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وتقرأ: "كافْ، هَا، يَا، عَيْنْ، صَادْ" {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} أي هذا ذكرُ رحمةِ ربِّك لعبدِهِ زكريا نقصُّه عليك يا محمد {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} أي حين ناجى ربه ودعاه بصوتٍ خفي لا يكاد يسمع قال المفسرون: لأن الإِخفاء في الدعاء أدخلُ في الإِخلاص وأبعدُ من الرياء {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} أي دعا في ضراعة فقال يا رب: لقد ضعف عظمي، وذهبتْ قوتي من الكِبر {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} أي انتشر الشيب في رأسي انتشار النار في الهشيم {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي لم تخيّب دعائي في وقت من الأوقات بل عودتني الإِحسان والجميل فاستجب دعائي الآن كما كنت تستجيبه فيما مضى قال البيضاوي: هذا توسلٌ بما سلف له من الاستجابة، وأنه تعالى عوَّده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حقّ الكريم أن لا يخيَّب من أطمعه {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي} أي خفت بني العم والعشيرة من بعد موتي أن يضيّعوا الدين ولا يُحسنوا وراثة العلم والنبوة {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} أي لا تلد لكبر سنها أو لم تلدْ قطُّ {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} أي فارزقني من محض فضلك ولداً صالحاً يتولاني {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} أي يرثني ويرث أجداده في العلم والنبوة قال البيضاوي: المراد وراثة الشرع والعلم فإِن الأنبياء لا يورّثون المال {وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} أي اجعله يا رب مرضياً عندك قال الرازي: قدًَّم زكريا عليه السلام على طلب الولد أموراً ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفاً، والثاني: أن الله ما ردَّ دعاءه البتة، والثالث: كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين ثم صرَّح بسؤال الولد وذلك مما يزيد الدعاء توكيداً لما فيه من الاعتماد على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} أي نبشرك بواسطة الملائكة بغلامٍ يسمى يحيى كما في آل عمران {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ} تفسير : [آل عمران: 39] {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي لم يسمَّ أحدٌ قبله بيحيى فهو اسم فذٌّ غير مسبوق سمّاه تعالى به ولم يترك تسميته لوالديه وقال مجاهد: ليس له شبيه في الفضل والكمال {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي كيف يكون لي غلام؟ وهو استفهام تعجب وسرور بالأمر العجيب {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} أي والحال أن أمرأتي كبيرة السن لم تلد في شبابها فكيف وهي الآن عجوز!! {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} أي بلغتُ في الكبر والشيخوخة نهاية العمر قال المفسرون: كان قد بلغ مائةً وعشرين سنة، وامرأتهُ ثمانٍ وتسعين سنة، فأراد أن يطمئنَّ ويعرف الوسيلة التي يرزقه بها هذا الغلام {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي قال الله لزكريا: هكذا الأمر أخلقه من شيخين كبيرين، وخلقه وإيجادُه سهلٌ يسيرٌ عليَّ {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} أي كما خلقتُك من العدم ولم تكُ شيئاً مذكوراً فأنا قادر على خلق يحيى منكما قال المفسرون: ليس في الخلق هينٌ وصعبٌ على الله، فوسيلة الخلق للصغير والكبير، والجليل والحقير واحدةٌ {كُن فَيَكُونُ} وإِنما هو أهونُ في اعتبار الناس، فإِن القادر على الخلق من العدم قادرٌ على الخلق من شيخين هرمين {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً} أي اجعل لي علامة تدل على حمل امرأتي {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} أي علامتك ألا تستطيع تكليم الناس ثلاثة أيام بلياليهن وأنت سويُّ الخلق ليس بك خرسٌ ولا علة قال ابن عباس: اعتُقِل لسانه من غير مرض وقال ابن زيد: حُبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً وهو مع ذلك يسبح ويقرأ التوراة لم يكن الإِنجيل ظهر بعد لأن هذا قبل ولادة عيسى عليه السلام فإِذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي أشرف عليهم من المصلّى وهو بتلك الصفة {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أي أشار إلى قومه بأن سبّحوا الله في أوائل النهار وأواخره، وكان كلامه مع الناس بالإِشارة لقوله تعالى في آل عمران {أية : قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً} تفسير : [آل عمران: 41] {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} في الكلام حذفٌ والتقدير فلما ولد يحيى وكبر وبلغ السنَّ الذي يؤمر فيه قال الله له: يا يحيى خذ التوراة بجدٍ واجتهاد {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} أي أعطيناه الحكمة ورجاحة العقل منذ الصغر، روي أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعبُ فقال لهم: ما للَّعب خُلقت، وقيل: أعطي النبوة منذ الصغر والأول أظهر قال الطبري: المعنى أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه سن الرجال {وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً} أي فعلنا ذلك رحمة منا بأبويه وعطفاً عليه وتزكيةً له من الخصال الذميمة {وَكَانَ تَقِيّاً} أي عبداً صالحاً متقياً لله، لم يهمَّ بمعصيةٍ قط قال ابن عباس: طاهراً لم يعمل بذنب {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً} أي جعلناه باراً بأبيه وأمه محسناً إليهما ولم يكن متكبراً عاصياً لربه {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} أي سلام عليه من الله من حين مولده إلى حين مبعثه، في يوم ولادته وفي يوم موته ويوم يُبعث من قبره قال ابن عطية: حيَّاه في المواطن التي يكون الإِنسان فيها في غاية الضعف، والحاجة، والافتقار إلى الله {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ} هذه هي القصة الثانية في هذه السورة وهي أعجب من قصة "ميلاد يحيى" لأنها ولادة عذراء من غير بعل، وهي أغرب من ولادة عاقرٍ من بعلها الكبير في السن والمعنى اذكر يا محمد قصة مريم العجيبة الغريبة الدالة على كمال قدرة الله {إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} أي حين تنحَّتْ واعتزلت أهلها في مكان شرقيَّ بيت المقدس لتتفرغ لعبادة الله {فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} أي جعلت بينها وبين قومها ستراً وحاجزاً {فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} أي أرسلنا إليها جبريل عليه السلام {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} أي تصوَّر لها في صورة البشر التام الخلقة قال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعْدَ الشعر مستوى الخلقة قال المفسرون: إِنما تمثل لها في صورة الإِنسان لتسأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرتْ ولم تقدر على السماع لكلامه، ودلَّ على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة في الحسن {قَالَتْ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} أي فلما رأته فزعت وخشيتْ أن يكون إنما أرادها بسوء فقالت: إني أحتمي وألتجئ إلى الله منك، وجواب الشرط محذوفٌ تقديره إن كنت تقياً فاتركني ولا تؤذني {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} أي قال لها جبريل مزيلاً لما حصل عندها من الخوف: ما أنا إلا ملَكٌ مرسلٌ من عند الله إليك ليهبَ لك غلاماً طاهراً من الذنوب {قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} أي كيف يكون لي غلام؟ وعلى أيّ صفةٍ يوجد هذا الغلام مني؟ {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي ولستُ بذاتِ زوج حتى يأتيني ولد ولستُ بزانية {قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي كذلك الأمر حكم ربُّك بمجيء الغلام منك وإِن لم يكن لك زوج، فإِنَّ ذلك على الله سهل يسير {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا} أي وليكون مجيئه دلالةً للناس على قدرتنا العجيبة ورحمة لهم ببعثته نبياً يهتدون بإرشاده {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} أي وكان وجوده أمراً مفروغاً منه لا يتغّير ولا يتبدل لأنه في سابق علم الله الأزلي {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} انتهى الحوار بين الروح الأمين ومريم العذراء قال المفسرون: إن جبريل نفخ في جيب درعها فدخلت النفخة في جوفها فحملت به وتنحت إلى مكان بعيد ومعنى الآية أنها حملت بالجنين فاعتزلت - وهو في بطنها - مكاناً بعيداً عن أهلها خشية أن يعيرّوها بالولادة من غير زوج {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} أي فألجأها ألم الطَّلق وشدة الولادة إلى ساق نخلةٍ يابسة لتعتمد عليه عند الولادة {قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} أي قالت يا ليتني كنت قد مِتُّ قبل هذا اليوم وكنت شيئاً تافهاً لا يُعرف ولا يُذكر قال ابن كثير: عرفت أنها ستُبتلى وتُمتحن بهذا المولود فتمنت الموت لأنها عرفت أن الناس لا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدةً ناسكة تصبح عاهرة زانية ولذلك قالت ما قالت {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي} أي فناداها الملك من تحت النخلة قائلاً لها: لا تحزني لهذا الأمر {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} أي جعل لك جدولاً صغيراً يجري أمامك قال ابن عباس: ضرب جبريل برجله الأرض فظهرت عين ماءٍ عذب فجرى جدولاً {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} أي حركي جذع النخلة اليابسة {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} أي يتساقط عليك الرُّطب الشهيُّ الطريُّ قال المفسرون: أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع بعد رؤيتها عين الماء العذب الذي جرى جدولاً، وذلك ليسكن ألمها وتعلم أن ذلك كرامةً من الله لها {فَكُلِي وَٱشْرَبِي} أي كلي من هذا الرطب الشهي، واشربي من هذا الماء العذب السلسبيل {وَقَرِّي عَيْناً} أي طيبي نفساً بهذا المولود ولا تحزني {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً} أي فإِن رأيتِ أحداً من الناس وسألكِ عن شأن المولود {فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أي نذرت السكوتَ والصمت لله تعالى {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} أي لن أكلّم أحداً من الناس.. أُمِرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها ولدها ذلك فتكون آية باهرة {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} أي أتتْ قومها بعد أن طهرت من النفاس تحمل ولدها عيسى على يديها {قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} أي فلما رأوها وابنها أعظموا أمرها واستنكروه وقالوا لها: لقد جئتِ شيئاً عظيماً مُنكراً {يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ} أي يا شبيهة هارون في الصلاح والعبادة ما كان أبوك رجلاً فاجراً {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} أي وما كانت أمكِ زانية فكيف صدر هذا منك وأنت من بيتٍ طاهر معرفٍ بالصلاح والعبادة؟ قال قتادة: كان هارون رجلاً صالحاً في بني إسرائيل مشهوراً بالصلاح فشبهوها به، وليس بهارون أخي موسى لأن بينهما ما يزيد على ألف عام وقال السهيلي: هارون رجل من عُباد بني إسرائيل المجتهدين كانت مريم تُشبّه به في اجتهادها وليس بهارون أخي موسى بن عمران فإِن بينهما دهراً طويلاً {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي لم تجبهم وأشارت إلى عيسى ليكلموه ويسألوه {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً} أي قالوا متعجبين: كيف نكلم طفلاً رضيعاً لا يزال في السرير يغتذي بلبان أُمه؟ قال الرازي: روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وكلمهم، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان {قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ} أي قال عيسى في كلامه حين كلمهم: أنا عبدٌ لله خلقني بقدرته من دون أب، قدّم ذكر العبودية، ليُبطل قول من ادّعى فيه الربوبية {آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} أي قضى ربي أن يؤتيني الإِنجيل ويجعلني نبياً، وإِنما جاء بلفظ الماضي لإِفادة تحققه فإِن ما حكم به الله أزلاً لا بدَّ إلا أن يقع {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} أي جعل فيَّ البركة والخير والنفع للعباد حيثما كنت وأينما حللت {وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} أي أوصاني بالمحافظة على الصلاة والزكاة مدة حياتي {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} أي وجعلني باراً بوالدتي محسناً لها {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} أي ولم يجعلني متعظماً متكبراً على أحد شقياً في حياتي {وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} أي سلام الله عليَّ في يوم ولادتي، وفي يوم مماتي، وفي يوم خروجي حياً من قبري، هذا ما نطق به المسيح عليه السلام وهو طفل رضيع في المهد.. وهكذا يعلن عيسى عبوديته لله، فليس هو إلهاً، ولا ابن إله، ولا ثالث ثلاثة كما يزعم النصارى، إِنما عبدٌ ورسول، يحيا ويموت كسائر البشر، خلقه الله من أُم دون أب ليكون آية على قدرة الله الباهرة، ولهذا جاء التعقيب المباشر {ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ} أي ذلك هو القول الحقُّ في عيسى بن مريم لا ما يصفه النصارى من أنه ابن الله، أو اليهود من أنه ابن زنى ويشكّون في أمره ويمترون {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ} أي ما ينبغي لله ولا يجوز له أن يتخذ ولداً {سُبْحَانَهُ} أي تنزَّه الله عن الولد والشريك {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} أي إِذا أراد شيئاً وحكم به قال له كنْ فكان، ولا يحتاج إلى معاناةٍ أو تعب، ومن كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ قال المفسرون: وهذا كالدليل لما سبق كأنه قال: إن اتخاذ الولد شأن العاجز الضعيف المحتاج الذي لا يقدر على شيء، وأما القادر الغني الذي يقول للشيء {كُن فَيَكُونُ} فلا يحتاج في اتخاذ الولد إلى إِحبال الأنثى وحيث أوجده بقوله {كُن} لا يسمى ابناً له بل هو عبده، فهو تبكيتٌ وإِلزام لهم بالحجج الباهرة {وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي وممّا أمرَ به عيسى قومَه وهو في المهد أن أخبرهم أن الله ربه وربهم فليفردوه بالعبادة هذا هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} أي اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى وصاروا أحزاباً متفرقين، فمنهم من يزعم أنه ابن الله، ومنهم من يزعم أنه ابن زنى {فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي ويلٌ لهم من المشهد الهائل ومن شهود هول الحساب والجزاء {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} أي ما أسمعهم وأبصرهم في ذلك اليوم الرهيب {لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي لكنْ الظالمون في هذه الدنيا في بعدٍ وغفلة عن الحق واضح جلي {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ} أي أنذر الخلائق وخوّفهم يوم القيامة يوم يتحسر المسيء إذ لم يُحسن، والمقصر إذ لم يزدد من الخير {إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي قُضي أمرُ الله في الناس، فريقٌ في الجنة وفريق في السعير {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} أي وهم اليوم في غفلةٍ سادرون {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي لا يصدقون بالبعث والنشور {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} أي نحن الوارثون للأرض وما عليها من الكنوز والبشر {وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} أي مرجع الخلائق ومصيرهم إلينا للحساب والجزاء. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي: 1- الكناية {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} كناية عن ذهاب القوة وضعف الجسم. 2- الاستعارة {ٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} شبّه انتشار الشيب وكثرته باشتعال النار في الحطب واستعير الاشتعال للانتشار واشتق منه اشتعل بمعنى انتشر ففيه استعارة تبعية. 3- الطباق بين {وُلِدَ.. ويَمُوتُ}. 4- جناس الاشتقاق {نَادَى&#1648.. نِدَآءً}. 5- الكناية اللطيفة {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} كناية عن المعاشرة الزوجية بالجماع. 6- صيغة التعجب {أَسْمِعْ.. وَأَبْصِرْ}. 7- السجع {سَرِيّاً}، {بَغِيّاً}، {صَبِيّاً}، {نَبِيّاً} وهو من المحسنات البديعة. تنبيه: في يوم القيامة تشتد الحسرات حتى لكأن اليوم ممحض للحسرة لا شيء فيه سواها، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النار، يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون - أي يمدون أعناقهم - وينظرون ويقولون نعم هذا الموت، ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ..} الآية ".

