Verse. 2254 (AR)

١٩ - مَرْيَم

19 - Maryam (AR)

قَالَ رَبِّ اِنِّىْ وَہَنَ الْعَظْمُ مِنِّيْ وَاشْتَعَلَ الرَّاْسُ شَيْبًا وَلَمْ اَكُنْۢ بِدُعَاۗىِٕكَ رَبِّ شَقِيًّا۝۴
Qala rabbi innee wahana alAAathmu minnee waishtaAAala alrrasu shayban walam akun biduAAaika rabbi shaqiyyan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال رب إني وهن» ضعف «العظم» جميعه «مني واشتعل الرأس» مني «شيبا» تمييز محوَّل عن الفاعل أي: انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب وإني أريد أن أدعوك «ولم أكن بدعائك» أي: بدعائي إياك «ربّ شقيا» أي: خائبا فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : القراءة فيها مسائل: المسألة الأولى: قرىء {وَهَنَ } بالحركات الثلاث. المسألة الثانية: إدغام السين في الشين (من الرأس شيباً) عن أبي عمرو. المسألة الثالثة: {وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ } بفتح الياء وعن الزهري بإسكان الياء من الموالي وقرأ عثمان وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وسعيد بن جبير وزيد بن ثابت وابن عباس خفت بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر التاء وهذا يدل على معنيين: أحدهما: أن يكون ورائي بمعنى بعدي والمعنى أنهم قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعده فسأل ربه تقويتهم بولي يرزقه. والثاني: أن يكون بمعنى قدامي والمعنى أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق من به تقو واعتضاد. المسألة الرابعة: القراءة المعروفة: {مِن وَرَائِى } بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة وعن حميد بن مقسم كذلك لكن بفتح الياء وقرأ ابن كثير {وراي} كعصاي. المسألة الخامسة: من يرثني ويرث وجوه: أحدها: القراءة المعروفة بالرفع فيهما صفة. وثانيها: وهي قراءة أبي عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة بالجزم فيهما جواباً للدعاء. وثالثها: عن علي ابن أبي طالب وابن عباس وجعفر بن محمد والحسن وقتادة: {يَرِثُنِى } جزم وارث بوزن فاعل. ورابعها: عن ابن عباس: {يَرِثُنِى } وارث من آل يعقوب. وخامسها: عن الجحدري {وَيَرِثُ } تصغير وارث على وزن أفيعل (اللغة) الوهن ضعف القوة قال في «الكشاف» شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ كاشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزاً ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة، وأما الدعاء فطلب الفعل ومقابله الإجابة كما أن مقابل الأمر الطاعة، وأما أصل التركيب في (ولي) فيدل على معنى القرب والدنو يقال وليته أليه ولياً أي دنوت وأوليته أدنيته منه وتباعد ما بعده وولي ومنه قول ساعدة (ابن جؤبة): شعر : وعدت عواد دون وليك تشغب تفسير : وكل مما يليك وجلست مما يليه ومنه الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي، والولية البرذعة لأنها تلي ظهر الدابة وولي اليتيم والقتيل وولي البلد لأن من تولى أمراً فقد قرب منه، وقوله تعالى: {أية : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة:144، 149، 150] من قولهم ولاه بركنه أي جعله مما يليه، أما ولي عني إذا أدبر فهو من باب تثقيل الحشو للسلب وقولهم فلان أولى من فلان أي أحق أفعل التفضيل من الوالي أو الولي كالأدنى والأقرب من الداني والقريب وفيه معنى القرب أيضاً لأن من كان أحق بالشيء كان أقرب إليه والمولى اسم لموضع الولي كالمرمى والمبني اسم لموضع والمرمي والبناء، وأما العاقر فهي التي لا تلد والعقر في اللغة الجرح ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة وعقرت الفرس بالسيف إذا ضربت قوائمه، وأما الآل فهم خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم إليه ثم قد يؤول أمرهم إليه للقرابة تارة وللصحبة أخرى كآل فرعون وللموافقة في الدين كآل النبي صلى الله عليه وسلم واعلم أن زكرياء عليه السلام قدم على السؤال أموراً ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفاً. والثاني: أن الله تعالى ما رد دعاءه ألبتة. والثالث: كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين ثم بعد تقرير هذه الأمور الثلاثة صرح بالسؤال. أما المقام الأول: وهو كونه ضعيفاً فأثر الضعف، إما أن يظهر في الباطن أو في الظاهر، والضعف الذي يظهر في الباطن يكون أقوى مما يظهر في الظاهر فلهذا السبب ابتدأ ببيان الضعف الذي في الباطن وهو قوله: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } وتقريره هو أن العظام أصلب الأعضاء التي في البدن وجعلت كذلك لمنفعتين: إحداهما: لأن تكون أساساً وعمداً يعتمد عليها سائر الأعضاء الأخر إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة على العظام والحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول. والثانية: أنه احتيج إليها في بعض المواضع لأن تكون جنة يقوى بها ما سواها من الأعضاء بمنزلة قحف الرأس وعظام الصدر، وما كان كذلك فيجب أن يكون صلباً ليكون صبوراً على ملاقاة الآفات بعيداً من القبول لها إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان العظم أصلب الأعضاء فمتى وصل الأمر إلى ضعفها كان ضعف ما عداها مع رخاوتها أولى، ولأن العظم إذا كان حاملاً لسائر الأعضاء كان تطرق الضعف إلى الحامل موجباً لتطرقه إلى المحمول فلهذا السبب خص العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء وأما أثر الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس فثبت أن هذا الكلام يدل على استيلاء الضعف على الباطن والظاهر وذلك مما يزيد الدعاء توكيداً لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة. المقام الثاني: أنه ما كان مردود الدعاء ألبتة ووجه التوسل به من وجهين: أحدهما: ما روي أن محتاجاً سأل واحداً من الأكابر وقال: أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا، فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا ثم قضى حاجته. وذلك أنه إذا قبله أولا فلو أنه رده ثانياً لكان الرد محبطاً للأنعام الأول والمنعم لا يسعى في إحباط أنعامه. والثاني: وهو أن مخالفة العادة شاقة على النفس فإذا تعود الإنسان إجابة الدعاء فلو صار مردوداً بعد ذلك لكان في غاية المشقة ولأن الجفاء ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشق فقال زكرياء عليه السلام إنك ما رددتني في أول الأمر مع أني ما تعودت لطفك وكنت قوي البدن قوي القلب فلو رددتني الآن بعد ما عودتني القبول مع نهاية ضعفي لكان ذلك بالغاً إلى الغاية القصوى في ألم القلب، واعلم أن العرب تقول سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي بها إذا خاب ولم ينلها ومعنى بدعائك أي بدعائي إياك فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى. المقام الثالث: بيان كون المطلوب منتفعاً به في الدين وهو قوله: {وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى } وفيه أبحاث: الأول: قال ابن عباس والحسن: إني خفت الموالي أي الورثة من بعدي وعن مجاهد العصبة وعن أبي صالح الكلالة وعن الأصم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب وعن أبي مسلم المولي يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من يقوم بميراثه مقام الولد، والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين فقد كانت العادة جارية أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب فإنه كان متعيناً في الحياة. الثاني: اختلفوا في خوفه من الموالي فقال بعضهم: خافهم على إفساد الدين، وقال بعضهم بل خاف أن ينتهي أمره إليهم بعد موته في مال وغيره مع أنه عرف من حالهم قصورهم في العلم والقدرة عن القيام بذلك المنصب، وفيه قول ثالث وهو أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد اعلمه أنه لم يبق من أنبياء بني إسرائيل نبي له أب إلا واحد فخاف أن يكون ذلك من بني عمه إذ لم يكن له ولد فسأل الله تعالى أن يهب له ولداً يكون هو ذلك النبي، وذلك يقتضي أن يكون خائفاً من أمر يهتم بمثله الأنبياء وإن لم يدل على تفصيل ذلك. ولا يمتنع أن زكرياء كان إليه مع النبوة السياسة من جهة الملك وما يتصل بالإمامة فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما. أما قوله: {وَإِنّي خِفْتُ } فهو وإن خرج على لفظ الماضي لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضاً، كذلك يقول الرجل قد خفت أن يكون كذا وخشيت أن يكون كذا أي أنا خائف لا يريد أنه قد زال الخوف عنه وهكذا قوله: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا } أي أنها عاقر في الحال وذلك لأن العاقر لا تحول ولوداً في العادة ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي إعلام بتقادم العهد في ذلك وغرض زكرياء من هذا الكلام بيان استبعاد حصول الولد فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى وإلى هذا يرجع الأمر في قوله: وإني خفت الموالي من ورائي لأنه إنما قصد به الإخبار وعن تقادم الخوف ثم استغنى بدلالة الحال وما يوجب مسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال وأيضاً فقد يوضع الماضي مكان المستقبل وبالعكس قال الله تعالى: { أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أأنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 116] والله أعلم وأما قوله {من ورائي} ففيه قولان: الأول: قال أبو عبيدة أي قدامي وبين يدي وقال آخرون أي بعد موتي وكلاهما محتمل فإن قيل كيف خافهم من بعده وكيف علم أنهم يبقون بعده فضلاً من أن يخاف شرهم؟ قلنا: إن ذلك قد يعرف بالأمارات والظن وذلك كاف في حصول الخوف فربما عرف ببعض الإمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد والشر واختلف في تفسير قوله: {فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } فالأكثرون على أنه طلب الولد وقال آخرون بل طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره والأقرب هو الأول لثلاثة أوجه. الأول: قوله تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه: { أية : قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } تفسير : [آل عمران: 38]. والثاني: قوله في هذه السورة: {هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ }. والثالث: قوله تعالى في سورة الأنبياء: { أية : وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } تفسير : [الأنبياء: 89] وهذا يدل على أنه سأل الولد لأنه قد أخبر في سورة مريم أن له موالي وأنه غير منفرد عن الورثة وهذا وإن أمكن حمله على وارث يصلح أن يقوم مقامه لكن حمله على الولد أظهر واحتج أصحاب القول الثالث بأنه لما بشر بالولد استعظم على سبيل التعجب فقال أنى يكون لي غلام ولو كان دعاؤه لأجل الولد لما استعظم ذلك. الجواب: أنه عليه السلام سأل عما يوهب له أيوهب له وهو وامرأته على هيئتهما أو يوهب بأن يحولا شابين يكون لمثلهما ولد؟ وهذا يحكي عن الحسن وقال غيره إن قول زكرياء عليه السلام في الدعاء: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا } إنما هو على معنى مسألته ولداً من غيرها أو منها بأن يصلحها الله للولد فكأنه عليه السلام قال إني أيست أن يكون لي منها ولد فهب لي من لدنك ولياً كيف شئت إما بأن تصلحها فيكون الولد منها أو بأن تهب لي من غيرها فلما بشر بالغلام سأل أيرزق منها أو من غيرها فأخبر بأنه يرزق منها واختلفوا في المراد بالميراث على وجوه. أحدها: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال وهذا قول ابن عباس والحسن والضحاك. وثانيها: أن المراد به في الموضعين وراثة النبوة وهو قول أبي صالح. وثالثها: يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة وهو قول السدي ومجاهد والشعبي وروي أيضاً عن ابن عباس والحسن والضحاك. ورابعها: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروي عن مجاهد واعلم أن هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي المال ومنصب الحبورة والعلم والنبوة والسيرة الحسنة ولفظ الإرث مستعمل في كلها أما في المال فلقوله تعالى: { أية : أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَـٰرَهُمْ وَأَمولَهُمْ } تفسير : [الأحزاب:27] وأما في العلم فلقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [غافر: 53] وقال عليه السلام: « حديث : العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم » تفسير : وقال تعالى: { أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودُ } تفسير : [النمل: 15، 16] وهذا يحتمل وراثة الملك ووراثة النبوة وقد يقال أورثني هذا غماً وحزناً، وقد ثبت أن اللفظ محتمل لتلك الوجوه. واحتج من حمل اللفظ على وراثة المال بالخبر والمعقول أما الخبر فقوله عليه السلام: « حديث : رحم الله زكريا ما كان له من يرثه » تفسير : وظاهره يدل على أن المراد إرث المال وأما المعقول فمن وجهين. الأول: أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله على المال. الثاني: أنه قال {وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً } ولو كان المراد من الإرث إرث النبوة لكان قد سأل جعل النبي صلى الله عليه وسلم رضياً وهو غير جائز لأن النبي لا يكون إلا رضياً معصوماً، وأما قوله عليه السلام: « حديث : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة » تفسير : فهذا لا يمنع أن يكون خاصاً به واحتج من حمله على العلم أو المنصب والنبوة بما علم من حال الأنبياء أن اهتمامهم لا يشتد بأمر المال كما يشتد بأمر الدين، وقيل لعله أوتي من الدنيا ما كان عظيم النفع في الدين فلهذا كان مهتماً به أما قوله النبوة كيف تورث قلنا المال إنما يقال ورثه الابن بمعنى قام فيه مقام أبيه وحصل له من فائدة التصرف فيه ما حصل لأبيه وإلا فملك المال من قبل الله لا من قبل المورث فكذلك إذا كان المعلوم في الإبن أن يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين بعده جاز أن يقال ورثه أما قوله عليه السلام: « حديث : إنا معشر الأنبياء » تفسير : فهذا وإن جاز حمله على الواحد كما في قوله تعالى: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9] لكنه مجاز وحقيقته الجمع والعدول عن الحقيقة من غير موجب لا يجوز لا سيما وقد روي قوله: « حديث : إنا معاشر الأنبياء لا نورث » تفسير : والأولى أن يحمل ذلك على كل ما فيه نفع وصلاح في الدين وذلك يتناول النبوة والعلم والسيرة الحسنة والمنصب النافع في الدين والمال الصالح، فإن كل هذه الأمور مما يجوز توفر الدواعي على بقائها ليكون ذلك النفع دائماً مستمراً. السابع: اتفق أكثر المفسرين على أن يعقوب ههنا هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام لأن زوجة زكرياء هي أخت مريم وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب وأما زكرياء عليه السلام فهو من ولد هرون أخى موسى عليه السلام وهرون وموسى عليهما السلام من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق وكانت النبوة في سبط يعقوب لأنه هو إسرائيل صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين ليس المراد من يعقوب ههنا ولد إسحق بن إبراهيم عليه السلام بل يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكرياء وهذا قول الكلبي ومقاتل. وقال الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم، واعلم أنهم ذكروا في تفسير الرضى وجوهاً. أحدها: أن المراد واجعله رضياً من الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضي منهم مفضل على جملتهم فائق لهم في كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى له ذلك فوهب له سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية، وهذا غاية ما يكون به المرء رضياً. وثانيها: المراد بالرضي أن يكون رضياً في أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه بالرد. وثالثها: المراد بالرضي أن لا يكون متهماً في شيء ولا يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي. ورابعها: أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء: { أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } تفسير : [البقرة: 182] وكانا في ذلك الوقت مسلمين، وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا ههنا واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضياً بفعله، فلما سأل الله تعالى جعله رضياً دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى. فإن قيل: المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً فينسب ذلك إلى الله تعالى. والجواب من وجهين: الأول: أن جعله رضياً لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضياً لكان ذلك مجازاً وهو خلاف الأصل. والثاني: أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما كان واجباً لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } تفسير للنداء والوهن الضعف، وتخصيص العظم لأنه دعامة البدن وأصل بنائه ولأنه أصلب ما فيه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن وتوحيده لأن المراد به الجنس، وقرىء و {هن} و {وهن} بالضم والكسر ونظيره كمل بالحركات الثلاث. {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، وجعله مميزاً إيضاحاً للمقصود، واكتفى باللام على الإِضافة للدلالة على أن علم المخاطب بتعين المراد يغني عن التقييد. {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} بل كلما دعوتك استجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتاداً فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ } ضعف {ٱلْعَظْمُ } جميعه {مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ } مني {شِيباً } تمييز محوَّل عن الفاعل أي: انتشر الشيب في شعره كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وإني أريد أن أدعوكَ {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ } أي بدعائي إياك {رَبِّ شَقِيّاً } أي خائباً فيما مضى فلا تخيّبني فيما يأتي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَهَنَ} ضعف وإذا وهن العظم مع قوته فوهن اللحم والجلد أولى، أو شكا ضعف البطش الذي يقع بالعظم دون اللحم {وَاشْتَعَلَ} شبه انتشار الشيب في الرأس بانتشار النار في الحطب. {شَقِيّاً} خائباً، كنت لا تخيبني إذا دعوتك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} [الآية: 4]. قال ابن عطاء: قام مقام معتذر لما وجد فى نفسه من فترة العبادة لكبر السن فسأل الله من يعينه على عبادة ربه وينوب عنه فيما عجز عنه من أنواع العبادة ما نابه؟ فقال: واجعله رب رضيًا: ترضاه لخدمتك وتستخلصه لعبادتك. قوله عز وجل: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} [الآية: 4]. قال ابن عطاء: كيف يشقى من إليه مرجعه وإياه دعاؤه، وبه قوته، وعليه توكله، ومنه تأييده ونصرته؟ قال - الله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً}.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً}. أي لَقِيتُ بضعفي عن خدمتك ما لا أحِبُّه؛ فطعنتُ في السنِّ، ولا قوةَ بعد المشيب؛ فهَبْ لي ولداً ينوب عني في عبادتك. قوله جل ذكره: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً}. أي إني أسألك واثقاً بإجابتك؛ لعلمي بأني لا أشْقَى بدعائِك فإنَّك تحِبُّ أن تُسأل. ويقال إنك عوَّدتني إجابة الدعاء، ولم ترُدَّني في سالف أيامي إذا دعوْتُك.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} استئناف وقع بيانا للنداء {رب} [اى بروردكار من]{انى وهن العظم منى} الوهن الضعف وانما اسنده الى العظم وهو بالفارسية [استخوان] لانه عماد بيت البدن فاذا اصابه الضعف مع صلابته وقلة تأثره من العلل اصاب سائر الاجزاء. قال قتادة اشتكى سقوط الاضراس كما فى البغوى وافراده للقصد الى جنس المنبئ عن شمول الوهن لكل فرد من افراده ولو جمع لخرج بعض العظام عن الوهن. و منى متعلق بمحذوف وهو حال من العظم وهو تفصيل بعد الاجمال لزيادة التقرير لان العظم من حيث انه يصدق على عظمه يفيد نسبته اليه اجمالا. {واشتعل الرأس} منى حذف اكتفاء بما سبق {شيبا} شبه الشيب فى بياضه وانارته بشواظ النار وانتشاره فى الشعر ومنبته مبالغة واشعارا لشمول الشيب جملة الرأس حتى لم يبق من السواد شئ وجعل الشيب تمييزا ايضاحا للمقصود والاصل اشتعل شيب رأسى فوزانه بالنسبة الى الاصل وزان اشتعل بيته نارا بالنسبة الى اشتعل النار فى بيته: قال الشيخ سعدى شعر : جوشيبت درآمد بروى شباب شبت روزشد ديده بركن زخواب من آن روز ازخود بربدم اميد كه افتادم اندر سياهى سفيد جودوران عمر از جهل دركذشت مزن دست وباكآب ازسر كذشت دريغاكه بكذشت عمر عزيز بخواهد كذشت اين دمى جندنيز تفسير : {ولم اكن بدعائك رب شقيا} ولم اكن بدعائى اياك خائبا فى وقت من اوقات هذا العمر الطويل بل كما دعوتك استجبت لى وهذا توسل منه بما سلف من الاستجابة عند كل دعوة اثر تمهيد ما يستدعى الرحمة ويستجلب الرأفة من كبر السن وضعف الحال فانه تعالى بعدما عوّد عبده بالاجابة دهرا طويلا لا يخيبه ابدا لا سيما عند اضطرار وشدة افتقار - روى - ان محتاجا قال لبعضهم انا الذى احسنت الى وقت كذا فقال مرحبا بمن توسل بنا الينا وقضى حاجته ووجهه ان الرد بعد القبول يحبط الانعام الاول والمنعم لا يسعى فيه وكأنه يقول مارددتنى حين ما كنت قوى القلب والبدن غير متعود بلطفك فلو رددتنى الآن بعدما عودتنى القبول مع نهاية ضعفى لتضاعف الم قلبى وهلكته يقال سعد يحاجته اذا ظفر بها وشقى بها اذا خاب كذا فى تفسير الامام ثم بين ان ما يريده منتفع به فى الدين فقال {وانى خفت الموالى من ورائى} اى بعد موتى فلا بدلى من الخلف وهو متعلق بمحذوف ينساق اليه الذهن اى جور الموالى لا بخفت لفساد المعنى والجملة عطف على قوله انى وهن مترتب مضمونه على مضمونها فان ضعف القوى وكبر السن من مبادى خوفه من يلى امره بعد موته ومواليه بنوا عمه وكانوا شرار بنى اسرائيل فخاف ان لا يحسنوا خلافته فى امته ويبدلوا عليهم دينهم. قال فى القاموس المولى المالك والعبد والمعتق والمعتق والصاحب والقريب كابن العم ونحوه والجار والحليف والابن والعم والنزيل والشريك