١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في لفظة ذكر أربع قراءات صيغة المصدر أو الماضي مخففة أو مشددة أو الأمر، أما صيغة المصدر فلا بد فيها من كسر رحمة ربك على الإضافة ثم فيها ثلاثة أوجه: أحدها: نصب الدال من عبده والهمزة من زكرياء وهو المشهور. وثانيها: برفعهما والمعنى وتلك الرحمة هي عبده زكرياء عن ابن عامر. وثالثها: بنصب الأول وبرفع الثاني والمعنى رحمة ربك عبده وهو زكرياء. وأما صيغة الماضي بالتشديد فلا بد فيها من نصب رحمة. وأما صيغة الماضي بالتخفيف ففيها وجهان. أحدهما: رفع الباء من ربك والمعنى ذكر ربك عبده زكرياء. وثانيها: نصب الباء من ربك والرفع في عبده زكرياء وذلك بتقديم المفعول على الفاعل وهاتان القراءتان للكلبي، وأما صيغة الأمر فلا بد من نصب رحمة وهي قراءة ابن عباس. واعلم أن على تقدير جعله صيغة المصدر والماضي يكون التقدير هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك. المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد من قوله رحمة ربك أعني عبده زكرياء ثم في كونه رحمة وجهان: أحدهما: أن يكون رحمة على أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعات. والآخر: أن يكون رحمة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمة محمد لأن الله تعالى لما شرح لمحمد صلى الله عليه وسلم طريقه في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى صار ذلك لفظاً داعياً له ولأمته إلى تلك الطريقة فكان زكرياء رحمة، ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي رحم بها عبده زكرياء.
البيضاوي
تفسير : {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ } خبر ما قبله إن أول السورة أو بالقرآن، فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي: هذا المتلو {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ }، أو مبتدأ حذف خبره أي فيما يتلى عليك ذكرها، وقرىء {ذِكْرُ رَحْمَةِ } على الماضي و {ذكر} على الأمر. {عَبْدَهُ} مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع كقولك: ذكرني جود زيد. {زَكَرِيَّا } بدل منه أو عطف بيان له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ } مفعول رحمة {زَكَرِيَّا } بيان له.
ابن عادل
تفسير : قوله: {ذِكْرُ}: فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر. الثاني: أنه خبر محذوف المبتدأ، تقديره: المتلوُّ ذكرُ، أو هذا ذكر. الثالث: أنه خبر الحروف المقطَّعة، وهو قول يحيى بن زياد، قال أبو البقاء "وفيه بعدٌ؛ لأنَّ الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في الحروف المقطَّعة ذكرُ الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها". و "ذِكْرُ" مصدرٌ مضافٌ؛ قيل: إلى مفعوله، وهو الرحمة في نفسها مصدرٌ أيضاً مضافٌ إلى فاعله، و "عَبدَهُ" مفعولٌ به، والناصبُ له نفسُ الرحمةِ، ويكون فاعلُ الذِّكرِ غير مذكورٍ لفظاً، والتقدير: أنْ ذكر الله ورحمته عبدهُ، وقيل: بل "ذِكْرُ" مضافٌ إلى فاعله على الاتِّساع، ويكون "عبدهُ" منصوباً بنفس الذِّكر، والتقدير: أن ذكرت الرحمة عبدهُ، فجعل الرحمة ذاكرةً له مجازاً. و "زكَرِيَّا" بدلٌ، أو عطفُ بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار "أعْنِي". وقرأ يحيى بن يعمر - ونقلها الزمخشريُّ عن الحسن - "ذَكَّرَ" فعلاً ماضياً مشدداً، و "رحمة" بالنصب على أنها مفعولٌ ثانٍ، قدمت على الأول، وهو "عَبْدَهُ" والفاعلُ: إما ضمير القرآن، أو ضمير الباري تعالى، والتقدير: أن ذكَّر القرآنُ المتلُوُّ - أو ذكَّر الله - عبده رحمتهُ، أي: جعل العبد يذكرُ رحمته، ويجوز على المجازِ المتقدِّم أن "رحمةَ ربِّك" هو المفعول الأول، والمعنى: أنَّ الله جعل الرحمة ذاكرةً للعبد، وقيل: الأصلُ: ذكَّر برحمةِ، فلمَّا انتزع الجارُّ نصب مجروره، ولا حاجة إليه. وقرأ الكلبيُّ "ذكر" بالتخفيف ماضياً "رَحْمَةَ" بالنصب على المفعول به، "عَبْدُهُ" بالرفع فاعلاً بالفعل قبله، "زَكريَّا" بالرفع على البيان، أو البدل، أو على إضمار مبتدأ، وهو نظيرُ إضمار الناصب في القراءة الأولى. وقرأ يحيى بن يعمر - فيما نقله عنه الدَّاني - "ذَكِّرْ" فعل أمرٍ، "رَحْمَةَ" و "عَبْدهُ" بالنصب فيهما على أنهما مفعولان، وهما على ما تقدَّم من كون كلِّ واحدٍ، يجوز أن يكون المفعول الأول، أو الثاني، بالتأويلِ المتقدِّم في جعل الرحمة ذاكرةً مجازاً. فصل في تأويل هذه الحروف المقطعة قال ابنُ عباسٍ: هذه الحروف اسم من أسماء الله تعالى، وقال قتادةُ: اسمٌ من أسماء القرآن. وقيل: اسمٌ للسُّورة. وقيل: هو قسمٌ أقسم الله به ويروى عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله {كۤهيعۤصۤ} قال: الكافُ من كريم وكبير، والماء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليهم، وعظيم، والصاد من صادق. وعن ابن عبَّاس أيضاً أنَّه حمل الياء على الكريم مرَّة، وعلى الحكيم أخرى. وعن ابن عباس في العين أنَّه من عزيز من عدل. قال ابنُ الخطيب: وهذه أقوالٌ ليست قويَّة؛ لأنَّه لا يجوزُ من الله تعالى أن يودعَ كتابهُ ما لا تدلُّ عليه اللغةُ، لا بالحقيقةِ، ولا بالمجازِ، لأنَّا إن جوَّزنا ذلك، فتح علينا بابُ قول من يزعم أنَّ لكلِّ ظاهرٍ باطناً، واللغة لا تدلُّ على ما ذكروه؛ لأنها ليستْ دلالةُ "الكافِ" على الكافي أولى من دلالته على الكريم، والكبير، أو على اسمٍ آخر من أسماء الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - أو الملائكة، أو الجنَّة، أو النَّار، فيكون حملها على بعضها دون البعض تَحَكُّماً. فصل في المراد بقوله تعالى: {رَحْمَتِ رَبِّكَ} يحتملُ أن يكون المراد من قوله {رَحْمَتِ رَبِّكَ} أنه عنى عبدهُ زكريَّا، ثم في كونه رحمة وجهان: أحدهما: أن يكون "رحْمة" على أمَّته؛ لأنَّه هداهُم إلى الإيمان والطَّاعة. والثاني: أن يكون رحمة على نبيِّنا محمد - عليه الصلاة والسلام - وعلى أمَّته؛ لأنَّ الله تعالى، لمَّا شرع لمحمَّد صلى الله عليه وسلم طريقتهُ في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى، وصار ذلك لطفاً داعياً له، ولأمَّته إلى تلك الطريقة زكريَّا رحمة. ويحتمل أن يكون المرادُ أنَّ هذه السُّورة فيها ذكرُ الرحمة التي يرحمُ بها عبدُه زكريَّا. قوله: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيًّا}. في ناصب إذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ "ذِكْرُ"، ولم يذكُر الحوفيُّ غيره. والثاني: أنَّه "رَحْمَة" وقد ذكر الوجهين أبو البقاء. والثالث: أنَّه بدلٌ من "زكريَّا" بدل ُ اشتمالٍ؛ لأنَّ الوقت مشتملٌ عليه، وسيأتي مثلُ هذا عند قوله {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ} تفسير : [مريم: 16] ونحوه. فصل في أدب زكريا في دعائه راعى سُنَّة الله في إخفاء دعوته؛ لأنَّ الجهر والإخفاء عند الله سيَّان، وكان الإخفاء أولى؛ لأنَّه أبعد عن الرِّياء، وأدخلُ في الإخلاص. وقيل: أخفاه؛ لئلاَّ يلامُ على طلبِ الولدِ في زمان الشيخوخة وقيل: أسرَّهُ من مواليه الذين خافهم. وقيل: خِفتُ صوتهُ؛ لضعفه، وهرمه، كما جاء في صفةِ الشَّيْخ: صوتهُ خفاتٌ، وسمعهُ تارات. فإن قيل: من شرط النِّداء الجهر، فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيًّا؟. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنَّه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصَّوت؛ إلا أنَّ صوته كان ضعيفاً؛ لنهايةِ ضعفه بسببِ الكبر، فكان نداءً؛ نظراً إلى القصد، خفيًّا نظراً إلى الواقعِ. الثاني: أنَّه دعاه في الصَّلاة؛ لأنَّ الله تعالى، أجابه في الصَّلاة؛ لقوله تعالى: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} تفسير : [آل عمران: 39] فتكُون الإجابةُ في الصَّلاة تدلُّ على كون الدُّعاء في الصَّلاة؛ فوجب أن يكون النداءُ فيها خفيًّا. وفي التفسير: "إذْ نَادَى": دعا "ربَّهُ" في محرابِهِ. قوله: {نِدَآءً خَفِيّاً} دعا سرًّا من قومه في جوف الليل. قوله: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} الآية. قوله: {قَالَ رَبِّ}: لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لأنها تفسير لقوله "نَادَى ربَّهُ" وبيانٌ، ولذلك ترك العاطف بينهما؛ لشدَّة الوصل. قوله: "وهَنَ" العامَّةُ على فتحِ الهاء، وقرأ الأعمشُ بكسرها، وقُرىء بضمِّها، وهذه لغاتٌ في هذه اللفظة، ووحَّد العظم لإرادة الجنس؛ يعني: أنَّ هذا الجنسَ الذي هو عمودُ البدنِ، وأشدُّ ما فيه، وأصلبه، قد أصابه الوهنُ، ولو جمع، لكان قصداً آخر: وهو أنه لم يهن منه بعضُ عظامه، ولكن كلُّها، قاله الزمخشريُّ، وقيل: أطلقَ المفردُ، والمرادُ به الجمعُ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 3577- بِهَا جِيفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُهَا فبِيضٌ وأمَّا جِلدُها فصليبُ تفسير : أي: جلودُها، ومثله: [الوافر] شعر : 3578- كُلُوا في بعضِ بَطْنكمُ تَعِفُّوا فإنَّ زمانَكُم زمنٌ خَمِيصُ تفسير : أي: بُطُونكُمْ. و "مِنِّي" حالٌ من "العَظْم" وفيه ردٌّ على من يقول: إنَّ الألف واللام تكونُ عوضاً من الضمير المضافِ إليه؛ لأنه قد جمع بينهما هنا، وإن كان الأصل: وهن عظمي، ومثله في الدَّلالةِ على ذلك ما أنشد شاهداً على ما ذكرتُ: [الطويل] شعر : 3579- رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رفيقةٌ بجَسِّ النَّدامَى بضَّةُ المُتَجَرَّدِ تفسير : ومعنى {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي}: ضعف، ورقَّ العظم من الكبر. فصل قال قتادةُ: اشتكى سُقُوط الأضراس. قوله: {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} أي: ابْيَضَّ شعر الرَّأس شيباً. وفي نصب "شَيْباً" ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - وهو المشهور -: أنه تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية؛ إذ الأصل: اشتعل شيبُ الرَّأسِ، قال الزمخشريُّ: "شبَّه الشَّيب بشُواظِ النَّار في بياضهِ، وانتشاره في الشَّعْر، وفُشُوِّه فيه، وأخذه منه كُلَّ مأخذٍ باشتعالِ النَّار، ثم أخرجهُ مخرج الاستعارةِ، ثم أسند الاشتعال إلى مكانِ الشَّعرِ، ومنبته، وهو الرَّأسُ، وأخرج الشَّيب مُمَيَّزاً، ولم يُضفِ الرَّأس؛ اكتفاءً بعلم المخاطبِ: أنه رأسُ زكريَّا، فمن ثمَّ، فصُحَتْ هذه الجملةُ، وشُهد لها بالبلاغةِ" انتهى، وهذا من استعارة محسُوسٍ لمحسُوسٍ، ووجه الجمع: الانبسَاطُ والانتشَارُ. والثاني: أنه مصدرٌ على غيرِ الصَّدْرِ، فإنَّ "اشْتَعَلَ الرَّأسُ" معناه "شَابَ". الثالث: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحالِ، شَائِباً، أو ذا شيب. وأدغم السِّين في الشِّين أبو عمرٍو. وقوله: "بِدُعائِكَ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّ المصدر مضافٌ لمفعوله، أي: بُدعائي إيَّاك. والمعنى: عوَّدتني الإجابة فيما مضى، ولم تُخَيِّبْنِي. والثاني: أنه مضافٌ لفاعله، أي: لم أكن بدعائك لي إلى الإيمان شقيًّا، أي: لما دعوتني إلى الإيمان، آمنتُ، ولم أشق. قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ}: العامَّةُ على "خِفْتُ" بكسر الخاء، وسكون الفاء، وهو ماضٍ مسندٌ لتاءِ المتكلِّم، و "الموالِي" مفعولٌ به؛ بمعنى: أنَّ مواليهُ كانُوا شِرارَ بني إسرائيل، فخافهم على الدِّين، قاله الزمخشريُّ. قال أبو البقاء: "لا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، أي: عدم الموالي، أو جَوْرَ الموالي". وقال الزهريُّ كذلك، إلا أنه سكَّن ياء "المَوالي" وقد تقدَّم أنَّه قد تُقدَّر الفتحةُ في الياء، والواو، وعليه قراءةُ زيد بن عليٍّ {تُطْعِمُونَ أَهاليْكم} [المائدة: 89]. وتقدَّم إيضاحُ هذا. وقرأ عثمانُ بنُ عفَّان، وزيدُ بن ثابت، وابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن العاصِ، ويحيى بنُ يعمر، وعليُّ بنُ الحسين في آخرين: "خَفَّتِ" بفتحِ الخاءِ، والفاءِ مشددةً، وتاء تأنيثٍ، كُسرتْ؛ لالتقاءِ السَّاكنين، و "المَوالِي" فاعلٌ به؛ بمعنى: دَرَجُوا، وانقرضُوا بالموتِ. قوله: "مِنْ وَرائِي" هذا متعلِّقٌ في قراءة الجمهور بما تضمَّنَهُ الموالي من معنى الفعلِ، أي: الذين يلون الأمْرَ بعدي، ولا يتعلَّق بـ "خِفْتُ" لفسَادِ المعنى، وهذا على أن يُرَادَ بـ "وَرَائِي" معنى: خَلْفِي، وبَعْدِي، وأمَّا في قراءةِ "خَفَّتِ" بالتشديد، فيتعلَّق الظَّرْفُ بنفس الفعل، ويكونُ "وَرائِي" بمعنى قُدَّامي، والمعنى: أنهم خفُّوا قدَّامهُ، ودرجُوا، ولم يبق منهم من به تقوٍّ واعتضادٌ، ذكر هذين المعنيين الزمخشريُّ. والمَوالِي: بنُو العمِّ يدلُّ على ذلك تفسيرُ الشَّاعر لهم بذلك في قوله: [البسيط] شعر : 3580- مَهْلاً، بَنِي عمِّنا؛ مَهْلاً موالينَا لا تَنْبُشُوا بَيْننا ما كان مَدْفُوناً تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 3581- ومَوْلى قد دفعتُ الضَّيْمَ عَنْهُ وقَدْ أمْسَى بمنزلةِ المَضِيمِ تفسير : وهو قولُ الأصمِّ. وقال مجاهدٌ: العَصَبَة. وقال أبو صالحٍ: الكلالة. وقال ابنُ عبَّاس والحسن والكلبيُّ: الورثة. وعن أبي مسلمٍ: المولى يرادُ به النَّاصرُ، وابن العمِّ، والمالك، والصَّاحب، وهو هنا من يقُوم بميراثه مقام الولد، والمختار، أنَّ المراد من الموالي الذين يخلفُون بعده، إما في السِّياسة، أو في المال، أو في القيام بأمر الدِّين؛ وهو يدلُّ على معنى القُرْبِ والدُّنوِّ، ويقالُ: وليته أليه ولْياً، أي: دَنَوتُ منهُ، وأوليْتُهُ إيَّاهُ، وكُل ممَّا يليكَ، وجلستُ ممَّا يليهِ، ومنهُ الوَلْيُ، وهو المطرُ الذي يلي الوسميَّ، والوليَّة: البرذعةُ [الَّتي] تلي ظهْر الدَّابَّة، ووليُّ اليتيم، والبلدِ، ووليُّ القتيل؛ لأنَّ من تولَّى أمراً، فقد قرُبَ منه. وقوله تعالى: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 144] من قولهم: ولاه بركنه، أي جعله ما يليه، وأما ولَّى عنِّي، إذا أدبر، فهو من باب تثقيل الحشو للسلْب، وقولهم: فلان أولى من فلان، أي: أحق؛ أفعل التفضيل من الوالي أو الولي، كالأدنى، والأقرب من الدَّاني، والقريب، وفيه معنى القرب أيضاً؛ لأنَّ من كان أحقَّ بالشيء، كان أقرب إليه، والمولى: اسمٌ لموضعِ الولي، كالمرمى والمبنى: اسمٌ لموضعِ الرَّمي والبناءِ. والجمهورُ على "وَرَائِي" بالمدِّ، وقرأ ابنُ كثير - في رواية عنه - "وَرَايَ" بالقصر، ولا يبعدُ ذلك عنه، فإنه قد قصر {شُرَكَايَ} [النحل: 27] في النَّحْل؛ كما تقدَّم، وسيأتي أنَّه قرأ {أَن رَآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} في العلق [الآية: 7]؛ كأنه كان يُؤْثِرُ القصْر على المدِّ؛ لخفَّته، ولكنَّه عند البصريين لا يجوزُ سعةً. قوله: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} أي: لا تَلِدُ، والعَقْرُ في البدن: الجُرْح، وعقرتُ الفرس بالسَّيف، ضربتُ قوائِمهُ. قوله "مِنْ لدُنْكَ" يجوز أن يتعلق بـ "هَبْ" ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حال من "وليًّا" لأنه في الأصل صفةٌ للنكرةِ، فقُدِّم عليها. {يَرِثُنِي وَيَرِثُ}: قرأ أبو عمرو، والكسائيُّ بجزم الفعلين على أنَّهما جوابٌ للأمر؛ إذ تقديره: إن يهبْ، يرثْ، والباقون برفعهما؛ على أنَّهما صفةٌ لـ "وليًّا". وقرأ عليٌّ - رضي الله عنه - وابنُ عبَّاسٍ، والحسن، ويحيى بن يعمر، والجحدريُّ، وقتادةُ في آخرين: "يَرِثُنِي" بياء الغيبة، والرَّفع، وأرثُ مسنداً لضمير المتكلِّم. فصل فيما قرىء به من قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ} قال صاحب "اللّوامح": "في الكلام تقديم وتأخيرٌ؛ والتقدير: يرثُ نُبُوَّتِي، إنْ متُّ قبلهُ وأرِثُ مالهُ، إن مات قبلي". ونُقِلَ هذا عن الحسن. وقرأ عليٌّ أيضاً، وابنُ عبَّاس، والجحدريُّ "يَرِثُني وارثٌ" جعلوه اسم فاعلٍٍ، أي: يَرثُني به وارثٌ، ويُسَمَّى هذا "التجريد" في علم البيان. وقرأ مجاهدٌ "أوَيْرِثٌ" وهو تصغيرُ "وارِثٍ" والأصل: "وُوَيْرِثٌ" بواوين، وجب قلبُ أولاهما همزة؛ لاجتماعهما متحركتين أول كلمةٍ، ونحو "أوَيْصِلٍ" تصغير "واصلٍ" والواوُ الثانيةُ بدلٌ عن ألفِ "فاعلٍ" و "أوَيْرِثٌ" مصروفٌ؛ لا يقال: ينبغي أن يكون غير مصروفٍ؛ لأنَّ فيه علتين: الوصفيَّة، ووزن الفعل، فإنه بزنة "أبَيْطِر" مضارع "بَيْطَرَ" وهذا ممَّا يكون الاسم فيه منصرفاً في التكبير ممتنعاً في التصغير، لا يقالُ ذلك لأنه غلطٌ بيِّنٌ؛ لأنَّ "أوَيْرِثاً" وزنه فُويْعِلٌ، لا أفَيْعلٌ؛ بخلاف "أحَيْمِر" تصغير "أحْمَرَ". وقرأ الزهريُّ: "وارثٌ" بكسر الواو، ويعنون بها الإمالة. قوله: "رَضِيًّا" مفعولٌ ثانٍ، وهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، وأصله "رَضِيوٌ" لأنه من الرِّضوان. فصل معنى قوله: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا} أعطني من أبناء. واعلم أنَّ زكريَّا - عليه السلام - قدَّم السؤال؛ لأمور ثلاثة: الأول: كونه ضعيفاً. والثاني: أن الله تعالى ما ردَّ دعاءه. والثالث: كونُ المطلُوب سبباً للمنفعة في الدِّين، ثم بعد ذلك صرَّح بالسُّؤال. أمَّا كونه ضعيفاً، فالضَّعيف: إمَّا أن يكون في الباطن، أو في الظَّاهر، والضَّعْف في الباطن أقوى من ضعف الظَّاهر، فلهذا ابتدأ ببيان ضعف الباطن، فقال: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} وذلك لأنَّ العظم أصلبُ أعضاء البدن، وجعل كذلك لمنفعتين: الأولى: ليكون أساساً وعمداً يعتمد عليها بقيَّة الأعضاء؛ لأنَّها موضوعة على العظام، والحاملُ يجبُ أن يكون أقوى من المحمول عليه. الثاني: أنَّها في بعض المواضع وقاية لغيرها. واحتج أصحابُ القول الأوَّل أنَّه إذا... أوّلاً، ثم ردَّ بأنها تكونُ كغيرها من الأعضاء كعظام الصَّلف وقحف الرأس، وما كان كذلك، فيجبُ أن يكون صلباً؛ ليصبر على ملاقاة الآفاتِ، ومتى كان العظم صُلباً، فمتى وصل الضعفُ إليه، كان ضعف ما عداهُ مع رخاوته أولى؛ ولأنَّ العظم حاملٌ لسائر الأعضاء، فوصولُ الضعف إلى الحامل موجبٌ لوصوله إلى المحمول، فلهذا خصَّ العظم بالوهْنِ من بين سائر الأعضاء. وأما ضعف الظاهر، فلاستيلاء ضعف الباطن عليه، وذلك ممَّا يزيدُ الدُّعاء تأكيداً؛ لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته. وأما كونهُ غير مردُود الدُّعاءِ، فوجه توسله به من وجهين: الأول: أنَّه إذا قبله أوَّلاً، فلو ردَّه ثانياً، لكان الردُّ محبطاً للإنعام الأول، والمنعم لا يسعى في إحباط إنعامه. والثاني: أنَّ مخالفة العادةِ تشقُّ على النَّفس، فإذا تعوَّد الإنسانُ إجابة الدُّعاء، فلو ردَّ بعد ذلك، لكان ذلك في غاية المشقَّة، والجفاء ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشقَّ، فكأنَّ زكريَّا - عليه السلام - قال: إنك إن رددَتَّنِي بعدما عودتَّني القُبول مع نهايةِ ضعفي، كان ذلك بالغاً إلى النِّهاية القصوى في [ألم] القلب، فقال: {وَلَمْ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا}. تقولُ العربُ: سعد فلانٌ بحاجته: إذا ظَفِر بها، وشَقِي بها: إذا خَابَ، ولم [يَبْلُغْهَا]. وأمَّا كون المطلُوب منتفعاً به في الدِّين، فهو قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي}. فصل في اختلافهم في المراد من قوله: {خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} قال ابن عباس والحسن: الموالي: الورثة وقد تقدم. واختلفوا في خوفه من الموالي، فقيل: خافهم على