١٩ - مَرْيَم
19 - Maryam (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : راعى سنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص. وثانيها: أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة. وثالثها: أسره من مواليه الذين خافهم. ورابعها: خفي صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، فإن قيل من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفياً، والجواب من وجهين: الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفاً لنهاية الضعف بسبب الكبر فكان نداء نظراً إلى قصده وخفياً نظراً إلى الواقع. الثاني: أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة لقوله تعالى: { أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } تفسير : [آل عمران: 39] فكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء في الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفياً.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً} لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان، والإِخفاء أشد إخباتاً وأكثر إخلاصاً أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر، أو لئلا يطلع عليه مواليه الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته. واختلف في سنه حينئذ فقيل ستون، وقيل سبعون، وقيل خمس وسبعون، وقيل خمس وثمانون، وقيل تسع وتسعون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِذْ } متعلق برحمة {نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً } مشتملاً على دعاء {خَفِيّاً } سرًّا في جوف الليل لأنه أسرع للإِجابة.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَفِيّاً} لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا يستهزأ به لبعد ما طلبه.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: أخفى نداءه عن الخلق وعن نفسه، وأظهر النداء لمن يجيبه ويقدر على إجابته وفائدة إخفائه عن النداء الخلق وعن النفس لئلا يدخله تلوين. وقال بعضهم فى قوله: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً}. قال: خفيًا فى الذكر عن الذكر، ومن ذى قيل: إذا أذهلتك العظمة خرس قلبك ولسانك عن الذكر. وقيل: حقيقة الذكر ما يندرج فيه الذاكر.
القشيري
تفسير : وإنما ذلك لئلا يَطَّلعَ أحدٌ على سِرِّ حاله فأخفى نداءه عن الأجانب وقد أمكنه أن يخفيه عن نفسه بالتعامي عن شهود محاسنه، والاعتقاد بالسُّوء في نفسه، ثم أخفى سِرَّهُ عن الخلْق لئلا يقعَ لأحدٍ إشرافٌ على حاله، ولئلا يَشْمَتَ بمقالته أعداؤه.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ نادى ربه نداء خفيا} ظرف لرحمة ربك. والمعنى بالفارسية [جون ندا كرد وبخواند بروردكار خودرا درمحراب بيت المقدس بعد ازتقريب قربان وخواندن بنهان] ولقد راعى عليه السلام حسن الادب فى دعائه فانه مع كونه بالنسبة اليه تعالى كالجهر ادخل فى الاخلاص وابعد من الرياء واقرب الى الخلاص من غائلة مواليه الذين كان يخافهم فانه اذا اخفى لم يطلعوا عليه ومن لوم الناس على طلب الولد لتوقفه على مبادى لا يليق به تعاطيها وقت الكبر والشيخوخة وكان سنه وقتئذ تسعا وتسعين على ما اختاره الكاشفى. فان قلت شرط النداء الجهر فكيف يكون خفيا. قلت دعا فى الصلاة فاخفاه. يقول الفقير النداء وان كان بمعنى الصوت لكن الصوت قد يتصف بالضعف ويقال صوت خفى وهو الهمس فكذا النداء وقد صح عن الفقهاء ان بعض المخافتة يعد من ادنى مراتب الجهر وتفصيله فى تفسير الفاتحة للفنارى. ولى فيه وجه خفى لاح عند المطالعة وهو ان النداء الخفى عند الخواص كالذكر الخفى هو ما خفى عن الحفظة فضلا عن الناس لا يخفض به الصوت والوجه فى عبارة النداء الاشارة الى شدة الاقبال والتوجه فى الامر المتوجه كما هو شأن الانبياء ومن له بهم اسوة حسنة من كمل الاولياء.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} اذ ظرف للذّكر او للرّحمة او مفعول للذّكر او خبر له او بدل من الرّحمة او من عبده او من زكريّا نحو بدل الاشتمال {نِدَآءً خَفِيّاً} لضعف الشّيخوخة او لانّه كان اقرب الى الاخلاص او لخوف اطّلاع الموالى على طلبه للولد ومعاندتهم له بذلك او لخوف اطّلاع الخلق على طلبه للولد وقت اليأس عن الولد وملامتهم له على ذلك.