وابن الاخت والولى والرب والناصر والمنعم والمنعم عليه والمحب والتابع والصهر انتهى {وكانت امرأتى} هى ايشاع بنت فاقوذ بن فيل وهى اخت حنة بنت فاقوذ. قال الطبرى وحنة هى ام مريم. وقال القتيبى امرأة زكريا هى ايشاع بنت عمران فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى على الحقيقة وعلى القول الآخر يكون ابن خالة امه وفى حديث الاسراء"حديث : فلقيت ابنى الخالة يحيى وعيسى"تفسير : وهذا شاهد للقول الاول قاله الامام السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام {عاقرا} اى لا تلد من حين شبابها فان العاقر من الرجال والنساء من لا يولد له ولد وكان سنها حينئذ ثمانى وتسعين على ما اختاره الكاشفى {فهب}[بس ببخش] {لى من لدنك} كلا الجارين متعلق بهب لاختلاف معنييهما فاللام صلة له ومن لابتداء الغاية مجازا ولدن فى الاصل ظرف بمعنى اول غاية زمان او مكان او غيرهما من الذوات اى اعطنى من محض فضلك الواسع وقدرتك بطريق الاختراع لا بواسطة الاسباب العادية فانى وامرآتى لا نصلح للولادة {وليا} ولدا من صلبى يلى امر الدين بعدى كما قال {يرثنى} صفة لوليا اى يرثنى من حيث العلم والدين والنبوة فان الانبياء لا يورثون المال كما قال عليه السلام "حديث : نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة " تفسير : فان قلت وقد وصف الولى بالوراثة ولم يستجب له فى ذلك فان يحيى خرج من الدنيا قبل زكريا على ما هوالمشهور. قلت الانبياء وان كانوا مستجابى الدعوة لكنهم ليسوا كذلك فى جميع الدعوات حسبما تقتضيه المشيئة الالهية المبنية على الحكم البالغة ألا يرى الى دعوة ابراهيم عليه السلام فى حق ابيه والى دعوة النبى عليه السلام حيث قال"حديث : وسألته ان لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعتها"تفسير : وقد كان من قضائه تعالى ان يهبه يحيى نبيا مرضيا ولا يرثه فاستجيب دعاؤه فى الاول دون الثانى {ويرث من آل يعقوب} ابن اسحاق ابن ابراهيم الملك يقال ورثه وورث منه لغتان. وآل الرجل خاصة الذين يؤول اليه امرهم للقرابة او الصحبة او الموافقة فى الدين. وقال الكلبى ومقاتل هو يعقوب بن ماثان اخو عمران ابن ماثان من نسل سليمان عليه السلام ابو مريم وكان آل يعقوب اخوال يحيى بن زكريا. قال الكلبى كان بنوا ماثان رؤس بنى اسرائيل وملوكهم وكان زكريا رئيس الاحبار يومئذ فاراد ان يرث ولده حبورته ويرث من بنى ماثان ملكهم {واجعله} اى الولد الموهوب {رب رضيا} مرضيا عندك قولا وفعلا وتوسيط رب بين مفعولى الجعل كتوسيطه بين كان وخبرها فيما سبق لتحريك سلسلة الاجابة بالمبالغة فى التضرع ولذلك قيل اذا اراد العبد ان يستجاب له دعاؤه فليدع الله بما يناسبه من اسمائه وصفاته. واعلم ان الله تعالى لا يمكن العبد من الدعاء الا لاجابته كلا او بعضا كما وقع لزكريا. شعر : هم زاول تو دهى ميل دعا تو دهى آخر دعاهارا جزا ترس وعشق توكمند لطف ماست زير هر يا رب تو لبيكهاست تفسير : وفى الحديث "حديث : من فتح له باب الدعاء فتحت له ابواب الرحمة"تفسير : وذلك لان فى الدعاء اظهار الذلة والافتقار وليس شئ احب الى الله من هذا الاظهار ولذا قال ابو يزيد البسطامى قدس سره كابدت العبادة ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول لى يا ابا يزيد خزائنه مملوءة من العبادات ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والافتقار ولذا قال عند دخوله عالم الحقيقة شعر : جارجيز آورده ام شاها كه در كنج تونيسث نيستى واجت وعجز ونياز آورده ام تفسير : وعن بعض اهل المعرفة نعم السلاح الدعاء ونعم المطية الوفاء ونعم الشفيع البكاء كما فى خالصة الحقائق. ثم ان الدعاء اما للدين او للدنيا والاول مطمح نظر الكمل ألا ترى ان زكريا طلب من الله ان يكون من ذريته من يرث العلم الذى هو خير من ميراث المال لان نظام العالم فى العلم والعمل والصلاح والتقوى والعدل والانصاف وفيه اشارة الى انه لا بد للكامل من مرآة يظهر فيها كمالاته ألا ترى ان لله تعالى خلق العوالم وبث فيها اسماء الحسنى وجعل الانسان الكامل فى كل عصر مجلى انواره ومظهر اسراره فمن اراد الوصول الى الله تعالى فليصل الى الانسان الكامل فعليك بطلب خير الاول ليحيى به ذكرك الى يوم التناد ومن الله رب العباد الفيض والامداد والتوفيق لا سباب الوصول الى المراد.

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمرو والكسائي "يرثني" جزماً على أنه جواب الأمر. الباقون بالرفع على أنه صفة لـ {ولياً}. فمن رفع قال "ولياً" نكرة فجعل "يرثني" صلة له، كما تقول أعرني دابة اركبها، ولو كان الاسم معرفة، لكان الاختيار الجزم، كقوله {أية : فذروها تأكل في أرض الله} تفسير : والنكرة كقوله {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} تفسير : وقال مجاهد: من جزم جاز ان يقف على "ولياً". ومن رفع لم يجز لانه صلة، ولان المفسرين قالوا: تقديره "هب لي" الذي "يرثني" أي وارثاً فكل ذلك يقوّي الرفع. حكى الله تعالى ما نادى به زكريا ودعى ربه به، وهو أن قال {رب} أي يا رب وأصله ربي، وانما حذف الياء تخفيفاً وبقيت الكسرة تدل عليها {إني وهن العظم مني} أي ضعف، والوهن الضعف، وهو نقصان القوة، يقال: وهن الرجل يهن وهناً إذا ضعف. ومنه قوله {أية : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون}تفسير : وإنما اضاف الوهن الى العظم، لأن العظم مع صلابته إذا كبر ضعف، وتناقص، فكيف باللحم والعصب. وقيل شكى البطش وهو قلة العطس وهو لا يكون إلا بالعظم. وقوله {واشتعل الرأس شيباً} معناه انتشر الشيب في الرأس، كما ينتشر شعاع النار، وهو من أحسن الاستعارات. والاشتعال انتشار شعاع النار، والشيب مخالطة الشعر الابيض للاسود في الرأس وغيره من البدن، وهو مثل الشائب الذي يخالط الشيء من غيره {ولم أكن بدعائك رب شقياً} تمام حكاية ما دعا به زكريا، وانه قال لم اكن يا رب بدعائي اياك شقياً أي كنت ادعوك وحدك واعترف بتوحيدك. وقيل معناه اني إذا دعوتك اجبتني، والدعاء طلب الفعل من المدعو، وفي مقابلته الاجابة، كما أن فى مقابلة الأمر الطاعة. ويحتمل نصب "شيباً" أمرين: احدهما - ان يكون نصباً على المصدر كأنه قال شاب شيباً. والثاني - التمييز كقولهم تصببت عرقاً وامتلأت ماء وقوله {وإني خفت الموالي من ورائي} قال مجاهد وأبو صالح، والسدي: الموالي ها هنا العصبة. وقيل خفت الموالي بني عمي على الدين، لانهم كانوا شرار بني اسرائيل، وانما قيل لبني العم موالي لأنهم الذين يلونه فى النسب بعد الصلب. وقيل معنى الموالي الأولياء ان يرثوا علمي دون من كان من نسلي وانشدوا في أن الموالي بنو العم قول الشاعر: شعر : مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا تفسير : والمولى المِعتق، والمَعتق، والمولى الناصر، والمولى الولي والمولى الاولى. وروي عن عثمان أنه قرأ {وإني خفت الموالي} بفتح الخاء وتشديد الفاء. وقوله {وكانت امرأتي عاقراً} يعني لا تلد، ويقال للمرأة التي لا تلد: عاقر والرجل الذي لا يولد له: عاقر قال الشاعر: شعر : لبئس الفتى إن كنت اسود عاقراً جباناً فما عذري لدى كل محضر تفسير : والعقر فى البدن الجرح ومنه اخذ العاقر، لانه نقص أصل الخلقة إما بالجراحة، وإما بامتناع الولادة، ومنه العقار، لان فساده نقص لأصل المال. وقوله {يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيّاً} والميراث تركة الميت ما كان يملكه لمن بعده من مستحقيه بحكم الله فيه، يقال: ورث يرث