إفساد الدِّين. وقيل: خاف أن ينتهي أمرُه إليهم بعد موته في مالٍ، وغيره، مع أنَّه عرف من حالهم قصورهم في العلم والقدرة عن القيام ببعضه. وقيل: يحتمل أن يكون الله قد أعلمه أنَّه لم يبقَ من أنبياء إسرائيل نبيٌّ له أبٌ إلاَّ نبيٌّ واحدٌ، فخاف أن يكون ذلك الواحدُ من بَني عمِّه، إذا لم يكن له ولدٌ، فسأل الله أن يهب له ولداً، يكونُ هو ذلك النبيَّ، والظاهرُ يقتضي أن يكون خائفاً في أمر يهتمُّ بمثله الأنبياء، ولا يمتنع أن يكون زكريَّا كان إليه مع النبوة الربانيَّة من جهة الملك؛ فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما. وقوله: "خِفْتُ" خرج على لفظ أصل الماضي، لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضاً؛ كقول الرجل: قد خفتُ أن يكون كذا، أي: "أنَا خَائِفٌ" لا يريدُ أنه قد زال الخوف عنه. قوله: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} أي: أنَّها عاقرٌ في الحال؛ لأنَّ العاقر لا يجوزُ [أن تحبل في العادة]، ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي إعلامٌ بتقادُمِ العهد في ذلكَ، والغرضُ من هذا بيانُ استبعاد حصول الولدِ، فكان إيرادهُ بلفظ الماضِي أقوى، وأيضاً: فقد يوضعُ الماضي، أي: مكان المستقبل، وبالعكس؛ قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ} تفسير : [المائدة: 116]. وقوله: {مِن وَرَآئِي} قال أبو عبيدة: من قُدَّامي، وبين يديَّ. وقال آخرون: بعد موتي. فإن قيل: كيف علم حالهم من بعده، وكيف علم أنَّهُمْ يبقون بعده، فضلاً عن أن يخاف شرَّهم؟. فالجوابُ: أنه قد يعرفُ ذلك بالأمارات والظنّ في حصول الخوف، وربما عرف ببعض الأمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد. وقوله: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا} الأكثر على أنه طلب الولد، وقيل: بل طلب من يقُوم مقامه، ولداً كان، أو غيره. والأول أقربُ؛ لقوله تعالى في سورة آل عمران؛ حكاية عنه {أية : رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} تفسير : [آل عمران: 38]. وأيضاً: فقوله ها هنا "يَرِثُنِي" يؤيِّده. وأيضاً: يؤيِّده قوله تعالى في سورة الأنبياء: {أية : وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} تفسير : [الأنبياء: 89] فدلَّ على أنَّه سأل الولد؛ لأنَّه أخبر ها هنا أنَّ له مواليَ، وأنَّه غيرُ منفردٍ عن الورثةِ، وهذا إن أمكن حمله على وارثٍ يصلح أن يقوم مقامه، لكنَّ حمله على الولد أظهرُ. واحتجَّ أصحابُ القول [الثالث] بأنَّه لما بشِّر بالولد، استعظمه على سبيل التعجُّب؛ وقال "أنَّى يكونُ لِي غلامٌ" ولو كان دعاؤُه لطلب الولد، ما استعظم ذلك. وأجيبَ بأنَّه - عليه السلام - سأل عمَّا يوهب له، أيوهبُ له وهو وامرأتهُ على هيئتهما؟ أو يوهبُ له بأن يُحَوَّلا شابَّيْن، يُولد لمثلهما؟! وهذا يُحْكَى عن الحسن. وقيل: إنَّ قول زكريَّا - عليه السلام - في الدُّعاء "وكَانتِ امْرَاتِي عاقراً" إنما سأل ولداً من غيرها أو منها؛ بأن يصلحها الله تعالى للولدِ، فكأنَّه - عليه السلام - قال: أيسْتُ أن يكون لي منها ولدٌ، فهبْ لي من لدنك وليًّا، كيف شئت: إمَّا بأن تصلحها للولادةِ، وإمَّا أن تهبهُ لي من غيرها، فلمَّا بُشِّر بالغلام، سأل أن يرزق منها، أو من غيرها، فأخبر بأنه يرزقه منها. فصل في المراد بالميراث في الآية واختلفُوا ما المرادُ بالميراثِ، فقال ابنُ عبَّاس، والحسنُ، والضحاك: وراثةُ المالِ في الموضعين. وقال أبو صالح: وراثةُ النبوَّةِ. وقال السديُّ، ومجاهدٌ، والشعبيُّ: يَرِثُنِي المال، ويرثُ من آل يعقوب النبوَّة. وهو مرويٌّ أيضاً عن ابن عباس، والحسن، والضحاك. وقال مجاهدٌ: يرثُنِي العلم، ويرثُ من آل يعقُوب النبوَّة. واعلمْ أنَّ لفظ الإرث يستعملُ في جميعها: أمَّا في المال فلقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} تفسير : [الأحزاب:27] وأمَّا في العلم، فلقوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [غافر: 53]. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : العُلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا دِرْهَماً، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ ". تفسير : وقال تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} تفسير : [النمل: 16] وهذا يحتملُ وراثة الملك، ووارثة النبوَّة، وقد يقال: أورثَنِي هذا غمًّا وحزناً. فصل في أولي ما تحمل عليه الآية قال الزَّجاج: الأولى أن يحمل على ميراث غير المال؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : نَحْنُ معاشِرَ الأنبياءِ - لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صدقةٌ" تفسير : ولأنه يبعدُ أن يشفق زكريَّا - وهو نبيٌّ من الأنبياء - أن يرث بنُو عمِّه مالهُ. والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمِّه دين الله، وتغيير أحكامه على ما كان شاهدُه من بني إسرائيل من تبديل الدِّين، وقتل من قُتل من الأنبياء، فسأل ربَّه وليًّا صالحاً يأمنُه على أمَّته، ويرثُ نُبوَّته وعلمه؛ لئلاَّ يضيع الدِّين. قوله: {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}؛ الآلُ: خاصَّةُ الرجل الذي يئول أمرهم إليه، ثم قد يئوُل أمرهم إليه لقرابةِ المقربين تارةً؛ وبالصحابة أخرى؛ كآل فرعون، وللموافقة في الدِّين؛ كآل النبيَّ - عليه الصلاة والسلام -. وأكثر المفسِّرين على أنَّ يعقوب هنا: هو يعقوبُ بنُ إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام - لأنَّ زوجة زكريَّا - عليه السلام - هي أختُ مريم، وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب، وأمَّا زكريا - عليه السلام - فهو من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق، وكانت النبوة في سِبْط يعقوب؛ لأنَّه هو إسرائيلُ - عليه السلام -. وقال بعضُ المفسِّرين: ليس المرادُ من يعقوب هاهنا ولد إسحاق بن إبراهيم، بل يعقُوب بن ماثان، [أخو عمران بن ماثان]، وكان آلُ يعقوب أخوال يحيى بن زكريَّا، وهذا قولُ الكلبيِّ ومقاتل. وقال الكلبيُّ: كان بنُو ماثان رُءوس بني إسرائيل ومُلُوكهُم، وكان زكريَّا رئيس الأحبار يومئذٍ، فأراد أن يرثه حُبُورته، ويرث بنو ماثان ملكهم. فصل في تفسير "رضيًّا" اختلفوا في تفسير "رَضِيًّا" فقيل: برًّا تقيًّا مرضيًّا. وقيل: مرضيًّا من الأنبياء، ولذلك استجاب الله له؛ فوهب له يحيى سيِّداً، وحصُوراً، ونبيًّا من الصَّالحين، لم يعصِ، ولم يهم بمعصية. وقيل: "رَضِيًّا" في أمَّته لا يتلقَّى بالتَّكذيب، ولا يواجهُ بالرَّدِّ. فصل في الاحتجاج على خلق الأفعال احتجوا بهذه الآية على مسألة خلق الأفعال؛ لأنَّ زكريَّا - عليه السلام - سأل الله تعالى أن يجعله رضيًّا؛ فدلَّ على أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى. فإن قيل: المرادُ: أن يلطف به بضُرُوب الألطاف فيختار ما يصير به رضيًّا عنده، فنسب ذلك إلى الله تعالى. فالجوابُ من وجهين: الأول: لو حملناه على جعل الألطاف، وعندها يصير إليه المرء باختياره رضيًّا؛ لكان ذلك مجازاً، وهو خلافُ الأصل. الثاني: أنَّ جعل تلك الألطاف واجبةً على الله تعالى، لا يجوزُ الإخلال به، وما كان واجباً لا يجوزُ طلبهُ بالدُّعاء والتضرُّع.