الهواري
تفسير : {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً} أي: دعاء لا رياء فيه، في تفسير الحسن. وقال قتادة: خفياً: سرّاً. {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي} أي: ضعفت العظام مني، في تفسير قتادة. وقال الحسن: ضعف. قال يحيى: ضعف العظم مني: رقّ. قال: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَم أَكُن بِدُعَائِكَ} أي: لم أكن بدعائي إياك {رَبِّ شَقِيّاً}. يقول: لم أزل بدعائك سعيداً لم تردده عليّ. وقال الكلبي: لم يكن دعائي مما يخيب عندك. قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ} أي الورثة من بعدي، يعني العصبة وهو تفسير السدي، الذين يرثون ماله. فأراد أن يكون من صلبه من يرث نبوّته في تفسير قتادة، ويرث ماله. وتفسير الحسن: يرث علمه ونبوّته. سعيد قال قتادة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثة". تفسير : وحدثنا المبارك بن فضالة والحسن بن دينار عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثة ". تفسير : قوله: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً} أي: لا تلد {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ} ملكَهم وسلطانَهم. كانت امرأة زكرياء من ولد يعقوب؛ ليس يعني يعقوب الأكبر، إنما يعني يعقوب دونه. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}. فأوحى الله إليه: {يَازَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى} أي: أحياه الله بالإِيمان. قوله: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي: لم نسمّ به أحداً قبله يحيى. وقال ابن عباس: لم تلد العواقر مثله، يقول: سمياً يساميه، [أي] نظيراً له في ذلك.
اطفيش
تفسير : {إِذ نَادَى} دعا وقيل: نادى نداء مشتملا على الدعاء متعلق برحمة {رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} سرا جوف الليل لأنه أسرع للإجابة وأبعد من الرياء وأدخل فى الإخلاص مع أن الجهر والإخفاء عند الله سيان. وقيل: أسرَّ دعاءه خوفا من مواليه. وقيل: لئلا يلام على طلب الولد فى زمان الشيخوخة. وقيل: لضعفه وهرمه؛ فإنه ابن ستين سنة أو خمس وستين أو سبعين أو خمس وسبعين أو خمس وثمانين أقوال. وفسر النداء بقوله: {قَالَ رَبِّ إنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى} أى ضعف. وقرئ بضم الهاء وكسرها. والعظم الجنس ومنى حال من العظم أو نعته لأنه للجنس وخص العظم بالذِّكر لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه فإذا ضعف تساقطت قوته ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا ضعف كان ما وراءه أضعف وقيل: العظم أسنانه ضغفت فهى تتساقط. {وَاشْتَعَلَ} انتشر. {الرَّأْسُ} وعن أبى عمرو إدغام السين فى الشين. {شَيْباً} تمييز محول عن الفاعل وأل فى الرأس للتعريف الحضورى أو على طريق تعريف الذهن، تعالى الله عن الذهن فإن الله عالم بأن مراده رأسه والمخاطب بالقرآن يعلم المراد أيضا أو أل نائب عن الضمير ويقدر الرأس لى أو منى. وأسند الاشتغال للرأس مبالغة عظيمة وكان يكفى مبالغة أن يسنده إلى ما حل فى الرأس وهو الشعر. والأصل اشتعل شيب الرأس فحول الإسناد لفائدة الإبهام ثم الإيضاح وللتعظيم بالتنكير فإن اشتعال الرأس مبهم وفى قوله شيبا إيضاح وتنكير. وشبّه الشيب فى بياضه وإنارته صفية لا دخان فيها وشبّه انتشاره فى الشعر باشتعالها ثم أخرج مخرج الاستعارة المركبة وهى التمثيلية بسطتها فى شرح عصام الدين ولكنها فى الشق الثانى تبعية بعد أصلية لأنه يشبه انتشاره باشتعالها وسماه اشتعالا واشتق من الاشتعال اشتعل بمعنى انتشر ولا يكاد الفصيح يخرج الكلام على الاستعارة البسيطة ما وجد المركبة ولا يخفى ما فى الآية من أنواع الفصاحة والبلاغة. {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} لم أك فيما مضى خائباً بدعائى إياك فلا تخيبنى فيما أتى وذلك تنبيه على أن الله عوَّده الإجابة وأطعمه فيها ولا يخّيب الكريم من أطعمه وعلى أن المطلوب وهو الولادة ولو لم يكن معتاداً لأنه شيخ لكن الإجابة معتادة وفى ذلك توسل بما سلف. روى أن محتاجا سأَل بعضاً وقال: أنا الذى أحسنت إلىَّ وقت كذا فقال له: مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته. وقيل: المعنى: دعوتنى للإيمان فآمنت ولم أشق بترك الإيمان والباء متعلق بلم أى انتفى الكون شقيّاً بدعائى إياك لأنه لو لم يدعه لخاب ولو علق بأكن أو بشقيا لصح لأنه إذا طلب طالب فلم يظفر قيل: كان بسبب دعائه خائباً أو شقىَ بدعائه وذلك أن طلبه هو الذى يظهر ظفره أو شقاوته وإضافة دعاء للكاف من إضافة المصدر للمفعول وأما على معنى دعوتنى فآمنت فإضافة لفاعله.