ارثاً وميراثاً وتوارثوا توارثاً وورثه توريثاً، وأورثه علماً ومالا. و (الآل) خاصة الرجل الذين يؤل أمرهم اليه. وقد يرجع اليه أمرهم بالقرابة تارة وبالصحبة أخرى، وبالدين والموافقة، ومنه قيل (آل النبي) (صلى الله عليه وسلم). وقوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال أبو صالح: معناه يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. وقال الحسن يرثني العلم والنبوة، وقال مجاهد يرث علمه. وقال السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقوب، وكان آل يعقوب أخواله، وهو يعقوب ابن ماتان، وكان قيم الملك منهم، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى ابن عمران. قال مقاتل: يعقوب بن ماثان اخو عمران ابي مريم، وهما ابنا ماثان. وقوله {واجعله رب رضيّاً} والجعل على اربعة اقسام: احدها - بمعنى الاحداث كقولهم جعل البناء أي احدثه. والثاني - احداث ما يتغير به كقولهم: جعل الطين خزفاً أي احدث ما به يتغير الثالث - ان يحدث فيه حكما كقولهم: جعل فلان فلاناً فاسقاً أي بما أحدث فيه من حكمه وتسميته. الرابع - أن يحدث ما يدعوه الى ان يفعل كقولهم: جعله يقتل زيداً اي بما أمره به ودعاه الى قتله. ومعنى {واجعله رب رضيّاً} أي اجعل ذلك الولي الذي يرثني مرضياً عندك ممتثلا لأمرك عاملا بطاعتك. وفي الآية دلالة على ان الانبياء يورثون المال بخلاف ما يقول من خالفنا انهم لا يورثون، لأن زكريا صرح بدعائه وطلب من يرثه ويحجب بني عمه وعصبته من الولد. وحقيقة الميراث انتقال ملك المورث الى ورثته بعد موته بحكم الله. وحمل ذلك على العلم والنبوة على خلاف الظاهر، لان النبوة والعلم لا يورثان، لأن النبوة تابعة للمصلحة لا مدخل للنسب فيها، والعلم موقوف على من يتعرض له ويتعلمه، على أن زكريا إنما سأل ولياً من ولده يحجب مواليه من بني عمه وعصبته من الميراث وذلك لا يليق إلا بالمال، لان النبوة والعلم لا يحجب الولد عنهما بحال، على أن اشتراطه ان يجعله {رضيا} لا يليق بالنبوة، لان النبي لا يكون إلا رضياً معصوما، فلا معنى لمسألته ذلك، وليس كذلك المال، لأنه يرثه الرضي وغير الرضي. واستدل المخالف بهذه الآية على أن البنت لا تحوز المال دون بني العم والعصبة، لان زكريا طلب ولياً يمنع مواليه، ولم يطلب ولية. وهذا ليس بشيء، لان زكريا إنما طلب ولياً، لان من طباع البشر الرغبة فى الذكور دون الاناث من الأولاد، فلذلك طلب الذكر، على أنه قيل ان لفظ الولي يقع على الذكر والانثى، فلا نسلم أنه طلب الذكر بل يقتضي الظاهر أنه طلب ولداً سواء كان ذكراً او انثى. والوراء الخلف والوراء القدام ممدود وكذلك الوراء ولد الولد ممدود. والورى مقصوراً: داء فى الجوف. والورى ايضاً الخلق مقصور، وكلهم قرأ "ورائي" ممدوداً ساكن الياء إلا ما رواه ابن مجاهد عن قنبل بفتح الياء مع المدّ، وروي عن شبل عن ابن كثير (وراي) مقصوراً مثل هداي بغير همز، وفتح الياء. قال أبو علي لا أعلم أحداً من اهل اللغة حكى القصر فى هذه اللفظة، ولعلها لغة جاءت، وقد جاء فى الشعر قصر الممدود، وقياسه رد الشيء الى أصله، واللام فى هذه الكلمة همزة، وليس من باب الورى. وقال ابو عبيدة وغيره {من ورائي} يعني من قدامي، ومثله {أية : وكان وراءهم ملك} تفسير : أي بين أيديهم. وحكي عن الثوري وراء الرجل خلفه وقدامه. وقوله {أية : ومن ورائه عذاب} تفسير : اى قدامه. وقوله {وإني خفت الموالي} فان الخوف لا يكون من الاعيان وإنما يكون من معان فيها، فقولهم خفت الله اى خفت عقابه، وخفت الموالي خفت تضييعهم مالي وانفاقه في معصية الله.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} اظهار لعجزه ومسكنته مقدّمة للدّعاء، او اظهار ليأسه عن الولد واتّكاله فى دعائه على محض فضله من دون مدخليّة الاسباب الطّبيعيّة {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ} فى الارث الصّورىّ من التّضييع والنّزاع والخلاف، او فى الارث المعنوىّ من الاختلاف وتضييع العباد، وهذا اشعارٌ بانّ دعاءه خالٍ من مداخلة الهوى مقدّمة للاجابة، وقرئ خفت بضمّ التّاء من الخوف وخفت الموالى بكسر التّاء وتشديد الفاء من الخفّة يعنى خفّت الموالى {مِن وَرَآئِي} ولم يكن لهم حلم يمكنهم به تحمّل متاعب الهداية من العباد {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً} اظهار ليأسه من الاسباب واتّكاله فى دعائه على فضله، والعاقر يستوى فيه المذكّر والمؤنّث {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ} لا من الاسباب ليأسى من الاسباب {وَلِيّاً} يلى امورى بحسب الظّاهر والباطن.

اطفيش

تفسير : ومما يناسب الخفاء حذف حرف النداء فى قوله: {قالَ رَبّ} وهذا جملة مستأنفة جواب لقائِل ما نداءه الخفى، أَو مفسرة لنادى ربه نداء خفياً {إِنى وَهَنَ} ضعف {الْعَظْمُ مِنِّى} أَفرد لإرادة الجنس، فشمل عظامه كلها، لأن كل فرد منها يصدق عليه أَنه عظم، والعظم دعائم البدن، فإِذا ضعف ضعف البدن، فيجوز أَن يجوز ضعفه كناية عن ضعف البدن، وعن قتادة: العظم السن، ووهنها سقوطها، ولا دليل له على هذا التخصيص، ولو كان له وجه، وهو أَن ذلك من شأن كبار السن، وأن من شأنه ضعف البدن لانتفاء أكله ما يؤكل بالأسنان، وأيضا سقوط الأسنان ليس وهن لها، بل انتفاؤها من الفم، ولو كان سقوطها لسبب الوهن، ولم يقل: ومن عظمى، مع أنه أقل حروفا لعدم التفصيل بعد الاجمال فيه، بخلاف ما إِذا قال وهن العظم، وقال بعده: "منى" بالتفصيل، ولأن العظم أدل على الجنسية من عظمى، ولا يخفى ما فى كمال الرغبة إِذ نادى المنعم عليه المربى، وأدخل أن وقال منى، ونسب الوهن للعظم الموجب وهنه، وهن باقى البدن، وزاد بذكر الشيب، وما بهذه إلى رضيا. {وَاشْتَعَلَ الرأْسُ شَيْباً} تمييز محول عن الفاعل بمعنى انتشر شيب الرأس، ولا حاجة إلى دعوى أن شيباً مفعول مطلق، وإن اشتمل بمعنى شاب، شبه الشيب بشواظ النار لجامع عدم السواد فيها، وثبوت بعض بياض فيها، وشبه انتشاره فى الشعر باشتعالها لجامع التنقل، ففى اشتمل استعارة تصريحية تبعية، وفى الشيب مكنية، والتحقيق جواز انفكاك المكنية عن التخييلية، كما بينته فى شرحى على شرح عصام الدين، وبيان البيان، وفائدة بناء الكلام على التمييز إفادة العموم، إذ لو قيل: اشتعل شيب الرأس لم يعد العموم، مع أنه مراد، كما إِذا قلت: اشتعل البيت ناراً، أفاد العموم تصرحياً، وإذا قتل: اشتعل نار البيت لم يفده ولو أريد بالنية. {ولم أَكُن بدُعائك} بطلبى لك أن تفعل لى كذا {ربِّ شقياً} تعباً بلا فائدة فيما مضى من عمرى، فأحسن إلى بالولد، كما أحسنت إلى فى ما مضى بالإِجابة، ولا سيما أنى الآن أشد احتياجاً منى فيما مضى وهذا كما سأل سائل معاوية، أو معن بن زائدة، أو حاتما الطائى فقال: بم تتوسل إلىَّ؟ فقال: بإِعطائك إِياى وقت كذا، فقال مرحباً بمن توسل بنا إِلينا، فأعطاه وكما ذكر لفظى الربوبية المشعر بتقدم إنعام سابق وإفاضة ما فيه صلاح المربوب، مع الإِفاضة إلى المربوب، وذلك أولى من أن يكون المعنى لم أكن بدعائك إياى إلى الطاعة شقياً بتركها، أو مفسداً لها بالرياء، بل عبدتك مخلصاً، إِذ ليس فيه تصريح بالرغبة، ولو تضمنها بذكر موجب القرب، وهو الدعاء إلى الطاعة. وذكر الربوبية. روى أن موسى عليه السلام قال: يا رب، فقال الله جل جلاله: لبيك يا موسى، فقال موسى: أهذا إلى خاصة؟ فقال الله تبارك وتعالى: لا، ولكن لكل من يدعونى بالربوبية، وروى أن العبد إذا قال: يا رب قال الله: لبيك يا عبدى.