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} [الآية: 2]. قال ابن عطاء: ذكر اختصاص زكريا بالرحمة، وإن كانت رحمته قد وصلت إلى الأنبياء فخص زكريا من بينهم بألطف رحمة وهو أن وهب له يحيى الذى لم يعص ولم يهم بمعصية فهذا هو محل اختصاصه. وقال أيضًا: رحمة لزكريا إجابة دعوته وإيصاله إلى سؤله ومراده.
القشيري
تفسير : تخصيصه إياه بإجابته في سؤال وَلَدِه، وما أراد أن يتصل بأعقابه من تخصيص القربة له ولجميع أهله.
البقلي
تفسير : قال سبحانه {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} وتخصيص ذكريا برحمته وذكره انه كان عليه السّلام تعرض بنعت الفناء والعجز بجلال جبروته وعظايم ملكوته ليهب له من يرث منه علوم الحقيقة ولطائف حكم الالهيّة فاخبر سبحانه عن تعطفه به ورحمته الكافية عليه بانه اجاب دعوته واعطى ماموله وجعله اماما للخاضعين ومقتدمى للسائلين قال الحريري في هذه الحروف سبب رحمت ربك عبده زكريا قال ابن عطا ذكر اختصاص زكريا بالرحمة وان كان رحمته قد وصلت الى الانبياء فخص زكريا من بينهم باللطف رحمة وهو ان وهب له يحيى الذي لم يعص ولم يهمَّ بمعصية فهذا هو محل اختصاصه ثم وصف الله سبحانه زكريا بنطائف المناجاتُ خفى الذكر في المراقبات بقوله {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} اذ حاج سره الى طلب الخنوع في الربوبية والفناء تحت العظمة والذهاب عن الذهاب في برجاء الهيبة في مقام المشاهدة ونجوى سره فناجى سره خفيا عن سره ونادى سره خفيا عن روحه ونادى روحه خفيا عن عقله ونادى عقله خفيا عن قلبه ونادى قلبه خفيا عن نفسه ونادت نفسه خفيا عن صورته ونادى لسانه بل جميع وجوده -----خفيا عن غير وبه فمناجاته ونجواه خفى عن كل خفى لانه نادى ربه بربه وتلك المناداة ما وصف عليه السلام بالخيرية والخاصية عن جميع العبادات والاذكار والافكار بقوله خير الذكر الخفى قال عن عطا نداء خفيا اخفى ندأه من الخلق ومن نفسه واظهر النداء لمن يجيبه ويقدر على اجابته وفائدته اخفائه النداء من الخلق ومن النفس لئلا يدخله تلوين وقال بعضهم خفى في الذكر عن الذكر ومن ذا قيل اذا اذهلتك العظمة خرس قلبك ولسانك عن الذكر قال بعضهم اخفى سواله عن نفسه وروحه فبنداؤه لمن يقدر على اجابته وقضاء حاجته فسمع الحق نداءه وهب له يحيى كما طلبه ثم وصف الله سبحانه عبده زكريا بانه جعل نفسه في مقام العجز والتواضع في سواله عن ربه وهكذا حال السوال على باب جبروت ذى الجلال وكان في دعائه موقنا لان قلبه شاهد مقام استنشاق نفحة الاجابة لذلك قال {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} قال ابن عطا قام مقام معتذر لما وجد في نفسه من فترة العبادة لكبر السن فسال الله من يعينه على عبادة ربه وينوب عنه فيما عجز عنه من انواع العبادة منابه فقال واجعله رب رضيا ومرضاه لخدمتك ومستصلحة لعبادتك ثم انه كان عليه السّلام راى بعين سره روح ابنه في الملكوت ظائرة في رياض الجبروت فسال ما راى فقال {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} ناصرا صديقاً نبياً مرسلاً يعرف حالى ويرث مقامى ويتخلق بخلق ابائي واجعله رب رضيا مرضيا عندك وبعد اتصافه بصفتك راضيا عنك بعد ما شاهد الرضوان الاكبر بنعت المتبرى عن غيرك قال ابن عطا هب من لدنك ولياً اى ولدا نتخذه وليا يرث منى النبوة ويرث من أل يعقوب الاخلاق وقيل يرثنى النبوة ويرث من أل يعقوب السخاوة والكرم والصبر على النوائب والرضا بالمقدر قال برضا في قوله واجعله رب رضيا يرضى منه اخلاق الظاهر ويرضيه عنك في الباطن وقال جعفر ورضيا اى راضيا بما يبدو له وعليه قال ابو حفص اعتذر الى ربه في ضعفه عن القيام بالعبادة على ------ثم هو سبحانه بشره بما سره فقال {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ} يحيى بحيوته ومشاهدة جماله ومعرفة كماله نفخ نفس سبح القدم في يحيى فيحيى من موت العدم بانوار القدم واذا بحيوته لم يمت بموت الفرقة وما طرى عليه طوارق قهر الغيرة وقد تخصص من بين الانبياء والرسل وجميع من طريات الامتحان الذى يكون سلب حجاب القلوب عن الغيوب ولذلك خص اسمه وخصه بهذا الاسم المبارك بقوله {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} فكان في اسمه يا أن وحاء فالياء الاولى ياء نداء الحق في الازل نادى الحق بنفسه الى العدم ودمى من نفسه بنفسه وجود عبده يحيى فتكون بياء نداء الازل واجاب الفطرة الفعلية نداء الحق فصار قائماً بقدرته بعد ان تجلى الحق من حاء حيوته لتلك الفطرة فصيرورته بروح الحق وروح حيوة الحق فنادت تلك الفطرة بعد كونها ودعت صانعها واقرت بربوبيته فالياء الاول نداء الربوبية من العدم والياء الثانى من اسمه نداء بنعت الجواب بالعبودية من العدم فالبسه الحق بين ياءين وحاء من حاء حيوة الازلية فصار حيا بحيوته مقدسا من غرات الموت ولا اعتبار بذهاب الصورة عن البين فانه نقل ---- مع نقل الروح لذلك قال عليه السّلام نحن معاشر الانبياء اجسادنا ارواحنا قال الصبحي سماه يحيى وقال لم نجعل له من قيل سميا افتتح اسمه بالياء وختمه بالياء وتوسط بين يائين حاء الحنانية فاسمه في الخاء مرسوم موجه يقراه مزاوله الى أخره ومن أخره الى اوله فياء الاول توفيق وياء الأخبر تحقيق فلذلك لم يعص ولم يهتم بمعصية وقال الجنيد سمى يحي ولم يكن له من قبل سميا لان يحيى من يحيى بالطاعة والموافقة ولا يموت بالذنب والمخالفة وكان هذا صفته ونعته لم يجر عليه وسم الخلاف ولا لسان الذنب بحال كان محمود السيرة من بمتدأ امره الى منتهاه لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : ما احد من الخلق الا اخطأ او همّ بخطيئة الا يحيى بن زكريا ما اخطأ ولا همّ .