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد الواسطي عن الإِمام زيد بن علي عليهما السلام في قولهِ تعالى: {كۤهيعۤصۤ} الكافُ من كريمٍ، والهاءُ من هادٍ، والياءُ من حكيمٍ ويقالُ مِن يُجيرُ وَلا يُجار عليه، والعينُ من عليمٍ، والصَّادُ من صادقٍ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * كۤهيعۤصۤ} الآية هذه السورة مكية كالسورة التي قبلها وقال مقاتل: إلا آية السجدة فهي مدنية ونزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة * ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى ضمن السورة التي قبلها قصصاً عجباً كقصة أهل الكهف وقصة الرجلين وقصة موسى مع الخضر وقصة ذي القرنين وهذه السورة تضمنت قصصاً عجباً من ولادة يحيى بين شيخ فان وعجوز عاقر وولادة عيسى من غير أب فلما اجتمعا في هذا الشىء المغرب ناسب ذكر هذه الآية بعد تلك وتقدم الكلام في أول البقرة على الحروف المقطعة التي في فواتح السور بما يوقف عليه هناك وذكر خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلوّ من القرآن ذكر وقرىء: ذكر فعلاً ماضياً رحمة بالنصب وقرىء: ذكر فعل أمر من التذكير رحمة بالنصب وعبده نصب بالرحم أي: ذكر أن رحمة ربك عبده وذكر في السبعة كما تقدم * ورحمة مصدر لا يراد بها أنها واحدة من الرحمات لأنه إذ ذاك لا ينصب المفعول لا يجوز أن تقول أعجبني ضربه زيد عمراً لأنه إذ ذاك محدود بالوحدة فلا يعمل. و{زَكَرِيَّآ} بدل أو عطف بيان وإذ ظرف العامل فيه ذكر أو رحمة ووصف النداء بالخفي لئلا يخالطه رياء وقيل غير ذلك. {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} هذه كيفية دعائه وتفسير ندائه ومعناه ضعف وأسند الوهن إلى العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه فإِذا وهن تداعى وسقطت قوته وقرىء: وهن بفتح الهاء وكسرها. {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وفشوه فيه ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأسه وإلى هذا نظر ابن دريد فقال: شعر : واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضا تفسير : {وَلَمْ أَكُنْ} يغني فيما مضى أي ما كنت. {بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} بل كنت سعيداً موفقاً إذ كنت تجيب دعائي فأسعد بذلك فعلى هذا الكاف مفعول وقيل المعنى بدعائك لي إلى الإِيمان شقياً بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً فالكاف على هذا فاعل والأظهر الأول وروي أن حاتماً الطائي أتاه طالب حاجة فقال: أنا الذي أحسنت إليك وقت كذا فقال: مرحباً بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته. {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآءِى} الموالي بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب*. وقال الشاعر: شعر : مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً تفسير : والأظهر اللائق بزكريا من حيث هو معصوم أنه لا يطلب الولد لأجل ما يخلفه من حطام الدنيا وكذلك قول من قال إنما خاف أن تنقطع النبوة من ولده وترجع إلى عصبته لأن ذلك إنما هو لله يضعها الله حيث شاء ولا يعترض على الله فيمن شاؤه ويصطفيه من عباده وقرىء: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ} بجزمهما جواباً للأمر وهو هب وبرفعهما على الصفة لقوله: ولياً والظاهر أن الإِرث يكون في العلم والدين والظاهر أن يعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم. و{رَضِيّاً} بمعنى مرضي. {يٰزَكَرِيَّآ} أي قيل له بأثر الدعاء والمنادي والمبشر لزكريا هم الملائكة بوحي من الله تعالى قال تعالى: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}تفسير : [آل عمران: 39] الآية والغلام الولد الذكر وقد يقال على الأنثى غلامه والظاهر أن يحيى ليس عربياً لأنه لم يكن عادتهم أن يسموا بألفاظ العربية فيكون منعه الصرف للعلمية والعجمة. {مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي من قبل ولادته من تسمى باسمه بل هو منفرد بتسمية يحيى وأنى بمعنى كيف وتقدم الكلام عليها في قوله: قال رب أنى يكون لي غلام في آل عمران والقي المبالغة في الكبر ويبس العود يقال عتا العود وعسا يبس وجسا. {قَالَ كَذٰلِكَ} أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ. {قَالَ رَبُّكَ} فالكاف رفع أو نصب بقال وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} وهو ضمير معناه إيجاده عليّ هين. {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} أي من قبل ولادة يحيى يشير إلى عظيم قدرته. {تَكُ شَيْئاً} أي في حيز العدم والمعدوم لا يسمى شيئاً. {قَالَ} أي زكريا. {رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً} أي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به وطلب ذلك ليزداد يقينه كما قال إبراهيم ولكن ليطمئن قلبي لا لتوقف منه صدق ما وعد به ولا لتوهم أن ذلك من عند غير الله لعصمة الأنبياء عن مثل ذلك قال: آيتك روي ابن زيد أنه لما حملت زوجته بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحداً ومع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله فإِذا أراد مقاولة أحد لم يطقه. و{سَوِيّاً} حال من ضمير ألا تكلم أي في حال صحتك ليس بك خرس ولا علة وعن ابن عباس سوياً عائد على الليالي أي كاملات مستويات فيكون صفة لثلاث وذكر الليالي هنا والأيام في آل عمران على أن المنع من الكلام استمر له ثلاثة أيام بلياليهن وقرىء: ألا تكلم بالرفع جعلها أن المخففة من الثقيلة التقدير أنه لا يكلم وقرىء: بالنصب على أنها الناصبة للمضارع. {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي وهو بتلك الصفة من كونه لا يستطيع أن يكلم الناس ومحرابه موضع مصلاه والمحراب تقدم الكلام عليه في آل عمران. {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} أي أشار إليهم ويشهد له قوله: إلا رمزاً. {يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} في الكلام حذف والتقدير فلما ولد يحيى وكبر وبلغ السن الذي يؤمر فيه قال الله تعالى له على لسان ملك يا يحيى خذ الكتاب ويدل عليه قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} والكتاب التوراة * قال ابن عطية: هو التوراة بلا خلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإِنجيل موجوداً "انتهى" ليس كما قال بل قيل انه كتاب خص به كما خص كثير من الأنبياء بمثل ذلك وقيل الكتاب هنا اسم جنس أي اتل كتاب الله تعالى وقيل الكتاب صحف إبراهيم والحكم النبوة وصبياً أي شاباً لم يبلغ سن الكهولة وعن ابن عباس في حديث مرفوع ابن سبع سنين. {وَحَنَاناً} معطوف على الحكم والحنان الرحمة قاله ابن عباس * قال أبو عبيدة: شعر : تحنن على هواك المليك فإِن لكل مقام مقالا تفسير : قال وأكثر ما يستعمل مثنى كما قال الشاعر: شعر : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض تفسير : {وَزَكَاةً} أي طهارة. {وَكَانَ تَقِيّاً} قل قتادة: لم يهم قط بكبيرة ولا صغيرة ولا هم بامرأة. {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ} أي كثير البر والإِكرام والتبجيل. {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً} أي منكراً عصياً أي كثير العصيان. {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ} أي أمان عليه والأظهر أنها التحية المتعارفة وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإِنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى. {وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ} الآية لما تقدم قصة زكريا مع ما فيها من الغرابة أعقب بما هو أغرب منها وهو وجود ولد من غير ذكر وإذ ظرف لما معنى لا يعمل فيه أذكر لأنه مستقبل بل التقدير واذكر ما جرى لمريم وقت كذا. {ٱنتَبَذَتْ} افتعل من نبذ ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت وانتصب مكاناً على الظرف أي في مكان ووصف بشرقي لأنه كان مما يلي بيت المقدس. {حِجَاباً} أي حائطاً أو لشىء يسترها والظاهر أن الروح هو جبريل وانتصب بشراً على أنه حال ووصفه بقوله: سوياً أي كامل الصورة حسن الأعضاء وضيء الوجه وإنما مثله لها في صورة الإِنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على السماع لكلامه ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن وكان تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها وسبراً لعفتها وجواب أن في قوله: إن كنت محذوف تقديره ان كنت تقياً فاذهب عني. {قَالَ} أي جبريل. {إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ} الناظر في مصلحتك والمالك لأمرك وهو الذي استعاذت به وقوله لها ذلك تطمين لها واني لست ممن يظن به ريبة أرسلني إليك. {لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً} وقرىء: ليهب بالياء وفيه ضمير يعود على الله تعالى وقرىء: بالهمز أسند الهبة إلى نفسه على سبيل المجاز إذ الواهب هو الله تعجبت مريم وعلمت بما ألقى في روعها أنه من عند الله وتقدم الكلام على سؤالها عن الكيفية في آل عمران في قصتها وفي قولها ولم أك بغياً تخصيص بعد تعميم لأن مسيس البشر يكون بسفاح أو بنكاح والبغي المجاهرة المشتهرة في الزنا ووزنه فعول اجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبل الياء لتصح الياء. {قَالَ كَذٰلِكَ} الكلام عليه كالكلام السابق في قصة زكريا. {وَلِنَجْعَلَهُ} يحتمل أن يكون معطوفاً على تعليل محذوف تقديره لنبين به قدرتنا ولنجعله أو محذوف متأخر أي فعلنا ذلك والضمير في ولنجعله عائد على الغلام وكذلك في قوله وكان أي وجوده أمراً مفروغاً وكونه رحمة من الله أي طريق هدى لعالم كثير فينالون الرحمة بذلك. {فَحَمَلَتْهُ} أي في بطنها وذكروا أقوالاً كثيرة مضطربة في مدة الحمل. {مَكَاناً قَصِيّاً} أي مكاناً بعيداً. {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ} أي ساقها المخاض وهو الطلق بالألم الذي يلحقها لانزعاج الولد في بطنها للخروج فأجاءها أي جاء بها تعدى جاء تارة بالباء وتارة بالهمز قال الزمخشري إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإِلجاء ألا تراك لا تقول جئت المكان وأجاء فيه كما تقول بلغنيه وأبلغنيه ونظيره أتى حيث لم تستعمل في الاعطاء ولم تقل آتيت المكان وآتانيه فلان "انتهى" أما قوله: وقول غيره ان الاستعمال غيره إلى معنى الإِلجاء فيحتاج إلى نقل الأئمة المستقرئين ذلك على لسان العرب والإِجاءة تدل على المطلق فيصلح لما هو بمعنى الإِلجاء ولما هو بمعنى الاختيار كما لو قلت أقمت زيداً فإِنه قد يكون مختاراً لذلك وقد تكون قد فسرته على القيام وأما قوله له: ألا تراك إلى آخره فمن رأى أن التعدية بالهمزة قياس أجاز ذلك ولو لم يسمع ومن لا يراه قياسا فقد سمع ذلك في جاء حيث قالوا أجاء فيجيز ذلك وأما تنظيره ذلك بآتي فهو تنظير غير صحيح لأنه بناه على أن الهمزة فيه للتعدية وأن أصله أأتى وليس كذلك بل آتى مما بني على أفعل فليس منقولاً من أتى بمعنى جاء إذ لو كان منقولاً من أتى المتعدية لواحد لكان ذلك الواحد هو المفعول الثاني والفاعل هو الأول إذا عديت بالهمزة تقول آتى المال زيداً وآتي زيد عمراً المال فيختلف التركيب بالتعدية لأن زيداً عند النحويين هو المفعول الأوّل والمال هو المفعول الثاني وعلى ما ذكره الزمخشري يكون العكس فدل ذلك على أنه ليس ما قاله وأيضاً فأتى مرادف لأعطى فهو مخالف من حيث الدلالة في المعنى وقوله: ولم يقل أتيت المكان وآتانيه هذا غير مسلم بل يقال أتيت المكان كما تقول جئت المكان وقال الشاعر: شعر : أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا صباحاً تفسير : ومن رأى النقل بالهمزة قياساً قال آتانيه * والمستفيض المشهور أن ميلاد عيسى كان ببيت لحم وأنها لما هربت وخافت عليه أسرعت به وجاءت به إلى بيت المقدس فوضعته على صخرة فانخفضت له وصارت كالمهد وهي الآن تزار بحرم بيت المقدس ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمدته فيه وهو الذي يتخذه النصارى ويسمونه يوم الغطاس وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست فلذلك يغطسون في ذلك اليوم في كل ماء. {إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ} استندت إلى الجذع إذ لم يكن وراءها امرأة تشددها كعادة النساء عند الوضع ذكروا في هذا الجذع أقوالاً مضطربة والظاهر أنها نخلة عادتها أن تثمر وترطب فلما اشتد بها الأمر هناك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام قالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه. {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها السوء في دينها * والنسى الشىء الحقير الذي من شأنه أن ينسى فلا يتألم لفقده كالوتد والحبل للمسافر وخرقه الطمث ونسي فعل بمعنى مفعول كالطحن بمعنى مطحون ورعي بمعنى مرعي وأكد ذلك بقوله: منسياً لاختلاف صورتي التركيب والظاهر أن المنادى هو عيسى عليه السلام أي فولدته فأنطقه الله * وناداها أي حالة الوضع وقيل جبريل عليه السلام وكان في بقعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت عليها وقيل وكان يقبل الولد كالقابلة وقرىء: من تحتها فقيل عيسى وقيل جبريل فمن موصولة فعلى هذا يكون المنادى عيسى صلى الله عليه وسلم وأن حرف تفسير.

الجيلاني

تفسير : {كۤهيعۤصۤ} [مريم: 1] يا كافي مهام جميع الأنام، وهاديهم إلى دار السلام بيد القدرة العلية الصادرة عنك نيابةً عنا. هذه السورة: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ} الذي ربَّاك كافياً هداياً للمضلين ينبوعاً للعلوم الصافية اللدنية الجارية من قبلك على لسانك بمقتضى الوحي الإلهي والإلهامات الغيبية {عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم:2] المتوجه نحوه في السراء والضراء، المسترجع إليه عند هجوم البلاء وحلول العناء. اذكر وقت {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} نداء مؤملٍ ضريع، وناجى معه مناجاة ما يؤنس فجيعٍ {نِدَآءً خَفِيّاً} [مريم: 3] متمنياً متحسراً، آمراً في ندائه ليأسه وقنوطه؛ لانقضاء وقت الولد وأوانه؛ لئلا يُلام عند الناس لطلب الولد وقت الهرم من كلا الجنابين. حيث {قَالَ} مشتكياً إلى الله باثاً شكواه عنده سبحانه: {رَبِّ} يا من ربَّاني بأنواع اللطف والكرم {إِنَّي} من غاية ضعفي، ونهاية هزالي ونحولي {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} أي: ضعفت دعائم جسمي وقوائم بدني، وأشرفت على الانهدام والانصرام {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} أي: اشتعل شبيب رأسي، وذهب سواده، وانقلب إلى البياض المشعر بالانقضاء والزوال، مثل ابيضاض النباتات وقت الخريف {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ} أي: لم أكن في كل حالٍ بدعائي إياك {رَبِّ شَقِيّاً} [مريم: 4] خائباً خاسراً مردوداً، بل عودتني بفضلك وجودك بالإجابة والإنجاح، وهذا الدعاء وإن كان أبعدَ بحسب العادة من الإجابة إلاَّ أنه بالنسبة إلى قدرتك وجودك أقرب، ويجنب حولك وقوتك أسهلُ وأيسرُ، سيما ألهمتني به ووفقتني على إظهاره. {وَإِنِّي} يا ربّ {خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} أي: ن أبناء أعمامي الذين يترصدون الولاية والحبورة {مِن وَرَآءِى} وبعد انقراضي وانقضائي أن يغيروها ويضيعوها، ويحرفوا مَعَالم الدين وشعائر الإسلام بين المسلمين؛ إذ لا يرجى منهم الرشد والصلاح، والخير والفلاح، وأنت أعلم بحالهم مني يا رب، وليس لي ولد صالح يخلفني بعدي، ولم يبقَ لي قوة الاستيلاد لهرمي وضعفي {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} عقيماً أصلياً لم تلد قط، فلا مرجع لي في أمري سوى بدائع صنعتك، وغرائب قدرتك {فَهَبْ لِي} بمقتضى فضلك وجودك {مِن لَّدُنْكَ} لا على طريق العادة ومقتضى الأسباب الصوري ولداً {وَلِيّاً} [مريم: 5] يولي أمر دين بني أمتي. بحيث: {يَرِثُنِي} عني نبوتي وحبورتي وولايتي، وجيمع ما أنزلت عليّ خاصةً من مقتضيات إحسانك إليّ وإنعامك عليَّ {وَيَرِثُ} أيضاً {مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ما بقي منهم من شعائر الدين ومعالم الهدى واليقين، قيل: كان زكريا أخا يعقوب بن إسحاق، {وَ} بالجملة: {ٱجْعَلْهُ رَبِّ} بمقتضى كرمك وجودك {رَضِيّاً} [مريم: 6] راضياً عنك بجميع ما جرى عليه من قضائك، صابراً على نزول عموم بلائك، شاكراً على نعمائك مرضياً عندك وعند عموم عبادك. ثم لما اشتكى عنده سبحانه بما اشتكى، ودعا ما دعا أجاب سبحانه دعاءه، وأسرع إجابته منادياً له على سبيل الترحم والتفضل: {يٰزَكَرِيَّآ} المتضرع المناجي إلينا، المستدعي منا خلفاً يخلفك ويحيي اسمك {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا {نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ} يولد منك ومن زوجتك العقيمة العاقرة {ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} ليحيي مراسم دينك وشرعك وحبورتك مع أنه {لَمْ نَجْعَل} ولم نخلق {لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] بهذا الاسم. بهل هو أول من سمّي به. سمع زكريا البشارة من قبل الحق، {قَالَ} على سبيل الفرح وبسط الكلام معه سبحانه، وإن كان جميع أحواله حاصلاً عنده سبحانه على التفصيل حاصلاً حاضراً لديه مستبعداً مستغرباً: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ} في سني هذا وضعفي ونحولي {وَ} قد {كَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} جِبلِّياً {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ} والكهولة والهرم {عِتِيّاً} [مريم: 8] يبساً؛ بحيث لا يبقى على رطوبةٍ في مفاصلي وأركان بدني وقوائم جسمي؟!. {قَالَ} سبحانه: يا زكريا لا تستبعد من قدرتنا أمثال هذا بل {كَذٰلِكَ} أي: مثل ذلك قدّرنا لك أبناً بأن تكون باقياً على كبرك وهرمك، وزوجتك أيضاً على هرمها وعقرها، نخرج ونوجد منكما الولد إظهاراً لقدرتنا الكاملة وأمثال هذا وإن كان عسر عادةً، علينا يسيرُ وفي جانب قدرتنا سهلُ يا زكريا. كذلك {قَالَ رَبُّكَ} اسمع قوله: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: إخراج الولد منك ومن زوجتك عليّ سهلُ يسيرُ وفي جنب حولي وقوتي حقيرُ {وَ} كيف لا يكون سهلاً إني {قَدْ خَلَقْتُكَ} وقدَّرت وجودك فيما مضى من العدم {مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] ولا مسبوقاً بشيءٍ، بل أوجدتك إيجاداً إبداعياً، وأظهرتك من كتم العدم إظهاراً إختراعياً بلا سبق مادةٍ ومدةٍ وسببٍ وعادةٍ، وهذا هينُ بالنسبة إلى ذاك. ثم لما تفطن زكريا بإنجاح مطلوبه، أخذ يطلب العلامة والأمارة لحمل امرأته؛ حيث: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ} بفضلك {آيَةً} علامةً دالةً على حمل امرأتي {قَالَ} سبحانه {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} أي: لا تقدر على المقاولة والمكالمة {ثَلاَثَ لَيَالٍ} مع نهارها لا عن عروضٍ عارضةٍ ولحوق مرضٍ وخرسٍ بل كنت {سَوِيّاً} [مريم: 10] صحيحاً سالماً عن جميع الأسقام، غير أن اشتغالك بالحق شعلك عن الخلق؛ بحيث لا تطيق التكلم معهم في المدة المذكورة إلا رمزاً وإشارة إيماء. ثم لما دنا وقت الحمل ولاحت أماراته {فَخَرَجَ} صبيحة {عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي: الحجرة التي هو فيها في خلوته للصلاة على عادته المستمرة، وكان من عادته أن يأمرهم في كل صبيحة خرج عليهم بالصلاة والدعاء والخشوع والتوجه {فَأَوْحَىٰ} أي: أومأ وأشار {إِلَيْهِمْ} بلا قدرةٍ على النطق والتكلم {أَن سَبِّحُواْ} ربكم ونزهوه عما لا يليق بجنابه {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} [مريم: 11] أي: في الصبيحة التي أنتم فيها والبكرة التي ستجيء إلى العشية الآتية وإلى الصبحة بعده، أوصاهم كل يوم بذلك على الدوام، وفي تلك المدة ما قدر على التكلم لذلك أشار وأومأ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {كۤهيعۤصۤ } [مريم: 1] إلى قوله: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} [مريم: 7] إشارة إلى البشارات: * منها: إنه تعالى يناديه باسمه زكريا وهذه كرامة منه في حقه. * ومنها: إنه كان مبشراً له