الالوسي

تفسير : {قَالَ رَبّ} والجملة تفسير للنداء وبيان لكيفيته فلا محل لها من الإعراب {إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} أي ضعف، وإسناد ذلك إلى العظم لما أنه عماد البدن ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة تداعى ما وراءه وتساقطت قوته؛ ففي الكلام كناية مبنية على تشبيه مضمر في النفس أو لأنه أشد أجزائه صلابة وقواماً وأقلها تأثراً من العلل فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، ففي الكلام كناية بلا تشبيه، وأفرد ـ على ما قاله العلامة الزمخشري وارتضاه / كثير من المحققين ـ لأن المفرد هو الدال على معنى الجنسية والقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان القصد إلى معنى آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها حتى كأنه وقع من سامع شك في الشمول والإحاطة لأن القيد في الكلام ناظر إلى نفي ما يقابله وهذا غير مناسب للمقام، وقال السكاكي: إنه ترك جمع العظم إلى الإفراد لطلب شمول الوهن العظام فرداً فرداً ولو جمع لم يتعين ذلك لصحة وهنت العظام عند حصول الوهن لبعض منها دون كل فرد وهو مسلك آخر مرجوح عند الكثير وتحقيق ذلك في موضعه، وعن قتادة أنه عليه السلام اشتكى سقوط الأضراس ولا يخفى أن هذا يحتاج إلى خبر يدل عليه فإن انفهامه من الآية مما لا يكاد يسلم، و {مِنّي} متعلق بمحذوف هو حال من العظم، ولم يقل ـ عظمي ـ مع أنه أخصر لما في ذلك من التفصيل بعد الإجمال ولأنه أصرح في الدلالة على الجنسية المقصودة هنا، وتأكيد الجملة لإبراز كمال الاعتناء بتحقيق مضمونها. وقرأ الأعمش {وهن} بكسر الهاء، وقرىء بضمها أيضاً. {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } شبه الشيب في البياض والإنارة بشواظ النار وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعالها ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ففي الكلام استعارتان تصريحية تبعية في {اشتعل} ومكنية في الشيب، وانفكاكها عن التخييلية مما عليه المحققون من أهل المعاني على أنه يمكن على بعد القول بوجود التخييلية هنا أيضاً. وتكلف بعضهم لزعمه عدم جواز الانفكاك وعدم ظهور وجود التخييلية إخراج ما في الآية مخرج الاستعارة التمثيلية وليس بذاك، وأسند الاشتعال إلى محل الشعر ومنبته وأخرج مخرج التمييز للمبالغة وإفادة الشمول فإن إسناد معنى إلى ظرف ما اتصف به زمانياً أو مكانياً يفيد عموم معناه لكل ما فيه في عرف التخاطب فقولك: اشتعل بيته ناراً يفيد احتراق جميع ما فيه دون اشتعل نار بيته. وزعم بعضهم أن {شِيباً} نصب على المصدرية لأن معنى {ٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ} شاب، وقيل هو حال أي شائباً وكلا القولين لا يرتضيهما كامل كما لا يخفى، واكتفى باللام عن الإضافة لأن تعريف العهد المقصود هنا يفيد ما تفيده، ولما كان تعريف العظم السابق للجنس كما علمت لم يكتف به وزاد قوله {مِنّي} وبالجملة ما أفصح هذه الجملة وأبلغها، ومنها أخذ ابن دريد قوله:شعر : واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضاء تفسير : وعن أبـي عمرو أنه أدغم السين في الشين. {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً} أي لم أكن بدعائي إياك خائباً في وقت من أوقات هذا العمر الطويل بل كلما دعوتك استجبت لي، والجملة معطوفة على ما قبلها، وقيل حال من ياء المتكلم إذ المعنى واشتعل رأسي وهو غريب، وهذا توسل منه عليه السلام بما سلف منه تعالى من الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة من كبر السن وضعف الحال فإنه تعالى بعد ما عود عبده الإجابة دهراً طويلاً لا يكاد يخيبه أبداً لا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره، وفي هذا التوسل من الإشارة إلى عظم كرم الله عز وجل ما فيه. وقد حكي أن حاتماً الطائي، وقيل معنى بن زائدة أتاه محتاج فسأله وقال: أنا الذي أحسنت إليه وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل بنا إلينا وقضى حاجته، وقيل المعنى ولم أكن بدعائك أياي إلى الطاعة شقياً بل / كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصاً فالكاف على هذا فاعل والأول أظهر وأولى وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاح المربوب مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لا سيما توسيطه بين كان وخبرها لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع. وقد جاء في بعض الآثار أن العبد إذا قال في دعائه: يا رب قال الله تعالى له: لبيك عبدي. وروي أن موسى عليه السلام قال يوماً في دعائه: يا رب فقال الله سبحانه وتعالى له: لبيك يا موسى فقال موسى: أهذا لي خاصة فقال الله تبارك وتعالى: لا ولكن لكل من يدعوني بالربوبية وقيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدع الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاته عز وجل.