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى شأنه: {إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ} ظرف لرحمة ربك وقيل لذكر على أنه مضاف لفاعله لا على الوجه الأول لفساد المعنى وقيل: هو بدل اشتمال من {أية : زَكَرِيَّا } تفسير : [مريم: 2] كما قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } تفسير : [مريم: 16]. وقرأ الحسن وابن يعمر كما حكاه أبو الفتح {أية : ذِكْرُ} تفسير : [مريم: 2] فعلاً ماضياً مشدداً و {رحمة} بالنصب على أنه كما في «البحر» مفعول ثان لذكر والمفعول الأول محذوف و {عَبْدَهُ} مفعول لرحمة وفاعل {ذِكْرُ} ضمير القرآن المعلوم من السياق أي ذكر القرآن الناس أن رحم سبحانه عبده، ويجوز أن يكون فاعل {ذِكْرُ} ضمير {كۤهيعۤصۤ} بناء على أن المراد منه القرآن ويكون مبتدأ والجملة خبره، وأن يكون الفاعل ضميره عز وجل أي ذكر الله تعالى الناس ذلك، وجوز أن يكون {رَحْمَةِ رَبّكَ} مفعولاً ثانياً والمفعول الأول هو {عَبْدَهُ} والفاعل ضميره سبحانه أي ذكر الله تعالى عبده رحمته أي جعل العبد يذكر رحمته. وإعراب {زَكَرِيَّا } كما مر، وجوز أن / يكون مفعولاً لرحمة والمراد بعبده الجنس كأنه قيل ذكر عباده رحمته زكريا وهو كما ترى، ويجوز على هذا أن يكون الفاعل ضمير القرآن، وقيل يجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى والرحمة مفعولاً أولاً و {عَبْدَهُ} مفعولاً ثانياً ويرتكب المجاز أي جعل الله تعالى الرحمة ذاكرة عبده، وقيل: {رَحْمَةً} نصب بنزع الخافض أي ذكر برحمة، وذكر الداني عن أبـي يعمر أنه قرأ {ذكر} على الأمر والتشديد و {رحمة } بالنصب أي ذكر الناس رحمة أو برحمة ربك عبده زكريا. وقرأ الكلبـي {ذِكْرُ} فعلاً ماضياً خفيفاً و {رَحْمَةِ رَبّكَ} بالنصب على المفعولية لذكر و {عبده} بالرفع على الفاعلية له. وزكريا عليه السلام من ولد سليمان بن داود عليهما السلام، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه آخر أنبياء بني إسرائيل وهو ابن آزر بن مسلم من ذرية يعقوب، وأخرج إسحٰق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس أنه ابن دان وكان من أبناء الأنبياء الذين يكتبون الوحي في بيت المقدس، وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبـي هريرة مرفوعاً أنه عليه السلام كان نجاراً. وجاء في اسمه خمس لغات. أولها: المد. وثانيها: القصر وقرىء بهما في السبع. وثالثها: زكري بتشديد الياء. ورابعها: زكرى بتخفيفها. وخامسها: زكر كقلم وهو اسم أعجمي، والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره وقد يقال لمجرد الصوت بل لكل ما يدل على شيء وإن لم يكن صوتاً على ما حققه الراغب، والمراد هنا إذ دعا ربه {نِدَاءً} أي دعاء {خَفِيّاً} مستوراً عن الناس لم يسمعه أحد منهم حيث لم يكونوا حاضرين. وكان ذلك على ما قيل في جوف الليل، وإنما أخفى دعاءه عليه السلام لأنه أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد لتوقفه على مبادي لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة وعن غائلة مواليه، وعلى ما ذكرنا لا منافاة بين النداء وكونه خفياً بل لا منافاة بينهما أيضاً إذا فسر النداء برفع الصوت لأن الخفاء غير الخفوت ومن رفع صوته في مكان ليس بمرأى ولا مسمع من الناس فقد أخفاه، وقيل: هو مجاز عن عدم الرياء أي الإخلاص ولم ينافه النداء بمعنى رفع الصوت لهذا. وفي «الكشف» أن الأشبه أنه كناية مع إرادة الحقيقة لأن الخفاء في نفسه مطلوب أيضاً لكن المقصود بالذات الإخلاص، وقيل مستوراً عن الناس بالمخافتة، ولا منافاة بناء على ارتكاب المجاز أو بناء على أن النداء لا يلزمه رفع الصوت ولذا قيل:شعر : يا من ينادى بالضمير فيسمع تفسير : وكان نداؤه عليه السلام كذلك لما مر آنفاً أو لضعف صوته بسبب كبره كما قيل الشيخ صوته خفات وسمعه تارات، قيل: كان سنه حينئذ ستين سنة، وقيل خمساً وستين، وقيل سبعين، وقيل خمساً وسبعين، وقيل ثمانين، وقيل خمساً وثمانين، وقيل اثنتين وتسعين، وقيل تسعاً وتسعين، وقيل مائة وعشرين وهو أوفق بالتعليل المذكور. وزعم بعضهم أنه أشير إلى كون النداء خفياً ليس فيه رفع بحذف حرفه في قوله تعالى: {قَالَ رَبّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى...}.
د. أسعد حومد
تفسير : (3) - حِينَ دَعَا رَبَّهُ خفْيَةً عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ (لأَنَّ الدُّعَاءَ الخَفِيَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ لِدَلاَلَتِهِ عَلَى الإِخْلاَصِ، وَالْبُعْد عَنِ الرِّياءِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: في الوقت الذي نادى فيه ربه نداءً خفياً. والنداء لَوْنٌ من ألوان الأساليب الكلامية، والبلاغيون يقسمون الكلام إلى خبر، وهو أن تخبر عن شيء بكلام يحتمل الصدق أو الكذب. وإنشاء، وهو أنْ تطلب بكلامك شيئاً، والإنشاء قَوْلٌ لا يحتمل الصدق أو الكذب. والنداء من الإنشاء؛ لأنك تريد أن تنشىء شيئاً من عندك، فلو قُلْت: يا محمد فأنت تريد أن تنشئ إقبالاً عليك، فالنداء - إذن - طلَبُ الإقبال عليك، لكن هل يصح أن يكون النداء من الله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادي إلا البعيد عنك الذي تريد أن تستدنية منك. فكيف تنادى ربك - تبارك وتعالى - وهو أقرب إليك من حبل الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله عليك موجوداً في كل وقت، فما الغرض من النداء هنا؟ نقول: الغرض من النداء: الدعاء. ووَصْف النداء هنا بأنه: {نِدَآءً خَفِيّاً} [مريم: 3] لأنه ليس كنداء الخَلْق للخَلْق، يحتاج إلى رَفْع الصوت حتى يسمع، إنه نداء لله - تبارك وتعالى - الذى يستوي عنده السر والجهر، وهو القائل: {أية : وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ ٱجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الملك: 13]. ومن أدب الدعاء أنْ ندعوَه سبحانه كما أمرنا: {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ..}تفسير : [الأعراف: 55]. وهو سبحانه {أية : يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}تفسير : [طه: 7] أي: وما هو أَخْفى من السر؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سِرّاً، علم أنه سيكون سراً. لذلك، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء، إنْ سمعه غيره ربما استنقصه، فجعل الدعاء خَفياً بين العبد وربه حتى لا يُفتضحَ أمره عند الناس. أما الحق سبحانه فهو ستَّار يحب الستر حتى على العاصين، وكذلك ليدعو العبد رَبَّه بما يستحي أنْ يذكره أمام الناس، وليكون طليقاً في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء؛ لأنه ربُّه ووليه الذي يفزع إليه. وإنْ كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن سألتهم أدنى شيء، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته. لكن لماذا أخفى زكريا دعاءه؟ دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها مُعطَّلة عنده؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خَرْق الناموس والقانون، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته. أخفاه أيضا؛ لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده، إلاّ أنه لم يأتمنهم على منهج الله؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج، فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ فإذا دعا زكريا ربه أنْ يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده، فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه؛ لذلك جاء دعاؤه خفياً يُسِرُّه بينه وبين ربه تعالى. سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا: لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن المتأخرة، وبعد أن بلغ من الكبر عتياً، وأصبحت امرأته عاقراً؟ لقد أوضح زكريا عليه السلام العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال: {أية : يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ..}تفسير : [مريم: 6]. إذن: فالعِلَّة في طلب الولد دينية مَحْضة، لا يطلبه لمغْنَم دنيوي، إنما شغفه بالولد لأنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد. لذلك قوله: (يرثني) هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة"تفسير : وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم. فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: {أية : وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ..}تفسير : [مريم: 6] أي: النبوة التي تناقلوها. فلا يستقيم هنا أبداً أن نفهم الميراث على أنه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ..}تفسير : [النمل: 16] ففي أيِّ شيء ورثه؟ أورثه في تركته؟ إذن: فما موقف إخوته الباقين؟ لا بد أنه ورثه في النبوة والملك، فالمسألة بعيدة كل البعد عن الميراث المادي. ثم يقول الحق سبحانه أن زكريا عليه السلام قال: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):