بلا واسطة ملك مقرب أو نبي مرسل. * ومنها: إنه بشره بإجابة دعائه حين قال: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} [مريم: 5]. * ومنها: إنه استدعى ولداً وليّاً فأعطاه ولداً نبيّاً. * ومنها: إنه أعطاه غلاماً ولم يعطه بنتاً، فإنه {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} تفسير : [الشورى: 49]. * ومنها: إنه سماه يحيى {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] بالصورة والمعنى؛ أمَّا بالصورة: فظاهر، وأمَّا بالمعنى: فإنه ما كان محتاجاً إلى شهوة من غير علة، ولم يهم إلى معصية قط، وما خطر بباله همها كما أخبر عن حال النبي. وفي قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} [مريم: 7] إشارة إلى: إنه تعالى يتولى بتسمية كل إنسان قبل خلقه وما سمي أحد إلا بإلهام الله، كما أن الله ألهم عيسى عليه السلام باسم نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} تفسير : [الصف: 6].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هذا { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } سنقصه عليك، ونفصله تفصيلا يعرف به حالة نبيه زكريا، وآثاره الصالحة، ومناقبه الجميلة، فإن في قصها عبرة للمعتبرين، وأسوة للمقتدين، ولأن في تفصيل رحمته لأوليائه، وبأي: سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه. وذلك أن الله تعالى اجتبى واصطفى زكريا عليه السلام لرسالته، وخصه بوحيه، فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين، ودعا العباد إلى ربه، وعلمهم ما علمه الله، ونصح لهم في حياته وبعد مماته، كإخوانه من المرسلين ومن اتبعهم، فلما رأى من نفسه الضعف، وخاف أن يموت، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم، شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن، وناداه نداء خفيا، ليكون أكمل وأفضل وأتم إخلاصا، فقال: { رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي } أي: وهى وضعف، وإذا ضعف العظم، الذي هو عماد البدن، ضعف غيره، { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } لأن الشيب دليل الضعف والكبر، ورسول الموت ورائده، ونذيره، فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه، وهذا من أحب الوسائل إلى الله، لأنه يدل على التبري من الحول والقوة، وتعلق القلب بحول الله وقوته. { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } أي: لم تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة، بل لم تزل بي حفيا ولدعائي مجيبا، ولم تزل ألطافك تتوالى علي، وإحسانك واصلا إلي، وهذا توسل إلى الله بإنعامه عليه، وإجابة دعواته السابقة، فسأل الذي أحسن سابقا، أن يتمم إحسانه لاحقا. { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي } أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، أن لا يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك، وظاهر هذا، أنه لم ير فيهم أحدا فيه لياقة للإمامة في الدين، وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام ونصحه، وأن طلبه للولد، ليس كطلب غيره، قصده مجرد المصلحة الدنيوية، وإنما قصده مصلحة الدين، والخوف من ضياعه، ورأى غيره غير صالح لذلك، وكان بيته من البيوت المشهورة في الدين، ومعدن الرسالة، ومظنة للخير، فدعا الله أن يرزقه ولدا، يقوم بالدين من بعده، واشتكى أن امرأته عاقر، أي ليست تلد أصلا وأنه قد بلغ من الكبر عتيا، أي: عمرا يندر معه وجود الشهوة والولد. { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } وهذه الولاية، ولاية الدين، وميراث النبوة والعلم والعمل، ولهذا قال: { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } أي: عبدا صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل أنه سأل الله ولدا، ذكرا، صالحا، يبق بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم. فرحمه ربه واستجاب دعوته فقال: { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ ...}.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 551 : 1 : 34 - سفين عن حصين عن إسماعيل بن راشد عن سعيد بن جبير عن بن عباس في قوله {كۤهيعۤصۤ} قال، كاف، كبير، هاد أمين، عزيز، صادق. [الآية 1]. 552 : 2 : 35 - سفين عن موسى بن أبي عائشة عن بن عباس مثله، إلا أنه جعل مكان "كبير، هاد" كاف، هاد.

همام الصنعاني

تفسير : 1729- [أخبرنا محمد بن عبد السلام، قال: حدَّثنا سلمة بن شبيب النَّيسابوري، قال] حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى {كۤهيعۤصۤ} [الآية: 1]، قَالَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآن. 1730- [عبد الرزاق]، قال معمر، وقال الكلبي: كَافٍ، هَادٍ، عالم، صَادق. 1731- حدّثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا ابن عُيَيْنَة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {كۤهيعۤصۤ} قال كاف من كافي وياء من حكيم، وعين من عليم، وهاء من هَادٍ، وصاد من صادق.