اسماعيل حقي
تفسير : {ذكر} اى هذا المتلو ذكر {رحمة ربك} ذكر مضاف الى مفعوله {عبده} مفعول رحمة {زكريا} بدل منه وهو زكريا يمد ويقصر ابن آزر. قال الكاشفى [واو ازاولاد رجعيم بن سليمان بن داود عليهم السلام بوده بيغمبر عاليشان ومهتر احبار بيت المقدس وصاحب قربان]. قال الامام زكريا من ولد هارون اخى موسى وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن اسحاق.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ذكر}: خبر عن مضمر، أي: هذا ذكر، والإشارة للمتلو في هذه السورة؛ لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر في حكم الحاضر الشاهد. وقيل: مبتدأ حُذف خبره، أي: فيما يُتلى عليك ذكر رحمت ربك. وقيل: خبر عن {كهيعص}، إذا قلنا؛ هي اسم للسورة، أي: المسمى بهذه الحروف ذكر رحمة ربك، و {عبده}: مفعول لرحمة ربك، على أنها مفعول لما أضيف إليها، أو لذكر، على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى (ذكر الرحمة): بلوغها إليه، و {زكريا}: بدل منه، أو عطف بيان، و {إذ نادى}: ظرف لرحمة، وقيل: لذكْر، على أنه مضاف إلى فاعله، وقيل: بدل اشتمال من زكريا، كما في قوله: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ....}تفسير : [مريَم: 16]، و {مِنّي}: حال من العَظْم، أي: كائنًا مني، و {شيئًا}: تمييز. يقول الحقّ جلّ جلاله: هذا الذي نتلوه عليك في هذه السورة هو {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} >. قال الثعلبي: [فيه تقديم وتأخير]. أي: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، {إِذْ نادى ربه} وهو في محرابه في طلب الولد {نداءً خفيًّا}: سرًا من قومه، أو في جوف الليل، أو مخلصًا فيه لم يطلع عليه إلا الله. ولقد راعى عليه السلام حسن الأدب في إخفاء دعائه فإنه أَدْخَلُ في الإخلاص وأَبَْعَدُ من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من كلام الناس، حيث طلب الولد في غير إِبَّانِهِ ومن غائلة مواليه الذين كان يخافهم. {قال} في دعائه: {ربِّ إِني وَهَنَ العظمُ مني} أي: ضعف بدني وذهبت قوتي. وإسناد الوهن إلى العَظْم؛ لأنه عماد البدن ودعامة الجسد، فإذا أصابه الضعف والرخاوة أصاب كله، وإفراده للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهن إلى كل فرد من أفراده. ووهن بدنه عليه السلام: لكبر سنه، قيل: كان ابن سبعين، أو خمسًا وسبعين، وقيل: مائة، وقيل: أكثر. {واشتعل الرأسُ شيبًا} أي: ابيضَّ شَمَطًا. شبه عليه السلام الشيب من جهة البياض والإنارة بشواظ النار، وانتشاره في الشعر وفُشوِّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وهو الرأس، وأخرجه مخرج التمييز، ففيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة ما لا يخفى، حيث كان الأصل: واشتعل شيب رأسي، فأسند الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شموله لكلها، فإن وِزَانَهُ: اشتعل بيته نارًا بالنسبة إلى اشتعلت النار في بيته، ولزيادة تقريره بالإجمال أولاً، والتفصيل ثانيًا، ولمزيد تفخيمه بالتكثير من جهة التنكير. ثم قال: {ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا} أي: لم أكن بدعائي إياك خائبًا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كنت كلما دعوتك استجبتَ لي. توسل إلى الله بسابق حسن عوائده فيه، لعله يشفع له ذلك بمثله، إثر تمهيد ما يستدعي ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال. والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل: من أراد أن يُستجاب له فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته. ثم قال: {وإِني خفتُ الموالي} أي: الأقارب، وهم: بنو عمه، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته، فسأل الله تعالى ولدًا صالحًا يأمنه على أمته. وقوله: {من ورائي}: متعلق بمحذوف، أي: جور الموالي، أو مما في الموالي من معنى الولاية، أي: خفت أن يلوا الأمر من ورائي، {وكانت امرأتي عاقرًا}: لا تلد من حين شبابها، {فهبْ لي من لدنك} أي: أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، بطريق الاختراع، لا بواسطة الأسباب العادية؛ لأن التعبير بِلَدُنّ يدل على شدة الاتصال والالتصاق، {وليًّا}: ولدًا من صُلبي، يلي الأمر من بعدي. والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما ذكره عليه السلام من كبر السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب، فاستوهبه على الوجه الخارق للعادة، ولا يقدح في ذلك أن يكون هنالك داعٍ آخر إلى الإقبال على الدعاء المذكور، من مشاهدته للخوارق الظاهرة عند مريم، كما يعرب عنه قوله تعالى: {أية : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} تفسير : [آل عِمرَان: 38]. وعدم ذكره هنا اكتفاء بما تقدم، فإن الاكتفاء بما ذكر في موطن عما ترك في موطن آخر من النكتة التنزيلية. وقوله: {يرثني}: صفة لوليًّا، وقرئ بالجزم هو وما عطف عليه جوابًا للدعاء، أي: يرثني من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء - عليهم السلام - لا يورثون من جهة المال. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن مَعاشر الأنبيَاءِ لا نُورَثُ"تفسير : . وقيل: يرثني في الحبورة، وكان عليه السلام حَبْرًا. {ويرثُ من آل يعقوب} النبوة والمُلك والمال. قيل: هو يعقوب بن إسحاق. وقال الكلبي ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان، أخو عمران بن ماثان، أبي مريم، وكانت زوجة زكريا أخت أم مريم، وماثان من نسل سليمان عليه السلام، فكان آل يعقوب أخوال يحيى. قال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذ، فأراد أن يرث ولده حبُورته، ويرث من بني ماثان ملكهم. هـ. {واجعله ربِّ رَضيًّا} أي: مرضيًا، فعيل بمعنى مفعول، أي: ترضى عنه فيكون مرضيًا لك، ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل، أي: راضيًا بتقديرك وأحكامك التعريفية والتكليفية. والله تعالى أعلم. الإشارة: طلب الوارث الروحاني- وهو وارث العلم والحال - جائز ليبقى الانتفاع به بعد موته. وقيل: السكوت والاكتفاء بالله أولى، ففي الحديث: "حديث : يرحَم اللهُ أخانا زَكَرِيَّا، وَمَا كَان عَلَيْه مَنْ يَرِثُه"تفسير : . وقوله تعالى: {نداء خفيًا} . الإخفاء عند الصوفية أولى في الدعاء والذكر وسائر الأعمال، إلا لأهل الاقتداء من الكَمَلَة، فهم بحسب ما يبرز في الوقت. وقوله تعالى: {ولم أكن بدعائك ربّ شقيًّا}. فيه قياس الباقي على الماضي، فالذي أحسن في الماضي يحسن في الباقي، فهذا أحد الأسباب في تقوية حسن الظن بالله؛ وأعظم منه من حسَّن الظن بالله؛ لما هو متصف به تعالى من كمال القدرة والكرم، والجود والرأفة والرحمة، فإن الأول ملاحظ للتجربة، والثاني ناظر لعين المِنَّة. قال في الحكم: "إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه، حسّن ظنك به لوجود معاملته معك، فهل عَوَّدَكَ إلا حَسَنًا؟ وهل أسدى إليك إلا مننًا؟". ثمَّ ذكر إجابته زكريا فقال: {يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ....}
الجنابذي
تفسير : قرئ ذكر مصدراً مرفوعاً، وفعلاً ماضياً من الثّلاثىّ، وامراً من التّفعيل، وعلى الاوّل كان خبراً لما قبله او لمحذوفٍ او مبتدءٍ لمحذوفٍ، او مبتدءٌ خبره زكريّا، او خبره اذ نادى، ورحمة ربّك، فاعل المصدر مضافٌ اليه او مفعوله، والفاعل محذوف اى ذكر ربّك رحمة ربّك عبده، او الفاعل زكريا او رحمة ربّك، مضاف اليه لادنى ملابسةٍ والفاعل مثل سابقه والمعنى ذكر ربّك برحمته عبده، وعبده مفعول الذّكر او الرّحمة وزكريّا بدل منه او عطف بيانٍ او فاعل الذّكر او مفعوله او خبر منه، وكون زكريّا خبراً للذّكر باعتبار انّ الكامل وجوده ذكر للرّبّ، وزكريّا بالمدّ والقصر وتشديد الياء، وكذا بتشديد الياء وتخفيفه بدون المدّ والقصر اسم.
اطفيش
تفسير : {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} خبر ما قبله إن أُول بالسورة أو بالقرآن فإنه مشتمل عليه أو خبر لمحذوف أى هذا الذى يتلى عليه ذكر رحمة ربك أو مبتدأ حذف خبره أى فيما يتلى عليك أو مما يتلى عليك ذكر رحمة ربك. وإضافة ذكر لرحمة إضافة مصدر لفاعله وعبد مفعوله كقولك ذكرنى جود زيد أى أصابنى وإضافة مصدر لمفعوله وعبد مفعول الرحمة إن قلنا بجواز نصب المصدر المقرون بتاء الوحدة مفعوله كذا قيل. قلت: ليست هذه تاء بنى المصدر عليها. وقرئ ذكر رحمة ربك بفتح الذال والكاف والراء ورفع الرحمة. وقرئ ذكر بفتح الذال وكسر الكاف مشددة وإسكان الراء ونصب الرحمة وزكريا بدل عبد أن بيانه. وقرأ أبو بكر وابن عامر بتخفيف همزة زكريا وهمزة يا زكرياء إنا نبشرك وشبهه وتخفيف الهمزة بعدها ويصح أن تكون الآية من التجريد مبالغة أى ذكرته الرحمة بالرحمة فحذف بالرحمة.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ} على هذه الأقوال خبر مبتدأ محذوف أي هذا المتلو ذكر الخ ويقال على الأخير المؤلف من جنس هذه الحروف المبسوطة مراداً به السورة ذكر الخ. وقيل مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليك ذكر الخ، وعلى القول بأنه اسم للسورة قيل محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا كهيعص أي مسمى به. وإنما صحت الإشارة إليه مع عدم جريان ذكره لأنه باعتبار كونه على جناح الذكر صار في حكم الحاضر المشاهد كما قيل في قولهم هذا ما اشترى فلان. وفي {ذِكْرُ} وجهان كونه خبراً لمبتدأ محذوف وكونه مبتدأ خبره محذوف. وقيل محله الرفع على أنه مبتدأ و {ذِكْرُ} الخ خبره أي المسمى به ذكر الخ فإن ذكر ذلك لما كان مطلع السورة الكريمة ومعظم ما انطوت هي عليه جعلت كأنها نفس ذكره أو الإسناد باعتبار الاشتمال أو هو بتقدير مضاف أي ذو ذكر الخ أو بتأويل مذكور فيه رحمة ربك، وعلى القول بأنه اسم للقرآن قيل المراد بالقرآن ما يصدق على البعض ويراد به السورة والإعراب هو الإعراب وحينئذ لا تقابل بين القولين. وقيل المراد ما هو الظاهر وهو مبتدأ خبره {ذِكْرُ} الخ والإسناد باعتبار الاشتمال أو التقدير أو التأويل. وقوله تعالى: {عَبْدَهُ} مفعول لرحمة ربك على أنها مفعول لما أضيف إليه وهي مصدر مضاف لفاعله موضوع هكذا بالتاء لا أنها للوحدة حتى تمنع من العمل لأن صيغة الوحدة ليست الصيغة التي اشتق منها الفعل ولا الفعل دال على الوحدة فلا يعمل المصدر لذلك عمل الفعل إلا شذوذاً كما نص عليه النحاة. وقيل مفعول للذكر على أنه مصدر أضيف إلى فاعله على الاتساع. ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها كما يقال ذكرني معروفك أي بلغني. وقوله عز وجل: {زَكَرِيَّا} بدل منه بدل كل من كل أو عطف بيان له أو نصب بإضمار أعني.