ابن عاشور

تفسير : . جملة {قَالَ ربّ إنِّي وهَنَ العَظمُ مِني} مبنية لجملة {أية : نادى ربه }تفسير : [مريم: 3]. وهي وما بعدها تمهيد للمقصود من الدعاء وهو قوله: {فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ ولِيّاً}. وإنّما كان ذلك تمهيداً لما يتضمنه من اضطراره لسؤال الولد. والله يجيب المضطر إذا دعاه، فليس سؤاله الولدَ سؤال توسع لمجرد تمتع أو فخر. ووصَف من حاله ما تشتد معه الحاجة إلى الولد حالاً ومئالاً، فكان وهن العظم وعموم الشيب حالاً مقتضياً للاستعانة بالولد مع ما يقتضيه من اقتراب إبان الموت عادة، فذلك مقصود لنفسه ووسيلة لغيره وهو الميراث بعد الموت. والخبران من قوله: {وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً }مستعملان مجازاً في لازم الإخبار، وهو الاسترحام لحاله. لأن المخبَر ــــ بفتح الباء ــــ عالم بما تضمنه الخبران. والوهن: الضعف. وإسناده إلى العظم دون غيره مما شمله الوهن في جسده لأنه أوجز في الدلالة على عموم الوهن جميع بدنه لأنّ العظم هو قوام البدن وهو أصلب شيء فيه فلا يبلغه الوهن إلاّ وقد بلغ ما فوقه. والتعريف في (العظَمُ) تعريف الجنس دال على عموم العظام منه. وشبّه عموم الشّيب شعرَ رأسه أو غلَبَته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع انتشار شيء لامع في جسم أسود، تشبيهاً مركباً تمثيلياً قابلاً لاعتبار التفريق في التشبيه، وهو أبدع أنواع المركب. فشبه الشعر الأسود بفحم والشعر الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل {اشتَعَل}. وأسند الاشتعال إلى الرأس، وهو مكان الشعر الذي عمّه الشيب، لأنّ الرأس لا يعمه الشيب إلاّ بعد أن يعمّ اللّحية غالباً، فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن. وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي، لأنّ الاشتعال من صفات النار المشبه بها الشيب فكان الظاهر إسناده إلى الشيب، فلما جيء باسم الشيب تمييزاً لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته، وخصوصية التفصيل بعد الإجمال، مع إفادة تنكير {شَيباً} من التعظيم فحصل إيجاز بديع. وأصل النظم المعتاد: واشتعل الشيب في شعر الرأس. ولِما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبنى المعاني والبيان كان لها أعظم وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب «الكشاف» ووضحه صاحب «المفتاح» فانظُرهما. وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله:شعر : واشتعل المُبيضّ في مُسوده مثلَ اشتعال النّار في جزل الغضاتفسير : ولكنّه خليق بأن يكون مضرب قولهم في المثل: «ماء ولا كصدّى». والشيب: بياض الشعر. ويعرض للشعر البياض بسبب نقصان المادة التي تعطي اللون الأصلي للشعر، ونقصانها بسبب كبر السن غالباً، فلذلك كان الشيب علامة على الكبر، وقد يبيضّ الشعر مِنْ مرض. وجملة {لم أكن بدعائك رب شقياً} معترضة بين الجمل التمهيدية، والباء في قوله: {بدعائك} للمصاحبة. والشقيّ: الذي أصابته الشقوة، وهي ضد السعادة، أي هي الحرمان من المأمول وضلال السّعي. وأطلق نفي الشقاوة والمراد حصول ضدها وهو السعادة على طريق الكناية إذ لا واسطة بينهما عرفاً. ومثل هذا التركيب جرى في كلامهم مجرى المثل في حصول السعادة من شيء. ونظيره قوله تعالى في هذه السورة في قصة إبراهيم: {أية : عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً }تفسير : [مريم: 48] أي عسى أن أكون سعيداً. أي مستجاب الدعوة. وفي حديث أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه في شأن الذين يذكرون الله ومن جالسهم «هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» أي يسعد معهم. وقال بعض الشعراء، لم نعرف اسمه وهو إسلامي:شعر : وكنت جليسَ قعقاع بن شَوْر ولا يشقَى بقعقاع جليستفسير : أي يسعد به جليسُه. والمعنى: لم أكن فيما دعوتك من قبل مردود الدعوة منك، أي أنه قد عهد من الله الاستجابة كلما دعاه. وهذا تمهيد للإجابة من طريق غير طريق التمهيد الذي في الجمل المصاحبة له بل هو بطريق الحث على استمرار جميل صنع الله معه، وتوسلٌ إليه بما سلف له معه من الاستجابة. روي أن محتاجاً سأل حاتماً الطائي أو مَعْنَ بن زائدةَ قائلاً: «أنا الذي أحسنت إليّ يوم كذا» فقال: «مرحباً بمن تَوسل بنا إلينا». وجملة {وإني خفت الموالي من ورائي }عطف على جملة {واشتعل الرأس شيباً}، أي قاربت الوفاة وخفت الموالي من بعدي. وما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً أنه قال: «حديث : يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله»تفسير : . فلعلّه خشي سوء معرفتهم بما يخلّفه من الآثار الدينية والعلمية. وتلك أعلاق يعزّ على المؤمن تلاشيها، ولذلك قال: {يرثني ويرث من آل يعقوب }فإن نُفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين وما سوى ذلك فهو تبع. فقوله {يَرِثُني }يعني به وراثة ماله. ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حديث : يرحم الله زكرياء ما كان عليه من وراثة ماله»تفسير : . والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يُورَثون، قال تعالى: {أية : وورث سليمان داوود }تفسير : [النمل:16]. وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «حديث : نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركْنَا صدقةٌ» تفسير : فإنما يريد به رسول الله نفسَه، كما حمله عليه عُمر في حديثه مع العبّاس وعليّ في «صحيح البخاري» إذ قال عمر: «يريد رسول الله بذلك نفسه»، فيكون ذلك من خصوصيات محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن كان ذلك حكماً سابقاً كان مراد زكرياء إرث آثار النبوءة خاصة من الكتب المقدّسة وتقاييده عليها. والموالي: العصبة وأقرب القرابة، جمع مولى بمعنى الولي. ومعنى: {من ورائي }من بعدي، فإن الوراء يطلق ويراد به ما بعد الشيء، كما قال النّابغة:شعر : وليس وراء الله للمرء مطلبتفسير : أي بعد الله. فمعنى {من ورائي }من بعد حياتي. و{من ورائي }في موضع الصفة لــــ {الموالي }أو الحال. وامرأة زكرياء اسمها أليصابات من نسل هارون أخي موسى فهي من سبط لاوي. والعاقر: الأنثى التي لا تلد، فهو وصف خاص بالمرأة، ولذلك جرد من علامة التأنيث إذ لا لبس. ومصدره: العُقر ــــ بفتح العين وضمها مع سكون القاف ــــ. وأتى بفعل (كان) للدّلالة على أن العقر متمكن منها وثابت لها فلذلك حرم من الولد منها. ومعنى {مِنْ لَدنكَ }أنه من عند الله عندية خاصة، لأنّ المتكلّم يعلم أنّ كلّ شيء من عند الله بتقديره وخلقه الأسْباب ومسبباتها تبعاً لخلقها، فلما قال {من لدنك} دلّ على أنه سأل ولياً غير جارٍ أمره على المعتاد من إيجاد الأولاد لانعدام الأسباب المعتادة، فتكون هبته كرامة له. ويتعلّق {لِي} و {مِن لَّدُنكَ} بفعل {هَبْ}. وإنما قدم {لِي} على {مِن لدُنكَ} لأنه الأهم في غرض الداعي، وهو غرض خاص يقدم على الغرض العام. و {يَرِثُني} قرأه