ابن عاشور
تفسير : افتتاح كلام، فيتعيّن أن {ذِكْرُ} خبر مبتدأ محذوف، مثلُه شائع الحذف في أمثال هذا من العناوين. والتقدير: هذا ذكر رحمة ربّك عبده. وهو بمعنى: اذكر. ويجوز أن يكون {ذِكْرُ} أصله مفعولاً مطلقاً نائباً عن عامله بمعنى الأمر، أي اذكر ذكراً، ثمّ حول عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات كما حُول في قوله {أية : الحمد لله }تفسير : وقد تقدم في [سورة الفاتحة:2]. ويرجحه عطف {أية : واذكر في الكتاب مريم }تفسير : [مريم: 16] ونظائرِه. وقد جاء نظم هذا الكلام على طريقة بديعة من الإيجاز والعدولِ عن الأسلوب المتعارف في الإخبار، وأصل الكلام: ذكر عبدنا زكرياء إذ نادى ربّه فقال: رب الخ... فرحمة ربّك، فكان في تقديم الخبر بأن الله رحمه اهتمام بهذه المنقبة له، والإنباء بأن الله يرحم من التجأ إليه، مع ما في إضافة {ربّ} إلى ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى ضمير زكرياء من التنويه بهما. وافتتحت قصة مريم وعيسى بما يتصل بها من شؤون آل بيت مريم وكافلها لأنّ في تلك الأحوال كلها تذكيراً برحمة الله تعالى وكرامته لأوليائه. وزكرياء نبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو زكرياء الثاني زوج خالة مريم، وليس له كتاب في أسفار التوراة. وأما الذي له كتاب فهو زكرياء بن برخيا الذي كان موجوداً في القرن السادس قبل المسيح. وقد مضت ترجمة زكرياء الثاني في سورة آل عمران ومضت قصّة دعائه هنالك. و {إذ نادى ربه } ظرف لـــ {رحمتِ}. أي رحمة الله إياه في ذلك الوقت، أو بدل من {ذكر}، أي اذكر ذلك الوقت. والنداء: أصله رفع الصوت بطلب الإقبال. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان} تفسير : في سورة آل عمران (193) وقوله: {أية : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها} تفسير : في [سورة الأعراف:43]. ويطلق النداء كثيراً على الكلام الذي فيه طلب إقبال الذات لعمل أو إقبال الذهن لوعي كلام، فلذلك سميت الحروف التي يفتتح بها طلب الإقبال حروف النداء. ويطلق على الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون جهراً. أي تضرعاً لأنه أوقع في نفس المدعو. ومعنى الكلام: أن زكرياء قال: يا رب، بصوت خفي. وإنما كان خفياً لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أنّ الله يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس، فلذلك لم يدعه تضرعاً وإن كان التضرع أعون على صدق التوجه غالباً، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء. ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفياً، لأنه نداء من يسمع الخفاء. والمراد بالرحمة: استجابة دعائه، كما سيصرح به بقوله: {أية : يا زكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى }تفسير : [مريم: 7]. وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَحْمَةِ} (2) - هذَا ذِكْرُ رَحْمَةِ اللهِ لِعَبْدِهِ زَكَرِيَّا نَقُصُّهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. (وَزَكَرِيَّا نَبِيٌ مِنْ أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء ابتداءً، والحديث عن شيء لم يكُنْ لك به سابق معرفة، ومنه التذكير بشيء عرفته أولاً، ونريد أن نُذكِّرك به، كما في قوله تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]. ويُطلَق الذكْر على القرآن: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] وفي القرآن أفضل الذكر، وأصدق الأخبار والأحداث. كما يُطلق الذكر على كل كتاب سابق من عند الله، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 43]. والذكْر هو الصِّيت والرِّفْعة والشرف، كما في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ..}تفسير : [الزخرف: 44] وقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..}تفسير : [الأنبياء: 10] أي: فيه صِيتكم وشرفكم، ومن ذلك قولنا: فلان له ذِكْر في قومه. ومن الذكْر ذِكْر الإنسان لربه بالطاعة والعبادة، وذكْر الله لعبده بالمثوبة والجزاء والرحمة، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 152]. فقوله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ..} [مريم: 2] أي: هذا يا محمد خبر زكريا وقصته ورحمة الله به. والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته، إذن: فكلُّ راحم ولو من البشر، وكلُّ مرحوم ولو من البشر، ماذا يصنع؟ يعطى غيره شيئاً من النصائح تُعينه على أداء مهمته على أكمل وجه، فما بالك إنْ كانت الرحمة من الخالق الذي خلق الخلق؟ وما بالك إذا كانت رحمة الله لخير خَلْقه محمد؟ إنها رحمة عامة ورحمة شاملة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء وأكرمهم وخاتمهم، فلا وَحْيَ ولا رسالة من بعده، ولا إكمال. إذن فهو أشرف الرسل الذين هم أشرف الخَلْق، ورحمة كل نبي تأخذ حظها من الحق سبحانه بمقدار مهمته، ومهمة محمد أكرم المهمات. وكلمة (رَحْمَة) هنا مصدر يؤدي معنى فعله، فالمصدر مثل الفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول،كما نقول: آلمني ضَرْب الرجل ولدَه، فمعنى: {رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2] أي: رحم ربُّك عبده زكريا. لذلك قال تعالى: {رَحْمَةِ رَبِّكَ ..} [مريم: 2] لأنها أعلى أنواع الرحمة، وإن كان هنا يذكر رحمته تعالى بعبده زكريا، فقد خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107] فرحمة الله تعالى بمحمد ليست رحمة خاصة به، بل هي رحمة عامة لجميع العالمين، وهذه منزلة كبيرة عالية. فالمراد من {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2] يعنى هذا الذي يُتلَى عليك الآن يا محمد هو ذِكْر وحديث وخبر رحمة ربك التي هي أجلُّ الرحمات بعبده زكريا. وسبق أن أوضحنا أن العبودية للخَلْق مهانة ومذلَّة، وهي كلمة بشعة لا تُقبل، أما العبودية لله تعالى فهي عِزٌّ وشرف، بل مُنتهَى العِزّ والشرف والكرامة، وعللنا ذلك بأن العبودية التي تسوء وتُحزِن هي عبودية العبد لسيد يأخذ خيره، أما العبودية لله تعالى فيأخذ العبد خير سيده. لكن، ما نوع الرحمة التي تجلى الله تعالى بها حين أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بخبر عبده زكريا؟ قالوا: لأنها رحمة تتعلق بطلاقة القدرة في الكون، وطلاقة القدرة في أن الله تبارك وتعالى خلق للمسبِّبات أسباباً، ثم قال للأسباب: أنت لست فاعلة بذاتك، ولكن بإرادتي وقدرتي، فإذا أردتُك ألاَّ تفعلي أبطلْتُ عملك، وإذا كنت لا تنهضين بالخير وحدك فأنا أجعلك تنهضين به. ومن ذلك ما حدث في قصة خليل الله إبراهيم حين ألقاه الكفار في النار، ولم يكن حظ الله بإطفاء النار عن إبراهيم، أو بجَعْل النار بَرْداً وسلاماً على إبراهيم أن يُنجي إبراهيم؛ لأنه كان من الممكن ألاَّ يُمكّنَ خصوم إبراهيم عليه السلام من القبض عليه، أو يُنزِل مطراً يُطفئ ما أوقدوه من نار، لكن ليست نكاية القوم في هذا، فلو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم، أو نزل المطر فأطفأ النار لقالوا: لو كُنَّا تمكنّا منه لفعلنا به كذا وكذا، ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا. إذن: شاءت إرادة الله أنْ تكيد هؤلاء، وأن تُظهِر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتُمكّنهم من إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلاً، ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]. وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلاً على طلاقة القدرة في مسألة الخَلْق، وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون أسباباً، فمَنْ أخذ بالأسباب يصل إلى المسبَّب، ولكن إياكم أنْ تُفتَنوا في الأسباب؛ لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب، وقد يُلغيها نهائيا ويأتي بالمسبِّبات دون أسباب. وقد تجلَّتْ طلاقة القدرة في قصة بَدْء الخَلْق، فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل وامرأة، إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب، والخالق سبحانه يُدير خلقه على كُلِّ أوجه الخَلْق، فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى، ويخلق حواء من ذكر دون أنثى، ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر. فالقدرة الإلهية - إذن - غير مُقيَّدة بالأسباب، وتظلّ طلاقة القدرة هذه في الخَلْق إلى أنْ تقومَ الساعة، فنرى الرجل والمرأة زوجين، لكن لا يتم بينهما الإنجاب وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبِّب سبحانه، فهو القائل: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 49-50]. وطلاقة القدرة في قصة زكريا عليه السلام تتجلى في أن الله تعالى استجاب لدعاء زكريا في أنْ يرزقَه الولد. قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ} [مريم: 2]. أي: رحمه الله، لكن متى كانت هذه الرحمة؟ يقول الحق تبارك وتعالى: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):