الجمهور بالرفع على الصفة لــــ {وَلِيَّا}. وقرأه أبو عمرو، والكسائي بالجزم على أنه جواب الدعاء في قوله {هَبْ لِي} لإرادة التسبب لأن أصل الأجوبة الثمانية أنها على تقدير فاء السببية. و {ءَال يَعْقُوبَ} يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ {آل} المشعر بالفضيلة والشرف، فيكون يعقوب هو إسرائيل؛ كأنه قال: ويرث من آل إسرائيل، أي حملة الشريعة وأحْبار اليهودية كقوله تعالى: {أية : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة }تفسير : [النساء:54]، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه }تفسير : [آل عمران:68] وقولِه: {أية : ذرية من حملنا مع نوح }تفسير : [الإسراء:3]، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه. ويجوز أن يراد يعقوب آخر غير إسرائيل. وهو يعقوب بن ماثان، قاله: معقل والكلبي، وهو عمّ مريم أخو عمران أبيها، وقيل: هو أخو زكرياء، أي ليس له أولاد فيكون ابنُ زكرياء وارثاً ليعقوب لأنه ابن أخيه، فيعقوب على هذه هو من جملة الموالي الذين خافهم زكرياء من ورائه.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِدُعَآئِكَ} (4) - فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ، وَخَارَتْ قُوَايَ (وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي)، وَشَابَ رَأْسِي وَلَمْ أَعْهَدْ مِنْكَ إِلاَّ الإِجَابَةَ لِدُعَائِي، وَلَمْ تَرُدَّنِي قَطُّ خَائِباً فِيمَا سَأَلْتُكَ. وَهَنَ الْعَظْمُ - ضَعُفَ وَرَقَّ. شَقِيّاً - خَائِباً فِي وَقْتٍ مَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا هو النداء، أو الدعاء الذي دعا به زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ..} [مريم: 4] ويرد في الدعاء أن نقول: يا رب. أو نقول: يا الله، فقال زكريا (رب) أي: يا رب؛ لأنه يدعو بأمر يتعلق بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والكافر، إنه يطلب الولد، وهذا أمر يتعلق ببنية الحياة وصلاحها للإنجاب، وهذه من عطاء الرب سبحانه وتعالى، وإن كانت العلقة في طلب الولد إلهية، وهي أنْ يحمل المنهج من بعد أبيه. فكأن زكريا عليه السلام دعا ربه: يا ربّ يا مَنْ تعطي مَنْ آمن بك، وتعطي مَنْ كفر، يا مَنْ تعطي مَنْ أطاع، وتعطي مَنْ عصى، حاشاك أن تمنع عطاءك عمَّن أطاعك ويدعو الناس إلى طاعتك. أما الدعاء بالله ففي أمور العبادة والتكليف. ثم يُقدِّم زكريا عليه السلام حيثيات هذا المطلب: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ..} [مريم: 4] والوَهَن هو الضعف، وقال: {وَهَنَ ٱلْعَظْمُ ..} [مريم: 4] لأن لكل شيء قواماً في الصلابة والقوة، فمثلاً الماء له قوام معروف والدُّهْن له قوام، واللحم له قوام، والعصب والعظم وكل عناصر تكوين الإنسان، والعَظْم هو أقوى هذه الأشياء، والعَظْم في بناء الجسم البشري مثل (الشاسيه) في لغة العصر الحديث، وعلى العظم يبنى جسم الإنسان من لحم ودم وعصب، فإذا أصاب العظام - وهي أقوى العناصر - ضعفٌ ووهنٌ فغيرها من باب أَوْلى. لذلك، فإن الرجل العربي حينما شكا الجدب والقحط ماذا قال؟ قال: مرَّتْ بنا سنون صعبة: فَسنة أذابتْ الشحم - أي: بعد الجوع وعدم الطعام - وسنة أذهبت اللحم - أي: بعد أن أنهت الشحم - وسنة محَّت العظم. فكأن العَظْم هو آخر مخزن من مخازن القوت في جسم الإنسان ساعة أن ينقطع عنه الطعام والشراب. والعظم في هذه الحالة يُوجِّه غذاءه للمخ خاصة؛ لأنه ما دام في المخ بقية قبول حياة فما حدث للجسم من تلف قابل للإصلاح والعودة إلى طبيعته، إذن: فسلامة الإنسان مرتبطة بسلامة المخ. لذلك نجد الأطباء في الحالات الحرجة يُركِّزون اهتمامهم على سلامة المخ، ويرتبون عليه حياة الإنسان أو موته، حتى إن توقف القلب فيمكنهم بالتدليك إعادته إلى حالته الطبيعية، أما إنْ توقف المخ فهذا يعني الموت. فكأن نبي الله زكريا - عليه السلام - يقول: يا رب ضعف عظمي، ولم يَعُدْ لديَّ إلا المصدر الأخير لاستبقاء الحياة. ولما كان العظم شيئاً باطناً مدفوناً تحت الجلد، فهو حيثية باطنة، فأراد زكريا عليه السلام أنْ يأتيَ بحيثية أخرى ظاهرة بينة، فأتى بأمر واضح: {وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً ..} [مريم: 4] فشبّه انتشار الشيب في رَأْسه باشتعال النار، فالشعر الأبيض الذي يعلوه واضح كالنار. والمتأمل في هذا التشبيه يجد أن النار أيضاً تتغذى على الحطب وتظل مشتعلة لها لهب يعلو طالما في الحطب الحيوية النباتية التي تمد النار، فإذا ما انتهتْ هذه الحيوية النباتية في الحطب أخذت النار في التضاؤل، حتى تصير جَذْوة لا لَهبَ لها ثم تنطفىء. واشتعال الرأس بالشيب أيضاً دليل على ضعف الجسم ووَهَن قُوته؛ لأن الشعر يكتسب لونه من مادة مُلوّنة سوداء أو حمراء أو صفراء توجد في بُصَيْلة الشعرة، وتُمد الشعرة بهذا اللون، وضعْفُ الجسم يُضعِف هذه المادة تدريجياً، حتى تختفي، وبالتالي تخرج الشعرة بيضاء، والبياض ليس لوناً، إنما البياض عدم اللون نتيجة ضَعْف الجسم وضَعْف الغُدَد التي تفرز هذا اللون. لذلك، نجد المترفين الذين يعنون كثيراً بشعرهم ويضعُون عليه المواد المختلفة أول ما يظهر الشيب عندهم تبيض سوالفهم؛ لأن السوالف عادة بعد أنْ يُهذِّبها الحلاق تأخذ أكبر قدر من المواد الكاوية التي تؤثر على بُصيْلات الشعر وعلى هذه المادة الملونة، والشعرة مثل الأنبوبة يسهل توصيل هذه المواد منها خاصة بعد الحلاقة مباشرة وما تزال الشعرة مفتوحة. ثم يقول: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} [مريم: 4] أي: لم أكُنْ فيما مضى بسبب دعائي لك شقياً؛ لأني مُستجَابُ الدعوة عندك، فكما أكرمتني سابقاً بالإجابة فلم أكُنْ شقياً بدعائك، بل كنتُ سعيداً بالإجابة، فلا تُخلِف عادتك معي هذه المرة، واجعلني سعيداً بأنْ تُجيبني، خاصة وأن طلبي منك طاعة لك، فأنا لا أريد أنْ أخرج من الدنيا إلاَّ وأنا مطمئن على مَنْ يحمل المنهج، ويقوم بهذه المهمة من بعدي. وأنت قد تدعو الله لأمر تحبه، فإذا لم يأْتِ ما تحبه ولم تجب حزنت وكأنك شقيت بدعائك، وقد يكون شقاءَ كذب، لأنك لا تدري الحكمة من المنع وعدم الإجابة، لا تدري أن الله تعالى يتحكم في تصرفاتك. وربما دعوْت بأمر تراه الخير من وجهة نظرك وفي علم الله أنه لا خَيْرَ لك فيه، فمنعه عنك وعدَّل لك ما أخطأتَ فيه من تقدير الخير، فأعطاك ربك من حيث ترى أنه منعك، وأحسن إليك من حيث ترى أنه حرمك، لأنك طلبتَ الخير من حيث تعلم أنت أنه خير ومنع الله من حيث يعلم أن الخير ليس في ذلك. ثم يذكر زكريا عليه السلام عِلَّة أخرى هي علة العِلَل ولُبّ هذه المسألة، فيقول: {وَإِنِّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِيَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} معناه أجبتَني حين دعوتُكَ ولم تخيبني.

همام الصنعاني

تفسير : 1739- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً} [الآية: 4] قال كنت تعرفني الإجابة فيما مَضَى.